النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ باب قضاء الفوائت • وأما في حال ضيق الوقت: فالنهي عن تقديم الفائتة لا يختص بها، وإنما مُنع منها؛ كي لا يؤديَ إلى تأخير الوقتية، بدليل أنه لو تنفَّل، أو عمل عملاً من الأعمال: نُهي عنه؛ لأجل ذلك، والنهي إذا لم يكن لمعنىَ في نفس المنهي عنه: لم يقتض الفساد. وإنما كان الأَوْلى في حال ضيق الوقت: أن يقدم الوقتية؛ لأنه لو بدأ بالفائتة: فاتته الوقتية، فيصيران جميعاً فائتتين، فإذا بدأ بالوقتية: كانت إحداهما فائتةً، فلأن يصليَ إحداهما وقتيةً: أَوْلى من أن يصليهما فائنتين. - قال الخُجَندي: إذا افتتح العصرَ في أول الوقت وهو لا يعلم أن عليه الظهر، وأطال القيامَ والقراءة حتى دخل وقت الكراهة، ثم تذكّر أن عليه الظهر: فله أن يمضي على صلاته. - وإن افتتح العصرَ في حال ضيق الوقت، فلمَّا صلى منها ركعة أو ركعتين غربت الشمس: فالقياس أن تفسد العصر، والاستحسان أن يمضيَ فيها، ثم يقضي الظهرَ، ثم يصلي المغرب. - ولو تذكّر أن عليه الظهر بعد ما احمرَّت الشمس: فإنه يصلي العصر، ولو صلى الظهر: لم يجز. - ولو افتتح العصرَ في أول الوقت وهو ذاكرٌ أن عليه الظهر، وأطال القيامَ والقراءةَ حتى دخل الوقتُ المكروه: لا تجوز صلاته، وعليه أن يقطع العصر، ثم يفتتح العصرَ ثانياً، ثم يصلي الظهر بعد الغروب. ٤٢٢ باب قضاء الفوائت وإن فاتته صلواتٌ: رتَّبها في القضاء كما وجبت في الأصل، - ولو افتتح العصرَ في أول الوقت وهو لا يعلم أن عليه الظهر، وأطالها حتى دخل وقتُ الكراهة، ثم تذكر أن عليه الظهر: فله أن يمضيَ على صلاته. * قوله: (فإن فاتته صلواتٌ: رتَّبها في القضاء كما وجبت في الأصل). أي عند قلة الفوائت، بدليل قوله فيما بعد: إلا أن تزيد الفوائتُ على ست صلوات. والدليل على وجوب الترتيب: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم شُغِل يوم الخندق عن أربع صلوات، فقضاهنَّ مرتِبا))(١). ثم قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٢)، وهذا أمرٌ بالترتيب. - وإنما لم يقل: صلوا كما أصلي، أو: كما صليتُ؛ لأنه ليس في وُسْعْ أحدٍ أن يصليَ كما صلى في الخشوع. والأربع الصلوات التي شُغِل عنها يوم الخندق: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقضاهنَّ بعد هَوِيٍّ من الليل، أي طائفةٍ من الليل، وهي نحوٌ من ثلثه الليل، أو ربعه، فأمر بلالاً فأذّن، ثم أقام فصلى الظهرَ، ثم أقام فصلى العصرَ، ثم أقام فصلى المغربَ، ثم أقام فصلى العشاء. (١) سنن الترمذي (١٧٩)، سنن النسائي ١٧/٢، وله طرق وشواهد ينظر لها نصب الراية ٢/ ١٦٤. (٢) صحيح البخاري (٦٣١، ٢٨٤٨). ٤٢٣ باب قضاء الفوائت إلا أن تزيدَ الفوائتُ على ستِّ صلواتٍ : فَيَسقط الترتيبُ فيها. قوله: (إلا أن تزيدَ الفوائتُ على ستٍّ صلوات: فيسقط الترتيب فيها). مرادُه: أن تصيرَ الفوائت ستاً، ودخل وقتُ السابعة: فإنه يجوز أداء السابعة. - وفيه إشكالٌ، وهو: أن بدخول السابعة: لا تزيد الفوائت على ستٍّ، وإنما ذلك بخروج وقت السابعة. والجواب: أن هذا من باب إطلاق اسم الأغلب على الكل، فإن الأغلب أن خروج السادسة لا يكون إلا بدخول السابعة، وعند دخول السابعة: يتحقق فواتُ الست، والسابعة بعَرْضية أن تفوت. وقيل: معناه: إلا أن تصير الفوائتُ ستاً، وتُحمَل الزيادة على الست بالوتر. ۔ ومتی قضی الفوائت: إن قضاها بجماعة، وکانت يُجھَر فیھا: جھر الإمامُ فيها بالقراءة، وإن قضاها وحده: يتخيّر، والجهر أفضل، كما في الوقت. - ولو قضىُ بعضَ الفوائت حتى قلّ ما بقيَ: عاد الترتيب عند البعض، وهو الأظهر. وقال بعضُهم: لا يعود، وهو اختيار أبي حفص؛ لأن الساقط لا يُتصوَّر عَوْدُه. ٤٢٤ باب قضاء الفوائت • قال صاحب ((الحواشي)): وهو الأصح. والتوفيق بينهما: أنه إذا قضاها مرتِّباً: عاد الترتيب، وإن لم يقضها مرتِّباً: لم يَعْد. بيانه: إذا ترك صلاةَ شهرٍ، وقضاها، إلا صلاةً أو صلاتين، ثم صلى وقتيةً وهو ذاكرٌ للباقي: قال بعضهم: لا يجوز، وإليه مال أبو جعفر. وقال بعضهم: يجوز، وإليه مال أبو حفص الكبير، وعليه الفتوى. وفي ((الهداية))(١): عَوْدُ الترتيب: هو الأظهر. - ولو أدى بعضَ العصر في الوقت، ثم غربت الشمس، وعليه صلاة أو صلاتان قبلها، وهو ذاكرٌ لها: قال السرخسي (٢): يتمها. وطعن عيسى بن أبان في هذا، وقال: الصحيح أنه يقطعها بعد الغروب، ثم يبدأ بالفائتة؛ لأن الوقت قابلٌ للقضاء، والمسقط للترتيب من الضيق قد انعدم بالغروب، وصار الوقت واسعاً؛ لأن المعترض في خلال الصلاة: كالموجود عند افتتاحها، كالمتيمم إذا وجد الماء، والعاري إذا وجد الثوب. وما ذكره عيسى: هو القياس، لكن محمداً استحسن، فقال: لو قطع بعد الغروب: كان مؤدياً جميعَ العصر في غير وقتها، ولو أتمها: كان مؤدياً (١) ١ / ٧٣. (٢) المبسوط ٨٨/٢. ٤٢٥ باب قضاء الفوائت لها في وقتها، فكان أولى. ولأنه عند الضيق قد سقط عنه الترتيب في هذه الصلاة، ومتى سقط في صلاةٍ: لا يعود في تلك الصلاة. بخلاف النسيان، فهناك الترتيب غيرُ ساقط، لكن يُعذَر للجهل، فإذا زال العذرُ قبل الفراغ من الصلاة: بقيَ عليه مراعاةُ الترتيب كما كان؛ لأنه لمَّا زال العُذر في خلال الصلاة: صار كأن لم یکن. - ولو فاتته صلاةٌ من يومٍ وليلةٍ لا يدري أيَّ صلاةٍ هي: فإنه يعيد صلاةَ يومٍ وليلة؛ احتياطاً إذا لم يكن له رأيٌّ، فإن كان له رأيٌ: عمل على غالب رأيه. وقال الثوريُّ: يصلي المغربَ والفجرَ، ثم يصلي أربعَ ركعات ينوي بها الظهر والعصر والعشاء؛ لأن هذه الصلوات الثلاث عددها متفقٌ عليه. وقال بشر المريسي: يصلي أربع ركعات، يقعد في الثانية والثالثة والرابعة ينوي بها ما عليه؛ لأنها إن كانت الفجر: فقد أدى ركعتين، وخرج منها إلى صلاةٍ أخرى بانتقاله، وكذا في المغرب وبقية الصلوات. - ولو صلى الفجرَ وهو ذاكرٌ أنه لم يوتر: فصلاة الفجر فاسدةً عند أبي حنيفة، إلا أن يكون صلى الفجر في آخر وقتها. وعندهما: صلاة الفجر تامة. ٤٢٦ باب قضاء الفوائت وهذا مبنيٌّ على اختلافهم في الوتر، فعنده: لما كان واجباً: كان الترتيب شرطاً، وعندهما: كان سنةً، فلا ترتيب بين الفرائض والسنن. - ثم عند أبي حنيفة: إذا فسد فرضُ الفجر: هل تفسد سنته؟ قال في ((المستصفى)): لا تفسد. وقد صرَّح به في ((المنظومة))(١): فقال: في فجره فسادَ فَرْضٍ فَجْرِهِ والوترُ فرضٌ ویری بذكره فقيَّد بفساد الفرضِ خاصةً، والله أعلم. (١) منظومة نجم الدين النسفي (المنظومة في الخلافيات) ص٤٥. ٤٢٧ باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة باب الأوقات التي تُكره فيها الصلاة باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة - كان الأَوْلى أن يذكر هذا الباب في باب المواقيت، كما في ((الهداية))(١)، وإنما ذَكَرَه هنا؛ لأن الكراهة من العوارض، فأشبه الفوات، فتجانس البابان. وحُجَّةُ صاحب ((الهداية)): أنه لمَّا ذكر الأوقات التي تُستحب فيها الصلاة: عقَّبه بذكر ما يقابله من الأوقات التي تكره فيها الصلاة؛ ليتمكن المصلي من صلاته بغير كراهةٍ تقع في صلاته من جانب الوقت. - وإنما لَقَّب الباب بالكراهة، ثم بدأ بعدم الجواز؛ لأنه اعتبر الأغلبَ، والمكروهُ أكثر من عدم الجواز. أو لأن الكراهة أعمُّ من عدم الجواز؛ لأن كلّ ما لا يجوز: فالكراهة فيه حاصلةٌ أيضاً، كما هي ثابتةٌ في المكروه، ولا يلزم من كل مكروه: أنه لا 18 يجوز، فالكراهة ثابتة في الصورتين، وليس عدم الجواز ثابتاً في الكراهة. وهذه التسمية: مثل تسمية البيع الفاسد وإنِ انخرط فيه البيعُ الباطل. (١) ١ /٤٠. ٤٢٨ باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة و لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند قيامها في الظهيرة، ولا عند غروبها . * قال رحمه الله: (لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند قيامها في الظهيرة، ولا عند غروبها). يعني قضاءَ الفرائض، والواجبات الفائتة عن وقتها، كسجدة التلاوة التي وجبت بالتلاوة في وقتٍ غيرِ وقتٍ مكروه، والوتر. وإنما لا يجوز أداء الفرائض فيها؛ لأنها وجبت كاملةً، فلا تتأدى بالناقص، حتى إنه يجوز عصر يومه؛ لأنه وجب ناقصاً؛ لنقصان سببه. فقوله: لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس: أراد ما سوى النفل. - وفي ((المشكل)): قوله: لا تجوز الصلاة: ذَكَرَه معرَّفاً بالألف واللام، وهما لاستغراق الجنس، فينبغي أن لا يجوز التطوعُ، وليس كذلك، فإنه يجوز مع الكراهة، إلا أن وجهه: أن الألف واللام هنا للمعهود، وهو الفرض، فينصرف عدم الجواز إليه فقط. فنقول: إن كان المراد بقوله: لا تجوز الصلاة النفل: فمعناه: لا يجوز فعلُها شرعاً، أما لو شرع فيها وفَعَلَها: جاز، وإن شرع فيها وقَطَعَها: يجب عليه قضاؤها. وإن كان المراد: الفرض: لا يجوز أصلاً. - قوله: عند طلوع الشمس: حدُّ الطلوع: قَدْرُ رُمح أو رمحين. ٤٢٩ باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة ولا يُصلِّي على جنازةٍ، ولا يَسجد للتلاوة، وفي ((المُصفَّى)): ما دام يقدر على النظر إلى قرص الشمس: فهي في الطلوع: لا تباح الصلاة، فإذا عجز عن النظر: تباح. * قوله: (ولا يصلي على جنازة، ولا يسجد للتلاوة). هذا إذا وجبتا في وقتٍ مباح، وأُخِّرتا إلى هذا الوقت: فإنه لا يجوز قطعاً. أما لو وجبتا في هذا الوقت، وأُدِّيتا فيه: جاز؛ لأنها أُدِّيت ناقصةً كما وجبت، إذ الوجوب: بحضور الجنازة، والتلاوة. - فإن قلتَ: ما الأفضل: الأداء، أو التأخير إلى وقتٍ مباح؟ قلتُ: أما في صلاة الجنازة: فالأفضل الأداء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((عجِّلُوا بموتاكم))(١). وقال: «ثلاثٌ لا يُؤخَّرْن: جنازةٌ أتت، ودیْنٌ وجدتَ ما تقضيه، وبِکرٌ وُجِد لها كُفْءٌ)(٢). - وأما في سجدة التلاوة: فالأفضل التأخير؛ لأن وجوبها على التراخي. (١) قال العلامة قاسم في التعريف والإخبار ٣٦٤/١: أقرب لفظ منه: ما رواه أبو داود (٣١٨٤) والترمذي (١٠١١) عن عبد الله بن مسعود قال: سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن المشي خلف الجنازة؟ قال: ما دون الخبب، فإن خيراً: عجلتموه ... )). (٢) بلفظ قريب في سنن الترمذي (١٧١)، المستدرك للحاكم ١٧٦/٢، بإسناد ضعيف، كما في التعريف والإخبار ٢٤/٣. ٤٣٠ باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة إلا عصرَ يومه عند غروب الشمس. وفي ((الهداية))(١): المراد بالنهي المذكور في صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة: الكراهة، حتى لو صلاها فيه، أو تلا سجدةً فيه، وسجدها: جاز؛ لأنها أُدِّيت ناقصةً كما وجبت. - قوله: ولا يسجد للتلاوة: لأنها في معنى الصلاة. - فإن قلتَ: لم أُلحقت هنا بالصلاة، ولم تُلحق بها في القهقهة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن ضحك منكم قهقهةَ: فليُعِد الوضوءَ، والصلاةَ))(٢). قلت: عدم الإلحاق هناك باعتبار أن الألف واللام في قوله: فليُعِد الصلاة: للعهد، وإنما الصلاةُ المعهودةُ هي ذات التحريمةِ والركوعِ والسجودِ، فلا تتناول السجودَ مجرَّداً من غير تحريمة. وأما هنا النهي عن الصلاة في هذه الأوقات؛ كي لا يقع التشبه بالصلاة بمَن يعبد الشمسَ، وبالسجود: يحصل التشبه بهم أيضاً: فكُره. * قوله: (إلا عصرَ يومه عند غروب الشمس)؛ لأن السبب هو الجزء القائم من الوقت، وذلك الجزء القائم من الوقت ناقصٌ؛ لأنه آخر وقت العصر، فقد أداها كما وجبت. (١) ١ /٤٠. (٢) قال العلامة قاسم في التعريف والإخبار ٣٥/١: روي مرسلاً ومسنداً، فأشهر ذلك وأحسنه: مرسل أبي العالية، وينظر نصب الراية ١/ ٤٧. ٤٣١ باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة بخلاف غيرها من الصلوات؛ لأنها وجبت كاملةً، فلا تتأدى بالناقص. - ولو طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الفجر: فسدت صلاته. بخلاف ما إذا غربت على مصلي العصر، حيث لا تفسد. والفرق: أنها إذا غربت: فقد دخل وقت المغرب، فيكون مؤدياً في وقت، وأما إذا طلعت: فقد خرج لا إلى وقت، بل هو وقت مكروهٌ، ففسدت. - ولو شرع في التطوع في الأوقات الثلاثة: قال في ((النهاية)): يجب قطعها، وقضاؤها في وقت مباح، في ظاهر الرواية. وقيل: الأفضل قطعها، ولو مضى فيها: خرج عما وجب عليه بالشروع، ولا يجب سواه. فإن قطعها وأداها في وقت مكروهٍ: أجزأه عندنا، خلافا لزفر، كما إذا دخل في التطوع عند قيام الظهيرة، ثم أفسده، وقضاه عند الغروب. - قال الخُجَندي: إذا شرع في التطوع في الأوقات الثلاثة: فالأفضل أن يقطع، ويقضيَ في وقت مباح، فإن لم يقطع، ومضى عليه: فقد أساء، ولا شيء عليه. - ولو شرع في الصوم في الأيام المنهية، كيوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق، ثم أفطر: لا يلزمه القضاء عند أبي حنيفة. وعندهما: يلزمه، فهما سوَّيا بين الصوم والصلاة، وأبو حنيفة فرَّق ٤٣٢ باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة بينهما، فقال: الصلاة تقع أولاً بالتحريمة، وهي ليست من الصلاة عندنا، فانعقدت في غير نهي، والدخول في الصوم يقع على وجهٍ منهي عنه، إذ الجزء الأول من الصوم: صومٌ، فوقع منهياً عنه، فلم يتعلق به الوجوب. * قوله: ولا عند غروبها: يعني إذا احمرَّت. - ولو أوجب على نفسه صلاةً في هذه الأوقات: فالأفضل أن يصليها في وقت مباح، ولو صلاها فيها: خرج عن نذره، وسقطت عنه. - وكذا لو أوجب على نفسه صوماً في الأيام المنهية: فالأفضل أن يصومها في وقتٍ آخر، ولو صامها فيه: خرج عن نذره. وعند زفر: لا يجزئه. - وفي ((الهداية)) (١): إذا قال: لله عليَّ صومُ النحر: أفطر، وقضى. فهذا النذر صحيحٌ عندنا. خلافاً لزفر والشافعي(٢). هما يقولان: نذرٌ بما هو معصية؛ لورود النهي عن صوم هذه الأيام (٣). (١) ١/ ١٣١. (٢) مغني المحتاج ٤٣٣/١. (٣) صحيح البخاري (٥٥٧١)، صحيح مسلم (١١٣٨). ٤٣٣ باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة ويكره أن يتنفَّلَ بعد صلاة الفجر حتى تطلُعَ الشمسُ. وبعد صلاة العصر حتى تغربَ الشمسُ. ولنا: أن النهي لغيره، وهو تَرْك إجابة دعوة الله، فيصح نذره، لكنه يفطر؛ احترازاً عن المعصية المجاورة، ثم يقضي؛ إسقاطاً للواجب. وإن صام فيه: يخرج عن نذره؛ لأنه أداه كما التزمه. - وفي ((فتاوى صاعد)): قال أبو يوسف: مَن شرع في التطوع بعد العصر: يؤمر بالقطع، ثم بالقضاء. - أما لو دخل فيها على أن العصر عليه، ثم تبين أنها ليست عليه: يؤمر بالإتمام. - ولو شرع في صلاة، أو صوم على ظنِّ أنه عليه، ثم تبين له أنه لا شيء عليه، فأفسده: لا يلزمه القضاء عندنا، وقال زفر: يلزمه. - ولو افتتح الظهر على ظنِّ أنها عليه، فاقتدى به رجلٌ بنية التطوع، ثم ذكر أنه قد صلاها، فقطعها: فلا قضاء عليه، ولا على الذي اقتدى به. ذکره الخجندي في باب السهو. - وفي ((النهاية)): يجب على المقتدي القضاء عند بعض المشايخ. * قوله: (ويكره أن يتنفل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمسُ، وبعد صلاة العصر حتى تغربَ الشمسُ). يعني قصداً، أما لو قام في العصر بعد الأربع ساهياً، أو في الفجر: لا يكره، ويُتِمُّ؛ لأنه من غير قصد. ٤٣٤ باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة ولا بأس بأن يصلّيَ في هذين الوقتين الفوائتَ، ويسجدَ للتلاوة، ويصليَ على الجنازة، ولا يصلِّي ركعتي الطواف. - وفي ((الخُجَندي)): لا يُضيف ركعةً أخرى في الفجر والعصر؛ لأن التطوع بعدهما مكروه. - ولو أفسدها، ولم يُضِفْ إليها أخرى: لا يلزمه قضاؤها. وعند زفر: يلزمه قضاء رکعتین. * قوله: (ولا بأس بأن يصليَ في هذين الوقتين الفوائتَ، ويسجدَ للتلاوة، ويصليَ على الجنازة). - ولا يصلي فيهما المنذورةَ، ولا ركعتي الطواف، ولا ما شَرَع فيه، ثم أفسده. * قوله: (ولا يصلي ركعتي الطواف). - فإن قلتَ: هما واجبتان من جهة الشرع، كوجوب سجدة التلاوة، فينبغي أن يؤتى بهما في هذين الوقتين، كسجدة التلاوة. قلت: إنا عرفنا كراهتهما بالأثر، وهو ما روي ((أن عمر رضي الله عنه طاف بالبيت بعد صلاة الفجر، ثم خرج من مكة، حتى إذا كان بذي طُوَىّ بعد طلوع الشمس: صلى ركعتين، قال: ركعتان مقام ركعتين))(١). فقد أخَّرهما إلى ما بعد طلوع الشمس. (١) صحيح البخاري تعليقاً ٤٨٨/٣، وينظر فتح الباري ٤٨٩/٣ لوصله. ٤٣٥ باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة ويكره أن يتنفَّلَ بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي سنة الفجر. والأصل: أن ما وجب بإيجاب الله: فإنه يجوز في هذين الوقتين، وما وجب مضافاً إلى العبد: لا يجوز، كالمنذورة، والنفلِ الذي يفسده، وركعتي الطواف؛ لأن وجوبهما بفعله، وهو شروعه في الطواف. - فإن قلتَ: وجوب سجدة التلاوة بفعله، وهو التلاوة. قلتُ: الوجوب فيها لعينه، وفي ركعتي الطواف الوجوب فيها لغيره، أي لغير الوقت، وهو ختم الطواف، وصيانة المؤدى عن الكراهة. قوله: (ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي سنة الفجر)؛ ((لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يَزِدْ عليهما))(١). - قال شيخ الإسلام: النهي عما سواهما؛ لحقٍّ ركعتي الفجر، لا الخللٍ في الوقت؛ لأن الوقت متعيِّنٌ لهما، حتى لو نوى تطوعاً: كان عنهما، فقد مُنع عن تطوعٍ آخر؛ ليبقىُ جميعُ الوقت كالمشغول بهما، لكنَّ صلاة فرضٍ آخر: فوقَ ركعتي الفجر (٢)، فجاز أن يُصرف الوقت إلیه. - وفي ((التجنيس)): مَن صلى تطوعاً في آخر الليل، فلما صلى ركعةً: (١) صحيح البخاري (٦١٨)، صحيح مسلم (٧٢٣)، وينظر التعريف والإخبار ١١٦/١. (٢) أي أن صلاة فرضٍ آخر، كمَن عليه قضاءً، في وقت سنة الفجر: يجوز؛ لأنه فوق سنَّة الفجر. ٤٣٦ باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة ولا يتنفَّلُ قبل المغرب. طلع الفجر: كان الإتمام أفضلَ؛ لأن وقوعه في التطوع بعد طلوع الفجر لا عن قصد. - قال في ((الفتاوى)): ولا ينوبان عن سنة الفجر، على الأصح. - ولو صلى ركعتين وهو يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه قد طلع: فإنه يجزئه عن ركعتي الفجر، ولا ينبغي أن یعید. قوله: (ولا يتنفَّلُ قبل المغرب)؛ لما فيه من تأخير المغرب، فإن المبادرة إلى أداء المغرب مستحبٌّ، فكان النهي لئلا يكون النفل شاغلاً عن أداء المغرب، لا لمعنىّ في الوقت. وكذا التنفل بعد خروج الإمام للخطبة: يكره؛ لئلا يتشاغل عن سماعها، لا لمعنىَّ في الوقت، والله أعلم. ٤٣٧ باب النوافل باب النوافل باب النوافل النَّفْل في اللغة هو: الزيادة، ومنه: سُمِّيت الغنيمةُ: نفلاً؛ لأنها زيادةٌ على ما وُضع له الجهاد، وهو إعلاء كلمة الله. وسُمِّي ولدُ الولد: نافلة؛ لأنه زيادةٌ على الولد، قال الله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾. الأنبياء/ ٧٢. - وفي الشرع: عبارةً عن فعلٍ ليس بفرضٍ، ولا واجبٍ، ولا مسنون. - وكل سُنَّة: نافلةٌ، وليس كل نافلة: سُنَّةٌ، فلهذا لقَّبه بالنوافل؛ لأنها مشتملةٌ على السنن. وفي ((النهاية)): لقَّبه بالنوافل وفيه ذِكْرُ السنن؛ لكون النوافل أعم، كما لقَّب الأوقات التي تكره فيها الصلاة. قال الإمام أبو زيد: النفل شُرع لجبرِ نقصانٍ يمكن في الفرض؛ لأن العبد وإن علت رتبتُه لا يخلو عن تقصيرٍ، حتى إن أحداً لو قدر أن يصليَ الفرض من غير تقصير: لا يُلام على ترك السنن(١). (١) ينظر في عدم اللَّوْم، ويحرر. ٤٣٨ باب النوافل السُّنَّةُ في الصلاة : أن يصليَ ركعتين بعد طلوع الفجر. * قال رحمه الله: (السُّنَّةُ في الصلاة: أن يصلي ركعتين بعد طلوع الفجر). بدأ بسُنَّة الفجر؛ لأنها آكدُ من سائر السنن، ولهذا قيل: إنها قريبة من الواجب. - ولا يجوز أن يصليَها قاعداً مع القدرة على القيام. - ولا يجوز أداؤها راكباً من غير عذر. ولأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يَدَعْها في سفرٍ، ولا حضر. وقال في ركعتي الفجر: ((هما خيرٌ من الدنيا وما فيها))(١). وقال: ((صلُّوها ولو طرقَتْكُمُ الخيل))(٢). - وقدَّم في ((المبسوط))(٣) سُنَّةَ الظهر؛ لأنها تبعٌ للظهر، والظهر أول صلاة فُرضت. وقيل: إن سنة الفجر واجبةٌ، حتى لو انتهى إلى الإمام وهو في صلاة الفجر، وخشيَ أن تفوته ركعة: فإنه يصليها بعد الصف، ويدخل مع الإمام بعد فراغه منها. (١) صحيح مسلم (٧٢٥). (٢) مسند أحمد (٩٢٥٣)، سنن أبي داود (١٢٥٨)، ولم يضعِّفْه، وفي سنده مَن اختلف في توثيقه، كما في التعريف والإخبار ٢٥٦/١. (٣) ١٥٦/١. ٤٣٩ باب النوافل وأربعاً قبل الظهر، - وعن أبي جعفر: أنه إذا خشيَ أن تفوته الركعتان من الفرض، ويدرك الإمامَ في التشهد: فإنه يصلي السنةَ عند أبي حنيفة وأبي يوسف بعد الصف، أو في الصف إن لم يجد موضعاً. - وأشد الكراهة أن يصليَها مخالطاً للصف إذا كان يجد موضعاً غيرَه. - والسنة فيها: الأداء في البيت، وكذا سائر السنن، إلا التراويح، على ما يأتي من بيانها إن شاء الله تعالى. - ثم إذا فاتت سُنَّةٌ الفجر على الانفراد: لا تُقضى عندهما. وقال محمد: أَحبُّ إلي أن تُقضى إذا ارتفعت الشمس إلى قبل قيام الظهيرة. وأما عندهما: فلا تُقضى إلا إذا فاتت مع الفرض تبعاً للفرض، سواء قضی الفرض بجماعة، أو وحده إلى الزوال. - وفيما بعده(١): اختلف المشايخ فيه: قيل: يقضي الفرضَ وحدَه، وقيل: يقضي السُّنَّة معه. - وأما سائر السنن سواها: فلا تُقضى بعد خروج الوقت وحدَها. واختلفوا في قضائها تبعاً للفرض، على ما نبيِّن بعدُ. * قوله: (وأربعاً قبل الظهر): يعني بتسليمة واحدة. (١) أي بعد الزوال. ٤٤٠ باب النوافل وهنَّ مؤكَّدات. قال في ((المجرَّد)): يقرأ في كل ركعة نحواً من عشر آيات. - وكذا في الأربع بعد العشاء. وإن أدَّاهنَّ بتسليمتين: لم يُعتَدَّ بهن من السنة؛ لأن النفل تبعٌ للفرض، والفرض أربع، فكذا النفل، ألا ترى أن الفجر لما كانت ركعتين: كان نفلُه مثله. وأما بعد الظهر: شُرع ركعتين تيسيراً. والجمعة أصلُها أربعٌ، وبسبب الخطبة عادت إلى ركعتين، فكان النفل أربعاً، على أصل القياس. - فإن تَرَكَ سنةَ الظهر الأُولى خشيةَ فَوْت الجماعة: فالصحيح أنه يقضيها بعد الفرض. ويقضيها قبل الركعتين عند محمد. وعند أبي يوسف: يقدِّم الركعتين على الأربع، وينوي القضاء عند أبي یوسف. وفي ((النوادر)): يبدأ بالركعتين عندهما، وقال محمد: بالأربع، ثم ينوي القضاءَ عندهما. وعند أبي حنيفة: لا ينوي القضاء، ويكون تطوعاً مبتداً، فلا يفتقر إلى نية القضاء.