النص المفهرس

صفحات 261-280

ولو شَرَعَ مُومئاً ثُمَّ قَدَرَ على الرُّكوعِ والسُّجودِ استَقَبَلَ (زف) ومَن جُنَّ أو
أُغْمِيَ عليه خَمْسَ صلواتٍ قَضَاها (ف)، ولا يَقضِي أكثرَ من ذُلكَ.
لمحمدٍ، بناءً على ما تقدَّم أن صلاة القائم خَلْفَ القاعد تجوزُ عندهما
خلافاً له .
(ولو شَرَعَ مُومتاً ثُمَّ قَدَرَ على الرُّكوع والسُّجودِ استَقِبَلَ) لأنه بناءُ
القوي على الضعيف، ولا يجوز لما تقدم (ومَن جُنَّ أو أَغمِيَ عليه
خَمْسَ صلواتٍ قَضَاها، ولا يَقضِي أكثرَ من ذلكَ) نفياً للحَرَج، وذلك
عند الكَثرة بالتكرار، وهو مأثورٌ عن عمر وابنِه والخُدري(١).
مريضٌ مجروحٌ تحتَه ثيابٌ نَجِسَةٌ، وكلما بُسِطَ تحتَه شيءٌ تنجَّس
من ساعتِهِ: يصلِّ على حاله مستلقياً، وكذا إن كان لا يتنجَّسُ لكنه
يزدادُ مرضُه أو تلحَقُه مشقَّةٌ بتحريكِه بأن نُزِغ الماءُ عن عينِه دفعاً لزيادة
الحَرَج.
مريضٌ راكبٌ لا يقدِرُ على من يُنزِلُه: يصلِّي المكتوبةَ راكباً بإيماءٍ،
وكذلك إذا لم يقدِرْ على النزول لمَرَضٍ أو مطرٍ أو طينٍ أو عدوٍّ، لما
روي: أنه وَلّ كان في مَسِيرٍ فانتَهَوا إلى مَضِيقٍ، فحضَرَتِ الصلاةُ
فمُطِروا، والسماءُ من فوقهم والبلَّةُ من أسفلَ منهم، فأَذَّنَ بِ ◌ّه وهو على
راحلتِه وأقام، فتقدَّم على راحَلتِهِ فصلَّى بهم يُومِىُّ إيماءً، فجَعَل
(١) أما أثرا عمر والخدري فقد بيَّض لهما ابن قطلوبغا في ((تخريجه))، وأما
أثر ابن عمر فقد رواه محمد بن الحسن في ((الآثار)) (١٧٠) عن أبي حنيفة عن
حماد عن إبراهيم عن ابن عمر .
٠٧
٢٦١

السجودَ أخفَضَ من الركوع(١). ولأنه إذا لم يقدِرْ على النزول سقَطَ عنه
كحالَةِ الخوف، وإذا جازَ لهم الصلاةُ رُكْباناً ففرْضُهم الإيماء، لأن
الراكبَ لا يقدِرُ على الركوع والسجودِ ولِما روينا، وإن قدَرَ على
النزول ولم يقدِرْ على الركوع والسُّجود لأجْلِ الطّينِ صلَّى قائماً بإيماءٍ
للعَجْز عن الركوع والسجودِ. وإذا صلَّى راكباً يوقِفُ الدَّابةَ، لأن في
السّير انتقالاً واختلافاً لا يجوزُ في الصلاة، وإن تعذَّر عليه إيقافُها
جازت الصلاةُ مع السّير كما في حالة الخوف.
ومن كان في السَّفينةِ فإن قدَرَ على الخُروج إلى الشَّطُّ يُستحبُّ له
الخروج ليتمكّن من القيام والركوع والسجودِ، وإن صلَّى في السّفينة
أجزأه لوجود شَرائطِها، فإن كانت مُوثَقَةٌ بالشطُّ صلَّى قائماً، وكذلك
إن كانت مستقرّةً على الأرض، لأنه مستقرٍّ في أرض السفينةِ فيأتي
بالأركان بالإجماع، وإن كانت سائرةً يصلِّي قائماً، فإن صلى قاعداً وهو
يستطيع القيامَ أجزأه وقد أساء، وقالا : لا يجوز لأن القيامَ ركنٌ فلا يجوز
تركُه وصار كما إذا كانت مربوطةً، وله ما روى ابنُ سيرين قال: أمَّنا
(١) أخرجه الترمذي (٤١١)، وهو في ((المسند)) (١٧٥٧٣) من حديث
یعلی بن مُرَّة، وإسناده ضعيف، قال ابن القطان: عمرو بن عثمان - أحد رواته -
لا يعرف کوالده. وهو راويه عنه. وانظر تمام تخريجه في ((المسند)).
قلنا: وقد صح عن النبي ◌َّ الصلاة على راحلته حيث توجهت به، وذلك
في النافلة، وليس في الفرض. انظر حديث ابن عمر في ((المسند)) (٤٤٧٠)،
و (٤٥١٧).
٢٦٢

باب صلاة المسافر
وفَرْضُه في كُلّ رُباعِيَّةٍ رَكعَتانِ (ف)،
أنسٌ في نهر مَعْقِلٍ(١) على بساطِ السَّفينةِ جالساً ونحن جلوسٌ(٢)،
ولأن الغالبَ فيها دورانُ الرأس، والغالبُ كالمتحقِّق كما في السَّفر لمَّا
كان الغالبُ فيه المشقَّةَ كان كالمتحقِّق في حقِّ الرُّخصةِ، كذا هنا،
بخلاف المربوطةِ لأنها تأخذُ حُكْمَ الأرض، فإن استدارت السفينةُ وهي
سائرةٌ استدار إلى القِبلة حيث كانت، لأنه(٣) يقدر على الاستقبال من
غير مشقَّةٍ فلا يسقُطُ، كالمصلِّي على الأرض، بخلاف الراكب، لأن
الاستقبالَ يتعذَّرُ عليه إذا كان يقطعُه عن طريقِه فيسقُطُ للعُذْرِ.
باب صلاة المسافر
(وفَرْضُه فِي كُلّ رُباعِيَّةٍ رَكعَتانٍ) لحديث عائشةَ قالت: فُرِضت
الصلاةُ في الأصل ركعتين، فزِيدَتْ في الحَضَر وأُقرَّت في
(١) نهر مَعْقِل: هو نهر بالبصرة، نسبة إلى معقل بن يسار المزني، الصحابي
المعروف، نقل ياقوت عن الواقدي: أن عُمَرَ أمَرَ أبا موسى الأشعري أن يحفِرَ
نهراً بالبصرة، وأن يُجريَه على يدِ معقل بن يسار المزني، فنسب إليه. وتوفي
معقل بالبصرة في ولاية عُبيد الله بن زياد البصرةَ لمعاوية. ((معجم البلدان))
٣٢٣/٥-٣٢٤.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٦٦ عن هشيم عن يونس عن ابن سيرين.
وأخرجه عبد الرزاق (٤٥٥٤) عن معمر، عن قتادة وعاصم بن سليمان: أن
أنس بن مالك صلى بأصحابه في السفينة قاعداً على بساط.
(٣) أقحم هنا في (س) لفظة: ((لا))، وهو خطأ، والجادة حذفها .
٢٦٣

السَّفَر(١). ولا يُعلَم ذلك إلا توقيفاً. وقال عمرُ: صلاةُ السّفر ركعتان،
وصلاةُ الجُمعة ركعتان تمامٌ غیرُ قَصْرٍ علی لسانٍ نبیکم ێ(٢). وروى
ابنُ عباسٍ عن النبي ◌ِّ أنه قال: ((إن الله فرَضَ عليكم الصلاةَ على لسانِ
نبيكم في الحَضَر أربعاً وفي السَّفر ركعتين))(٣)، ومثله عن عليّ(٤).
أما الفجرُ والمغربُ والوترُ فلا قَصْرَ فيها بالإجماع.
ولو أتمّ الأربعَ فقد خالَفَ السُّنةَ، لأنه ◌َِّ لما صلَّى بأهل مكةَ بعدَ
الهجرةِ صلَّى ركعتين، ثم قال لهم: ((أتِقُوا صلاتكم فإنا قومٌ سَفْرٌ))(٥)،
(١) أخرجه من حديث عائشة البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥)، وهو في
(«المسند» (٢٦٣٣٨)، و((صحيح ابن حبان)) (٢٧٣٦). ولفظ أحمد: عن عائشة
قالت: كان أول ما افْتُرِضَ على رسول اللهِوَ له: ركعتان ركعتان، إلا المغربَ،
فإنَّها كانت ثلاثاً، ثم أَتَمَّ الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعاً في الحضر،
وأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٠٦٣) و(١٠٦٤)، والنسائي ١١١/٣، وهو في
«المسند)) (٢٥٧)، و((صحيح ابن حبان)) (٢٧٨٣). وهو صحيح.
(٣) أخرجه مسلم (٦٨٧)، وزاد في آخره: ((وفي الخوف ركعة)).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في ((سننه)) (٢٥٠٩)، والبزار في ((مسنده))
(٨٤٥)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ١٥٥ : وفيه الحارث - هو الأعور - وهو
ضعيف .
(٥) أخرجه من حديث عمران بن حصين أبو داود (١٢٢٩)، والترمذي
(٥٤٥)، وفيه قصة، وليس عند الترمذي قوله: ((أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر))،
وانظر («المسند)) (١٩٨٦٥). وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان أحد
رواته، ومتن الحديث صحيح دون قوله: ((أتموا ... )) الخ.
٢٦٤
=

ويَصِيرُ مُسافِراً إذا فارَقَ بُيُوتَ المِصْرِ قاصِداً مَسِيرةَ ثلاثةِ أَيَّامٍ وليالِيها
فإن فَعَدَ في الثانية أجزأه اثنتان عن الفَرْض، وقد أساءَ لتأخير السلام
عن موضِعِه، وركعتان له نافلة لزيادتِها على الفَرْض، وإن لم يقعدْ في
الثانية بَطَل فرضُه لأنه تَرَك رُكناً وهو القعدةُ آخرَ الصلاة.
قال: (ويَصِيرُ مُسافِراً إذا فارَقَ بُيُوتَ المِصْرِ قاصِداً مَسِيرةَ ثلاثةِ أَيَّامِ
ولياليها) لأنه لا يَصيرُ مسافراً إلا إذا خَرَج من المِصْر، وقد قالت
الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: لو فارقْنا هذا الخُصَّ لقَصَرْنا(١).
وأما التقديرُ فلقوله عليه السلام: ((يمسَحُ المسافرُ ثلاثةَ أيام
ولياليَها))(٢)، والمرادُ: بِيانُ حكمِ المسافرين ليكونَ أعمَّ فائدةً، فيتناول
قال ابن المنذر في ((الأوسط)) ٣٦٥/٤: قصر النبي وَلقر بمكة ثابت من غير
هذا الوجه، لأن علي بن زيد يُتكلم في حديثه، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب
حين قدم مكة صلى ركعتين، فلما سلّم قال: يا أهل مكة، إنا قوم سَفْر، فأتموا
الصلاة، ثم قال: حدثنا الحسن بن عفان، حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن الأسود قال: صلى عمر بمكة ركعتين، فلما سلم قال: يا أهل مكة
إنا قوم سفر، فأتموا الصلاة.
وأخرجه عبد الرزاق (٤٣٦٩) عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن
عمر قال: صلى عمر بأهل مكة ... .
(١) قال ابن قطلوبغا في ((تخريجه)) ص٩٣: لا أحفظه إلا عن علي. أخرجه
ابن أبي شيبة ٤٤٩/٢، وعبد الرزاق (٤٣١٩). والخُصّ : هو البيتُ من القصب.
(٢) أخرجه من حديث علي مسلم (٢٧٦)، وهو في ((المسند)) (٧٤٨).
وانظر حديث خزيمة بن ثابت في ((المسند)) (٢١٨٥١). وانظر تتمة شواهده
وأحاديث الباب فيه .
٢٦٥

سَيْرَ الإِبِلِ ومَشْيَ الأقدام، ويُعْتَبَرُ في الجَبَل ما يَلِيقُ بِهِ، وفي البَحْرِ اعتِدالُ
الرّياح، ولا يَزَالُ على حُكْمِ السَّفَرِ حتى يَدخلَ مِصْرَه أو يَنويَ إقامةَ خَمسَةً
عَشَرَ (ف) يوماً في مِصْرٍ أو قَریةٍ،
كلَّ مسافرٍ سفرُه ثلاثةُ أيامٍ ليستوعبَ الحكمُ الجميعَ، ولو كان السفرُ
الذي تتعلَّق به الأحكامُ أقلّ من ثلاثٍ لبقي من المسافرين مَن لم يُبيَّن
حكمُه، ولأن الألف واللام للجِنْس فيدخُلُ في هذا الحكم كلُّ مسافرٍ،
ومَن لم يثبت له هذا الحكمُ لا يكون مسافراً.
قال: (سَيْرَ الإبلِ ومَشْيَ الأقدام) لأنه الوسَطُ المعتادُ، فإن السّير
على الخيل(١) في غايةِ السُّرعة، وَعلى العَجَلِ (٢) في غايةِ الإبطاء،
فاعتبرْنا الوَسَط لأنه الغالبُ.
قال: (ويُعْتَبَرُ في الجَبَل ما يَلِيقُ بِهِ، وفي البَحْرِ اعتِدالُ الرّياح) لأنه
هو الوسَطُ، وهو أن لا تكون الرياحُ غالبةً ولا ساكنةً، فيُنظر كم يسيرُ
في مثله ثلاثةَ أيام فيُجعل أصلاً.
قال: (ولا يَزَالُ على حُكْم السَّفَرِ حتى يَدخُلَ مِصْرَه أو يَنويَ إقامةً
خَمسَةَ عَشَرَ يوماً في مِصْرٍ أو قَرِيةٍ) لأن السَّفر إذا صحَّ لا يتغيَّرُ حكمُه إلا
بالإقامةِ، والإقامةُ بالنيةِ أو بدخول وَطَنِهِ، لأن الإقامةَ تركُ السَّفر، فإذا
اتَّصَلَ بالنية تَمَّ، بخلافِ المُقيم حيثُ لا يصيرُ مسافراً بالنية، لأن السّفر
(١) وقع بدل قوله: ((على الخيل)) في نسخة (س): ((في الماء)»، وما أثبتناه
من (م)، وهو الجادة.
(٢) جمع عجلة: وهي العَرَبَة التي تجرها البقر والثيران.
٢٦٦

إنشاءُ الفِعل فلا يصيرُ فاعلاً بالنية. وأما دخولُ وطنِهِ فلأنَّ الإقامةَ
للارتفاق وأنه يحصُلُ بوطنِهِ من غير نيّةٍ، وكذا نُقل أن النبي عليه السلام
والصحابةَ كانوا يسافرون ويعودون إلى أوطانِهِم مُقيمِين من غير
نيةٍ(١). وأما المدةُ خمسَةَ عشَرَ يوماً فمنقولةٌ عن ابن عباسٍ وابنٍ
عمر (٢)، ولا يُعرَف ذلك إلا توفيقاً، ولأن السَّفَر لا يخلو عن اللَّبْثِ
القليل، فاعتبرْنا الخمسةَ عشَرَ كثيراً فاصلاً اعتباراً بمدةِ الطَّهْر، إذ لها
أثرٌ في إيجاب الصلاة وإسقاطِها.
(١) قال ابن قطلوبغا ٩٣: قال مخرِّجو أحاديث ((الهداية)): لم نجده. قلت:
مرادهم: لم نجد له شاهداً نقليّاً .
(٢) أخرجه الطحاوي في كتابه ((أحكام القرآن)) برقم (٣٤٦) قال: حدثنا
روح بن الفرج، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدثنا عبد الله بن يزيد
المقرئ، حدثنا أبو حنيفة عن عمر بن ذر، عن مجاهد، عن ابن عباس وابن عمر
قالا: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة،
فأکمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متی تظعن فاقصرها. وهذا سند حسن .
وروى ابن أبي شيبة ٢/ ٤٥٥، وعبد الرزاق (٤٣٤٣) من طريق عمر بن ذر،
عن مجاهد: أن ابن عمر كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوماً سرح ظهره،
وصلى أربعاً. وهذا سند صحيح.
وروى ابن أبي شيبة ٢ / ٤٥٤ عن حفص عن عاصم، عن عكرمة عن ابن
عباس: أن النبي ◌َالقر أقام سبع عشرة يقصر الصلاة، قال: وقال ابن عباس: من
أقام سبع عشرة قصر الصلاة، ومن أقام أكثر من ذلك أتم، وهو في ((سنن
البيهقي)) ١٤٩/٣.
٢٦٧

وإن نَوَى أَقَلَّ مِن ذُلكَ فهو مُسافِرٌ وإن طالَ مُقَامُه ومَن لَزِمَه طاعَةُ غيرِهِ
كالعَسكَرِ والعَبدِ والزَّوجةِ يَصيرُ مُسافِراً بِسَفَرِهِ مُقِيماً بإقامتِهِ، والمُسافِرِ يَصِيرُ
مُقِيماً بالنيَّةِ إلَّ العَسكَرَ إذا دَخَلَ دارَ الحربِ أو حاصَرَ مَوضِعاً.
قال: (وإن نَوَى أَقَلَّ مِن ذُلكَ فهو مُسافِرٌ وإن طالَ مُقامُه) لما روي :
أنه عليه السلام أقام بتبوك عشرين ليلةً يقصُرُ الصلاة(١). وعن أنسٍ قال:
أقام أصحابُ رسول الله وَّه بالسُّوسِ(٢) تسعة أشهرٍ يقصُرون الصلاة(٣).
قال: (ومَن لَزِمَه طاعَةُ غيرِهِ كالعَسكَرِ والعَبدِ والزَّوجةِ يَصيرُ مُسافِراً
بِسَفَرِه مُقِيماً بإقامته) لأنه لا يُمكنه مخالفتُه.
قال: (والمُسافِرِ يَصِيرُ مُقِيماً بالنيَّةِ) لما بيَّا (إلَّ العَسكَرَ إذا دَخَلَ
دارَ الحربِ أو حاصَرَ مَوضِعاً) لأن إقامتَهم لا تتعلَّقُ باختيارهم، لأنهم
لو نَوَوا الإقامةَ ثم انهزموا انصرفوا فلا تصحّ نیتُهم.
(١) أخرجه من حديث جابر أبو داود (١٢٣٥)، وهو في ((المسند))
(١٤١٣٩)، و((صحيح ابن حبان)) (٢٧٤٩)، وإسناده صحيح.
(٢) تحرفت في (س) إلى: بالبسوس، وما أثبتناه من (م) وهو الصواب،
والسوس، قال في ((معجم البلدان)) ٣/ ٢٨٠: بضم أوله وسكون ثانيه وسين
مهملة أخرى : بلدة بخوزستان .
(٣) رواه البيهقى فى ((سننه)) ١٥٢/٣، وسنده حسن. وفيه ((برامهرمز)) بدل
((بالسوس)).
ولأثر أنس هذا شواهد تقوِّيه، انظر ((إعلاء السنن)) ٧/ ٢٨٢. وقال الترمذي
في ((سننه)) في باب ما جاء في كم تقصر الصلاة: أجمع أهل العلم على أن
للمسافر أن یقصُر ما لم يُجمِعْ إقامةً وإن أتی علیه سنون.
٢٦٨

وَنِيَّةُ الإقامَةِ مِن أهلِ الأخْبِيةِ صحيحَةٌ، ولو نَوَى أن يُقِيمَ بمَوضِعَينِ لا يَصِحُ
إلاَّ أن يَبِيتَ بأحدِهِما، والمُعْتبرُ في تَغْيِيرِ الفَرْضِ قَصْراً وإتماماً آخِرُ الوقتِ.
ولا يَجوزُ اقتِداءُ المسافِرِ بالمُقِيمِ خارجَ الوقتِ، فإن اقتَدَی به في الوقتِ أتمَّ
الصَّلاةَ،
(وَنِيَّةُ الإقامَةِ مِن أهلِ الأخْبِيةِ صحيحَةٌ) كالأكراد والتُّركمان في
الصحراء والكلأ، ولأنه موضعُ إقامتِهِم عادةً، فهو في حقّهم كالأمصار
والقرى لأهلها .
قال: (ولو نَوَى أن يُقيمَ بمَوضِعَينِ لا يَصِحُ) إذ لو صحَّ في
موضعين لصَحَّ في أكثرَ وأنه مُمتنِعٍ (إلاّ أن يَبِيتَ بأحدِهِما) فتصحُّ النيةُ،
لأن موضعَ الإقامةِ موضعُ البَيتوتَةِ، ألا ترى أن السُّوقيَّ يكون في النهار
في حانوتِه ويُعَدُّ ساكناً في مَحَلَّةٍ فیها بيتُه.
قال: (والمُعْتبَرُ في تَغْيِيرِ الفَرْضِ قَصْراً وإتماماً آخِرُ الوقتِ) لأن
الوجوبَ يتعلَّق بآخرِ الوقت، حتى لو سافر آخرَ الوقت قصَرَ، وإن أقام
المسافرُ آخرَ الوقت تمَّمَ لما بينا.
معدة اى ــ
قال: (ولا يَجوزُ اقتِداءُ المسافِرِ بالمُقِيم خارجَ الوقتِ) لتغير
فرضِهما، وقد تقدم.
مدسۀ
(فإن اقتَدَى به في الوقتِ أتمَّ الصَّلاةَ) لأنه التزم متابعتَه. قال عليه
السلام: ((إنما جُعِلَ الإمامُ إماماً ليؤتَمَّ به، فلا تختلفوا على
أئِمَّتِكم)) (١)، وصيرورته متابعاً: أن يصلِّيَ أربعاً.
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤)، وهو
في «المسند» (٨٥٠٢).
٢٦٩

فإن أمَّ المُسافِرُ المُقِيمَ سَلَّمَ على رَكعَتَينِ وأتمَّ المُقيمُ. والعاصِي (ف)
والمُطِيعُ في الرُّخَصِ سواءٌ.
(فإن أمَّ المُسافِرُ المُقِيمَ سَلَّمَ على رَكَعَتَينٍ) لأنه تمَّ فرضُه (وأثمَّ
المُقيمُ) لأنه بقي عليه تَمامُ صلاتِه. ويُستحبُّ أن يقول: أتِمُّوا صلاتكم
فإنَّا قومٌ سَفْرٌ، هكذا نُقل عن رسول الله وَلِيمٍ(١).
قال: (والعاصِي والمُطِيعُ في الرُّخَصِ سواءٌ) لإطلاق النصوص،
منها قوله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾
[المائدة: ٦]. وقوله عليه السلام: ((يَمسَحُ المسافرُ ثلاثةَ أيام ولياليَها))(٢)
من غير فَصْلٍ، فصار كما إذا أنشأ السَّفرَ في مباحِ ثم نَوى المعصيةَ
بعده. وأما قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي: غيرَ
متلذِّذٍ في أكلِها، ولا متجاوزٍ قَدْرَ الضَّرورة، ونحن لا نجعلُ المعصيةَ
سبباً للرُّخصة، وإنما السببُ لُحوقُ المشقّة الناشئة من نقل الأقدام
والحَرِّ والبَرْدِ وغيرِ ذُلك، والمحظورُ ما يجاورُه من المعصيةِ، فكان
السَّفَر من حيث إفادَتُه المُخصةَ مباحاً، لأن ذلك مما يَقْبَل الانفصال.
واعلم أنَّ الأوطانَ ثلاثةٌ:
أصليٌّ ويسمَّى أهليّاً، وهو الذي يستقرُّ الإنسانُ فيه مع أهله،
وذُلك لا يبطل إلا بمثلِهِ، وهو أن ينتقل إلى بلدٍ آخرَ بأهلِه بعَزْمِ القرار
(١) انظر تخريجه والكلام عليه ص٢٦٤ .
(٢) سلف ص٢٦٥ .
٢٧٠

باب الجُمعة
فيه، ألا ترى أنه عليه السلام بعد انتقاله من مكةً إلى المدينةِ سمَّى نفسَهُ
مسافراً بمكةَ حيث قال: ((فإنا قومٌ سَفْر))(١).
والثاني: وطنُ إقامةٍ، وهو الذي يَدخُله المسافر فينوي أن يُقيم فيه
خمسةَ عشَرَ يوماً، ويبطُلُ بالأصليِّ لأنه فوقَه، وبالمُماثِلِ لطَرَيانِهِ
عليه، وبإنشاءِ السَّفر لمنافاتِهِ الإقامةَ.
والثالث: وطنُ سُكْنَى، وهو أن يُقيم الإنسانُ في مرحلةٍ أقلَّ من
خمسةَ عشَرَ يوماً، ويبطُل بالأولِ والثاني لأنهما فوقَه، وبمثلِه لطَرَيانِه
عليه، وبيانُ ضعفِه عدمُ وجوب الصومِ وإتمامِ الصلاةِ .
باب(٢) الجمعة
اعلم أن الجُمُعة فريضةٌ مُحكمةٌ لا يجوز تركُها إلا لعُذرٍ، قال
تعالى: ﴿إِذَا تُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ ... ) الآية [الجمعة:
٩]. وقال عليه السلامُ في حديثٍ طويلٍ من رواية جابرٍ: ((واعلَمُوا أنَّ
الله فَرَضَ عليكم الجُمُعة في يومِي هُذا في شهرِي هُذا في عامِي هُذا في
مقامي هذا، فريضةً واجبةً إلى يوم القيامة))(٣).
(١) سلف تخريجه ص٢٦٤ .
(٢) في (م): کتاب، والمثبت من (س).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٠٨١) وليس فيه ((فريضة واجبة))، وإسناده ضعيف
جداً فيه علي بن زيد بن جدعان وأبو خباب وهما ضعيفان، وعبد الله بن محمد
العدوي وهو متروك الحديث.
٢٧١

ولا تَجِبُ إلَّ على الأحْرارِ الأَصِحَّاءِ المُقِيمِينَ بالأَمصارِ،
قال: (ولا تَجِبُ إلَّ على الأحرارِ الأَصِحَّاءِ المُقِيمِينَ بالأَمصارِ)
قال عليه السلام: ((تجب الجُمُعة على كلِّ مسلمٍ إلا امرأةً أو صبيّاً أو
مملوكاً))(١). وقال عليه السلام: ((أربعةٌ لا جُمُعةً عليهم: العبدُ،
والمريضُ، والمسافرُ، والمرأةُ))(٢)، ولأن العبيدَ مشغولون بخِدمةٍ
(١) أخرجه أبو داود (١٠٦٧)، والدارقطني (١٥٧٧)، والبيهقي في
((السنن)) ١٨٣/٣ من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم،
عن طارق بن شهاب عن النبي وَّر ... فذكروه وزادوا فيه: ((أو مريض)). قال أبو
داود بإثره: طارق بن شهاب قد رأى النبي ولم يسمع منه شيئاً.
قال النووي في ((الخلاصة)) ٧٥٧/٢: رواه أبو داود بإسناد على شرط
((الصحيحين))، وهذا الذي قاله أبو داود لا يقدح في صحة الحديث، لأنه إن ثبت
عدم سماعه يكون مرسل صحابي وهو حجة. وقال البيهقي: هذا الحديث وإن
كان فيه إرسال، فهو مرسل جيد، فطارق من خيار التابعين، وممن رأى النبي وَل
وإن لم يسمع منه، ولحديثه هذا شواهد.
وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٨٧/١ من طريق قيس بن مسلم، عن
طارق بن شهاب، عن أبي موسى ... فذكره. وقال: هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين، فقد اتفقا جميعاً على الاحتجاج بهريم بن سفيان - أحد رواته -
ولم يخرجاه، ورواه ابن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ولم يذكر أبا
موسى في إسناده، وطارق بن شهاب ممن يعد في الصحابة.
(٢) أخرجه محمد بن الحسن في ((الآثار)) (١٩٩) عن محمد بن كعب
القرظي. ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، محمد بن كعب لم يدرك النبي وَلد.
ويشهد له ما قبله، وحديث جابر عند الدارقطني في «سننه» (١٥٧٦)،
والبيهقي ١٨٤/٣ من طريق ابن لهيعة، عن معاذ بن محمد الأنصاري، عن أبي=
٢٧٢

ولا تُقَامُ إلَّ فِي المِصْرِ (ف) أو مُصَلّه، والمِصْرُ: ما لوِ اجْتَمَعَ أهلُهُ في أَكْبَرِ
مساجِدِه لم يَسَعْهُم.
الموالي، والمرأة بخدمةِ زوجها، وقد بينا العُذْرَ في تَرْك خروجها إلى
الجماعات، وأما المرضى فللعَجْز، واختلفوا في الأعمى، قال أبو
حنيفةً: لا تجبُ عليه، وقالا: تجب إذا وَجَد قائداً، لأنه يصيرُ قادراً
على السعي وصارَ كالضالِّ. وله أنه عاجزٌ بنفسِه كالمَريضِ فلا يصيرُ
قادراً بغيرِهِ، فإن القائدَ قد يترُكه في الطريق. وأما قوله: المُقيمين
بالأمصار، فلقوله عليه السلام: «لا جُمُعة ولا تشریقَ ولا أضْحَى إلا
في مِصْرٍ جامع)) (١).
قال: (ولا تُقامُ إلَّ في المِصْرِ) لما روينا، (أو مُصَلاَه) لأنه في
حُكمِه.
(والمِصْرُ: ما لوِ اجتَمَعَ أهلُهُ في أَكْبَرِ مساجِدِه لم يَسَعْهُم) روي
ذلك عن أبي يُوسفَ. قال محمدُ بن شُجاع الثَّلْجي: هذا أحسنُ ما قيلَ
فيه، وقيل: هو أن يعيشَ كلُّ صانع بحِرْفتِهِ، وقال الكَرْخِي: ما أُقيمت
= الزبير، عن جابر أن رسول الله وَ ل* قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه
الجمعة يوم الجمعة إلا مريض، أو مسافر، أو امرأة، أو صبي، أو مملوك، فمن
استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غني حميد)). وابن لهيعة ومعاذ
ضعيفان .
(١) لم نقف عليه مرفوعاً، وأخرجه من قول عليٍّ عبد الرزاق (٥١٧٧)،
وابن أبي شيبة ١٠١/٢، والبيهقي ١٧٩/٣ من طريق سعد بن عبيدة، عن أبي
عبد الرحمن السلمي، عن علي. وإسناده صحيح.
٢٧٣

ولا بُدَّ من السُّلطانِ أو نائبِهِ (ف) ووَقتُها وقتُ الظُّهرِ، ولا تَجوزُ إلَّ بالخُطْبةِ
فيه الحدودُ، ونفَذَت فیه الأحکامُ، وزاد بعضُهم : ویوجدُ فیه جمیع ما
يَحتاج الناسُ إليه في مَعَايشهم، وعن محمدٍ : كلُّ موضع مَصَّرَهُ الإمامُ
فهو مِصْرٌ، فلو بَعَثَ إلى قريةٍ نائباً لإقامةِ الحدود والقصاص صار
مِصْراً، فلو عَزَلَه ودعاه التحَقَ بالقُرى .
قال: (ولا بُدَّ من السُّلطانِ أو نائبِهِ) لأنه لولا ذُلك لاختار كلُّ جماعةٍ
إماماً، فلا يتَّفقونَ على واحدٍ فتقَعُ بينهم المُنازعةُ، فربما خَرَج الوقتُ
ولا يصلُّون، ولأن ذلك يُقْضِي إلى الفِتنة، ومع وُجودِ السلطان لا .
(ووَقتُها وقتُ الظُّهرِ) لحديث أنسٍ: ((كُنّا نصلِّي الجمعةَ مع
رسولِ الله إذا مالت الشمسُ))(١)، ولأنها خَلَفٌ عن الظهر وقد سقطت
الظهرُ فتكون في وقتها .
قال: (ولا تَجوزُ إلاَّ بالخُطْبةِ) لقوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الجمعة: ٩]. ولا يجبُ السعيُ إلا إلى واجبٍ، والنبيُّ نَّه لم يصلِّ
الجُمعةَ بدونِها. وقالت عائشة: إنما قَصُرَت الصلاةُ لمكان الخُطبةِ(٢)،
وعليه الإجماعُ، وهي قبل الصلاة، هكذا فعلَه عليه السلامُ والأئمةُ
بعدہ إلی یومنا هذا.
(١) أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٠٨/٢، وبنحوه
البخاري (٩٠٤)، وهو في ((المسند)) (١٢٢٩٩) و(١٢٥١٥).
(٢) لم نقف عليه عن عائشة، ونحوه عن عمر بن الخطاب عند ابن أبي شيبة
١٢٨/٢.
٢٧٤

يخطُبُ الإمامُ خُطبتينٍ يَقْصِلُ بينَهما بقَعْدَةٍ خِفِيفَةٍ، وإن اقتَصَرَ على ذِكْرِ الله
تعالی جازَ (ف سم)،
(يَخطُبُ الإمامُ خُطبتينٍ) قائماً يستقبلُ القومَ ويستدبر القِبلة
(يَفصِلُ بينَهما بقَعْدَةٍ خِفِيفَةٍ) هو المأثورُ من فعلِه عليه السلام(١) والأئمةِ
بعده .
قال: (وإن اقتَصَرَ على ذِكْرِ الله تعالى جازَ) وكذلك التسبيحةُ
ونحوُها، وإن تعمَّد ذُلك لغير عُذْرٍ فقد أساءَ وأخطأ السُّنة. وقالا: لا بدَّ
من ذِكرٍ طويل يسمَّى خطبةً لأن الخطبةَ شرطٌ، والتسبيحةُ والتَّحميدةُ لا
تسمى خطبةً. وله أن التسبيحةَ والتحميدةَ خطبةٌ. لاشتمالهما على
معانٍ جَمَّةٍ، والعِبْرةُ للمعاني. وجاء رجلٌ إلى رسول الله وَله فقال:
يا رسولَ الله، علِّمْني عَمَلاً يُدخِلُني الجَنَّة، فقال: ((لَئِن أقصَرْتَ الخُطبة
لقد أعرَضْتَ المسألةَ))(٢) سمَّى هذا القَدْر خُطبةً، والخُطبةُ لا نهايةً
لها، فيتعلَّق الجوازُ بالأدنى، ولقوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الجمعة: ٩]، وهذا ذِکرٌ فتجوز الجُمعةُ به.
(١) انظر حديث ابن عمر عند البخاري (٩٢٨) ومسلم (٨٦١)، وحديث
جابر بن سمرة عند مسلم (٨٦٢).
(٢) أخرجه ضمن حديث أحمد في ((مسنده)) (١٨٦٤٧)، وابن حبان في
((صحيحه)) (٣٧٤) من طريق طلحة بن مصرِّف، عن عبد الرحمن بن عوسجة،
عن البراء بن عازب ... فذكره. وإسناده صحيح. وانظر تمام تخريجه في
«المسند)) .
٢٧٥

والأَوْلى أن يَخطُبَ قائماً طاهِراً، فإن خَطَبَ قاعداً أو على غيرِ وُضُوءٍ جازَ،
ولا بُدَّ من الجماعَةِ،
(والأَوْلى أن يَخطُّبَ قائماً طاهِراً) هو المأثورُ(١)، (فإن خَطَبَ
قاعداً أو على غيرٍ وُضُوءٍ جازَ) لما رُوي أن عثمانَ رضي الله عنه لما
أسنَّ كان يخطبُ قاعداً (٢)، ولأن الطهارةَ ليست بشَرْطٍ للخُطبة، لأنه
ذِكرٌ لا يُشترط له استقبالُ القِبلة فلا تُشترط له الطهارةُ، كالتلاوةِ
والأذانِ، والإقامةِ، إلا أنه يُكره لما فيه من الفَصْل بين الخُطبة والصلاةِ
بالوضوء، وقد أساء لمخالفتِه السُّنة.
قال: (ولا بُدَّ من الجماعَةِ) لأنها مُشتَقَّة منها، ولا خلافَ في
ذلك، واختلفوا في كمِّيَّتها، قال أبو حنيفة: لا بدَّ من ثلاثةٍ سوى
الإمام، وأن يكون الإمامُ والثلاثةُ ممن يجوزُ الاقتداءُ بهم في غيرِ
الجُمعة. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: اثنان سوى الإمام، والأصحُّ أن
محمداً مع أبي حنيفةَ. لأبي يوسفَ أن الاثنين جماعةٌ، لأنه مشتقٌّ من
٠
(١) أما خطبته وَ ل قائماً، فأخرجه من حديث ابن عمر البخاري (٩٢٠)،
ومسلم (٨٦١).
ومن حديث جابر بن سمرة، أخرجه مسلم (٨٦٢) (٣٥)، وابن حبان في
((صحيحه)) (٢٨٠١) و(٢٨٠٣)، وهو في ((المسند)) (٢٠٨١٣).
ومن حدیث ابن عباس، عند أحمد في «مسنده» (٢٣٢٢).
(٢) ذكره ابن المنذر في ((الأوسط)) ٥٨/٤ عن عطاء ولم يسنده فقال: كان
عطاء يقول: ما جلس النبي وَ لل على منبر حتى مات، ما كان يخطب إلا قائماً،
قيل لعطاء: من أول من جعل في الخطبة جلوساً؟ قال: عثمان بن عفان في آخر
زمانه حين كبر، وأخذته رِعدة، فكان يجلس هنيهة ثم يقوم.
٢٧٦

الاجتماع وقد وُجِد، ولهما أن الجَمْع الصحيح ثلاثةٌ وما دونها مختَلَفٌ
فيه، والجماعةُ شرطٌ بالإجماع، فلا يتأدى بالمختلف.
قال محمد: لا بأسَ بصلاةِ الجُمعةُ في المِصْر في موضعين وثلاثةٍ،
ولا يجوزُ أكثر من ذلك، لأن المِصْر إذا بَعُدَتْ أطرافُه شَقَّ على أهلِه
المشيُّ من طَرَفٍ إلى طرف، فيجوز دفعاً للحَرَج، وأنه يندفعُ بالثلاث فلا
حَرَجَ بعدَها، ولهذا كان عليٍّ رضي الله عنه يصلي العيدَ في الجَبَّانة(١)،
ويَستخلِفُ من يصلِّى بضَعَفةِ الناس بالمدينة. والجَبَّانةُ من المدينة،
والخلافُ في العيد والجمعة واحدٌ. وقال أبو حنيفةً: لا تجوزُ إلا في
موضعٍ واحدٍ لأنه المتوارَثُ، ولأنه لو جاز في موضعين لجازَ في جميع
المساجد كغيرِها من الصَّلَوات وأنه مَمْتنعٌ، وقال أبو يوسفَ كذلك إلا
أن يكون بين الموضعين نهرٌ فاصلٌ كبغداد، لأنه یصیرُ کمِصْرین، وكان
أبو يوسفَ يأمرُ بقَطْع الجِسْرِ يومَ الجمعة لتنقطعَ الوَصْلةُ بين الجانبين،
فإن لم يكن بينهما نهرٌ فالجمعةُ لمن سَبَقَ لعَدَم المُزاحم، وقد وقعت
في وقتها بشرائِطها، وتفسُدُ جمعةُ الآخرين، ويقضون الظهرَ، فإن
صلَّى أهلُ المسجدين معاً، أو لا يُدرَى [من سَبَق](٢) فصلاةُ الكلِّ
فاسدةٌ لعدم الأولويَّة، فلا يخرج عن العُهْدة بالشكِّ(٣).
(١) الجبانة: هي المصلى في الصحراء.
(٢) ((من سبق)) ليست في الأصلين، وأثبتناها من مطبوعة أبي دقيقة.
(٣) قال الحصكفي الحنفي في ((الدر المختار)) مع حاشيته ١٥/٣: وتؤدى
الجمعة في مِصرٍ واحد بمواضع كثيرة مطلقاً على المذهب، وعليه الفتوى -((شرح=
٢٧٧

ومن لا تَجِبُ عليه إذا صلَّّها أجزأتْه عن الظُّهْرِ، وإن أمَّ فيها جازَ،
قال: (ومن لا تَجِبُ عليه) الجمعةُ (إذا صلَّها أجزأتْه عن الظُّهْرِ،
وإن أمَّ فيها جازَ) لأنها وُضعت عنهم تخفيفاً ورُخصةً لمكان العُذر،
فإذا حَضَروا زالَ العذرُ فتجوز صلاتُهم كالمسافر إذا صام، وإذا حَضَروا
صارت صلاتُهم فرضاً فتجوز إمامتُهم كما في سائر الصلوات، ولأن
النبيَّ ◌َِّ صلَّى الجمعة بمكةً وهو مسافرٌ (١).
= المجمع)) للعيني و((إمامة فتح القدير)) - دفعاً للحرج. وعلَّق ابن عابدين على
قوله: ((على المذهب)) فقال: ذكر الإمام السرخسي أن الصحيح من مذهب أبي
حنيفة جواز إقامتها في مصرٍ واحد في مسجدين وأكثر، وبه نأخذ، لإطلاق: لا
جمعة إلا في مصرٍ، اشترَطَ المصر فقط، وبما ذكرنا اندفع ما في ((البدائع)) من أن
ظاهر الرواية جوازها في موضعين لا في أكثر وعليه الاعتماد، فإن المذهب
الجواز مطلقاً. وقوله ((دفعاً للحرج)) لأن في إلزام اتحاد الموقع حرجاً بيِّناً
لاستدعائه تطويل المسافة على أكثر الحاضرين، ولم يوجد دليلُ عدم جواز
التعدد، بل قضية الضرورة عدم اشتراطه لا سيما إذا كان مصراً كبيراً .
(١) قال ابن قطلوبغا في ((تخريج أحاديث الاختيار)» ص٩٨-٩٩: لم أره
مخرجاً، واستخرجته مما رواه أبو داود (١١٣٠) عن ابن عمر أنه كان إذا كان
بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلّى ركعتين، ثم تقدم فصلى أربعاً، وإذا كان
بالمدينة، صلّى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلّى ركعتين، ولم يُصلِّ في
المسجد، فقيل له؟ فقال: كان رسول الله وَ لهل يفعل ذلك. انتهى. قلنا: وإسناده
صحیح .
وذكر عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٥١٨٢) عن ابن جريج: أنه ◌َّ جَمَّع في
سفر وخَطَبَ على قوسٍ.
٢٧٨

ومَن صَلَّى الظُّهرَ يومَ الجُمُعةِ بغيرِ عُذْرٍ جازَ (ز) ويُكْرَه، فإن شاءَ أنْ يُصَلِّيَ
الجُمُعَةَ بعدَ ذلكَ بَطَلَتْ ظُهرُه بالسّعي (سم)،
قال: (ومَن صَلَّى الظُّهرَ يومَ الجُمُعةِ بغيرِ عُذْرٍ جازَ ويُكْرَه) وقال
زُفَر: لا يجوز، وأصله الاختلافُ في فَرْضِ الوقت، قال أبو حنيفةً وأبو
يوسف: هو الظهر، لكنَّ العبدَ مأمورٌ باسقاطِه عنه بأداء الجمعة، وقال
محمد: هو الجمعةُ لأنه مأمورٌ بها، والفرضُ هو المأمور به، وله أن
يُسقِطه بالظُّهر رخصةً، وعنه: أن الفرضَ أحدُهما لا بعينِهِ، ويتعيَّنُ
بأدائه، لأن أيَّهما أدَّى سَقَط عنه الفرض، فدلَّ أن الواجب أحدُهما.
وعند زفر: هو الجمعةُ، والظهر بَدَلٌ عنها في حق المعذور، لأنه مأمورٌ
بالجمعة منهيٌّ عن الظهر، فإذا فاتت الجمعةُ أُمِر بالظهر، وهذا آيةُ
البدليَّة. ولنا: أن التكليف(١) يعتمدُ القُدْرةَ، والعبدُ إنما يقدِرُ على أداء
الظُّهر بنفسِه دون الجُمعة لأنها تتوقّفُ على شرائطَ تتعلَّقُ باختيار الغَيرِ،
ولهذا لو فاتته الجمعةُ أُمر بقضاء الظهر لا الجُمعة، ويجوزُ أن يكون
الفرضُ الظهرَ، ويُؤمر بتقديم غيره، كإنجاءِ الغَريق آخرَ الوقت قبلَ
الصلاة .
قال: (فإن شاءَ أنْ يُصَلِّيَ الجُمُعَةَ بعدَ ذلكَ بَطَلَتْ ظُهرُه بالسَّعي)
وقالا: لا تبطل ما لم يَدخلْ مع الإمام، لأن السَّعي شرطْ كسَتْر العَوْرةِ
والطهارة، وله: أن السعيَ من فرائِضِ الجُمعة وخصائِصها للأمرِ،
والاشتغالُ بفرائض الجُمُعة المختصَّة بها يُبطِلُ الظهرَ كالتحریمة.
(١) في (س): المتكلف، والمثبت من (م).
٢٧٩

ويُكْرَه لأصحابِ الأعذَارِ أن يُصَلُّوا الظُّهرَ يومَ الجُمُعةِ جماعَةٌ في المِصْرِ،
وإذا خَرَجَ الإمامُ يومَ الجُمُعَةِ استَقْبَلَه النَّاسُ واستَمَعُوا وأنصَتُوا.
قال: (ويُكْرَه لأصحابِ الأَعذَارِ أن يُصَلُّوا الظَّهرَ يومَ الجُمُعةِ
جماعَةً في المِصْرِ) لأن فيه إخلالاً بالجُمُعة، فربما يقتدي بهم غيرُهم،
بخلاف القُرى لأنه لا جُمُعةَ عليهم، وقد جَرَى التوارثُ في جميع
الأمصارِ والأعصارِ بغَلْقِ المساجد وقتَ الجمعة، مع أنها لا تخلو عن
أصحابِ الأعذار، ولولا الكراهَةُ لما غَلَقوها.
قال: (وإذا خَرَجَ الإمامُ يومَ الجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَه النَّاسُ(١)) به جَرَى
التوارثُ (واستَمَعُوا وأنصَتُوا) لقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾
[الأعراف: ٢٠٤]، قالوا: نزلت في الخُطبة(٢). ومن كان بعيداً لا
يَسمَعُ، قيل: يقرأ في نفسِه، والأصُ أنه يسكُتُ للأمر.
(١) في (س): ((استقبل الناس))، والمثبت من (م).
(٢) روي في ذلك آثار عدة، منها ما رواه عن مجاهد عبد الرزاق في
((تفسيره)) ٢٤٧/٢، وابن أبي شيبة ٤٧٨/٢ و٤٧٨-٤٧٩، والطبري في ((تفسيره))
(١٥٦٠٩) و(١٥٦١٠) و(١٥٦١١) و(١٥٦١٣) و(١٥٦١٥).
وما رواه عن عطاء عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٥٣٦٩)، والطبري في
«تفسیرہ)) (١٥٦١٢) و(١٥٦١٨).
وما رواه عن سعيد بن جبير الطبري في ((تفسيره)) (١٥٦١٦).
وانظر ((الدر المنثور)) للسيوطي ٣/ ٦٣٧ .
وقد روي أنها نزلت في الصلاة، وتقدم تخريج الآثار في ذلك ص ١٧٠ .
قال الطبري في ((التفسير)) ٣٥٢/١٣: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب،
قولُ من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام، وكان مَن خلفه
ممن يأتمّ به يسمعه، وفي الخطبة .
٢٨٠