النص المفهرس

صفحات 441-460

وإن قَدَّمَ الإحرامَ عليها فهو أفضَلُ، ولا يَجُوزُ للآفاقِيِّ أن يتجاوزَها إلاَّ مُخْرِماً
إذا أرادَ دُخُولَ مَگّةً،
موارد
سخ"
أَلَمْلَم، لأنه وَلِ وقَّت هذه المواقيت وقال: ((هنَّ لأهلِهِنَّ ولمَن مرَّ بهنَّ
من غير أهلهنَّ ممَّن أرادَ الحجَّ أو العمرةَ)) رواه ابن عباس(١)، فلو أرادَ
المَدَنيُّ دخولَ مكةَ من جهةِ العراق فوقتُه ذاتُ عِرْقٍ، وكذا في سائر
المواقيت، ومن قصَدَ مكةَ من طريقٍ غير مسلوك أحرَمَ إذا حاذى
الميقات. (وإن قَدَّمَ الإحرامَ عليها فهو أفضَلُ) لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْقُواْ
اْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال عليٍّ وابنُ مسعود: إتمامُهما أن
يُحرِمَ بهما من دُويرةِ أهلِه. ولأنه أشقُّ على النفسِ فكان أفضلَ، قال أبو
حنيفةً: الإحرامُ من مِصْرِه أفضلُ إذا مَلَك نفسَه في إحرامِه.
قال: (ولا يَجُوزُ للآفاقِيِّ أن يتجاوزَها إلاَّ مُخْرِماً إذا أرادَ دُخُولَ
مَكَّةَ) سواءٌ أرادَ دخولَها حاجًّاً أو معتمِراً أو تاجراً، لأن فائدةَ التأقيتِ
لهذا لأنه يجوزُ تقديمُ الإحرام عليها بالاتفاق. وقال عليه السلام: ((لا
يتجاوزُ أحدٌ الميقاتَ إلا مُحرِماً))(٢)، ومَن كان داخلَ الميقات فله أن
(١) أخرجه البخاري (١٥٢٤)، ومسلم (١١٨١)، وهو في ((المسند))
(٢١٢٨) و(٢٢٤٠).
(٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٢٣٦) من حديث ابن عباس مرفوعاً.
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ٢١٦/٣: فيه خصيف وفيه كلام وقد وثقه
جماعة.
وأخرج الشافعي في ((مسنده» ٢٨٧/١، والبيهقي ٢٩/٥ عن أبي الشعثاء أنه
رأى ابن عباس رضي الله عنهما يَرُدُّ من جاوز الميقات غير محرم.
=
٤٤١

فإن جاوزَها الآفاقِيُّ بغَيرِ إحرام فعليهِ شاةٌ، فإن عادَ فأحرَمَ منه سَقَطَ الدَّمُ،
وإن أحرَمَ بِحِجَّةٍ أو عُمْرَةٍ ثُمَّ عادٌ إليه مُلَبِّباً سَقَطَ أيضاً (سم ز)،
يدخُلَ مَّةَ بغير إحرام لحاجتِهِ، لأنه يتكرّر دخولُه لحوائجِه فيُحرَجُ في
ذلك وصار كالمكِّي إذا خَرَجَ ثم دخَلَ، بخِلاف ما إذا دخلَ للحَجِّ لأنه
لا يتكرَّر، فإنه لا يكونُ في السَّنَة إلا مرةً فلا يُحرَج، وكذا لأداءِ العمرةِ
لأنه التّزَمها بنفسِه.
قال: (فإن جاوزَها الآفاقِيُّ بغَيرِ إحرامٍ فعليهِ شاةٌ) لأنه منهيٌّ عنه
لِما مرَّ من الحديث.
(فإن عادَ فأحرَمَ منه سَقَطَ الدَّمُ، وإن أحرَمَ بِحِجَّةٍ أو عُمْرَةٍ ثُمَّ عادَ إليه
مُلَبِّياً سَقَطَ أيضاً) عند أبي حنيفةَ، وعندهما يسقُطُ بمجرَّد العَوْد، وعند
زفر لا يسقُطُ وإن لبَّى، لأن الجِنايةَ قد تقرَّرت فلا ترتفعُ بالعَوْد، كما
إذا دَفَع من عرفات قبلَ الغُروب ثم عادَ بعدَه. ولنا أنه استدرَكَ الفائتَ
قبل تقرُّرِ الجِنايةِ بالشُّروع في أفعال الحجِّ فيسقُطُ الدمُ، بخلاف الدَّفْع
من عرفات لأنَّ الواجبَ استدامةُ الوقوف ولم يستَدْرِكُه، ثم عندهما
أظهَرَ حقَّ الميقات بنفس العَوْد، لأن التلبيةً ليست بشرطٍ في الابتداءِ،
حتى لو مرَّ به مُخْرِماً ساكتاً جاز، وعنده أنه جَنَى بالتأخير عن الميقات،
فيجبُ عليه قضاءُ حقِّه بإنشاء التَّلبيةِ، وكان التداركُ في العَوْد ملبياً.
وأخرج البيهقي في ((المعرفة)) (٩٤٣٨) من طريق عطاء عن ابن عباس قال:
إذا جاوز الوقتَ فلم يحرم، فإن خشي أن يرجع إلى الوقت، فإنه يحرم، وأهراق
لذلك دماً.
٤٤٢
** *::

ولو عادَ بعدَما استَلَمَ الحَجَرَ وشَرَعَ في الطَّوافِ لم يَسقُط، وإن جاوَزَ
المِيقات لا يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ فلا شيءَ عليه، ومَن كان داخِلَ المِيقاتِ فمِیقاتُه
الحِلُّ، ومَن كان بِمََّةَ فوَقَتُه في الحَجّ الحَرَمُ، وفي العُمرَةِ الحِلُّ.
قال: (ولو عادَ بعدَما استَلَمَ الحَجَرَ وشَرَعَ في الطَّوافِ لم يَسقُط)
بالاتفاق، لأنه لم يعُدْ على حُكْم الابتداء، وكذلك إن عادَ بعد الوقوف
لما بينا.
(وإن جاوَزَ المِيقات لا يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ، فلا شيء عليه) لأنه إنما
وجَبَ الإحرامُ لتعظيم مكةَ شرَّفها الله، وما قبلَها من القُرى والبساتين
غيرُ واجبِ التعظيم، وإذا جاوز الميقاتَ صار هو وصاحبُ المنزل
سواءٌ، فله دخولُ مكةَ بغير إحرامٍ لما مرَّ .
قال: (ومَن كان داخِلَ المِيقاتِ فمِيقاتُهُ الحِلُّ) الذي بين الميقاتِ
وبين الحَرَم، لأنه أحرَمَ من دُوَيْرَة أهله.
(ومَن كان بِمَكَّةَ فوَقَتُهُ في الحَجّ الحَرَمُ، وفي العُمرَةِ الحِلُّ) لأن
النبي ◌َّ أَمَرَ أصحابَه أن يُحرِموا بالحَجِّ من مكة(١)، ولأن أداءَ الحج
(١) أخرج مسلم (١٢١٤) من حديث جابر قال: أمرنا النبي ◌َلّ لما أحللنا
أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح.
وأخرجه البخاري (١٥٦٨)، ومسلم (١٢١٣) من حديث جابر أيضاً وفيه:
ثم أهللنا يوم التروية. واللفظ لمسلم، وفي البخاري: ((حتى إذا كان يوم التروية
فاُهِلُوا بالحج)».
وأخرجه مسلم (١٢٤٧) من حديث أبي سعيد الخدري وفيه: فلما كان يوم
التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج.
=
٤٤٣

فصل
وإذا أرَادَ ان يُحْرِمَ يُستَحَبُّ له أن يُقَلِّمَ أْفارَه، ويَقُصَّ شاربَه، ويحْلِقَ
عانته،.
لا يتمُّ إلا بعَرفةَ وهي في الحِلِّ، فإذا أحرَمَ من الحَرَم يقعُ نوعُ سَفَر،
وأما العُمرةُ، فلأن النبيَّ عليه السلام أمَرَ عبد الرحمن أخا عائشةً أن
يعتمرَ بها من التَّنعيم، وهو في الحِلِّ(١)، ولأن أداء العمرةِ بمكةَ،
فيخرُجُ إلى الحِلِّ ليقَعَ نوعُ سَفَرٍ أيضاً، ولو أحرَمَ بها من أيِّ موضعٍ شاء
من الحِلِّ، جاز إلا أن التَّنعيم أفضلُ لما روينا .
فصل
(وإذا أرَادَ ان يُحْرِمَ يُستَحَبُّ له أن يُقَلِّمَ أَظْفارَه، ويَقُصَّ شاربَه،
ويحْلِقَ عانَتَه) وهو المُتوارثُ، ولأنه أنظفُ للبَدَن فكان أحسنَ.
=
وأخرج مسلم (١٢١٦) (١٤٢) من حديث جابر أيضاً وفيه: حتى إذا كان
يوم التروية وجعلنا مكة بظَهْرٍ أهللنا بالحج. وعلقه البخاري بإثر الحديث
(١٦٥٢) في كتاب الحج باب الإهلال من البطحاء وغيرها للمكي والحاج إذا
خرج من منى. وانظر مسلم أيضاً (١٢١٦) (١٤٣).
وعلق البخاري في ((صحيحه)) (١٥٧٢) من كتاب الحج باب قول الله
تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُمُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٦] عن ابن
عباس: ثم أمرنا عشية التروية أن نُهِلَّ بالحج .. إلخ.
(١) أخرجه من حديث عائشة البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١)، وهو
في «المسند» (٢٥٣٠٧)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٩١٧).
٤٤٤

ثُمَّ يَتوضَّأُ أو يَغتَسلُ وهو أفضَلُ، ويَلْبَسُ إِزَاراً ورِداءً جَديدَينِ أبيضَينٍ وهو
أفضَلُ، ولو لَبِس ثَوباً واحداً يَستُرُ عَورتَه جازَ، ويَتَطَيِّبُ إن وجد) .
(ثُمَّ يَتوضَّأُ أو يَغْتَسلُ وهو أفضَلُ) لأنه ◌ِِّاغْتَسَل(١)، ولأن المُراد
منه التنظيفُ، والغُسْلُ أبلَغُ، ولو اكتفَى بالوضوء جاز كما في الجُمُعة.
وتغتسلُ الحائضُ أيضاً لما ذكرنا أنه للتنظيف.
(ويَلْبَسُ إزَاراً ورِداءٌ جَديدَينِ أبيضَينِ وهو أفضَلُ) لأنه لا بدَّ من
سَتْرِ العَوْرةِ ودفع الحرِّ والبَرْدِ، والنبيُّ ◌َّهِ اتَّزر وارتدَى عند إحرامِه،
والجَديدانِ أقربُ إلى النظافة، وقال عليه الصلاةُ والسلام: ((خيرُ
ثيابِكم البيضُ))(٢).
(ولو لَبِس ثَوباً واحداً يَستُرُ عَورتَه جازَ) لحصول المقصود.
(ويَتَطَيِّبُ إن وجد) قالت عائشة: كنتُ أطيِّبُ رسولَ الله عليه
السلام لإحرامِه قبلَ أن يُحرِم(٣). وقال محمد: لا يتطيّب بما يبقَى بعدَ
الإحرام، لأنه كالمستعمِل له بعدَ الإحرام، وجوابه ما روي عن
(١) أخرجه الترمذي (٨٣٠)، وابن خزيمة (٨٣٠)، والبيهقي ٣٢/٥ من
حديث زيد بن ثابت أنه رأى النبي وَ طّور تجرد لإهلاله واغتسل. وهو حديث
حسن .
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس أبو داود (٣٨٧٨) و(٤٠٦١)، وابن ماجه
(١٤٧٢) و(٣٥٦٦)، والترمذي (٩٩٤)، وهو في ((المسند)) (٢٢١٩)، و((صحيح
ابن حبان» (٥٤٢٣) و(٦٠٧٢). وهو حديث صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩)، وهو في ((المسند))
(٢٥٢٨٧)، و((صحيح)) ابن حبان (٣٧٦٦).
٤٤٥

ويُصَلِّي ركعَتّينٍ ويقولُ: اللَّهُمَّ إني أرِيدُ الحِجَ فيَشِّرْه لي وتَقَبَّلْه مِنِّيٍ وإن
نَوَى بِقَلْبِهِ أجزأهُ، ثُمَّ يُلَبِي عَقِيبَ صَلاتِهِ.
عائشةَ أنها قالت: فكأنِّي أنظُرُ إلى وَبيِصِ الطَّب في مَفرِقِ رسولِ الله
بعد الثالثةِ من إحرامِه (١)، والممنوعُ التطيُّب قَصْداً، وهذا تابعٌ لا حكمَ
له، وصار كما إذا حَلَق أو قلَّم أظفارَه ثم أحرَمَ.
قال: (ويُصَلِّي ركعَتَينٍ) لأنه صلَّى ركعتين بذِي الخُلَيفةِ عند
إحرامِه .
(ويقولُ: اللَّهُمَّ إني أرِيدُ الحجَ فيَسِّرْه لي وتَقَبَلْه مِنِّي) لأنه أفعالٌ
متعدِّدة مُشِقَّةٌ يأتي بها في أماكنَ متباينةٍ في أوقاتٍ مختلفةٍ، فيسألُ الله
تعالى التَّيسير عليه.
(وإن نَوَى بِقَلْبِه أجزأهُ) لحُصول المقصود، والأولُ أولى،
والأخرسُ يحرِّك لسانَه، ولو نَوى مُطْلَقَ الحجِّ يقعُ عن الفرضِ ترجيحاً
لجانبه، وهو الظاهرُ من حالِهِ، لأن العاقلَ لا يتحمَّلُ المشاقَّ العظيمةَ
وإخراجَ الأموالِ إلا لإسقاطِ الفرضِ إذا كان عليه، وإن نوى التطوُّعَ
وقَعَ تطوعاً إذ لا دِلالةَ مع التَّصريح.
(ُمَّ يُلَبِّ عَقِيبَ صَلاتِهِ) وإن شاءَ إذا استوتْ به راحلتُه، والأولُ
أفضلُ.
(١) أخرجه بنحوه البخاري (١٥٣٨)، ومسلم (١١٩٠)، وهو في ((المسند))
(٢٤١٣٤) و(٢٤٩٣٤)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٧٦٨).
٤٤٦

والتَّبيةُ: لَبَّيْكَ اللّهُمَّ لَبَيكَ، لَبَّيَّكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمْدَ
والنِّعمَةَ لكَ والمُلْكَ لا شَرِيكَ لكَ.
(والتَّلبيةُ: لَبَيْكَ اللّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمْدَ
والنِّعمَةَ لكَ والمُلْكَ لا شَرِيكَ لكَ) وكسرُ ((إنَّ) أصوبُ ليَقَعَ ابتداءً،
ويَرفعُ صوتَه بالتلبية، قال عليه السلام: ((أفضلُ الحَجِّ العَجُّ والشَّجُّ))(١)،
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٩٢٤)، والترمذي (٨٢٧)، وأبو بكر المروزي في
((مسند أبي بكر)) (٢٥)، والبزار في ((مسنده)) (٧١)، وابن خزيمة (٢٦٣١)،
والدارقطني في ((العلل)) ٢٧٩/١، وأبو يعلى (١١٧)، والحاكم ٤٥١/١،
والبيهقي ٤٢/٥ من طرق عن ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن محمد
ابن المنكدر، عن عبد الرحمن بن يربوع، عن أبي بكر الصديق أن النبي ◌َّ
سئل: أي الحج أفضل؟ قال: ((العج والثج)). وقال الترمذي: حديث أبي بكر
حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان.
ومحمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن یربوع، وقد روی محمد بن
المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه، غير لهذا الحديث. وبنحو حديث
أبي بکر روي عن ابن عمر وجابر وابن مسعود :
فأما حديث ابن عمر، فأخرجه الترمذي (٢٩٩٨)، وابن ماجه (٢٨٩٦)،
والدارقطني (٢٤٢١)، والبيهقي ٥٨/٥ من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي،
قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر، يحدث عن ابن عمر قال: قام رجل إلى
النبي ◌َّ فقال: من الحاج؟ قال: ((الشعث التفل)). فقام آخر، فقال: أيُّ الحجِّ
أفضلُ يا رسولَ الله؟ قال: ((العج والثج))، فقام آخر، فقال: ما السبيلُ يا رسول
الله؟ قال: ((الزاد والراحلة)). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من
حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم فيه من قبل حفظه .
٤٤٧
=

فإذا نَوَى ولبَّى فقد أحرَمَ،
فالعج: رفعُ الصوتِ بالتَّلبية، والثَّج: إسالةُ دم الذبائح، ولا يُخِلُّ
بشيءٍ من هذه الكلمات لأنها منقولةٌ باتفاق الرُّواة، وإن زادَ جازَ بأن
يقول: لبّيكَ وسعديكَ، والخيرُ كلُّه في يدَيكَ، لبّيك إلهَ الخَلْقِ غَفَّارَ
الذُّنوب، إلى غيرِ ذُلك مما جاءَ عن الصحابةِ والتابعين. وهي مرةً
شرطٌ والزيادةُ سُنَّة، ويكون بتركها مسيئاً.
قال: (فإذا نَوَى ولبّى فقد أحرَمَ) لأنه أتى بالنيَّةِ والذُّكر كما في
الصلاة، فيدخُلُ في الإحرام.
وأما حديثُ جابر، فقد أورده الزيلعي في ((نصب الراية)) ٣٥/٣، وقال:
رواه أبو القاسم الأصبهاني في كتاب ((الترغيب والترهيب)) من حديث إسماعيل
ابن عیاش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن محمد بن المنكدر عن جابر
مرفوعاً نحوه - يعني نحو حديث ابن مسعود الآتي - وإسحاق لهذا متفق على
تضعيفه .
٠٫٠
٣٨٢٠٠٠
وأما حديث ابن مسعود فقد أخرجه ابن أبي شيبة في ((مسنده)) كما في
(«نصب الراية)) ٣/ ٣٥، وأبو يعلى (٥٠٨٦) من طريق أبي أسامة، عن أبي حنيفة،
عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عبدالله قال: قال رسول الله وَله:
((أفضل الحجِّ العج والثج)) فأما العج فالتلبية وأما الثج فنحر البُدن. ورجاله
ثقات .
وانظر حديث السائب بن خلاد في ((المسند)) (١٦٥٦٦) ولفظه: أن جبريل
عليه السلام أتى النبي (وَلقر فقال: ((كن عجاجاً ثجاجاً) والعج: التلبية، والثج:
نحر البدن. وانظر تمام تخريجه فيه. وانظر فيه أيضاً حديث رقم (١/١٦٥٥٧).
فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن إن شاء الله .
The
٤٤٨
سـ

فَلْتَّقِ الرَّفَثَ والفُسُوقَ والجِدَالَ، ولا يَلْبَسُ قَمِيصاً ولا سراويلاً، ولا
عِمامةً، ولا قَلَنْسُوَةٌ، ولا قَبَاءً، ولا خُفَّينِ،
﴾ ...
(فَلْيَتَّقِ الرَّفَثَ والفُسُوقَ والجِدَالَ) لقوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا
فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والمرادُ النهيُ عن هذه
الأشياء نقلاً وإجماعاً، فالرَّفَتُ: الجماع، وقيل: دواعیه، وقيل: ذِكْر
الجِماع بحَضْرةِ النساء، وقيل: الكلامُ القبيح. والفُسُوق: المعاصي،
وهي حرامٌ وفي الإحرام أشدُّ. والجِدَال: المُخاصَمةُ مع الرَّفيق
والجَمّال وغيرهما.
قال: (ولا يَلْبَسُ قَمِيصاً ولا سراويلاً، ولا عِمامةً، ولا قَلَنْسُوَةٌ، ولا
قَبَاءً، ولا خُفَّينٍ) لأنه وَّهِ نهى أن يلبَسَ المُحرِمُ لهذه الأشياء(١)، فإن لم
يجد إزاراً فَتَقَ سراويلَه فاتَّزَرَ به، وإن لم يجد رداءً شَقَّ قميصَه فارتدَى
به، وإن لم يجدْ نَعْلَيْن يَقطَعِ الخُفَّين أسفلَ الكعبين، لأن هذه الأشياء
تَخرُجُ عن لُبْسِ المَخِيط وهو الذي يقدِرُ عليه، والتكليفُ بحَسْبٍ
الطاقة، وقد قال عليه السلام في آخر الحديث: ((إلا أن لا يجدَ الثَّعلين
فيقطعَ الخُفَّين أسفلَ من الكَعبين))(٢)، وإن ألقَى على كتِفَيْه قَبَاءً جاز،
ما لم يُدخلْ يديه في كُمَّيه لأنه حَاملٌ لا لابِسٌ.
(١) أخرجه من حديث ابن عمر البخاري (١٥٤٢)، ومسلم (١١٧٧)، وهو
في «المسند» (٤٤٦٢) و(٤٥٣٨)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٧٨٤). وانظر ((مسند
أحمد)) حديث رقم (٤٤٥٤).
(٢) هو قطعة من الحديث السابق.
٤٤٩

ولا يَحلِقُ شَيئاً مِن شَعْرِ رَأْسِه وجَسَدِه، ولا يَلْبَسُ ثَوباً مُعَصْفَراً ونحْوَه، ولا
يُغَطِّي رَأْسَه ولا وَجهَه،
قال: (ولا يَحِلِقُ شَيئاً مِن شَعْرِ رَأْسِه وجَسَدِه) لقوله تعالى: ﴿ وَلَا
تَحْلِّقُواْ رُهُ وسَكُمْ حَّ بَبُغَ اَلْهَدْىُ مَحِلٌَّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأن فيه إزالةَ الشَّعَث،
وقد قال عليه السلام: ((الحاج الشَّعِتُ التَّفِلُ))(١) الشَّعَثُ: الانتشار،
ومرادُه انتشارُ شَعرِ الحاج فلا يَجمعُه بالتَّريح والدَّهن والتَّغطيةِ
ونحوه، والتَّفْلُ بالسكون: الرائحةُ الكريهة، والتَّفِلُ: الذي تَرَك
استعمالَ الطِّيب فتُكره رائحتُه، والمُحرِمُ كذلك.
قال: (ولا يَلْبَسُ ثَوباً مُعَصْفَراً ونحْوَه) لأنه طِيْبٌ، حتى لو كان
غسیلاً لا تفوحُ رائحتُه لا بأس به.
(ولا يُغَطِّ رَأْسَه) لقوله عليه السلام: ((إحرامُ الرجلِ في رأسِه))(٢).
(ولا وَجهَه) بطريق الأولى، ولأنه لما حَرَّم على المرأةِ تغطيةَ الوجه
وفي كَشْفِه فتنةٌ كان الرجلُ بالطريق الأولى.
(١) سلف تخريجه قريباً عند الحديث: ((أفضل الحج العج والثج)) ص ٤٤٧ .
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر مرفوعاً الدارقطني (٢٧٦٠)، وموقوفاً
البيهقي ٤٧/٥. ولفظه: ((إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه)).
والراجح وقفه. وقال البيهقي في ((المعرفة)) ١٣٩/٧ : ورفعه ضعيف.
وفي الباب حديث ابن عباس في قصة الذي وَقَصَه بعيره، أخرجه البخاري
(١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦)، وهو في ((المسند)) (١٨٥٠)، و((صحيح ابن حبان))
(٣٩٥٩) وفيه مرفوعاً: (( ... ولا تحنطوه ولا تخمِّروا رأسه، فإنه يبعث يوم
القيامة ملبياً)).
٤٥٠

ولا يَتَطَيَّبُ، ولا يَغْسِلِ رَأْسَه ولا لِحِيَتَه بالخِطْمِيِّ، ولا يَدَّهِنُ، ولا يَقْتُل صَيدَ
البَرّ، ولا يُشِيرُ إليه، ولا يَدُلُّ عليه، ولا القَمْلَ. ويجُوزُ له قَتْلُ البَراغِيثِ
والبَقِّ والذُّبابِ والحَيّةِ والعَقْرَبِ والفأْرَةِ والذّئْبِ والغُرَابِ والحِدَاةِ وسائرِ
السُّباعِ إذا صَالَتْ عليه.
قال: (ولا يَتَطَيَّبُ، ولا يَغْسِلِ رَأْسَه ولا لِحِيَتَه بالخِطْمِيّ، ولا
يَدَّهِنُ) لأن في ذلك كلِّه إزالةَ الشَّعَث.
قال: (ولا يَقْتُل صَيدَ البَرّ، ولا يُشِيرُ إليه، ولا يَدُلُّ عليه) لقوله
ج
تعالى: ﴿لَا نَّقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ
عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَادُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ولما رُوي أن أبا قتادةَ صادَ
حمارَ وَحْشٍ وهو حلالٌ وأصحابُه محرِمون، فسألوا رسولَ الله وَل عن
أكلِه فقال: ((هل أشَرْتُم، هل دَلَلْتُم؟)) قالوا: لا، قال: ((إذاً فكلوا))(١)،
ولأن الإشارةَ والدِّلالة في معنى القَتْل لما فيه من إزالةِ الأمْنِ عن الصَّيد
فيتناولُه النصُّ، كالرِّدْءِ والمُعِينِ (٢) في قتل بني آدمَ .
قال: (ولا القَمْلَ) لأنه إزالة الشَّعَث.
قال: (ويجُوزُ له قَتْلُ البَراغِيثِ والبَقِّ والذُّبابِ والحَيّةِ والعَقْرَبِ
والفأْرَةِ والذّئْبِ والغُرَابِ والحِدَأَةِ وسائرِ السِّباع إذا صَالَتْ عليه) أما
(١) أخرجه بنحوه من حديث أبي قتادة البخاري (١٨٢٤) و(٢٩١٤)،
ومسلم (١١٩٦)، وهو في ((المسند)) (٢٢٥٢٦) و(٢٢٥٦٧)، و((صحيح ابن
حبان» (٣٩٧٥).
(٢) المثبت من (س)، وفي (م): ((كالرِّدْء المعين)) بلا واو. والرِّدْءُ: معناها
العَون.
٤٥١

ولا يَكْسِرُ بَيْضَ الصَّيدِ، ولا يَقْطَعُ شَجَرَ الحَرَمِ،
البراغيثُ والبقُّ والذبابُ، فلأنها ليست بصيدٍ ولا متولَّدةٍ منه، فليس
قتلُها إزالةَ الشَّعَث، وتَبَدأُ بالأَذَى، وكذلك النّملُ والقُرَاد لما ذكرنا.
وأما الحيّةُ والعقربُ والفأرة والذِّئب والغُراب والحِدَأة لقوله عليه
السلام: ((خمسٌ من الفَوَاسق يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: الحِدَاةُ والحيَّةُ
والعقربُ والفأرةُ والكلبُ العَقُور))، وفي بعض الروايات زاد الغُراب،
وذَكَر في روايةٍ الذئب(١)، قالوا: وهو المُرادُ بالكلب العقور أو هو في
معناه، والغُراب: هو الذي يأكلُ الجِيَفَ، ولأن هذه الأشياء تبدأُ
بالأذى، وأما السِّباعُ إذا صالَتْ، فلأنه لمَّا أذِنَ الشرعُ في قتل الخَمْس
الفَوَاسق لاحتمال الأذى، فلأَنْ يأذَنَ في قتل ما تحقَّق منه الأذى كان
أولى.
قال: (ولا يَكْسِرُ بَيْضَ الصَّيدِ) لأنه أصلُ الصيد.
(ولا يَقْطَعُ شَجَرَ الحَرَم) للحديث(٢)، ولأنه محظورٌ على الحَلال
فالمُحرِمُ أولى.
(١) أخرجه من حديث ابن عمر البخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٩)، وهو
في ((المسند)) (٤٤٦١) و(٤٨٥١)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٩٦١). وفي الباب
عن غير واحد من الصحابة في ((الصحيحين)) وغيرهما، انظرها في ((المسند)) عند
تخريج حديث ابن عمر هذا في الموضع الأول.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥)، وهو
في ((المسند)) (٧٢٤٢)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٧١٥). وفيه: (( ... لا يُختلى
شوكها ولا يعضد شجرها ... )) إلخ.
=
Pha
٤٥٢
gairm

ويَجُوزُ له صَيْدُ السَّمَكِ، ويَجُوزُ له ذَبْحُ الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَم والدَّجاج والبَطِّ
الأهلِيّ، ويجُوزُ له أن يَغْتَسِلَ ويَدْخُلَ الحمَّامَ، ويَستَظِلَّ بالبيتِ والمَحْمِلِ،
(ويَجُوزُ له صَيْدُ السَّمَكِ) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اُلْبَحْرِ﴾
الآية [المائدة: ٩٦].
(وَيَجُوزُ له ذَبْحُ الإِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والدَّجاج والبَطِّ الأهلِيِّ) لأنها
ليست بصُيُود لإمكان أخذِها من غير معالجةٍ لكونها غيرَ متوحشةٍ .
مسودة
قال: (ويجُوزُ له أن يَغْتَسِلَ ويَدْخُلَ الحمَّامَ) لأنه يحتاجُ إلى
الاغتسالِ للجَنَابة وغيرها، وقد اغتَسلَ عمرُ رضي الله عنه وهو
مُحرِمٌ(١).
قال: (ويَسْتَظِلَّ بالبيتِ والمَحْمِلِ)(٢) لأنه لا يصلُ إلى رأسِه فلا
يتغطّى، وقد ضُرب لعثمانَ رضي الله عنه الفُسْطاط وهو محرِمٌ(٣).
=
وأخرجه من حديث ابن عباس البخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣)، وهو
في ((المسند)) (٢٣٥٣) و(٢٨٩٦)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٧٢٠). وفيه كما في
حديث أبي هريرة. وانظر تمام تخريج الحديث في ((المسند)) وابن حبان.
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٢٣/١، والشافعي في ((مسنده)) ٣٠٩/١،
والبيهقي في ((السنن)) ٦٣/٥.
(٢) المَحْمِل: هو الهودج الكبير.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) وهو في القسم الذي نشره العمروي
ص٣٢٨ وفي سنده الصلت بن دينار وهو متروك، وفي الباب عن أم الحصين
قالت: حججت مع النبي ◌َّر حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ
بخطام ناقة النبي ◌َّه والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة.
=
٤٥٣

ويَشُدَّ فِي وَسَطِهِ الهِمْيَانَ، ويُقاتِلَ عَدُوَّه.
وَيُكْثِرُ مِنَ التَّلْبِيَةِ عَقيبَ الصَّلَوَاتِ، وَكُلَّمَا عَلَا شَرَفاً أو هَبَطَ وادِياً أو لَفيَ
رَكْباً وبالأسحارِ .
فصل
ولا يَضُرُّه لَيلاً دَخَلَ مَّةً أو نَهاراً كغَيرِها من البلادِ، فإذا دَخَلَها ابتَدأ
بالمسجدِ،
(ويَشُدَّ فِي وَسَطِهِ الهِمْيانَ(١)) لأنه ليس بلُبْسٍ وهو محتاجٌ إليه
لِحِفْظ النَّفقة .
(ويُقاتِلَ عَدُوَّه) لما تقدم.
(وَيُكْثِرُ مِنَ التَّلْبِيةِ عَقيبَ الصَّلَوَاتِ، وكُلَّمَا عَلَا شَرَفاً أو هَبَطَ
وادِياً أو لَقِيَ رَكْباً وبالأسحارِ) هو المأثورُ عن الصحابةِ رضي الله
عنهم .
فصل
(ولا يَضُرُّه لَيلاً دَخَلَ مَّةَ أو نَهاراً كغَيرِها من البلادِ، فإذا دَخَلَها
ابتَدأ بالمَسجدِ) لأنَّ البيتَ فيه، والمقصودُ زيارتُه، ويستحبُّ أن يدخله
وفي حديث جابر الطويل عند مسلم (١٢١٨) وفيه: فأجاز رسول الله وَل
حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها .
والفسطاط: هو الخيمة الكبيرة.
(١) هو الكيسُ تجعلُ فيه النفقة ويُشد على الوسَطِ، وهو فارسي معرب.
٤٥٤

فإذا عايَنَ البيتَ كَبَّرَ وهَلَّلَ، وابتدأ بالحَجَرِ الأسوَدِ فاستَقبَله وكَبَّرَ،
من باب بني شَيبةَ اقتداءً بفعله وَلَّ(١)، ويستحبُّ أن يقول عند دخولها:
اللهم لهُذا حَرَمُك ومأمنُك، قلتَ - وقولُك الحقُّ -: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ
ءَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧]، اللهمَّ فحرِّم لحمِي ودَمِي على النار، وقِي
عذابَك يوم تبعثُ عبادَك، ويدخُلُ المسجدَ حافياً إلا أن يستضرّ،
ويقول عند دخوله: بسم الله وعلى مِلَّةِ رسولِ الله، الحمدُ لله الذي
بلَّغني بيته الحرامَ، اللهمَّ افتح لي أبواب رحمتك ومغفرتِك وأدخلني
فيها، وأغلِقْ عني أبواب معاصيك وجنِّبني العملَ بها.
(فإذا عاينَ البيتَ كَبَّرَ وهلَّل) ويُستحبُّ أن يقول: الله أكبرُ الله أكبرُ،
اللهمَّ أنتَ السلامُ ومنك السلامُ، حيِّنا ربَّنا بالسلام، وأدخلنا دارَ
السلام، اللهمَّ زِدْ بيتَك هذا تشريفاً ومَهابةً وتعظيماً، اللهمَّ تقبَّل توبتي
وأقِلْنِي عَثْرَتي، واغفر لي خَطِيئَتي يا حنَّانُ يا منَّان(٢).
(وابتدَأْ بالحَجَرِ الأسوَدِ فاستَقبَله وكَبَّرَ) هكذا فَعَلِ نَِّ لمَّا دخل
المسجد(٣).
(١) روى ذلك من حديث ابن عباس عند ابن خزيمة (٢٧٠٠)، والبيهقي
٧٢/٥ بسند جيد. وروي مرسلاً عن ابن جريج عن عطاء، ذكره البيهقي وقال:
مرسل جید .
(٢) تُراجع في ((الفتوحات الربانية)) ٣٦٨/٤ وما بعدها لابن علان.
(٣) أما ابتداؤه عليه السلام بالحجر، فهو في حديث جابر الطويل في حجة
النبي ◌َّ عند مسلم (١٢١٨)، وفيه: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الرُّكن فرمل
ثلاثاً. وأما التكبير ففي حديث ابن عباس عند البخاري (١٦٣٢): أنه عليه السلام
طاف على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبّر .
٤٥٥

ويَرفَعُ يَدَيه كالصَّلاةِ ويُقَبِّلُه إن استَطاعَ من غيرِ أن يُؤْذِيَ مُسلِماً، أو يَستَلِمُه أو
يُشِيرُ إليه إن لم يَقْدِر على الاستِلامِ،
(ويَرفَعُ يَدَيه كالصَّلاةِ) لقوله عليه السلام: ((لا تُرفَعُ الأيدي إلا في
سبعةِ مواطن))(١)، وعدَّ منها استلامَ الحَجَر. (ويُقَبِّلُهُ إِن استَطاعَ من غيرِ
أن يُؤْذِيَ مُسلِماً، أو يَستَلِمُه) وهو أن يَلمِسَه بكفُّه، أو يُلمِسَه شيئاً بيدِه
ثم يقبّلَه أو يحاذِیه.
(أو يُشِيرُ إليه إن لم يَقْدِر على الاستِلام) لأن التحرُّز عن أذى
المسلم واجبٌ، والتقبيلُ والاستلامُ سُنَّةٌ، وَالإتيانُ بالواجب أولى
والنبيُّ بَِّ قبَّل الحَجَر وقال العُمر: ((إنك رجلٌ أَيِّدٌ - أي: قويٌّ - فلا
تُزاحم الناسَ على الحَجَر، ولكن إن وجدتَ فُرْجةً فاستَلِمْه، وإلا
فاستَقْبلْه وهلِّلْ وكبِّرْ))(٢)، ورُوي أنه عليه السلام طافَ على راحلتِهِ،
واستَلَم الأركانَ بِمِحْجَنِهِ(٣).
(١) سلف تخريجه ص١٦١ .
(٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٩٠)، والبيهقي في ((السنن)) ٨٠/٥،
وهو حديث حسن.
"
(٣) بلفظ الجمع أن النبي ◌َ ر استلم الأركان كلها بمحجنه، أخرجه أبو
يعلى في ((مسنده)) (٥٧٦١) من حديث ابن عمر قال: طاف رسول الله وَّ ل على
راحلته يوم فتح مكة يستلم الأركان بمحجن معه. وإسناده ضعيف جداً.
وأخرج البخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢) من حديث ابن عباس، قال:
طاف النبي ◌َّ- في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن. وهو في
((المسند)) (١٨٤١)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٨٢٩). وانظر تمام تخريجه فيهما . =
٤٥٦

٠٠١٨
ثُمَّ يطُوفُ طوَافَ القُدُومِ، وهو سُنَّةٌ لِلآفاقيّ، فيبدأُ من الحَجَرِ إلى جِهَةِ باب
الكَعبةِ، وقد اضْطَبَعَ رِدَاءَه، فيَطُوفُ سَبعةَ أشواطٍ ورَاءَ الحَطِيمِ، يَرْمُلُ في
الثَّلاثِ الأُوَلِ، ثُمَّ يَمْشِي على هِينَتِهِ، ويَستَلِمُ الحَجَرَ كُلَّمَا مَرَّ به، ويَخْتِمُ
ويُستحبُّ أن يقول عند استلام الحجر: الله أكبرُ الله أكبرُ، اللهمَّ
إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدِك، واتِّباعاً لنبيِّك، أشهدُ أن
لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، آمنتُ بالله
وكفَرْتُ بالجِبْتِ والطاغوت.
قال: (ثُمَّ يطُوفُ طوَافَ القُدُوم) ويسمَّى طوافَ التحيَّة.
(وهو سُنَّةٌ لِلآفاقيّ) قال عليه السلام: ((من أتَى البيتَ، فليُحَيِّه
بالطَّواف)) (١)، ولفظةُ التحيةِ تُنافي الوُجوبَ، ولا قُدُومَ لأهل مكةَ فلا
يُسنُّ في حقهم. ويقولُ عند افتتاح الطواف: سبحانَ الله والحمدُ لله ولا
إله إلا الله والله أكبرُ، اللهم أعِذْني من أهوالٍ يومِ القيامةِ.
(فيَبدأُ من الحَجَرِ إلى جِهَةِ باب الكعبةِ، وقد اضْطَبَعَ رِداءَه)
والاضْطِباع: إخراجُ طَرَف الرِّداء من تحتِ الإبْط الأيمن وإلقاؤه على
عاتِقِه الأيسرِ (فيَطُوفُ سَبعةَ أشواطٍ ورَاءَ الخَطِيم، يَرْمُلُ في الثَّلاثِ
الأُوَلِ، ثُمَّ يَمْشِي على هِينَتِهِ، ويَسْتَلِمُ الحَجَرَ كُلَّمَا مَرَّ به، ويَخْتِمُ
وفي الباب عن غير واحد من الصحابة في ((الصحيح)) وغيره، ذكرناها في
((المسند)) عند حديث أبي الطفيل برقم (٢٣٧٩٨). فانظر تمام ذكرها وتخريجه
فیه .
(١) قال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) ٥١/٣ عن هذا الحديث: غريب
جداً، (أي: لم يقف عليه) وقال الحافظ ابن حجر في ((الدراية)) ٢/ ١٧ : لم أجده.
٤٥٧

الطَّوافَ بالاستِلامِ،
الطَّوافَ بالاستِلام) هكذا نُقْلِ نُسُكُهُ وٍَّ(١) . والحَطِيم: موضعٌ مبنيٌّ دون
البيت من الرُّكن العِراقيِّ إلى الرُّكن الشاميِّ، سُمِّي بذلك لأنه حُطِم من
البيت، أي: كُسِر، وفيه نُصِب المِيزابُ، وهو الحِجْرُ لأنه حُجِر من
البيت، أي: مُنِعٍ، وبينَه وبين البيت فُرْجةٌ من الجانبين، فلو دَخَل فيها
في طَوافِه لم يُجْزِه لأنه من البيت، قال عليه السلام: ((الحَطِيم من
البيت))(٢)، فيعيدُ الطوافَ، فإن أعاده على الحَطيم وحدَه أجزأه لأنه
(١) أخرج مسلم برقم (١٢١٨)، وابن حبان في ((صحیحه)) (٣٩٤٤) حديث
جابر الطويل وفيه: حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثاً ومشى
أربعاً، ثم نَفَذَ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ ﴿ وَأَتَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِعَ مُصَلّ﴾
[البقرة: ١٢٥]، فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلّ
هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ و﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ ثم رجع إلى الركن فاستلمه ...
إلخ. واللفظ لمسلم. وانظر لفظ ابن حبان. وهو في ((المسند)) (١٤٤٤٠).
(٢) أخرج البخاري (٧٢٤٣)، ومسلم (١٣٣٣) (٤٠٥) و(٤٠٦) من حديث
عائشة قالت: سألت النبي وَلهم عن الجَدْر أمن البيت هو؟ قال: ((نعم)). قلت: فما
لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: ((إن قومك قصَّرت بهم النفقة)). قلت: فما شأن
بابه مرتفعاً؟ قال: ((فعل ذاك قومك ليُدْخِلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، لولا
أن قومك حديثٌ عهدُهُم بالجاهلية، فأخاف أن تُنكرَ قلوبهم أن أدخل الجَدْر في
البيت، وأن أُلصق بابه في الأرض)). والجدر هو الحِجْر، وهو لفظ مسلم الثاني.
وأخرج أبو داود (٢٠٢٨)، والترمذي (٨٧٦)، والنسائي ٢١٩/٥، وهو في
((المسند)) (٢٤٦١٦)، من حديث عائشة: أنها قالت: كنت أحب أن أدخل
البيت، فأصلِّي فيه، فأخذ رسول الله وَ لي بيدي، فأدخلني في الحِجر، فقال لي : =
٤٥٨

تمَّ طوافُه، والأولى أن يُعيدَه على البيت أيضاً ليؤدِّيَه على الوجه
الأحسنِ والأكملِ، ويَخرج به عن خِلاف بعضِ الفُقهاء. والرَّمَلُ: هزّ
الكَتِفِين كالتَّبختُر، وسببُه إظهارُ الجَلَد للمشركين حيث قالوا عن
الصحابة: أوْهَنَتْهُم حُمَّى يَثْرِب، فقال عليه السلام: ((رَحِم الله امرَأْ
أظهَرَ من نفسِه جَلَداً)) (١)، وزال السببُ وبقي الحُكمُ إلى يومِنا، به
التوارثُ. واستلامُ الحَجَر أولَ الطوافِ وآخرَه سُنةٌ، وما بينَهما أدبٌ.
ويُستحبُّ أن يستلمَ الرّكنَ اليمانيَّ ولا يقبّلَه، وعن محمد أنه سُنةٌ
= ((صَلِّي في الحِجر إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك
استقصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت)). وإسناده محتمل للتحسين.
قال ابن قطلوبغا ص١٨٣ بعد أن ذكر ما خرجناه من أحاديث الباب من
حديث عائشة: قال: هذا إذا كان المراد بالحجر والحطيم واحداً، وأما من قال:
إن الحطيم ما بين الركن والمقام وأنه من الركن الأسود إلى الحجر، فلا تكون
هذه من أحاديث الباب عنده، والأول مراد علمائنا رضي الله عنهم.
(١) لم نجده بهذا اللفظ وأخرجه بنحوه من حديث ابن عباس البخاري
(١٦٠٢) و(٤٢٥٦)، ومسلم (١٢٦٦)، وهو في ((المسند)) (٢٦٣٩) ولفظ مسلم
عن ابن عباس قال: قدم رسول الله وَ له وأصحابُه مكة، وقد وَهَنَتْهُم حُمَّى يثرب،
قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحُمى، ولقوا منها شدة.
فجلسوا مما يلي الحِجْر، وأمرهم النبي وَلِّ أن يرملُوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما
بين الركنين، ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: لهؤلاء الذين زعمتم أن
الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا، قال ابن عباس: ولم يمنعه أن
يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء عليهم.
=
٤٥٩

ثُمَّ يُصلَي ركعَتَينٍ في مَقام إبراهيمَ، أو حيثُ تَيَسَّرَ من المسجِدِ
ولا يقبِّل بقية الأركانِ، لأنه عليه السلام كان يستلمُ الحَجَر والركنَ
اليماني لا غير(١) .
ويُستحبُّ أن يقول إذا بَلَغَ الزُّكنَ العراقيَّ: اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من
الشِّرك والكُفْرِ والنِّفاقِ وسُوءِ الأخلاق. وعند المِيزاب: اللهمَّ اسقِني
بكأس محمدٍ شَرْبةً لا أظمَأُ بعدَها. وعند الزُّكن الشامي: اللهم اجعله
حَجّاً مبروراً، وسَعياً مشكوراً، وذَنْباً مغفوراً، وتجارةً لن تبور
برَحمتِك يا عزيزُ يا غفور. وعند الرُّكن اليماني: اللهمَّ إني أعوذُ بك من
عذابِ القبرِ وفِتنة المَحيًا والمَمَات.
قال: (ثُمَّ يُصلِّ ركعَتّينِ في مَقامِ إبراهيمَ، أو حيثُ تَيَسَّرَ من
المسجِدِ) وهي واجبةٌ، قال عليه السلام: ((ليُصَلِّ الطائفُ لكلِّ أسبوع
رَكعتين))(٢)، وقيل: في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهَِ
وأخرج البخاري (١٦٠٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال
للزُّكن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي
وَ* استلمك ما استلمتك، ثم قال: فما لنا وللرَّمَل، إنما كنا راءينا به
المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي وَّر، فلا نحب أن
نتر که .
(١) أخرجه من حديث ابن عمر البخاري (١٦٠٩)، ومسلم (١١٨٧)
و(١٢٦٧)، وهو في ((المسند)) (٥٩٤٥)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٨٢٧).
(٢) هو بهذا اللفظ غريب (أي: لا يوجد) كما قال الزيلعي في ((نصب
الراية)) ٣ / ٤٧ .
٤٦٠