النص المفهرس

صفحات 501-520

وإنْ لَبِسَ المَخِيطَ أو غَطَّى رَأْسَه يوماً فعَلَيه شاءٌ،
تطيّبَ فقد جَنَى على إحرامِه فتلزمُه الكفارةُ، فإن طيِّبَ عُضواً كاملاً
كالرأسِ والسَّاقِ ونحوهما فقد حَصَل الارتفاقُ الكلِّي فتجبُ شاةٌ، وما
دون العُضو الجنايةُ قاصرةٌ فتجبُ صدقةٌ وهي مقدَّرةٌ بنصف صاعِ بُرِّ
لأنه أقلُّ صدقةٍ وجَبَتْ شرعاً، كالفِداء والكفارات وصدقةِ الفطرِ
ونحوها.
وكلُّ ما له رائحةٌ طيبةٌ مستَلَذَّة، فهو طِيبٌ كالمِسكِ والكافور
والحِنَّاء والوَرْسِ والزَّعفرانِ والعُود والعَنْبَرِ والغالِيةِ والخِيْرِي والبَنَّفْسَج
ونحوها، وكذا الدُّهن المطيِّب، وهو ما طُبخ فيه الرَّياحينُ كالبَنَفْسَج
والوَرْدِ، والوَسْمة ليست بطِيْبٍ، وأما الزيتُ والشِّيْرج فطِيبٌ عند أبي
حنيفةَ وفيه دمٌّ، لأنه أصلُ الطِّيب، وفيهما إزالةُ الشَّعَث، وعندهما فيه
صدقةٌ، لأنه ليس له رائحةٌ مستلَذَّة إلا أن فيه إزالةَ بعضِ الشَّعَث فتجبُ
صدقةٌ.
قال: (وإنْ لَبِسَ المَخِيطَ أو غَطَّ رْسَه يوماً فعَلَيه شاةٌ) أيضاً لأنهما
من محظوراتِ الإحرام أيضاً لما بينا، فإذا كان يوماً كاملاً فهو ارتفاقٌ
كاملٌ، لأن المُعتادَ أن يلبَسَ الثوبَ يوماً ثم يَنزِعُ فتجبُ شاةٌ، وما دون
ذُلك صدقةٌ لقُصور الجِنايةِ وقد مرَّ، وعن أبي يوسف أنه اعتبر أكثرَ
اليوم إقامةً للأكثر مقامَ الكلِّ، وعن أبي حنيفةً: إذا غطّى رُبعَ رأسِه
فعليه شاةٌ كالحَلْق، وأنه معتادُ بعضِ الناس، وعن أبي يوسف الأكثرُ
لما تقدم.
٥٠١

وإن حَلَقَ رُبعَ رأْسِه فعَلَيْهِ شاءٌ، وكذلك مَوضِعُ المَحاجِم (سم)، وفي حَلْقِ
الإِبْطَينِ أو أحدِهما أو الرَّقَبَةِ أو العانَةِ شاةٌ، ولو قَصَّ أظافيرَ يَدَيهِ وَرِجلَيهِ أو
واحِدَة منها فعَلَیه شاءٌ ،
قال: (وإن حَلَقَ رُبعَ رأْسِه فعَلَيه شاةٌ) لأن فيه إزالةَ الشَّعَث
والتَّفَل، فكان جنايةً على الإحرام، ثم الرُّبعُ قائمٌ مقامَ الكلِّ في الرأس
وهو عادةُ بعضِ الناس فكان ارتفاقاً كاملاً فتجبُ شاةٌ.
(وكذلك مَوضِعُ المَحاجِم) لأنه مقصود بالحَلْق، وفيه إزالةُ
الشَّعَث فيجب الدمُ، وقالا: فيه صدقةٌ لأنه حَلْقٌ لغيره وهي الحِجامةُ
وليست من المحظورات، فكذا هُذا إلا أن فيه إزالةً شيءٍ من الثَّفَث
فتجبُ صدقٌ.
قال: (وفي حَلْقِ الإِبْطَينِ أو أحدِهما أو الرَّقَبَةِ أو العانَةِ شاةٌ) أيضاً
لأن كلَّ ذُلك ارتفاقٌ كاملٌ مقصودٌ بالحَلْقِ، وهو عضوٌ كاملٌ فتجبُ
شاٌ .
قال: (ولو قَصَّ أظافيرَ يَدَيهِ وَرِجَلَيهِ أو واحِدَة منها فعَلَيه شاةٌ) أما
الجميعُ، فلأنه ارتفاقٌ تامٌّ مقصودٌ، وفيه إزالةُ الشَّعَث فكان محظوراً
إحرامُه فتجب شاة، وكذا أحدُ الأعضاءِ الأربعةِ لأنه ارتفاقٌ كامل،
وإنما يجبُ في الكلِّ دمٌ واحدٌ لاتحاد الجِنْس، ولهذا إذا قصَّها في
مجلسٍ واحدٍ، فأما إذا كان في مجالسَ يجبُ بكلِّ عضوٍ دمٌ. وقال
محمد: يجبُ في الكلِّ دمٌ واحدٌ لأنه عقوبةٌ فتتداخلُ. ولنا أن فيه معنى
العبادة، فلا تتداخلُ إلا عند اتحادِ المجلسِ كسَجدةِ التِّلاوة.
٥٠٢
٠

ولو طافَ لِلقُدُوم أو لِلصَّدَرِ جُنُباً أو لِلزيارَةِ مُحدِثاً فعَلَيهِ الشاةٌ، وإن أفاضَ
من عَرَفَهَ قَبلَ الإمَامِ فعَلَيه شاةٌ، فإن عادَ إلى عَرَفَةَ قَبَلَ الغُرُوبِ وإِفاضَةِ الإمامِ
سَقَطَ عنه الدَّمُ، وإن عادَ قَبلَ الغُرُوبِ بعد ما أفاضَ الإمامُ أو بعد الغرُؤُبِ لم
يسقط،
قال: (ولو طافَ لِلِقُدُومِ أو لِلصَّدَرِ جُباً أو لِلزيارَةِ مُحدِثاً فعَلَيه
شاةٌ) لأنه أدخلَ النَّقْصَ في الركنِ، وهو طوافُ الزيارةِ فتجبُ الشاةُ،
وفي الطوافين وجَبَتِ الشاةُ في الجِنايةِ إظهاراً للتَّفاوتِ، وطوافُ
القُدوم وإن كان سُنةً فإنه يصيرُ بالشروع واجباً، ولو طاف للعُمرة جُنُباً
أو مُخْدِثاً فعليه شاة، لأنه ركنٌ فيها، وإنما لا تجبُ البَدَنةُ لعَدَم
الفَرَضيَّةِ، والحائضُ كالجُنُبِ لاستوائهما في الحُكْم، ولو أعادَ لهذه
الأطوِفَةَ على طهارةٍ سَقَطَ الدمُ لأنه أتَى بها على الوجه المشروع،
فصارت جنايتُهُ مُتدارَكَةً فسقط الدمُ.
قال: (وإن أفاضَ من عَرَفَهَ قَبلَ الإمام فعَلَيه شاةٌ) إما لأن امتدادَ
الوقوف إلى الغُروب واجبٌ لما تقدم، أو لأن متابعةَ الإمامِ واجبٌ وقد
تر کهما فتجبُ شاءٌ.
(فإن عادَ إلى عَرَفَةَ قَبلَ الغُرُوبِ وإِفاضَةِ الإمام سَقَطَ عنه الدَّمُ) لأنه
استدرَكَ ما فاته.
(وإن عادَ قَبلَ الغُرُوبِ بعد ما أفاضَ الإمامُ أو بعد الغرُوُبِ لم
يَسقُط) لأنه لم يستدرِ ما فاته.
الحىء ا
٥٠٣
١-

وإن تَرَكَ من طوَافِ الزّيارَةِ ثَلاثَةَ أشواطٍ فما دُونَها، أو طَوافَ الصَّدَرِ أو أربعةً
منه، أو السّعيَّ أو الوُقُوفَ بالمُزْدِلِفة فعلَيه شاةٌ، وإن طافَ لِلزيارةِ وعَورتُه
مَكثُوفٌ أعادَ ما دامَ بِمَكَّةَ، وإن لم يُعِدْ فَعَلَيْه دَمٌّ، ولو تَرَكَ رَمْيَ الحِمارِ كُلُّها
أو يومٍ واحِدٍ، أو جَمْرَةِ العَقَبة يومَ النَّحرِ فعَلَيْه شاٌ،
قال: (وإن تَرَكَ من طوَافِ الزّيارَةِ ثَلاثَةَ أشواطٍ فما دُونَها، أو
طَوَافَ الصَّدَرِ أو أربعةً منه، أو السَّعيَ أو الوُقُوفَ بالمُزْدلفة فعلَيَه شاةٌ)
أما الثلاثةُ من طواف الزيارةِ فلأنه قليلٌ بالنّسبة إلى الباقي، فصار
كالحَدَثِ بالنسبة إلى الجَنَاية.
(وإن طافَ لِلزّيارةِ وعَورتُه مَكشُوفٌ أعادَ ما دامَ بِمَكَّةَ، وإن لم يُعِدْ
فَعَلَيْه دَمٌ) قال عليه السلام: ((لا يطوفَنَّ بالبيتِ عُرْيانٌ))(١) وإن كان على
ثوبه نجاسةٌ لا شيءَ عليه ويُكره.
وأما تَرْكُ طوافِ الصَّدَر أو أربعةٍ منه فِلِتَرْكِه الواجبَ، وللأكثرِ
حُكْمُ الكُلِّ، ويُؤمَر بالإعادة ما دامَ بمكةً ويسقطَ الدمُ، وكذا السعيُّ
والوقوفُ بالمُزدلفةِ لأنهما(٢) واجبان.
قال: (ولو تَرَكَ رَمْيَ الجِمارِ كُلِّها أو يوم واحِدٍ، أو جَمْرَةِ العَقَبَةِ
يومَ النَّحرِ فعَلَيه شاةٌ) معناه أنه تَرَكَها حتى غَرَبَتِ الشمسُ من آخرِ أيام
التشريقِ، لأنه تَرَكَ واجباً من جِنْسٍ واحدٍ، وإن لم تغرُبِ الشمسُ
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (٣٦٩)، ومسلم (١٣٤٧)، وهو
في ((المسند)) (٧٩٧٧)، و(«صحيح ابن حبان)) (٣٨٢٠). وانظر تمام تخريجه
فيهما .
(٢) لفظة: ((لأنهما)) ليست في (س)، وأثبتناها من (م).
٥٠٤

١٠٥
وإن تَرَكَ أَقَلَّها تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصفَ صَاعٍ بُرِّ، وإن حَلَقَ أَقَلَّ من رُبعِ رأسِه
تصَدَّقَ بنِصْفِ صَاعٍ بٍُّ، وكذا إن قَصَّ أقَلَّ من خَمسَةِ أظافيرَ، وكذلك إن
قَصَّ خَمسَةٌ مُتَفَرِّقةً (م)، ولو طافَ لِلقُدُوم أو لِلصَّدَرِ مُحْدِثاً فكذلكَ،
يَرمِيها على الترتيب، لكن يجبُ الدمُ لتأخيرها عندَه، خلافاً لهما على
ما بيَّنا، وتركُ رمي يومٍ واحدٍ عبادةٌ مقصودةٌ، وكذا جمرةُ العَقَبَةِ يومَ
النحرِ فتجبُ الشاةُ.
(وإن تَرَكَ أقَلَّها تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصفَ صَاعٍ بُرَّ) إلا أن تبلُغَ قيمتُه
شاةً، فيَنْقُصُه ما شاء.
قال: (وإن حَلَقَ أقَلَّ من رُبعِ رأسِه تصَدَّقَ بِنِصْفِ صَاعٍ بُرًّا لأن
الرُّبعَ مقصودٌ معتاد عند بعض الناس كالسوادِ والباديةِ، فكان ارتفاقاً
كاملاً، وما دونَه ليس في معناه، فتجبُ الصدقةُ. (وكذا إن قَصَّ أقَلَّ
من خَمسَةِ أظافيرَ) لأنه لا يحصُلُ بذلك الزّينةُ بل يَشِينُه ويُؤذيه إذا حَكَّ
جسَدَه، ويجبُ في كلِّ ظُفْرِ نصف صاع برٍّ، إلا أن يبلغ قميةً دم فيَنقُصُ
ما شاء. (وكذلك إن قَصَّ خَمسَةٌ مُتَفَرِّقةٌ) وقال محمد: عليه دمٌّ كما إذا
كانت من يدٍ واحدةٍ. ولنا أن الجِنايةَ تتكاملُ بالارتفاق الكاملِ
وبالزينةِ، وهُذا القصُّ يَشِينُه ويُؤذيه كما بينا، والجِناية إذا نَقَصَتْ تجبُ
الصدقةُ.
قال: (ولو طافَ لِلقُدُوم أو لِلصَّدَرِ مُحْدِثاً فكذلكَ) إظهاراً للتفاوتِ
بين الحَدَث والجَنابة (١)، وذلك بإيجاب الصدقة، وكذا لو ترك ثلاثة
(١) في الأصلين: الجناية، والجادة ما أثبتنا.
٥٠٥

وإن طافَ لِلزِّيارة جُنُباً فعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وكذلكَ الحَائِضُ، وإن تَطَيَّبَ أو لَبِسَ أو
حَلَقَ لِعُذْرٍ إن شاءَ ذَبَحَ شاةً، وإن شاءَ تَصَدَّقَ بِثلاثَةِ أَصْوُعٍ من طَعامٍ على ◌ِنَّةِ
مَساكِينَ، وإن شاءَ صَامَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ،
أشواط من طواف الصدر لنقصانه في كونه جناية عن الكلّ فتجب
الصدقة .
قال: (وإن طافَ لِلزِّيارة جُنُباً فعَلَيهِ بَدَنَةٌ، وكذلكَ الحَائِضُ) لأنه
لما وجب جبر نقصان الحدث بالشاة وجب جبر نقصان الجنابة(١)
بالبَدَنة، لأنها أعظمُ فتعظمُ العقوبةُ، وهو مرويٌّ عن ابن عباسٍ رضي
الله عنه، والأولى أن يُعيدَه ليأتي به على أكمَلِ الوجوه، فإن أعادَه لا
شيءَ عليه، لأنه استدرَكَ ما فاتَّه في وقتِه .
قال: (وإن تَطَيِّبَ أو لَبِسَ أو حَلَقَ لِعُذرٍ إن شاءَ ذَبَحَ شاةً، وإن شاءَ
تَصَدَّقَ بِثلاثَةِ أَصْوُع من طَعام على سِتَّةِ مَساكِينَ، وإن شاءَ صَامَ ثَلاثَةً
أيَّام) لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ بَبُغَ الْهَدْىُ مِلٌَّ فَن كَانَ مِنْكُم ◌َّيِيضًا
أَوْ بِ أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ شٍُ﴾ [البقرة: ١٩٦]،
تقديره: فحَلَقَ فِفِديةٌ، وقد فسَّرِها وَّهُ بما ذكرناه. ثم الصدقةُ والصومُ
يجزئُّ في أيِّ مكانٍ شاء لأنهما قربةٌ في جميع الأماكن على جميعٍ
الفقراء، وأما الذبح لا يجوزُ إلا بالحَرَم، لأنه لم يُعرَف قُرْبةً إلا في
زمانٍ مخصوصٍ أو مكانٍ مخصوصٍ، وكذا كلُّ دمٍ وجَبَ في الحجِّ
جنايةٌ أو نُسُكاً.
(١) في الأصلين: الجناية، والجادة ما أثبتنا.
٥٠٦

ومَنْ جامَعَ في أحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبلَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةً فَسَدَ حَجُّة وعليه شاةٌ .
ويَمْضِي في حَجِّة ویَقْضِیه،
قال: (ومَنْ جامَعَ في أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبلَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّة
وعليه شاةٌ. ويَمْضِي فِي حَجِّة ويَقْضِيه) وكذلك المرأةُ إن كانت مُخْرِمةً.
أما فسادُ الحجِّ فلوُجود المُنافي، قال تعالى: ﴿فَلَاَ رَفَثَ﴾ [البقرة:
١٩٧]، وهو الجماع، وقال ابنُ عباس: المُحرِمُ إذا جامَعَ قبل الوقوفِ
بِعَرَفَةَ، فسَدَ حُّه وعليه شاةٌ(١)، ومثلُه لا يُعرَف إلا توقيفاً، ولأنَّ
الوَطْءَ صادَفَ إحراماً غيرَ مُتأكَّدٍ حتى يَلحَقَه الفَواتُ فيَفسُدُ، بخلاف ما
بعدَ الوقوف لأنه تأكَّدَ حتى لا يَلحقه الفواتُ وأما وجوبُ الشاةِ
والمُضِيُّ والقضاءُ فلما تقدّم من حديث ابن عباس، وسُئلِ بَّ عمَّن
جامَعَ امرأته وهما مُحرِمان؟ قال: ((يُريقانِ دماً ويَمضِيان في حجَّتهما
ويَحُجَّان من قابلٍ))(٢) .
(١) أخرجه البيهقي في ((سننه)) ١٦٧/٥ من حديث عبد الله بن عمر وعبد الله
ابن عباس، وصحح إسناده.
(٢) أخرج أبو داود في ((المراسيل)) (١٤٠) بتحقيقنا من مرسل يزيد بن
نعيم: أن رجلاً مِن جُذام جامع امرأتَه وهما محرمان، فسأل الرجل رسولَ الله
وَّر، فقال لهما: ((اقضيا نُسُكَكُما، واهديا هدياً، ثم ارجعا حتى إذا كنتما
بالمكانِ الذي أصبتُما فيه ما أصبتما تفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه،
وعليكما حجةٌ أخرى، فتُقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتُما فيه ما
أصبتما، فأحرما وأتما نُسُكَكُما واهديا)). ورجاله ثقات. وانظر لزاماً تمام
تخريجه والتعليق عليه فيه .
٥٠٧

العاب
ولا يُفارِقُ امرأتَه إذا قَضَى الحَجَّ، وإن جامَعَ بعد الوُقُوفِ لم يَفْسُدْ حَجُّه
وعليه بَدَنٌَّ ،
(ولا يُفارِقُ امرأتَه(١) إذا قَضَى الحَجَّ) لأنه علیه السلام لم يذكُر
المُفارقَة لما سُئل عنها، ولو وجَبَ لذَكَره كغيرِه تنبيهاً على الحُكْم،
ولأنَّ النكاح قائمٌ، ولا مُوجِبَ للمُفارقةِ، أما قبلَ الإحرام، فلأنَّه يَحِلُّ
له جِماعُها، فلا معنى للمفارقة، وأما بعدَه، فلأنهما إذا ذَكَرا ما وجَدًا
من التعبٍ وزيادةِ النَّفقةِ يحتَرِزانِ عن ذلك أكثرَ من غيرهما، وكذا في
موضع الجِماع حتى لو خافا العَوْدَ يُستحبُّ لهما المفارقةُ.
قال: (وإن جامَعَ بعد الوُقُوفِ لم يَفْسُدْ حَجُّه) لقوله عليه السلام:
((الحجُّ عَرَفَةُ، فمن وقَفَ بعرفةَ فقد تمَّ حُّه))(٢).
قال: (وعليه بَدَنَةٌ) منقولٌ عن ابن عباس، ولأنه لما لم يجبِ
القضاءُ عِلِمْنا أنه شُرِعَ لجَيْر نقصٍ تمكَّن في الحجّ، والنقصانُ في
الجماع فاحشٌ وجنايةٌ غليظةٌ، فتتغلظ الكفارةُ فتجبُ بدنةٌ، بخلاف ما
قبلَ الوقوف لأن الجابرَ ثَمَّ هو القضاءُ، وإنما وَجَبتِ الشاةُ لرفضِه
الإحرامَ قبلَ أوانِهِ فافترقا، وإن جامَعَ ثانياً بعدَ الوقوف عليه شاةٌ، لأن
الأولَ صادَفَ إحراماً متأكّداً محترماً، والثاني صادَفَ إحراماً منخَرِماً
منهَتِكاً بالوَطْءِ فخفَّتِ الجنايةُ.
(١) زاد هنا في (م): ((في القضاء)) وهي ليست في (س).
(٢) صحیح وقد سلف تخريجه ص ٤٧٠ .
٥٠٨

وإن جامَعَ بعد الحَلْقِ، أو قبَّلَ، أو لَمَسَ بِشَهوةٍ فعليه شاةٌ، ومَنْ جامَعَ في
العُمْرةِ قبَلْ طوافٍ أربَعَةِ أشواطٍ فَسَدَتُ، ويَمْضِي فيها ويَقْضِيها وعليه شاةٌ،
وإن جامَعَ فيها بعد أربَعَةِ أشواطٍ لم تَفْسُدْ وعليه شاةٌ .
قال: (وإن جامَعَ بعد الحَلْقِ، أو قبَّلَ، أو لَمَسَ بِشَهوةٍ فعليه شاةٌ)
لبقاء الإحرام في حقِّ النِّساء، وسواءٌ أَنزَلَ أو لم يُنْزِل، وكذا إذا جامَعَ
فيما دون الفَرْج، وكذا إذا جامَعَ بهيمةً فأنزَلَ، أو عبَثَ بذَكَرِهِ فأَنزَلَ،
لأنه قضاءُ الشهوةِ باللَّمسِ، ولا شيءَ عليه بالنظر وإن أنزَلَ، لأنه ليس
في معنى الجماع .
قال: (ومَنْ جامَعَ في العُمْرةِ قَبَلْ طوافٍ أَرْبَعَةِ أشواطٍ فَسَدَتُ)
لوجود المُنافي.
كيوري
(ويَمْضِي فيها ويَقضِيها) لأنها لزمَتْ بالإحرام كالحجِّ، (وعليه
شاةٌ) لوجود الجناية، وهو الارتفاقُ الكاملُ على إحرامِه.
(وإن جامَعَ فيها بعد أربَعَةِ أشواطٍ لم تَفْسُدْ) لوجود الأكثر،
(وعليه شاةٌ) لأنه سُنةٌ فتكون الجنايةُ أنقصُ، فيظهرُ التفاوتُ في
الكفَّارة .
ولو جامَعَ القارنُ قبل طوافِ العُمرةِ فسدتْ عمرتُه وحجَّتُه لما
تقدم، وعليه شاتان لجِنايتِه على إحرامين، ولو جامَعَ بعد طوافٍ
العُمرةِ أو أكثرِه قبلَ الوقوف تمَّتْ عمرتُه وفسَدَ حجُّه لما بينا، ولو
جامَعَ بعد الوقوف قبلَ الحَلْق فعليه بَدَنةٌ للحجِّ وشاةٌ للعُمرة كما لو
انفَرَدا.
٥٠٩

والعامِدُ والنَّاسِي سَوَاءٌ.
فصل
إذا قَتَلَ المُحرِمُ صَيداً أو دَلَّ عليه مَن قَتَّلَه فعَلَيهِ الجَزَاءُ،
قال: (والعامِدُ والنَّاسِي سَوَاءٌ) لأن حالاتِ الإحرام مذكِّرةٌ كحالاتٍ
الصلاة، فلا يُعذَر بالنِّسيان، وكذلك إذا جُومعت النائمةُ والمُكرَهَة
لوجود الارتفاق بالجماع.
فصل
(إذا قَتَلَ المُحرِمُ صَيداً أو دَلَّ عليه مَن قَتَلَه فعَلَيْه الجَزَاءُ) والأصلُ
في ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية
[المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾
[المائدة: ٩٦]، والصَّيد: هو الحَيَوان المتوحِّشُ في أصلِ الخِلْقة،
المُمتَنِعُ بجَنَاحيه أو بقَوائِمِه، إلا الخَمْسَ الفَوَاسقَ المُستثناةَ
بالحديث(١)، فإنها تبدأُ بالأذى، وقد تقدَّم الكلامُ فيها، وصيدُ البَرِّ ما
کان توالدُه في البَرِّ.
أما الجزاءُ على القاتل فلقوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾
[المائدة: ٩٥]، أوجَبَ الجزاءَ على القاتل.
وأما الدالُّ فإنه فوَّتَ على الصيدِ الأمنَ، لأنَّ بقاءَ حياةِ الصيدِ
بأمنِهِ، فإنه استَحَقَّ الأمنَ إما بالإحرام بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
ثوم
(١) سلف تخريجه ص٤٥٢ .
٥١٠
٠٠٠ ٢DC

والمُبتَدِىُّ والعائِدُ والنَّاسِي والعامِدُ سَواءٌ. والجَزَاءُ أن يُقَوِّمَ الصيدَ عَدْلانِ في
مكانِ الصَّيدِ، أو في أقرَبِ المواضِعِ منه، ثُمَّ إن شاءَ اشتَرَى بالقِيمَةِ هَدْياً
فَذَبَحَه، وإن شاءَ طعاماً فَتَصَدَّقَ به علَى كُلّ مِسكِينٍ نصفَ صَاعِ بُرٍّ، وإن شاءَ
صامَ عن كُلِّ نِصفِ صاعٍ يوماً، فإن فَضَلَ أقَلَّ من نصفِ صاعٍ إن شاءَ تَصَدَّقَ
به، وإن شاءَ صامَ يوماً .
[المائدة: ٩٥]، أو بدخولِهِ الحَرَمَ بقوله: ﴿كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]،
فإذا دلَّ عليه فقد فوَّت الأمنَ المستحقَّ عليه، فيجبُ الجزاءُ كالمُباشِر،
ولما روينا من حديث أبي قتادةً(١). والدَّلالةُ: أن لا يكون المدلولُ
عالماً به، ويُصدِّقه حتى لو كان عالِماً به، أو كذَّبه ودلَّه آخرُ فصدَّقه
فالجزاءُ على الثاني، ولو أعاره سِگِّیناً ليقتُل الصيد إن كان معه سِكِّين
لا شيءَ علیه، لأنه یتمكّنُ من قتله لا بالإعارةِ، وإن لم یکن معه سِگین
فعلى المُعِير الجزاءُ، لأنه إنما تمكَّن من قتلِه بإعارتِه.
(والمُبْتَدِئُّ والعائِدُ والنَّاسِي والعامِدُ سَواءٌ) لوجودِ الجِنايةِ منهم،
وهو المُوجِبُ.
قال: (والجَزَاءُ أن يُقَوِّمَ الصيدَ عَدْلانِ في مكانِ الصَّيدِ، أو في
أقرَبِ المواضِعِ منه، ثُمَّ إن شاءَ اشتَرَى بالقِيمَةِ هَدْياً فَذَبَحَه، وإن شاءَ
طعاماً فَتَصَدَّقَ به على كُلّ مِسكِينٍ نصفَ صَاعٍ بُرٍّ، وإن شاءَ صَامَ عن كُلِّ
نصفِ صاع يوماً، فإن فَضَلَ أقَلَّ من نِصفِ صاع إن شاءَ تَصَدَّقَ به، وإن
شاءَ صامَ يوماً) والأصلُ فيه قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى
(١) سلف تخريجه ص٤٥١ .
٥١١

-
ېرب
قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، والأصلُ في المِثْل أن يكون
مماثلاً صورةً ومعنى، وأنه غيرُ معتَبَرِ بالإجماع، ولا اعتبارَ للِمِثْل
صورةً، لأن بعضَه خَرَج عن الإرادةِ بالإجماع كالعُصفورِ ونحوِهِ، فلا
يبقَى الباقي مُراداً لئلا يؤدِّي إلى الجَمْع بين الحقيقةِ والمجاز في لفظِ
واحدٍ، فتعيَّنَ أن يُعتَبَرَ المِثْلُ معنىّ، وهو القيمةُ كما فيما لا نظير لَه،
وكما في حُقوق العِباد، وإذا كان المرادُ بالجزاء القيمةَ يُقوِّم العَدلان
اللحمَ لا الحيوانَ في مكانٍ الصيدِ إن كان مما يُباعُ فيه الصُّيودُ، وإن لم
يكن مما يُباع فيه كالبَرِّيَّة ففي أقربِ المواضع منه، ثم الخيار للقاتِلِ،
إن شاء اشترى بالقيمةِ هدياً، وهو ما تجوزُ به الأُضحيَّةُ إن بلغَتْ قيمتُه
ذلك، ويذبحُه بمكةَ لما تقدَّم، وإن لم تبلُغْ ما تجوزُ به الأضحيَّةُ لا
يذبحُه، ويتصدَّقُ به، وقالا: يذبحُه لإطلاقِ قوله تعالى: ﴿هَدّيًا بَلِغَ
اُلْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولأنه يتقرَّبُ به في الجملة كما إذا ولَدَتْه
الأضحيّة أو الهديُ فإنه يُذْبَحُ مع أُمه. ولأبي حنيفَةَ رحمه الله: أن
القياسَ يأبى التقرُّبَ بالإراقةِ لكونه إيلامَ البريءٍ على ما عُرف، وإنما
خالفناه في موارِد النصِّ وهي الأُضحيَّةُ والمُتعةُ، ولا يجوزُ فيهما هذا
فيبقى على الأصل، وحيث جازَ إنما جازَ تَبَعاً، والكلامُ في جوازه
أصلاً، وإن شاء اشتَرَى طعاماً فأطعَمَ كما ذكرنا كما في الفِداء
والكفَّارات، وإن شاء صامَ على ما وصَفْنا كما في الفِداء، وإنما يتخيّر
بين لهذه الأشياء الثلاثةِ كما في كفارة اليمين، وهو مذهبُ ابنِ عباسٍ،
٥١٢

ـوام
وإنما يتخيّر القائلُ لأن الخِيارِ شُرِعَ رِفْقاً به، وذلك إنما يحصُلُ إذا كان
التعيينُ إليه والخيارُ له، فإن فَضَلَ أقلّ من نصفِ صاع أو كان الواجبُ
ذلك، إن شاء تصدَّق به لأنه كلُّ الواجب، وإن شاء صامَ عنه يوماً لعَدَم
تجزُّؤ الصوم. وقال محمد: الواجبُ المِثْلُ من حيث الصورةُ والجُنَّةُ،
ففي الظَّبِي والضَّبُع شاةٌ، وفي الأرنبِ عَنَاقٌ، وفي اليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وفي
التَّعامةِ بَدَنة، وفي حمارِ الوَحْش بقرةٌ، وما لا نظير له كالحَمَامِ
والعُصفورِ تجبُ القيمةُ كما قالا، له قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ
النَّعَمِ ﴾ [المائدة: ٩٥]، والمثليَّةُ من حيث الصورةُ أَوْلَى، لأن القيمةً
ليست مِثْلاً للنعم، وعن جماعةٍ من الصحابة إيجابُ النظير من حيثُ
الخِلْقةُ، وعنده الخِيار إلى الحَكَمين، فإن حَكَما بالهَدْي يجبُ النظيرُ،
وإن حَكَما بالطعام أو بالصيام، فكما قالا، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا
عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥]، نَصَبَ مفعول ((يَحْكُمُ))(١)، وجوابه ما
قلنا، ولأن الكفارةَ رفعُ عطفٍ على الجزاء، وكذلك قوله: ﴿ أَوْعَدْلُ﴾
رفعٌ، وإنما الحَكَمان يحكمان بالقيمةِ لأن الواجبَ لو كان النظيرَ
(١) في ((الهداية)): ذكر الهدي منصوباً لأنه تفسير لقوله: ((يحكم به))، أو
مفعول لحكم الحكم. قال العيني في شرح ((البناية)) ٣٨٤/٤: لأن قوله: ((هدياً))
تفسير لقوله: ((يحكم به)) فإن ضمير ((به)) مبهم يفسره بقوله: ((هدياً)» فكان نصاً
على التفسير. أو مفعول لحكم الحكم على أن يكون بدلاً عن الضمير محمولاً
على محله، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَنِ رَبِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا﴾
[الأنعام: ١٦١] وفي ذلك تنصيص إلى أن التعيين إلى الحكمين.
٥١٣

ومَنْ جَرَحَ صَيداً، أو نَتَفَ شَعْرَه، أو قَطَعَ عُضْواً منه ضَمِنَ ما نَقَصَه،
وإن نَتَفَ رِيشَ طائر، أو قَطَعَ قَوَائمَ صَيدٍ فعَلَيهِ قِيمَتُهُ، وإن كَسر بيضَةً فعَلَيه
قِيمَتُها،
لما احتاج إلى تقويمهما فعُلِم أن الحَكَمين إنما يحكمان بالقِيمةِ، ثم
الخِيارُ إليه رِفْقاً به كما بينا. وإن قَتَل ما لا يُؤْكلُ من السِّباع ففيه
الجزاءُ، لأنه صيدٌ فيتناوله إطلاقُ النصِّ، ولا يَتَجاوزُ بقيمتِهِ شاةً، لأن
السَّبُعَ وإن كَبُرَ لا يتجاوزُ قيمةُ لحمِه قيمةً لحم شاةٍ، لأنه غيرُ منتَفْعٍ به
شرعاً .
قال: (ومَنْ جَرَحَ صَيداً، أو نَتَفَ شَعْرَه، أو قَطَعَ عُضْواً منه ضَمِنَ
ما نَقَصَه) اعتباراً للبعض بالكُلِّ.
(وإن نَتَفَ رِيشَ طائرٍ، أو قَطَعَ قوائمَ صَيدٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) لأنه خَرَجَ به
عن حيِّز الامتناع، فقد فوَّت عليه الأمن، فصار كما إذا قتلَه، وكذلك
کُّ فعلٍ يخرج به عن الامتناع. (وإن کَسر بيضَةٌ فعَلَيه قيمتها) لما روي
أن النبي عليه السلام قضى بذلك، وكذا روي عن عليٍّ وابنِ عباس(١)،
(١) أخرج عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٨٢٩٤) عن الثوري، عن عبد الكريم
الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: في بيض النعام يُصيبه المحرمُ
ثَمَنُهُ .
وأخرج الدارقطني (٢٥٥٠)، والبيهقي ٢٠٨/٥ من طريق حسين بن عبد الله
ابن عبيد الله بن عباس - وهو ضعيف - عن عكرمة، عن ابن عباس، عن كعب بن
عجرة: أن النبي ◌ُّ قضى في بيض نعام أصابه مُحرِمٌ بقدرٍ ثمنه.
=
٥١٤

ولو خَرَجَ منها فَرْغٌ ميتٌ فعليه قيمتُهُ حيّاً، لأنه كان بعَرضيَّة الحياة وقد
فوَّتها فتجب قيمتُه احتياطاً، وكذلك لو ضَرَب بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَألْقَتْ جَنيناً
میِّتاً فعلیه قیمتُه لما بينا .
وشَجَرُ الحَرَم لا يَحِلُّ قطعُه لمُحرِمِ ولا حلالٍ، قال عليه السلام:
((لا يُختَلَى خلاها ولا يُعضَدُ شوكُها)) (١)، فصار كالصَّيد، وشجرُ الحَرَم
ما ينبُتُّ بنفسِه، أما إذا أنبَتَه الناسُ أو كان من جنس ما يُنبتُه الناس فلا
بأسَ بقطعِه وقَلْعِه، لأن الناسَ اعتادوا الزِّراعةَ والحَصْدَ من لَدُنْ
وأخرج ابن أبي شيبة ١٣/٤ -١٤، والدار قطني (٢٥٥٦) من طريق قتادة،
عن معاوية بن قرة: أن رجلاً أوطأ بعيره أدحيَّ نعامة، فسأل علياً عن ذلك فقال:
عليك لكل بيضة ضِرابُ ناقة، أو جنين ناقة، فانطلق إلى رسول الله وَّ فأخبره
بما قال علي، فقال: ((قد قال ما سمعتَ، هلم إلى الرخصة، عليك بكل بيضة
صیامُ یوم، أو إطعام مسكين)).
وأخرج ابن ماجه (٣٠٨٦) من طريق أبي المهزِّم، عن أبي هريرة: أن
رسول الله ◌ّ﴾ قال في بيض النعام يصيبه المحرم: ((ثمنه)). وأبو المهزم:
متروك.
وانظر ابن أبي شيبة ١٢/٤-١٤، وعبد الرزاق ٤٢٠/٤-٤٢٣، و((نصب
الراية)) ١٣٥/٣-١٣٦.
(١) أخرجه من حديث ابن عباس البخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣)،
وهو في («المسند» (٢٢٧٩)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٧٢٠). وانظر تمام
تخريجه فيهما .
٥١٥

ومَن قَتَلَ قَمْلَةً أو جَرادةٌ تَصدَّقَ بما شاءً، وإن ذَبَحَ المُحرِمُ صَيداً فهو مَيتَةٌ،
وله أن يأْكُلَ ما اصطادَه حَلالٌ إذا لم يُعِنْهُ. وكُلُّ ما على المُفْرِدِ فيه دَمٌ على
القارِنِ دَمانِ .
رسولِ اللهِ وَّه إلى يومِنا من غيرِ نكيرٍ، وعن أبي يوسفَ: لا بأس
بَرْعِهِ، لأن منعَ الدَّوابِّ متعذِّرٌ، وجوابُه الحديثُ، ولأن القطعَ
بالمشافِرِ كالقطعِ بالمَنَاجِل.
قال: (ومَن قَتَلَ قَمْلَةً أو جَرادةٌ تَصدَّقَ بما شاءً) قال عمرُ رضي الله
عنه: تمرةٌ خيرٌ من جَرَادةٍ، ولأن القَمْلَة من الثَّفَث، حتى لو قَتَل قملةً
وجدَها على الأرض لا شيءَ عليه، وكذلك القَمْلتين والثلاث، وإن
كثُرَ أطعَمَ نصفَ صاعٍ لكثرةِ الارتفاق، وعن أبي يوسف في القَمْلة:
يتصدَّقُ بكفٍّ من طعامٍ، وعن محمدٍ : بِكسْرةٍ من خُبزٍ .
قال: (وإن ذَبَحَ المُحرِمُ صَيداً فهو مَيتَةٌ) لأنه فعلٌ حرامٌ فلا يكون
ذكاءً.
(وله أن يأُكُلَ ما اصطادَه حَلالٌ إذا لم يُعِنْهُ) لما مَرَّ من حديث أبي
قتادة(١) .
(وكلُ ما على المُفْرِدِ فيه دَمٌ على القارِنِ دَمانٍ) لأنه جنايةٌ على
إحرامين .
(١) سلف تخريجه ص٤٥١ .
٥١٦

باب الإحصار
فلِلمُحْرِمُ إِذا أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أو مَرَضٍ أو عَدَمِ مَحْرَمٍ أو ضَاعِ نَفَقَةٍ أن
يبعَثَ شاةً تُذْبَحُ عنه في الحَرَمِ، أو ثَمَّنَها لِيُشْتَرَى بها، ثُمَّ يَتَحَلَّلُ،
باب الإحصار
وهو: المَنْعُ والحَبْسُ، ومنه حِصار أهلِ الحُصُون والمَعَاقِل إذا
مُنِعوا عن التصرُّف في مقاصِدِهم وأُمورِهم، والحَصُور: الممنوع عن
النِّساء. وفي الشرع: المنعُ عن المُضِيِّ في أفعال الحجِّ بموانعَ تُذكَرُ إن
شاء الله تعالى .
(فِلِمُحْرِمُ إذا أُخْصِرَ بِعَدُوٍّ أو مَرَضٍ أو عَدَمِ مَحْرَمٍ أو ضَياعٍ نَفَقَةٍ أن
يبعَثَ شاةً تُذْبَحُ عنه في الحَرَمِ، أو ثَمَّنَها لِيُشْتَرَى بها، ثُمَّ يَتَحَلَّلُ)
والأصلُ في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:
١٩٦]، والنبيُّ عليه السلام أُحصِر هو وأصحابُه عامَ الحُديبيةِ حين
أحرَموا مُعتمِرِينَ فصدَّهم المشركون عن البيت، فصالَحَهم عليه
السلامُ، وذَبَح الهديَ وتحلَّلَ ثم قَضَى العُمرةَ من قابِلٍ(١). قالوا:
وفيهم نزلت الآيةُ، فكلُّ من أحرَمَ بعُمرةٍ أو حَجِّ ثم مُنِعَ من الوصول إلى
البيت فهو مُحصَرٌ، ويستوي في ذلك جميعُ ما ذكرنا من الموانع، لأن
التحُّلَ قبل أوانِه إنما شُرِع دفعاً للحَرَج الناشِئِ من بقائِه مُحرِماً، ولهذا
(١) أخرجه من حديث ابن عمر البخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٢٣٠)، وهو
في ((المسند)) (٥١٦٥)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٩٩٨). وانظر تمام تخريجه
فيهما .
٥١٧

ويجُوزُ ذَبحُه قَبلَ يوم النَّحْرِ (سم)
المعنی یعُمُّ جميع ما ذكرناه من الموانع، وكذلك ما في معناها کضلال
الراحلةِ ومَنْعِ الزَّوج والسيِّد إذا وقع الإحرامُ بغير أمرهما .
ومن قال إن الإحصارَ يختصُّ بالعدُوِّ فهو مردودٌ بالكتاب، قال
الكسائيُّ وأبو عُبيدةً: ما كان من مرضٍ أو ذَهابِ نفقةٍ يقال فيه (١):
◌ُحصِر فهو مُخصرٌ، وما كان من حبسٍ عدوً أو سِجنٍ یقال: حُصِر فھو
مَحْصُور، ونَقَل بعضُهم إجماعَ أئمةِ اللغة على هذا، والنبيُّ عليه
السلام حُصِر بالعدوّ فتحلَّل، فعلِمنا أن المرادَ ما يمنعُ من المُضيِّ
والوصولِ إلى البيت وقوله: ((في الحَرَم)) إشارةٌ إلى أنه لا يجوز خارجٌ
الحَرَمِ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُ وسَكُمْ حَتَّ بَبُغَ اَلْهَدْىُ مَحِلَّمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]،
ومَحِلُّه: الحَرَم، لأن الهدي ما عُرِفَ قربةً إلا بمكانٍ مخصوص أو زمانٍ
مخصوصٍٍ، والزمانُ قد انتفَى فتعيَّن المكانُ، ولأنه لو جاز ذَبْحُه حيث
أُحصِرَ لكان مَحِلَّه فلا تبقى فائدةٌ في قوله ﴿ حَّ ◌َُّغَ﴾، وما روي أنه عليه
السلام ذَبَح بالحُديبيةِ حين أُحصِر بها(٢)، فالحديبيةُ بعضُها من الحَرَم،
فيُحمل ذبحُه عليه السلام فيه توفيقاً بين الكتاب والسُّنة.
قال: (ويجُوزُ ذَبحُه قَبلَ يوم النَّحْرِ) وقالا: لا، كَدَم المُتعةِ
والقِران، وجوابُه أنه دمُ جنايةٍ لتحلِّله قبلَ أوانِهِ، والجِناياتُ لا تتوقف
بخلاف المتعةِ والقِران، فإنهما دمُ نُسُكٍ، ولأن التأقيت بالزمان زيادةٌ
(١) في (س): ((منه))، والمثبت من (م).
(٢) انظر تخريج الحديث الذي قبله.
٥١٨

والقارِنُ يَبَعَثُ شاتَينٍ، وإذا تَحَلل المُحصَرُ بالحَجّ، فَعَلَيه حَجَّةٌ وعُمرةٌ،
وعلى القارِن حَجَّةٌ وعُمرتانٍ، وعلى المُعتَمِرِ عُمرٌ،
على النصِّ، فلا يجوز، ولو عَجَزَ عن الذَّبح لا يتحلَّلُ بالصوم ويبقى
مُحرِماً حتى يُذْبَحَ عنه، أو يزول المانعُ، فيأتي مكةً ويتحلَّل بأفعال
العُمرةِ، ولو صَبَر حتى زال المانعُ ومضَى إلى مكة وتحلَّل بالأفعال لا
هدي عليه .
قال: (والقارِنُ يَبعَثُ شاتَينٍ) لأنه يتحللُ عن إحرامين، وقد أدخَلَ
النقصَّ علی کلِّ واحدٍ منهما.
قال: (وإذا تَحَلل المُحصَرُ بالحَجّ، فعَلَيهِ حَجَّةٌ وعُمرٌ) روي ذلك
عن عمر وابن مسعودٍ، ولأن الحجةَ تجبُ بالشُّروع فيها، وأما العمرةُ
فلأنه في معنى فائتِ الحجِّ، فيتحلَّلُ بأفعال العمرةِ، وقد عَجَز فيجبُ
قضاؤها .
(وعلى القارِن حَجَّةٌ وعُمرتانٍ) حجةٌ وعمرةٌ لما ذكرنا، وعمرةٌ
لصحّة الشُّروع فيها.
(وعلى المُعتَمِرِ عُمرةٌ) لأن النبي عليه السلام وأصحابَه لما
أُحصِروا بالحديبيةِ عن المضيِّ في العُمرة وتحلَّلوا قضَوها حتى سُمِّيت
عمرةَ القضاء(١).
(١) انظر في هذا حديث البراء عند البخاري (١٧٨١) في الحج باب كم
اعتمر النبي وَله. وانظر كذلك فيه حديث البراء في كتاب المغازي، باب عمرة
القضاء، حديث رقم (٤٢٥١)، وهو عند مسلم (١٧٨٣).
٥١٩

فإن بَعَثَ ثُمَّ زالَ الإحصارُ، فإن قَدِّرَ على إدراكِ الهَدْي والحَجِّ لم يتَحَلَّل
ويلزمُه المُضِيُّ، وإن قَدِّرَ على أحدِهِمَا دُونَ الآخَرِ تحَلَّلَ، ومَن أُحْصِرَ بِمَكَّةَ
عنِ الوُقُوفِ وطَوافِ الزّيارَةِ فهو مُحْصَرٌ، وإن قَدَرَ على أحدِهِما فَلَيْسَ
بِمُحصَرٍ .
قال: (فإن بَعَثَ ثُمَّ زالَ الإحصارُ فإن قَدِرَ على إدراكِ الهَدْي
والحَجِّ لم يتَحَلَّل ويلزمُه المُضِيُّ) لأنه قَدَر على الأصل قبلَ تمام
الخَلَفِ .
(وإن قَدِّرَ على أحدِهِما دُونَ الآخَرِ تحَلَّلَ) أما إذا قَدَر على الهدي
دون الحجِّ فلا فائدةَ في المُضيِّ، وأما بالعكس فالقياسُ أن لا يتحلَّل
لقُدرتِه على الأصل، والأفضلُ أن لا يتحلَّل ويمضي ويأتي بأفعال
الحجّ ليأتيَ به على الوجه الأكملِ، لكنِ استَحسَنوا وجوَّزوا له التحلُّل،
لأَنه لما عَجَز عن إدراكِ الهدي على وجهٍ لا يضمنُه الذابحُ صار كأنَّه قد
ذبَح فيتحلَّل، ولأن الخوفَ على المال كالخوفِ على النفسِ، ولو
خاف على النفسِ تحلَّل، فكذا على المال.
قال: (ومَن أُحصِرَ بِمَكَّةَ عنِ الوُقُوفِ وطَوافِ الزّيارَةِ فهو مُحْصَرٌ)
لما بينا (وإن قَدَرَ على أحدِهِما فَلَيْسَ بِمُحصَرٍ) لأنه إن قَدَر على
الوقوف فقد أمِنَ فواتَ الحجِّ، وإن قدَرَ على الطوافِ يصبرُ حتى يفوتَه
الحجُّ، ثم يتحلَّلُ بأفعال العمرةِ ولا دَمَ عليه، وعن أبي حنيفةً أنه ليس
لأهل مكةَ إحصارٌ، لأن الدارَ دارُ الإسلام، بخلاف عام الحُديبية حِين
أُحْصِر ◌َله . .
- حول".
٤٠" ۔ ۔۔
٥٢٠