النص المفهرس

صفحات 361-380

والمُعتَبرُ في الدَّرَاهِم كُلُّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبعَةٍ مَثاقِيلَ ولا زكاةَ في العُرُوضِ إلاّ
أن تكُونَ لِلتِّجارَةِ، وتبلُغَ قِيمتُها نِصَاباً من أحَدِ النَّقْدَينِ وتُضَمَّ قِيمتُها إليها.
ولا تجبُ في السُُّّوقَة لأن الغالبَ عليها الغِشُّ إلا أن يبلُغَ ما فيها من
الفِضَّة نِصَاباً أو تكون للتجارةِ، وتبلُغَ قيمتُها مئتي درهمٍ، فتجبُ
حينئذٍ، وإن تساويا لا تجبُ، لأن الأصلَ عدَمُ الوجوب، وقد وَقَعَ
الشَّكُّ في السببِ وهو النِّصاب فلا تجبُ، بخلافِ البيع على ما يأتي في
الصَّرْف، ونظراً للمالك كما في السَّوم، وسَقْي الأرضِ سَيْحاً ودَالِيَةً
على ما يأتي.
(والمُعتَبرُ في الدَّرَاهِم كُلُّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبعَةٍ مَثاقِيلَ) والأصل في
ذلك ما رُوي أن الدَّراهمَ كانت مختلفةً على عهد عمرَ (١) رضي الله عنه،
بعضُها اثنا عَشَرَ قيراطاً، وبعضُها عشرةُ قَراريطَ، وبعضُها عشرون
قيراطاً، وكان الناسُ يختلفون في مُعاملتِهِم، فشاور عمرُ الصحابةَ
رضي الله عنهم، فقال بعضُهم: خُذْ من كلِّ نوع، فأَخَذَ من كلِّ درهم
ثُلُثَه، فبلغ أربعةَ عشَرَ قيراطاً فجعله درهماً، فجاءت العشرةُ مئةً
وأربعينَ قيراطاً، وذُلك سبعةُ مثاقيلَ، لأن المِثْقال عشرون قيراطاً.
قال: (ولا زكاةً في العُرُوضِ إلَّ أن تكُونَ لِلتِّجارَةِ، وتبلُغَ قِيمتُها
نِصَاباً من أحَدِ النَّقْدَينِ وتُضَمَّ قِيمتُها إليها) لأنَّ الزكاةَ إنما تجبُ في مالٍ
نامِ زائدٍ عن الحَوائج الأصليَّةِ. والنَّماءُ يكون إما بإعدادِ الله تعالى
(١) وردت العبارة في (م): ((على عهد رسول الله وَّل، واعتبر عمر ... ))
وما أثبتناه من نسخة (س)، وهو الجادة.
٣٦١

ولا زكاةَ في العُرُوضِ إلاَّ أن تكُونَ لِلتِّجارَةِ، وتبلُغَ قِيمتُها نِصَاباً من أحَدٍ
النَّقْدَينِ وتُضَمُّ قِيمتُها إليها .
باب زکاة الزروع والثمار
ما سَقَتَهُ السَّماءُ أو سُقِيَ سَيْحاً ففيهِ العُشْرُ (سم) قَلَّ أو كَثُر،
كالذَّهبِ والفضةِ، فإنه تعالى أعدهما للنَّماء حيث خلقهما ثمنَ الأشياء
في الأصل، ولا يحتاجُ في التصرُّفِ فيهما والمعاملةِ بهما إلى التقويم
والاستبدالِ، وتتعلَّق الزكاةُ بعينِه كيف كانَ أو يكونُ مُعدّاً بإعدادِ العبد،
وهو إما الإسامةُ أو نيَّةُ التجارة، فيتحقَّقُ النَّماء ظاهراً وغالباً.
وليس في العُرُوض نصابٌ مقدَّر لأنه لم يَرِدِ الشرعُ بذلك فیرجعُ
إلى القيمة، وإذا قُوِّمت بأحدِ النَّقدين صارَ المعتَبَرُ القيمةَ، فتُضمُّ إلى
النقدين(١) لما مَرَّ، وتُقُوَّم بأيِّ النقدين شاء، لأن الوُجوبَ باعتبار
الماليّة، والتقويمُ يُعَرِّفُ الماليةَ، والنقدان في ذلك سواءٌ فيُخيّر. وعن
أبي حنيفة: يُقوِّمها بما هو أنفَعُ للفقراء، وهو أن يبلُغَ نصاباً نظراً لهم.
وعن محمد: بغالب نقدِ البلدِ لأنه أسهلُ.
باب زكاة الزروع والثمار
(ما سَقَتْهُ السَّماءُ أو سُقِيَ سَيْحاً ففيهِ العُشْرُ قَلَّ أو كَثُر) ويستوي فيه
ما يبقَى وما لا يبقَى، وقالا: لا يجبُ العُشرُ إلا فيما يبقَى إذا بَلَغَ خمسةً
أوسُقٍ، والوَسْقُ: ستُّونَ صاعاً، فلا يجبُ في البُقُول والرَّياحينِ، لهما
(١) في (م): التقدير، وما أثبتناه من (س).
٣٦٢

قوله عليه السلام: ((ليس فيما دون خمسة أوسُقٍ صدقةٌ))(١)، وقوله
عليه السلام: ((ليس في الخَضْراوات عُشْرٌ))(٢)، ولأنه صدقةٌ فيُشترطُ له
نصابٌ ليتحقَّقَ الغِنَى كسائِرِ الصَّدقاتِ، وله قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُواْ مِن
طَيْبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ولا
واجبَ فيه إلا العُشْرُ أو نصفُه، فيكون المُراد العُشْر، ولم يفصل بين
القَليلِ والكثير، وما يبقَى وما لا يبقَى، فيتناولُ الكلَّ. وقوله عليه
السلام: ((ما سَقَتْه السماءُ ففيه العُشْرِ))(٣)، ولأن العُشر مَؤُونةُ الأرض
(١) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري البخاري (١٤٠٥)، ومسلم
(٩٧٩)، وهو في ((المسند)) (١١٠٣٠)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٢٦٨)
و(٣٢٧٥).
وانظر تتمة أحاديث الباب في ((المسند)) عند حديث ابن عمر برقم (٥٦٧٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٦٣٨) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن عبيد، عن
عيسى بن طلحة عن معاذ، أنه كتب إلى النبي وَّر يسألُه عن الخضراوات وهي
البقول فقال: ((ليس فيها شيء)) وإسناده ضعيف، فيه الحسن بن عمارة، وهو
متروك الحديث.
وقد استوفينا تمام تخريجه والكلام عليه في ((سنن الترمذي))، طبع مؤسسة
الرسالة .
(٣) أخرجه من حديث ابن عمر البخاري (١٤٨٣)، وهو عند ابن حبان في
«صحیحه)) (٣٢٨٥).
وانظر حديث علي في ((المسند)) (١٢٤٠)، فقد ذكرنا عنده تتمة أحاديث
الباب .
٣٦٣

إلاّ القَصَبَ الفارسيَّ والحَطَبَ والحَشِيشَ، وما سُقيَ بالدَّولابِ والدَّالِيةِ ففيه
نِصِفُ المُشْرِ،
كالخَراج، والخَراج يجبُ بمُطْلَق الخارج فكذا العُشْرِ، والحديث
الأولُ محمولٌ على الزكاة، فإن الصَّدقةَ عند الإطلاق تَنصرفُ إليها،
وكانوا يتعاملون بالأوسَاقِ، وكان قيمةُ الوَسْق أربعين درهماً، فيكون
قيمةُ الخمسة مِثَّتَي درهمٍ، والمرادُ بالحديثِ الثاني صدقةٌ تؤخَذُ، أي:
يأخذُها العاشرُ وهو مذهب أبي حنيفةً، بل يدفعُها المالكُ إلى الفقراء.
وقوله: يشترطُ النِّصابُ للغِنى، قلنا: لا اعتبارَ بالمالِكِ، حتى
يجبُ في أرضِ الوقفِ والصبيِّ والمجنونِ، فكيف يُعتَبَر وصفُه، وكذا
لا يُعتَبر الحولُ لأنه لتحقُّق النَّماء، وكلُّه نَماء.
قال: (إلَّ القَصَبَ الفارسيَّ والحَطَبَ والحَشِيشَ) لأنها تنقى من
الأرض، حتى لو اتَّخِذَ أرضَه مَقْصَبةٌ أو مَشْجَرةً للحَطَب ففيه العُشْرِ،
والقُنَّبُ (١) كالحَشِيش.
قال: (وما سُقيَ بالدُّولابِ والدَّالِيةِ ففيه نِصفُ العُشْرِ) لقوله عليه
السلام: ((ما سَقَتْه السماءُ ففيه العُشر، وما سُقي بغَرْبٍ أو داليةٍ ففيهِ
نصفُ العُشْر))(٢)، ولأن المؤونة تكثر، وله أثرٌ في التخفيف كالسائمةِ
(١) القنَّب، قال في ((المعجم الوسيط)»: نبات حولي زراعي ليفي من
الفصيلة القنبية، تفتل لحاؤه حبالاً .
(٢) انظر تخريج حديث ابن عمر السالف قريباً.
و((الغرب)»: مثل فَلْس، الدّلو العظيمة يُستقى بها على السانية.
٣٦٤

ولا شيءَ في التِّبْنِ والسَّعَفِ، ولا تُحسَبُ مَؤُونَتُه، والخَرْجُ عليه .
والمعلوفة، وإن سُقي سَحّاً وبداليةٍ يُعتبر أكثرُ السنة، فإن استَوَيا يجبُ
نصفُ العُشر نظراً للمالك كالسائمةِ .
قال: (ولا شيءَ في التِّبْنِ والسَّعَفِ) لأنهما لا يُقصّدان، وكذا بزر
البطِيخ والقِتَّاء ونحوهما، لأن المقصودَ الثمرُ دون البزْر.
قال: (ولا تُحسَبُ مَؤُونَتُه، والخَرْجُ عليه) لأنه عليه السلام أو جَبَ
فيه العُشرَ فيتناول عُشْرَ الجميع، ولأنه عليه السلام خفَّفَ الواجبَ مرَّةً
باعتبار المَؤونةِ من العُشْر إلى نصفِه فلا يُخفَّف ثانياً. وقال أبو يوسُفَ
فيما لا يُوسَق كالزَّعْفَران والقُطْنِ: يجبُ العُشْر إذا بلغت قيمتُه قيمةً
خمسةِ أوسُقٍ من أدنى ما يدخُل تحتَ الوَسْق كالذُّرَة والدُّخْن، لأنه
لا نصَّ فيهما، ولا سَبيلَ إلى نَصْب النِّصاب بالرأي، فتُعتَبر قيمةُ
المنصوص عليه كما في عُرُوض التجارة، واعتبرنا بالأدنى نظراً
للفُقَراء. وقال محمد: إذا بَلَغ الخارجُ خمسةَ أمثالِ أعلى ما يُقدَّر به
نوعُه وَجَبَ العُشر، ففي القُطْن خمسةُ أحمالٍ، كلُّ حِمْلِ ثلاثُ مئةٍ
مَنٍّ، ويُروى ثلاثُ مئةٍ وعشرون مَنّاً، وفي الزَّعْفَران والسُّكَّر: خمسة
أَمناء، كما اعتُبر في المنصوص أعلى ما يُقدَّر به وهو الوَسْق، فكان
معنَى جامعاً فصحَّ القياسُ. ووقتُ الوجوب عند أبي حنيفةً: عند ظهور
الثَّمرةِ، وعند أبي يوسفَ: عندَ الإدراك، وعند محمدٍ: إذا حَصَل في
الحَظِيرة. وثمرةُ الخِلاف: فيما إذا استهلَكَه بعدَ الوجوبِ يضمَنُ
العُشْر، وقبلَه لا، وعندهما في هذا وفي تكميل النِّصاب.
٣٦٥

وفي العَسَلِ العُشْرُ قَلَّ أو كَثُرُ إذا أُخِذَ من أرضِ العُشْرِ،
قال: (وفي العَسَلِ العُشْرُ قَلَّ أو كَثُرَ إذا أُخِذَ من أرضِ العُشْرِ)، لأن
النبيَّ ◌َّهَ كَتَبَ إلى أهل اليمنِ: ((أن يُؤْخَذَ من العَسَل العُشْرُ))(١). وعن
أبي يوسف: العُشرُ في العَسَل مُجمَعٌ عليه ليس فيه اختلافٌ عن رسول
الله عليه السلام، وقال أبو يوسف: إذا بَلَغَ عشرةَ أرطالٍ ففيه رِطْلٌ.
وفي رواية كتاب الزكاة: خمسةُ أوسُقٍ، وفسَّرَه القُدُوريُّ بقيمة خمسةٌ
أوسُقٍ لأنه لا يُكال، فاعتَبَر القيمةَ على أصلِهِ، وعنه أيضاً: عَشْرُ قِرَبٍ،
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة عبد الرزاق (٦٩٧٢)، والبيهقي ١٢٦/٤،
وفي سنده عبد الله بن محرَّر وهو متروك الحديث.
لكن أخرج أبو داود (١٦٠٠-١٦٠٢)، وابن ماجه (١٨٢٤)، والنسائي
٤٦/٥ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: أن رسول الله وَلل أخذ من
العسل العُشْر. وهذا سند حسن.
ويشهد له حديث أبي سيارة المُتعي عند ابن ماجه (١٨٢٣)، وهو في
((المسند)) (١٨٠٦٩). وإسناده منقطع. وانظر تمام تخريجه فيه.
قال ابن القيم في ((زاد المعاد)) ١٥/٢: وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة
إلى أن في العسل زكاةً، ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضاً، وقد تعددت
مخارجُها، واختلفت طُرقها، ومرسَلُها يُعضَدُ بمسندها.
وقال البغوي في ((شرح السنة)) ٤٥/٦: وذهب قوم إلى إيجابها - يعني زكاة
العسل -، وبه قال مكحول والزهري وإليه ذهب الأوزاعي، وأصحاب الرأي،
وأحمد، وإسحاق، قالوا: فيه العشر.
وانظر تمام تعليقنا في ((شرح السنة)).
٣٦٦
۵۵ ٧ٹےم

والأرضُ العُشْرِيَّةُ إذا اشتراها ذِمِّيٌّ صارَتْ خَراجِيَّةً (سم)،
كذا أَخَذ من بني سَيّارة(١). وقال مُحمد: خَمسُ قِرَبٍ، وفي رواية:
خمسةُ أَفْراقٍ، لأنه أعلى ما يُقدَّر به نوعُه كما مَرَّ من أصلِهِ، والفَرْقُ:
ستةٌ وثلاثين رطْلاً، ولا شيءَ فيما يُؤخَذ من أرض الخَرَاج لئلا يجتمعَ
العُشْرِ والخَرَاج في أرضٍ واحدةٍ .
قال: (والأرضُ العُشْرِيَّةُ إذا اشتراها ذِمِّيٌّ صارَتْ خَراجِيَّةٌ) عند أبي
حنيفة وزُفر، وعند أبي يوسف والحسن: عليه عُشْران. وقال محمد:
عشرٌ واحد، لأنه وظيفةُ الأرض فلا تتغيَّر بتغيُّر المالك كالخراج. ثم
في رواية ابن سَمَاعة: يُوضَع موضعَ الخراج، وفي رواية ((كتاب
السِّيَرَ)): موضعَ الصَّدقات، ولأبي يوسف: أن ما يجبُ أخذُه من
المسلم يضاعَفُ على الذِّمِّي كما إذا مرَّ على العاشِر، ويوضَع موضعَ
الخَراج كالتَّغْلِبي، ولأبي حنيفة أن الأراضي النَّاميةَ لا تخلو من العُشْر
أو الخَرَاجِ، والذميُّ ليس أهلاً للعُشر، لأنه عبادةٌ، قال تعالى: ﴿وَءَاتُواْ
(١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) ٣٩٢/٢ وقال: رواه الطبراني في
((معجمه)) حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف المصري، حدثنا أحمد بن صالح،
حدثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده: أن بني سيارة - بطن من فهم - كانوا يؤدون إلى رسول الله وَ ل عن نحل كان
لهم العُشْرَ مِنْ كُلِّ عشرِ قِرَب قِربة، وكان يحمي واديين لهم، فلما كان ... إلخ.
وسنده حسن إن شاء الله .
وانظر حديث أبي سيارة في «المسند» (١٨٠٦٩).
٣٦٧

والخَرَاجِيَّةُ لا تَصِيرُ عُشرِيَّةً أصلاً.
ولا شيءَ فيما يُستَخرَجُ من البَحْرِ (س) كاللُّؤْلُوِ والعَنْبَرِ والمَرْجانِ،
حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والخَرَاجِ ألْيَقُ به فيوضَع عليه.
وإن اشتراها تغلبيٌّ، فعليه عُشْران بالإجماع، لأنهم صُولِحوا على أن
يضاعَفَ عليهم جميعُ ما على المسلمين، فإنهم قومٌ من النصارى كانوا
قريباً من بلاد الرُّوم، فأراد عمرُ رضي الله عنه أن يَضَعَ عليهم الجِزْيةَ،
فأبَوا وقالوا: إن وضعتَ علينا الجِزْية لحِقْنا بأعدائِك من الرُّوم، وإن
أخذتَ منا ما يأخذُ بعضُكم من بعض وتُضعَّفُه علينا فافعَلْ، فشاور عمرُ
الصحابةَ رضي الله عنهم فأجمعَوا على ذلك، وقال عمر: هذه جِزْيةٌ،
فسمُوها ما شِئْتُم (١) .
قال: (والخَرَاجِيَّةُ لا تَصِيرُ عُشرِيَّةً أصلاً) لأنها وظيفةُ الأرض،
والكلُّ أهلٌ للخَرَاجِ، المسلمُ والذميُّ، فلا حاجةَ إلى التغيير.
قال: (ولا شيءَ فيما يُستَخرَجُ من البَحْرِ كاللُّؤْلُوِ والعَنْبَرِ والمَرْجانِ)
لأنه لم يكن في يدِ الكُفَّار ليكون غنيمةً، ولهذا لو استُخرِج منه الذهبُ
(١) ذكره بنحوه الزيلعي ٢/ ٣٦٢ وعزاه للبيهقي في ((السنن)) ٢١٦/٩، وابن
أبي شيبة ١٩٨/٣، وأبي عبيد في الأموال (٧١) و(١٦٩٦)، وابن زنجويه في
(«الأموال)» (١١٣)، بأسانيد ضعيفة. وأصحَّ شيء في هذا ما أخرجه عبد الرزاق
(١٩٤٠٠)، وأبو عبيد في ((الأموال)) (٧٢) عن زياد بن حُدير: أن عمر أمره أن
يأخذ من نصارى بني تغلب العُشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر.
وسنده صحيح.
٣٦٨
لأممبري
عم

ولا فيما يُوجَدُ في الجبالِ كالحِصّ والنُّورَةِ والياقُوتِ والفَيرُوزَجِ
والزُّمُزُّدِ.
«سيسه
والفضةُ لا شيءَ فيهما. وقال أبو يوسف: فيه الخُمسُ، لأن عمر
رضي الله عنه كان يأخذُ الخُمسَ من العَنْبرِ(١). واللُّؤْلؤُ أشرفُ ما يُؤَخَذُ
من البحر، فيُعتبر بأشرف ما يوجد في البَرِّ وهو الذهبُ والفِضَّة، ثم
قيل: اللؤلؤُ مَطَرُ الرَّبيع يقعُ في الصَّدَفِ فيصيرُ لُؤْلؤاً، وقيل:
الصَّدَفُ: حيوانٌ يُخلَق فيه اللُّؤلؤ. وأما العنبرُ، قال محمد: هو
حَشِيشُ البحر يأكلُه السمكُ، وقيل: شجرةٌ تنكسرُ فيُلِقِيها المَوجُ في
الساحل، وقيل: خِثْيُ دابةٍ في البحر وليس في الأشجار، والأخثاء
شيءٌ. وسُئل ابنُ عباس عن العَنْبر؟ فقال: هو شيءٌ دَسَرَه البحرُ ولا
خُمُسَ فيه(٢) .
قال: (ولا فيما يُوجَدُ في الجبالِ كالحِصّ والنُّورَةِ والياقُوتِ
والفَيرُوزَجِ والزُّمُزُّدِ) لأنه من الأرضِ كالتُّراب والأحجارِ، والفُصوصُ:
أحجارٌ مضيئةٌ.
(١) قال الحافظ ابن حجر في ((الدراية)) ٢٦٢/١: لم أجده عن عمر بن
الخطاب، وإنما جاء عن عمر بن عبد العزيز، أخرجه عبد الرزاق (٦٩٧٤
و٦٩٧٨ و٦٩٧٩)، وروى أبو عبيد (٨٩٥) بإسناد ضعيف عن يعلى بن أمية قال:
كتب إليَّ عمر: أن خذ من حليٍّ البحر والعنبر العُشر.
(٢) أخرجه الشافعي في («مسنده)) ٢٢٩/١، وأبو عبيد في ((الأموال))
(٨٨٥)، وهو صحيح عنه. ودَسَرَه: دفعه.
٣٦٩

باب العاشر
وهو مَنْ نَصَبَه الإمامُ على الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدقاتِ من التُّجَّارِ ممَّا يَمُزُّونَ
به عليه؛ فيأْخُذُ من المُسلم رُبعَ العُشرِ، ومن الذّمِّيّ نِصفَ العُشْرِ، ومن
الحَرْبِيّ العُشرَ.
باب العاشر
وهو مَنْ نَصَبَه الإمامُ على الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدقاتِ من النُّجَّارِ ممَّا
يَمُرُّونَ به عليه) عند استجماع شرائطِ الوُجوبِ، ويأمنُ التجارُ بمقامِه
من شرِّ اللُّصوصِ.
(فيأْخُذُ من المُسلم رُبعَ العُشرِ، ومن الذَّمِّيّ نِصفَ العُشْرِ، ومن
الحَرْبِيّ العُشرَ) فإن علَمنا أنهم يأخذُون منا أقلَّ أو أكثرَ أخذنا منهم
مثلَه، والأصلُ فيه ما رُوي: أن عمرَ رضي الله عنه لما نصَبَ العُشَّار
قال لهم: خُذوا مما يمُزُّ به المسلمُ رُبعَ العُشرِ، ومما يمُرُّ به الذميُّ
نصفَ العشر. قالوا: فمِنَ الحَرْبي؟ قال: مثلَ ما يأخُذون منّا، فإن
أعياكم فالعُشْر (١)، وذلك بمَحضرٍ من الصحابة من غيرِ نكيرٍ، وإن لم
(١) أخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) (٧٠٧٢) عن هشام بن حسان، عن
أنس بن سيرين، قال: بعثني أنس بن مالك على الأيلة، قال: قلت: بعثتني على
شر عملك، قال: فأخرج لي كتاباً عن عمر بن الخطاب: خذ من المسلمين من
كل أربعين درهماً درهماً، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهماً درهماً، وممن
لا ذمة له من کل عشرة دراهم درهماً. وسنده صحيح.
وأخرج أيضاً (٧٠٧٣) عن الثوري ومعمر، عن أيوب، عن أنس بن سیرین،
عن أنس مثله .
=
٣٧٠

فمَنْ أنكَرَ تَمَامَ الحَولِ أو الفَراغَ من الدَّين، أو قال: أدَّتُ إلى عاشِرٍ آخرَ، أو
إِلى الفُقَرَاءِ، وحلَفَ صُدِّقَ،
-- ٠٠ ٠جم
يأخذوا منّا لم نأخذ منهم، لأنّ أحقُّ بالمُسامحةِ ومكارم الأخلاق، وإن
أخذوا الكلَّ أخذنا إلا قَدْرَ ما يُوصلُه إلى مأمنِهِ، وقيل: لا يُؤخَذ لأنه
غَدْرٌ، وإن أخذوا منا القليلَ أخذنا منهم كذلك. وعلى رواية كتاب
الزكاة: لا يُؤْخَذ، لأن القليلَ عفوٌ ولا يحتاج إلى حمايةٍ.
قال: (فمَنْ أنكَرَ تَمَامَ الحَولِ أو الفَراغَ من الدَّين، أو قال: أَدَّيتُ
إلى عاشِرٍ آخرَ، أو إلى الفُقَرَاءِ، وحلَفَ صُدِّقَ) معناه: إذا كان عاشرٌ
آخرُ، أما إذا لم يكن لا يُصَدَّق لظهور كَذِبِه، وكذا في السَّوائم إلا في
دَفعِه إلى الفقراء، لأنها عبادةٌ خالصةٌ لله تعالى، وهو أمينٌ، والقولُ
وأخرجه أبو عبيد في ((الأموال)) (١٦٥٧) عن معاذ، عن ابن عون، عن أنس
=
ابن سيرين، عن أنس.
وأخرجه محمد بن الحسن في ((الآثار)) ص٤٨: أخبرنا أبو حنيفة، عن أبي
صخرة المحاربي، عن زياد بن حدير، قال: بعثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه
إلى عين التمر مصدقاً، فأمرني أن آخذ من المسلمين من أموالهم إذا اختلفوا بها
للتجارة ربع العشر، ومن أموال أهل الذمة نصف العشر، ومن أموال أهل الحرب
العشر.
وروى سعيد بن منصور كما في ((التلخيص)) ١٢٨/٤ حدثنا أبو عوانة وأبو
معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم بن مهاجر، عن زياد بن حدير، قال:
استعملني عمر بن الخطاب على العشور، وأمرني أن آخذ من تجار أهل
الحرب العشر، ومن تجار أهل الذمة نصف العشر، ومن تجار المسلمين ربع
العشر.
رسم»
٣٧١

والمُسلِمُ والذَّمِّيُّ سَوَاءٌ. والحَرْبِيُّ لا يُصدَّقُ إلاَّ فِي أَمَّهاتِ الأولادِ،
قولُ الأمين مع اليمين. وعن أبي يوسف: لا يحلِفُ، كما إذا قال:
صمتُ أو صلَّيتُ. قلنا: الساعي هنا يكذِّبُه ولا مكذِّبَ ثَمّ، وكذا إذا
قال: هذا المالُ ليس لي، أو ليس للتِّجارةِ، وحَلَفَ صُدِّق. ويُشترط
إخراجُ البراءةِ في رواية الحسن، لأنها علامةٌ لصِدْقِ دَعواهُ، قلنا:
الخَطُّ يُشْبه الخَطَّ فلم يكن علامةً، وإنما اختلف حُكمُ السائمة في
الأداء إلى الفقراء، لأن ولايةَ الأخذِ إلى الإمام، فليس له أن يُخرِجها
بنفسِه، وسائرُ الأموال يخرجُها بنفسِه .
(والمُسلِمُ والذِّمِّيُّ سَوَاءٌ) لأن الذميَّ من أهلِ دارِنا، وهو كالمسلمِ
في المعاملاتٍ وأحكامِها .
قال: (والحَرْبِيُّ لا يُصدَّقُ إلَّ فِي أُقَهاتِ الأولادِ) لأنه يُؤْخَذُ منه
للحِمايةِ، وجميعُ ما معه يَحتاج إليها، ولأن الحولَ ليس بشرطٍ في حقِّه
حتى لا نُمكِّنه من المُقام في دارِنا سَنَةً، وأما الدَّين فلا مطالِبَ له في
دارِنا، وقوله: ليس للتجارة، يكذِّبُه الظاهرُ لأن الظاهرَ إنما دَخَلَ دارَنا
بالمال للتِّجارة، وإنما يُصدَّق في أُمهاتِ الأولاد والغلامُ، يقول: هو
وَلَدي، لأنه إن كان صادقاً، وإلا فقد ثَبَتَ للأَمَة حقُّ الحريّة، وللوَلِدِ
حقيقتُها، فتنعدِمُ الماليَّةُ في حقِّهما، ولو عَشرَ مرّةً الحربيَّ، ثم مرَّ عليه
مرةً أخرى لم يُعشرْهُ قبلَ الحول تحرُّزاً عن الاستئصال، إلا أن يرجِعَ
إلى دار الحرب ثم يخرجَ ولو خَرَج من يومِه، لأنه أمانٌ جديد، وكذا
إذا حال الحولُ يتجدَّدُ الأمانُ لما مرَّ.
٣٧٢

وتُعشَّرُ قِيمَةُ الخَمْرِ دون الخِنزیرِ (س ز).
باب المعدن
مُسلمٌ أو ذِمِيٌّ وَجَدَ مَعْدِنَ ذَهَبٍ أو نِضَّةٍ أو حديدٍ أو رَصَاصٍ أو نُحاسٍ
في أرضٍ عُشْرٍ أو خَرَاجٍ، فَخُمُسُه فيءٌ والباقي له،
قال: (وتُعشَّرُ قِيمَةُ الخَمْرِ دون الخنزيرِ) وقال زفر: يُعشِّرُهما
الاستوائِهما في الماليّة عندهم، وقال أبو يوسف كذلك إن مرَّ بهما
جملةً، كأنه جَعَلَ الخِنزِيرَ تَبَعاً للخمرِ، وإن انفردا عَشَّر الخمرَ دونَ
الخِنزير. وجهُ الظاهر وهو الفَرْقُ أن الأخذَ بسبب الحِماية، والمسلمُ
له أن يحميَ خَمْرَه للتَّخليل، فيَحمي خمرَ غيرِه، ولا كذلك الخنزير،
ولأن الخِنزيرَ من ذوات القِيَم وحُكمُ قيمتِهِ حُكمُه، والخمرُ مِثْلِيٌّ فلا
يكون حكمُ القيمةِ حُكمَها. وقال عمرُ رضي الله عنه: ولَّوهم بيعَها
وخُذُوا العُشْرَ(١) من أثمانها، ولم يَرِدِ مثلُه في الخنزير(٢) .
باب المَعْدِنِ
(مُسلمٌ أو ذِمِّيٌّ وَجَدَ مَعْدِنَ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو حديدٍ أو رَصَاصٍ أو
نُحاسٍ في أرضٍ عُشْرٍ أو خَرَاجٍ فخُمُسُه فيءٌ والباقي له) قال عليه
(١) في (م): العُشْرَين، والمثبت من (س).
(٢) قد جاء مثله في خبر الخمر نفسه، فقد أخرج أبو عبيد في ((الأموال))
(١٢٩) بسند صحيح عن سويد بن غفلة: أن بلالاً قال لعمر بن الخطاب: إن
عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوا منهم ولكن
وُّوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن.
٣٧٣
جسم

وإن وَجَدَه في دارِه فلا شَيءَ فيه (سم)، وكذلكَ لو وجَدَه في أرضه، وإن
وجَدَه حَرْبيٌّ في دارِ الإسلامِ فهو نَيْءٌ، .
السلام: ((وفي الرِّكاز الخُمُس)) (١)، والركازُ يتناول الكَتْزَ والمعدِنَ، لأنّ
الرِّكازَ عبارةٌ عما غُيِّبَ في الأرض وأُخفي فيها، وأنه موجودٌ في الكَنْزِ
والمعدِنِ، ولأنها كانت في أيدي الكفارِ وقد غَلَبْنا عليها، فتكون غنيمةً
وفيها الخُمُس. والواجد كالغانم، فله الأربعةُ الأخماسِ لعَدَمِ المُزَاحم.
قال: (وإن وَجَدَه في دارِه فلا شَيءَ فيه) لأنه مَلَكها بجميع أجزائها،
والمعدِنُ من أجزائها، (وكذلكَ لو وجَدَه في أرضه) وذَكَر في ((الجامع
الصغير)): يجبُ في الأرضِ دون الدَّار. والفرقُ: أنّ الدارَ مَلَكها بلا
مَؤُونَة أصلاً، والأرضُ يجبُ فيها العُشْرُ والخَرَاج فلم تَخْلُ عن المُؤَن،
فيجبُ في المعدِنِ أيضاً. وقال أبو يوسفَ ومحمد: يجبُ في الدارِ
والأرضِ لإطلاق الحديث، وجوابُه ما قلنا، وهو محمولٌ على غير
مُلْكِه.
قال: (وإن وجَدَه حَرْبِيٌّ في دارِ الإسلام فهو فَيْءٌ) لأنه ليس مِن
أهل الغَنائمِ .
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (١٤٩٩)، ومسلم (١٧١٠)،
وهو في ((المسند)) (٧١٢٠)، و((صحيح ابن حبان)) (٦٠٠٥).
الركاز، بكسر الراء: المال المدفون مأخوذ من الرَّكز بفتح الراء، واختلف في
المعدن فقال مالك: المعدن بمنزلة الزرع، تؤخذ منه الزكاة، كما تؤخذ من الزرع
حين يحصد، قال: وهذا ليس بركاز، إنما الركاز: دفن الجاهلية الذي يؤخذ من
غير أن يطلب بمال، ولا يتكلف له كثير عمل. انظر ((فتح الباري)) ٣٦٤/٣.
٣٧٤

ومَن وَجَدَ كَنزاً فيه عَلامَةٌ للمُسلِمِينَ فهو لُقَطَّةٌ، وإن كان فيه عَلامةُ الشِّركِ،
فهو من مالِ المُشرِكينَ، فيكُونُ غَنِيمةً، ففيه الخُمُسُ والباقي لِلواجِدِ. فإن
وَجَدَ في دارِ رَجُلٍ مالاً مَدِفُوناً من أموالِ الجاهِليَّةِ، فهو لِمَن كانتِ الدَّارُ له
(س)، وهو المُخْتَطُّ الذي خَطَّها له الإمامُ عند الفتحِ،
قال: (ومن وَجَدَ كَنزاً فيه عَلامَةٌ للمُسلِمِينَ) بأن كان فيه مُصحفٌ،
أو كان عليه مكتوباً كلمةُ الشهادةِ أو اسمُ مَلِكٍ من ملوك الإسلام (فهو
لُقَطَةٌ) لِعِلْمِنا أنه من وَضْع المسلمين، فلا يكون غنيمةً.
(وإن كان فيه عَلامةُ الشِّركِ) كالصَّليب والصَّنم ونحوهما (فهو من
مالِ المُشرِكينَ، فيكُونُ غَنِيمةً، ففيه الخُمُسُ والباقي لِلواجِدِ)، وما لا
علامةَ فيه قيل: هو لُقَطةٌ لتقادم العهدِ، فالظاهرُ أنه لم يَبْقَ شيءٌ مما
دَفَنْه الكفار، وقيل: حكمُه حكمُ أموال الجاهلية، لأن الكنوزَ غالباً من
الكَفَرة، وهذا كلُّه إذا وجَدَه في فَلاةٍ غيرِ مملوكٍ .
(فإن وَجَدَ في دارِ رَجُل مالاً مَدِفُوناً من أموالِ الجاهِليَّةِ، فهو لِمَن
كانتِ الدَّارُ له، وهو المُخْتَطُّ الذي خَطَّها له الإمامُ عند الفَتْحِ) وقال أبو
يوسفَ: هو للواحِدِ، وفيه الخُمُس قياساً على الموجود في المَفَازةِ،
لأنه هو الذي أظهَرَه وحازَه، ولم يُمَلِّكْه الإمامُ، لأنه لو مَلَّكَه الكنزَ مع
الأرضِ لم يكن عَدْلاً. ولهما: أن المخْتَطَّ له ملْكُ الأرضِ بالحِيازة،
فيملِكُ ظاهرَها وباطنَها، والمشتري مَلَكها بالعَقْد، فيملكُ الظاهرَ دونَ
الباطنِ، فبقي الكنُ على مُلْكِ صاحبِ الخِطَّة. وأما قوله: لو مَلَّكه لم
يكن عدلاً، قلنا: هو مأمورٌ بالعَدْل بحَسْبِ الطاقة، وما وراءَ ذلك
٣٧٥

فإن لم يُعْرَفِ المُخْتَطُّ فلأقْصَى مالِكِ يُعْرَفُ لها .
باب مصارف الزكاة
الفَقِيرُ: وهو الذي له أدْنَى شَيءٍ، والمِسكِينُ: الذي لا شَيءَ له،
غيرُ داخل في وُسْعِه، وإن لم يوجَدِ المُختَطُّ(١) فلورثتِهِ وورثَةٍ ورثتِهِ
هكذا.
(فإن لم يُعْرَفِ المُخْتَطُّ(٢) فلأقْصَى مالكٍ يُعْرَفُ لها).
باب مصارف الزكاة
وهم الذين ذَكَرهم الله تعالى في قوله: ﴿﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، إلا المؤلِّفةَ قلوبُهم، فإن الله تعالى
أعزَّ الإسلامَ وأغنى عنهم، ومَنَعهم عمرُ رضي الله عنه في زمن أبي بكرٍ
رضي الله عنه، وقال: لا نُعْطِي الدَّنِيةَ في دِيننا، ذلك شيءٌ كان يُعطيكم
رسولُ اللهِ وَّهِ تألَّفاً لكم، أما اليوم فقد أعزَّ الله الدِّين، فإن ثبتُّم على
الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيفُ، ووافقه على ذلك أبو بكرٍ
والصحابةُ (٣) فكان إجماعاً.
قال: (الفَقِيرُ: وهو الذي له أدْنَى شَيءٍ، والمِسكِينُ: الذي لا شَيءَ
له) وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: الفقير: الذي لا يَسألُ،
(١) زاد هنا في (م) لفظة: ((له))، وليست هي في (س).
(٢) في (م): ((والمختط له فهي لأقصى))، والمثبت من (س).
(٣) أخرج معناه البيهقي ٧/ ٢٠، والخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي
وآداب السامع)) (١٦٢٣).
٣٧٦

والعامِلُ على الصَّدَقةِ يُعطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ، ومُنقَطِعُ الغُزَاةِ، والحاجُّ،
والمسكينُ: الذي يَسألُ، وروى الحسنُ عن أبي حنيفةَ عكسَ ذُلك،
لأن الفقيرَ بالمسألةِ يَظْهَرُ افتقارُه وحاجته، والمسكين به زَمَانةٌ لا
يَسألُ، فالحاصلُ أن المسكين أسوأ حالاً من الفقير، وفائدةُ الخلاف
تَظهرُ في الأوقافِ عليهم والوصايا لهم دون الزَّكاة.
(والعامِلُ على الصَّدَقةِ يُعطَى بِقَدْرٍ عَمَلِهِ) ما يسعُه وأعوانَه زادَ على
الثَّمن أو نَقَصَ، لأنه فرَّغ نفسَه للعمل للفُقراء، فيكون كفايتُه في مالهم
كالمقاتِلة والقاضي، وليس ذلك بإجارةٍ لأنه عملٌ غيرُ معلوم، وتَحِلُّ
للغني دونَ الهاشميِّ لما فيها مِن شُبهة الوَسَخ، والهاشميُّ أولى
بالكَرَامة والتنزُّه عن الوَسَخِ فلا يُقاسُ عليه الغنيُّ، ولو هَلَكت الزكاةُ في
يدِ العامِلِ سَقَط أجرُه لأنَّ حقَّه فيما أَخَذ وأجْزَتْ مَن أُخِذ منه، لأنه
نائبٌ عن الإمام والفقراء.
قال: (ومُنقَطِعُ الغُزَاةِ والحاجُ) وهم المرادُ بقوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ
اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وقال أبو يوسف: هم فقراءُ الغُزاة لا غير، لأنه
المفهومُ عندَ إطلاق هذا اللفظ. ولمُحمدٍ: أن رجلاً جَعَل بعيراً له في
سبيلِ الله، فأمَرَه رسولُ الله وَّرِ أن يحمِلَ عليه الحاجّ(١)، ولأنه في
(°)
(١) أخرجه أبو داود (١٩٨٩) من حديث أم معقل قالت: لما حج رسول الله
وَلخير حجة الوداع وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله وأصابنا مرض
وهلك أبو معقل وخرج النبي ◌َّر، فلما فرغ من حجه جئته فقال: ((يا أم معقل
ما منعك أن تخرجي معنا؟)) قالت: لقد تهيَّأنا، فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل=
٦
٣٧٧
(°)

والمُكاتَبُ يُعانُ فِي فَكّ رقَبَتِهِ،
سبيل الله تعالى لما فيه من امتثال أوامِرِه وطاعتِهِ ومجاهدة النفس التي
هي عدوُ الله تعالى.
قال: (والمُكاتَبُ يُعانُ في فَكّ رقَبَتِه) وهو المراد بقوله: ﴿وَفِى
الْرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]. هكذا ذكره المفسِّرون، قالوا: لا يجوزُ دفعُها
إلى مكاتبٍ هاشميٍّ، لأن الملكَ يقَعُ للمولَى. وذكر أبو اللَّيث: لا
تُدفعُ إلى مكاتَبٍ غنيٍّ، وإطلاقُ النصِّ يقتضي الكلَّ وهو الصحيح.
= هو الذي نحج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله، قال: ((فهلا خرجت
عليه، فإن الحج في سبيل الله ... )) الحديث. وفي سنده محمد بن إسحاق لم
يصرح بالتحديث، وعيسى بن معقل روى عنه اثنان وذكره ابن حبان في
((الثقات)) .
وله طريق آخر عند أحمد في «مسنده)) (٢٧١٠٧) یتقوی به .
وله شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود (١٩٩٠)، والطبراني في
(الكبير)) ١٢/ (٩١١)، والحاكم ٤٨٤/١ من طريق عامر الأحول، عن بكر بن
عبد الله المزني، عن ابن عباس قال: أراد رسول الله وَلتر الحج، فقالت امرأة
لزوجها: أحِجَّني مع رسول اللهِوَّل على جملك، فقال: ما عندي ما أُحِجُّك عليه،
قالت: أحججني على جَمَلك فلان، قال: ذاك حبيس في سبيل الله عز وجل،
فأتى رسول الله وَّل فقال: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمةَ الله وإنها سألتني
الحج معك قالت: أحجني مع رسول الله وَالر فقلت: ما عندي ما أحجك علیه،
قالت: أحجني على جملك فلان، فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله عز وجل،
قال: ((أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله ... )) الحديث. وسنده
حسن، وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
٣٧٨
٠

والمَدْيُونُ الفَقيرُ، والمُنقَطعُ عن مالِه.
ولِلمالِكِ أن يُعطيهم، وله أن يَقْتَصِرَ على أحدِهِم.
قال: (والمَدْيُونُ الفَقيرُ) وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْغَرِمِينَ﴾
[التوبة: ٦٠]، وإطلاقُ الآية يقتضي جواز الصَّرف إلى مُطلَقِ المَديونِ
إلا أنه قامَ الدليلُ، وهو قوله عليه السلام: ((لا تحِلُّ الصدقةُ لغنيٌّ))(١)،
على أنه لا يجوزُ صرفُها إلى من يملِكُ نِصاباً فاضلاً عما عليه.
قال: (والمُنقَطعُ عن مالِه) وهو ابن السبيلِ لأنه لا يَتَوصَّل إلى
الانتفاعِ بمالِه فكان كالفقير، فهو فقيرٌ حيث هو، غنيٌّ حيث مالُه، إن
كانت زوجتُه عندَه فلها نفقةُ الفقراء، وإن كانت حيث مالُه لها نفقةُ
الأغنياء.
قال: (وللمالكِ أن يُعطيهم) ولا خلافَ فيه، (وله أن يَقْتَصِرَ على
أحدِهِم) لأن الزكاةَ حقُّ الله تعالى وهو الآخذُ لها. قال تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ
الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، وقال عليه السلام: ((إن الصدقةَ تقَعُ في يدٍ
الرحمن قبل أن تَقَعَ في يدِ السائل)»(٢)، وإضافتُه إليهم بحرف اللام
(١) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو أبو داود (١٦٣٤)، والترمذي
(٦٥٢)، وهو في ((المسند)) (٦٥٣٠). وهو حديث صحيح.
وفي الباب عن غير واحد من الصحابة ذكرناها في ((المسند)) فانظرها
هناك.
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس مرفوعاً الطبراني في ((الكبير)) (١٢١٥٠)
والبيهقي في ((الشعب)) (٣٥٢٥). وقال الهيثمي في ((المجمع ١١٠/٣: وفيه من
لم أعرفه .
=
٣٧٩

سد سوق
ولا يَدِفَعُها إلى ذِمِّيٍّ،
لبيانِ أنَّهم مصارفُ، لا لبيان أنهم المستحِقُون لها، وبعِلَّةِ الفقر والحاجةِ
صاروا مصارفَ، والمقصودُ هو إغناءُ الفقير وسدُّ خَلَّة المحتاج، قال
عليه السلام: ((خذها من أغنيائِهم ورُدَّها على فقرائهم)) (١)، ولهذا لا
يجوزُ الصرفُ إلى الأغنياءِ من هذه الأصنافِ، فعلم أن المرادَ دفعُ
الحاجة، وهو معنى يعُمُّ الكُلَّ، وذلك حاصلٌ بالدفع إلى البعض،
بخلاف العامل لأنه لا يأخذه صدقةً بل عِوَضاً عن عملِه.
قال: (ولا يَدَفَعُها إلى ذِمِّيَّ) لقوله عليه السلام: ((أمرتُ أن آخذَها
من أغنيائِكم وأردَّها على فقرائِكم))(١)، ويَدفع إليه غيرها من الصدقات
كالتُّذور والكفَّارات وصدقة الفطر. وقال أبو يوسف: لا يجوزُ كالزكاة.
ولنا أنَّ المذكورَ مطلَقٌ للفقراءِ إلا أنه خُصَّ في الزكاة بالحديث، فبقي
ما وراءَه على الأصل، ولا يجوزُ دفعُ شيءٍ من ذلك إلى حربيٍّ، لقوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوَّكُمْ فِى الْدِينِ﴾ الآية [الممتحنة: ٩]، ولا
يجوزُ دفعُ شيءٍ من العُشْر إلى الذميِّ أيضاً كالزكاة، وعليه الإجماع.
=
وأخرجه كذلك مرفوعاً أبو نعيم في «الحلية)) ٨١/٤ من حديث فضالة بن
عبيد .
وأخرجه من قول ابن مسعود ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٤٧)، والطبراني
في «الكبير» (٨٥٧١)، واللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد» (٧٠٥). قال ابن
قطلوبغا في ((تخريج أحاديث الاختيار)) ص١٥٢: رجاله ثقات إلا عبد الله بن
قتادة - أحد رواته - فإنه مستور.
(١) أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس.
٣٨٠