النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
صلاة الجماعة
وينبغي للإمام أن لا يُطوِّل بهمُ الصلاةَ.
ولأن ابن عمر وأنس بن مالك وغيرهما من الصحابة والتابعين كانوا
يصلُّون خلف الحَجَّاج، مع أنه كان أفسقَ أهلٍ زمانه.
حتى ((قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كلّ أمة بجناياتها، وجئنا
ءِ
بأبي محمد: لغَلَبْناهم))(١)، يعني الحجّاج.
- فإن قلتَ: فما الأفضل: أن يصليَ خلف هؤلاء، أو الانفراد؟
قيل: أما في حق الفاسق: فالصلاة خلفَه أَوْلى؛ لما ذكرنا من صلاة
الصحابة خلف الحَجَّاجِ.
وأما الآخرون: فيمكن أن يكون الانفرادُ أَوْلى؛ لجهلهم بشروط
الصلاة، والأفضل أن يصليَ خلف غيرهم؛ لأن الناس تكره إمامتَهم، وقد
قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن أَمَّ قوماً وهم له كارهون: فلا صلاةَ له))(٢).
- وتكره الصلاة خلفَ شارب الخمر، وآكلِ الربا؛ لأنه فاسقٌ.
* قوله: (وينبغي للإمام أن لا يُطوِّل بهم الصلاةَ).
يعني بعد القدر المسنون؛ لما روي ((أن معاذاً رضي الله عنه صلى
عند الفقهاء، وهو مقبولٌ عندنا، ... وله طرق أخرى كلها مضعَّة من قِبَل الرواة،
وبذلك يرتقي إلى درجة الحسن عند المحققين، وهو الصواب)). اهـ
(١) تاريخ الإسلام للذهبي ١٠٧٧/٢.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٤١٣١)، مرسلاً عن الحسن، وإسناده صحيح، وله
عنده ألفاظٌ عدة، وللحديث شواهد تقوِّيه، ينظر لها تعليق فضيلة المحقق العلامة
الأستاذ الشيخ محمد عوامة.

٣٨٢
صلاة الجماعة
بقومٍ فأطال بهم القيامَ، فشكَوْه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
له: أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ! قالها ثلاثاً، أين أنتَ من: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَارِقِ﴾،
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا﴾))(١).
وروي أنه قال: ((صلِّ بهم صلاةَ أضعفِهِم، فإن فيهم المريضَ،
والكبيرَ، وذا الحاجة))(٢).
وذكر في ((المصابيح)): ((أن معاذاً صلى بقومه صلاة العشاء، فافتتحها
بسورة البقرة، فانحرف رجلٌ منهم، فسلّم، ثم صلى وحده، فقال معاذ:
إنه منافقٌ، فذهب الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: یا
رسول الله! إنا قومٌ نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذاً صلى بنا
البارحة، فقرأ البقرةَ، فتجوَّزتُ، فزعم أني منافق؟!
فقال صلى الله عليه وسلم: يا معاذ! أفتِّان أنتَ. قالها ثلاثاً، اقرأ:
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا﴾، و﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾، ونحوهما))(٣).
وقال أنس: ((ما صليتُ خلف أحدِ أتمَّ وأخفَ مما صليتُ خلفَ رسولِ
(١) تنظر روايات الحديث وألفاظه في الصحيحين: صحيح البخاري (٧٠٠)،
صحيح مسلم (٤٦٥)، وغيرهما في البدر المنير ١١ /٢٠٧.
(٢) تنظر روايات الحديث في الصحيحين وألفاظهما في نصب الراية ٢٩/٢.
(٣) صحيح البخاري (٧٠٠)، صحيح مسلم (٤٦٥).

٣٨٣
صلاة الجماعة
ويُكره للنساء أن يصلِّيْنَ وحدَهنَّ جماعةً.
فإن فعَلَنْ ذلك : وقفت الإِمامُ وَسْطَهنَّ.
الله صلى الله عليه وسلم))(١).
وروي ((أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ بالمعوذتين في صلاة
الفجر، فلما فرغ قالوا: أوجزتَ يا رسول الله! قال: سمعتُ بكاء صبيِّ،
فخشیتُ على أمه))(٢).
فدلَّ على أن الإمام ينبغي له أن يراعيَ حالَ الجماعة.
[كراهة جماعة النساء : ]
* قوله: (ويكره للنساء أن يُصلِّين وحدَهنَّ جماعةً): يعني بغير رجال.
- وسواء في ذلك الفرائض، والنوافل، والتراويح.
- وأما في صلاة الجنازة: فذكر في ((النهاية)): أنه لا يكره لهن أن
يصلينها بجماعة، وتقف الإمامةُ وسطهن؛ لأنهن إذا صلَّيْنها فرادى: أدى
ذلك إلى فوات الصلاة على البعض؛ لأن الفرض يسقط بأداء الواحدة،
فتكون الصلاة من الباقيات نفلاً، والتنفل بصلاة الجنازة غير مشروع.
* قوله: (فإن فعلن ذلك: وقفتِ الإمامةُ وَسْطهن).
(١) صحيح البخاري (٧٠٨)، صحيح مسلم (٤٦٩).
(٢) صحيح البخاري (٧٠٧ - ٧٠٨)، صحيح مسلم (٤٧٠).

٣٨٤
صلاة الجماعة
ومَن صلى مع واحدٍ : أقامه عن يمينه.
ــ وبقيامها وَسْطهن: لا تزول الكراهة؛ لأن في التوسط: تَرْكَ مقام
الإمام، وإنما أرشد الشيخ إلى ذلك؛ لأنه أقل كراهةً من التقدم، إذ هو
أسترُ لها.
ولأن الاحتراز عن ترك الستر: فرضٌ، والاحترازَ عن ترك مقام الإمام:
سنةٌ، فكان مراعاة الستر أولى.
- فإن صلَّيْن بجماعة: صلَّيْن بلا أذان ولا إقامة.
- وإن تقدَّمت عليهن إمامتُهن: لم تفسد صلاتهن.
- وقوله: وَسْطهن: هو بإسكان السين، ولا يجوز فتحُها، والأصل
فيه: أن كل موضعٍ يصلح فيه: بين: فهو: وَسْط: بإسكان السين، ويكون:
وَسْط: ظرفاً، كقولك: جلستُ وَسْط القوم: أي بينهم.
وكلَّ موضعٍ لا يصلح فيه: بين: فهو: وَسَط: بتحريك السين، ويكون:
وَسَطْ: اسماً، لا ظرفاً، كقولك: جلستُ وَسَط الدار.
- ولو أن قوماً عراةً أرادوا الصلاةَ: فالأفضلُ أن يصلوا وُحداناً قعوداً
بالإیماء، ويتباعد بعضُهم عن بعض.
فإن صلّوا جماعةً: وقف الإمام وَسْطَهم، كالنساء.
- وصلاتُهم بجماعة: مكروهة.
[موقف المأموم من الإمام : ]
* قوله: (ومَن صلىُ مع واحدٍ: أقامه عن يمينه).

٣٨٥
صلاة الجماعة
فإن كان مع اثنين : تقدَّم عليهما .
ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأةٍ، أو صبيٍّ، فإن فعلوا ذلك : بطلت
صلاتُھم.
- إن كان قبل الشروع: فظاهرٌ، وإن كان بعده: أشار إليه بيده.
وعن محمد: يضع أصابعَه عند عقب الإمام.
والأول: هو الظاهر.
- وإن كان وقوفه مساوياً للإمام، وسجودُه يتقدَّم عليه: لا يضره؛ لأن
العبرة لموضع القيام.
- ولو صلى خلفه، أو على يساره: جاز؛ لأن الجواز متعلق بالأركان،
وقد وُجدت، إلا أنه يكون مسيئاً.
* قوله: (فإن كانا اثنين: تقدَّم عليهما).
وعن أبي يوسف: يتوسطهما؛ (لأن ابن مسعود صلى بعلقمة
والأسود، فقام وَسْطهما))(١).
قلنا: قال إبراهيم النخعي: كان ذلك لضيق البيت.
* قوله: (ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأةٍ، ولا بصبيِّ، فإن فعلوا
ذلك: بطلت صلاتُهم).
أما المرأة؛ فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((أخِّروهن من حيث أخَّرهن
(١) المحلى ٦٧/٤.

٣٨٦
صلاة الجماعة
ويَصُفُّ الرجالُ، ثم الصبيانُ، ثم الخُنَاثِى، ثم النساءُ.
الله))(١): أي كما أخَّرهن الله في الشهادات، والإرث، وجميع الولايات.
- وهل تنعقد التحريمة إذا اقتدى بها؟
إن عَلِمَ أنها امرأة: لا تنعقد، روايةً واحدة.
وإن لم يعلم: ففيه اختلاف المشايخ.
- وفي الاقتداء بالعريان: لا تنعقد أصلاً.
- وأما الصبي: فلا تجوز إمامتُه للبالغين؛ لأنه متنفِّلٌ.
- وفي التراويح: جوَّه مشايخُ بلخ.
- وكذا في صلاة العيدين، والكسوف.
والمختار: أنه لا يجوز في الصلوات كلها.
* قوله: (ويصفُّ الرجالُ، ثم الصبيانُ، ثم الخُناثى، ثم النساءَ).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لِيَلِنِيْ منكم أُولوا الأحلام والنُّهى)) (٢).
أي البالغون أُولوا العقول، والحالِم: هو البالغ، سواء احتلم أو لم يحتلم.
(١) قال في نصب الراية ٣٦/١: غريب مرفوعاً، ثم ذكر من أخرجه موقوفاً على
ابن مسعود رضي الله عنه، أما العلامة قاسم في التعريف والإخبار ٢٢٩/١ فقد ذكر
رواية الرفع عند رزين في زياداته، وينظر نقل ابن عابدين في منحة الخالق ٣٧٥/١
عن البلباني في تقوية الحديث باستدلال عامة الفقهاء به.
(٢) صحيح مسلم (٤٣٢).

٣٨٧
صلاة الجماعة
فإن قامت امرأةٌ إلى جنب رجلٍ، وهما مشتركان في صلاةٍ واحدةٍ :
فسدت صلاتُه، لا صلاتها .
- فإن كان معهم خناثى: وقفوا بين الصبيان والنساء؛ احتياطاً.
[حكم قيام المرأة في صف الرجال :]
* قوله: (فإن قامت امرأةٌ إلى جانب رجلٍ، وهما مشترِكان في صلاةٍ
واحدة: أفسدت عليه صلاتَه).
- والمحارمُ: كالأجانب.
- وهذا إذا نوى الإمامُ إمامتَها، أما إذا لم ينو إمامتَها: لم يضرَّه
محاذاتُها.
- ولا تجوز صلاتها؛ لأن الاشتراك لا يثبت بدون النية عندنا؛ خلافاً
لزفر.
ولأنا لو صحَّحْنا اقتداءَها بغير نية: قَدَرتْ كلّ امرأة على إفساد صلاته
متى شاءت، بأن تقف إلى جنبه، فتقتدي به.
- ومن شرائط المحاذاة المُفْسدة:
١ - أن تكون الصلاة مشتركةً: تحريمةً وأداءً؛ احترازاً عن المسبوق.
٢ - وأن تكون مطلقةً، أي ذات ركوع وسجود.
٣- وأن تكون المرأة من ذوات الشهوة، حالاً أو ماضياً.

٣٨٨
صلاة الجماعة
ويكره للنساء حضورُ الجماعة.
٤- وأن لا يكون بينهما حائلٌ، ولا فُرجةٌ، وأدناه: قدر مُؤْخِرة
الرَّحْل، وغلَظُه: غِلَظُ الأصبع.
والفُرجةُ: تقوم مقام الحائل، وهو قَدْر ما يقوم فيه الرَّجُل.
٥- وأن تتفق الجهة، حتى لو اختلف: لا تفسد، وهذا إنما يكون في
الكعبة.
٦ - وأن ينويَ الإمامُ إمامتَها، إلا في الجمعة والعیدین.
- وقدَّر بعضُهم سِنَّ المرأة بسبع سنين، وقيل: بتسع، والصحيح أن لا
يُقدَّر بشيء.
- والمجنونة إذا حاذَتْه: لا تُفسد ولو كانت بالغةً مشتهاةً؛ لعدم صحة
الصلاة منها.
- والصبية إذا كانت تعقل الصلاةَ، وهي لا تشتهي: لا تُفسد.
- ولا يشترط في حكم المحاذاة: أن تُدرك أولَ الصلاة، بل لو سبقها
بركعة أو ركعتين، فحاذتْه فيما أدركت: تُفسد عليه.
- وإن كانا مسبوقَيْن، فحاذتْه فيما يقضيان: لا تُفسد عليه؛ لأنهما
منفردان.
[حكم حضور النساء الجماعة : ]
* قوله: (ويكره للنساء حضورُ الجماعات)، يعني الشوابَّ منهن؛ لما
فيه من خوف الفتنة.

٣٨٩
صلاة الجماعة
ولا بأس بأن تَخرجَ العجوزُ في الفجر، والمغربِ، والعشاءِ عند أبي
حنيفة .
وقالا : يجوز خروجُ العجوزِ في الصلوات كلِّها.
قوله: (ولا بأس أن تخرج العجوزُ في الفجر والمغرب والعشاء
والجمعة والعيدين عند أبي حنيفة).
وأما (عندهما: فتخرج في الصلوات كلُّها)؛ لأنه لا فتنة؛ لقلة الرغبة
فیھن.
وله: أن شدة الغُلمة حاملةٌ على الارتكاب، ولكل ساقطة لاقطةٌ، غير
أن الفسَّاق انتشارهم في الظهر والعصر، أما في الفجر والعشاء: فهم
نائمون، وفي المغرب بالطعام مشغولون.
- وفي العيد: الجَبَّانة(١) متسعةٌ، فيمكنها الاعتزال عن الرجال، فلا
یکره.
والفتوى اليوم: على الكراهة في الصلوات كلها؛ لظهور الفسق في
هذا الزمان.
- ولا يباح لهن الخروج إلى الجمعة عند أبي حنيفة، كذا في
((المحيط))، فجَعَلَها كالظهر.
(١) بتشديد الباء: أي المصلى في الصحراء، وربما أُطلقت على المقبرة.
المصباح المنير (جبن).

٣٩٠
صلاة الجماعة
* ولا يصلي الطاهرُ خلفَ مَن به سَلَسُ البولِ.
ولا الطاهراتُ خلفَ المستحاضة.
ولا القارئُ خلفَ الأُميِّ.
وفي ((المبسوط))(١): جَعَلَها كالعيدين، حتى إنه يباح لهن الخروج
إليها، بالإجماع.
[بيان مَن لا يصلي خلفَ غيره :]
* قوله: (ولا يصلي الطاهرُ خلفَ مَن به سلسُ البول، ولا الطاهراتُ
خلف المستحاضة)؛ لما فيه من بناء القوي على الضعيف.
- ويصلي مَن به سلس البول خلف مثله.
- ولا يجوز أن يصليَ خلف مَن به سلسٌ وانفلاتُ رِيح؛ لأن الإمامَ
صاحبُ عذرَيْن، والمأمومَ صاحبُ عذرٍ واحد.
* قوله: (ولا القارئُ خلفَ الأُمِّيِّ).
ولا يصير شارعاً، على الأصح، حتى إنه لو قهقه: لا ينتقض وضوؤه.
والأُمِّيُّ هو: مَن لا يَعرف من القرآن ما تصح به الصلاة.
- وإن أمَّ الأميُّ أُميين: جاز.
- وإن أمَّ قارِئِيْن: فسدت صلاتُه وصلاتهم.
وقال الجرجاني: إنما تفسد صلاتُه إذا علم أن خلفه قارئاً.
(١) ٢٣/٢.

٣٩١
صلاة الجماعة
ولا المكتسي خلفَ العُريان.
وفي ظاهر الرواية: لا فرق.
وفي ((الكرخي)): إنما تفسد صلاته بالنية لإمامة القارئ، أما إذا لم ينو
إمامته: لا تفسد، كالمرأة.
- ولو افتتح الأَميُّ، ثم أتى القارئ: تفسد صلاته.
وقال الكرخي: لا تفسد؛ لأنه إنما يكون قادراً على أن يجعل صلاتَه
بقراءة قبل الافتتاح.
- ولو حضر الأميُّ والقارئُ يصلي، فلم يقتد به، وصلى وحده:
فالأصح: أنها تفسد.
- وإن أمَّ قارئِين وأميين: فصلاة الكل فاسدةٌ عند أبي حنيفة؛ لأن
الأميين قادرون على أن يجعلوا صلاتَهم بقراءة، بأن يقتدوا بقارئ.
وعندهما: صلاته وصلاة مَن هو مثله جائزةٌ.
- ولو صلىُ الأميُّ وحده، والقارئُ وحده: جاز، هو الصحيح.
- ولا يجوز اقتداء الأمي بالأخرس؛ لأن الأخرس لا يأتي بالتحريمة.
* قوله: (ولا المكتسي خلفَ العُريان).
ولا تنعقد التحريمةُ أصلاً، حتى لو قهقه: لا ينتقض وضوؤه، ولو
كان في تطوع: لا يجب قضاؤه.
- ولو أمَّ العاري عُراةً، ولا بِسِيْن: فصلاة العاري ومَن هو مثلُه: جائزةٌ،
بالإجماع.

٣٩٢
صلاة الجماعة
ويجوز أن يؤمّ المتيممُ المتوضئين، والماسحُ على الخفين الغاسِلِين.
ويصلي القائمُ خلفَ القاعد .
- وكذا صاحب الجُرح السائل بمَن هو مثله، وبأصحَّاء.
والفرق بينه وبين الأمي إذا أمَّ قارئين وأميين على قول أبي حنيفة: أن
العاري والمجروحَ لا يمكنهم أن يجعلوا صلاتَهم بثياب، ولا بانقطاع الدم
وإن اقتدَوْا بصحيحٍ ولا بسٍ.
والأُمي يمكنه أن يجعل صلاتَه بقراءة بأن يقتدي بقارئ؛ لأن قراءة
الإمام له قراءة.
؛ قوله: (ويجوز أن يؤمَّ المتيمِّمُ المتوضئين)، وهذا عندهما؛ لأنها
طهارةٌ مطلَقةٌ غيرُ مؤقتة بوقت، بخلاف طهارة المستحاضة.
وقال محمد: لا يجوز؛ لأنها طهارةٌ ضروريةٌ، من حيث إنه لا يصار
إليها إلا عند العجز عن الماء.
قوله: (والماسحُ على الخفين الغاسِلِين)، وهذا بالإجماع؛ لأن
المسح طهارةٌ كاملةٌ لا تقف على الضرورة؛ ولأن الخف مانعٌ سرايةً
الحدث إلى القدم، وما حلَّ بالخف يزيله المسحُ.
* قوله: (ويصلي القائمُ خلفَ القاعد): يعني إذا كان القاعدُ يركع
ویسجد، فاقتدئ به قائمٌ یرکع ويسجد.
وقال محمد: لا يجوز؛ لأنه اقتداءَ غيرُ معذورٍ بمعذور، فلا يصح.
قال في ((الفتاوى)): والنفل والفرض في ذلك سواء عند محمد.

٣٩٣
صلاة الجماعة
ولا يصلي الذي يركعُ ويسجدُ خلفَ المومىء.
ولهما: أن ((آخر صلاة صلاها النبي عليه الصلاة والسلام بأصحابه كان
فيها قاعداً، وهم قائمون))(١).
ولأنه ليس من شرط صحة الاقتداء: مشاركة المأموم للإمام في
القيام، بدلالة أنه لو أدرك الإمامَ في الركوع: كَبَّر قائماً وركع، واعتُدَّ بتلك
الركعة، ولم يشاركْه في القيام.
* قوله: (ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلفَ المومىء).
وهذا قول أصحابنا جميعاً، إلا زفر، فإنه يجوِّز ذلك.
قال: لأن الإيماء بدلٌ عن الركوع والسجود، كما أن التيمم بدلٌ عن
الوضوء والغُسل، فكما يجوز للمتوضى خلفَ المتيمم، فكذا هذا.
قلنا: الإيماء ليس ببدل عن الركوع والسجود؛ لأنه بعضُه، وبعض
الشيء لا يكون بدلاً عنه، فلو جاز الاقتداء به: كان مقتدياً في بعض
الصلاة، دون البعض، وذلك لا يجوز.
93
- ويصلي المومى خلف المومى؛ لاستوائهما، إلا أن يومئ المؤتم
قاعداً، والإمامُ مضطجعاً: فلا يجوز.
- وإذا كان الإمام يصلي قاعداً بالإيماء، والمقتدي قائماً بالإيماء:
جاز؛ لأن هذا القيام غيرُ معتبر؛ لأنه ليس بركن، حتى كان الأَوْلى تركَه.
(١) صحيح البخاري (٦٦٤)، صحيح مسلم (٤١٨).

٣٩٤
صلاة الجماعة
ولا يصلي المفترضُ خلفَ المتنفِّل.
ولا مَن يصلي فرضاً خلف مَن يصلي فرضاً آخرَ.
* قوله: (ولا يصلي المفترضُ خلفَ المتنفل)؛ لأن الاقتداء بناءً،
ووَصْفُ الفرضية معدومٌ في حق الإمام، فلا يتحقق البناء على المعدوم.
- ويجوز اقتداء المتنفل بالمفترض؛ لأن صلاة الإمام تشتمل على
صلاة المقتدي وزيادة، فصحَّ اقتداؤه، بخلاف المفترض بالمتنفل؛ لأنه
بناءُ قويٍ على ضعيف، فلا يجوز.
فإن قيل: إذا جوَّرتم صلاةَ المتنفل خلف المفترض، فالقراءة فرضٌ
على المقتدي في الأُخريين؛ لأن القراءة فرضٌ في جميع ركعات النفل،
وهي على الإمام نفلٌ، فكان فيها اقتداءً المفترض بالمتنفل!
قلنا: لمَّا اقتدى به: لم تبق عليه قراءةً، لا فريضة ولا نافلة.
قوله: (ولا مَن يصلي فرضاً خلفَ من يصلي فرضاً آخر)؛ لأن
الاقتداء شركةٌ وموافقةٌ، فلا بدَّ من الاتحاد.
وسواء تغايَرَ الفرضان اسماً، أو صفةً، كمصلي ظهرِ أمس خلفَ مَن
يصلي ظهر اليوم: فإنه لا يجوز.
- بخلاف ما إذا فاتتهم صلاةً واحدةً من يوم واحد: فإنه يجوز.
- وإذا لم يجز اقتداء المقتدي: هل يكون شارعاً في صلاة نفسه،
ويكون تطوعا؟
ففي ((الخُجندي)): نعم.

٣٩٥
صلاة الجماعة
ويصلي المتنفِّلُ خلفَ المفترضِ.
وفي ((الزيادات))، و((النوادر)): لا يكون تطوعاً.
- ومن صلى ركعتين من العصر، فغربت الشمسُ، فجاء إنسانٌ
واقتدى به في الأخريين: يجوز وإن كان هذا قضاءً للمقتدي؛ لأن الصلاة
واحدة.
: قوله: (ويصلي المتنفِّلُ خلفَ المفترض)؛ لأن فيه بناءَ الضعيف
على القوي، فجاز.
- وإذا كان بين الإمام والمقتدي حائط: مَنَعَ الاقتداءَ، إلا أن يكون
الحائط قصيراً، مقدار الذراع أو الذراعين.
- وأما إذا كان أكثر من ذلك: فإن كان فيه بابٌ مفتوحٌ، أو نَقْبٌ لو
أراد أن يصل إلى الإمام أمكنه ذلك: صح الاقتداء.
- وإن كان فيه بابٌ مغلَقٌ، أو نَقْبٌ صغيرٌ لو أراد الوصول إلى الإمام
لا يمكنه: قال الحلواني: إذا لم يشتبه عليه حال إمامه: صح اقتداؤه، وإلا:
فلا.
- ولو اقتدى بالإمام في أقصىُ المسجد، والإمامُ في المحراب: جاز؛
لأن المسجد وإن اتسع فحكمه: حكم بقعة واحدة.
- وإن كان في الصحراء: إن كان بينه وبين إمامه أقل من ثلاثة أذرع:
صح الاقتداء، وإلا : فلا.

٣٩٦
صلاة الجماعة
ومَن اقتدىُ بإمامٍ، ثم عَلِمَ أنه على غير طهارةٍ : أعاد الصلاة.
قوله: (ومَن اقتدى بإمامٍ، ثم علم أنه على غير طهارة: أعاد
الصلاةَ).
والعلم بذلك من وجهين:
إما بشهادة العدول، يشهدون أنه أحدث، ثم صلى: فإن الصلاة تفسد.
والثاني: أن يُخبِر الإمامُ بذلك عن نفسه، بأن يقول: صليتُ بك وأنا
محدث.
ــ ويُقبَل قولُه إن كان عدلاً، وإن لم يكن عدلاً: لم يُقْبَل، إلا أنه
تُستحب الإعادة.
- ولو صلى على ظنِّ أنه محدِثٌ، أو جُنُبٌّ، ثم تبيَّن له أنه على
طهارة: لا تجزئه صلاتُه، ويُخشى عليه الكفر.

٣٩٧
مكروهات الصلاة
[مكروهات الصلاة]
ويكره للمصلي أن يَعْبَث بثوبه، أو بجسده.
مكروهات الصلاة
* قوله: (ويكره للمصلي أن يَعَبَثَ بثوبه، أو بجسده).
93
العبث هو: كلّ لعبٍ لا لذةَ فيه، فأما الذي فيه لذةً: فهو لعبٌ.
- وكل عمل مفيد: لا بأس به في الصلاة؛ ((لأن النبي صلى الله عليه
وسلم عَرِق في صلاته: فسَلَتَ العَرَقَ عن جبهته))(١)؛ لأنه كان يؤذيه.
وأما ما ليس بمفید: فیکره.
- والعبث مكروهٌ، غيرُ مفسِدٍ، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله كره
لكم ثلاثاً: العبثُ في الصلاة، والرَّفَتُ في الصوم، والضحكُ في
المقابر))(٢).
(١) المعجم الكبير للطبراني ٣١٥/١١ (١٢١٢٢)، وفيه خارجة بن مصعب،
وهو ضعيفٌ جداً، كما في مجمع الزوائد ٨٥/٢.
(٢) الزهد لابن المبارك (١٥٥٧)، ومن طريقه القضاعي في مسند الشهاب
(١٠٨٧) عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً، وفي التعريف والإخبار ٢٣٨/١: قال الذهبي
في الميزان: هذا من منكرات ابن عياش.

٣٩٨
مكروهات الصلاة
ولا يُقلِّبُ الحصى، إلا أن لا يُمكنَه السجودُ عليه، فيسوِّيِه مرةً واحدة.
وروي ((أنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة،
فقال: لو خشع قلبُه: لخشعت جوارحه))(١).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن في الصلاة لشُغلاً))(٢).
أي شُغلاً للمصلي بأعمال الصلاة، فلا ينبغي أن يشتغل بغيرها.
- قال في ((الذخيرة)): إذا حكَّ جسدَه: لا تفسد صلاتُه، يعني إذا فعله
مرةً، أو مرتين، أو مراراً، وبين كل مرتين فُرجةٌ، أما إذا فعله ثلاثَ مرات
متواليات: تفسد صلاتُه، كما لو نتف شعرَه مرتين: لا تفسد، وثلاث
مرات: تفسد.
- وفي ((الفتاوى)): إذا حكَّ جسدَه ثلاثاً: تفسد صلاتُه إذا كان بدفعة
واحدة.
- واختلفوا في الحكِّ: هل الذهاب والرجوع مرةً، أو الذهاب مرةً،
والرجوعُ مرةً أخرى؟
* قوله: (ولا يُقُلُّب الحَصىُ، إلا أن لا يُمكنَه السجودُ عليه، فيسوِّيه
مرةً واحدةً).
(١) روي مرفوعاً وموقوفاً مع الضعف، مرفوعاً في نوادر الأصول، للحكيم
الترمذي، مصنف ابن أبي شيبة (٦٨٥٤)، من كلام سعيد بن المسيب، وقد ذكره ابن
حجر في فتح الباري ٢٢٥/٢، وسكت عنه، وينظر فيض القدير ٣١٩/٥، إتحاف
السادة المتقين ٢٣/٣.
(٢) صحيح البخاري (٣٨٧٥)، صحيح مسلم (٥٣٨).

٣٩٩
مكروهات الصلاة
ولا يُفرقعُ أصابعَه، ولا يَتخصَّرُ.
وتَرْكُه أفضلُ، وأقرب إلى الخشوع؛ لأن ذلك نوعُ عَبَثٍ.
وقال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: ((مرةً يا أبا ذر، وإلا: فذَرْ))(١).
وقال بعضُهم فيه سَجْعاً، وهو: سأل أبو ذرٍ خيرَ البشر عن تسوية
الحجر؟ فقال: يا أبا ذر! مرةً، وإلا: فذَرْ.
قوله: (ولا يُفَرْقِعُ أصابعَه)، وهو أن يَغمِزَها، أو يمدَّها حتى
تصوّت؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: ((إني أُحِبُّ لك ما
أُحِبُّ لنفسي: لا تُفرقع أصابعَك وأنت تصلي))(٢).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((الضاحكُ في الصلاة، والملتفت،
والمفرقع أصابعَه: بمنزلةٍ واحدة))(٣).
* قوله: (ولا يتخصَُّ(٤)): أي لا يضع يده على خاصرته؛ لأنه عمل
(١) قال في نصب الراية ٨٦/٢: غريب بهذا اللفظ. اهـ، وقد روي بألفاظ قريبة
في مسند أحمد (٢١٤٤٦) بلفظ: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ((سألتُ النبي صلى
الله عليه وسلم عن کل شيء، حتى سألته عن مسح الحصی، فقال: واحدة، أو دع)،
ولفظ الصحيحين: البخاري (١٢٠٧)، مسلم (٥٤٦): ((لا تمسح الحصى وأنتَ
تصلي، فإن کنتَ لا بد فاعلاً: فواحدة».
(٢) سنن ابن ماجه (٩٦٥)، وهو معلول بالحارث الأعور، كما في نصب الراية
٨٧/٢، المعجم الكبير للطبراني ٤١٩/٢٠.
(٣) مسند أحمد ٤٣٨/٣، ورواته ضعاف، كما في نصب الراية ٨٧/٢.
(٤) توجد في نسخ القدوري هنا زيادة: ((ولا يُشبِّك أصابعه)): ولم تثبت في نسخ

٤٠٠
مكروهات الصلاة
ولا يَسْدِلُ ثوبَه.
ولا يُشِّكُ أصابعَه، ولا يَعْقِصُ شعرَه، ولا يكُفُّ ثوبَه.
اليهود، ولأن فيه تركَ الوضع المسنون.
وقيل: لأن هذا فعل المصاب، وحالة الصلاة حالة يناجي فيها العبدُ
ربَّه، فهي حالة الافتخار، لا حالة إظهار المصيبة.
* قوله: (ولا يَسدُلُ ثوبَه)، وهو: أن يُلقيَه من رأسه إلى قدميه، أو
يضع الرداءَ على كتفيه، ولم يَعطِفْه على بعضه.
* قوله: (ولا يَعقِصُ شعرَه)، وهو: أن يجمعه، ويَعقِدَه في مؤخَّر
رأسه، وهو مكروهٌ.
((وعن عمر رضي الله عنه أنه مرَّ برجلٍ ساجدٍ عاقصٍ شعرَه، فحلَّه
حلاً عنيفاً، وقال: إذا طوَّل أحدُكم شعرَه: فليُرسِلْه؛ ليسجد معه))(١).
* قوله: (ولا يَكُفُّ ثوبَه)، وهو: أن يرفعَه من بين يديه، أو من خلفه
إذا أراد السجود.
قال عليه الصلاة والسلام: ((أُمِرتُ أن أسجد على سبعة أعظُم، لا
أكفُّ ثوباً، ولا أَعقص شعراً))(٢).
الجوهرة، ولا أصلها السراج الوهاج.
(١) ورد النهي مرفوعاً عن عقص الشعر في الصلاة: سنن أبي داود (٦٤٧)،
سنن الترمذي (٣٨٤)، وينظر التعريف والإخبار ٢٣٩/١، وينظر نصب الراية ٩٣.
(٢) صحيح مسلم (٤٩٠).