النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
باب المسح على الخُّفَّيْن
يَيْنُ منه مقدارُ ثلاثِ أصابعَ من أصابعِ الرِّجْل.
يروى: بالباء الموحَّدة، وبالثاء المثَّلثة، فالأول: في موضع، والثاني:
في مواضع.
- وفيه إشارةٌ إلى أن الخروق تُجمع في خُقٍّ واحدٍ، ولا تُجمع في
خفين، بخلاف النجاسة المتفرقة؛ لأنه حامل للكل.
- وانكشاف العورة: نظيرُ النجاسة.
وعند زفر، والشافعي (١): الخُرق اليسير يمنع المسحَ وإن قلَّ؛ لأنه لمَّا
وجب غَسل البادي: يجب غسل الباقي.
قلنا: الخفافُ لا تخلو عن يسيرِ خُرقٍ عادةً، فيَلحقه الحرج في النزع،
وتخلو عن الكبير: فلا حرج.
والكبير: أن ينكشف منه مقدارُ ثلاثِ أصابع الرِّجل.
: قوله: (يَبِينُ منه مقدارُ ثلاث أصابع من أصابع الرِّجل): يعني
أصغرها، هو الصحيح ؛ لأن الأصل في القدم هو الأصابع، باعتبار أنها
أصل الرِّجل، والقدمُ تَبَعٌ لها، ولهذا قالوا: إن مَن قَطَعَ أصابعَ رِجْل
إنسان: فإنه يلزمه جميعُ الدية، والثلاث: أكثرُها، فقامت مقام الكل،
واعتبار الأصغر؛ للاحتياط.
وفي ((المحيط)): إذا كان يبدو قَدْرُ ثلاث أنامل، وأسافلُها مستورة:
(١) المجموع ٤٩٦/١.

٢٢٢
باب المسح على الخُّفَّيْن
وإن كان أقلّ من ذلك : جاز.
قال السرخسي(١): يمنع.
وقال الحَلواني: لا يمنع حتى يبدوَ قدرُ ثلاث أصابع بكمالها، وهو
الأصح، والأنامل هي رؤوس الأصابع.
- فإن ظهرت الإبهامُ والأخرى معها: مَنَعَتا المسحَ؛ لأنهما يساويان
الثلاث.
وفي ((مشكل القدوري)): إذا كانت الإبهامُ مقدار ثلاث أصابع، وظهرت:
لا تمنع.
- وإذا كان مقطوعَ الأصابع: يُعتبر بأصابع غيره.
- وكُبْر القدم: دليلٌ علىُ كُبْرِها، وصُغْره: دليلٌ على صُغْرِها.
* قوله: (وإن كان أقلّ من ذلك: جاز).
- ولو كانت الأصابع تبدو من الخُرْق حالةَ المشي، ولا تبدو حال
وضع القدم على الأرض: لم يجز المسحُ عليه، وإن كان على العكس:
جاز. كذا في ((مُنية المصلي))(٢).
- وهذا كله إذا كان الخُرق أسفلَ من الكعب، أما إذا كان فوقَه: يجوز
المسحُ عليه وإن کَبُر.
(١) المبسوط ١٠٠/١.
(٢) ص٨٩.

٢٢٣
باب المسح على الخُّفَّيْن
ولا يجوز المسحُ على الخفين لمَن وَجَبَ عليه الغُسل.
ويَنقضُ المسحَ على الخفين ما يَنقضُ الوضوءَ.
ويَنقضُهُ أيضاً نَزْعُ الخفِّ،
* وشرائط الخفّ الذي يجوز المسح عليه:
١ - أن يكون ساتراً للقدم مع الكعب؛ احترازاً عن المُخرَّق.
٢- وأن يكون مشغولاً بالرِّجل؛ احترازاً عن مقطوعِ الأصابعِ إذا لبسه
وصار بعضُ الخف خالياً من مُقدَّمه، فمَسَحَ على الخالي: لا يجوز.
٣- وأن يُمكن متابعةُ المشي فيه؛ احترازاً مما إذا جَعَلَ له خفاً من
حديد، أو زجاج، أو خشب.
٤- وأن تنقطع به مسافةُ السفر (١)؛ احترازاً عما إذا لفَ علىُ رِجليه
خرقةً: لا يجوز المسحُ عليها. كذا في ((الإيضاح)).
* قوله: (ولا يجوز المسحُ لمَن وجب عليه الغُسل)؛ لأن الجنابة لا
تتکرر عادةً، فلا حرج في النزع، بخلاف الحدث، فإنه يتكرر.
[نواقض المسح على الخفين : ]
وِ
* قوله: (وينقضُ المسحَ على الخفين كلّ شيءٍ يَنقضُ الوضوءَ)؛ لأنه
بعض الوضوء.
* قوله: (وينقضُهُ أيضا نزعُ الخف): أي بعد انتقاض الطهارة الأُولى؛
(١) أي السفر اللغوي، لا الشرعي، وهو مقدار فرسخ، أي ثلاثة أميال، وهي
تعادل ٥,٤ كم، وقد نَّه إلى هذا ابن عابدين ٢/ ١٨٠ فليُنظر.

٢٢٤
باب المسح على الخَّفَّيْن
ومضيُّ المدة.
لسراية الحدث إلى القدم؛ لزوال المانع، وهو الخف.
- وحكم النزع يثبت بخروج القدم إلى الساق، وكذا بأكثر القدم، وهو
الصحیح.
وعن محمد: إذا بقي قدرُ ثلاث أصابع من ظهر القدم في محل
المسح: بقي حكم المسح؛ لبقاء محل الفرض في مستقرّه.
* قوله: (ومضيُّ المدة)؛ لسراية الحدث إلى القدم.
وكذا نَزْعُ أحدِ الخفين.
- قوله: ومضيُّ المدة: هذا إذا وجد الماءَ، أما إذا لم يجده: لم ينتقض
مسحُه، بل تجوز له الصلاة، حتى إذا انقضتْ وهو في الصلاة، ولم يجد
ماءً: فإنه يمضي على صلاته؛ لأن حاجته هنا إلى غسل رجليه.
فلو قطع الصلاة: فإنه يتيمم، ولا حظّ للرجلين في التيمم، فلهذا كان
المضيُّ على صلاته أولى.
ومن المشايخ مَن قال: تفسد صلاتُه، والأول أصح.
- وكذلك إذا مضت المدةُ، وكان يخاف الضررَ من البرد إذا نزعهما:
جاز له أن يصلي. كذا في ((الذخيرة)).
- ولو كان الخف ذا طاقَيْن، فمسح عليه، ثم نزع أحد طاقيه: فإنه لا
یجب علیه إعادة المسح على ما ظهر تحته.

٢٢٥
باب المسح على الخُّفَيْن
فإذا تمَّتِ المدةُ : نَزَع خُقَّيْهِ، وغَسَلَ رِجْليه، وصلَّى، وليس عليه
إعادة بقية الوضوء.
ومَن ابتدأ المسحَ وهو مقيمٌ، فسافر قبل تَمَامِ يومٍ وليلةٍ : مَسَحَ تمامَ
ثلاثةِ أیامٍ ولياليها .
* قوله: (فإذا تمَّت المدةُ: نَزَعَ خفيه، وغَسَلَ رجليه، وصلى).
- وكذا إذا نزع قبل مضيِّ المدة؛ لأنه عند النزع يسري الحدث السابق
إلى القدمين، فكأنه لم یغسلهما.
* قوله: (وليس عليه إعادةُ بقية الوضوء).
هذا احترازٌ عن قول الشافعي(١)، فإنه يقول: عليه إعادة الوضوء.
وقال ابن أبي ليلى: لا يعيد شيئاً من الوضوء.
* قوله: فإذا تمّت المدة: نزع خفيه، وغسل رجليه.
وقال الحسنُ، وطاوس: يصلي، ولا يغسل قدميه.
* قوله: (ومَن ابتدأ المسحَ وهو مقيمٌ، فسافر قبل تمام يومٍ وليلة:
مَسَحَ تمامَ ثلاثة أيام ولياليها).
وقال الشافعي(٢): لا يجوز أن يمسح مَسْحَ المسافر.
- والأصل في هذا: أن المعتبر عندنا في الأحكام المتعلقة بالوقت:
(١) المجموع ٤٨٦/١.
(٢) مغني المحتاج ٦٥/١.

٢٢٦
باب المسح على الخُّفَّيْن
ومَن ابتدأ المسحَ وهو مسافرٌ، ثم أقام: فإن كان مَسَحَ يوماً وليلة، أو
أكثرَ : لزمه نَزْعُ خفَّيْهِ، وغَسْلُ رجليه .
وإن كان مَسَحَ أقلَّ من يومٍ وليلة: تمَّم مَسْحَ يومٍ وليلة.
ومَن لَبِسَ الجُرموقَ فوقَ الخفِّ: مَسَح علیه.
آخرُه، كالصلاة إذا سافر في آخر الوقت: يصير فرضه ركعتين، وإن أقام
فيه: ينقلب فرضه أربعاً، وكذا الصبي إذا بلغ في آخر الوقت، أو أسلم
الكافر: تجب عليهما الصلاة.
* قوله: (ومَن ابتدأ المسحَ وهو مسافرٌ، ثم أقام)، يعني دخل مصرَه،
أو نوى الإقامةَ، (فإن كان مَسَحَ يوماً وليلة، أو أكثر: لزمه نَزْعُ خفيه،
وغَسْلُ رجليه)، حتى لو كان ذلك وهو في الصلاة: فسدت.
* قوله: (وإن كان مَسَحَ أقلّ من يوم وليلة: أتمّ مَسْحَ يومٍ وليلة)، كما
لو كان مقيماً في الابتداء، وهذا لا خلاف فيه.
* قوله: (ومَن لَبِسَ الجُرْموقَ فوق الخف: مَسَحَ عليه).
الجُرْموق: خُقٌّ فوق خُفِّ، إلا أن ساقه أقصرُ منه، وإنما يجوز
المسح علیه بشرطین:
١- أحدهما: أن لا يتخلل بينه وبين الخف حدثٌ، كما إذا لبس
الخفين على طهارة ولم يمسح عليهما حتى لبس الجرموقين قبل أن تنتقض
الطهارة التي لبس عليها الخف: فحينئذ يجوز المسح على الجرموقين.
- وأما إذا أحدث بعد لُبْس الخفين، ومَسَحَ عليهما، ثم لَبِس

٢٢٧
باب المسح على الخُّفَّيْن
ولا يجوز المسحُ علىُ الجَوْرَبَيْن عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مجلَّدَيْن،
أو منعَلَيْن.
وقال أبو يوسف ومحمد : يجوز المسحُ على الجوربين إذا ..
الجرموقين بعد ذلك: لا يجوز له المسح على الجرموقين؛ لأن حُكم
المسح قد استقرَّ علی الخف.
- وكذا لو أحدث بعد لُبْس الخف، ثم لَبِس الجرموقَ قبل أن يمسح
على الخف: لا يمسح عليه أيضاً.
٢- والشرط الثاني: أن يكون الجرموقُ لو انفرد: جاز المسح عليه،
حتى لو كان به خُرُق كبيرٌ: لا يجوز المسح علیه.
[المسح على الجَوْرَبَيْن: ]
: قوله: (ولا يجوز المسح على الجَوْرَبَيْن عند أبي حنيفة إلا أن يكونا
مجلَّدين، أو مُنعَّلين)؛ لأنه لا يمكن المشيُ فيهما في العادة، فأشبها
اللِّفافة، وأما إذا كانا مجلَّدين أو منعَّلين: أمكن ذلك، فجاز المسح
عليهما، كالخفين.
والمجلَّد: هو أن يوضَع الجلدُ على أعلاه وأسفله.
والمنعَّل: هو الذي يوضَع على أسفله جلدة، كالنعل للقدم.
* قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز المسح على الجوربين إذا

٢٢٨
باب المسح على الخُّفَّيْن
كانا ثَخِينَيْن لا يَشِفَّان الماءَ.
ولا يجوز المسحُ علىُ العِمامة، والقَلَتْسُوةِ، والبُرقعِ، والقُفَّازَيْنِ.
ويجوز المسحُ على الجبائر.
كانا ثخينين لا يَشِفَّان(١)).
حدُّ الثخانة: أن يقوم على الساق من غير أن يُربط بشيء.
وقوله: لا يَشِفَّان: أي لا يُرى ما تحتهما من بَشَرة الرِّجل من خلاله.
و: ((ينشفان)): خطأ.
- قال في ((الذخيرة)): رجع أبو حنيفة إلى قولهما في آخر عمره قبل
موته بسبعة أيام، وقيل: بثلاثة أيام، وعليه الفتوى.
قوله: (ولا يجوز المسح على العِمامة، والقَلَنْسُوة، والبُرقع،
والقُفّازين)؛ لأنه لا حرجَ في نزع هذه الأشياء، والرخصة إنما هي لرفع الحرج.
القَلَنْسُوة: شيء تجعله الأعاجم على رؤوسهم، أكبر من الكُوفِيَّة.
والبُرْقُع: شيءٌ تجعله المرأةُ على وجهها، تبدو منه العينان.
والقُفَّاز: شيء يُجعل على الذراعين، يُحشىُ قُطناً، له أزرار، يُلبسان
من شدة البرد.
[المسح على الجبيرة : ]
* قوله: (ويجوز المسحُ على الجبائر).
(١) وفي نسخ من القدوري: لا يشفَّان الماءَ.

٢٢٩
باب المسح على الخُّفَيْن
وإن شَدّها على غير وضوء.
الجبائر: عيدان يُجَبَر بها الكَسْر.
- وأُجري الحكمُ فيما إذا شدَّها بخرقة، أو انكسر ظفرُه، فجعل عليه
العلك أو الدواء: مجرى ذلك.
- والمُحدِث والجُنُّب في مسح الجبيرة: سواءٌ.
* قوله: (وإن شدَّها على غير وضوء).
اعلم أنها تخالف المسحَ على الخفين بأربعة أشياء:
١- أحدها: أنها إذا سقطت عن بُرْء: يُكتفى بغسل ذلك الموضع،
بخلاف الخفين، فإن أحدهما إذا سقط: يجب غسل الرِّجلين.
٢ - والثاني: إذا سقطت على غير بُرْء: شدَّها مرةً أخرى، ولا يجب
عليه إعادة المسح.
٣- والثالث: أن مَسْحَها لا يتوقَّت.
٤- والرابع: إذا شدَّها على طهارة، أو على غير طهارة: يجوز المسح
عليها، بخلاف الخفين.
قال أبو علي النسفيُّ: إنما يجوز المسحُ على الجبيرة إذا كان المسح
على الجراحة يضرُّه، وإلا : فلا يجوز.
- ويجوز المسح على الجبيرة وإن كان بعضُها على الصحيح، ويكون
تَّبَعَاً للمجروح؛ لأنه لا يمكن شدُّ الجبيرة على الجرح خاصةً.

٢٣٠
باب المسح على الخُفَّيْن
فإن سقطت عن غير بُرءٍ : لم يبطل المسحُ.
وإن سقطت عن بُرءٍ : بطل المسحُ.
- وعلى هذا: عصابةُ المفتصد، له أن يمسح على جميع العِصابة ما لم
ينسدَّ فمُ العِرق.
* قوله: (وإن سقطت عن غير بُرْء: لم يبطل المسح)؛ لأن العذر قائمٌ.
* قوله: (وإن سقطت عن بُرْء: بطل)؛ لزوال العذر.
- فلو سقطت عن برء وهو في الصلاة: غسل ذلك الموضع، واستقبل
الصلاة؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، كالمتيمم إذا
وجد الماءَ في خلال صلاته.
- وإن كان سقوطها عن غير بُرْء وهو في الصلاة: مضى على صلاته؛
لأن حكم المسح باقٍ؛ لبقاء العلة.
- وإن سقطت عن غير برء وهو في غير الصلاة: شدَّها مرةً أخرىُ،
ويصلي، ولا تجب عليه إعادة المسح، سواء شدّها بتلك الجبائر، أو بغيرها.
- وإن سقطت عن برء: فإنه يَغسل ذلك الموضعَ، ويصلي، ولا يجوز
له أن يصلي ما لم یغسله.

٢٣١
باب الحَيْض
باب الحیض
لمَّا قدَّم ذِكْرَ الأحداثِ التي يكثُر وقوعُها، من الأصغر والأكبر،
والأحكامِ المتعلقة بها أصلاً وخَلَفاً: ذَكَرَ عَقِيْبَه حكمَ الأحداث التي يقل
93
وجودُها، وهو الحيض، والنفاس.
ولهذا المعنىُ قَدَّمَ ذِكْرَ الحيض على النفاس؛ لأن الحيض أكثرُ وقوعاً منه.
* والحيضُ في اللغة: اسمٌ لخروج الدم من الفرج على أي صفة كان،
من آدمية أو غيرها، حتى قالوا: حاضت الأرنبةُ: إذا خرج من فرجها الدم.
- وفي الشرع: عبارةٌ عن دمٍ مخصوص، أي دمٍ بناتِ آدم.
من مَخرَجٍ مخصوصٍ، وهو موضعُ الولادة.
من شخصٍ مخصوصٍ؛ احترازاً عن الصغيرة، والآيسة.
في وقتٍ مخصوصٍ، وهو أن يكون في أوانه.
يمتدُّ مدةً مخصوصةً، أي لا يزيد على العشر، ولا ينقص عن الثلاث.
- ويقال في تفسيره شرعاً أيضاً: هو الدمُ الخارجُ من رحمِ امرأةٍ سليمةٍ
من الداء، والصِّغَر.

٢٣٢
باب الحیض
أقلُ الحیضِ ثلاثةُ أیامٍ وليالِيْها.
وما نَقَصَ عن ذلك : فليس بحيضٍ، وهو استحاضةٌ.
فقولهم: سليمةٍ من الداء: احترازٌ من المستحاضة.
* قال رحمه الله: (أقلَّ الحيض: ثلاثةُ أيامٍ ولياليها).
يجوز في: ثلاثة: الرفعُ، والنصب.
فالرفع: خبر المبتدأ، فعلى هذا: لا بدَّ من إضمار تقديره: أقلّ مدة
الحيض؛ لأن الحيض دمٌ لا أيام.
والنصبُ: على الظرف.
- وقوله: ولياليها: لا يُشترط ثلاث ليال، بل إذا رأتْه ثلاثة أيام
وليلتين: كان حيضاً؛ لأن العبرة للأيام، دون الليالي.
ويُحمل كلام الشيخ على ما إذا رأتْه في بعض النهار، فلا بدَّ حينئذ من
ثلاثة أيام وثلاث ليال؛ لأن اليوم الثالث لا يكمل إلا إلى مثله من الرابع،
فيدخل ثلاث ليال، وأما لو رأتْه قبل طلوع الفجر، ثم طهرت عند الغروب
من اليوم الثالث: كان حيضاً، وذلك ثلاثة أيام وليلتان.
- وقال أبو يوسف: أقلَّه يومان وأكثرُ اليوم الثالث؛ اعتباراً للأكثر
بالكل؛ لأن الأكثر من اليوم الثالث يقوم مقامَ كله معنىً، إذ الدمُ لا يسيل
على الولاء.
* قوله: (فما نقص عن ذلك: فليس بحيضٍ، وهو استحاضة)؛ لقوله

٢٣٣
باب الحیض
وأكثرُ الحيضِ عشرةُ أيامٍ ولياليها، وما زاد على ذلك: فهو
استحاضةٌ.
وما تراه المرأةُ من الحُمرة، والصُّفْرةِ، والكُدْرةِ في أيام الحيض : فهو
حيضٌ.
عليه الصلاة والسلام: ((أقلّ الحيض: ثلاثة أيام، وأكثرُه: عشرة أيام))(١).
قوله: (وأكثرُه: عشرة أيام ولياليها)؛ لما روينا، (وما زاد على
ذلك: فهو استحاضة).
قوله: (وما تراه المرأةُ من الحُمْرةِ، والصُّفْرة، والكُدْرة في مدة
الحيض: فهو حيضٌ).
- سواء رأتِ الكُدرةَ في أول أيامها، أو في آخرها: فهو حيضٌ
عندهما، تقدَّمت أو تأخرت.
وقال أبو يوسف: إن رأتها في أول أيامها: لم تكن حيضاً، وإن رأتها
في آخر أيامها: كانت حيضاً.
فهي عنده لا تكون حيضاً إلا إذا تأخرت؛ لأن خروج الكُدرة يتأخر
عن الصافي، فإذا تقدمها دمٌّ: أمكن جعلُها حيضاً تبعاً، وأما إذا لم يتقدمها
دمٌّ، فلو جعلناها حيضاً: كانت متبوعةً، لا تبعاً.
(١) سنن الدارقطني، وضعَّفه، وكذلك ابن حجر في الدراية ٨٤/١، وينظر
نصب الراية ١٩١/١ فقد ذكر له طرقاً عديدة، وشواهد كثيرة.

٢٣٤
باب الحیض
حتى ترى البياضَ الخالص.
والحيضُ يُسقِطُ عن الحائض الصلاةَ،
وهما يقولان: ما كان حيضاً في آخر أيامها: كان حيضاً في أول
أيامها، كالحمرة؛ لأن جميع مدة الحيض في حكمٍ واحد.
وما قاله أبو يوسف إن خروج الكدرة يتأخر عن الصافي: إنما هو فيما
إذا كان مخرجه من أعلاه، أما إذا كان من أسفله: فالكدرة تخرج قبل
الصافي، وهنا المخرج من أسفل؛ لأن فم الرحم منكوسٌ، فتخرج الكدرة
أولاً، كالجَرَّة إذا ثُقْب أسفلُها.
قوله: (حتى ترى البياضَ الخالصَ).
قيل: هو شيء يُشبه المُخَاط يخرج عند انتهاء الحيض.
وقيل: هو القطن الذي تختبر به المرأةُ نفسَها، إذا خرج أبيض: فقد
طهرت.
* قوله: (والحيض يُسقِط عن الحائض الصلاةَ).
- فيه إشارةٌ إلى أنها وجبت عليها الصلاةُ، ثم سقطت.
- وهذه المسألة اختلف فيها الأصوليون، وهي أن الأحكام هل هي
ثابتةٌ على الصبي، والمجنون، والحائض، أم لا؟
فاختار أبو زيدِ الدَّبُوسيُّ أنها ثابتةٌ، والسقوط بعذر الحرج، قال: لأن
الآدميَّ أصلٌ لوجوب الحقوق عليه، ألا ترى أن عليه عُشر أرضه
وخراجها، بالإجماع.

٢٣٥
باب الحيض
ويُحَرِّمُ عليها الصومَ.
وتَقضي الصومَ، ولا تقضي الصلاةَ.
ولا تدخلُ المسجدَ،
وعليه الزكاة عند الشافعي(١).
وکلام الشیخ بناءً على هذا.
وقال البَزْدَوي(٢): كنا على هذا مدةً، ثم تركناه، وقلنا بعدم الوجوب.
* قوله: (ويُحرِّم عليها الصومَ).
إنما قال في الصوم: يُحرِّم، وفي الصلاة: يُسقِط؛ لأن القضاء في
الصوم واجبٌ، فلا يَليق ذِكْرُ السقوط فيه، والصلاةُ لا تُقضىُ، فحَسُن
ذِكْرُ السقوط فيها.
* قوله: (وتقضي الصومَ، ولا تقضي الصلاةَ)؛ لأن في قضاء الصلاة
مشقةً؛ لأن في كل يوم وليلة خمسَ صلوات، فيكون في مدة الحيض
خمسون صلاةً، وهذا في كل شهر، وأما الصوم فلا يكون في السنة إلا
مرة، فلا يلحقها في قضائه مشقةٌ.
* قوله: (ولا تَدخلُ المسجدَ).
(١) مغني المحتاج ٤٠٩/١.
(٢) أصول البزدوي ص٦١٦ (من طبعة بتحقيقي).

٢٣٦
باب الحیض
ولا تطوفُ بالبيت، ولا يأتيها زوجُها.
- وكذا الجنبُ أيضاً.
ءِ
- وسطحُ المسجد: له حكم المسجد، حتى لا يَحِلّ للحائض والجنب
الوقوفُ علیه؛ لأنه في حُكمه.
* قوله: (ولا تطوفُ بالبيت).
- فإن قيل: الطواف لا يكون إلا بدخول المسجد، وقد عُرف منعهما
منه، فما الفائدة في ذِكر الطواف؟
قيل: يُتصوَّر ذلك فيما إذا جاءها الحيضُ بعد ما دخلت المسجدَ،
وقد شرعتْ في الطواف.
أو يقال: لمَّا كان للحائض أن تصنع ما يصنعُهُ الحاجُّ من الوقوف
وغيرِهِ، ربما يظن ظانَّ أنه يجوز لها الطوافُ أيضاً، كما جاز لها الوقوف،
وهو أقوى منه، فأزال هذا الوهم بذلك.
* قوله: (ولا يأتيها زوجُها).
ذَكَرَه بلفظ الكناية؛ تأدُّباً وتخلَّقاً واقتداءً بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ
فَأَتُوُهُربَ ﴾. البقرة/ ٢٢٢.
- وإن أتاها مُستَحِلاً: كَفَرَ، وإن أتاها غيرَ مستحلٌّ: فعليه التوبة
والاستغفار.
وقيل: يُستحب أن يتصدق بدينار، وقيل: بنصف دينار، والتوفيق

٢٣٧
باب الحیض
بينهما: إن كان في أوله: فدينارٌ، وإن كان في آخره، أو وسطه: فنصف
دینار.
- وهل ذلك على الرجل وحدَه، أو عليهما جميعاً؟
الظاهر: أنه علیه، دونها.
ـ ومَصرفُه: مصرفُ الزكاة.
- وله أن يُقبِّلها، ويضاجعها، ويستمتعَ بجميع بدنها ما خلا ما بين
السرة والركبة عندهما، وقال محمد: يستمتع بجميع بدنها، ويجتنب شعار
الدم، لا غیر، وهو موضع خروجه.
- ولا يحلّ لها أن تكتم الحيضَ على زوجها؛ ليجامعَها بغير علم منه.
- وكذا لا يحلّ لها أن تُظهِر أنها حائضٌ من غير حيض؛ لتمنعه
مجامعتها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله الغائصة والمُغوِّصة))(١).
فالغائصة: التي لا تُعلِمِ زوجَها أنها حائضٌ، فيجامعُها بغير علم.
(١) غريب الحديث للخطابي ٢٠٢/٣، ولم يذكر له سنداً، ونَقَلَه عنه أصحاب
الغريب، كصاحب النهاية لابن الأثير ٣٩٥/٣، وغيرُه، وله شاهدٌ بمعناه، لكن بلفظ
بعيد، وهو: ((لعن الله المسوِّفة، والمُفَسِّلة))، قال عنه في مجمع الزوائد ٢٩٦/٤: رواه
أبو يعلى، وفيه: يحيى بن العلاء، وهو ضعيفٌ متروك. اهـ، ثم ذكر له شاهداً آخر،
وفيه ضعفٌ أيضاً، وينظر فيض القدير للمناوي ٢٩٢/٥.

٢٣٨
باب الحیض
ولا يجوز لحائضٍ، ولا جُنُبٍ قراءةُ القرآن.
والمُغْوِّصةُ: التي تقول لزوجها: إنها حائضٌ، وهي طاهرةٌ؛ حتى لا
یجامعها.
: وأما الوطء في الدُّبْر: فحرامٌ في حالة الحيض والطهر؛ لقوله
تعالى: ﴿فَأَتُوُهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾. البقرة/ ٢٢٢، أي من حيث أمركم
الله بتجنبه في الحيض، وهو الفرج.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إتيان النساء في أعجازهنَّ حرامٌ))(١).
وقال: ((ملعونٌ مَن أتى امرأةً في دُبُرها)»(٢).
- وأما قوله تعالى: ﴿فَأَتُواْ حَرْفَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. البقرة/ ٢٢٣: أي كيف
شئتم، ومتى شئتم، مُقبِلات، ومُدبرات، ومستقلبات، وباركات، بعد أن
يكون في الفرج.
ولأن الله تعالى سمى الزوجة حرثاً، فإنها للولد، كالأرض للزرع، وهذا
دليلٌ على تحريم الوطء في الدبر؛ لأنه موضع الفَرث، لا موضع الحرث.
* قوله: (ولا يجوز لحائضٍ ولا جُنُب قراءةُ القرآن).
(١) بلفظ: ((إتيان النساء في محاشِّهن حرام)): في الآثار لأبي يوسف ص ١٣٤
(٦١٥)، وبلفظ: ((إتيان النساء في أدبارهن حرامٌ)): في سنن النسائي الكبرى
(٨٩٤٦).
(٢) سنن أبي داود (٢١٦٢)، مسند أحمد ٢٧٢/٢، وله طرق وشواهد عديدة
يعضد بعضها بعضاً، ينظر لها البدر المنير ٢٩٩/١٩، التلخيص الحبير ١٨٠/٣.

٢٣٩
باب الحیض
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقرأ الجُنُبُ ولا الحائضُ شيئاً من
القرآن))(١).
ولأنه يباشر القرآن بعضوٍ یجب غسله، فلا يجوز.
و
- وكذا لا تجوز له القراءةَ حالة الوطء.
- والنفساء: كالحائض.
- وظاهر هذا أن الآية وما دونها: سواء في التحريم.
وقال الطحاوي: يجوز لهم ما دون الآية، والأول أصح.
- قالوا: إلا أن لا يقصد بما دون الآية القراءةَ، مثلُ أن يقول: الحمد
لله: يريد الشكرَ، أو: بسم الله: عند الأكل، أو غيرِهِ، فإنه لا بأس به؛
لأنهما لا يمنعان من ذكر الله.
- وهل يجوز للجُنُب والحائض كتابةُ القرآن؟
قال في ((مُنية المصلي)) (٢): لا يجوز.
وفي ((الخُجندي)): يكره للجنب والحائض كتابةُ القرآن إذا كان مباشراً
للَّوْح والبياض.
(١) سنن الترمذي (١٣١)، سنن ابن ماجه (٥٩٥)، وينظر لطرقه وشواهده:
البدر المنير ٨٩/٥.
(٢) ص٤٩.

٢٤٠
باب الحیض
ولا يجوز لمُحْدِثِ مسُّ المصحف إلا أن يأخذه بغلافه.
- وإن وضعهما على الأرض، وكَتَبَه من غير أن يضع يده على
المکتوب: لا بأس به.
- وأما التهجي بالقرآن: فلا بأس به.
وقال بعض المتأخرين: إذا كانت الحائض أو النفساء معلِّمةً: جاز لها
أن تُلقِّن الصبيانَ كلمةً كلمةً، وتقطعَ بين الكلمتين، ولا تُلقِّنهم آيةً كاملة؛
لأنها مضطرةٌ إلى التعليم، وهي لا تقدر على رفع حدثها.
فعلى هذا لا يجوز للجنب ذلك؛ لأنه يقدر على رفع حدثه.
- ولا بأس للجنب والحائض والنفساء أن يسبِّحوا اللهَ، ويهلِّلُوه.
* قوله: (ولا يجوز لمُحدِثِ مسُّ المصحف).
وإنما لم يذكر الحائض والنفساء والجنب؛ لأنه يُعلم أن حكمَهم
حكمُه بطريق الأَوْلى؛ لأن حكم القراءة أخفُّ من حكم المس، فإذا لم
تجز لهم القراءة: فلأن لا يجوز لهم المسُّ أُوْلی.
والفرق في المحدث بين المَسِّ والقراءة: أن الحدث حلَّ اليدَ، دون
الفم، والجنابةُ حلَّت اليدَ والفمَ، ألا ترى أن غسل اليد والفم في الجنابة
فرضان، وفي الحدث إنما يُفرض غسل اليد، دون الفم.
** قوله: (إلا أن يأخذه بغلافه، أو بعَلاَّقته).
- وغلافه: ما يكون متجافياً عنه، أي متباعداً، بأن يكون شيئاً ثالثاً بين
الماسِّ والممسوس، كالجِراب والخريطة، دون ما هو متصلٌ به، كالجلد