النص المفهرس

صفحات 261-280

وذهبت إلى النبي ﴿ فأخبرته ، فقال :" ماكان ذلك له، وقد أمنا من
أمنت وأجرنا من أجرت (١) .
( ح٦٦٦٧ ) حدثنا محمد بن إسماعيل [١٠٩/ ألف ] حدثني عبد الله بن شبيب
قال : حدثني أيوب بن سليمان قال حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن
سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد وصالح بن كيسان عن الزهري
عن أنس أن أبا العاص بن الربيع أسر بطريق الشام فأرادوا
قتله ، فقالت زينب : إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع فقال
رسول الله ﴿: " إنا قد أجرنا من أجارت " (٢).
٦٧ - ذكر ما حفظناه عن أهل العلم في هذا الباب
م١٩٢٠- أجمع عامة من نحفظ عنه من أهل العلم على أن أمان المرأة الحرة جائز.
وقالت عائشة إن كانت المرأة لتجير على المسلمين [٣/٣/الف] فيجوز:
( ث٦٦٦٨ ) حدثنا الحسن بن علي بن عفان حدثنا ابن نمير عن الأعمش عن
إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت : ان كانت المرأة لتأخذ على القوم ،
تقول : تجير عليهم (٣) .
(١) أخرجه "بق" من طريق محمد بن عبد الله ٩٥/٩ ، باب أمان المرأة ، وسعيد بن منصور
من طريق سعيد ٢٥١/٢، رقم ٢٦١٠، و"عب" من طريق سعيد ٢٢٣/٥-٢٢٤
رقم ٩٤٣٨.
أخرجه "عب" بغير هذا الطريق ٢٢٤/٥-٢٢٥ رقم ٩٤٤٠ - ٩٤٤٢، ٩٤٤٤.
(٢)
رواه "د" في الجهاد باب في أمان المرأة من طريق إبراهيم ١٩٤/٣ رقم ٢٧٦٤ ، و"عب"
(٣)
من طريق الثوري عن الأعمش ٢٢٣/٥ رقم ٩٤٣٧ ، وسعيد بن منصور عن أبي شهاب
عن الأعمش ٢ / ٢٥١ رقم ٢٦١١، و"بق " من طريق الحسن بن علي ٩٥/٩.
- ٢٦١ -

وممن قال بأن أمان المرأة جائز مالك بن أنس ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ،
والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي .
وكذلك نقول: ودلت الأخبار الثابتة عن رسول الله و 8 الدالة على ذلك إجارة
أم هانيء، وزينب بنت رسول الله و﴿ّ، فأمضى النبي ◌َّ لهما ذلك،
وقالت عائشة : إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز ذلك .
ولهذا قال كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار ، إلا شيئاً ذكره عبد الملك صاحب
مالك ، لا أحفظ ذلك عن غيره ، سئل عبد الملك عن الأمان إلى
من هو ؟ فقال : ذاك إلى الأئمة ، ووالي الجيش ، ووالي [١٠٩/ب]
السرية والجيش ، قيل : فما جاء أنه يجير على المسلمين أدناهم ويرد
عليهم أقصاهم ، وما جاء من أمر أم هانيء ومن أجارت ، فقال : لعل
الذي جاء من ذلك إنما كان بعد ما باتت وجوهه ، وعلم أنه في
تلك الحال أولى وهو المصلح الإسلام وأهله ، ولعل ذلك في ذلك
الوقت خاصة ، فأما أمر الأمان فهو إلى الإمام ، وهو فيما أعلم من
أعظم ما استعمل له (١) .
قال (٢) أبو بكر: يترك ظاهر الأخبار بأن يكرر " لعل" في كلامه ، وقلّ شيء
إلا وهو يحتمل " لعل" وترك ظاهر الأخبار غير جائز " للعل " ، وفي قول
النبي ◌ُ ◌ّ : ويسعى بذمتهم أدناهم ، دليل على إغفال هذا القائل، ثم هو
مع ذلك خلاف خبر أم هانيء، وزينب بنت رسول الله ﴿، وخلاف
قول عائشة ، وخلاف ما قال أستاذه مالك ، وما عليه أهل المدينة ، وأهل
الكوفة ، وأهل الشام ، وأصحاب الحديث ، وأهل الرأي ، وبخبر عائشة
في ذلك فيما مضى ، كان يجوز .
(١) راجع المدونة الكبرى ٢/ ٤١ باب في أمان المرأة والعبد والصبي .
(٢) في الأصل ، وروضة " وقال أبو بكر" .
- ٢٦٢ -

٦٨ - ذكر أمان الذمي
م١٩٢١ - أجمع أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم على أن أمان الذمي لا يجوز ،
كذلك قال الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وسفيان الثوري ، والشافعي ،
وأحمد ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي .
قال أبو بكر : وكذلك نقول، ولو قال قائل: إن في قول النبي صَ لّ:" ويجير
على المسلمين أدناهم " كالدلالة على أن من كان من غيرهم لا يجير
عليهم [١١٠/ ألف] لكان مذهبا .
وقال إسماعيل بن عياش : سمعت أشياخنا يقولون : لا جوار للصبي ، والمعاهد ،
فإن أجاروا فالإمام مخير ، فإن أحب أمضى جوارهم ،
وإن أحب رده ، فإن أمضاه فهو ماضٍ وإن لم يمضه تعين رده
إلى مأمنه .
وقد روينا عن الأوزاعي أنه قال : إن كان غزا مع المسلمين فإن شاء الإمام أجاره
وإن شاء رده إلى مأمنه .
٦٩ - ذكر أمان الصبي
م١٩٢٢ - وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز ، وممن
حفظت عنه ذلك سفيان الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ،
وإسحاق ، وأصحاب الرأي (١) .
(١) ذكره المؤلف في كتاب الإجماع /٧٤ رقم ٢٤٨ .
- ٢٦٣ -

٧٠ - ذكر الإشارة بالأمان
( ث ٦٦٦٩ ) حدثنا محمد بن علي حدثنا سعيد حدثنا أبو عوانة عن عمرو بن أبي
سلمة عن أبيه قال : قال عمر بن الخطاب : والله لو أن أحدكم
أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك ، فنزل إليه على ذلك ، فقتله ،
لقتلته به (١)
م١٩٢٣ - وقال مالك (٢)، والشافعي: الإشارة بالأمان أمان ، غير أن الشافعي
قال: " فإن قال لم أؤمنهم بها، فالقول قوله، وإن مات قبل [أن ] (٣)
يقول شيئا فليسوا بآمنين ، إلا أن يجدد لهم الوالي [٣/٣/ب] أماناً،
وعلى الوالي إذا مات قبل [أن ] (٤) يبين أو قال وهو حي لم أؤمنهم أن
يردهم إلى مأمنهم ، وينبذ إليهم (٥) .
قال أبو بكر : الإشارة بالأمان إذا فهم عن المشير يقوم مقام الكلام ، استدلالاً
بأن النبي - قد أشار إلى الذين كانوا خلفه في الصلاة بالقعود ،
فقعدوا. [ ١١٠/ب]
٧١ - ذكر إعطاء الأمان بأي لغة تفهم أعطوا بها الأمان
( ث ٦٦٧٠ ) حدثنا علي بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن الوليد عن سفيان
(١) رواه سعيد بن منصور عن أبي عوانة ٢٤٦/٢ رقم ٢٥٩٧ ، وراجع رقم ٢٥٩٨ .
(٢) سئل مالك عن الإشارة بالأمان ، أهي منزلة الكلام ؟ فقال: نعم، "مط" ٤٤٩/٢.
(٣) ما بين المعكوفين زيد من الأم .
ما بين المعكوفین زید من الأم .
(٤)
(٥) قاله في الأم في كتاب سير الواقدي ، باب في الأمان . ٢٨٤/٤ .
- ٢٦٤ -

حدثني الأعمش عن أبي وائل قال : كتب إلي عمر بن الخطاب ونحن
محاصرو قصر ، فقال : إذا حاصرتم قصراً فلا تقولوا لهم : انزلوا على
حكم الله وحكمنا ، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ، ولكن انزلوا
على حكمكم ، ثم احكموا فيهم ما شئتم ، وإذا لقي الرجل الرجل
فقال : مترس (١) ، فقد أمنه ، وإذا قال : لا تخف ، فقد أمنه ، وإذا
قال : لا تدهل (٢)، فقد أمنه، إن الله يعلم الألسنة (٣) .
( ث٦٦٧١ ) حدثنا محمد بن علي حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم قال أخبرنا
حميد الوائل عن أنس بن مالك قال : لما فتح أبو موسى تستر ،
وأتى بالهرمزان أسيرا ، فقدمت به على عمر بن الخطاب ، فقال
له : مالَكَ ، تكلم ، فقال الهرمزان : بلسان ميت أتكلم أم بلسان حي ؟
فقال : تكلم ، فلا بأس ، فقال الهرمزان : إننا وإياكم معاشر العرب
كفانا ما خلى الله بيننا وبينكم ، لم يكن لكم بنا يدان ، فلما
كان الله معكم ، لم يكن لنا بكم يدان ، فأمر بقتله ، فقال
أنس بن مالك : ليس إلى ذلك سبيل قد أمنته ، قال : كلا ولكنك
ارتشيت منه ، وفعلت ، وفعلت ، قلت : يا أمير المؤمنين : ليس إلى
قتله سبيل ، فقال : ويحك أستحييه بعد قتله البراء بن مالك ،
ومجزأة بن ثور ، ثم قال : هات البينة على ما تقول ، فقال
(١) مترس: كلمة فارسية معناها: لا تخف. فتح الباري ٦/ ٢٧٥.
لا تدهل : أي لا تتحير ، من الدهل ، والداهل المتحير . القاموس المحيط ٣٨٩/٣.
(٢)
رواه "خ" في الجزية والموادعة باب إذا قالوا: صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا، تعليقاً ٢٧٤/٦،
(٣)
فذكره مختصرا ، و "عب " من طريق الأعمش ٢١٩/٥-٢٢٠ رقم ٩٤٢٩، و"شب"
عن وكيع ثنا الأعمش ٤٥٨/١٢-٤٥٩ رقم ١٥٢٥٤، وسعيد بن منصور عن
أبي شهاب عن الأعمش ٢٤٧/٢ رقم ٢٥٩٩، و "بق " من طريق جعفر بن عون عن
الأعمش ٩٦/٩ ، باب كيف الأمان .
- ٢٦٥ -

الزبير بن العوام : قد قلت له تكلم ، فلا بأس ، فدرأ عنه عمر
القتل ، وأسلم ، ففرض له من العطاء على ألف أو ألفين [١١١/ألف]،
شك هشيم (١) .
م١٩٢٤ - قال أبو بكر: وذكر مالك قصة الهرمزان مختصرا ، وقيل
لأحمد بن حنبل : سئل ، أظنه الثوري عن الرجل يدرك العلج فيقول
له : قم ، أو ألق سلاحك ففعل ، قال : رفع عنه القتل ، أو يلقى في
المقسم ، قال أحمد : ما أحسن ما قال ، كأنه قد أمنه بهذا القول ، قال
إسحاق كما قال (٢) .
وقال أحمد : كل شيء يرى العلج أنه أمان ، فهو أمان .
وقال الأوزاعي : إذا قال : قف ، أو قم ، أو ألق سلاحك ، ونحو هذا بلسانه ،
أو بالعربية ، فوقف فلا قتل عليه ، ويباع إلا أن يدعي أماناً ويقول: إنما
رجعت أو وقفت لنداك ، فهو آمن ، وقال في رجل قال لعلج وهو في
حصنه : اخرج، فخرج ، قال : لا تعرض له ، وقال أصحاب الرأي في
رجل من المسلمين قال لبعض أهل الحرب : أنت آمن ، أو قال : قد
أمنتك ، أو قال : لا بأس عليك ، أو قال له بالفارسية : مترس ، أو قد
أمنت ، فهو آمن في ذلك كله .
٧٢ - ذكر أمان الأسير والتاجر
م١٩٢٥- كان سفيان الثوري يقول في أمان الأسير والتاجر من المسلمين في أرض
الحرب يؤمنان المشركين : لا يجوز أمانهما على المسلمين .
(١) رواه سعيد بن منصور عن هشيم ٢٧١/٢ رقم ٢٦٧٠ .
(٢) حكاه الكوسج في مسائل أحمد وإسحاق ١٦/٢-١٧ .
- ٢٦٦ -

وقال أحمد في أمان الأجير : جائز ، وقيل لأحمد : لو أن أسرى في عمورية (١) نزل به
المسلمون ، فقال الأسرى : أنتم آمنون يريد من ذلك القربة إليهم ،
قال : يرحلون عنهم .
٧٣ - ذكر المشرك يطلب الأمان ليسمع كتاب [١١١/ب] الله
وشرائع الإسلام ، أيرد هذا ومن أشبهه إلى مأمنه ؟
قال الله جل ذكره: ﴿وإن أحَدُّ مِنَ الْمُشْرِكِيَنِ اسْتَجَار ◌َ فَأَجْرهُ حَتّى يَسمَعَ كَلامِ الله
ثُمِ أبِلِغْهُ مَأْمَنِهِ﴾ الآية (٢).
م١٩٢٦ - روينا عن قتادة أنه قال في قوله: ﴿حَتّى يَسمَعَ كَلام الله﴾
1
أي [٤/٣/ألف] كتاب الله (٣) ، فإن أمن فهو الذي دنا إليه، وإن أبا
فعليه أن يبلغه مأمنه ، وبهذا قال الأوزاعي ، و الشافعي ، وقال
الأوزاعي : هي إلى يوم القيامة وقال : إذا قال حيث أسمع كلام الله لم
يؤذن بحرب حتى يسمع ما حاله .
قال أبو بكر : وقد بلغنا أن عمر بن عبد العزيز كتب بذلك إلى الناس .
وروينا عن مكحول مثله ، وقال الشافعي في قوله: ﴿ثُمِ أَبِلِغَهُ مَأْمَنه﴾ الآية،
وإبلاغه مأمنه أن تمنعه من المشركين ، فما كان في بلاد المسلمين ،
(١) عمورية: بفتح أوله وتشديد ثانيه ، بلد في بلاد الروم غزاه المعتصم. معجم
البلدان ١٥٨/٤ .
(٢) سورة التوبة : ٦ .
(٣) ذكره السيوطي وقال: أخرجه أبو الشيخ عن قتادة. الدر المنثور ١٣٣/٤.
- ٢٦٧ -

أو حيث ما اتصل ببلاد المسلمين ، وسواء قرب ذلك أو بعد ، قال : ثم
أبلغه مأمنه ، والله أعلم منك ، أو ممن يقتله على دينك ممن يطيعك ، لا
أمانه من غيرك من عدوك أو عدوه الذي لا يأمنه ولا يطيعك ، فإذا أبلغه
الإمام أدنى بلاد المشركين شيئا فقد بلغه مأمنه الذي كلفه ، إذا أخرجه
سالماً من أهل الإسلام ومن يجري عليه حكم الإسلام من أهل عهدهم ،
قال : فإن قطع به بلادنا وهو من أهل الجزية كلف المشي ورده إلا أن
يقم على إعطاء الجزية ، وإن عرض إعطاء الجزية قبل منه ، وإن كان ممن
لا تؤخذ منه الجزية كلف المشي وزود ، أو حُمّل ولم يقر ببلاد المسلمين
وألحق بمأمنه ، وإن كان عشيرته [١١٢/ألف] التي يأمن فيها بعيداً فأراد
أن يبلغ أبعد منها لم يكن ذلك على الإمام ، وإن كان له مأمنان ، فعلى
الإمام إلحاقه بحيث كان يسكن منهما ، وإن كانت له بلادا شركٍ
یسکنهما معاً ، ألحقه الإمام بأيهما شاء ، ومتى سأله أن يجبره حتى يسمع
كلام الله ، ثم يبلغه مأمنه ، وغيره من المشركين ، كان ذلك فرضاً على
الإمام ، ولو لم يجاوز به موضعه الذي استأمنه منه رجوت أن يسعه (١) .
٧٤ - ذكر الحربي يصاب في دار الإسلام ويقول : جئت مستأمناً
ء
م١٩٢٧ - اختلف أهل العلم في الحربي يوجد في دار الإسلام ويقول : جئت
مستأمناً ، فقالت طائفة : الإمام في ذلك بالخيار يرى فيهم رأيه ، كذلك
قال مالك بن أنس ، وقال الأوزاعي : إذا وجد ليس معه سلاح فأمره
إلى الإمام ، إن شاء قتله وإن شاء استحياه .
(١) قاله في كتاب الجزية باب المهادنة على النظر للمسلمين . الأم ١٩٠/٤.
- ٢٦٨ -

وقال الأوزاعي : إذا قال جئت رسولاً ، أو نريد إلى إمامكم إن وجد ظاهر ، وكان
معه كتاب ، فالقول قوله وهو آمن ، وإن لم يوجد معه كتاب
وقال: جئت رسولاً قال : إن وجد ظاهراً أمن أو رد إلى مأمنه ، وإن
قتله رجل وقد قال : أين تريد ؟ فعلى القاتل ديته .
وكان الشافعي يقول : إذا وجد الرجل من أهل الحرب على قارعة الطريق
بغير سلاح وقال : جئت رسولاً مبلغاً ، قبل منه ولم يعرض
له ، فإن ارتبت به خُلّف ، فإذا حلف ترك ، وهكذا لو كان معه
سلاح ، وكان منفردا ليس في جماعة يمتنع مثلها ، فالقول قوله
مع يمينه .
قال : وإذا أتى الرجل من أهل الشرك بغير عقد، عقد [١١٢/ب]
له المسلمون ، فأراد المقام معهم ، فهذه الدار لا تصلح إلا لمؤمن ،
أو معطي الجزية ، فإن كان من أهل الكتاب قيل له ، أدّ الجزية ،
وإلا فارجع إلى مأمنك ، فإن استنظر فأحب إلي ألا ينظر إلا أربعة
أشهر من قبل أن الله جعل المشركين أن يسيحوا أربعة أشهر ،
وأكثر ما يجعل له ، أن لا يبلغ به الحول ، لأن الجزية في حول ،
فإن كان من أهل الأوثان فلا تؤخذ منه الجزية ، ولا ينظر ،
إلا دون الحول ، وإذا دخل القوم من المشركين بتجارة
ظاهرين فلا سبيل عليهم ، لأن حال هؤلاء حال من لم يزل
يؤمن من التجار ، وإذا دخل الحربي دار الإسلام [٤/٣/ب]
مشركاً ثم أسلم قبل [ أن ] (١) يؤخذ فلا سبيل عليه ، ولا
على ماله ، ولو قاتل فأسر ، ثم أسلم بعد الإسار فهو فيء وماله ولا سبيل
على دمه للإسلام ، وكذلك إذا أسلم ببلد الحرب ، أحرز له إسلامه
(١) ما بين المعكوفين زيد من عندي .
- ٢٦٩ -

دمه ، وماله ، ولم يكن عليه رق وهكذا إن صلى فالصلاة من
الإيمان ، أمسك عنه (١) .
و قال إسحاق في الرجل يوجد من أهل الشرك في أرض الإسلام بغير عهد : إذا جاء
على وجه فداء أسارى ، فإن لم يرد ذلك ، رد إلى مأمنه .
وقال الزهري في رجل دخل أرض المسلمين تاجراً : لا يقتل ، ولا يؤخذ ماله .
و قال أحمد : إذا أخذ الرجل من أهل الشرك بغير عهد : لا يقبل ذلك منه إذا
قال : جئت أستأمن .
وقال النعمان ويعقوب : إذا قال : أنا رسول الملك إلى والي المسلمين ، وقد دخلت
بغير أمان ، ولا يعلم [ ١١٣ /ألف ] أنه رسول لم يقبل ذلك منه ،
وصار فيئاً للمسلمين ، وكذلك لو كان معه هدايا فذكر أن ملك الروم
أرسل بها معه هدية إلى والي المسلمين ، لم يقبل ذلك منه ، وصار فيئاً
للمسلمين ، وإن علم أنه رسول الملك فهو آمن كان دخل بأمان أو غير
أمان ، ولا يعرض له ، وإن كانت الهدية متاعاً، أو سلاحاً ، أو رقيقاً
فهو كله حلال لوالي المسلمين .
وسئل مالك عن العلج يلقى في بلاد الروم متحملاً إلينا، فإذا أخذ قال : جئت
أطلب الأمان ، أترى أن تصدق ؟ قال مالك : هذه أمور مشكلة وأرى
أن يرد إلى مأمنه (٢) .
وقالت طائفة : أمر الله بقتل المشركين حتى يسلموا أو يؤدي أهل الكتاب الجزية ،
فمن وجد في بلاد المسلمين ، فادعى أنه رسول ، أو أنه دخل بأمان ،
سئل إقامة البينة على ذلك ، فإن أقامها حقن دمه وخلي سبيله ، فإن لم
(١) قاله الشافعي في كتاب سير الواقدي ، باب قطع الشجر وحرق المنازل .
الأم ٢٨٩/٤ -٢٩٠.
(٢) قاله في المدونة الكبرى ، كتاب الجهاد ، باب في قتل الأسارى ٩/٢.
- ٢٧٠ -

يقمها ، فحكمه حكم سائر أهل الحرب ، يظفر بهم ، إمام المسلمين فيه
بالخيار إن شاء قتل ، وإن شاء أرق وإن [شاء ] (١) من عليه وأطلقه ،
وإن شاء فادى به ومن حيث قال من خالف هذه المقالة : إن المسلم إذا
وجد في دار الحرب في دين أهل الشرك ، إن دمه محرم على الأصل ،
حتى يعلم انتقاله عن الحالة التي كان عليها ، فكذلك هذا الحربي دمه
مباح ، وحكمه حكم أهل دار الحرب حيث يوجد ، حتى يعلم له حالة ،
يجب الوقوف عن قتله بها .
٧٥ - ذكر أمان الرجل الرجل ثم يخفى ويشتبه ذلك [١١٣/ب]
م١٩٢٨ - واختلفوا في العلج يشرف من حصن ، فيؤمن ، ثم لما فتح الباب ، ادعى
كل واحد منهم أنه الذي أؤمن .
فقالت طائفة لا يقتل أحد منهم ، هذا قول أحمد بن حنبل ، وكان الشافعي
يقول : وإذا وادع الإمام قوما من أهل الحرب ، فنقض بعضهم
الصلح ، واختلطوا فظهر عليهم ، فادعى كل أنه لم يغدر ، وقد
كانت منهم طائفة اعتزلت ، أمسك عن كل من شك فيه ولم يقتله ،
ولم يسب ذريته ، ولم يغنم ماله ، وقتل وسبى ذرية من علم أنه غدر ،
وغنم ماله " (٢) .
قال أبو بكر : وفي قوله : أمسك عن كل من شك فيه فلم يقتله ، ما يجب
الوقوف عن قتل جميع أهل الحصن إذا خفى الذي أؤمن بعينه .
(١) ما بين المعكوفین زيد من عندي .
(٢) قاله في كتاب الجزية ، باب نقض العهد . الأم ١٨٦/٤.
- ٢٧١ -

وحكى عن الأوزاعي أنه قال في حصن نزل به المسلمون ، فأشرف عليه رجل منهم ،
فأسلم ، ثم فتحوا الحصن ، فادعى كل رجل منهم أنه الذي أسلم وهم
عشرة ، قال : يسعى كل رجل منهم في قيمته إذا لم يعرف ، ويترك له
عشر قيمته .
٧٦ - ذكر الحربي يسلم في دار الحرب وله بها مال
م١٩٢٩- واختلفوا في الحربي يسلم في دار الحرب وله بها مال، ثم يظهر
المسلمون على تلك الدار .
فقالت طائفة : يترك له ما كان في يديه من ماله ، ورقيقه ، ومتاعه ، وولد صغار ،وما
كان من أرض فهو فيء، و امرأته فيء إذا كانت كافرة، [٥/٣/ألف]
وإن كانت حبلى فما في بطنها فيء ، هذا قول النعمان .
وخالفه الأوزاعي فقال : كانت مكة دار [١١٤/ألف] حرب ظهر عليها
رسول الله والمسلمون فلم يقبض لهم رسول الله مح له داراً،
ولا أرضاً ، ولا امرأةً ، وأمن الناس كلهم ، وعفا عنهم ، ووافق
الشافعي الأوزاعي في قوله ، وخالفه في الحجة ، فقال : قول الأوزاعي
كما قال ، غير أنه لم يصنع ، سيأتي احتجاجه بمكة ، قال : ولكن
الحجة في هذا أن ابني شعبة القرضيان خرجا إلى رسول الله حماد
وهو محاصر بني قريضة ، فأسلما فأحرز لهما إسلامهما دمائهما ،
وجميع أموالهما من النخل والدور وغيرها، وذلك معروف في
بني قريضة (١) .
(١) راجع الأم ٤ / ٢٧٨.
- ٢٧٢ -

قال الشافعي : " لا يجوز أن يكون مال المسلم مغنوما بحال، فأما
ولده الكبار وزوجته فحكمهم حكم أنفسهم ، يجري عليهم
ما يجري على أهل الحرب من القتل والسبا ، وإن سبيت
امرأة حاملا منه ، فليس إلى إرقاق ذي بطنها سبيل ، من
قبل أنه إذا خرج فهو مسلم بإسلام أبيه ، ولا يجوز السباء
على مسلم (١) .
مسألة
م١٩٣٠- قال النعمان في المستأمن إذا مات في دار الإسلام وترك
مالاً ، وورثة في دار الحرب : يوقف حتى يقدم ورثته ، قيل
له: فإن جاء الورثة مستأمنين بكتاب من ملك أرضهم
أنهم من الورثة ، هل يقبض ذلك ؟ قال : لا ، قيل
له: فإن كان في الكتاب أنه قد ثبت الشهود عنده ،
قال : لا يقبل .
قال الأوزاعي : إذا كانوا أولى بميراثه من المسلمين أعطى ورثته ميراثه بكتاب ملكهم
أنهم ورثته ، وشهادة بعضهم لبعض .
قال أبو بكر: [١١٤/ب] لا يستحق أحد منهم ميراثاً إلا ببينة تشهد من
المسلمين عادلة ، فأما شهادة بعضهم لبعض فغير مقبولة ، ويوقف
الشيء حتى يتبين الورثة .
(١) قاله في الأم في كتاب سير الواقدي ، باب الحربي يدخل بأمان وله مال في دار الحرب
ثم يسلم ٢٧٨/٤ .
- ٢٧٣ -

٧٧ - ذكر الشهادة على الأمان
م١٩٣١- واختلفوا في شهادة الشاهد الواحد على أمان الحربي .
فقالت طائفة : إذا قال رجل من المسلمين : إني قد أمنتهم ، جاز أمانه عليهم ،
فإن رسول الله و﴿ّ قال: " ويعقد عليهم أدناهم " (١) ولم يقل إن جاءوا
على ذلك ببينة ، وإلا فلا أمان له ، لأنه أخبر عن نفسه ، هكذا
قال الأوزاعي
و قال النعمان إذا قال رجل من المسلمين أو اثنان : قد كنا أمناهم قبل أن يؤخذوا ،
وذلك بعد ما صاروا في القسمة ، لم يصدقوا على ذلك ، لأنهم أخبروا
عن فعل أنفسهم .
و قال الشافعي : إذا قال رجل مسلم أو امرأة : قد أمنتهم قبل أن يصيروا في أيدي
المسلمين ، فهم آمنون ، وإن صاروا في أيدي المسلمين ، فقال رجل أو
امرأة : قد أمنتهم ، لم تقبل شهادة الرجل على فعل نفسه ، ولكن إن قام
شاهدان فشهدا أن رجلا أو امرأة من المسلمين أمنهم ، قبل أن يصيروا
أسرى فهم آمنون أحرار ، وإذا أبطلنا شهادة الذي أمنه ، فحقه منهم
باطل ، لا يكون له أن يملكه ، وقد زعم أن لا ملك له عليه .
٧٨ - ذكر العلج يضمن له أن يعطى كذا على أن يفتح باب حصن
أو يدل عليه ، ووجوب الوفاء له به [١١٥/ ألف]
م١٩٣٢- قال أبو بكر: إذا قال العلج للإمام: أفتح لكم باب هذا الحصن
(١) تقدم الحديث برقم ٦٦٥٩ - ٦٦٦٢ .
- ٢٧٤ -

على أن لي كذا وكذا الشيء يذكره ، فمما يجوز ملكه معلوما ففتحه
على ذلك ، فعلى الإمام أن يفي له بذلك ، ولم أحفظ عن أحد لقيته
في هذا خلافاً .
وقد روينا عن أبي موسى الأشعري أنه صالح دهقاناً على أن يفتح له
المدينة ويؤمن مائة من أهله ، ففعل ، فأخذ عهد أبي موسى ،
وقد ذكرناه (١) .
وكان الشافعي يقول : " في علج دل قوما من المسلمين على قلعة على
أن يعطوه جاريةً سماها، فلما [٥/٣/ب] انتهوا إلى القلعة
صالحوا صاحب القلعة على أن يفتحها لهم ، ويخلوا بينه وبين
أهله ، ففعل ، فإذا أهله تلك الجارية ، قال : فأرى أن يقال
للدليل : إن رضيت العوض عوضناك قيمتها، وإن لم ترض
العوض فقد أعطينا ما صالحناك عليه غيرك ، فإن رضي العوض
أعطيه وتم الصلح ، وإن لم يرض العوض ، قيل لصاحب
القلعة : قد صالحنا هذا على شيء صالحناك عليه بجهالة
منا به ، فإن سلمته إليه عوضناك منه ، وإن لم تسلمه
نبذنا إليك وقاتلناك، وإن كانت الجارية قد أسلمت قبل أن
يظفر بها فلا سبيل إليها ، ويعطى قيمتها، وإن ماتت
عوض منها بالقيمة ، ولا يبين في الموت كما يبين
إذا أسلمت (٢) .
(١) تقدم راجع رقم ٦٦٢٧ .
(٢) قاله الشافعي في سير الواقدي ، باب العلج يدل على القلعة على أن له جارية سماها.
الأم ٢٨٥/٤ .
- ٢٧٥ -

مسألة
م١٩٣٣ - واختلفوا في المشرك يخرج إلينا بأمان، ثم يسلم فغزا المسلمون تلك
الدار ، فأصابوا أهله وماله .
فقالت طائفة : أهله وماله فيء للمسلمين كذلك قال مالك بن أنس ، وقال
الليث بن سعد مثله في صبية صغار [ ١١٥/ب] وكبار تركه الرجل
الذي أتى فأسلم ببلاد العدو ، قال : ما أراهم إلا من فيء المسلمين .
و قال الشافعي : لا سبيل عليه ولا على ماله ، وقال الشافعي في جماعة أسلموا فيها
مثل الإسار : حقنوا دمائهم ، وأحرزوا أموالهم ، إلا ما حوى قبل أن
يسلموا وكانوا أحراراً ، ولم يسبأ من ذراريهم أحد صغير ، فأما نساؤهم
وأبناؤهم البالغون ، فحكمهم حكم أنفسهم في القتل والسباء لا حكم
الأب والزوج .
وفيه قول ثالث ، قاله النعمان قال : وإذا أسلم الرجل من أهل الحرب ، ثم
ظهر المسلمون على تلك البلاد ، أنه يُترك له ماكان في يديه من ماله ،
ورقيقه ، ومتاعه ، وولده الصغير ، وما كان من أرضه أو داره فهو فيء ،
وإن كانت امرأة حاملاً ، وهي كافرة ، كانت [ فيئاً ] (١) وما في بطنها
فيء بمنزلتها .
وكان مجاهد يقول : أيما أرض افتتحت عنوة ، فأسلم أهلها قبل أن يقتسموا ، فهم
أحرار ، ومالهم فيء للمسلمين ، قال الثوري : وهكذا أرض السواد ،
وقال الثوري والأوزاعي إن أصاب المسلمون في بلاد عدوهم
مسلما معه امرأة ، وأمة ، وولد ، فقال : امرأتي ، وولدي ، ومالي ،
(١) ما بين المعكوفين زيد من عندي .
- ٢٧٦ -

وأمتي ابتعتها ، إن كانوا في يديه صدق ، قال الأوزاعي : إلا أن
تقوم البينة أنه للعدو .
٧٩ - ذكر المستأمن يسرق أو يزني أو يصيب حداً
م١٩٣٤ - واختلفوا في المستأمن يسرق أو يقذف أو يزني أو يصيب بعض الحدود
فكان الشافعي يقول : " ذلك وجهان ما كان منها لله لا حق للآدميين
فيه ، يكون لهم عفوها ، وإكذاب شهود لو شهدوا [١١٦/ ألف ]
لهم به ، فهو معطل عنهم لأنه لا حق فيه للمسلم ، إنما هو الله ولكن
يقال : لم تؤمنوا على هذا، فإن كففتم وإلا رددنا عنكم الأمان
وألحقناكم بمأمنكم ، فإن فعلوا ألحقوهم بمأمنهم ونقضوا الأمان بينهم
وبينهم ، وما كان من حد الآدميين ، أقيم عليهم ، ألا ترى أنهم لو قتلوا
قتلناهم ، فإذا كانوا مجمعين على أن يقيد منهم حد القتل ، لأنه للآدميين
كان علينا أن نأخذ منهم كلما دونه من حقوق الآدميين مثل القصاص في
الشجة وأرشها ، ومثل الحد في القذف ، والقول في السرقة قولان
أحدهما : أن يقطعوا ويغرموا .
والقول الثاني : أن يغرم المال ولا يقطع " لأن المال للآدميين والحد الله" (١) .
واحتج في الفرق بين حدود الله وحقوق الآدميين بآية المحارب :
وكان الأوزاعي يقول : إذا زنا بعضهم ، أو سرق ، أو قذف مستعلنين بها فيما
بينهم ، وكان ذلك منهم فينا ، أو في أهل ذمتنا ، أخذوا بالحدود ، فإنهم
لم يؤمنوا على إتيانها فينا ، وإظهار الفواحش :
(١) قاله في الأم في كتاب سيرالأوزاعي ، باب المستأمن في دار الإسلام ٣٥٨/٧ .
- ٢٧٧ -

وقال النعمان، [ ٦/٣/ألف ] ويعقوب في قوم من أهل الحرب خرجوا مستأمنين
لتجارة ، فزنا بعضهم في دار الإسلام أو سرق : لا حد عليه ويضمن
السرقة .
٨٠ - ذكر إقامة الحدود في دار الحرب
م١٩٣٥ - اختلف أهل العلم في إقامة الحدود في دار الحرب فمنعت طائفة
من ذلك .
( ث٦٦٧٢ ) حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد [١١٦/ب] الرزاق عن ابن عيينة
عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال : أصاب أمير الجيش ، وهو
الوليد بن عقبة شراباً فسكر ، فقال الناس لأبي مسعود الأنصاري
أو ابن مسعود ، وحذيفة بن اليمان : أقيما عليه الحد ، فقالا : لا نفعل ،
نحن بإزاء العدو ، ونكره أن يعلموا بذلك ، فتكون جرأة منهم علينا
وضعف بنا (١) .
وسئل الأوزاعي عن إقامة الحدود بأرض الروم ، قال : تؤخر إقامتها حتى يخرجوا من
دار الحرب ، وقال في الأسير يصيب حداً ، ثم يرجع إلى الإسلام ، يقام
عليه إن قامت عليه بينة عدل .
وقال الأوزاعي فيمن غزا على جيش ، وإن لم يكن أمير مصر ، ولا
شام ، ولا عراق ، أقام الحدود في القذف ، والخمر ، ويكف
عن القطع ، مخافة أن يلحق بالعدو ، فإذا فصل من الدرب
قافلاً ، قطع .
(١) أخرجه "عب" عن ابن عيينة ١٩٨/٥ رقم ٩٣٧٢.
- ٢٧٨ -

وقال أحمد بن حنبل في المسلم يسبيه العدو ، فيقتل هناك مسلما ، أو يزني قال : ما
أعلم إلا يقام عليه إذا خرج ، وكذلك قال إسحاق ، وقال أحمد في إقامة
الحدود في الجيش ، قال : لا حتى يخرجوا من بلادهم .
قال إسحاق : إذا كان الإمام يرى إقامة ذلك أحسن .
وقالت طائفة : تقام الحدود في أرض الحرب كما تقام في أرض الإسلام ، وذلك أن
الله جل ذكره أمر بقطع السارق ، وحد الزاني ، والقاذف ، وأوجب
القصاص في كتابه ، فعلى الإمام أن يقيم ذلك في دار الحرب ، كما يقيمه
في دار الإسلام سواء ، وغير [١١٧/ألف] جائز المنع من إقامة الحد
الذي أمر الله بإقامته بغير حجة ، ولا نعلم حجة خصت بذلك أرضاً
دون أرض ، ولو كان في ذلك مراد ، ليس ذلك في كتابه ، أو على
رسوله ، هذا قول مالك ، و الشافعي .
قال مالك في الجيش إذا دخل دار الحرب وسرق بعضهم من بعض في أرض الحرب ،
أو شربوا الخمور ، أو زنوا : يقيم عليهم الحدود أمير الجيش كما تقام
الحدود في أرض الإسلام ، وهو أقوى على الحق (١) .
وقال مالك : إذا فرط فيه الوالي وأخره حتى يقدموا أرض الإسلام ، أرى أن يقام
ذلك في أرض الإسلام .
وقال الشافعي : إذا كان المسلمون مستأمنين ، أو أسرى في دار الحرب ،
فقتل بعضهم بعضاً ، أو زنوا بغير حربية ، فالحكم عليهم كما يكون
عليهم في بلاد الإسلام ، وإنما أسقط عنهم لو زنا أحدهم بحربية
إذا ادعى الشبهة ، ولا يسقط دار الحرب عنهم فرضا ، كما لا يسقط
صوماً ، ولا صلاة ، ولا زكاة ، و إذا أصاب الرجل حدا وهو
محاصر للعدو ، أقيم عليه ، وقد يمكنه أن يلحق من كل موضع
(١) قاله في المدونة الكبرى ٢٩١/٦، باب إقامة الحدود في أرض الحرب ، كتاب السرقة .
- ٢٧٩ -

بدار الحرب ، وقد أقام رسول الله وض 3 الحد بالمدينة والشرك
قريب منها ، وفيها شرك كثير موادعون ، وضرب الشارب
بحنين والشرك قريب منه .
وقال الليث بن سعد : مارأيت أحداً ولا سمعت ، أنه يرد حداً أن يقيمه في أرض
العدو قديما ولا حديثاً إذا وجب على صاحبه .
وقال في الأسارى [١١٧/ب] من المسلمين: يجعلون عليهم رجلاً منهم يقيم
الحدود فيهم إذا خلى بينهم وبين ذلك .
وقال أبو ثور : الدار لا تحل شيئاً ولا تحرمه ، والزنا ، والسرقة ، والخمر ، وجميع ما
حرم الله حرام عليهم في دار الإسلام ودار الحرب ، ويحكم على من أتى
شيئاً من ذلك حكم الله في كل دار ومكان كان ذلك منه ، لا يبطل
حكم الله إلا بكتاب ، أو سنة ، أو إجماع .
و قال [٦/٣/ب] أصحاب الرأي في الرجل المسلم يكون في دار الحرب بأمان
فزنا هنالك وخرج ، فأقر به : لم يحد ، لأنه زنا حيث لا تجري أحكام
المسلمين عليه ، ولو دخلت سرية من المسلمين ، فزنا رجل منهم
هناك ، لم أحده ، وإذا كان في عسكر فهو كذلك ، لا يقيم الحدود
ولا القصاص إلا أمير مصر ، يقيم على أهله الحدود ، فأما غيره فلا
يقيم حداً ولا قصاصاً .
م١٩٣٦ - وقال النعمان في الرجل الحربي يسلم في دار الحرب ، فيدخل رجل مسلم
فيقتله في دار الحرب عمداً ، أو خطأً ، قال : لا شيء عليه ، إلا أن عليه
في الخطأ الكفارة ، فإن دخل الحربي الذي أسلم إلينا ، ثم قتله هاهنا فإن
كان قتله خطأ ، فالدية على عاقلته ، ويأخذها الإمام ، وعليه الكفارة ،
وإن كان عمداً ، فللإمام أن يقتله إن شاء ، وإن شاء أخذ الدية ، وليس
له أن يعفو .
- ٢٨٠ -
٠