النص المفهرس

صفحات 521-540

باب الحج عن الغَير
باب الحج عن الغير
الأصل فيه حديثُ الخَتْعَميَّةِ، وهو ما روي أن امرأةً من خَتْعمٍ
جاءت النبيَّ ◌َّ فقالت: يا رسولَ الله، إن فريضةَ الحجِّ أدركَتْ أبي
شيخاً كبيراً لا يستطيعُ أن يَستَمسِكَ على الراحلةِ أَفَيَجْزِيني أن أحُجَّ
عنه؟ فقال عليه السلام: ((أرأيتٍ لو كان على أبيكِ دَينٌ فقَضَيتِيه أكانَ
يُقبَلُ منك؟)) قالت: نعم، قال: ((فالله أحقُ أن يَقْبَلَ))(١) فدل ذلك على
جواز الحجِّ عن الغَيرِ عند العَجز، وأنَّه يقعُ عن المَحجوج عنه.
(١) أخرج ابن خزيمة (٣٠٤٢) من طريق الزهري، عن سليمان بن يسار،
عن ابن عباس: أن امرأة من خثعم سألت النبي وَلَّ، فذكر الحديث. وقال: قال
سفيان: هكذا حفظته من الزهري. وأخبرني عمرو بن دينار، عن الزهري، عن
سليمان بن يسار، عن ابن عباس، مثله. وزاد: فقالت: يا رسول الله، فهل ينفعه
ذلك؟ فقال: ((نعم. كما لو كان عليه دين فقضيته نفعه)). وحديث المرأة
الخثعمية في ((الصحيحين)) في قصة الحج، فهو عند البخاري برقم (١٥١٣)،
ومسلم (١٣٣٤)، وهو في ((المسند)) (١٨١٨)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٩٩٥).
ولفظه: كان الفضل رديف رسول الله وَ ﴿ فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل
ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي ◌َّو يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر
فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً
لا يثبتُ على الراحلةِ، أفأحج عنه؟ قال: ((نعم)). وذلك في حجة الوداع.
=
٥٢١
*00

ولا يَجُوزُ إلَّ عن المَيِّتِ أو عن العاجِزِ بنفْسِهِ عَجْزاً مستمِراً إلى المَوتِ.
ومَن حَجّ عن غيره ینَوي الحَجّ عنه،
قال: (ولا يَجُوزُ إلَّ عن المَيِّتِ، أو عن العاجِزِ بنفْسِه عَجْزاً مستمِراً
إلى المَوتِ) للحديث، ولا يجوزُ عن القادر، لأن الحجَّ عبادةٌ بدنيَّةٌ
وجَبَتْ للابتلاء، فلا تجوزُ فيها النيابةُ، لأن الابتلاءَ بإتعابِ البَدَن
وتحمُّلِ المشقَّةِ، فيقَعُ الفعلُ عن الفاعلِ إلا أنه يسقطُ الحجُّ عن الآمِرِ،
لأنه سببٌ لحُصول الحجِّ بالاتفاق، فأقام الشرعُ السببَ مقامَ المُباشرةِ
في حقِّ المَأيوس نظراً له كالفِديةِ في باب الصومِ في حقِّ الشيخ الفاني،
ويُشتَرط دوامُ العَجْز إلى الموت كالفِدية أيضاً، لأنه متى قَدَرَ وجَبَ
عليه بنفسِه، وعن محمدٍ أنه يقعُ عن الحاجِّ لأنه عبادةٌ بدنيَّةٌ، وللآمِرِ
ثوابُ النَّفَقة. وقال في ((المحيط)): يسقُطُ عن الآمِرِ حَجَّةٌ ويقعُ عن
المأمور تطوُّعاً، والمذهبُ المعتمَدُ عليه وقوعُه عن المحجوج عنه لما
روینا .
قال: (ومَن حَجَّ عن غيره ينَوي الحَجَّ عنه) لأن الأعمالَ بالنيّات،
والأصلُ أن كلَّ عاملٍ يعمَلُ لنفسِه، فلا بدَّ من النيةِ لامتثال الأمرِ،
ولأنه عبادةٌ تجري فيها النيابةُ وهي غيرُ مؤقّتةٍ، فجاز أن يقع عن غيره ما
وجَبَ عليه، فينوي عنه ليَقَع عن الآمِرِ .
وأخرج البخاري (١٨٥٢) عن ابن عباس قال: أن امرأة من جهينة، جاءت
إلى النبي وَ لّ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج
عنها؟ قال: ((نعم حجُيٍّ عنها، أرأيت لو كان على أُمِّكِ دينٌ أكنت قاضيتَه؟ اقضوا
الله، فالله أحق بالوفاء)). وانظر ((المسند)) (٢١٤٠).
٥٢٢

ويقولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ عن فُلانٍ، ويجُوزُ حَجُّ الصَّرُورَةِ والمَرأةِ والعَبدِ. ودَمُ
المُتْعَةِ والقِرانِ والجِناياتِ على المأُمُورِ، ودَمُ الإحصارِ على الآمِرِ،
(ويقولُ: لَبَّكَ بِحَجَّةٍ عن فُلاٍ) ولو لم يَنْوِ جاز لأنه تعالى مطَّلِعٌ
على السرائر.
قال: (ويجُوزُ حَجُّ الصَّرُورَةِ والمَرأةِ والعَبدِ) لوُجود أفعال الحجِّ
والنِّيةِ عن الآمِرِ كغيرهم، والصَّرورةُ: هو الذي لم يَحُجَّ عن نفسه،
والنبيُّ عليه السلام جوَّز حجَّ الخَثْعميَّةِ عن أبيها (١) من غير أن يسألَها
هلْ حجَّتْ عن نفسِها أم لا، ولو كان لسألَها تعليماً وبياناً، والأولى أن
يختارَ رجلاً حُرّاً عاقلاً بالغاً قد حجَّ، عالماً بطريق الحجِّ وأفعالِهِ، ليَقَعَ
حُّه على أكملِ الوجوه، ويَخرُج به عن الخِلاف.
قال: (ودَمُ المُتْعةِ والقِرانِ والجِناياتِ على المأُمُورِ) أما دمُ المُتعةِ
والقِران فلأنه وَجَبَ شكراً، حيثُ وُفِّقَ لأداء النُّسُكين، وهو الذي
حصلتْ له هذه النِّعمة، وأما دمُ الجِنايات فلأنه هو الجاني .
(ودَمُ الإحصارِ على الآمِرِ) لأنه هو الذي ورَّطه فيه، فيجبُ عليه
خَلاصُه منه. وإن حجَّ عن ميِّتٍ ففي مال الميت، ويُعتَّبَر من جميع
المال لأنه يجبُ عليه خَلاصُه فصار دَيناً عليه، وعن أبي يوسف أنه
على الحاجِّ لأنه وَجَبَ ليتحلَّل فيخلص عن ضَرَرِ امتداد الإحرام،
وجوابُه ما مرَّ أنه هو الذي أوقَعَه فيه .
(١) سلف قريباً ص٥٢١.
٥٢٣

السورية
وإن جامَعَ قَبلَ الوُقُوفِ ضَمِنَ النَّفَقَةَ وعليه الدَّمُ، وما فَضَلَ من النَّفَقَةِ يرُدُّه إلى
الوَصِيِّ أو الورَثَةِ أو الآمِرِ، ومن أوصَى أن يُحَجَّ عنه فُهو على الوَسَطِ وهو
رُكُوُبِ الزَّامِلَةِ ،
قال: (وإن جامَعَ قَبلَ الوُقُوفِ ضَمِنَ النَّفَقَةَ) لأنه مأمورٌ بالحجِّ
الصحيح، وهذا فاسدٌ فقد خالف الأمر (وعليه الدَّمُ) لأن الجماع فِعْلُه،
وإن فاته الحجُّ لمَرَضٍ أو حبسٍ أو هَرَبِ المُكارِي أو ماتتِ الدائَّةُ، فله
أن يُنفِقَ من مالِ الميِّت حتى يَرجع إلى أهلِه، وعن محمدٍ في («نوادر
ابن سِمَاعة)»: أن له نفقةَ ذَهابِه دون إيابِه. وفي قاضي خان: لو قُطِع
الطريقُ على المأمور وقد أنفَقَ بعضَ المال فمضَى في الحجِّ وأنفَقَ من
مال نفسه وقعَ الحجُّ عن نفسه، وإن بقي في يدِه شيءٌ من مال الميِّت
فَأَنفَقَ منه وقع عن الميت، وإن رَجَعَ وأنفَقَ على نفسِه من مال الميِّت
لم یضمنْ إذا رجع الناس .
قال: (وما فَضَلَ من النَّفَقَّةِ يرُدُّه إلى الوَصِيِّ أو الورَثَةِ أو الآمِرِ) لأنه
لم يُمَلِّكْه ذُلك، وإنما أعطاه ليَقضِيَ الحجّ فما فَضَلَ يردُّه إلى مالِكِه،
ولأنه لم يستأجره على ذلك ليَملِكَ الأُجرةَ لأنه لا تصحُ الإجارةُ عليه،
وسيأتيك في الإجارات إن شاء الله تعالى .
قال: (ومن أوصَى أن يُحَجَّ عنه فُهو على الوَسَطِ وهو رُكُوبُ
الزَّامِلَةِ) لأنه أعدَلُ الأمور.
ومن ماتَ وعليه حَجَّةُ الإسلام فلم يُوصِ لا يجبُ على الوارثِ أن
يَحُجَّ عنه، لأن الحجَّ عبادةٌ فلا تتأدَّى إلا بنفسِه حقيقةً أو حُكماً
٥٢٤
nttime

ويحُجُّونَ عن المَيِّتِ من مَنزِلِه،
بالاستخلاف، وقضيةُ هذا أنه لا يسقُطُ عنه لو حجَّ عنه غيره بغير أمرِه،
إلا أنَّا قلنا لو حجَّ الوارثُ عنه أو أحجَّ سقَطَ عنه استحساناً لحديث
الخَثْعميَّةِ(١)، ولما رُوي أن رجلاً قال: يا رسولَ الله إن أمي ماتت ولم
تَحُجَّ أفأحجُ عنها؟ قال: ((نعم))(٢) .
مستۀ
قال: (ويحُُونَ عن المَيِّتِ من مَنزِلِه) لأنه المتعارَفُ، وكما لو
كان حيّاً فحَجَّ، وكذلك إذا مات في طريق الحَجِّ فأوصَى، وقالا: يُحَجُّ
عنه من حيثُ مات، وكذلك لو ماتَ المأمورُ يُحَجُّ عنه من منزلهِ،
وعندهما حيثُ بَلَغ، لهما: أن خروجَه من بلدِه معتدٌّ به غيرُ ساقطٍ
(١) سلف تخريجه ص٥٢١ .
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وقد روى البزار في ((مسنده)) (١١٤٥ - زوائد)
والطبراني في ((الأوسط)) (١٠٠) من طريقين عن ثابت، عن أنس قال: جاء رجل
إلى النبي وَ ليل فقال: إن أبي مات ولم يحج حجة الإسلام، فقال رسول الله وَل :
((أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه عنه)) قال: نعم. قال: ((فإنه دين عليه
فاقضه)) .
سم۔
وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) وزاد نسبته إلى الطبراني في ((الكبير))،
وحسَّن إسناده .
وروى الطبراني في ((الكبير)) ١٧ / (٧٤٤) من طريق سويد أبي حاتم، عن
قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس، عن عقبة بن عامر: أن امرأة جاءت
إلى النبي ◌ُّلير فقالت: يا رسول الله، أحج عن أمي وقد ماتت، قال: ((أرأيت لو
كان على أمك دين أليس كان مقبولاً منك؟)) قالت: بلى، فأمرها أن تحج عنها.
وهو عند مسلم (١١٤٩) من حديث بريدة.
٥٢٥
بریییبٹ®

فإنْ لم تبلغِ النَّفَقَةُ فمِن حَيثُ تبلغُ .
بالاعتبار، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًاً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ
اٌلْوِّتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُؤُ عَلَى اَللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٠]، وقال عليه السلام: ((من ماتَ
في طريقِ الحَجِّ كُتِبِتْ له حجَّةٌ مبرورةٌ في كلِّ سنةٍ))(١)، ولأبي حنيفةً
قوله عليه السلام: ((إذا مات ابنُ آدَمَ انقطَعَ عملُه إلا من ثلاثٍ ... ))
الحديث(٢)، ولأن الحجَّ لمَّا لم يتصل بالخرُوج لم يَبْقَ وسيلةٌ إليه فلا
يعتدُّ به عن حَجِّه، وإن حَصَل الثوابُ بوعد الله ورسولِهِ.
(فإنْ لم تبلغ النَّفَقَّةُ فمِن حَيثُ تبلغُ) استحساناً، لأن قصْدَه سقوطُ
الفرض عنه، فإذا لم يمكن على الكمال فيقَدْرِ الإمكان، وإذا بلغتٍ
الوصيةُ أن يحُجَّ راكباً، فليس لهم أن يحُجُّوا ماشياً، وإن بلَغَتْ ماشياً
من بلدِه وراكباً من الطريق قال محمد: يحُجُّ راكباً من حيثُ تبلُغُ،
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، لكن في الباب حديث أبي يعلى في ((مسنده))
(٦٣٥٧)، والطبراني في «الأوسط)) (٥٣١٧) من طريق ابن إسحاق، عن جميل
ابن أبي ميمونة، عن عطاء بن زيد الليثي، عن أبي هريرة. ولفظه: ((من خرج
حاجّاً، فمات، كتب الله له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً،
فمات، كتب الله له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً في سبيل الله،
فمات، كتب الله له أجر الغازي إلى يوم القيامة)). ومحمد بن إسحاق مدلس،
و قد عنعن .
وأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤١٠٠) من طريق محمد بن إسحاق،
عن حميد، عن عطاء، عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة مسلم (١٦٣١)، وهو في ((المسند))
(٨٨٤٤)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٠١٦). وانظر تمام تخريجه فيهما.
٥٢٦

٤٨٠ كيس
باب الهدي
وهو من الإِبِلِ والبقَرِ والغَنَِّ،
«،و س
لأن الله تعالى إنما أوجَبَ الحجَّ راكباً، وروى الحسنُ عن أبي حنيفةً:
أيَّهما شاءَ فَعَل، لأن في كلِّ واحدٍ منهما قصوراً من وجهٍ فيَتَخیَّر، فإن
رَجَعَ المأمورُ وقال: مُنِعْتُ، وقد أنفَقَ في رُجوعِه من مال المَيِّت
وكذَّبه الورثةُ أو الوصيُّ ضَمِنَ، إلا أن يشهَدَ له الظاهرُ بأن يكون
مشهوراً، وإن ادّعى الحجَّ وكذَّبوه فالقولُ له، وإن إقاما البيّنةَ أنه كان
يومَ النحر بالكوفةِ لم تُقُبَلْ، وإن قامت على إقرارِه أنه لم يَحُجَّ قُبِلَتْ.
وإن كان للميِّت غريمٌ فأُمِرِ أن يَحُجَّ عن الميّت بما لَهُ عليه، فادَّعى
أنه حَجَّ لم يُقْبَلْ إلا بيِّنةٍ .
باب الھدي
وهو اسمٌ لما يُهدَى إلى الحَرَمِ ويُذْبَحُ فيه.
(وهو من الإبل والبقَرِ والغَنَم) اعتباراً بالضَّحايا، وسُئِل ◌َّهِ عن
الهَدْي فقال: ((أدناه شاةٌ) (١)، وأهدَى وَّ مئةَ بَدَنةٍ، والبقرةُ كالبَدَنةِ ولا
خلاف في ذلك.
(١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٦٠/٣، وقال: غريب ولم أجده إلا
من قول عطاء، ورواه البيهقي في ((المعرفة)) من طريق الشافعي، عن مسلم بن
خالد الزنجي، عن ابن جريج: أن عطاء، قال: أدنى ما يُهراق من الدماء في
الحج وغيره شاة.
٥٢٧

ولا يُجْزِئُّ ما دُونَ النَِّيِّ إلَّ الجَذَعُ من الضَّأْنِ. ولا يَذْبَحُ هَديَ التَّطَوّع
والمُتْعَةِ والقِرانِ إلَّ يومَ النَّحرِ، ويَأْكُلُ منها،
قال: (ولا يُجْزِئُّ ما دُونَ الثَِّيِّ إلاَّ الجَذَعُ من الضَّأْنِ) لأنها قربةٌ
تتعلقُ بإراقةِ الدَّم فتُعتَبرُ بالضَّحايا، قال عليه السلام: ((ضَخُوا بالثَّنَايا
إلا أن يَعسُرَ عليكم، فاذبَحوا الجَذَعَ من الضَّأْن))(١) .
قال: (ولا يَذْبَحُ هَديَ الَّطَوّعِ والمُتْعَةِ والقِرانِ إلَّ يومَ النَّحرِ، ويَأْكُلُ
منها) لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]، ثم قال: ﴿لَيَقْضُواْ
قلنا: وأخرج البخاري في ((صحيحه)) (١٦٨٨) من طريق أبي جمرة قال:
سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي،
فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم ... إلخ. وهو في ((المسند))
(٢١٥٨).
وروى مالك في «الموطأ)» ٣٨٥/١ عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي
ابن أبي طالب كان يقول: ما استيسر من الهدي شاة.
وبلغه عن ابن عباس كان يقول: ما استيسر من الهدي شاة.
وقال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك.
١ /٢مهملابد٢ ٥ مده
(١) أخرجه من حديث جابر مسلم (١٩٦٣). وهو في ((المسند)) (١٤٣٤٨)
ولفظه: ((لا تذبحوا إلا مسنّة، إلا أن تعسُر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن)».
قال النووي في ((شرح مسلم)) ١١٧/١٣: قال العلماء: والمسنة: هي الثنية من
كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها، ولهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع
من غير الضأن في حال من الأحوال، ولهذا مجمع عليه على ما نقله القاضي
عیاض.
وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه في ((المسند)).
٥٢٨

ويَذْبَحُ بَقِيَّةَ الهدايا متى شاءً ولا يأكُلُ منها، ولا يَذْبَحُ الجَمِيعَ إلاَّ فِي الحَرَمِ،
تَفَتَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وذلك يكونُ في أيام النَّحر، وقد صحَّ أنه وَّـ
ساق مئةَ بَدَنةٍ في حَجَّةِ الوداع، ذَبَحَ منها ثلاثاً وستين، وذَبَح عليٌّ
رضي الله عنه الباقي، ثم أَمَرَ أن يؤخَذَ بِضْعةً من كلِّ بدَنةٍ فوضعت في
قِدْرٍ ثم أكلا من لحمِها وحَسَوا من مَرَقها(١)، وروى أنسٌ أنه كان
قارنا(٢).
قال: (ويَذْبَحُ بَقِيَّةَ الهدايا متى شاءَ، ولا يأكُلُ منها) لأنها جناياتٌ
وكفَّاراتٌ فلا تتوقَّتُ بوقتٍ، ومَصْرِفُها الفقراءُ، والأَولى تعجيلُها
لَيَنْجَبر ما حَصَلَ من النقص في أفعالِهِ.
قال: (ولا يَذْبَحُ الجَمِيعَ إلّ فِي الحَرَمِ) قال تعالى في جزاءِ الصَّيدِ:
هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وفي دَم الإحصار: ﴿حَّ بَلُغَ اَلْهَدَىُ
مِلٌَّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأنَّ الهديَ ما عُرِفَ قُرْبةً إلا في مكانٍ معلومٍ
وهو الحَرَمُ. قال عليه السلام: ((مِنى كلَّها مَنْحَر، وفِجاجُ مكةً كلُّهَا
مَنْحَر))(٣).
(١) هو قطعة من حديث جابر الطويل أخرجه مسلم في ((صحيحه)).
(١٢١٨) .
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٥٣)، (٤٣٥٤)، ومسلم (١٢٣٢)، وأحمد
(٤٩٩٦) و(١١٩٥٨) و(١١٩٦١).
(٣) أخرجه من حديث جابر أبو داود (١٩٣٧)، وابن ماجه (٣٠٤٨)، وهو
في ((المسند)) (١٤٤٩٨). ولفظه: ((كُلُّ عرفةَ موقفٌ، وكل مِنَّى منحرٌ، وكل
المزدلفةِ موقفٌ، وكل فِجاج مكة طريقٌ ومنحر)). وإسناده حسن.
٥٢٩

والأولى أن يَذْبَحَ بِنَفْسِه إن كان يُحْسِنُ الذَّبِحَ،
،تمم
قال: (والأَولى أن يَذْبَحَ بِنَفْسِه إن كان يُحْسِنُ الذَّبِحَ) لما روينا من
فِعْلِ النبي عليه السلام(١)، ولأنها قُربةٌ، فالأَولى أن يفعَلَها بنفْسِه إلا أن
لا يُحسِنَ فيولِيها غيرَه، وينبغي أن يشهَدَها إن لم يذبَحْها بنفسِه، قال
عليه السلام: ((يا فاطمةُ قومي فاشهَدي أُضحِيَّتَكِ، فإنه يُغْفَرُ لكِ بأوّلٍ
قَطْرةٍ تقطُرُ من دَمِها))(٢).
=
وهو عند مسلم برقم (١٢١٨) (١٤٩) ولفظه: «نحرت هاهنا، ومِنَى كلها
منحر، فانحروا في رِحالكم، ووقفتُ هاهنا وعرفةُ كُلُّها موقف، ووقفت هاهنا
وجمعٌ كلها موقِفٌ)».
وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه أبو داود (٢٣٢٤) ولفظه:
((وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تُضحون، وكُلُّ عرفة موقف، وكل مِنّى
منحرٌ، وكُلُّ فِجاج مكة منحر، وكل جَمْعٍ موقف)).
(١) هو في حديث جابر عند مسلم. برقم (١٢١٨).
(٢) أخرجه من حديث عمران بن حصين الطبراني في ((الكبير)) ١٨/ (٦٠٠)،
والحاكم ٢٢٢/٤، والبيهقي ٢٣٨/٥-٢٣٩، و٢٨٣/٩. وفي إسناده أبو حمزة
الثمالي وهو ضعيف.
وأخرجه من حديث أبي سعيد الخدري البزار (١٢٠٢ - كشف) والعقيلي
٣٧/٢، والحاكم ٢٢٢/٤. وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف.
وأخرجه من حديث علي أبو القاسم الأصبهاني في كتاب ((الترغيب
والترهيب))، وأبو الفتح سليم بن أيوب الفقيه الشافعي في كتاب ((الترغيب)) كما
في ((نصب الراية)) للزيلعي ٤/ ٢٢٠ عن مسلم بن إبراهيم، عن سعيد بن زيد، عن
عمرو بن خالد مولى بني هاشم، عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب، عن أبيه عن جده، عن علي: أن النبي ◌َّر ... فذكره.
٥٣٠

ويَتَصَدَّقُ بِجِلالِها وخِطامِها، ولا يُعْطِي أَجْرَةَ القَصَّابِ منها، ولا تُجْزِئُّ
العَوْراءُ، ولا العَرْجاءُ التي لا تَمْشِي إلى المَنْسِكِ، ولا العَجْفاءُ التي لا تُنْقِي،
ولا مَقْطُوعَةُ الأُذُنِ، ولا العَمْياءُ،
قال: (ويَتَصَدَّقُ بِلالِها وخِطاِها، ولا يُعْطِي أَجْرَةَ القَصَّابِ منها)
بذلك أَمَر عليه السلامُ علياً رضي الله عنه(١) .
*---- n'
گ ھ ایاء
قال: (ولا تُجْزِئُّ العَوْراءُ، ولا العَرْجَاءُ التي لا تَمْشِي إِلى المَنْسَكِ،
ولا العَجْفاءُ التي لا تُنْقِي) قال عليه السلام: ((لا تُجزئُّ في الضَّحايا
أربعةٌ: العَوراءُ البَيِّنُ عورُها، والعَرْجاء البيِّن عرجُها، والمريضةُ البَيِّن
مرضُها، والعَجْفاء التي لا تُنْقِي))(٢)، أي: لا نِقْيَ لها وهو: المُُّ .
قال: (ولا مَقْطُوعَةُ الأُذُنِ، ولا العَمْياءُ) قال عليه السلام: ((استشرفوا
العينَ والأُذُن))(٣) أي: تأمَّلوا سلامتَها.
(١) أخرجه البخاري (١٧١٧)، ومسلم (١٣١٧)، وهو في ((المسند))
(١٠٠٢)، و((صحيح ابن حبان)) (٤٠٢٢).
-------
(٢) أخرجه من حديث البراء أبو داود (٢٨٠٢)، والترمذي (١٤٩٧)،
والنسائي ٢١٤/٧، وابن ماجه (٣١٤٤)، وهو في (المسند)) (١٨٥١٠)،
و((صحيح ابن حبان)) (٥٩١٩). وانظر ألفاظه عندهم. وإسناده صحيح. وانظر
أحاديث الباب في ((المسند)).
(٣) حديث صحيح، أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٩٤١٧)، والبزار في
«مسنده)) (٢٩٣٢) من حديث حذيفة، وفي سنده محمد بن کثیر الملائي وثقه ابن
معين وضعفه جماعة، ولفظه: أمرنا رسولُ الله ◌َِّ أن نستشرِفَ العينَ والأذنَ.
وأخرجه بهذا اللفظ أيضاً من حديث علي أبو داود (٢٨٠٤)، وابن ماجه
(٣١٤٣). والترمذي (١٤٩٨) و(١٥٠٣)، والنسائي ٢١٦/٧ و٢١٧، وهو في =
٥٣١

ولا التي خُلِقَتْ بغيرٍ أُذُنٍ، ولا مَقْطوعَةُ الذّنَبِ. وإن ذَهَبَ البَعضُ إن كان ثُلُثًا
فما زادَ لا يَجُوزُ، وإن نَقَصَ عن الثُّلُثِ يَجُوزُ (سم)، وتَجُوزُ الجَمَّاءُ
والخَصِيُّ والثَّوْلاءُ والجَرْباءُ .
(ولا التي خُلِقَتْ بغيرِ أُذُنٍ) لفوات عُضوٍ كاملٍ.
(ولا مَقْطوعَةُ الذّنَبِ) لما بينا.
(وإن ذَهَبَ البَعضُ إن كان ثُلُثًا فما زادَ لا يَجُوزُ، وإن نَقَصَ عن
الثُلُثِ يَجُوزُ) لأن الثلثَ كثيرٌ بالنصِّ(١)، وفي رواية: الرُّبُعُ، لقيامِهِ
مقامَ الكلِّ كما في مسح الرأس، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان أقلَّ
من النّصف يجوز، لأن الحُكم للغالب، وفي النصف عن أبي يوسف
روایتان.
قال: (وتَجُوزُ الجَمَّاءُ والخَصِيُّ والثَّوْلاءُ والجَرْباءُ) أما الجمَّاء
فلأن القَرْنَ لا يتعلَّق به مقصودٌ، وأما الخَصِيُّ فلأنه عليه السلام ضَخَّی
بكَبْشين أمْلَحَين مَوْجُوءَين(٢)، ولأن لحمَه يكونُ أطيبُ، وأما الثَّوْلاء
= ((المسند)) (٧٣٢) و(٨٥١)، و((صحيح ابن حبان)) (٥٩٢٠)، و((صحيح ابن
خزيمة)) (٢٩١٤)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(١) أخرجه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨)، وهو في ((المسند))
(١٥٢٤)، و((صحيح ابن حبان)) (٤٢٤٩) من حديث سعد بن أبي وقاص وفيه:
أفأوصي بثُلُثَيْ مالي؟ قال: ((لا))، قلت: بشطر مالي؟ قال: ((لا))، قلت: فثلث
مالي؟ قال: ((الثلث، والثلث كثير ... )).
(٢) أخرجه من حديث أنس البخاري (٥٥٥٤)، ومسلم (١٩٦٦)، وهو في
((المسند)) (١١٩٦٠)، و((صحيح ابن حبان)) (٥٩٠٠) ولفظه: ضخّى رسولُ الله
وَله بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده.
=
٥٣٢

وَلَا يَرْكَبُ الهَدْيَ إلاَّ عند الضَّرُورَةِ،
١٠٠
فالمراد التي تَعتَلِفُ، حتى لو كانت لا تعتلفُ لا يجوزُ لأنه يُخِلُّ
بالمقصود، وأما الجَرْباءُ فلأن الجَرَب في الجِلدِ، أما اللحمُ الذي هو
مقصودٌ لا نُقْصانَ فيه، حتى لو هُزِلَتْ بأن وصَلَ الجَرَبُ إلى اللحم لا
يجوز .
قال: (وَلا يَرْكَبُ الهَدْيَ إلَّ عند الضَّرُورَةِ) لأن في رُكوبها استهانةً
بها، وتعظيمها واجبٌ، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن
تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والتقوى واجبٌ فيكون التعظيمُ واجباً،
وحالة الضَّرورةِ مستثناةٌ لما رُوي أنه عليه السلام رأى رجلاً يسوقُ بَدَنةٌ
فقال: ((اركَبْها وَيْلَكَ))، قال: يا رسول الله، إنها بَدَنة، قال: ((اركَبْها
وَيْلَكَ))(١)، قالوا: كان مجهوداً فأمَرَه بالرُّكوب للضَّرورة.
وأخرجه بزيادة ((موجوعين)) من حديث عائشة أو أبي هريرة ابن ماجه
(٣١٢٢)، وهو في («المسند» (٢٥٠٤٦).
ومن حديث أبي الدرداء، أخرجه أحمد في «مسنده)) (٢١٧١٣).
ومن حديث أبي رافع، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٣٨٦٠).
ومن حديث جابر، أخرجه أبو داود (٢٧٩٥)، والبيهقي ٩/ ٢٨٧ .
ولا يخلو إسناد كُلِّ منها مِن مقال إلا أن الحديث بهذه الزيادة يتقوى
بمجموعها .
(١) أخرجه مِن حديث أبي هريرة البخاري (١٦٨٩)، ومسلم (١٣٢٢)،
١
وهو في ((المسند)) (٧٣٥٠)، و((صحيح ابن حبان)) (٤٠١٤) و(٤٠١٦).
وفي الباب عن غير واحد من الصحابة في ((الصحيحين)) وغيرهما ذكرناها
في ((المسند)) عند حديث أبي هريرة، فانظرها هناك.
٥٣٣

فإنْ نَقَصَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَه وتَصَدَّقَ به. وإن كان لها لَبِنٌ لَم يَحْلُبُها. وإن ساقَ
هَدْياً فَعَطبَ في الطَّرِيقِ فإن كانَ تَطَوُّعاً فليسَ علیه غيرُه،
(فإنْ نَقَصَتْ بِرُكُوبِه ضَمِنَه وتَصَدَّقَ به) لأنه بَدَلُ جُزئِها، وكذلك
إذا نَقَصَت من الحَمْل عليها لما بينا.
قال: (وإن كان لها لَبِنٌ لَم يَحْلُبُها) لأنه جزءٌ منها، فلا يتصدَّقُ به
قبل بلوغ المَحَلِّ، وَيَنْضَحُ ضَرْعَها بالماء الباردِ ليذهَبَ اللَّبِنُ، قالوا:
ولهذا إذا قَرُبَ من وقت الذَّبح، فأما إذا كان بعيداً حَلَبَها دفعاً للضَّرر
عنها، ويتصدِّقُ به لأنه جزءٌ من الهدي، وإن استهلَكَه تصدَّقَ بقِیمتِهِ،
وإن اشترى هَدْياً فوَلَدَ عندَه ذَبَحَ الولدَ معه، وإن شاء تصدَّق به، لأن
للولد حكمَ الأُمّ على ما عُرِف.
قال: (وإن ساقَ هَدْياً فَعَطِبَ في الطَّرِيقِ، فإن كانَ تَطَوُّعاً فَليسَ
عليه غيرُه) لتعيُّنِه بالنيّة وقد فات، وينبغي أن يذبَحَها ويَصْبُغَ نعلَها،
أي: قِلادَتَها بدَمِها ويضربَ به صفحةَ سَنَامها، ولا يأكلُ منها هو ولا
الأغنياءُ، بذلك أَمَرَ بِّهِ ناجيةَ الأسلميَّ (١)، وليعلُّم الناسَ أنه للفقراءِ
دون الأغنياء.
(١) أخرجه أبو داود (١٧٦٢)، وابن ماجه (٣١٠٦)، والترمذي (٩١٠)،
والنسائي في ((الكبرى)) (٤١٣٧)، وهو في ((المسند)) (١٨٩٤٣)، و((صحيح ابن
حبان)) (٤٠٢٣) عن ناجية صاحب بُدْن رسول الله وَ لّ قال: قلت: كيف أصنعُ بما
عَطَب مِن البُدن؟ قال: ((انحره، واغمس نعله في دمه، واضرب صفحته، وخلِّ
بین الناس وبینه، فلیأکلوه)). وإسناده صحيح.
=
وجوه
٥٣٤

وإن كانَ واجِباً صَنَعَ به ما شاءً وعليه بَدَّلُه، ويُقَلِّدُ هَدْيَ التَّطَوُّع والمُتْعَةِ
والقِرانِ دُونَ غيرِها .
(وإن كانَ واحِباً صَنَعَ به ما شاءَ) لأنه لمَّا خَرَج عما عيَّنِه عادَ مُلْكاً
له فيصنَعُ به ما شاء، (وعليه بَدَّلُه) لأن الواجبَ باقٍ في ذِمَّتِهِ .
قال: (ويُقَلِّدُ هَدْيَ التَّطَوُّع والمُتْعَةِ والقِرانِ دُونَ غيرِها) لأن النبيَّ
عليه السلام قلَّد هداياه(١) وكانت تطوُّعاً، فإنه كان يُجزُه سُبُعُ بدنةٍ،
فكان الزائدُ تطوعاً ولأنه نُسُكٌ فِيَليقُ به الإظهار، والمرادُ بالهدي هنا:
البُدْن، أما الغنم فلا يقلِّدُها لعَدَم جريان العادة به، وأما بقيةُ الهدايا
فلأنها جِناياتٌ، والأَلْيَقُ فيها السَّتْرُ، ودمُ الإحصار وجَبَ للتحلل قبلَ
أوانه فكان جنایةً.
فصل
في زيارة قبر النبي ◌َله
ولما جرى الرسمُ أن الحاجَّ إذا فَرَغوا مناسِكَهم وقَفَلوا عن
المسجدِ الحرام قَصَدُوا المدينةَ زائرين قبرَ النبيِّ عليه أفضلُ الصلاةِ
والسلام، إذ هي من أفضلِ المندوباتِ والمُستحبَّات، بل تقرُبُ من
وبد بعين-زيها الصافى
والحديث مروي أيضاً بالقصة نفسها لكن عن ذؤيب أبي قبيصة، أخرجه
أحمد في «مسنده)) (١٧٩٧٤). وإسناده صحيح. وانظر تمام تخريجه وأحاديث
الباب فيه .
(١) أخرجه البخاري (١٦٩٦)، ومسلم (١٣٢١) من حديث عائشة، وهو
في ((المسند)) (٢٤٤٩٢)، و((صحيح ابن حبان)) (٤٠٠٩).
٥٣٥

درجة الواجبات، فإنه رَّ حرَّض عليها وبالَغَ في النَّدْب إليها فقال:
(مَنْ وَجَدَ سَعَةً ولم يُزُرْني فقد جَفَاني))(١)، وقال عليه السلام: ((من زارَ
قبري وجَبَتْ له شفاعتي))(٢)، وقال: ((من زارَني بعدَ مماتي فكأنما
(١) أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) ٧٣/٣، وابن عدي في ((الكامل))
٧/ ٢٤٨٠، وابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٢١٧/٢ من طريق النعمان بن
شبل، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَ لير: ((من حج
البيت فلم يزرني، فقد جفاني)). والنعمان بن شبل قال عنه ابن حبان: يأتي عن
الثقات بالطامات وعن الأثبات بالمقلوبات. وقد حكم بوضعه الحافظان الذهبي
وابن حجر .
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر البزار (١١٩٧ - كشف) وفي إسناده عبد الله
ابن إبراهيم الغفاري. قال الهيثمي ٢/٤ : ضعيف.
وأخرج الطبراني في ((الكبير)) (١٣١٤٩)، وفي («الأوسط)) (٤٥٤٣) من
حديث ابن عمر أيضاً بلفظ: ((من جاءني زائراً لا تُميلُهُ حاجة إلا زيارتي كان حقاً
علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)). قال الهيثمي ٢/٤: وفيه: مسلمة بن سالم
وهو ضعيف.
وأخرجه ابن عدي ٦/ ٢٣٥٠، والبيهقي في ((الشعب)) (٤١٥٩) عن ابن عمر
أيضاً، لكن في إسناده موسى بن هلال، قال أبو حاتم: مجهول، وقال العقيلي:
لا يتابع على حديثه، وقال ابن حجر في ((اللسان)»: صويلح الحديث. وفيه أيضاً
عبد الله العمري المكبر: وهو ضعيف. وقال ابن قطلوبغا ص ٢١٠: ورواه
الدارقطني من حديث عبيد الله بن عمر بن الخطاب بهذا اللفظ وفي سنده موسى
ابن هلال ... وقال: ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) وقال: إن صح الخبر، فإن
في القلب من إسناده، ثم رجح أنه من رواية عبد الله بن عمر العمري الكبير
الضعيف لا المصغر الثقة، وجزم الضياء المقدسي بأنه المكبر.
٥٣٦

زارَني في حياتي)»(١)، إلى غير ذلك من الأحاديث، ثم رأيتُ أكثرَ
الناس غافلين عن آدابها ومستحبَّاتها جاهلين بفروعها وجزئياتها،
أحببتُ أن أذكُر فيها فصلاً عَقِيبَ المناسِك من هذا الكتاب أذكرُ فيه نُبَذاً
من الآداب فأقول :
ينبغي لمن قَصَد زيارةً قبرِ النبيّ ◌َِّ أن يُكثرِ الصلاةَ عليه، فقد جاء
في الحديث: أنه تبلُغُه وتَصِلُ إليه(٢)، فإذا عايَنَ حِيطانَ المدينة يصلِّي
(١) أخرجه الدار قطني (٢٦٩٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤١٥١) من طريق
هارون أبي قزعة، عن رجل من آل حاطب، عن حاطب عن النبي ◌ََّ، فذكره
وزاد: ((ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة)). وهارون: قال
البخاري: لا يتابع عليه، وشيخ هارون في الإسناد، مجهول.
وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٣٤٩٧)، وفي («الأوسط)) (٣٤٠٠)، وابن
عدي ٢/ ٧٩٠، والدارقطني (٢٦٩٣)، والبيهقي ٢٤٦/٥ من حديث ابن عمر
ولفظه: ((من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي)). وفي
إسناده: حفص بن سليمان - وهو ابن أبي داود القارئ أبو عمر - متروك
الحديث، والليث بن أبي سليم: ضعيف.
وأخرجه الطبراني في «الكبير)) (١٣٤٩٦) من طريق عائشة بنت يونس امرأة
الليث، عن الليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله
وَالر: ((من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)). قال الهيثمي في
((المجمع)) ٢/٤: وفيه عائشة بنت يونس ولم أجد من ترجمها. قلنا: وفيه الليث
ابن أبي سليم: وهو ضعيف.
(٢) أخرج أبو داود (٢٠٤٢)، وهو في ((المسند)) (٨٨٠٤) من حديث أبي
هريرة، بلفظ: «لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وحيثما کنتم=
٥٣٧

عليه، ويقول: اللهمَّ هُذا حَرَمُ نبيِّك، فاجعله وقايةً لي من النار، وأماناً
من العَذاب وسوءِ الحِساب. ويَغتسلُ قبلَ الدخول أو بعدَه إن أمكنَه،
ويتطيِّبُ ويلبَسُ أحسنَ ثيابِه، فهو أقربُ إلى التعظيم، ويدخلُها متواضعاً
عليه السّكينَةُ والوَقار ويقول: بسم الله، وعلى مِلَّةِ رسول الله، ﴿رَّبِّ
أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إلى آخر الآية [الإسراء: ٨٠]، اللهمَّ صلِّ على محمدٍ
وعلى آلٍ محمدٍ، واغفر لي ذُنوبي، وافتح لي أبوابَ رحمتِك وفَضْلِك.
ثم يدخلُ المسجدَ فيصلِّي عند مِنْبِهِ وَّهُ ركعتين، يقفُ بحيثُ
يكون عمودُ المِنبر بحذاءِ مَنْكِبه الأيمن، فهو موقفُه ◌ِّرَ، وهو بين قبرِهِ
ومِنبرِهِ، قال عليه السلام: ((بين قَبري ومِنْبَري روضةٌ من رياض الجنة،
ومِنبري على حوضي)) (١)، ثم يسجُدُ شكراً لله تعالى على ما وفَّقه
ويدعو بما يُحبُّ.
= فصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تَبْلُغُني)). وإسناده حسن. وانظر تمام تخريجه في
«المسند)).
وأخرج عن أبي هريرة أيضاً أبو داود (٢٠٤١)، وهو في ((المسند))
(١٠٨١٥) بلفظ: ((ما من أحد يُسلِّم عليَّ، إلا ردَّ الله عز وجل إليَّ رُوحي حتى
أرُدَّ عليه السلام)). وإسناده حسن.
وأخرج النسائي ٤٣/٣، وهو في ((المسند)) (٣٦٦٦) و((صحيح ابن حبان))
(٩١٤) من حديث ابن مسعود، بلفظ ((إن الله في الأرض ملائكةً سَيَّاحين،
يُبلِّغوني من أمتي السلام)). وإسناده صحيح. وانظر تمام تخريجه في ((المسند)).
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (١١٩٦)، ومسلم (١٣٩١)،
وهو في «المسند)) (٧٢٢٣)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٧٥٠).
=
٥٣٨
*

ثم يَنهضُ فيتوجَّه إلى قبرِهِ بَّهِ، فيقفُ عندَ رأسه مستقبلاً القِبلةَ،
يدنُو منه قَدْرَ ثلاثةِ أذرع أو أربعةٍ، ولا يدنو منه أكثرَ من ذلك، ولا يضعُ
يدَه على جدارِ التُّربةِ فهو أهيَبُ وأعظمُ للحُرمة، ويقفُ كما يقفُ في
.49
الصلاة، ويمثِّلُ صورتَه الكريمةَ البهيَّةَ وَيَ كأنه نائمٌ في لَحْدِه عالمٌ به
يسمعُ كلامَه، قَال ◌َّهَ: ((من صلَّى عَلَيَّ عندَ قبري سمعتُه)) (١)، وفي
الخبر: أنه وُكِّل بقبرِه مَلَكٌ يبلِّغُه سلامَ مَن سَلَّم عليه من أُمَّته(٢) .
وفي الباب عن غير واحد من الصحابة في ((الصحيحين)) وغيره، انظرها في
=
«المسند» عند حديث أبي هريرة.
(١) أخرجه العقيلي ١٣٦/٤-١٣٧ من طريق محمد بن مروان السُّدي، عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً، ومحمد بن مروان متهم
بالكذب. وزاد فيه: ((ومن صلى علي نائياً أبلغته)).
وأخرجه البيهقي في ((الشعب)) (١٥٨٣) من طريق العلاء بن عمرو الحنفي
- وهو متروك -، عن أبي عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة. فذكره بمثل الذي قبله .
(٢) أخرج البزار (٣١٦٢ - كشف)، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٢٤٨/٣-٢٤٩،
وأبو الشيخ في ((العظمة)) ٢/ ٧٦٢-٧٦٣ من طريق نعيم بن ضمضم، عن عمران
ابن الحميري، قال: سمعت عمار بن ياسر يقول: قال رسول الله وَله: ((إن الله
وكّل بقبري ملكاً، أعطاه أسماعَ الخلائق، فلا يُصلي علي أحد إلى يوم القيامة،
إلا أبلغني باسمه واسم أبيه، هذا فلان بن فلان قد صلی علیك)).
قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٦٢/١٠: رواه الطبراني، ونعيم بن ضمضم:
ضعيف، وابن الحميري: اسمه عمران، قال البخاري: لا يتابع على حديثه،
وقال صاحب ((الميزان)): لا يعرف. وبقية رجاله رجال الصحيح.
=
٥٣٩
**:

ويقول: السلامُ عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله،
السلام عليك يا صفيَّ الله، السلامُ عليكَ يا حبيبَ الله، السلام عليكَ
يا نبيَّ الرَّحمة، السلام عليكَ يا شفيعَ الأمَّة، السلام عليكَ يا سيدَ
المرسَلين، السلام عليكَ يا خاتَمَ النَّبيين، السلام عليكَ يا مزَّمِّل،
السلام عليكَ يا مُدَّثِّر، السلام عليكَ يا محمدُ، السلام عليكَ يا أحمدُ،
وأخرج البيهقي في ((الشعب)) (١٥٨٣) من طريق محمد بن مروان السدِّي،
عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((مَن
صلَّى علي عند قبري، وُگِّل بها ملك يبلغني، وُفِي بها أمر دنياه وآخرته، وكنت
له شهيداً أو شفيعاً». ومحمد بن مروان السدي: متهم بالكذب.
وأخرج كذلك البيهقي (٣٠٣٥) من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار أخي
مالك بن دينار، عن أنس قال: قال النبي وَالر: ((إن أقربكم مني يوم القيامة في كل
موطن أكثركم علي صلاة في الدنيا، من صلى عليَّ في يوم الجمعة وليلة الجمعة
مئة مرة، قضى اللهُ له مئةً حاجة: سبعين من حوائج الآخرة، وثلاثين من حوائج
الدنيا، ثم يوكل الله بذلك ملكاً يدخله في قبري كما يدخل عليكم الهدايا يخبرني
من صلى عليّ باسمه ونسبه إلى عشيرته، فأثبته عندي في صحيفة بيضاء)).
قال ابن حبان في ((الثقات)): حَكَّامة بنت عثمان بن دينار: لا شيءَ، وقال
العقيلي وهو بصدد ترجمة أبيها عثمان بن دينار: تروي عنه حكامة ابنته أحاديث
بواطیل، ليس لها أصل.
وأخرج أحمد في «مسنده)) (٣٦٦٦)، وابن حبان في «صحيحه)) (٩١٤) عن
ابن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله في الأرض ملائكة سياحين،
يبلغوني من أمتي السلام)). وإسناده صحيح.
٥٤٠