النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب الطهارة
والمفروضُ في مَسْح الرأس : مقدارُ النَّاصِية، وهو رُبُعُ الرأس.
- وإنما قال: يدخلان في الغَسل، ولم يقل: بفرض غَسلهما؛ لأنهما
إنما يدخلان عملاً، لا اعتقاداً، حتى لا يُكفَر جاحدُ فرضية غَسْلهما.
: قولُه: (والمفروضُ في مَسْحِ الرأس: مقدارُ الناصية، وهو رُبُّع
الرأس).
والناصيةُ هي: الشعرُ المائل إلى ناحية الجبهة.
والرأسُ: أربع قِطَع: الناصيةُ، والقَذَال(١)، والفُودان.
- فقوله: مقدار الناصية: إشارةٌ إلى أنه يجوز أن يَمسح أيَّ الجوانب
شاء من الرأس بمقدارها.
- وإنما قال: والمفروض: ولم يقل: والفرض؛ لأن المراد كونُه
مقداراً لا مقطوعاً به؛ لأن الفرض هو القطع، حتى إنه لا يُكفَرُ جاحدُ
هذا المقدار.
- والتقدير بمقدار الناصية: هو اختيار الشيخ(٢).
وفي رواية (٣): مقدار ثلاثة أصابع.
- ولو أدخل المُحدِثُ رأسَه في الإناء يريد مسحَه: أجزأه عن المسح.
(١) مؤخَّر الرأس، والفُودان: جانباه. مختار الصحاح.
(٢) أي الإمام القدوري، وهو مصطلحٌ جرى عليه الشارح رحمه الله.
(٣) أي في المذهب، لكنها رواية النوادر، لا ظاهر الرواية. البناية ١/ ٩١.

١٢٢
كتاب الطهارة
لِمَا روىُ المُغيرةُ بن شُعبةَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ((أتى سُبَاطةَ
قومٍ، فبال، وتوضأ، ومَسَحَ علی ناصیته، وخُفَّْه)).
- ولا يَفسدُ الماءَ عند أبي يوسف.
و
وقال محمد: يصير الماء مستعملاً، ولا يجزئه عن المسح.
- وكذا الخف: على هذا الاختلاف.
* قوله: (لِمَا روىُ المُغيرةُ بن شُعبة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
أتىُ سُباطةَ قومٍ، فبال، وتوضأ، ومَسَحَ على ناصيته، وخُفَّيْه))(١)).
- في هذا الحديث ستةُ فوائد:
أحدُها: جواز دخول مِلكِ الغير الخَرَابِ بغير إذنه؛ لأنه سُباطةُ قوم،
والسُّباطة: قيل: هي الدار الخَرِبة، وقيل: هي الكُنَاسة: بضم الكاف،
وهي: القُمَامة، والمراد هنا: موضع إلقائها، وأما الكِناسة: بالكسر: فهي
المكْنَسَة.
(١) قال في العناية ١٥/١: قيل: هو حديثٌ واحد، وقيل: حديثان جَمَعَ بينهما
القدوري. اهـ.
وعلى أنه مجموعٌ من حديثين، فقد رواهما المغيرة، أحدهما: رواه مسلم في
صحيحه (٢٧٤ ح ٨٣) عنه ((أنه صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته، وعلى
العمامة، وعلى الخفين))، والآخر: رواه ابن ماجه (٣٠٦) عنه ((أنه صلى الله عليه
وسلم أتى سباطة قوم، فبال قائماً)). ينظر نصب الراية ١/١، فتح القدير لابن الهمام
١٧/١، وروي حديث السباطة من حديث حذيفة أيضاً في صحيح البخاري (٢٢٤)،
وصحيح مسلم (٢٧٣)، وينظر لتصحيح رواية ابن ماجه: فتح الباري ٣٢٩/١.

١٢٣
كتاب الطهارة
وسُنَنُ الطهارة :
والثانية: جوازُ البول في دارٍ غيرِهِ الخَرَاب، دون الغائط؛ لأن البول
تُنشِّقُه الأرضُ، فلا يبقى له أثرٌ.
والثالثة: أن البول ينقض الوضوء.
والرابعة: أن الوضوء بعده مستحبٌّ.
والخامسة: تقديرُ مسح الرأس بالناصية.
والسادسة: ثبوت مسح الخفين بالسُنَّة.
- وإنما أورد الحديثَ هكذا مطوَّلاً، والحاجةُ إنما هي إلى مسح
الناصية؛ ليكون أدلَّ على صدق الراوي، وإتقانه للحديث.
* قوله: (وسُنَنُ الطهارة):
السُّنَّة في اللغة هي: الطريقة، سواء كانت مَرْضيةً أو غير مَرْضيةً.
قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً: كان له ثوابُها وثوابُ
مَنْ عَمِلَ بها إلى يوم القيامة، ومَن سَنَّ سُنَّةً سيئةً كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن
عَمِلَ بها إلى يوم القيامة))(١).
وهي في الشرع: عبارةً عما واظب عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أو
أحدٌ من أصحابه(٢).
(١) صحيح مسلم (١٠١٧)، ٢٠٥٩/٤.
(٢) لم يُدخِل متقدمو الحنفية في السُّنَّة ما واظب عليه عامة الصحابة رضي الله

١٢٤
كتاب الطهارة
غسلُ اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناءَ إذا استيقظ المتوضئءُ من نومه.
- ويُؤجَرَ العبد على إتيانها، ويُلامُ على تَرْكها.
- وهي تتناول القوليّ، والفعليَّ.
قال الفقيه أبو الليث: السُّنَّة: ما يكون تاركُها فاسقاً، وجاحدُها مبتدعاً،
والنَّفْلُ: ما لا يكون تاركُه فاسقاً، ولا جاحدُه مبتدعاً.
قوله: (غَسْلُ اليدين ثلاثاً).
يعني إلى الرسغ، وهو منتهى الكَفِّ عند المفصل.
- ويغسلُهما قبل الاستنجاء، وبعده، هو الصحيح.
- وهو سُنَّةٌ، تنوب عن الفرض، حتى إنه لو غسل ذراعيه من غير أن
يعيد غَسْلَ كفيه: أجزأه.
* قوله: (قبل إدخالهما الإناءَ): أي إدخال أحدهما.
- ويسن هذا الغَسل مرتين: قبل الاستنجاء، وبعده.
* قوله: (إذا استيقظ المتوضىء من نومه).
- هذا شرطُ وِفاقٍ، لا قصدٍ، حتى إنه سُنَّةٌ للمستيقظ، وغيرِه.
عنهم، بل خصوا منهم ما واظب عليه الخلفاء الراشدون. ينظر ((حجية السنة))،
للدكتور عبد الغني عبد الخالق ص ٦٩، وينظر لزاماً: ((تحفة الأخيار بإحياء سنَّة سيد
الأبرار صلى الله عليه وسلم))، للإمام اللكنوي ص ٦٨ - ٨٣، فقد ذكر للسنة اثنين
وعشرين تعريفاً، وفصَّلها وعلّق عليها.

١٢٥
كتاب الطهارة
وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء
- وسمي متوضئاً؛ لأن الشيء إذا قَرُب من الشيء: سُمِّي باسمه، كما
قال عليه الصلاة والسلام: ((لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله))(١)، سمَّاهم
موتى؛ لقُربهم منهم.
- وسواء استيقظ من نوم الليل، أو النهار.
وقال الإمام أحمد(٢): إن استيقظ من نوم النهار: فمستحبٌّ، ومن نوم
الليل: فواجبٌ.
وتسميةُ الله تعالى في ابتداء الوضوء.
* قوله: (وتسميةُ الله تعالى في ابتداء الوضوء).
الكلام فيها في ثلاثة مواضع: كيفيتها، وصفتها، ووقتها:
١ - أما كيفيتها: فـ: ((بسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام)).
وإن قال: ((بسم الله الرحمن الرحيم)): أجزأه؛ لأن المراد من التسمية
هنا: مجردُ ذكر اسم الله تعالى، لا التسمية على التعيين.
٢ - وأما صفتها: فذَكَرَ الشيخُ أنها سُنَّةٌ.
واختار صاحبُ ((الهداية))(٣) أنها مستحبةٌ، قال: وهو الصحيح.
(١) صحيح مسلم (٩١٦).
(٢) الروض المربع ص ١٣.
(٣) ١٢/١ (ط المكتبة الإسلامية)، وفيها: أنها الأصح. اهـ، وكذلك في طبعة
الهداية التي مع فتح القدير ١/ ١٠.

١٢٦
كتاب الطهارة
والسواكُ،
٣- وأما وقتُها: فقبلَ الاستنجاء، وبعده، هو الصحيح.
فإن أراد أن يسمِّيَ قبلَ الاستنجاء: سمَّى قبل كَشْف العورة.
فإن كَشَفَ قبل التسمية: سمَّى بقلبه، ولا يُحرِّك بها لسانَه؛ لأن ذكر
الله حالَ الانكشاف غیرُ مستحبٌّ؛ تعظيماً لاسم الله تعالی.
- فإن نسيَ التسميةَ في أول الطهارة: أتى بها متىُ ذَكَرَها قبل الفراغ؛
و
حتى لا يخلوَ الوضوء منها.
* قوله: (والسواكُ): هو سنةٌ مؤكدة.
- ووقته: عند المضمضة.
وفي ((الهداية))(١): الأصح: أنه مستحبٌّ.
- ويَستاك أعالي الأسنانِ وأسافلَها، ويستاك عَرْضَ أسنانه، ويبتدئ
من الجانب الأيمن.
- فإن لم يجد سواكاً: استعمل خرقةً خشنةً، أو أصبعَه السبابةَ من
یمینه.
- ثم السواك عندنا من سنن الوضوء.
وعند الشافعي (٢): من سنن الصلاة.
(١) ١/ ١٢.
(٢) بل السواك سنةٌ عند الشافعية للوضوء وللصلاة. مغني المحتاج ٥٥/١،
وينظر المجموع ٣٦٥/١.

١٢٧
كتاب الطهارة
والمضمضةُ، والاستنشاقُ،
وفائدتُه: إذا توضأ للظهر بسواك، وبقيَ على وضوئه إلى العصر أو
المغرب: كان السواكُ الأول سنةً للكل عندنا.
وعنده: يُسن أن يستاك لكل صلاة.
- وأما إذا نسيَ السواك للظهر، ثم ذكر بعد ذلك: فإنه يستحب له أن
يستاك؛ حتى يدرك فضيلته، وتكون صلاتُه بسواك، إجماعاً.
* قوله: (والمضمضةُ والاستنشاقُ): هما سُنَّتان مؤكَّدتان عندنا.
وقال مالك(١): فرضان.
- وكيفيتُهما: أن يُمضمض فاهُ ثلاثاً، يأخذُ لكل مرة ماءً جديداً، ثم
يستنشق كذلك.
- فلو تمضمض ثلاثاً من غَرفةٍ واحدة:
قيل: لا يصير آتياً بالسُّنَّة.
وقال الصيرفيّ: يصير آتياً بها.
- قال: واختلفوا في الاستنشاق ثلاثاً من غرفة واحدةٍ:
قيل: لا يصير آتياً بالسنة، بخلاف المضمضة؛ لأن في الاستنشاق:
يعودُ بعضُ الماء المستعمَل إلى الكف، وفي المضمضة: لا يعود؛ لأنه
يقدر على إمساكه.
(١) بل هما سنة عند المالكية. المعونة ١٢٢/١، الشرح الصغير ٤٦/١، ولعل
المؤلف وقف على رواية تفيد ذلك.

١٢٨
كتاب الطهارة
ومَسْحُ الأُذُنَيْن، وتخليلُ اللِّحيةِ والأصابعِ،
- والمبالغةُ فيهما: سنةٌ إذا كان غيرَ صائم.
- واختلفوا في صفة المبالغة:
قال شمس الأئمة الحَلواني: هي في المضمضة: أن يُدير الماءَ في فيه
من جانبٍ إلى جانب.
وقال الإمام خُوَاهَر زادَه: هي في المضمضة: الغَرغرة، وفي
الاستنشاق: أن يجذب الماءَ بنَفَسِه إلى ما اشتدَّ من أنفه.
- ولو تمضمض وابتلع الماء، ولم يَمُجَّه: أجزأه، والأفضل أن يُلقيَه؛
لأنه ماء مستعمل.
* قوله: (ومَسْحُ الأُذُنِين): هو سنةٌ مؤكدةٌ.
- ويمسحِ باطنَهما وظاهرَهما، وهو أن يُدخِلَ سبابتيه في صِماخَيْه،
وهما ثقبا الأُذنَيْن، ويُديرَهما في زوايا أُذنيه، ويُديرَ إبهاميه على ظاهر
أذنيه.
* ومسحُ الرقبة: قيل: هي سُنَّةٌ، وهو اختيار الطحاوي.
وقيل: مستحبٌّ، وهو اختيار الصدر الشهید.
- ويمسحُهما بماء جدید.
وفي ((النهاية)): يمسحُهما بظاهر الكفين.
ـ ومَسْحُ الحُلْقوم: بدعةٌ.
* قوله: (وتخليلُ اللحية والأصابعِ).

١٢٩
كتاب الطهارة
.
أما تخليلُ اللحية: فمستحبٌّ عندهما، وقال أبو يوسف: سنةٌ، وهو
اختيار الشيخ.
۔ و کیفیة تخليلها: من أسفل إلى فوق.
- واللِّحية: مكسورة اللام، وجَمْعُها: لُحَىّ، ولِحَىَّ: بضم اللام
وكسرها، واللَّحْي: بفتح اللام: عَظْم الفَكِّ، وهو مَنِبِت اللُّحية، وجَمْعُه:
لُحىّ، ولِحىّ: بضم اللام وكسرها.
- وأما تخليل الأصابع: فسنَّةٌ، إجماعاً.
- وتخليلُها: من أسفل إلى فوقٍ بماءٍ متقاطر.
- وينبغي أن يُخلِّل رِجليه بخنصره اليسرى.
- وإنما يكون التخليل سنةً بعد وصول الماء، أما إذا لم يصل الماء:
فهو واجبٌ.
م
- وكيفية التخليل: أن يبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويَختمَه بإبهامها،
ويبدأ بإبهام رِجله اليسرى، ويختمه بختصرها.
- والفرق لهما بين تخليل اللحية والأصابع: أن المقصود بالتخليل:
استيفاءُ الفرض في محلُّه، وذلك إنما يكون في الأصابع، وأما اللحية:
فداخلُ الشعر ليس بمحلٌّ للفرض، بل الفرض: إمرار الماء على ظاهرها.
- ولو توضأ في الماء الجاري، أو الغَدير العظيم، وغَمَسَ رجليه:
أجزأه وإن لم يخلل الأصابع. كذا في ((الفتاوى)).

١٣٠
كتاب الطهارة
وتكرارُ الغَسْل إلى الثلاث.
ويُستحبُّ للمتوضيء أن ينويَ الطهارةَ،
* قوله: (وتكرارُ الغَسل إلى الثلاث).
الأُولىُ: فرضٌ، والثنتان: سنتان مؤكدتان، على الصحيح.
- وإن اكتفى بغَسلة واحدة: أثم؛ لأنه ترك السنةَ المشهورة.
وقيل: لا يأثم؛ لأنه قد أتى بما أمره به ربُّه.
- والسنة: تكرار الغَسَلات، لا الغَرَفات.
* قوله: (ويُستحبُّ للمتوضيء أن ينويَ الطهارةَ).
المستحبُّ: ما كان مَدعُوّاً إليه على طريق الاستحباب، دون الحَتْم
والإيجاب، وفي إتيانه ثوابٌ، وليس في تركه عقاب.
- والكلام في النية في أربعة مواضع:
في صفتها، وكيفيتِها، ووقتها، ومحلِّها:
١ - أما صفتُها: فذَكَرَ الشيخُ أنها مستحبةٌ، والصحيح: أنها سنةٌ مؤكّدةٌ.
٢ - وأما كيفيتها: فإنه يقول: نويتُ أن أتوضأ للصلاة تقرُّباً إلى الله تعالى،
أو: نويتُ رَفْعَ الحدث، أو: نويتُ استباحةَ الصلاة، أو: نويتُ الطهارةَ.
٣- وأما وقتُها: فعند غسل الوجه.
٤ - وأما محلُّها: فالقلبُ، والتلفُّظُ بها مستحبٌّ.

١٣١
كتاب الطهارة
ويستوعب رأسه بالمسح،
- ثم النية إنما هي فرضٌ للعبادات، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَأْ إِلَّا
لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. البينة/ ٥، والإخلاصُ هو النية، والوضوء نفسُهُ
ليس بعبادة، وإنما هو شرطٌ للعبادة، ألا ترى أنه لو كرَّره مراراً في مجلس
واحد: كان مكروهاً (١)؛ لما فيه من الإسراف المذموم في الماء.
وإنما كانت النية فرضاً في التيمم؛ لأن التراب لم يُعقل مطهِّراً، فلا
يكون مزيلاً للحدث، فلم يَبق فيه إلا معنى التعبد، ومن شرط العبادة:
النية.
وأما الماء: فمُطهِّرٌ بطَبْعه، فلا يَحتاج إلى النية، إلا أنه لا يقع قُربةً
بدون النية، لكنه يقع مفتاحاً للصلاة؛ لوقوعه طهارةً باستعمال الماء
المطهِّر، بخلاف التيمم؛ لأن التراب غيرُ مطهِّر إلا في حالة إرادة الصلاة،
حتى إنه لو وقع الترابُ على أعضائه من غير قصد، أو علَّم إنساناً التيممَ:
لم يكن مفتاحاً للصلاة.
* قوله: (ويستوعبَ رأسَه بالمسح).
الاستيعاب هو: الاستئصالُ، يقال: استوعب كذا: إذا لم يَترك منه
شيئاً.
(١) الكلام بأن الوضوء ليس بعبادة: فيه نظرٌ، فالصلاة في نفسها عبادةٌ يثاب
عليها، ولكن تكره في أوقات النهي عنها، وكذلك الوضوء عبادة يثاب عليها، لكنه
يكره في حالات معينة، مثل تكراره في مجلس واحد ولم يقم بعد الوضوء الأول
بعملٍ تشترط له الطهارة، والله أعلم.

١٣٢
كتاب الطهارة
ويُرقِّبَ الوضوءَ، فيَيْدأَ بما بدأ الله تعالى بذِكْره،
والاستيعاب سنةٌ مؤكدةٌ، على الصحيح.
- وصورتُه: أن يضعَ من كل واحدة من اليدين ثلاثَ أصابع علىْ مُقدَّم
رأسه، ولا يضعَ الإبهام ولا السبابة، ويجافي بين كفيه، ويمدَّهما إلى
القفا، ثم يضعَ كفيه على مؤخَّر رأسه، ويمدَّهما إلى مقدَّم رأسه، ثم يمسحَ
ظاهرَ أُذنيه بإبهاميه، وباطنَهما بمسبحتيه. كذا في ((المستصفى))، ويمسحَ
رقبته بظهر الیدین.
* قوله: (ويرتِّبَ الوضوءَ).
الترتيب عندنا سنةٌ مؤكدةٌ، على الصحيح.
ويُسيء بتركه.
- والبداءة بالميامن: فضيلةٌ.
و
- وسواء عندنا الوضوء والتيمم في كون الترتيب فيهما سنةٌ.
* قوله: (فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذِكْره)، وهو غَسلُ الوجه.
والموالاة: سنةٌ عندنا.
وقال مالك(١): فرضٌ.
- والموالاة هي: التتابعُ، وحدُّه: أن لا يجفَّ الماء عن العضو قبل أن
يغسل ما بعده، في زمانٍ معتدل، ولا اعتبارَ بشدة الحَرِّ والرياح، فإن
(١) المعونة ١٢٨/١.

١٣٣
كتاب الطهارة
وبالمَيَامِن.
الجفاف يُسارع فيهما، ولا بشدة البرد، فإن الجفاف يبطئ فيه.
ويعتبر أيضاً استواء حالة المتوضئ، فإن المحمومَ يسارع الجفافُ إليه
لأجل الحُمَّى.
- وإنما يكره التفريق في الوضوء إذا كان لغير عذر، وأما إذا كان لعذر،
و
بأن فَرَغَ ماءَ الوضوء، أو انقلب الإناء، فذهب لطلب الماء، أو ما أشبه
ذلك: فلا بأس بالتفريق، على الصحيح.
- وهكذا إذا فرَّق في الغَسل والتيمم.
* قوله: (وبالمَيامن).
أي يبدأ باليد اليمنى قبل اليسرى، وبالرِّجْل اليمنى قبل اليسرى.
- وهو فضيلةٌ، على الصحيح؛ ((لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يُحب أن يبدأ بالميامن في كل شيء، حتى في لُّبْس نَعْلَيْه))(١).
- وفي هذا إشارةٌ إلى أنه كان ينبغي تقديمُ مسحِ الأُذُن اليمنى على
اليسرى، كما في اليدين والرجلين، لكنا نقول: اليدان والرِّجلان يُغسلان
بيدٍ واحدة، فيبدأ فيهما بالميامن، وأما الأُذُنان فيُمسحان معاً باليدين
جميعاً؛ لكون ذلك أسهل.
- حتى لو لم تكن له إلا يدٌ واحدةٌ، أو بإحدى يديه علةٌ، ولا يمكنه
مسحُهما معاً: فإنه يبدأ بالأذن اليمنى ثم باليسرى، كما في اليدين والرِّجلين.
(١) صحيح البخاري (١٦٨).

١٣٤
كتاب الطهارة
والمعاني الناقضةُ للوضوء : كلَّ ما خَرَجَ من السبيلين.
وألحق بعضُهم الخدّين بالأُذنين في الحكم.
وليس في أعضاء الطهارة عضوان لا يُستحب تقديم الأيمن منهما إلا
الأذنین.
[نواقض الوضوء :]
* قوله: (والمعاني الناقضةُ للوضوء):
لما فَرَغَ من بيان فرض الوضوء، وسُنَنِه، ومستحبَّاته: شَرَعَ الآن في
بيان ما يَنقضُه.
والنقض متى أُضيف إلى الأجسام: يُراد به إبطال تأليفها، ومتى أُضيف
إلى غيرها: يُراد به إخراجها عما هو المطلوب منه.
والمتوضىء ها هنا كان قادراً على الصلاة، ومسِّ المصحف، فلما
بطل ذلك بالحدث: انتقضتْ صفتُه، وخرج عما كان عليه.
* قوله: (كلّ ما خرج من السبيلين)، وهما الفرجان.
- ومن دأب الشيخ رحمه الله أن يبدأ بالمتَّفق عليه، ثم بالمختلَف
فيه، والخارجُ من السبيلين: متفقٌ فيه على أنه ينقض الوضوءَ، فقدَّمه
لذلك، ثم عقّبه بالمختلف فيه، وهو خروجُ الدم، والقيح، والقيء،
وغير ذلك.
- واعلم أن كلمة: كلَّ: وُضعت لعموم الأفراد، فتتناول المعتادَ وغير
المعتاد، كدم الاستحاضة والمَذْي والدود والحصىُ وغير ذلك.

١٣٥
كتاب الطهارة
والدمُ، والقيحُ والصديدُ إذا خرج من البدن،
ومفهوم كلام الشيخ: أن كلّ ما خرج: ينقض الوضوء، فهل هو
كذلك؟
قلنا: نعم، إلا الريح الخارجة من الذَّكَر وفرج المرأة، فإنها لا
تنقض، على الصحيح، إلا أن تكون المرأةُ مفضاةً، وهي التي مَسلك
بولها وغائطها واحدٌ، فَيَخرج منها ريحٌ مُنتِنةٌ، فإنه يستحب لها الوضوء،
ولا يجب؛ لأنه يحتمل أنها خرجت من الدبر: فتنقض، ويحتمل أنها
خرجت من الفرج: فلا تنقض، والأصل: تيقّن الطهارة، والناقضُ
مشكوكٌ فيه، فلا ينتقض وضوءها بالشك، لكن يُستحب لها الوضوء؛
لإزالة الاحتمال.
- وأما الدودة الخارجة من الذَّكَر والفرج: فناقضةٌ، بالإجماع.
* قوله: (والدمُ والقَيْحُ إذا خرجا من البدن).
- وكذلك الصديدُ، وهو ماءَ الجُرح المختلِطُ بالدم قبل أن تَغْلُظَ
المدَّة، فتكون فيه صُفْرةُ.
- وقَيَّد بالبدن؛ لأن الخارج من السبيلين لا يُشترط فيه التجاوز.
وقال زفر: الدمُ والقيحُ ينقضان الوضوء وإن لم يتجاوزا.
وقال الشافعي(١): لا ينقضان وإن تجاوزا.
(١) المجموع ٥٤/٢.

١٣٦
كتاب الطهارة
فتجاوَزَ إلى موضعٍ.
- وقَيَّد بقوله: خرجا: احترازاً عما إذا خرجا بالمعالجة، فإنه لا ينقض
الوضوء، وهو اختيار صاحب ((الهداية))(١)، واختيار السرخسي(٢): النقض.
- وقَّد بالدم والقيح: احترازاً من العِرْق المَدِيني إذا خرج من البدن،
فإنه لا ينقض؛ لأنه خيطٌ، لا مائعٌ.
- وأما الذي يسيل منه: إن كان صافياً: لا ينقض.
و
قال في ((الينابيع)): الماء الصافي إذا خرج من النّفْطة: لا ينقض.
- وإن أدخل أصبعَه في أنفه، فدَمِيَتْ أصبعُه: إن نزل الدم من قصبة
الأنف: نقض، وإن كان لم ينزل منها: لم ينقض.
- ولو عضَّ شيئاً فوجد فيه أثرَ الدم، أو استاك فوجد في السواك أثرَ
الدم: لا ينقض ما لم يتحقق السيلان.
- ولو تخلَّل بعودٍ، فخرج الدمُ على العود: لا ينقض إلا أن يسيل بعد
ذلك، بحیث یغلب على الريق.
- ولو استنثر، فسقط من أنفه كُتْلةُ دم: لا ينقض، وإن قَطَرَتْ قطرةَ
دم: انتقض وضوءه.
* قوله: (فتجاوز إلى موضعٍ):
(١) ١٦/١.
(٢) المبسوط ٧٧/١.

١٣٧
كتاب الطهارة
حدُّ التجاوز: أن ينحدر عن رأس الجُرح، وأما إذا علا، ولم ينحدر:
لا ینقض.
وعن محمد رحمه الله: إذا انتفخ على رأس الجرح، وصار أكثرَ من
رأس الجرح: نَقَضَ، والصحيحُ الأول.
- ولو ألقى عليه تراباً أو رماداً، فتشرَّب منه، ثم خرج، فجعل عليه
تراباً ولولاه لتجاوز: نقض.
- وكذا لو كان كلَّما خرج مَسَحَه، أو أخذه بقُطنة مراراً، وكان بحيث
لو تَرَكَه لسال: نقض.
- ولو سال الدمُ إلى ما لان من الأنف، والأنفُ مسدودٌ: نقض.
- ولو ربط الجرحَ فابتلّ الرِّباط: إن نفذ البلل إلى الخارج: نقض،
وإلا : فلا.
- وإن كان الرِّباط ذا طاقين، فنفذ البعضُ إلى البعض: نقض، وإلا: فلا.
- فإن خرج من أذنيه قيحٌ أو صديدٌ: إن توجَّع عند خروجه: نقض،
وإلا : فلا.
- وإن خرج من بين أسنانه دمٌّ، واختلط بالرِّيق: إن كانت الغلبةُ للدم،
أو كانا سواء: نقض، وإن كان الريق غالباً: لا ينقض.
- وعلى هذا: إذا ابتلع الصائمُ الريقَ وفيه الدمُ: إن كان الدم غالباً، أو
كانا سواء: أفطر الصائم، وإلا: فلا.

١٣٨
كتاب الطهارة
يَلحقُهُ حُكُمُ التطهير.
- ولو مَصَّ القُرَادُ عضوَ إنسانٍ فامتلأ: إن كان صغيراً: لا ينقض، وإن
كان كبيراً: نقض.
- وإن سقط من جرحه دودة: لا ينقض، وهي طاهرة.
- وإن سقطت من السبيلين: فهي نجسةٌ، وتنقض الوضوء.
- وإذا خرج الدمُ من الجرح ولم يتجاوز: لا ينقض.
- وهل هو طاهرٌ، أو نجسٌ؟
قال في ((الهداية))(١): ما لا يكون حدثاً: لا يكون نجساً، يروى ذلك
عن أبي يوسف، وهو الصحيح، وعند محمد: نجسٌ.
والفتوى على قول أبي يوسف فيما إذا أصاب الجامدات، كالثياب
والأبدان والحصير، وعلى قول محمد فيما إذا أصاب المائعات، كالماء
وغيره.
- وكذا القيء إذا كان أقلّ من مِلء الفم على هذا الخلاف.
قوله: (يَلْحِقُهُ حُكُمُ التطهير): يعني يجب تطهيرُه في الحدث أو
الجنابة، حتى لو سال الدمُ من الرأس إلى ما لان من الأنف: نقض الوضوء.
- بخلاف ما إذا نزل البولُ إلى قصبة الذَّكَر؛ لأنه لا يلحقه حكم
التطهير.
(١) ١/ ١٤ .

١٣٩
كتاب الطهارة
والقيء إذا كان مِلء الفم.
- واحترز بقوله: حكمُ التطهير: عن داخل العينين، وباطن الجرح،
وقصبة الأنف.
- وإنما لم يقل: يلحقُه التطهير؛ لأنه لو قال ذلك: دخل تحته: باطنُ
العين، وباطنُ الجرح؛ لأنه لا يستحيل تطهيرُه؛ لأن حقيقةَ التطهير فيه
ممكنةٌ، وأما حكمه: فقد رفعه الشارع؛ للضرورة.
* قوله: (والقيء إذا مَلأَ الفم): وهو ما لا يُمكن ضبطه إلا بتكلَّف،
و
هو الصحيح، وقيل: ما مَنَعَ الكلامَ.
وقال الشافعي(١): لا ينقض ولو مَلأَ الفمَ.
وقال زفر: ینقض قلیلُه و کثیرُه.
- والقيءُ خمسةُ أنواع: ماءٌ، وطعامٌ، ومِرَّةٌ، ودمٌّ، وبلغمٌ.
ففي الثلاثة الأُول: ينقض إذا مَلأَ الفمَ، ولا ينقض إذا كان أقلّ من
ذلك.
- وأما البلغم: فغير ناقضٍ عندهما وإن مَلأَّ الفم، وعند أبي يوسف:
ينقض إذا مَلأَ الفمَ.
- والخلاف في الصاعد من الجوف، أما النازلُ من الرأس: فغير
ناقض، إجماعاً؛ لأنه مُخاطٌ.
(١) المجموع ٥٤/٢.

١٤٠
كتاب الطهارة
- وأما الدم: إذا كان غليظاً جامداً غيرَ سائل: لا ينقض حتى يملأ الفم.
فإن كان ذائباً: نقض قليلُه و کثیرُه عندهما.
وقال محمدٌ: لا ينقض حتى يملأ الفم؛ اعتباراً بسائر أنواع القيء،
وصحَّح في ((الوجيز)) قولَ محمد.
- والخلاف في المُرتقي من الجوف، وأما النازلُ من الرأس: فناقضٌ
قليلُه و کثیرُه، بالاتفاق.
- ولو شرب ماءً، فقاءه صافياً: نقض وضوءه. كذا في ((الفتاوى)).
- وإن قاء متفرِّقاً بحيث لو جُمع لملأ الفمَ: فالمعتبر: اتحاد المجلس
عند أبي يوسف، وعند محمد: اتحادُ السبب، وهو الغثيان.
وتفسير اتحاد السبب: إذا قاء ثانياً قبل سكون النفس من الغثيان: فهو
متحدٌّ، وإن قاء ثانياً بعد سكون النفس: فهو مختلفٌ.
- وفي ((الفتاوى الصغرى)): مسألةٌ على عكس هذا: فمحمدٌ اعتبر
المجلسَ، وأبو يوسف اعتبر اتحاد السبب، وهي:
إذا نزع خاتماً من أصبع النائم، ثم أعاده: فأبو يوسف اعتبر في نفي
الضمان: النومةَ الأُولى، حتى إنه لو استيقظ بعد ذلك، ثم نام في موضعه،
فأعاده في أصبعه: لم يبرأ من الضمان عند أبي يوسف.
وعند محمد: يعتبر المجلس، حتى إنه لا يضمنه ما دام في مجلسه.