النص المفهرس
صفحات 381-400
ولا إلى غنِيٍّ ولا إلى وَلَد غنِيِّ صَغيرٍ، ولا إلى مَملُوكُ غنِيّ، ولا إلى مَن بينَهما قَرَابٌ وِلادٍ أعلَى أو أسفَلَ، ولا إلى زَوجَتِهِ، قال: (ولا إلى غنِيٌّ) لقوله عليه السلام: ((لا تحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ)) (١). قال: (ولا إلى وَلَد غنِيٌّ صَغيرٍ) لأنه يُعَدُّ غنياً بغِنى أبيه عُرْفاً حتى لا تجبُ نفقتُه إلا على الأب، بِخِلاف الكبير فإنه لا يُعَدُّ غنياً بغِنَى أبيه حتی تجبُ نفقتُه على ابنه لا على أبيه. قال: (ولا إلى مَملُوكٍ غنِيّ) لأن المُلكَ يقعُ لمولاه. قال: (ولا إلى مَن بينَهما قَرَابُ وِلادٍ أَعلَى أو أسفَلَ) كالأبِ والجَدِّ والأُم والجَدِّة من الجانبين، والولدِ وولدِ الولد وإن سَفُل، وهذا بالإجماع، لأن الجُزئيَّة ثابتةٌ بينهما من الجانبين حتى لا تجوز شهادةٌ أحدِهما للآخر، ولا يُقْطَعُ بسَرِقةِ مالِهِ، فلا يتمُّ الإيتاءُ المشروط في الزكاة إلا بانقطاع منفعةِ المُؤْتى عما أتى والمنافعُ بينهم متصلةٌ. (ولا إلى زَوجَتِهِ) لأن المنافع بينهما متصلةٌ، ويُعدُّ غنيّاً بمالٍ زوجته، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَيِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]، قالوا: بمالٍ خديجةَ، وكذلك الزوجةُ لا تَدفعُ إلى زوجِها لأنها تعدُّ غنيةً باعتبار ما لَها عليه من النفقة والكِسْوةِ، ولأنهما أصلُ الوِلادِ، وما يتفرَّع من هذا الأصل يَمنعُ صرفَ الزكاة فكذا الأصلُ، ولهذا يَرِثُ كلُّ واحدٍ منهما (١) سلف ص٣٧٩. ٣٠م ٣٨١ ولا إلى مُكاتَبِه، ولا إلى هاشِمِيٍّ، من الآخر من غیر حَجْبٍ کقرابةِ الولادِ. وقال أبو يوسف ومحمد : تدفعُ إلى زوجِها لقوله عليه السلام لزينبَ امرأةِ ابنِ مسعودٍ وقد سألَتْه عن التصدُّق على زوجها: ((لك أجران: أجرُ الصدقةِ، وأجرُ الصِّلَة))(١). قلنا: هو محمولٌ على صدقة التطوّع لما بيّنا من اتصال المنافع بينهما وذُلك جائزٌ عندَه. قال: (ولا إلى مُكاتَبِه) لأنه مَلَكه من وجهٍ فلم يتحقَّق الإيتاءُ المشروط . قال: (ولا إلى هاشِمِيٍّ) لقوله عليه السلام: ((يا بني هاشمٍ إن الله حرَّم عليكم أوسَاخَ الناس وعوَّضكُم عنها بخُمُس الخُمُس))(٢)، وهم: آلُ عباسٍ، وآلُ عليٍّ، وآل عَقِيلٍ، وآَلُ جعفرٍ، وآل الحارث بنِ عبد المطلب، لأنهم يُنسَبون إلى هاشم بنِ عبد مَنَاف، ولأن هؤلاءِ همُ المستحِقُون لخُمُس الخُمُس، وهو سهمُ ذوي القُربَى دون غيرهم من الأقارب، فالله تعالى حرَّم الصدقةَ على فقراءِ مَن عوَّضهم بخُمُس (١) أخرجه البخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠)، وهو في ((المسند)) (٢٧٠٤٨)، و((صحيح ابن حبان)) (٤٢٤٨). (٢) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) ٢/ ٤٠٣ وقال: غريب بهذا اللفظ. وروى مسلم (١٠٧٢) في حديث طويل من رواية عبد المطلب بن ربيعة مرفوعاً: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وأنها لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد)) الحديث، وفي آخره أن النبي ◌َّ أمر بتزويج اثنين من بني هاشم وأن يُصْدَق عنهما من الخُمُس. ٣٨٢ ولا إلى مَولَى هاشمِيٍّ. الخُمُس، فيختصُّ تحريمُ الصدقةِ بهم، ويبقَى مَن سواهم من الأقارب كالأجانبِ فتحلُّ لهم الصدقةُ، وكذلك الحُكْم فيما سوى الزكاةِ من الصدقات الواجباتِ كصدقةِ الفِطر والكفَّارات والعُشُور والنُّذور وغيرِ ذلك، لأنها في معنى الزكاة، فإنه يطهّر نفسَه بأدَاء الواجِبِ وإسقاطٍ الفَرْض، فيتدنَّسُ المؤدَّى كالماء المستعمَل، بخلاف صَدَقةِ التطوُّع حيث تحِلُّ للهاشمي لأنها لا تتدنَّسُ كالوضوء للتبرُّد. قال: (ولا إلى مَولَى هاشِمِيٍّ) لقوله عليه السلام لمولاه أبي رافع وقد سألَه عن ذلك: ((إن الصَّدقةَ مُحرَّمةٌ على مُحمدٍ وعلى آل مُحمدٍ، وإنَّ مولى القومِ منهم)»(١)، وذكر بعضُ أصحابنا: يجوزُ للهاشميِّ أن يدفع زكاةَ مالِه إلى الهاشميِّ عند أبي حنيفةً خلافاً لأبي يوسف، ووجهُه أن المُرادَ بقوله: ((أوساخ الناس)): غيرُهم، هو المفهومُ من مثلِه، فيقتضي حُرْمةَ زَكاةٍ غيرهم علیهم لا غير . وذكر في ((المنتقى)) عن أبي عِصْمةً عن أبي حنيفةً: أنَّ الصدقةً تَحِلُّ لبني هاشمٍ، وفقيرُهم فيها كفقيرِ غيرهم، ووجهُه: أن عِوَضَها وهو خُمُس الخُمُس لم يَصِلْ إليهم لإهمالِ الناس أمْرَ الغنائمِ وقِسْمتِها وإيصالِها إلى مُستحقِّيها، وإذا لم يَصِلْ إليهم العِوَضُ عادوا إلى المعوّض عملاً بمطلَقِ الآية سالماً عن معارضةِ أخذِ العِوَض، وكما في (١) أخرجه أبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي ١٠٧/٥، وسنده صحيح. ٣٨٣ وإنْ أعطَى فَقِيراً واحِداً نِصَاباً أو أكثَرَ جازَ (ز) ويُكْرَه، ويجُوزُ دَفعُها إلى مَن يَملِكُ دُونَ النِّصَابٍ وإنْ كانَ صَحِيحاً مُكَتَسِباً. سائر المُعاوضاتِ، ولأنه إذا لم يصِلْ إليهم واحدٌ منهما هَلَكوا جوعاً، فيجوزُ لهم ذُلك دفعاً للضَّرر عنهم . واعلم أن التمليكَ شرطٌ، قال تعالى: ﴿ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. والإيتاءُ: الإعطاء. والإعطاءُ: التمليك، فلا بدَّ فيها من قَبْضٍ الفقير أو نائبه كالوَصِيِّ والأَبِ ومَن يكون الصغيرُ في عِيالِه قريباً كان أو أجنبياً، وكذلك المُلتقِط للَّقيطِ، لأن التمليكَ لا يتمُّ بدون القَبْضِ. ولا يُبنَى بها مسجدٌ ولا سِقايةٌ ولا قَنْطَرَةٌ ولا رِباطٌ، ولا يكفَّنُ بها ميِّتٌ، ولا يُقضَى بها دَينُ ميتٍ، ولا يُشتَرى بها رقبةٌ تُعتَقُ لعدم التمليك. ولو قَضى بها دَينَ فقيرٍ جاز، ويكون القابضُ كالوكيل عن الفقير. قال: (وإنْ أعطَى فَقِيراً واحِداً نِصَاباً أو أكثَرَ جازَ ويُكْرَه) وقال زفر: لا يجوزُ لمقارنةِ الأداء الغِنَى، فيمنع وقوعه زكاةً. ولنا أن الغِنَى يتعقَّبُ الأداءَ لحُصولِه بالقَبضِ، والقَبضُ بعدَ الأداء، إلا أنه قريبٌ منه فيُكره كمن صلَّى قريباً من النجاسةِ. ومن المشايخ مَن قال: إن كان عليه دَينٌ لو قضاه بقيَ معه أقلّ من نصابٍ، أو كان له عِيالٌ لو فرَّق عليهم أصاب كلُّ واحدٍ دونَ النصابِ لا يُكره، لأنه أعطاه سهماً من ذلك. قال: (ويجُوزُ دَفعُها إلى مَن يَملِكُ دُونَ النَّصَابِ وإنْ كانَ صَحِيحاً مُكتَسِباً) لأنه فقیرٌ. ٣٨٤ جزاء. واعلم أن الغِنَى على مراتبَ ثلاثةٍ: غِنّى يُحرِّم عليه السؤالَ ويُحِلُّ له أخذَ الزكاة، وهو أن يملِكَ قُوتَ يومِه وسَتْرَ عورتِه؛ وكذلك الحُكم فيمن كان صحيحاً مكتسِباً، لقوله عليه السلام: ((من سَأل عن ظَهْرِ غِنى فإنَّه يَستكثرُ من جَمْر جهنم))، قيل: يا رسولَ الله، وما ظهرُ غِنى؟ قال: ((أن يعلَمَ أن عندَ أهلِه ما يُغدِّيهم ويعشِّيهم))(١). وغنّى يحرِّمُ عليه السؤالَ والأخذَ ويُوجِبُ عليه صدقةَ الفِطر والأُضحيَّةَ، وهو أن يملِكَ ما قيمتُه نصابٌ فاضلاً عن الحوائج الأصليةِ من غير أموالِ الزكاةِ كالثِّياب والأثاثِ والعَقَار والبغَال والحَمِير ونحوِهِ. قال عليه السلام: ((لا تحِلُّ الصدقةُ لغَنِيِّ))، قيل: ومَن الغني؟ قال: ((من له مِئتا درهمٍ))(٢)، وغِنّى يحرِّم عليه السؤالَ والأخذَ، ويُوجب عليه صدقةً الفِطر والأُضحيَّةَ، ويُوجِب عليه أداءَ الزكاة، وهو مِلكُ نصابٍ كاملٍ نامِ على ما بيّناه . (١) أخرجه بنحوه أبو داود (١٦٢٩) من حديث سهل ابن الحنظلية. وإسناده حسن . وفي الباب عن رجل من مزينة، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٧٢٣٧). وإسناده صحيح. وعن أبي سعيد الخدري عند أحمد أيضاً برقم (١١٠٤٤). وإسناده صحيح. وعن عبد الله بن مسعود عند أحمد كذلك برقم (٣٦٧٥) وهو حديث حسن. (٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، لكن انظر معناه في حديث أبي سعيد الخدري وحديث عبد الله بن مسعود السالف تخريجهما قبل. ٣٨٥ ولو تَفَعَها إلى مَن ظَنَّه فَقِيراً فكان غَنِيّاً، أو هاشِمِيّاً، أو دفَعَهَا في ظُلْمةٍ فِظَهَرَ أنَّه أَبُوه أو ابنُه أجزاَهُ (س)، وإنْ كانَ عَبْدَه أو مُكاتَبَه لم يُجْزِهِ، وَيُكْرَه نَقْلُها إلى بلدٍ آخَرَ قال: (ولو دَفَعَها إلى مَن ظَنَّه فَقِيراً فكان غَنِيّاً، أو هاشِمِيّاً) أو ذِمِّياً أو حربيّاً(١) (أو دفَعَهَا في ظُلْمَةٍ فِظَهَرَ أنَّه أَبُوه أو ابنُه أجزأَهُ) وقال أبو يوسف: لا يُجزئه لأنه تبيَّن خطؤُه بيقينٍ، فصار كالماءِ إذا ظَهَرَ أنه نَحِسٌ بعدَ استعمالِهِ. ولنا أنه أتى بما وَجَب عليه، لأن الواجبَ عليه الدفعُ إلى مَن هو فقيرٌ في اجتهادِهِ، لأنه لا يُمكِنُ الوقوفُ على الحقيقةِ، فقد يكون في يدِ الإنسان مالٌ لغيرِه أو مغصوبٌ أو عليه دَيزٌ، فإذا أعطاه بعدَ الاجتهادِ أجزاً، كما إذا أخطأَ القبلةَ بعد الاجتهاد، ولحديث مَعْنِ بن يزيدَ قال: دفع أبي صَدَقَتَه إلى رجلٍ ليُفرِّقها على المساكين فأعطاني، فلما عَلِمَ أبي أرادَ أخْذَه مِنِّي، فلم أُعطِهِ، فاختصمْنا إلى النبي عليه السلام فقال: ((يا معنُ لك ما أخذتَ، ويا يزيدُ لك ما نَويتَ))(٢). قال: (وإنْ كانَ عَبْدَه أو مُكاتَبَه لم يُجْزِهِ) لأنه لم يَخرُجْ عن مُلِكِه خروجاً صحيحاً، ولهذا بالإجماع. قال: (وَيُكْرَه نَقْلُها إلى بلدٍ آخَرَ) لما تقدَّم من حديث معاذٍ، ولأن لفقراءِ بلدِهِ حُكمُ القُرْب والجِوار، وقد اطّلعوا على أموالِهم وتعلَّقتْ بها أطماعُهم، وكان الصرفُ إليهم أَولى. (١) قوله: ((أو حربياً)) ليس في (س)، وأثبتناه من (م). (٢) أخرجه البخاري (١٤٢٢)، وهو في ((المسند)) (١٥٨٦٠). وانظر تمام تخريجه فیه . # ٣٨٦ إلَّ إلى قَرَابَتِهِ أو مَن هو أحوَجُ مِنْ أهلِ بَلَدِه. باب صدقة الفطر وهي واجِبةٌ على الحُرّ المُسلِمِ المالِكِ لمِقدارِ النِّصابِ فاضِلاً عن حَوائِچِه الأصليّةِ، قال: (إلاَّ إلى قَرَابَتِهِ) لما فيه من صِلَة الرَّحم مع سُقوط الفَرْض (أو مَن هو أحوَجُ مِنْ أهلِ بَلَدِهِ) لحديث معاذٍ، فإنه كان ينقُلُ الصدقةَ من اليَمَن إلى المدينةِ، لأن فقراءَ المدينةِ أحوجُ وأشرفُ، ولو نُقل إلى غيرهم جازَ لإطلاق النُّصوص . باب صدقة الفِطر (وهي واجِبةٌ على الحُرّ المُسلِمِ المالِكِ لمِقدارِ النِّصابِ فاضِلاً عن حَوائِجِه الأصليَّةِ) كما بيناه، وشرطُ الحريّةِ لأنَّ العبدَ غيرُ مخاطَبٍ بها لَعَدَم مِلْكِه، والإسلام لأنها عبادةٌ، قال عليه السلام فيها: ((إنها طُهْرةٌ للصائمِ مِن الرَّفَث))(١) وإنه مختصٌّ بالمُسلِم، والغِنَى لقوله عليه السلام: ((لا صدقةً إلا عن ظَهْرٍ غِنّى))، وفي رواية: ((إنما الصدقةُ عن ظَهر غِنَّى))(٢)، والأصل في وُجوبها ما روى عبدُ الله بنُ ثعلبةً بن صُعَير (١) أخرجه من حديث ابن عباس أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧). وإسناده حسن . (٢) أخرجه أحمد بالرواية الأولى في ((المسند)) (٧١٥٥) وبالرواية الثانية برقم (١٠٥١١) من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري (١٤٢٦). وفي الباب من غير واحد من الصحابة في ((الصحيحين)) وغيرهما ذكرناها في ((المسند)) عند حديث أبي هريرة فانظرها هناك. ٣٨٧ عن نَفْسِه وأولادِهِ الصّغارِ وعَبِيدِه للخِدمَةِ ومُدَبَّرِهِ وأمِّ وَلَدِه وإن كانُوا كُفَّاراً لا غَیْرُ، العُذْري عن النبيِ وَل ◌َ أنه قال: ((أدُّوا عن كلِّ حُرٍّ وعبدٍ صغيرٍ أو كبيرٍ نصفَ صاع من بُرِّ، أو صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ))(١)، وعن [ابن](٢) عمر قال: (فَرَض رسولُ اللهِ وََّ زكاةَ الفِطر على الذَّكرِ والأنثَى والحُرِّ والعبدِ صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ))، وقال عليه السلام: ((أذُّوا صدقةَ الفِطر عن كلِّ حُرٍّ وعبدٍ يهوديٍّ أو نصرانيٍّ))(٣). قال: (عن نَفْسِه وأولادِهِ الصّغارِ وعَبِيدِه للخِدمَةِ ومُدَبَّرِهِ وأمِّ ولَدِه وإن كانُوا كُفَّاراً لا غَيرُ) والأصلُ في ذلك أن سبَبَ وُجويِها رأسٌ يَمونُه ويَلِي عليه، لأنه يَصيرُ بمَنزلةِ رأسِه في الذَّبِّ والنُّصْرة، قال عليه السلام: ((أدُّوا عمَّن تَمُونُون)) (٤)، فيلزمُه عن أولادِهِ الصِّغار ومَمَاليكِه (١) أخرجه أبو داود (١٦١٩)، وهو في ((المسند)) (٢٣٦٦٣) و(٢٣٦٦٤) وإسناده ضعيف. وانظر تمام التعليق عليه وتخريجه في ((المسند)). (٢) لفظة: ((ابن)) سقطت من الأصلين، والصواب إثباتها، فالحديث مخرج في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر، وليس من حديث عمر. أخرجه البخاري برقم (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤)، وهو في ((المسند)) (٤٤٨٦)، و((صحيح ابن حبان)) (٩٨٤). وانظره فيهما . (٣) أخرجه الدارقطني (٢١١٩)، وابن الجوزي في ((الموضوعات)) ١٤٩/٢ من حديث ابن عباس، وإسناده ضعيف جداً. (٤) أخرجه بنحو من حديث ابن عمر الدارقطني (٢٠٧٨)، والبيهقي ٤/ ١٦١. قال الدارقطني: رفعه القاسم - أحد رواته - وليس بقوي، والصواب موقوف. وقال البيهقي : إسناده غير قوي. وانظر ((التلخيص الحبير)) للحافظ ابن حجر ١٨٤/٢ . ٣٨٨ وهي نِصْفُ صَاعٍ من بُرِّ أو دَقِيقِه، أو صَاعُ شَعِيرٍ أو دَقِيقِه، أو تَمْرٍ، أو زَبِيبٍ، أو قِيمُ ذُلَكَ، المُسلمينَ والكفَّارِ والمُدبَر. وأمُّ الوَلَد بمنزلة العَبْد، ولا تجبُ عن أبَوَيه وأولادِهِ الكِبار وزوجتِه ومكاتَبه لعَدَم الولايةِ، ولو كان أبوه مجنوناً فقيراً تجبُ عليه صدقةُ فِطرِه لوجود المَؤُونَة والولايةِ، ولا تجبُّ عن حَفَدَتِه مع وجود أبيهم، فإن عُدِم فعليه صدقتُهم، وقيل: لا تجبُ أصلاً. وعن أبي يوسف: لو أخرَجَ عن زوجتِهِ وأولادِهِ الکبارِ وهم في عِيالِهِ بغير أمرِهم أجزأهم، لأنه مأذونٌ فيه عادةً. قال: (وهي نِصْفُ صَاعٍ من بُرٍّ أو دَقِيقِه، أو صَاعُ شَعِيرٍ أو دَقِيقِه، أو تَمْرٍ، أو زَبِيبٍ) أما البُزُّ والشعيرُ والتمرُ فلِمَا روينا، وأما الدَّقيقُ فلأنه مثلُ الحَبِّ بل أجودُ، وكذا سَويقُهما، وأما الزبيبُ فقد رُوي في حديث أبي سعيدِ الخُدري: ((أو صاعاً من زبيبٍ))(١). وعن أبي حنيفة: في الزَّبيبِ نصف صاعٍ، لأنه يُؤْكلُ بعَجَمِه فأشبَةَ الحِنْطة . قال: (أو قِيمةُ ذلكَ) وقد مرَّ في الزكاة. قال أبو يوسف: الدَّقيقُ أحبُّ إليَّ من الحِنطة، والدراهمُ أحبُّ إليَّ من الدَّقيق لأنه أيسَرُ على الغَنِيِّ وأنفعُ للفقير، والأحوطُ الحِنطةُ ليَخرُجَ عن الخِلاف. ولا يجوزُ الخُبز والأَقِطُ إلا باعتبار القيمة لعدم ورودِ النَّصِّ بهما. (١) أخرجه البخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٩٨٥)، وهو في ((المسند)) (١١١٨٢). ٣٨٩ ١ والصَّاعُ ثَمانِيةُ (س) أرطالٍ بالعِرَاقِيّ. وتجِبُ بطُلُوعِ الفَجر يَومَ الفِطرِ، فإن قَدَّمَها جازَ (ف)، قال: (والصَّاعُ ثَمانِيةُ أرطالٍ بالعِرَاقيّ) وقال أبو يوسف: خمسةٌ أرطالٍ وثُلُث رِطْلٍ، وهو صاعُ أهلِ المدينة، نَقَلوا ذلك عن رسولِ الله وَ خَلَفٌ عن سَلَفٍ(١). وقال عليه السلام: ((صاعُنا أصغرُ الصِّيعانِ))(٢). ولنا ما رَوى الدارقطني في ((سننه)) عن أنسٍ قال: كان رسولُ اللهِ وَله يتوضَّأُ بالمُدِّ ويغتسلُ بالصَّاع ثمانيةَ أرطالٍ (٣)، وعمرُ رضي الله عنه قدَّر الصاعَ لإخراج الكفَّارة ثمانيةَ أرطالٍ (٤) بحَضْرةِ الصحابة، وأنه أصغَرُ من الهاشمي . قال: (وتجِبُ بطُلُوعِ الفَجر يَومَ الفِطرِ) لأنه يُقال: صدقةُ الفِطر، والفطرُ إنما يتجدَّد باليوم دونَ الليل. (فإن قَدَّمَها جازَ) لأنه أدَّاها بعدَ (١) انظر ((سنن البيهقي)) ١٧١/٤، و((صحيح ابن حبان)) ٧٩/٨ -٨٠. (٢) ذكره الحافظ في ((الدراية)) ١/ ٢٧٣ وقال: لم أجده هكذا. وأخرج ابن حبان في («صحيحه)) (٣٢٨٤) عن أبي هريرة أن رسول الله وَ له قيل له: يا رسول الله، صاعُنا أصغرُ الصيعان، ومدّنا أصغر الأمداد. فقال رسول الله ◌َّ: ((اللهم بارك لنا في صاعنا، وبارِك لنا في قليلنا وكثيرنا، واجعل لنا مع البركة برکتین)). وسنده قوي، وانظر تمام التعليق عليه فيه. (٣) أخرجه الدارقطني (٢١٣٨) و(٢١٣٩)، وضعفه البيهقي. وأخرجه دون قوله: ((ثمانية أرطال)) البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥) من حديث أنس، وأخرجه مسلم (٣٢٦) من حديث سفينة رضي الله عنه. (٤) انظر ((نصب الراية)) ٤٢٩/٢، و((المحلى)) لابن حزم ٢٤٤/٥. ٣٩٠ وإن أخّرَها فَعَلَيه إخراجُها، وإن كان للصَّغيرِ مالٌ أدَّى عنه وَلِيُّهُ وعن عَبْدِه (م)، ويُستَحَبُّ إخراجُها يومَ الفِطرِ قبلَ الخُرُوجِ إلى المُصلَّى. السبب وهو رأسٌ یمونُه ويَلِي عليه، وقال الحسن: لا يجوز. وروى نوحُ بنُ أبي مريمَ أنه يجوزُ إذا مضَى نصفُ رمضانَ. وعن خَلَف بن أيوب: يجوزُ في رمضانَ ولا يجوز قبلَه. (وإن أخّرَها فعَلَيه إخراجُها) لأنها قُرْبةٌ ماليةٌ معقولةُ المعنى، فلا تسقُطُ بالتأخير كالزكاةِ، بخلاف الأُضحيَّة، فإن الإراقَةَ غيرُ معقولةٍ المعنى . (وإن كان للصَّغيرِ مالٌ أدَّى عنه وَلِيُّهُ وعن عَبْدِه) لأنها مَؤُونَة كالجِناية ونفقةِ الزوجةِ. وقال محمد: لا تجبُ في مالِه کالزكاة، والمجنونُ كالصبيِّ. (ويُستَحَبُّ إخراجُها يومَ الفِطرِ قبلَ الخُرُوجِ إلى المُصلَّى) وقد بيّناه في العیدین . ٣٩١ на - Вест كتاب الصوم كتاب الصوم الصوم في اللغة: مُطلَقُ الإمساك، يقال: صامتِ الشمسُ: إذا وقَفَتْ في كَبد السماء وأمسكَتْ عن السَّير ساعةَ الزَّوال. وقال النابغة: خَيْلٌ صِيَامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ تَحْتَ العَجاجِ وأخرى تَعْلُكُ اللُّجُما(١) أي: ممسِكاتٌ عن العَلَف وغیرُ ممسكات. وفي الشرع: عبارة عن إمساكٍ مخصوصٍ، وهو الإمساكُ عن المُفَطَّرات الثلاث بصفةٍ مخصوصةٍ، وهو قصدُ التقرُّبِ من شخصٍ مخصوصٍٍ وهو: المسلمُ، بصفةٍ مخصوصةٍ وهو : الطهارةُ عن الحيضِ والنِّفاس، في زمانٍ مخصوصٍ وهو: بياضُ النهارِ من طَلَوع الفجرِ الثاني إلى غُروب الشمس. (١) البيت نسبه في ((اللسان)): (علك) و(صام) للنابغة، وليس هو في ((ديوانه)) من رواية الأصمعي، وإنما هو مما زاده مع ثلاثة أبيات ابن السكيت في روايته في قصيدته التي مطلعها : بأنَتْ سعادُ وأمسى حَبْلُها انْجَذَما واحتلَّتِ الشرعَ فالأجزاعَ مِن إضَما وهي في ((ديوانه)) ص٢٩ . ٣٩٣ صومُ رَمَضانَ فَرِيضَةٌ على كُلّ مُسلِمٍ عاقِلٍ بالغِ أدَاءً وقَضاءً، وصَومُ الَّذْرِ والكَفَّاراتِ واجِبٌ، وهو فريضةٌ محكمةٌ يَكفُرُ جاحدُها ويَفسُقُ تاركُها. ثبتت فرضيَّتُه بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وبالسُّنَّة وهو ما مرَّ من الحديث في كتاب الصلاة(١)، وقوله عليه السلام: ((صوموا شهرَكم» (٢)، وعليه إجماعُ الأمة. وسببُ وجوبِه الشھرُ لإضافتِه إلیه، يقال: صومُ رمضانَ، ولتکژُّره بتكرارِ الشھرِ ، وكلُّ یوم سببُ وجوب صومِه. قال: (صَومُ رَمَضانَ فَرِيضَةٌ على كُلّ مُسلِمٍ عاقِلٍ بالخٍ، أَدَاءٌ وقَضاءً) أما الفريضةُ فلما ذكرنا، وأما الإسلامُ فلأن الكافرَ ليس أهلاً للعبادة، والعقلُ والبلوغُ فلأنَّ الصبيَّ والمجنونَ غيرُ مخاطَبَين، وأما أداءً فلقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وأما قضاءً فلقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٥]. أي: فليَصُمْ عدةً من أيامٍ أُخَر. قال: (وصَومُ النَّذْرِ والكَفَّاراتِ واجِبٌ) أما النذرُ فلقوله تعالى: (١) هو حديث: ((بني الإسلام على خمس .. )) وهو متفق عليه، وقد سلف في أول كتاب الصلاة. (٢) أخرجه ضمن حديث عن أبي أمامة الترمذي (٦١٦)، وهو في ((المسند)) (٢٢١٦١)، وإسناده صحيح. ٣٩٤ وما سِواهُ نَفْلٌ، وصَومُ العِيدَينِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ حرامٌ، ﴿ وَلْيُوفُوْ نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وقوله عليه السلام: ((فِ بنَذْرِك))(١)، وأما الكفاراتُ فلما يأتي فيها إن شاء الله تعالى. قال: (وما سِواهُ نَفْلٌ) لأن النفلَ في اللغة: مطلَقُ الزّيادة، وفي الشرع: الزيادةُ على الفرائضِ والواجبات. قال: (وصَومُ العِيدَينِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ حرامٌ) لرواية عقبةً بن عامر قال: نهى رسولُ الله ◌ِّر عن صومِ يومِ النَّحر وأيام التشريق(٢)، وقال عليه السلام في أيام مِنّى: «إنها أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ وبِعال))(٣)، ويومُ (١) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب البخاري (٢٠٤٢)، ومسلم (١٦٥٦)، وهو في ((المسند)) (٤٧٠٥)، و((صحيح ابن حبان)) (٤٣٨٠). (٢) أخرجه أبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنسائي ٢٥٢/٥، وهو في «المسند» (١٧٣٧٩)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٦٠٣)، ولفظه: ((يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب)). (٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١١٥٨٧) من حديث ابن عباس، وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو ضعيف. وأخرجه الدارقطني في (سننه)) (٤٧٥٤) من حديث أبي هريرة، وفي سنده سعيد بن سلام العطار رماه أحمد بالكذب. وأخرجه الدارقطني أيضاً (٢٤٠٧) من حديث عبد الله بن حذافة السهمي، وضعفه الدارقطني بالواقدي. وأخرجه ابن أبي شيبة ٢١/٤، وابن راهويه في ((مسنده)) ٢٦٦/١ من حديث عمر بن خلدة عن أمه، وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، ومنذر ابن جهم وهو مجهول. وأخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار» ٢٤٤/٢، وفي سنده محمد بن أبي حميد وهو ضعيف. ٣٩٥ وصَومُ رَمضانَ، والنَّذْرِ المُعَيَّنِ يجُوزُ بِنِيَّةٍ من اللَّيلِ وإلى نِصفِ النَّهارِ، وبمُطْلَقِ النَّةِ، وبنِيَّةِ النَّفْلِ. الفِطر مأمورٌ بإفطاره، وفي صومِه مخالفةُ الأمر ومخالفة الاسم، وعلى ذلك الإجماع. قال: (وصَومُ رَمضانَ، والنَّذْرِ المُعَيَّنِ يجُوزُ بنِيَّةٍ من اللَّيْلِ وإلى نِصِفِ النَّهارِ، وبِمُطْلَقِ النَّّةِ، وبنيَّةِ النَّفْلِ). اعلم أن النيّةَ شرطٌ في الصوم، وهو أن يعلَمَ بقلبه أنه يصوم، ولا يخلو مسلمٌ عن هذا في ليالي شهرِ رمضانَ، وليست النيّةُ باللسان شرطاً في الصوم(١)، ولا خلافَ في أول وقتها، وهو غُروبُ الشمس. واختلفوا في آخرِه على ما نُبِينُه إن شاء الله تعالى. وقال زفر: النيةُ في صوم رمضانَ ليست بشرطٍ للصَّحيحِ المُقيمِ، لأن الزَّمان متعيِّن لصوم الفَرْض في حقِّه حتى لا يجوز غيرُه، فمتى حَصَل فيه إمساكٌ وقع عن فرضٍ رمضانَ لعدم مزاحَمَةِ غيره، وصار كإعطاءِ النِّصاب جميعِه للفقير بعدَ الحَول. ولنا وأخرجه البيهقي ٢٩٨/٤ من حديث يوسف بن مسعود بن الحكم عن = جدته، ويوسف بن مسعود ليس بالمشهور وقال الحافظ في ((التقريب)): مقبول. وأخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) كما في ((نصب الراية)) ٤٨٥/٢ من حديث زيد بن خالد الجهني، وقال فيه بدل ((وبعال)): ونكاح، وفي سنده إسحاق بن يحيى تفرد بالرواية عنه موسى بن عقبة. والحديث دون قوله: ((وبعال)) صحيح من حديث نبيشة عند مسلم (١١٤١)، و(١١٤٢) من حديث كعب بن مالك، وغيرهما. (١) قوله: ((في الصوم)) أثبتناه من (م)، وهو ليس في (س). ٣٩٦ أنه عبادةٌ فلا يجوزُ إلا بالنيّة كسائرِ العبادات، ولقوله عليه السلام: ((الأعمالُ بالنيّات))(١)، ولِما مرَّ في الصلاةِ، ولأنَّ الإمساكَ قد يكون للعادةِ، أو لعدم الاشتهاءِ، أو للمَرَضِ، أو للرِّياضة، ويكونُ للعبادةِ فلا يتعيَّن لها إلا بالنيةِ، كالقيام إلى الصلاةِ وأداءِ الخُمُس(٢) إلى الفقير، بخِلاف تعيين وصف(٣) النية فإنه لا يُشتَرط، لأن الصومَ المشروعَ فيه لا يتنوّع، وقوله: الزمان متعيِّنٌ لصوم الفَرْض. قلنا: نعم، لكن إذا حَصَل الصومُ فِلِمَ قُلتُم: إنه حَصَل، غاية الأمر أنه حَصَل الإمساكُ وقد خرج جوابُه. وأما هبةُ النِّصاب قلنا: وُجِد منه معنى النّيَّة، وهو القُرْبة لحُصول الثواب به، ولهذا لا يجوزُ الرُّجوعُ في المَوهوبِ للفَقير لحُصول الثواب، أما هنا حَصَل مُطْلَقُ الإمساك ولا ثوابَ فيه، ولهذا لا يكونُ صوماً خارج رمضان. وروى القُدُوريُّ عن الكَرْخِي أنه أنكَرَ هُذا القولَ عن زفر، وقال: إنما مذهبه أن يكفيَه نيةٌ واحدةٌ كقول مالك، ووجهه أن صومَ الشهرِ عبادةٌ واحدةٌ، لأن السببَ واحدٌ وهو شُهُود جزءٍ من الشهر، فصار كرَكَعاتِ الصلاة. وجوابه أن النيةَ شرطٌ لكلِّ يوم، لأن (١) أخرجه من حديث عمر رضي الله عنه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، وهو في ((المسند)) (١٦٨)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٨٨). (٢) تحرفت في الأصلين إلى: ((الخمسة))، وهو خطأ. (٣) لفظة ((وصف)) لم ترد في (س)، وأثبتناها من (م). ٣٩٧ " -. صومَ كلِّ يومٍ عبادةٌ على حِدَةٍ، ألا تَرى أنه لو فَسَد صومُ يومٍ لا يمنع صحةَ الباقي، وكذا عَدَمُ الأهليَّةِ في بعضِه لا يمنَعُ تقرُّرَ الأهليةِ في الباقي فتجبُ النيةُ لكلِّ عبادةٍ، ولأنه يخرجُ عن صومِ اليوم بمَجيء الليلة. قال عليه السلام: ((إذا أقبَلَ الليلُ من هاهنا، وأدبَرَ النهارُ من هاهنا وغابتِ الشمسُ، فقد أفطَرَ الصائمُ))(١)، وإذا خَرَج يحتاجُ إلى الدخولِ في اليوم الثاني، فيحتاج إلى النّيَّةِ كأوَّلِ الشهر. وأما جوازٌ الصومِ بالنيةِ إلى نصفِ النهار لما روى ابنُ عباسٍ: أن الناسَ أصبحوا يومَ الشَّكِّ، فقَدِمُ أعرابيٍّ وشَهِدَ برؤية الهلال، فقال عليه السلام: ((أَتَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وأَنِّي رسولُ الله؟)) فقال: نعم، فقال عليه السلام: ((الله أكبرُ، يكفِي المسلمين أحدُهم))، فصامَ وأَمَرَ بالصيام، وأمَرَ منادياً فنادى: ((ألا مَن أَكَلَ فلا يأكلْ بقيَّةً يومِه، ومن لم يأكل فليَصُم))(٢)، أمَرَ بالصوم، وأنه يقتضي القُدرةَ على الصوم الشرعي، (١) أخرجه من حديث عمر البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠)، وهو في «المسند» (١٩٢)، و(صحيح ابن حبان)) (٣٥١٣). (٢) قال ابن قطلوبغا عن هذا الحديث في ((تخريج أحاديث الاختيار)) ص١٦٢ بعد أن ذكر لفظه: لهذا بسط متن حديث الهداية، وقد قال مخرجو أحاديثها: إنهم لم يجدوه. وروی الأربعة وغيرهم حديث ابن عباس بخلافه، فقالوا عن ابن عباس: إن أعرابياً جاء إلى رسول الله وَعليه، فقال: إني رأيت الهلال، فقال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله)) قال: نعم، قال: ((أتشهد أن محمداً رسول الله)) قال: نعم، قال: ((فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً» ... == ٣٩٨ لأنه وَّهِ بُعِثَ لبيان الأحكام الشرعيةِ وآمراً بها، ولو شُرِطتِ النيةُ من الليل لما كان قادراً عليه، فدلَّ على عَدَم اشتراطها، ولأنه لو أرادَ الإمساكَ لما فرَّق بين الفريقين نفياً للالتباس، وما يُروى من الأحاديث في نفي الصوم إلا بالتَّبيت محمولةٌ على نفي الفَضِيلة توفيقاً بينها وبين ما روينا، ولأن النيةَ ليست بشرطٍ حالةَ الشُّروع حتى لو نوى من الليل جاز، وإنما جاز دفعاً للحَرَج لأن أولَ وقتِه طلوعُ الفجر الثاني، وهو مشتبهٌ لا يعرفُه أكثرُ الناس ولا يقفون على أولٍ طلوعِه، وهو أيضاً وقتُ نوم وغَفْلةٍ، والمتهجِّد يُستحبُّ له نومُ آخرِ الليل، فإنما جاز تقديمُ النيَّةِ دفعاً لهذا الحَرَج، وأنه موجودٌ هاهنا، لأنَّ من الناس مَن يبلُغُ آخرَ الليل، وينقطعُ الحيضُ والنِّفاسُ عنه آخرَ الليل وينامُ حتى يصبحَ، وكذا قلنا: والحديث أخرجه أبو داود (٢٣٤٠)، وابن ماجه (١٦٥٢)، والترمذي (٦٩١)، والنسائي ١٣٢/٤، وهو عند ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٤٤٦). وهو حديث رجاله ثقات رجال الصحيح غير سماك فإنه صدوق، إلا أن في روايته عن عكرمة ۔ وهذا منها ـ اضطراباً، وقد اختلفوا عليه في هذا الحديث فروي مرسلاً، ورجح المرسل غير واحد من الأئمة . فقال النسائي عن المرسل: إنه أولى بالصواب. وانظر تخريج الرواية المرسلة عند ابن حبان . وقال الترمذي بإثر الحديث: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وأهل الكوفة. ٣٩٩ مییودهاً يومُ الشكِّ لا يقدِرُ على التَّبيت، فقلنا بالجواز بعدَ الفجر دفعاً للحَرَج أيضاً، بخلاف القضاء والكفَّارات والنَّذْر المُطْلَق، لأن الزمانَ غيرُ متعيِّنٍ لها فوجَبَ التبييتُ نفياً للمُزاحمة، ويُعتَبر نصفُ النهار من طُلوع الفجر الثاني، فيكون إلى الضَّحْوة الكبرى، فينوي قبلَها ليكون الأكثرُ منويّاً، فيكونُ له حكم الكُلِّ، حتى لو نوى بعدَ ذُلك لا يجوزُ لخُلُوِّ الأكثر عن النيةِ تغليباً للأكثر. وأما جوازُه بمطلَقِ النيةِ وبنية النَّفْل، فلما روي عن عليٍّ وعائشةَ رضي الله عنهما: أنهما كانا يصومانِ يومَ الشكِّ ويقولان: لأن نصومَ يوماً من شعبانَ أحبُّ إلينا من أن نُفُطرَ يوماً من رمضانَ(١). وكان صومُهما بنية النَّفْلِ، لأنه لا يجوز بنيةِ الفرض، فلولا وقوعُه عن رمضانَ لو ظهر اليومُ من رمضانَ لما كان لاحترازِهما فائدةٌ، ولأن الزمانَ متعيِّنٌ لصوم الفرضِ حتى لا يقعَ فيه غيرُه بالإجماع، فمتى حَصَل أصلُ النِيَّةِ كفَى لوقوع الإمساك قُرْبةً، فيقع عن رمضانَ لعدم المُزاحمةِ، والأفضلُ الصومُ بنيةٍ معينةٍ مبيََّةٍ للخروج عن الخِلاف . (١) أثر علي أخرجه الشافعي في ((مسنده)) ١/ ٢٧٣، والدار قطني (٢٢٠٥)، والبيهقي ٢١٢/٤ من طريق عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت الحسين: أن رجلاً شهد عند علي ... وفي سنده انقطاع. وأثر عائشة هو في ((المسند)) (٢٤٩٤٥)، والبيهقي ٢١١/٤، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٤٨/٣، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ٤٠٠