النص المفهرس

صفحات 81-100

عبد الرّحميع التجريّ
أسكيس الله الفردوس
www.moswarat.com
المبحث الأول
تحقيق عنوان الكتاب
وردت تسمية هذا الكتاب في النسخ الخطية التي اعتمدتها بشكل
متقارب في العبارة:
* ففي نسخة: (ح) جاء على ظهر الغلاف: قراءة البسملة في
أول فاتحة الكتاب.
* وفي نسخة: (م) جاء على ظهر الغلاف: رسالة الحافظ ابن
عبد البر في قراءة البسملة في أول الفاتحة.
* وفي نسخة (ع) ورد تسميته بـ: كتاب البسملة.
وهذه التسميات كلها تعبر عن مضمون الكتاب وموضوعه، وليس
عن العنوان الذي أطلقه ابن عبد البر على كتابه هذا، ففي التمهيد
والاستذكار أطلق على هذا الكتاب اسم الإِنصاف، وقبل أن أبين
ما أطلقه ابن عبد البر على هذا الكتاب أنبه على أن جماعة من
العلماء أطلقوا عليه ((البسملة)) هكذا، وهم الحافظ ابن حجر في
المعجم المفهرس(١) والروداني في صلة الخلف (٢)، والكتاني في
الرسالة المستطرفة (٣)، وإطلاقهم هذا العنوان على الكتاب ربما
يكون من باء الاختصار فكثير من العلماء يتعمد ذكر أسماء بعض
الكتب بشكل مختصر نظراً لشهرة الكتاب، ويحتمل أيضاً عدم
(١) المعجم المفهرس ق ٢٠ / ب (مخطوط).
(٢) صلة الخلف وموصول السلف ص ١٣٩.
(٣) الرسالة المستطرفة ص ٤٦.
٧٧

اطلاعهم على ما سماه به مؤلفه، لذلك فتسميته بالإنصاف أولى من
تسميته بالبسملة، وقد أطلق عليه بعض العلماء كتاب الإنصاف فيما
وقفت عليه كالقاضي عياض(١)، وأبي شامة المقدسي(٢)، والحافظ
مغلطاي(٣)، وأيضاً الحافظ العراقي(٤)، والحافظ ابن حجر (٥)،
وحاجي خليفة(٦)، وأيضاً سُمِّي هذا الكتاب في طبعته الأولى
هكذا: ((الإِنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف))(٧). وأما العنوان
الذي أطلقه ابن عبد البر على كتابه هذا فهو الإِنصاف، لكن تتمة
العنوان فيها خلاف بسيط إذ يذكرها مرة بشكل مطول، وأخرى
بشكل مختصر، وفيما يلي ذكر المواضع التي سُمِّي فيها هذا
الكتاب من طرف مؤلفه من خلال كتابي التمهيد والاستذكار حتى
يتبين طبيعة الخلاف في تتمة عنوان الكتاب.
* قال ابن عبد البر في كتابه الاستذكار (١٥٣/٢) في معرض
حديثه عن مسألة البسملة: وقد أفردنا لهذه المسألة كتاباً سميناه:
((كتاب الإنصاف فيما بين العلماء في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
من الاختلاف)).
* وقال أيضاً في الاستذكار (١٧٨/٢): وقد ذكرنا هذه الأحاديث
(١) ترتيب المدارك ٨/ ١٣٠.
(٢) كتاب البسملة ٥/١، ٥١، ١٦٣/٢ (مخطوط).
(٣) إكمال تهذيب التهذيب ١٣/٢ / ب (مخطوط).
(٤) التقييد والإيضاح ص ٩٩ - ١٠١.
(٥) تهذيب التهذيب ٤٤٩/١.
(٦) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ١٨٢/١.
(٧) هذه الطبعة اعتمدتها في تحقيق هذا الكتاب مع بقية النسخ الخطية، وهي طبعة سقيمة
نشرت قبل سبعين سنة، وهي ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١٥٤/٢، وسيأتي
الحديث عن الأخطاء الواقعة فيها في ص ١٢٨.
(٧٨

بأسانيدها وطرقها في كتاب «الإِنصاف فيما بين المختلفين في
بسم الله الرحمن الرحيم من الخلاف)).
* وقال مرة أخرى في الاستذكار (١٨٢/٢): وقد أفردنا في
بسم الله الرحمن الرحيم كتاباً جمعنا فيه الآثار وأقوال أئمة الأمصار
لكل فريق منهم سميناه بكتاب («الإِنصاف فيما بين المختلفين في
بسم الله الرحمن الرحيم من الخلاف)) يستغني فيه الناظر إن
شاء الله.
* وقال في التمهيد (٢٣١/٢): ونختصر القول في القراءة بها
هاهنا لأنا قد استوعبنا القول في ذلك كله، ومهدناه في كتاب
((الإِنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف)).
* وقال في التمهيد أيضاً (٢٣٠/٢): وقد أوضحنا ما للعلماء في
قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب وغيرها بوجوه
اعتلالهم وآثارهم وما نزعوا به في ذلك في كتاب جمعته في ذلك،
وهو كتاب ((الإِنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة بسم الله
الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب من الاختلاف)».
هذه هي العناوين التي أطلقها ابن عبد البر على كتابه هذا،
ويسوغ أن يطلق على هذا الكتاب أي واحد منها ما دام مصنفه هو
الذي أطلقه عليه، لكن الذي اخترته منها لأثبته على غلاف الكتاب
هو الأخير، وذلك لأمرين:
أحدهما: أنه أطول العناوين، فيحتمل أن المصنف أطلق بقية
العناوين على هذا الكتاب اختصاراً.
ثانيهما: أنه يوضح موضوع الكتاب بشكل أكثر تفصيلاً من بقية
العناوين والله تعالى أعلم.
٧٩

المبحث الثاني
إثبات صحة نسبة الكتاب لمؤلفه
يبدو لي أن من فضول الكلام الحديث عن صحة نسبة هذا
الكتاب إلى مؤلفه الحافظ ابن عبد البر، لتوافر الأدلة واشتهارها في
ذلك، لكن بما أنه جرت العادة في التحقيقات العلمية تحرير هذا
المبحث، فإني أجد نفسي ملزماً بتوضيح هذه الأدلة، وهي كثيرة
أذكر أهمها فيما يلي:
١ - ما جاء في أول النسخ الخطية التي اعتمدت عليها من التصريح
باسم المؤلف.
٢ - صرح عدد من أهل العلم باسم هذا الكتاب ونسبوه لابن عبد البر(١)،
بل نقل بعضهم نصوصاً منه، وهي موجودة بين ثناياه(٢) .
٣ - أحال المؤلف في هذا الكتاب على كتابيه التمهيد
والاستذكار (٣)، وأحال في هذين الكتابين عليه(٤).
٤ - يأتي بين ثنايا الكتاب عبارة: قال أبو عمر، يشير بها إلى
كلامه، كما جرت عادته في جميع مصنفاته الأخرى.
(١) ذكرتهم في المبحث السابق الذي خصصته لتحقيق عنوان الكتاب ص ٧٧، وهم ابن حجر
والروداني والكتاني والقاضي عياض وأبو شامة المقدسي ومغلطاي والعراقي وحاجي خليفة.
(٢) وقفت على نصوص من هذا الكتاب عند أبي شامة المقدسي ومغلطاي والعراقي وابن حجر،
وانظر هذه النصوص في المبحث الذي خصصه لذكرها في ص ١٢١ من هذا الكتاب.
(٣) في ص ٢٠٤ أحال على التمهيد، وفي ص ٢٣٦ أحال على الاستذكار.
(٤) ذكرت جميع المواطن التي ذكر فيها ابن عبد البر هذا الكتاب في كتابيه التمهيد
والاستذكار في المبحث السابق الذي خصصته لتحقيق عنوان الكتاب ص ٧٨.
٨٠

٥ - الروايات التي جاءت في هذا الكتاب هي بأسانيد ابن عبد البر، إذ
يرويها عن شيوخه الذين اشتهر بالرواية عنهم (١).
هذه هي أهم الأدلة التي بوجودها لا يمكن أن يتطرق الشك في صحة نسبة
هذا الكتاب إلى مؤلفه الحافظ ابن عبد البر، وهناك أدلة أخرى لانحتاج إلى
ذكرها .
000
C
(١) تقدم ذكر شيوخ ابن عبدالبر في هذا الكتاب ص ٣٣.
٨١

عبد الرحمي الجبري
أسس اللي الفراق
3
www.moswarat.com

رَفُ
عبد الرَّحْمِي النجري
أسكم الله الفردوس
www.moswarat.com
الفصل الثاني
دراسة حول موضوع هذا الكتاب
O وفيه تمهيد وأربعة مباحث :
المبحث الأول : أهمية موضوع هذا الكتاب .
المبحث الثاني : مذاهب العلماء في مسألة البسملة .
المبحث الثالث : ذكر آراء بعض العلماء فى مسألة البسملة .
المبحث الرابع : المؤلفات المفردة فى موضوع هذا الكتاب .

عبد الرحمن النجديّ
أسي الغبي الفردوس
www.moswarat.com

رَقُ
عبد الرّحمع النجَّيّ
أسكت اللّهُ الفرد في
www.moswarat.com
تمهيد
يتناول ابن عبدالبر في هذا الكتاب مسألة من المسائل الفقهية الشائكة ، ألا
وهي مسألة البسملة ، وإذا قلنا مسألة البسملة فقد يتبادر إلى ذهن البعض أنه
تطرق إلى ما يتعلق بتفسيرها وشرحها وإعرابها وجميع أحكامها ، لذلك أنبه
على أنه لم يتعرض إلا لمسألتين تتعلقان بموضوع البسملة ، وهما مسألة قراءة
بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب ، هل تقرأ سرا أو جهرا أو لا تقرأ
البتة ، وقبل هذه المسألة تعرض لمسألة قرآنية البسملة ، هل هي آية من سورة
الفاتحة أم لا ؟ وهذه المسألة تنبني عليها المسألة الأخرى ، لذلك نجد المؤلف
يعرض بعض الأدلة مستدلا بها على كلا المسألتين ، وقد استهل ابن عبد البر
كتابه هذا بذكر اختلاف العلماء في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في
الصلاة وهل هي آية منها ، ثم ذكر بعد ذلك الأدلة التي استدل بها من
أسقط بسم الله الرحمن الرحيم من أول سورة الفاتحة وكره قراءتها فيها ، ثم
ختم كتابه بذكر الأدلة التي استدل بها من رأى الجهر بالبسملة ومن قال
إنها الآية الأولى منها .
٨٥

عبد الرحيم النَجَيّ
ـى
www.moswarat.com
المبحث الأول
أهمية موضوع الكتاب
تتجلى أهمية موضوع هذا الكتاب في كونه يتناول مسألة البسملة التي
تعد من أبرز المسائل الخلافية في الفقه الإسلامي ، وقد شغلت هذه المسألة
اهتمام العلماء قديما وحديثا ، فكثرت المصنفات فيها(١)، وما هذا الاهتمام
إلا لعظمها فهي تتعلق بالصلاة التي هي عماد الدين ، هل تقرأ البسملة فيها
أم لا تقرأ ؟ وتتعلق أيضا بالقرآن الكريم كلام رب العالمين ومصدر التشريع
هل هي آية من سورة الفاتحة أم لا ؟ .
يقول الإمام النووي : (( اعلم أن مسألة البسملة عظيمة مهمة ينبني عليها
صحة الصلاة التي هي أعظم الأركان بعد التوحيد ))(٢) وقد بالغ بعض أهل
العلم في تعظيم هذه المسألة حتى عدها من مسائل الاعتقاد(٣)، وكان بعض
الفقهاء لا يتكلم من الفقه إلا في هذه المسألة، يقول ابن العربي: ((إن
القاضي ابن الطيب(٤) لا يتكلم من الفقه إلا في هذه المسألة خاصة ، لأنها
متعلقة بالأصول ))(٥) .
وفي بعض العصور وصل الخلاف في هذه المسألة من الحدة والغلو والمبالغة
إلى أن صار الحكام يلزمون الناس بما يرونه راجحا فيها ، فهذا المقريزي يذكر
(١) انظر المصنفات فيها في ص ٩٧ من هذا الكتاب .
(٢) المجموع ٣ / ٢٦٧.
(٣) انظر نيل الأوطار للشوكاني ٢ / ٢٢٩ .
(٤) هو أبوبكر بن الطيب الباقلاني الإمام المعروف .
(٥) عارضة الأحوذي ٢ / ٤٤ .
٨٦

في ترجمة محمد بن حسن المالكي أنه أم الناس بالجامع العتيق بمصر في
شهر ربيع الآخر سنة ٣٥٩ هـ وجهر بالبسملة على كره منه(١)، وفي عصر
الإمام الشوكاني ألزم الناس بترك الجهر ، فأرسل بعض الفضلاء إلى
الشوكاني برسالة يقول فيها: (( ظهرت في جهتنا في هذه المدة القريبة من
بعض الأعلام الأكابر وأهل الأمر في تلك الجهة الفتيا بترك الجهر ببسم الله
الرحمن الرحيم وإلزام الناس بذلك ، زاعما أنه لم يصح فيه عن النبي عليه
شيء من الحديث ، وإنه لاحق بالبدعة ، بل ربما يعاقب الجاهر بها ... )) .
ثم قال: ((فالمطلوب إيضاح الحق في هذه المسألة ، هل صح شيء في الجهر
أم لا؟ وهذا أمر وراء الترجيح ، وإذا رجح دليل على آخر عند من ولي شيئا
من أمور المسلمين هل له إلزامهم وإكراههم على ما ترجح عنده على غيره أم
لا ؟ ... )).
وللفائدة أنقل بداية جواب الشوكاني عليه، قال رحمه الله: ((اعلم أن
مثل هذه المسألة ليست من مواطن الإنكار على العامل بأي القولين ، ولا
يتصدر لإنكار ذلك من له نصيب من علم وحظ من عرفان ، فقد اختلفت
فيها الأدلة اختلافا أوضح من شمس النهار ، واختلف فيها أهل العلم من
سلف هذه الأمة وخلفها اختلافا لا ينكره المقصرون فضلا عن المتبحرين في
المعارف العلمية))(٢).
لعل ما نقلته في هذا المبحث يكفي في توضيح أهمية موضوع البسملة
وأنه جدير بالاهتمام والتتبع ، والكلام في هذه المسألة متشعب وطويل جدا
(١) المقفى الكبير للمقريزي ( اختيار محمد اليعلاوي ) ص ٢١٨ .
(٢) رسالة في حكم الجهر بالبسملة للشوكاني ق١ ( مخطوط ) .
٨٧

حتى إن الإمام ابن القيم رحمه الله قال حين تكلم على مسألة جهر النبي
عَّ بالبسملة: ((وهذا موضع يستدعي مجلدا)) (١)، بل ألف فيها ما قدره
مجلد أبو شامة المقدسي وابن عبد الهادي الحنبلي(٢)، وكتاب ابن عبدالبر
هذا يتميز بالاعتدال ، فهو ليس بالطويل ولا بالمختصر ، ويتميز أيضا بتوسعه
في ذكر الأدلة وهذا هو أهم شيء في هذه المسألة ، إذ على الأدلة يدور
معظم الكلام فيها ، والله تعالى أعلم .
0
(١) زاد المعاد ١ / ٢٠٧
(٢) انظر المبحث الذي خصصته لذكر المصنفات في موضوع هذا الكتاب ص ٩٧ .
٨٨

المبحث الثاني
مذاهب العلماء في مسألة البسملة
استوعب ابن عبدالبر في هذا الكتاب مذاهب العلماء في مسألة : هل البسملة
آية من فاتحة الكتاب أم لا ؟ فذكر الأقوال الثلاثة المشهورة فيها ، لذلك فلا
حاجة إلى تكرار ذلك ، أما مسألة الجهر بالبسملة أو الإسرار بها أو عدم قراءتها
أصلا في فاتحة الكتاب فلم يستوعب في عرض مذاهب أهل العلم فيها واكتفى
بذكر ثلاثة مذاهب هي التي اشتهرت في هذه المسألة أسردها فيما يلى :
القول الأول : لا تقرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة سرا ولا جهرا .
القول الثاني : يستحب الجهر في قراءة البسملة .
القول الثالث : لا يجهر بها ، ويقرؤها الإمام في أول الفاتحة ويخفيها .
وقد توسع ابن عبدالبر في ذكر القائلين بهذه الأقوال من الفقهاء وأئمة
الأمصار وأيضا من الصحابة والتابعين .
وفي هذا المبحث أذكر أقوالا أخرى في هذه المسألة لم يتعرض لها ابن
عبدالبر في كتابه هذا ، وفيما يلي عرض هذه الأقوال مع بيان القائلين بها .
القول الرابع : التسوية بين الجهر بالبسملة والإسرار بها ، فالأمر واسع
إن شاء جهر وإن شاء أخفى ، وقد حكى أبو الطيب الطبري وغيره هذا
القول عن ابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة ، ونقله سُلَيْم الرازي عن الحكم
والنخعي ، وكافتهم تعارضت عندهم أدلة الجهر بها والإسرار(١)، وهو
(١) انظر معرفة السنن والآثار للبيهقي ٢ / ٣٨٤، والأحكام الكبرى لابن كثير ق ١٧٩ / أ
( مخطوط ) .
٨٩

اختيار أبي بكر بن خزيمة في صحيحه(١)، كما يروى عن إسحاق وهو قول
ابن حزم(٢) .
القول الخامس : يستحب الجهر بالبسملة جهرا خفيا دون الجهر بالقراءة
قال ابن كثير: وهو اختيار ابن خزيمة(٣)، قلت : في صحيحه خلاف هذا
القول كما تقدم ذكره ، فلعل هذا اختياره في كتابه المسألة في البسملة (٤).
القول السادس : الإسرار تارة ، والإعلان في بعض الأحيان جمعا بين
الأحاديث الواردة في الجهر والإسرار ، وذهبوا إلى أن ذلك ليس بمتعارض
لأنها لم تتوارد على محل واحد ، فأمكن الجمع بينهما ، فإِنه عليه السلام
تارة أسر وتارة جهر ، فأما أنه جهر فلبيان الجواز ، ويكون الإسرار هو
المستحب ، أو يكون الجهر هو المستحب ويكون إسراره لبيان الجواز .
قال ابن كثير : وهذا الجمع جيد حسن ، وفي كلام ابن حبان ما يدل
عليه ، فإنه قال: ذكر الخبر المرخص قول من زعم أن المصطفى معَ ◌ّه كان
يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، ثم أورد حديث سفيان عن خالد الحذاء
عن أبي قلابة عن أنس(٥) .
القول السابع : يستحب الجهر بها في المدينة النبوية دون غيرها .
(١) قال في صحيحه ١ / ٢٥١: ((باب ذكر الدليل على أن الجهر بسم الله الرحمن الرحيم
والمخافتة به جميعا مباح، ليس واحد منهما محظورا، وهذا من اختلاف المباح)) .
(٢) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٢ / ٤٣٦.
(٣) انظر الاحكام الكبرى لابن كثير ق ١٧٩ / أ ( مخطوط )
(٤) أشار إلى كتابه هذا في صحيحه ١ / ٢٤٨.
(٥) الأحكام الكبرى لابن كثير ق ١٧٩ / أ مخطوط ، وكلام ابن حبان في صحيحه ٥ / ١٠٥
( بترتيب ابن بلبان ) .
٩٠

قال ابن كثير : وهذا القول رواية عن أحمد ، وكأنه استحب ذلك فيها
لأن أهلها في زمانه كانوا لا يرون قراءتها بالكلية ليبين لهم مشروعية قراءتها
كما جهر ابن عباس في صلاة الجنازة بقراءة الفاتحة ، وقال : ليعلموا أنها
سنة ، وكذلك جهر عمر بالاستفتاح ، هكذا قرر هذا النص شيخنا أبو
العباس ابن تيمية ورد تأويل القاضي أبي يعلى ، وَحَمْلِهِ هذا النص على أن
أهل المدينة كان قد غلب عليهم الرفض لمن لا يجهر بالبسملة ، قال
شيخنا - يعني ابن تيمية - : وإنما غلب عليهم الرفض بعد زمان أحمد .
قلت - أي ابن كثير - أو لعله استحب ذلك فيها لحديث معاوية حيث أسر
بها فأنكر عليه أهلها حتى جهر بها(١).
(١) الأحكام الكبرى ق ١٧٩ / ب ، وكلام ابن تيمية لم أعثر عليه في مجموع الفتاوى .
٩١

المبحث الثالث
ذكر آراء بعض العلماء في مسألة البسملة
أجمع علماء الأمة على أنه لا يكفر من نفى البسملة أو أثبتها لوجود
الشبهة في ذلك ، وهي اختلاف العلماء سلفا وخلفا فيها ، ولأن المنكر لها
ليس قاصدا إنكار ما ثبت عن النبي عَّ ه على خلاف إنكار القطعي الذي
يعد من ضروريات الدين فإنه من أنكرها يكفر إجماعا (١).
وقد اختلف العلماء في حكم قراءة البسملة في الصلاة ، وأدلى كثير من
أهل العلم قديما وحديثا بآرائهم في هذه المسألة ، ونظرا لتقدم ابن عبدالبر
فإن كتابه هذا يخلو من كلام بعض الأئمة المحققين ممن جاء بعده ، ولا
يخفى قيمته وأهميته ، لذلك وتتميما للفائدة رأيت تخصيص هذا المبحث
لذكر آراء بعض هؤلاء العلماء ، وبالله التوفيق .
١ - رأي الحازمي :
قال رحمه الله : ((ومن أظرف ما شاهدت من الاختلاف أني حضرت
جامعا في بعض البلاد لقراءة شيء من بعض الحديث ، وقد حضرني جماعة
من أهل التمييز والعلم ، وهو من المواظبين على الجماعة في الجامع والمنصتين
الاستماع قراءة الإمام ، فسألتهم عن حال إمامهم في الجهر والإخفات وكان
صيتا يملأ الجامع صوته ، فاختلفوا عليَّ في ذلك فقال بعضهم يجهر ، وقال
آخرون يُخْفِت وتوقف فيه الباقون ، والصواب في هذا الباب أن يقال : إن
هذا أمر متسع ، والقول بالحصر فیه ممتنع ، و کل من ذهب فیہ إلی رواية فهو
(١) انظر المجموع ٣ / ٢٦٧، ونيل الأوطار ٢ / ٢٢٤.
٩٢

مصيب متمسك بالسنة والله أعلم ))(١) .
* وقال أيضا: ((وأما أحاديث الإخفات فهي أمتن غير أن هناك دقيقة
وذلك أن أحاديث الجهر وإن كانت مأثورة عن نفر من الصحابة غير أن
أكثرها لم تسلم من شوائب الجرح كما في الجانب الآخر ، والاعتماد في
الباب على رواية أنس بن مالك لأنها أصح وأشهر))(٢).
٢ - رأي ابن الجوزي :
قال رحمه الله: ((وهذه الأحاديث(٣) في الجملة لا يحسن بمن له علم
بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحاح ، ولولا أن يعرض للمتفقه شبهة
عند سماعها فيظنها صحيحة لكان الإضراب عن ذكرها أولى ، ويكفي في
هجرانها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها ، وقد ذكر
الدارقطني منها طرفا في سننه ، فبين ضعف بعضها وسكت عن بعضها
وقد حكى لنا مشايخنا أن الدارقطني لما ورد مصر سأله بعض أهلها تصنيف
شيء في الجهر ، فصنف فيه جزءا ، فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره
بالصحيح من ذلك فقال: كل ما روي عن النبي عَِّ من الجهر فليس
بصحيح ، فأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف)) (٤) .
* ثم قال: (( ثم إنا بعد هذا نحمل جميع أحاديثهم على أحد أمرين : إما
أن يكون جهر بها للتعليم ، أو كما يتفق كما روي أنه كان يصلي بهم
(١) الاعتبار ص ٢٣١ .
(٢) المصدر السابق ص ٢٢٨ .
(٣) أي أحاديث الجهر .
(٤) التحقيق ١ / ٣١٢ - ٣١٣
٩٣

الظهر فيسمعهم الآية والآيتين بعد الفاتحة أحيانا ، والثاني : أن يكون ذلك
قبل الأمر بترك الجهر))(١).
٣ - رأي ابن تيمية :
قال رحمه الله: ((فأما صفة الصلاة ومن شعائرها مسألة البسملة ، فإن
الناس اضطربوا فيها نفيا وإثباتا في كونها آية من القرآن ، وفي قراءتها
وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر في بعض كلامها نوع من جهل وظلم
مع أن الخطب فيها يسير ، وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر
الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنه ، إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر
المفترقة بين الأمة ، وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جدا ، لولا
ما يدعو إليه الشيطان من إظهار الفرقة))(٢).
* وقال أيضا: ((ومع هذا فالصواب أن ما لا يُجْهَرُ به قد يشرع الجهر به
لمصلحة راجحة ، فيشرع للإمام أحيانا لمثل تعليم المأمومين ، ويسوغ
للمصلين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحيانا ، ويسوغ أيضا أن يترك
الإنسان الأفضل لتأليف القلوب واجتماع الكلمة خوفا من التنفير عما
يصلح، كما ترك النبي عَ ◌ّه بناء البيت على قواعد إبراهيم ، لكون قريش
كانوا حديثي عهد بالجاهلية ، وخشي تنفيرهم بذلك ، ورأى أن مصلحة
الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم ، وقال
ابن مسعود لما أكمل الصلاة خلف عثمان وأنكر عليه ، فقيل له في
ذلك ، فقال : الخلاف شر، ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك
(١) المصدر السابق ١ / ٣١٣ .
(٢) مجموع الفتاوى ٢٢ / ٤٠٥ .
٩٤

بالبسملة ، وفي وصل الوتر وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز
المفضول ، مراعاة ائتلاف المأمومين أو لتعريفهم السنة وأمثال ذلك ، والله
أعلم ))(١) .
٣ - رأي ابن القيم :
قال رحمه الله وهو يتحدث عن صفة صلاة رسول الله عَ ةٍ: ((وكان
يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها أكثر مما يجهر بها ، ولا ريب
أنه لم يكن يجهر بها دائما في كل يوم وليلة خمس مرات أبدا حضرا
وسفرا ، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل
بلده في الأعصار الفاضلة ، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبت
به بألفاظ مجملة وأحاديث واهية ، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح
وصريحها غير صحيح ، وهذا موضع يستدعي مجلدا ضخما))(٢).
٥ - رأي الشوكانى
قال رحمه الله: ((وأكثر ما في المقام الاختلاف في مستحب أو مسنون
فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة ببطلان بالإجماع ، فلا
يُهْوِلَنَّك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة والخلاف فيها ، ولقد
بالغ بعضهم حتى عَدَّها من مسائل الاعتقاد)) (٣).
هذه بعض اختيارات الأئمة المحققين في هذه المسألة ، رأيت نقلها لما تحمله
(١) مجموع الفتاوى ٢٢ / ٤٣٦ - ٤٣٧، وقد نقل كلامه هذا الزيلعي في نصب الراية
١ / ٣٢٨، دون أن يسميه واكتفى بقوله: ((وكان بعض العلماء يقول بالجهر سدا للذريعة)) ثم
نقل كلامه هذا .
(٢) زاد المعاد ١ / ٢٠٧ .
(٣) نيل الأوطار ٢ / ٢٢٩.
٩٥
!
أ
:

بين طياتها من فائدة ، خصوصا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يظهر
فيه فكره الثاقب ونظرته الواسعة رحمه الله رحمة واسعة ، وقد أعرضت عن
ذكر كلام أئمة آخرين خشية التطويل ، والله المستعان .
0
٩٦