النص المفهرس

صفحات 281-300

قال أبو بكر : وفي مذهب الشافعي ، إذا علمه مسلما فقتله عامدا ، وكان
له أولياء يستحقون دمه ، فلهم القصاص ، وهم بالخيار إن شاءوا
القصاص ، وإن شاءوا أخذوا الدية ، وإن قتله خطأ فالدية على عاقلة
القاتل ، وعليه [١١٨/ألف] الكفارة.
م١٩٣٧ - وقال النعمان في الرجلين المسلمين يدخلان دار الحرب
بأمان ، فقتل أحدهما صاحبه عمداً ، أو خطأ ، قال : على
القاتل الدية في ماله ، ولا كفارة عليه في العمد ، وعليه الكفارة
في الخطأ .
قال أبو بكر : وفي قول الشافعي : على القاتل القود إن شاء الأولياء ، إن كان
القتل عمداً ، وإن كان خطأ فالدية على عاقلة القاتل .
م١٩٣٨- وقال النعمان في أسيرين قتل أحدهما صاحبه عمداً، أو خطأ،
فلا شيء عليه ، وعليه في الخطأ كفارة ، وليس عليه في العمد
كفارة .
وقال يعقوب ومحمد : عليه في العمد والخطأ الدية أيضا .
في قول الشافعي عليه في العمد القصاص ، وعلى عاقته في الخطأ الدية .
٨١ - ذكر إسلام رقيق أهل الذمة
م١٩٣٩- قال أبو بكر : أجمع عامة من أحفظ عنه من أهل العلم على أن رقيق
أهل الذمة إذا أسلموا بيعوا عليهم .
روينا هذا القول عن عمر بن عبد العزيز ، والحسن ، والنخعي ، والشعبي ، وبه قال
مالك ، والليث بن سعد ، و الشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور ، وأصحاب
الرأي ، وقد رأيت بعض أصحابنا يميل إلى أن لا يجب بيعهم عليهم ،
- ٢٨١ -

واحتج بحدیث حدث به عن :
( ح٦٦٧٣ ) جعفر بن محمد بن عمران حدثنا المجازي عن محمد بن إسحاق
عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد الأنصاري عن
ابن عباس قال : حدثني سلمان الفارسي من فيه إلى فَيّ ، قال : ابتاعني
رجل [١١٨/ب] من يهود بني قريضة من وادي القرى فابتاعني ،
ثم خرج بي ، حتى قدم بي، وتحول النبي ◌ُ إلى المدينة، وذكر
الحديث ، قال : فأكببت على النبي التَّا أقبل الخاتم من ظهره
وأبكي ، فقال : تحول ، قال : فحوليني فأجلسني ، فجلست بين
يديه ، فحدثته من شأني قال : ثم إني أسلمت فشغلني ما كنت فيه ،
ففاتني بدرٌ، وأحدٌ ، ثم قال رسول الله ﴿ كاتب ، فسألت صاحبي
الكتابة ، فلم أزل به حتى كاتبني على أن أجيء له ثلاثمائة نخلة ،
وعلى أربعين أوقية من ورق (١).
٨٢ - ذكر الرجل من المسلمين يطلع عليه أنه عين للمشركين قد كتب
بأخبار المسلمين إليهم
م١٩٤٠- واختلفوا فيما يفعل الرجل من المسلمين قد كاتب المشركين وأخبرهم
بأخبار المسلمين ، فكان مالك بن أنس يقول : ما سمعت فيه بشيء وأرى
فيه اجتهاد الإمام ، وقال الأوزاعي في جاسوس من المسلمين
للعدو : يستتاب ، فإن تاب قبلت توبته ، وإن أبى عاقبه الإمام
عقوبة [ ٧/٣/ ألف ] موجعة ، ثم غربه إلى بعض الآفاق وضمن الحبس .
(١) أخرجه "حم" من طريق ابن إسحاق ٤٤١/٥، وفيه القصة الكاملة لإسلامه .
- ٢٨٢ -

وقال الأوزاعي وقد سئل عن هذه المسألة : إن كان مسلماً عاقبه الإمام عقوبة منكلة
وغربه إلى بعض الآفاق في وثاق ، وإن کان ذمیاً قتل ، فإنه قد نقض
عهده ، وإن كان أهل حرب بعثوا إليهم بأموال على مناصحتهم ، قبض
تلك الأموال ، فوضع في بيت المال [ ١١٩/ألف ] .
وقال أصحاب الرأي : يوجع عقوبة ، ويطال حبسه .
وقال عبد الملك الماجشون : أما من جهل الجهلة وقد عرف بسوء الوعد وفساد
الطريقة ، ولم يكن لغفلته منه تأبد ، ولا إواء يخشى عورة ، وكان ذلك
منه المرة ، ولم يكن على وجه الضغن على الإسلام وأهله ، فطن به
الجهل ، أدبه الأدب الغليظ ، وجعله نكالاً لمن سواه ، وإذا وجدت من
قد أعاد ذلك ، وعرف منه ، وتواطأ به عليه اللسان والذكر ، فهو
الجاسوس المختان الله ورسوله ، فعليه القتل .
وسئل الشافعي عن هذه المسئلة فقال : " لا يحل دم من قد ثبتت له حرمة الإسلام،
إلا أن يقتل ، أو يزني بعد إحصان ، أو يكفر كفراً بيناً بعد الإيمان ، ثم
يثبت على الكفر ، وليس الدلالة على عورة مسلم بكفرٍ بين "(١).
قال الشافعي : والحجة فيه السنة المنصوصة بعد الاستدلال بالكتاب .
( ح٦٦٧٤ ) أخبرنا الشافعي قال : أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن
الحسن بن محمد عن عبيد الله بن أبي رافع قال سمعت علياً يقول : بعثنا
رسول الله ® أنا والزبير ، والمقداد ، فقال: " انطلقوا حتى تأتوا
روضة خاخ (٢) ، فإن بها ظعينة معها كتاب "، فخرجنا تعادي بنا خيلنا،
(١) قاله في كتاب الحكم في قتال المشركين ، باب المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين.
الأم ٢٤٩/٤.
(٢) روضة خاخ: موضع بين الحرمين، بقرب حمراء الأسد من المدينة، معجم
البلدان ٣٣٥/٢ .
- ٢٨٣ -

فإذا نحن بظعينة ، فقلنا : اخرجي الكتاب ، فقالت : ما معي كتاب ،
فقلنا : لتخرجن الكتاب ، أو لتلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها ،
فأتينا به رسول الله ﴿ فإذا فيه: من حاطب بن أبي [١١٩/ب] بلتعة
إلى أناس من المشركين ممن بمكة، يخبر ببعض أمر رسول الله الله
فقال : " ما هذا يا حاطب؟ "، فقال: لا تعجل عليَّ إني كنت إمرءاً
ملصقاً في قريش ، ولم أكن من أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين
من لهم قرابات يحمون بها قراباتهم ، ولم يكن لي بمكة قرابة ، فأحببت
إذ فاتني ذلك ، أن أتخذ عندهم يداً ، والله ما فعلته شكاً في ديني ،
ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله { ل: صدق ، فقال
عمر : يا رسول الله دعني أضرب هذا المنافق، فقال النبي ◌َ ﴿ّ: " إنه قد
شهد ، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر "، فقال: " اعملوا
ما شئتم قد غفرت لكم ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتْخِذُوا عَدُوّي
وعَدُوكُمْ أوِيَاء﴾ الآية (١) (٢).
قال الشافعي : وفي هذا الحديث مع ما وصفت لك طرح الحكم باستعمال الظنون ،
لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال ،
واحتمل المعنى الأصح ، كان القول قوله فيما احتمل فعله ، وحكم
رسول الله ﴿ فيه بأن لم يقتله ، ولم يستعمل عليه الأغلب ، ولا أعلم
(١) سورة الممتحنة : الآية الأولى .
أخرجه الشافعي في كتاب الحكم في قتال المشركين ، باب المسلم يدل المشركين على عورة
(٢)
المسلمين . الأم ٢٤٩/٤ . وكذا في المسند /٤٤٨ . و"خ" في الجهاد ، باب الجاسوس عن
علي بن عبد الله ثنا سفيان ١٤٣/٦ رقم ٣٠٠٧ ، وفي مواضع أخرى كثيرة، و"م" في
فضائل الصحابة ، باب من فضائل أهل بدر ، وقصة حاطب بن أبي بلتعة ، من طريق سفيان
١٩٤١/٤ رقم ١٦١ (٢٤٩٤ ).
- ٢٨٤ -

أحداً أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا، لأن أمر رسول الله وات
مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده ، وإذا كان من خان من المسلمين
رسول الله ورسول الله : ﴿ يريد عزلتهم فصدقه على ما عاب عليه من
ذلك ، غير مستعمل عليه الأغلب مما يقع في النفوس ، فيكون لذلك
مقبولاً [١٢٠/ ألف ]، كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل
منه ما قیل فیه " .
قال الشافعي : " [٧/٣/ب] فإذا كان هذا من الرجل ذي الهيئة بجهالة، كما كان
هذا من حاطب بجهالة وكان غير متهم ، أحببت أن يتجافى عنه ، وإن
كان من غير ذي الهيئة كان للإمام والله أعلم تعزيره " (١) .
٨٣ - ذكر المستأمن يطلع عليه أنه عين للمشركين يكتب إليهم
بأخبار المسلمين
م١٩٤١- قد ذكرت قول الأوزاعي فيما مضى في هذه المسألة، إنه إن كان ذمياً
قتل ، فإنه قد نقض عهده :
قال الشافعي : " في الذي يكتب بعورة المسلمين ، أو يخبر عنهم ، بأنهم أرادوا
بالعدو شيئاً ، ليحذروه يعزر هؤلاء ويحبسون (٢) عقوبة " ، وليس هذا
ينقض للعهد ، يحمل سبيهم ، ولا أموالهم، ولا دمائهم (٣)، وإذا صار
منهم واحد إلى بلاد العدو ، فقال لم أرد بهذا نقضاً للعهد ، فليس
قاله في الأم ٤ / ٢٥٠.
(١)
(٢)
في الأصل ، وروضة والسليمانية ، " يحبس" .
كذا في الأصل ، وروضة ، والسليمانية ، وفي الأم " وأموالهم ودمائهم" .
(٣)
- ٢٨٥ -

ينقض للعهد ، ويعزر ويحبس ، وقال في الرهبان : إذا دلّوا على
عورة المسلمين ، يعاقبون ولا يعزلون (١) من الصوامع ، ويكون
من عقوبتهم إخراجهم إلى أرض الإسلام ، فيخيرون بين أن يعطوا
الجزية ويقيمون ببلاد المسلمين ، أو يتركون يرجعون ، فإن عادوا
أودعهم السجن ، وعاقبهم مع السجن ، قيل : فإن أعانوهم بالكراع ،
والسلاح والمال ؟
قال الشافعي : " بعض هذا أعظم من بعض ، ويعاقبون بما وصفت ، ولا يبلغ بهم
قتل ، ولا حد ، ولا سبي " .
وقال الشافعي : " إن قاتل أحد من غير أهل الإسلام راهب ، أو ذمي ، أو مستأمن ،
مع أهل [ ١٢٠/ب ] الحرب ، حلّ قتله وسباه وسبي ذريته ، فأما
ما دون القتال ، فيعاقبون بما وصفت ، ولا يقتلون ولا تغنم أموالهم ،
ولا يسبون " (٢) .
وقال أصحاب الرأي : لو أن بعض أهل الذمة الذين في دار الإسلام ظهر
عليه وهو مكاتب أهل الحرب ، ويطلعهم على عورات المسلمين ،
لم يكن ذلك نقضاً للعهد ، وينبغي للإمام أن يوجعه
عقوبة ، ويطيل حبسه ، حتى يظهر توبة ، أو إقلاعاً من ذلك،
ولا يقتله " .
٨٤ - ذكر أم ولد الحربي تسلم وتخرج إلى دار الإسلام
م١٩٤٢ - قال أبو بكر: قد ذكرنا فيما مضى أن النبي ◌ُّ أعتق يوم الطائف
(١)
وفي الأم " وينزلون من الصوامع " .
(٢) قاله في الأم ٤/ ٢٥٠-٢٥١، باب المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين .
- ٢٨٦ -

من خرج إليه من رقيق المشركين (١) وذكرنا أن كل من نحفظ عنه من
أهل العلم قال به .
م١٩٤٣- واختلفوا في أم ولد الحربي تسلم في دار الحرب ، ثم تخرج إلى أرض
الإسلام ، فكان النعمان يقول : إنه تزوج إن شاءت ، ولا عدة عليها .
وقال الأوزاعي : أي امرأة هاجرت إلى الله بدينها فحالها كحال المهاجرات ،
لا تزوج ، حتى تقضي عدتها .
وقال الشافعي : تستبرأ بحيضة ، لا بثلاث حيض .
مسألة
م١٩٤٤ - قال النعمان في امرأة أسلمت من أهل الحرب، وخرجت إلى دار
الإسلام ، وليست بحبلى : أنه لا عدة عليها ، ولو أن زوجها طلقها ،
لم تقع عليها طلاقه .
وقال الأوزاعي: بلغنا أن المهاجرات قدمن على رسول الله (38 وأزواجهن
بمكة مشركون ، فمن أسلم منهم ، فأدرك امرأته في عدتها ، ردها عليه
رسول الله ﴿ [١٢١/ ألف] عليه، وقال يعقوب : على أم الولد
العدة ، وعلى المرأة الحرة العدة كل واحدة منهن ثلاث حيض ،
لا يتزوجن ، حتى تنقضي عدتهن ، ولا سبيل لأزواجهن ، ولا لمواليهن
إليهن آخر الأبد .
وقال الشافعي : في المرأة تخرج من دار الحرب مسلمة ، وزوجها كافر يقيم بدار
الحرب ، لا تتزوج حتى تنقضي عدتها كعدة الطلاق ، فإن قدم
(١) تقدم الحديث برقم ٦٦٤٤ ، ٦٦٤٥ .
- ٢٨٧ -

زوجها حراً مسلماً قبل إنقضاء عدتها ، فهما على النكاح الأول ،
وكذلك لو أسلم أحد الزوجين وهما في دار الحرب ، لا فرق ببن دار
الحرب ودار الإسلام في هذا .
٨٥ - ذكر النهي عن السفر بالقرآن [٨/٣/ ألف ] إلى أرض المشرك
( ح٦٠,٧٥ ) أخبرنا محمد بن عبد الله أخبرنا ابن وهب أخبرني
عبد الله بن عمر ، ومالك وغيرهما عن نافع عن ابن عمر عن
رسول الله وم أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو خشية
أن یناله العدو (١) .
( ح٦٦٧٦ ) حدثنا محمد بن مهل حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أيوب عن
نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﴿ أن يسافر بالقرآن إلى أرض
العدو مخافة أن يناله المشركون (٢).
م١٩٤٥ - قال أبو بكر : وسئل مالك أيسافر الرجل بالمصحف ؟ فقال : أما في
أرض العدو فلا ، وأما في أرض الإسلام فنعم ، وقال أحمد : لا ينبغي أن
يغزو الرجل ومعه مصحف .
(١) أخرجه "مط" في الجهاد، باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو عن
نافع ٢ / ٤٤٦ رقم ٧، و "خ" في الجهاد ، باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض
العدو عن عبد الله بن مسلمة عن مالك ١٣٣/٦ رقم ٢٩٩٠، و"م" في الإمارة ،
باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار .. الخ، من طريق مالك ١٤٩٠/٣
رقم ٩٢ ( ١٨٦٩ ) .
(٢) أخرجه "عب" في الجهاد ، باب حمل السلاح والقرآن إلى أرض العدو ، عن معمر ٢١٢/٥
رقم ٩٤١٠، و "م" في الإمارة، من طريق أيوب ١٤٩١/٣ رقم ٩٤ (١٨٦٩ ).
- ٢٨٨ -

قال أبو بكر : وخالف النعمان [١٢١/ب] الخبر الثابت عن رسول الله
في هذا الباب ، وما جاء في ذلك عن عمر بن الخطاب ،
وعمر بن عبد العزيز ، فقال : لا بأس أن يسافر بالقرآن في
أرض الحرب .
٨٦ - ذكر وطئ الرجل جارية يشتريها في دار الحرب
م ١٩٤٦ - واختلفوا في وطئ الرجل أمته التي يبتاعها في أرض الحرب ، فأباحت
طائفة وطنها على ظاهر قوله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُروجهم حَافِظُون إلا عَلى
أزواجهم أو مَا مَلِكَت الْمَانُهُم﴾ الآية (١)، وممن أباح ذلك مالك،
والأوزاعي ، والشافعي ، وسئل مالك عن الرجل يبتاع الجارية في أرض
الروم من الفيء يطأها بعد أن يستبرئها بحيضة ؟ قال : نعم ، وقال
الأوزاعي كذلك ، وقال: فإن المسلمين قد وطئوا مع رسول الله ما
ما أصابوا من السبايا في غزوة بني المصطلق قبل أن يقفلوا ، وبه
قال الشافعي .
قال الشافعي: وقد وطئ أصحاب رسول الله و﴿ بعد الإستبراء في بلاد العدو ،
وعرّس رسول الله { ﴿ بصفية بالصهباء (٢) وهي غير بلاد الإسلام ،
والسبي قد جرى عليهم الرق ، وانقضت العصمة بينهم وبين من يملكهم
بنكاح أو شراء .
(١) سورة المؤمنون: ٥-٦، وسورة المعارج: ٢٩ - ٣٠.
(٢) الصهباء : إسم موضع بينه وبين خيبر روحة، معجم البلدان ٤٣٥/٣.
- ٢٨٩ -

وقال سفيان الثوري في أمة يشتريها المرء منهم أيطأها ؟ قال : نعم .
وقال أبو ثور : يطأها .
وقال النعمان : إذا اشترى الرجل أمته فليس له أن يطأها .
وقال يعقوب: قال [١٢٢/ألف ] النعمان لا يطأها، وكان ينهى عن هذا
أشد النهي ، ويقول : قد أحرزها أهل الشرك ، ولو أعتقوها
ما جاز عتقهم ، ولذلك لا يطأها مولاها، وليس هذه
كالمدبرة ، وأم الولد ، لأنهم يملكون الأمة ، ولا يملكون أم الولد ،
ولا المدبرة .
قال أبو بكر : الجواب فيما أجاب به يعقوب حيث قال محتجاً
لقولهم : ولو أعتقوها جاز عتقها، ليس كما ذكرت ، بل
الأخبار عن رسول الله ﴿ تدل على أن عتقهم غير جائز ، لقول
النبي ◌ُ ◌ّ: " ولا عتق فيما لا يملك" (١) ، ولحديث عمران بن حصين
أن النبي ◌َ ◌ّ قال: "لا نذر فيما لا يملك" (٢)، فأما أن يجعل
يعقوب مسألة قد خولف فيها أصلاً لمسألة أخرى خولف فيها ،
فمن شاء فعل كفعله ، والحجة أن يفزع المحتج إلى كتاب ، أو سنة ،
أو إجماع .
(١) أخرجه "د" في البيوع، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، ٧٦٨/٣ - ٧٦٩ رقم ٣٥٠٣،
و "ت" في البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك وعن ربح ما لم يضمن،
٢٣٦/٢ رقم ١٢٤٨ ، و "ن" في البيوع، باب بيع ما ليس عند البائع، ٢٨٨/٧-٢٨٩
رقم ٤٦١١ - ٤٦١٣ ، و "جه" في التجارات ، باب النهي عن بيع ما ليس عندك،
٧٣٧/٢ رقم ٢١٨٧ - ٢١٨٨.
(٢) أخرجه "م" في كتاب النذر في حديث طويل وفيه هذا اللفظ ٣/ ١٢٦٢ - ١٢٦٣
رقم ٨ (١٦٤١) .
- ٢٩٠ -

٨٧ - ذكر وطئ الرجل زوجته وأم ولده اللتين قد سباهما العدو
م١٩٤٧ - واختلفوا في وطئ الرجل زوجته أو أم ولده إذا أمكنه وطئهما وهما
بأيدي العدو ، فقالت طائفة : لا بأس أن يطأهما إذا لقيهما ، هذا قول
النعمان .
وكان الأوزاعي يقول إذا أحرزهم عدو كانوا أقدر على فروجهن سراً وجهراً منه لم
يصلح له أن يطأ فرجاً يتعاوره رجلان ، يطاها هو في السر ، وزوجها
الكافر في العلانية ، ولو لقيها وليست بذات زوج فيهم ، ماله أن يطأها ،
حتى يخلوا بينه وبينها ، فيخرج بها إلى دار الإسلام [ ١٢٢/ب ] .
٨٨ - ذكر المسلم يدخل دار الحرب بأمان فيغدر
م١٩٤٨- واختلفوا في الأسير المسلم في الحرب ، أو المسلم [ ٨/٣/ب ] يدخل دار
الحرب بأمان هل له أن يأخذ من أموالهم أم لا ؟
فکان الشافعي يقول : معروف عندهم في أمانهم إياه ، وهم قادرون عليه ، أنه يلزمه
لهم ، أن يكونوا مثله آمنين ، وهذا على مذهب الأوزاعي ، قال : المؤمن
ليس بختارٍ، ولا غدّارِ، يرد عليهم ما أخذ منهم ، وقد بلغنا أن
رسول الله ﴿ قال : " للغادر لواء يوم القيامة يقال له هذه غدرة
فلان " (١) ، وقد بلغنا أن رجلا غدر بأصحابه من المشركين في سيرهم ،
فقتلهم، وأقبل بأسلابهم إلى رسول الله ﴿ّ فكره أخذها منه، وحمَّله
منه ما يحمل ، وقول أحمد بن حنبل كقول الشافعي .
(١) سيأتي الحديث بسنده ، راجع رقم ٦٦٩١ .
- ٢٩١ -

وكان النعمان يقول في الرجل يدخل دار الحرب بأمان فقتل منهم رجلاً في
دار الحرب ، أو غصب منهم متاعاً ، ورقيقاً ، فخرج بهم إلى
دار الإسلام ، ثم أن أهل الحرب استأمنوا وصاروا ذمة ، قال : ما
كنت أرد عليهم ، قيل: فلو غدر بهم فأخذ مالاً، ورقيقاً ، ثم
خرج بهم إلى دار الإسلام فاشترى رجل مسلم من أولئك الرقيق شيئاً ،
قال : ذلك جائز .
قال أبو بكر : إذا دخل الرجل دار الحرب بأمان فهو آمن بأمانهم ، وهم آمنون
بأمانه ، ولا يجوز له أن يغدر بهم ، ولا يخونهم ، ولا يغتالهم ، فإن
أخذ منهم شيئاً ، فعليه رده إليهم ، فإن أخرج منه شيء إلى دار
الإسلام وجب رد ذلك إليهم ، وليس لمسلم أن يشتري [ ١٢٣/ ألف ]
ذلك ولا يتلفه ، لأنه مال له أمان ، وقد كان المغيرة صحب قوماً
فأخذ أموالهم، فقال النبي ◌ُّ: " أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست
منه في شيء " (١) .
قال أبو بكر : والغدر لا يجوز ، والأمانات مؤداة إلى البر والفاجر والمؤمن ،
والمشرك ، وسئل مالك عن رجلٍ من أهل الحرب دخل إلينا بأمان ،
فقتله رجل من المسلمين ؟ قال مالك : تدفع ديته إلى ورثته في
بلاد الحرب .
وقال الأوزاعي في رجل من العدو استأمن إلى المسلمين ، فلقيه رجل من المسلمين ،
فقتله بعد أمانه عمداً أو خطأً ، قال : إن كان قتله خطأ فعلى
عاقلته ، ثم يوقف عقله ، فإن جاء له ولي يثبت ، دفع إليه عقله ،
وإن كان عمداً عاقبه الإمام ، وجعل عقله في ماله خاصة ، فإن جاء
له ولي دفع إليه .
(١) جزء من الحديث الطويل الآتي برقم ٦٦٧٧ .
- ٢٩٢ -

مسألة
م١٩٤٩ - قال النعمان في رجل مسلم دخل دار الحرب بأمان ، فأدانه حربي
دَيناً ، ثم خرجا إلينا ، خرج الحربي مستأمناً فأراد الحربي أن
يأخذه بماله ، قال : لا يقضى له على المسلم بدَينه ، وكذلك لو
كان المسلم هو أدان الحربي دَيناً ، كان سواء ، ولم يقضِ له
على الحربي بدين .
وفي قول الشافعي : يقضي بالمال في الوجهين جميعاً ، وكذلك أقول .
جماع أبواب الصلح والعهود الجائزة بين أهل الإسلام وأهل
الشرك سوى أهل الكتاب [ ١٢٣/ب]
٨٩ - ذكر مصالحة الإمام أهل الشرك على أن يتركوا مالهم
ولا يتعرضوا لأموالهم وذراريهم من غير مال يؤخذ منهم ولا جزية
( ح٦٦٧٧ ) حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر قال أخبرني
الزهري عن عروة بن الزبير عن المسورة بن مخرمة ، ومروان بن الحكم
يصدق كل واحد منهما صاحبه، قالا: خرج رسول الله 315
زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي
الحليفة، قلّد رسول الله ﴿ الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة،
وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة ، يخبره عن قريش ، وسار
رسول الله : [٩/٣/ألف] حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريباً
من عسفان أتاه عينه الخزاعي ، فقال : إن كعب بن لؤي وعامر بن لؤي
- ٢٩٣ -

قد جمعوا لك الأحابش ، وقال غيره : الأحابيش (١) ، وهو الصحيح ،
وجمعوا لك جموعاً كثيرة وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ، فقال
النبي ◌َ ◌ّ: " أشيروا علي، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين
أعانوهم فنصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين ، وإن نجوا تكن
عنقاً قطعها الله (٢) ، أم ترون أن نؤم البيت ، فمن صدنا عنهم قاتلناه ،
فقال أبو بكر : الله ورسوله أعلم ، يا نبي الله ! إنما جئنا معتمرين ،
ولم نجئ لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين [١٢٤/ ألف ] البيت
قاتلناه، قال رسول الله ﴿ : " فروحوا إذاً".
قال معمر : قال الزهري : فكان أبو هريرة يقول : ما رأيت أحداً قط كان
أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ، قال الزهري في حديث
المسورة ومروان فراحوا يعني حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال
النبي ◌ُّ: إن خالد بن الوليد بالغميم (٣)، في خيل لقريش طليعة ،
فخذوا ذات اليمين ، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة
الجيش (٤)، فانطلق يركض نذيراً لقريش، ثم سار رسول الله حماد
حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها ، بركت به راحلته فقال
الناس: حَلُ حَلُ (٥) ، فألحت ، فقالوا ، خلأت القصواء ، خلأت ،
(١) الأحابيش : جمع أحبوش بضمتين، وهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة ، وبنو
الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، وبنو المصطلق من خزاعة ، كانوا تحالفوا مع قريش تحت
جبل يقال له : الحبش ، وقيل سموا بذلك لتحبشهم، أي تجمعهم. النهاية ١/ ٣٣٠.
(٢)
راجع الفتح لمعرفة المراد بهذا القول . ٥/ ٣٣٤ .
الغميم : قال ابن حبيب: اسم موضع قريب من مكان بين رابغ والجحفة . الفتح ٣٣٥/٥.
(٣)
(٤)
قترة الجيش : أي مقدمة الجيش .
(٥) حَلُ حَلُ : بالفتح ، كلمة تقال للناقة إذا تركت السير .
- ٢٩٤ -

فقال النبي 273: " ما خلأت القصواء، وما ذلك لها بخلق، ولكن
حبسها حابس الفيل " ، ثم قال : " والذي نفسي بيده ، لا يسئلوني
خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها " ، ثم زجرها فوثبت
به ، قال : فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد (١) قليل
الماء ، إنما يتبرضه الناس تبرضاً ، فلم يُلبثه الناس أن نزحوه ، فشكى إلى
رسول الله ﴿ العطش ، فانتزع سهماً من كنانته ، ثم أمرهم أن يجعلوه
فيه ، فوالله ما زال يجيش لهم بالريّ حتى صدروا عنه ، فبينما هم
كذلك ، إذ جاء بُدَيل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة ،
وكان عيبة نصح رسول الله و35 من أهل تهامة ، فقال : إني تركت
كعب بن لؤي وعامر بن [١٢٤/ب ] لؤي أعداد مياه الحديبية ،
معهم العوذ المطافيل (٢) ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، فقال
رسول الله : " إنا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولكنا جئنا معتمرين، وإن
قريشاً قد نهكتهم الحرب ، وأضرت بهم ، فإن شاؤوا هادنتهم (٣) مدة ،
ويخلوا بينه وبين الناس ، فإن أظهر ، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل
فيه الناس فعلوا ، وإلا فقد جمّوا ، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده
لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره " ،
فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشاً ، فقال : إنا قد
جئناكم من عند هذا الرجل ، وسمعناه يقول قولاً : فإن شئتم أن نعرضه
عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء ، وقال
ذووا الرأي منهم : هات ما سمعته يقول ، قال : سمعته يقول كذا ، وكذا
ثمد : أي حفيرة فيها ماء مثمود أي قليل .
(١)
العوذ : بالضم جمع عائذ ، وهي الناقة ذات اللبن ، والمطافيل: الأمهات اللائي معها أطفالها .
(٢)
كذا في الأصل ، وروضة ، والسليمانية ، وعند " عب" ماددتهم " .
(٣)
- ٢٩٥ -

فحدثهم بما قال رسول الله ﴿ ، فقال عروة بن مسعود الثقفي : أي
قوم ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى ، قال : أولستُ بالولد ؟ ، قالوا : بلى ،
قال : فهل تتهموني ؟ قالوا : لا ، قال : ألستم تعلمون أني استنفرت
أهل عكاظ ، فلما بلّحوا عليكم ، جئتكم بأهلي ، وولدي، ومن
أطاعني ، قالوا : بلى ، قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد
فاقبلوها ، ودعوني آته ، قالوا : إنته ، فأتاه ، قال : فجعل يكلم
النبي ◌ُ﴿، فقال النبي الكَيْئلا نحوا من قوله [٩/٣/ب] لبديل، فقال عروة
عند ذلك : أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك ، هل سمعت بأحد من
العرب اجتاح أصله قبلك ، وإن [ ١٢٥ / ألف ] الأخرى ، فوالله إني
لأرى وجوهاً وأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك . فقال
أبو بكر : امصص بظر اللات ، أنحن نفر وندعه ، فقال : من ذا ؟
قال : أبو بكر ، فقال : أما والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي لم أجز
به لأجبتك ، قال: وجعل يكلم النبي ﴿ ، فكلما كلمه أخذ بلحيته ،
والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله {﴿ ، ومعه السيف، وعليه
المغفر ، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي 3 ◌ّ ضرب بيده بنصل
السيف ، وقال : أخر يدك عن رسول الله ﴿، فرفع عروة رأسه ،
وقال : من هذا ، قالوا : المغيرة بن شعبة ، قال : أي غدر (١) ، أو لست
أسعى في غدرتك ، وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فغدرهم ، وأخذ
أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﴿ّ: " أما الإسلام فأقبل، وأما
المال فلست منه في شيء "، ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ◌ُ ﴾
(١) في الأصل وروضة، والسليمانية: " أي محمد " والتصحيح من "عب" و"خ"، والغدر
بضم الغين ، وفتح الدال معدول عن غادر ، مبالغة في وصفه في الغدر . قاله الحافظ
في الفتح ٣٤١/٥ .
- ٢٩٦ -

بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﴿ نخامةً إلا وقعت في يد رجل
منهم ، فيدلك بها وجهه وجلده ، فإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ
كادوا يقتلون على وضوءه ، فإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما
يحدّون النظر إليه تعظيماً له ، قال : فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي
قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر ، وكسرى ،
والنجاشي ، والله إن [١٢٥/ب] رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم
أصحاب محمد محمداً ، والله إن تنخم تخامةً إلا وقعت في كف رجل
منهم ، فيدلك بها وجهه ، وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا
توضأ كادوا يقتلون على وضوءه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ،
وما يحدّون النظر إليه تعظيما له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد
فاقبلوها منه ، فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته ، قالوا : إنته ، فلما
أشرف على النبي وأصحابه ، قال النبي ﴿ّ هذا فلان من قوم يعظمون
البدن ، فابعثوها له ، فبعثت له واستقبله القوم يلبّون ، فلما رأى ذلك
قال : سبحان الله ما ينبغي هؤلاء أن يصدوا عن البيت ، قال : فلما
رجع إلى أصحابه قال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى (١) أن
يصدوا عن البيت ، فقال رجل منهم ، يقال له مكرز بن حفص : دعوني
آته ، قالوا: إنته ، فلما أشرف عليهم قال النبي ﴿ّ: " هذا مكرز
وهو رجل فاجر "، فجعل يكلم النبي 38 ، فبينما هو يكلمه إذ جاء
سهيل بن عمرو .
قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل، قال النبي ◌ُ 37 : " قد
سهل الله لكم من أمركم " .
(١) في الأصل، وروضة، والسليمانية:" فلما أر " والتصحيح من "عب" و"خ".
- ٢٩٧ -

قال معمر : قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات ا کتب بيننا
وبينكم كتاباً ، فدعى الكتاب، فقال رسول الله ◌ُ له: " اكتب بسم الله
الرحمن الرحيم " ، فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما
هي ، ولكن أكتب باسمك [١٢٦/ألف ] اللهم كما كنت تكتب ،
فقال المسلمون : والله لا تكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال
النبي ◌ُّ: " اكتب باسمك اللهم"، ثم قال : " هذا ما قاضى عليه
محمد رسول الله، فقال سهيل [١٠/٣/ألف] والله لو كنا نعلم
أنك رسوله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب
محمد بن عبد الله، قال النبي ◌َ ◌ّ: "والله إني لرسول الله،
وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله" ، فقال الزهري : وذلك
لقوله : " لا يسألوني خطةً يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم
إياها "، فقال النبي { #: " أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به" ، فقال
سهيل بن عمرو : والله لا تتحدث العرب أنَّا أُخِذنا ضغطةً، ولكن لك
من العام المقبل ، فكتب ، فقال سهيل : وعلى أنه لا يأتيك منا رجل ،
وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله،
كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً ، فبينما هم كذلك إذ جاء
أبو جندل بن سهيل بن عمرو يوسف (١) في قيوده ، وقد خرج من أسفل
مكة ، حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد
أول ما نقاضيك عليه، أن ترده إلي، فقال النبي ◌ُ﴿: " إنا لم
نقض الكتاب بعد "، قال: فوا لله إذاً لا أصالحك على شيء، قال
النبي ◌َّ: " فأجزه لي "، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل ،
(١) يرسف : أي يمشي مشياً بطيئاً بسبب القيد.
- ٢٩٨ -

قال : ما أنا بفاعل ، فقال مكرز : بلى قد أجزناه لك ، فقال أبو جندل :
أي معاشر المسلمين : أرد إلى المشركين وقد جئت [١٢٦/ب] مسلماً،
ألا ترون ما لقيت ، وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله ، فقال
عمر بن الخطاب : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذٍ ، فأتيت
النبي ﴿ ، فقلت ألست نبي الله حقاً ؟ قال: " بلى" قلت: ألست على
الحق وعدونا على الباطل ، قال : " بلى" ، قال: فلِم نُعطي الدنية في
ديننا إذاً ، قال : " إني رسول الله ، ولست أعصيه، وهو ناصري " ،
قلت : أو ليس كنت وعدتنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به ، قال : " بلى"،
أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ " ، قلت : لا ، قال: " فإنك آتيه
ومطوف به "، فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله
حقاً ؟ قال : بلى ، قلت : أفلسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟
قال : بلى ، قلت : فلم تُعطي الدنية في ديننا ؟ قال: إيه (١) الرجل !
إنه رسول الله، وليس يعصي ربه ، فهو ناصره ، فاستمسك بغرزه (٢)
حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، قلت : أو ليس كان يحدثنا أنا
سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : [ فأخبرك أنه سيأتيه العام ؟ قلت : لا ،
قال فإنك آتيه ومطوف به ] (٣)، قال الزهري : قال عمر فعملت
لذلك أعمالاً .
قال: فلما فرغ من قضية الكتاب ، قال رسول الله ول لأصحابه: قوموا
فانحروا ، ثم احلقوا ، قال : فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ذلك ثلاث
كذا في الأصل ، وروضة ، والسليمانية ، وعند "عب" ، و "خ": " أيها الرجل" .
(١)
(٢)
غرزه : بفتح المعجمة وسكون الراء وبعدها زاي ، وهو للإبل بمنزلة الركاب للفرس ، أي
صر له كالذي يمسك بركاب الفارس فلا يفارقه .
(٣) ما بين المعكوفين من "عب"، و "خ".
- ٢٩٩ -

مرات ، فلما لم يقم منهم أحد ، قام فدخل على أم سلمة ،
فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله أتحب
ذلك ؟ أخرج ثم لا تكلم أحداً منهم ، حتى تنحر بدنك ، وتدعو
حالقك فيحلقك ، فقام فخرج ، ولم يكلم أحداً منهم ، حتى فعل ذلك ،
نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك [ ١٢٧ /ألف ] قاموا
فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً،
ثم جاء النسوة مؤمنات فأنزل الله: ﴿ يَا أُهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جَاءَكُمْ
المُؤْمِنَاتُ مَهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿ بِعِصَمِ الكَوَافِر﴾ الآية (١)،
فطلّق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما
معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية .
ثم رجع النبي ◌َ ◌ّ إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش، وهو مسلم ، فأرسلوا
في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه النبي ◌ُ ﴾
إلى الرجلين، [ ١٠/٣/ب ] فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة،
فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله
إني لأرى سيفك يا فلان جيّداً ، فاستّله الآخر فقال : أجل والله
إنه لجيد ، لقد جربت به ، ثم جربت ، فقال أبو بصير : أرني أنظر
إليه ، فأمكنه منه ، فضربه حتى برد ، وفرّ الآخر ، حتى أتى المدينة ،
فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله و﴿ حين رآه : " لقد رأى
هذا ذعراً"، فلما انتهى إلى النبي ◌ُ ﴿ قال: قتل والله صاحبي،
وإني لمقتول ، فجاء أبو بصير، فقال: يا رسول الله ! قد
والله أوفى الله ذمتك ، وقد رددتني إليهم ، ثم أنجاني الله منهم ،
(١) سورة الممتحنة : ١٠ .
- ٣٠٠ -