النص المفهرس
صفحات 461-480
ثُمَّ يَستَلِمُ الحَجَرَ، ويخرُجُ إلى الصَّفا مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥]: إنه رَكعتي الطواف، ويقول عقيبها: اللهمَّ هذا مقامُ العائِذِ بكَ من النار، فاغفر لي ذُنوبي إنكَ أنتَ الغفور الرحيم. (ثُمَّ يَستَلِمُ الحَجَرَ) لأنه عليه السلام استَلَمه بعدَ الركعتين(١). قال: (ويخرُجُ إلى الصَّفا) من أي بابٍ شاء، والأولى أن يخرجَ من باب بني مَخْزوم اتباعاً للنبي وٍَّ(٢)، ولأنه أقرب إلى الصَّفا، وهو الذي يُسمَّى اليوم بابَ الصَّفا. وأخرج البخاري (١٦١٦) ومسلم (١٢٦١) (٢٣١) عن نافع عن ابن عمر: = أن رسول الله ◌َلو كان إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدمُ، فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت، ثم يمشي أربعة، ثم يصلي سجدتين. وأخرجه البخاري (١٦٢٣) عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر قال: قدم رسول الله وَّلخير، فطاف بالبيت سبعاً، ثم صلَّى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة، وقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال البخاري في (صحيحه)) قبل الحديث (١٦٢٣) في باب صلَّى النبي ◌ِّ لِسُبوعه ركعتين: وقال إسماعيل بن أمية: قلت للزهري: إن عطاء يقول: تجزئه المكتوبة من ركعتي الطواف، فقال: السنة أفضل، لم يطف النبي وَّ سُبوعاً قط ، إلا صلّی رکعتين. (١) انظر حديث جابر الطويل، وفيه: ثم رجع إلى الركن فاستلمه، وقد سلف تخريجه ص ٤٥٨ . (٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٣٣٧١) من حديث ابن عمر: أن النبي وَّ خرج من المسجد إلى الصفا من باب بني مخزوم. وفي سنده عبد الرحمن ابن عبد الله العمري وهو هالك كما قال الذهبي في ((الميزان)). = ٤٦١ فيَصعَدُ عليه، ويَسْتَقِلُ البيتَ ويُكَبِّرُ، ويَرفَعُ يَدَيه ويُهلِّلُ، ويُصَلِّي على النَّبِيّ ێ ويَدعُو لِحاجَتِه، (فَيَصعَدُ عليه، ويَستَقْبِلُ البيتَ ويُكَبِّرُ، ويَرفَعُ يَدَيه ويُهلِّلُ، ويُصَلِّي على النَّبِيّ وَّهِ ويَدْعُو لِحَاجَتِهِ) هكذا فَعَل ◌َّهِ(١)، ولأنَّ الدعاء عَقِيبَ الثَّناء والصلاةِ أقربُ إلى الإجابة، فيُقدَّمان عليه. وقال البيهقي في ((السنن)) ٧٢/٥: وروينا عن ابن جريج عن عطاء، قال: يدخل من حيث شاء، قال: ودخل النبي 18ّ من باب بني شيبة وخرج من باب بني مخزوم إلى الصفا، وقال: ولهذا مرسل جيد. قلنا: وأخرجه ابن أبي شيبة في القسم الذي نشره العمروي ص ١٧٥ عن أبي أسامة عن ابن جريج عن عطاء: أن النبي ◌َّ خرج إلى الصفا من باب بني مخزوم. ولهذا مرسل صحيح. وأخرج مسلم برقم (١٢١٨) ضمن حديث جابر الطويل، وفيه: ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا ... إلخ. قال النووي: وهو باب بني مخزوم، وهو الذي يُسمى باب الصفا، وخروجُه عليه السَّلامُ منه، لأنه أقربُ الأبواب إلى الصفا. وأخرج أحمد في («مسنده)) (٥٥٧٣)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣٨٠٩) من طريق عمرو بن دينار عن ابن عمر: لما قدم رسول الله ◌َّ # مكة طاف بالبيت سبعاً، ثم صلّى عند المقام ركعتين، ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يخرج إليه، فطاف بالصفا والمروة. قال: وأخبرني أيوب عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أنه قال: هو سنة . (١) أخرج مسلم (١٨٧٠) ضمن حديث عن أبي هريرة، وفيه: فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا علیه، حتى نظر إلى البيت، ورفع یدیه، فجعل یحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. وهو فى ((المسند)) (١٠٩٤٨)، و((صحيح ابن حبان)) (٤٧٦٠) . = ٤٦٢ '٣ ثُمَّ يَنحَطُّ نحوَ المَروَةِ على هِينَتِهِ، فإذا بَلَغَ المِيلَ الأخضَرَ سَعَى حَتَّى يُجاوزَ المِيلَ الآخَرَ، ثُمَّ يَمْشِي إلى المَروَةِ فيفعَلُ كالصَّفا وهذا شَوْطٌ، يَسعَى سَبعَةً أشواطٍ يَبدأُ بالصَّفا ويَخْتِمُ بالمَروَةِ، (ثُمَّ يَنحَطُّ نحوَ المَرَوَةِ على هِينَتِهِ، فإذا بَلَغَ المِيلَ الأخضَرَ سَعَى حتَّى يُجاوزَ المِيلَ الآخَرَ، ثُمَّ يَمْشِي إلى المَروَةِ فيفعَلُ كالصَّفا) هكذا فَعَل ◌َهُ(١). (وَهُذا شَوْطٌ، يَسعَى سَبعَةَ أشواطٍ) كما وصفنا (يَبدأ بالصَّفا ويَختِمُ بالمَروَةِ) فالمشيُّ من الصَّفا إلى المَروةِ شوطٌ، والعَودةُ من المروةِ إلى الصَّفا آخرُ. وذكر الطحاوي أن العَوْدَ ليس بشوطٍ، وشَرَطَ البدايةَ في كلِّ شوطٍ بالصفا، والأولُ أصحُ لأنه المنقولُ المُتوارَثُ، ولئلا يتخلَّل بين كلِّ شوطين ما لا يُعتَدُّ به، والأصلُ في العبادات الاتصالُ كالطوافِ ورَكَعاتِ الصلاة. وأخرج مسلم برقم (١٢١٨) ضمن حديث جابر الطويل، وفيه: فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ((أبدأ بما بدأ الله به)) فبدأ بالصفا، فَرَقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحَّد الله، وكبره. وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)) ثم دعا بين ذلك. قال مثل هذا ثلاث مرات. ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا. وانظر ((صحيح ابن حبان)) (٣٩٤٤) . سوريا (١) انظر ما قبله . ٤٦٣ ثم السعيُّ بين الصفا والمروةِ واجبٌ، لقوله عليه السلام: ((كُتبَ عليكم السعيُّ فاسعَوا)) (١)، وأنه خبرُ آحادٍ فلا يوجب الركنيَّةَ فقلنا بالوجوب، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] ينفي الركنيَّةَ أيضاً، والأفضلُ تركُ السَّعي حتى يأتي به عَقِيبَ طواف الزيارةِ لأن السعيَ واجبٌ، وإنما شُرع مرةً واحدةً، وطوافُ القُدوم سُنةٌ، ولا يُجعلُ الواجبُ تَبَعاً للسنة، وإنما رُخِّص في ذلك، لأن يومَ النَّحْر يومُ اشتغالٍ بالذَّبْحِ والرَّمي وغيره، فربما لا يتفرَّغ للسَّعي. ويُستحبُّ أن يقول عند خروجِه إلى الصفا: باسم الله، والصلاةُ على رسولِ الله، اللهمَّ افتَحْ لي أبواب رحمتك وأدخِلْني فيها، ويقول على الصفا: الله أكبرُ، لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له المُلكُ وله الحمدُ، يُحيي ويُميتُ وهو حيٌّ لا يموتُ، بيدِه الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، لا إله إلا الله، ولا نعبدُ إلا إياه، مخلِصِين له الدينَ ولو كَرِه الكافرون، لا إله إلا الله أهلُ التكبيرِ والتَّحميدِ والتهليل، لا إلله إلا الله وحدَه، أنجَزَ وعدَه، ونصَرَ عبدَه، وهَزَم الأحزاب وحده، فله الملكُ وله الحمدُ. ويَسأل حوائجَه. وإذا نزَلَ من الصَّفا قال: اللهم يسِّرْ لي اليُسرى، وجنِّبني العُسْرى، واغفِرْ لي في الآخرةِ والأولى، (١) أخرجه من حديث حبيبة بنت أبي تَجراة أحمد في ((مسنده)) (٢٧٣٦٧) ولفظه: ((اسعوا، إن الله كتب عليكم السعي)). وهو حديث حسن بطرقه وشاهده. وقد بسطنا الكلامَ عليه في («المسند»، فانظره فيه . ٤٦٤ * ثُمَّ يُقِيمُ بِمَكَّةَ حَرَاماً يَطُوفُ بالبيتِ ما شاءَ، ثُمَّ يَخرُجُ غَدَاةَ الثَّروِيَّةِ إلى مِنَّى فَيَبِيتُ بها حتَّى يُصَلِّيَ الفَجْرَ بومَ عَرَفَةً، ويقول في السعي: ربِّ اغفرُ (١) وارحَمْ، وتجاوز عمَّا تعلم، إنك أنتَ الأعزّ الأكرمُ. ويَستكثرُ من قول: سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله. ويقول على المَروةِ مثلَ الصفا. قال: (ثُمَّ يُقِيمُ بمَكَّةَ حَرَاماً يَطُوفُ بالبيتِ ما شاءً) لأنه عبادةٌ، وهو أفضلُ من الصلاة، وخصوصاً للآفاقيِّ، ويصلِّي لكلِّ طوافٍ ركعتين، ولا یسعی بعده لما بينا. قال: (ثُمَّ يَخرُجُ غَدَاةَ التَّروِيَةِ) وهو ثامنُ ذي الحِجَّة (إلى مِنِّى) فينزلُ بقُربِ مسجدِ الخَيْفِ (فَيَبِيتُ بها حتَّى يُصَلِّيَ الفَجرَ يومَ عَرَفَةَ) فيصلي بمِنى الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعِشاءَ والفجرَ، هكذا فَعَل جبرائيل بإبراهيمَ ومحمدٍ عليهم السلامُ، وهو المنقولُ من نُسُك رسولِ الله وَلَ(٢). وهذه البَيتوتَةُ سُنَّةٌ. (١) زاد هنا في (س) لفظة ((لي))، وما أثبتناه من (م) ومصادر التخريج. (٢) قوله: هكذا فعل جبرائيل بإبراهيم ومحمد ◌َلتر، فأما حديث جبريل مع إبراهيم عليه السلام فأخرجه من حديث عبد الله بن عمرو ابن أبي شيبة في القسم الذي نشره العمروي ص٣٧٤-٣٧٥، والبيهقي في ((السنن)) ١٤٥/٥ وفي سنده ابن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ، وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» ٢٥٠/٣ - ٢٥١ وعزاه إلى الطبراني في ((الكبير)) وقال: بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح. وهكذا قال ابن قطلوبغا ص ١٨٤ . وأما فعل جبريل مع محمد وَّر، فلم نقف عليه، وقول ابن قطلوبغا إن الطبراني أخرجه، وهمٌ منه، ففیه أن جبريل جاء النبي ◌ُّ لیریه المناسك، ولیس= ٤٦٥ ٢٠٫٠ ثُمَّ يَتَوَجَّه إلى عَرَفَاتٍ، ولو باتَ بمكةً وصلَّى هذه الصلواتِ بها جاز، لأنه لا نُسُكَ بِمِنى لهذا اليوم، وقد أساءَ لمخالفتِهِ السُّنة؛ ويقول عند نزوله بمِنى: اللهمَّ هُذه مِنى، وهي ممّا منتَ بها علينا من المناسِك، فامنُنْ عليَّ بما مننتَ به على عبادك الصالحين. قال: (ثُمَّ يَتَوَجَّه إلى عَرَفاتٍ) اقتداءً بفعله ◌ٍَّ(١)، ولأنه يحتاجُ إلى أداءِ فَرْضٍِ الوقوف بها في هذا اليوم، وينزلُ بها حيث شاء. = فيه موطن الاستدلال أنه صلى بالنبي وَلّر الصلوات الخمسة بمنى، ونصه كما ساقه ابن قطلوبغا في كتابه ص ١٨٥: جاء جبريل إلى النبي ◌َّ ليريه المناسك، فانفرج له ثبير، فدخل مِنى، فأراه الجمار، ثم أراه جمعاً، وأراه عرفات، فلما كان عند الجمرة تبع له إبليس، فرماه بسبع حصيات، فساخ ... قلنا: وهو عند الطبراني في ((معجمه الكبير)) بالأرقام (١٢٢٩١-١٢٢٩٣)، وأخرجه كذلك ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٩٦٧)، والحاكم ٤٧٧/١، والبيهقي ١٥٣/٥، وفي سنده عند الجميع عطاء بن السائب وقد اختلط. وقوله: وهو المنقول من نسك رسول الله وَ لتر، ففي حديث جابر الطويل في مسلم (١٢١٨): فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله وَلقر فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس ... إلخ. وأخرج أبو داود (١٩١١)، وابن ماجه (٣٠٠٤)، والترمذي (٨٧٩) و(٨٨٠)، وأحمد في ((المسند)) (٢٧٠١) عن ابن عباس: أن النبي ◌َّ صلى الظهر يوم التروية بمنى، وصلى الغداة يوم عرفة بها. وهو صحيح. (١) انظر حديث جابر عند مسلم (١٢١٨). ٤٦٦ فإذا زالَتِ الشَّمسُ توَضَّأ أو اغتَسَلَ، فإن صَلَّى مع الإمام صلَّى الظُّهرَ والعَصرَ بأذَانٍ وإِقامَتَينِ في وقت الظُّهرِ، وإن صَلَّى وَحدَهُ صَلَّىَ كُلَّ واحدةٍ في وقتها (سم)، ٠٠٠٠٠ ٠١٠٠٠٫ (فإذا زالَتِ الشَّمسُ توَضَّأ أو اغتَسَلَ) لأنه يومُ جَمْع فيُستحبُّ له الغُسل، وقيل: هو سُنة. (فإن صَلَّى مع الإمامِ صلَّى الظُّهرَ والعَصرَ بأذَانٍ وإقامَتَينِ في وقتٍ الظُّهرِ) فقد تواتر النقلُ عن رسولِ اللهِوَّ بِالجَمْع بينهما (١). وروى جابرٌ: بأذانٍ وإقامتين(٢)، وهو أن يؤذِّن ويُقيمَ للظهرِ ثم يُقيم للعصرِ لأنها تؤدَّى في غير وقتها، فيقيمُ إعلاماً لهم، لأنه لو لم يُقِمْ ربما ظُّوا أنه يتطوَّع فلا يَشرَعون مع الإمام، ولا يتطوَّع بين الصلاتين لأن العصرَ إنما قُدِّمت ليتفرَّغ إلى الوقوف، فالتطوُّع بينهما يُخِلُّ به . قال: (وإن صَلَّى وَحدَهُ صَلَّى كُلَّ واحدةٍ في وقتِها) وقال أبو يوسف ومحمد: يَجمعُ بينهما المنفردُ، لأن جوازَه ليتفرَّغ للوقوف ويمتدَّ (١) انظر ما أخرجه أحمد في «مسنده)) (٦١٣٠)، وأبو داود (١٩١٣) من حديث ابن عمر قال: غدا رسول الله وَ ل﴿ من مِنى حين صَلّى الصبح في صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة، فنزل بنَمِرةَ، وهي منزلُ الإمام الذي كان ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر، راح رسول الله وَلّ مُهجِّراً، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. وانظر أيضاً حديث جابر (١٢١٨) عند مسلم. (٢) أخرجه مسلم في حديث جابر الطويل (١٢١٨) وفيه: ثم أذّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر. ولم يصل بينهما شيئاً. ٤٦٧ ثُمَّ يَقِفُ راكِباً رافِعاً يَدَيهِ بَسْطاً يَحمَدُ اللهَ، ويُثْنِي عليه، ويُصَلِّي على نَبِيِّه عليه السَّلامُ، ويَسأَلُ حوائجه، وقتُه، والكلُّ في ذلك سواء. ولأبي حنيفةَ أن تقديمَ العصرِ على خلاف الأصل، لأن الأصلَ أداءُ كلِّ صلاةٍ في وقتها، خالفْناه فيما وَرَدَ به الشرعُ، وهو الإمامُ في الصلاتين، والإحرامُ بالحجِّ قبلَ الزوال، وفيما عداه بقي على الأصل . قال: (ثُمَّ يَقِفُ راكِباً رافِعاً يَدَيْهِ بَسْطاً يَحمَدُ اللهَ، ويُثْنِي عليه، ويُصَلِّي على نَبِّه عليه السَّلامُ، ويَسأَلُ حوائجَه) والأفضلُ أن يتوجّه عَقِيبَ صلاةِ العصر مع الإمام فيقف بالمَوقفِ، فيستقبل القلبةَ قريباً من جبل الرحمةِ، لأنه ◌َّ راحَ عَقِيب الصلاة إلى الموقفِ، ووقَفَ على راحلتِهِ مُستقبلَ القبلةِ يدعو باسطاً يدَيه كالمُستطعِم المسكين، رواه ابنُ عباس(١)، ويقدِّم الثناءَ والحمدَ والصلاةَ على النبيِّل كما تقدَّم، وإن (١) انظر لوقوفه وَّيهر على راحلته واستقبال القبلة وذهابه إلى عرفة عقيب صلاة العصر، حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم (١٢١٨). وقوله: كالمستطعم المسكين، أخرجه من حديث ابن عباس ابن عدي في ((الكامل)) ٧٦١/٢، والطبراني في ((الأوسط)) (٢٩١٣)، وفيه حسين بن عبد الله وهو ضعيف، ولفظه: رأيت رسول الله وَل بعرفة قد رفع يديه إلى صدره كاستطعام المسكين. وأخرجه من طريق الحسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس عن الفضل، البزار في ((مسنده)) (٢١٦١) ولفظه: رأيت رسول الله وَ ل واقفاً بعرفة ماداً يديه كالمستطعم أو كلمة نحوها. ٤٦٨ وعَرَفَاتٌ كُلُّها مَوقِفٌ إلَّ بَطْنَ عُرَنَةَ، ووَقتُ الوُقُوفِ من زَوالِ الشَّمسِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ الثَّاني من الغَدِ، وقَفَ قائماً أو قاعداً جاز، والأولُ أفضلُ، ويُلِّي في الموقفِ ساعةً بعد ساعةٍ، لأنه عليه السلام ما زال يُلِّي حتى أتى جَمْرةَ العَقَبة (١). قَال: (وعَرَفَاتٌ كُلُّها مَوقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) لقوله عليه السلام: («عرفاتٌ كلُّها موقفٌ وارتفِعوا عن بطنِ عُرَنة))(٢). (وَوَقتُ الوُّقُوفِ من زَوالِ الشَّمسِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ الثَّاني من الغَدِ) لأنه عليه السلام وقَفَ بعدَ الزوال. وقال عليه السلام: ((الحجُّ عرَفة، سوىرسم) غباء (١) أخرجه من حديث الفضل البخاري (١٥٤٤) و(١٦٧٠)، ومسلم (١٢٨١) و(١٢٨٢)، وهو في ((المسند)) (١٧٩٨)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٨٠٤) . (٢) أخرجه من حديث جُبير بن مطعم أحمد في ((مسنده)) (١٦٧٥١)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣٨٥٤). ولفظه: ((كل عرفات موقف، وارفعوا عن بطن عُرنة، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن مُحسِّر، وكل فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح)). وهو حديث صحيح لغيره. وأخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١١٩٤) من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله وَله: ((عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عُرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن مُحسِّر، وشعاب منى كلها منحر)). وإسناده صحيح. وانظر تمام تخريجه فيه . وأخرجه ابن ماجه (٣٠١٢) بإسناد ضعيف جداً من حديث جابر قال، قال رسول الله ◌َّير: ((كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عُرنة، وكل المزدلفة موقف ... )) إلخ)). وانظر حديث جابر الطويل عند مسلم (١٢١٨) (١٤٩)، وأحمد (١٤٤٤٠). ٤٦٩ فمَن وقَفَ بها ليلاً أو نهاراً، فقد تمَّ حجُّه، ومَن فاتَه عَرَفةُ بليلٍ، فقد فاته الحجُّ، فليُحِلَّ بعُمرةٍ وعليه الحجُّ من قابلٍ))(١). وإن وقَفَ ساعةٌ بعدَ الزَّوال ثم أفاضَ أجزأه، لقوله عليه السلام: ((من وقَفَ ساعةً بعرفَةَ من ليلٍ أو نهارٍ فقد تمَّ حُّه))(٢)، ولأن الرُّكنَ أصلُ الوقوف، وامتدادُه إلى غروبِ الشمسِ واجبٌ، لقوله عليه السلام: ((امكُّثوا على مشاعِرِكم فإنَّكم على إرثٍ من إرثِ أبيكم إبراهيمَ))(٣)، أَمَر بالمُكْث وأنه للوجوب. (١) أخرج معناه من حديث عبد الرحمن بن يعمر أبو داود (١٩٤٩)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي ٢٦٤/٥، وهو في «المسند)) (١٨٧٧٣)، ولفظه: ((الحج يوم عرفة - أو عرفات - ومن أدرك ليلة جمع قبل صلاة الصبح، فقد تم حجه، وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين، فلا إثم علیه، ومن تأخر، فلا إثم علیه)). وإسناده صحيح. وأخرج معناه أيضاً أحمد في «مسنده» (١٦٢٠٨) من حديث عروة بن المضرس، وهو حديث صحيح. وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه فيه. وأخرجه الدارقطني (٢٥١٨) من حديث ابن عمر ولفظه: ((من وقف بعرفات بليل، فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل، فقد فاته الحج، فليحل بعمرة وعليه الحج مِن قابل)). وإسناده ضعيف. وانظر فيه حديث ابن عباس الذي بعده. وانظر («نصب الراية)) ٩٢/٣ و١٤٥ . (٢) انظر التعليق السالف. (٣) أخرجه من حديث ابن مِرْبَع الأنصاري أبو داود (١٩١٩)، وابن ماجه (٣٠١١)، والترمذي (٨٨٣)، والنسائي ٢٥٥/٥، وهو في ((المسند)) (١٧٢٣٣)، و ((شرح مشكل الآثار)) (١٢٠٤). وإسناده صحيح. ٤٧٠ فمَنْ فاتَه الوُقُوفُ فقد فاتَه الحَجُّ، فَيَطُوفُ ويَسْعَى ويَتَخَلَّلُ من الإحرَامِ ويَقْضِي الحَجّ، قال: (فَمَنْ فَاتَه الوُقُوفُ) في هذا الوقت (فقد فاتَه الحَجُّ، فَيَطُوفُ ويَسْعَى ويَتَخَلَّلُ من الإِحرَامِ ويَقْضِي الحَجّ) لما روينا. واعلم أنَّ الأحاديثَ كثيرةٌ في فضيلةِ يوم عرفَةً وإجابةِ الدعاءِ فيه، فينبغي أن تجتهدَ فيه بالدُّعاء، وتدعوَ بكلِّ دعاءٍ تحفظُه، وإن لم تقدِرْ على الحِفْظ، فاقرأ المكتوبَ، ويُستحبُّ أن يقرأ عَقِيبَ صلاتِه الفاتحةَ والإخلاصَ عَشْرَ مراتٍ ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك وله الحمدُ يُحيي ويُميتُ، وهو حيٌّ لا يموتُ، بيدِه الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، سُبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرُ، ولا حولَ ولا قوَّةً إلا بالله العليِّ العظيم، يا رَفيعَ الدرجاتِ، يا مُنزِّل البَرَكات، يا فاطرَ الأَرَضِين والسماوات، ضَجَّتْ لك الأصواتُ بصُنُوف اللُّغات، تسألُك الحاجاتِ، وحاجتي أن ترحَمَني في دار البلَى إذا نسِيَني أهلُ الدنيا، أسألُك أن توفِّقَني لما افترضتَ عليَّ، وتُعينَني على طاعتِك وأداءِ حقِّك وقضاءِ المناسك التي أريتها إبراهيمَ خليلَك، ودَلَلْتَ عليها محمداً حبيبَك، اللهمَّ لكلِّ متضرِّع إليك إجابةٌ، ولكلِّ مستكين لديكَ رأفةٌ، وقد جئتُك متضرِّعاً إليك، مستكيناً لديكَ، فاقضٍ حاجتي، واغفِرْ ذُنوبي، ولا تجعَلْني من أخيَبٍ وَفْدِك، وقد قلتَ - وإنك لا تُخلِفُ الميعاد -: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ج. وقد دعوتُك متضرِّعاً سائلاً، فأجب دعائي وأعتِقني من النار، ولوالِدَيَّ ولجميع المؤمنين والمؤمنات برحمتك يا أرحم الراحمين. ٤٧١ فإذا غَرَبَتِ الشَّمسُ أفاضَ مع الإمامِ إلى المُزِّلِفَةِ قال: (فإذا غَرَبَتِ الشَّمسُ أفاضَ مع الإمام إلى المُزدَلِفَةِ) لقوله عليه السلام: ((إن أهلَ الشِّرك كانوا يدفعون من عَرَفَة إذا صارت الشمسُ على رؤوس الجبال مثلَ عمائمِ الرِّجال، وأنا أدفعُ بعدَ غُروب الشمسِ مخالفةً لهم))(١)، ويَمشي على هِيْنِهِ، كذا فَعَلَ رسولُ اللهِ وَلـ في ذلك اليوم، وقال: ((يا أيُّها الناس عليكم بالسَّكِينة))(٢). (١) أخرجه من حديث المسور بن مخرمة الطبراني في ((الكبير)) ٢٠/ (٢٨)، والحاكم ٥٢٣/٣-٥٢٤، والبيهقي ١٢٥/٥. قال الهيثمي في ((المجمع)): ورجاله رجال الصحيح. ـيم ـ وأخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٨٠٠٧/٤، وأبو داود في ((المراسيل)) (١٥١) عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة فذكره، ولهذا على إرساله فيه عنعنة ابن جريج، وفي رواية ابن أبي شيبة: قال ابن جريج: أُخبرْتُ عن محمد بن قیس . وأخرجه البخاري (١٦٨٤) من طريق أبي إسحاق قال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر رضي الله عنه صَلَّى بجمع الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، وأن النبي وَّ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس. وانظر حديث جابر الطويل عند مسلم (١٢١٨) وفيه: فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص ... إلخ. (٢) أخرجه من حديث الفضل مسلم (١٢٨٢)، وهو في ((المسند)) (١٧٩٤) و(١٨٠٣). وأخرجه من حديث ابن عباس البخاري (١٦٧١)، وهو في ((المسند)) بنحوه برقم (٢٠٩٩) بلفظ: ((ليس البر بإيضاع الخيل ولا الرِّكاب)) قال: فما رأيت رافعة يدها تعدو، حتى أتينا جمعاً. ٥٠٠ = ٤٧٢ ويأْخُذُ الجِمارَ من الطَّرِيقِ سَبعِينَ حَصَاةً كالباقِلاَء، ولا يُصَلِّي المَغْرِبَ حتَّى يأتيَ المُزْدَلِفَةَ فِيُصَلِّيها مع العِشاءِ بأذانٍ وإقامةٍ، ويستحبُّ أن يقولَ عند غُروبها قبل الإضافة: اللهمَّ لا تجعله آخرَ العَهْدِ بهذا الموقف، وارزُقنِهِ ما أبقيتَني، واجعلني اليومَ مُفْلحاً مرحوماً مُستجاباً دعائي، مغفوراً ذُنوبي يا أرحمَ الرَّاحمين. وينبغي أن يدفَعَ مع الإمام، ولا يتقدَّمَ عليه إلا إذا تأخّر الإمامُ عن غُروب الشمس، فيدفعُ الناسُ قبلَه لدخول الوقت. ولو مَكَثَ بعدَ الغروب وإفاضةِ الإمام قليلاً خوفَ الزَّحمةِ جاز، هكذا فعلت عائشةُ رضي الله عنها . وينبغي أن يُكثِرَ من الاستغفار، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]. قال: (ويأْخُذُ الجِمارَ من الطَّرِيقِ سَبعِينَ حَصَاةً كالباقِلاَء، ولا يُصَلِّي المَغْرِبَ حتَّى يأْتِيَ المُزْدَلِفَةَ فَيُصَلِّيها مع العِشاءِ بأذانٍ وإقامةٍ) أما تأخيرُ المغرب، فلحديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ قال: كنتُ رَدِيفَ رسولِ الله وأخرج مسلم أيضاً (١٢٨٦) من حديث ابن عباس أن رسول الله وَلّ أفاض من عرفة، وأسامة ردفه، قال أسامة: فما زال يسير على هيئته حتى أتى جمعاً. وانظر حديث أسامة في ((المسند)) (٢١٧٥٦). وانظر تمام تخريجه فيه . وانظر حديث جابر الطويل عند مسلم (١٢١٨). ٤٧٣ ویبیت بها ، وَِّ مِن عَرَفاتٍ إلى المُزدلفةَ، فنزل بالشِّعب وقَضَى حاجتَه ولم يُسبغِ الوضوء، فقلتُ: يا رسولَ الله الصلاةَ، فقال: ((الصلاةُ ليست هنا الصَّلاةُ أمامَك))(١) . دو وأما الجمعُ بينهما بأذانٍ وإقامةٍ، فلرواية جابٍ: أن النبيَّ ◌َّ فَعَل كذلك(٢)، ولأن العِشاء في وقتِها فلا حاجةَ إلى الإعلام بوقتِها، بخِلاف العصرِ يومَ عرفَةَ، ولا يتطوَّع بينهما، لأنه يَقطعُ الجمعَ، فإن تطوَّع أو اشتَغَل بشيءٍ آخرَ، أعادَ الإقامةَ، لأنه انقَطَع حكمُ الإقامةِ الأولى، ولو صلَّى المغربَ في الطريق أو بعرفةَ لم يَجْزِه. وقال أبو يوسف: يَجزِيه، لأنه صلَّها في وقتها. ولنا ما تقدم من حديث أسامةَ، ويقضيها مالم تطلع الشمسُ، فإذا طلعت الشمسُ فلا قضاءً، لأنه فات وقتُ الجَمْع، وينبغي أن ينزل بقُرب الجَبَل الذي عليه المِيْقَدَةَ(٣) لأنه عليه السلام وقَفَ هناك. (ويَبِيتُ بها) وهي سُنَّة . ٨٫٧٤ (١) أخرجه البخاري (١٣٩) و(١٦٦٧)، ومسلم (١٢٨٠)، وهو في ((المسند)) (٢١٧٤٢). (٢) أخرجه مسلم (١٢١٨) وفيه: حتى أتى المزدلفة، فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ... إلخ. (٣) ((المِيقدة، بكسر الميم: موضع كان أهل الجاهلية يوقدون عليه النار، وهو على جبل قُزَح. ٤٧٤ ثُمَّ يُصَلِّي الفَجرَ بِغَلَسِ، ثُمَّ يَقْفُ بالمَشْعَرِ الحَرَامِ. قال: (ثُمَّ يُصَلَّيِ الفَجرَ بِغَلَس) كذا روى ابنُ مسعودٍ عن النبي عليه السلام(١) وليتفرَّغَ للوقوف والدعاء. (ثُمَّ يَقفُ بالمَشْعَرِ الحَرَام) ويدعو ويجتهدُ في الدُّعاء كما مرَّ بعرفَةً . ويستحبُّ أن يقولَ إذا نزل بها: الَّلهُمَّ هُذه مُزْدلفةُ وجَمْعٌ، أسألكَ أن ترزُقَني جوامِعَ الخير، واجعلْني ممَّن سألَكَ فأعطيتَه، ودعاك فأجبتَه، وتوكَّلَ عليك فكفيتَه، وآمنَ بكَ فهديتَه. وإذا فَرَغَ من الصلاتين يقول: اللهمَّ حرِّم لحمِي وشَعْري ودَمِي وعظْمِي وجميعَ جوارِ حي على النارِ يا أرحمَ الرَّاحمين، ويَسأل الله تعالى إرضاءَ الخُصُوم؛ فإنَّ الله تعالى وَعَدَ ذُلك لمن طلَبَه في هذه الليلة. ويُستحبُّ أن يقفَ بعدَ صلاة الفجر مع الإمام ويدعو، قال الله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ اٌلْمَشْعَرِ اُلْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، ويُستحبُّ أن يُكبِّر ويُهلِّل ويُلبِّي ويقول: اللهم أنتَ خيرُ مطلوبٍ، وخيرُ مرغوبٍ إليه، إلاهي لكلِّ وفدٍ جائزةٌ وقِرىّ، فاجعل جائزتي وقِرَايَ في هذا المقام أن تتقبَّلَ توبتي، وتتجاوزَ عن خطيئتي، وتجمعَ على الهُدى أمري، وتَجعلَ اليقينِ من الدنيا همِّي، اللهمَّ ارحَمْني وأجِرْني من النار، وأوسِعْ عليَّ الرِّزقَ الحلالَ، اللهمَّ لا تجعله آخرَ العهدِ بهذا الموقِفِ، وارزُقْنيه أبداً ما أحيَيْتَني برحمتك يا أرحمَ الرَّاحِمين. (١) أخرجه البخاري (١٦٧٥) و(١٦٨٢) و(١٦٨٣)، ومسلم (١٢٨٩). ٤٧٥ ٠٣٠٥ والمُزْدَلفَةُ كُلُّها مَوْقفٌ إلَّ وادي مُحَسِّرٍ، ثُمَّ يتَوَجَّه إلى مِنّى قَبَلَ طُلُوع الشَّمسِ، يَبْتدِىءُ بجَمرَةِ العَقَبَةِ يَرميها بسَبْعِ حَصَيَاتٍ من بَطْنِ الوادي، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حَصَاةٍ، ولا يَقِفُ عندَها، ويَقْطَعُ التَِّيةَ مع أوَّلِ حَصَاةٍ، (والمُزْدَلفَةُ كُلُّها مَوْقفٌ إلَّ وادي مُحَسِّرٍ) لقوله عليه السلام: (المزدلفةُ كلُّها موقفٌ إلا وادي مُحسِّرٍ))(١). قال: (ثُمَّ يَتَوَّه إلى مِنَّى قَبَلَ طُلُوعِ الشَّمسِ) كذا فَعَلَ لَّه ويَمشي بالسَّكينةِ، فإذا بلَغَ بطنَ محسِّرٍ أسرَعَ مقدارَ رَمْيَةِ حَجَرٍ ماشياً كان أو راكباً، هكذا فعله وَِّ، فإذا وصَلَ إلى مِنِّى. (يَبْتدِىءُ بِجَمِرَةِ العَقَبَةِ يَرميها بسَبْعِ حَصَيَاتٍ من بَطْنِ الوادي، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حَصَاةٍ ولا يَقِفُ عندَها، ويَقْطَعُ الثَّلِيةَ مع أوَّلِ حَصَاةٍ) لما روى جابر: أن النبيَّ عليه السلام لما أتى إلى مِنّى لم يعرجْ إلى شيء حتى رَمَى جمرةَ العقبةِ بسَبْع حَصَياتٍ، وقَطَع التلبيةَ عند أوَّل حصاةٍ رماها، وكبَّر مع كلِّ حصاةٍ، ثم نحَرَ، ثم حَلَقَ رأسَه، ثم أتى مكةَ فطافَ بالبيت(٢). ويرمي من بطنِ الوادي من أسفلَ إلى أعلى، ويجعلُ مِنى عن يمينِه والكعبةَ عن يسارِهِ، ويقفُ حيث يَرى موضعَ الحَصَاةِ، هكذا نُقِل عنه (١) سلف تخريجه ضمن حديث عرفة كلها موقف ص٤٦٩ من حديث جبير ابن مطعم، فانظره هناك. (٢) هو قطعة من حديث جابر الطويل والمخرج في ((صحيح مسلم)) برقم (١٢١٨). الها . ٤٧٦ عليه السلامُ(١). وهو مثلُ حَصَى الخَذْفِ، قال عليه السلام للفَضْل بن العباس غَدَاةَ يوم النَّحْر: ((ائِنِي بسَبْعِ حَصَياتٍ مثلِ حَصَى الخَذْف)»، فأتاه بهنَّ، فجَعَل يُقَلَّبُهُنَّ ويقول: ((بمِثْلهنَّ بمثلهنَّ لا تغلو))(٢). والخذفُ: أن يضع الحصاةَ على رأس السبَّابةِ، ويضعَ إبهامَه عليها ثم يرمي بها. واختلفوا في مقدارِها، والمُختارُ قَدْرُ الباقِلّاءِ، ولو رمَى بحجرٍ أكبرَ أو أصغرَ جاز لحصُول الرَّمي، ويقول عند الرمي: بسم الله والله أكبرُ رغماً للشيطانِ وحِزْبِه. ويجوزُ الرميُّ بكلِّ ما كان من جنسٍ الأرض، ولا يجوزُ بما ليسَ من جنسِها . ومن أيِّ موضع أخذَه جاز إلّ الحصى المَرْميِّ بها، فإنه يُكره، لأنها حصَى مَن لم يُقبلْ حجُّه، فقد جاء في الحديث: ((مَن قُبلَ حجُّه (١) انظر حديث عبد الله بن مسعود في البخاري (١٧٤٧) و(١٧٤٨)، ومسلم (١٢٩٦). (٢) حديث صحيح، أخرجه عبد الرزاق، ومن طريقه الطبراني ١٨/ (٧٤٢) والبيهقي ١٢٧/٥ عن جعفر بن سليمان، عن عوف، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس عن أخيه الفضل بن عباس. وأخرجه أحمد (١٨٥١)، وابن ماجه (٣٠٢٩)، والطبراني (١٢٧٤٧)، وصححه ابن حبان (٣٨٧١) من طرق عن عوف بن أبي جميلة، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس، مرفوعاً. وأخرجه أحمد (٣٢٤٨) حدثنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - وإسماعيل - هو ابن علية - المعنى، قالا: حدثنا عوف حدثني زياد بن حُصين، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس، قال يحيى: لا يدري عوف عبد الله أو الفضل. مصر ٤٧٧ ثُمَّ يَذْبَحُ إن شاءَ، ثم يُقَصِّرُ أو يَحْلِقُ وهو أفضَلُ، رِفِعَ حصاه))(١)، ولأنه رُمي بها مرةً فأشبه الماءَ المستعمَلَ، وكيف ما رمی جاز . وعددُ حصى الجِمار سبعون: جمرةُ العقبةِ يومَ النحرِ سبعةٌ، وثلاثة أيامٍ مِنَى كلّ يومٍ ثلاثُ جَمَراتٍ بإحدى وعشرين. وقد استَحَبَّ بعضُهم غسلَ الحَصَى ليكون طاهراً بيقين. قال: (ثُمَّ يَذْبَحُ إن شاءَ) لأنه مسافرٌ، وهو مُفْرِدٌ ولا وجوبَ عليه. (ثم يُقَصِّرُ أو يَحْلِقُ وهو أفضَلُ) قال عليه السلام: ((إنَّ أولَ نُسُكِنا في يومِنا هذا أن نَرميَ ثم نذبَحَ ثم نَحْلِقَ))(٢)، ولأن الحلقَ من محظوراتٍ الإحرام، فيؤخَّرُ عن الذَّبح، والحلقُ أفضلُ لقوله عليه السلام: ((يَغْفرُ الله للمحلِّقين))، قيل: يا رسولَ الله والمقصِّرين؟ فقال: ((يغفرُ الله للمحلِّقين)) قالها ثلاثاً، ثم قال: ((وللمقصِّرين))(٣). وإن لم يكن على (١) أورده الحافظ ابن حجر في ((الدراية)) ٢٧/٢ من حديث أبي سعيد الخدري ومن حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، وأسانيدها كلها ضعيفة . (٢) أخرجه من حديث أنس مسلم (١٣٠٥)، وهو في ((المسند)) (١٢٠٩٢) ولفظه: أن رسولَ الله ◌َ﴿ أتى مِنى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمِنى ونحر، ثم قال للحلاق: ((خذ)» وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناسَ. (٣) أخرجه من حديث ابنِ عمر البخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١)، وهو في ((المسند)) (٤٦٥٧)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٨٨٠). وفي الباب عن غير واحدٍ مِن الصحابة ذكرناها عند حديث ابن عمر في «المسند»، وعند حديث ابن عباس فيه برقم (٣٣١١). ٤٧٨ س رجاء سل۴ ٣٣درا × DC* ١٠٠٠ ج وحَلَّ له كُلُّ شَيءٍ إلَّ النِّساءَ، ثمَّ يَمْشِي إلى مَكَّةً فَيَطُوفُ طَوَافَ الزيارة من يَوْمِه أو من غَدِهِ أو بَعدَه، وهو ركْزٌ، إن ترَكهَ أو أربَعَةَ أشوَاطٍ منه بقِيَ مُخْرِماً حتَّى يَطُوفَها. وصِفَتُه: أن يَطُوفَ بالبيتِ سَبعَةَ أشواطٍ لا رَمَلَ فيها ولا سَعْيَ بعدَها، وإن لم يَكُنْ طافَ للقُدُومِ رَمَلَ وسَعَى وحَلَّ له النِّساءُ، رأسِه شَعْرٌ أجرى المُوسَى على رأسِه تشبيهاً بالحَلْق، كالتَّشبيه بالصومِ عندَ العَجْزِ عن الصوم. والسُّنةُ حلقُ الجميع، فإن نَقَصَ من ذلك فقد أساء لمخالفته السُّنةَ، ولا يجوز أقلّ من الزُّبُع، ونظيرُه مسحُ الرأس في الوضوءِ في الاختلاف والدلائل، والتقصير: أن يأخذَ من رؤوس شعرِه، وأقلُّه مقدارُ الأَنمَلَةِ، ويستحبُّ أن يَدِفِنَ الشعر، قال تعالى: ﴿أَلَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتَّا خَْ أَخْيَاءُ وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥-٢٦]، ويستحبُّ أن يقول عند الحَلْق: اللهمَّ هذه ناصِيَتَي بيدِك، فاجعل لي بكُلِّ شعرةٍ نوراً يومَ القيامةِ يا أرحمَ الرَّاحمين . (وحَلَّ له كُلُّ شَيءٍ إلَّ النِّساءَ) لقوله عليه السلام فيه: ((حلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ))(١). قال: (ثُمَّ يَمِشِي إلى مَكَّةَ فيَطُوفُ طَوافَ الزيارة من يَوْمِه أو من غَدِهِ أو بَعدَه، وهو ركْزٌ، إن ترَكِهَ أو أربَعَةَ أشوَاطٍ منه بِقِيَ مُحْرِماً حتَّى يَطُوفَها. وصِفَتُه: أن يَطُوفَ بالبيتِ سَبعَةَ أشواطٍ لا رَمَلَ فيها ولا سَعْيَ بعدَها، وإن لم يَكُنْ طافَ للقُدُومِ رَمَلَ وسَعَى وحَلَّ له النِّساءُ) ويُسمَّى (١) أخرجه من حديث عائشة أحمد في ((مسنده)) (٢٥١٠٣). وهو حديث صحيح. وانظر تتمة أحاديث الباب فيه. ٤٧٩ أيضاً طواف الإفاضة، والأفضلُ أن يطوفَه أول أيام النحر، لأنه عليه السلام لما رَمَى جمرة العقبةِ ذَبَح وحَلَق ومَشَى إلى مكةَ فطافَ للزِّيارةِ ثم عادَ إلى مِنَى فصلَّى بها الظهرَ . ووقتُ الطواف: أيامُ النَّحر، قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيَرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ثم قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، جَعَل وقتَهما واحداً، فلو أخَّرَه عنها لَزِمَه شاةٌ، وكذا إذا أخّر الحَلْقَ عنها، أو أخَّر الرميَ. وقال أبو يوسفَ ومحمد: لا يَلزَمُه لأنه استدرَكَ ما فاتَه، وله حديث ابن مسعود: ((مَن قدَّمَ نُسُكاً على نُسُكٍ، فعليه دٌ))(١)، ولأنَّ ما هو موقَّتٌ بالمكان - وهو الإحرامُ - يجبُ بتأخيرِه عنه دَمٌ، فكذا ما هو موقَّتُ بالزّمان. قال: وهو ركزٌ، لأنه المراد بقوله تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ﴾ فكان فَرْضاً، فإن تَرَكه أو أربعةً أشواطٍ منه بقي مُحرِماً حتى يطوفَها، أما إذا (١) لم نقف عليه من قول ابن مسعود، وقد روى ابن أبي شيبة في (المصنف)) ص٤١٦ من الجزء الذي بتحقيق العمروي، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٣٨/٢ من طريقين عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: من قدم شيئاً من حجه أو أخره، فليهرق لذلك دماً. ورواه الطحاوي عن نصر بن مرزوق، حدثنا الخطيب، حدثنا وهيب، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله . وقد ذكر ابن قطلوبغا في ((تخريجه)) أنه معارض بما ثبت في ((الصحيحين)) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس: ((لا حرج لا حرجَ)) فيمن قدَّم شيئاً أو أخره. ٤٨٠