النص المفهرس
صفحات 81-100
باب التيمم مَنْ لَمْ يَقْدِر على استِعمالِ الماءِ لِبُعْدِه ميلاً أو لِمَرَضٍ (ف) أو بَرْدٍ (ف) أو خَوْفٍ عَدُوٍّ أو عَطَشٍ أو عَدَم آلَةٍ، يَتَيَمَّمُ بِمَا كانَ مِن . باب التیمم وهو في اللغة: مطلقُ القَصْدِ، قال الشاعر: وما أدري إذا يَمَّمتُ أرضاً أُريدُ الخَيرَ أيُّهما يَلِيني(١) وفي الشرع: قَصْد الصعيد الطاهر واستعماله بصفةٍ مخصوصة لإقامة القُرْبة . وسبب وجوبه ما هو سببُ وجوب الوضوء، وشَرْطُ جوازه العَجْز عن استعمال الماء، لأنه خَلَف الوضوءَ، فلا يُشرَع معه، والأصل في جواز التيمم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُ وا مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله وَّه: ((التيهُم كافيكَ ولو إلى عَشْر حِجَج ما لم تجد الماء)) (٢). قال: (مَنْ لَمْ يَقْدِر على استِعمالِ الماءِ، لِبُعْدِه ميلاً أو لِمَرَضٍ، أو بَرْدٍ، أو خَوْفٍ عَدُوٍّ أو عَطَشٍ أو عَدَم آلَةٍ) يَستقي بها (يَتَيَمَّمُ بِما كانَ مِن ٧١-٢ (١) البيت للمثقّب العبدي من قصيدة أوردها المفضل الضبِّي في ((المفضليات)) ٢٩٢ . وبعده: أم الشرُّ الذي هو يبتغيني أألخير الذي أنا أبتغيه (٢) حديث صحيح لغيره، أخرجه من حديث أبي ذر أبو داود (٣٣٢) ٠٫٫١٤ و(٣٣٣)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي ١٧١/١، وهو في ((المسند)) (٢١٣٠٤)، و((صحيح ابن حبان)) (١٣١١). وانظر تمام التعليق عليه وتخريجه فيهما. ٨١ أجزاءِ الأَرضِ، [كالتُّرابِ والرَّمْلِ والخِصّ (فس) والكُحْلِ (فس)](١) . ءَ أجزاءِ الأرضِ [كالتُّرابِ والرَّمْلِ والخِصّ والكُخْلِ]) أما بُعد الماء، فلقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾، وأما التقدير بالمِيل، فلما يَلْحَقُّهُ مِن الحَرَج بذهابه إليه وإيابه، والمِيل: ثُلُث فَرْسَخ، وأما المَرَض فللآية، وسواءٌ خاف ازديادَ المرض أو طولَه، أو خاف من بَرْد الماء أو من التحريك للاستعمال، لأن الآية لا تُفَصِّلُ. وكذلك الصحيحُ إذا خاف المَرَض من استعمالِ المارد البارد لما فيه من الحَرَج، ويستوي فيه المِصْرُ وخارجُه، وقالا: لا يجوز التيمم في المِصْر، لأن الغالب قدرتُه على الماء السخن. قلنا: لا نُسلِّم ذُلك في حق العَزَبِ (٢) الفقير، على أن الكلام عند عدم القُدْرة فيكون عاجزاً فيتيمم بالنَّص، وكذلك لو حالَ بينه وبين الماء عدوٌ أو سَبُعٌ، لأنه عادمٌ حقيقةً، وكذلك إن كان معه ماء ويَخاف العَطَش لو استعمله فإنه يتيمم لأنه عادم حُكْماً إما لخوف الهلاك، أو لأنه مشغول بالأهم، فصار عادماً، وكذلك إذا كان على بئرٍ وليس معه ما يَستقي به لأنه عادم أيضاً، ويتيممُ بما كان من أجزاء الأرض لقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والصَّعيد: ما يَصْعَد على وجه الأرض لغةً، والطيِّب: الطاهر، وحَمْلُه على ذلك أولى من حَمْلِه على المُنبت، لأن المراد من الآية التطهير لقوله تعالى: ﴿ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فكان إرادةُ الطاهر أَلْيَق، وهو حُجةٌ على أبي يوسف في التخصيص بالتراب والرَّمْل، وعلى الشافعي في (١) ما بين حاصرتين ليست في أصولنا الخطية، وأثبتناه من مطبوعة أبي دقيقة. (٢) في (م): الغريب، والمثبت من (س). ٨٢ ولا بُدَّ فيه مِن الطَّهارةِ والنّة (ز)، ويَستَوِي فيه المُحْدِثُ والجُنُبُ والحائِضُ. التخصيص بالتراب لا غير بناءً على أن المراد بالطيِّب: المُنبت، ولأن الطيّب اسم مشترَك بين الطاهر والمُنبت والحلال. وإرادة ما ذكرنا أولى لما بيّاه، ثم كلُّ ما لا يلين ولا ينطبع بالنار فهو من جنس الأرض، وكلُّ ما يلين وينطبع أو يحترق فيصير رماداً ليس من جنس الأرض، لأن من طَبْع الأرض أن لا تلين بالنار. (ولا بُدَّ فيه مِن الطَّهارةِ) لما قدَّمنا، (و) لا بدّ من (النِّة): وهي أن ينوي رَفْع الحَدَث أو استباحةَ الصلاة. وقال زفر: لا تُشترط النية كالوضوء. ولنا: أنه مأمورٌ بالتيمم وهو القَصْد، والقصد: النية، فلا بد منها، بخلاف الوضوء فإنه مأمور بغَسل الأعضاء وقد وُجِدَ، ثُم التراب ملوِّث ومُغَبِّر، وإنما يصير مطهِّراً ضَرورةَ إرادةِ الصلاة، وذلك بالنيّة، بخلاف الوضوء، لأن الماء مطهِّر في نَفْسِه، فاستغنى في وقوعه طهارةً عن النية، لكن يحتاج إليها في وقوعه عبادةً وقُرْبةً . قال: (ويَستَوِي فيه المُحْدِثُ والجُنُبُ) للآية. ولقوله عليه السلام لعمار حين أجْنَبَ فتمعَّك بالتراب: ((يكفيكَ ضَرْبتان: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين)) (١) . (والحائِضُ) والنُّفَساء كالجُنب. (١) رُوي هذا عن عمار عند أبي داود (٣٢٨)، والدار قطني (٢/٦٩٣)، وسنده ضعيف، ورُوي أيضاً عن ابن عمر وجابر وعائشة عند الدار قطني (٦٨٥) و(٦٩٠) و(٦٩١)، والحاكم ١٧٩/١، والبزار (٣١٣ - كشف الأستار)، وكلُّها= ٨٣ وصِفَة التََّهُم: أن يَضرِبَ بِيَدَيه على الصَّعِيد فَنْفُضَهُما ثُمَّ يَمْسَحَ بهما وَجْهَه، ثمَّ يَضْرِبِهما كذلك، ويَمْسَحُ بِكُلّ كَفٍّ ظَهْرَ الذِّراعِ الأُخرى وباطِنَها مع المِرْفَقِ (ف). والاسْتيعابُ شَرْطٌ. ويجُوزُ قَبلَ الوَقْتِ (ف)، (وصِفَة التَّيَهُمِ: أن يَضرِبَ بَيَدَيه على الصَّعِيد فَيَنْفُضَهُما ثمَّ يَمْسَحَ بهما وَجْهَه، ثمَّ يَضْرِبهما كذلك، ويمْسَحُ بِكُلّ كَفِّ ظَهْرَ الذِّراعِ الأُخرى وباطِنَها مع المِرْفَقِ) لحديث عمارٍ، ولقوله عليه السلام: ((التيممُ ضربتان: ضربةٌ للوجه، وضربة للذِّراعين إلى المرفقين))(١). (والاسْتيعابُ شَرْطٌ) حتى يخلِّلَ أصابعه، ذكره مُحمد في ((الأصل))، وهو ظاهر الرواية اعتباراً بالوضوء. وروى الحسن(٢) في ((المُجرَّد)) عن أبي حنيفة: إذا تيمَّم الأكثر جاز، لما فيه من الحَرَج، والأول أصح. (ويجُوزُ قَبلَ الوَقْتِ) تمكيناً له من الأداء أولَ الوقت، وكما في الوضوء، لأنه خَلَفه. - مُعلَّة وفيها مقال، والصحيح في هذا الباب حديث عمارٍ الذي أخرجه البخاري (٣٣٨)، و(٣٣٩) ومسلم (٣٦٨) وفيه عن النبي ◌َّ- أنه قال له: ((إنما كان يكفيك هكذا)) فضرب النبيُّ نَّه بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفّيه. اهـ، ومما يقوِّي هذه الرواية أن عماراً كان يفتي بذلك بعد النبي وَلّ . انظر ((نصب الراية)) ١ / ١٥٠ - ١٥٦، و((فتح الباري)) ١/ ٤٤٣ -٤٤٦. (١) انظر التعليق السالف. (٢) هو الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي. ٨٤ وقَبَلَ الطَلَبِ (ف). ولو صَلَّى بالتّيَقُّم ثُمَّ وَجَدَ الماءَ لم يُعِدْ، وإن وجَدَ الماءَ في خِلالِ الصَّلاةِ توَضَّأ (ف) واستَقبلَ . ويُصَلِّي بالتََُّمِ الوَاحِدِ ما شاءً (ف) مِنَ الصَّلَواتِ. ويُستَحَبُّ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ لِمِنْ طَمِعَ في الماء . (و) يجوز (قَبلَ الطَلَبِ) لأنه عادمٌ حقيقةً، والظاهر العَدَم في المفاوِز إلا إذا غَلَب على ظنه أن بقُرْبِه ماءً، فلا يجوزُ ما لم يطلب، لأنه واجدٌ، نظراً إلى الدليل، والدليلُ إخبار أو علامة يُستدل بها على الماء، ويطلبه مقدارَ غَلْوةٍ، وهي مقدار رَميةٍ بسهم، ولا يبلغ ميلاً، وقيل: مقدار ما لا ينقطع عن رفقائه . the bie (ولو صَلَّى بالتّيَغُم ثُمَّ وَجَدَ الماءَ لم يُعِدْ) لأنه أتى بما أُمر به، وهو الصلاة بالتيمم، فخرج عن العُهْدة (وإن وجَدَ الماءَ في خِلالِ الصَّلاةِ توَضَّأ واستَقبلَ) لأنه قَدَرَ على الأصل قبل حصول المقصود بالخَلَف، ولأن التيمم ينتقِض برؤية الماء فانتقضت طهارته فيتوضأ ويستقبل. (ويُصَلِّي بالتَّيَّهُم الوَاحِدِ ما شاءَ(١) مِنَ الصَّلَواتِ) فرضاً ونَفْلاً، لقوله عليه السلام: ((التُّراب طَهور المسلم ما لم يجدِ الماء أو يُحدِثْ))(٢) ولأن طهارته ضرورةُ عدم الماء وهي قائمة . (ويُستَحَبُّ تأْخِيرُ الصَّلاةِ لِمِنْ طَمِعَ في) وجود (الماء) ليؤدِّيها بأكمل الطهارتين . (١) زاد هنا في (م) لفظة: ((كالوضوء))، وهي ليست في (س). (٢) حديث صحيح وهو طرف من حديث أبي ذر السالف في أول الباب. ٨٥ وتجُوزُ الصَّلاةُ على الجِنازَةِ (ف) بالتََُّّّم إذا خافَ فَوتَها لو توَضَّأَ، كذلك صَلاةُ العِيد (ف)، ولا يجُوزُ لِلجُمُعة وإن خافَ الفَوْتَ، ولا لِلفَرْضِ إذا خافَ فَوْتَ الوَقْتِ . ويَنقُضُ التَّيممَ نوَاقِضُ الوُضُوءِ والقُدرَةُ على الماءِ واستِعِمالِه. (وتجُوزُ الصَّلاةُ على الجِنَازَةِ بالتََّهُّم إذا خافَ فَوتَها لو توَضَّأَ) لأنها لا تُعاد على ما يأتيك إن شاء الله تعالى، فتفوت. (وكذلك صَلاةُ العِيد) لأنها لا تُعاد ولا تُقْضَى، وهو مخاطَبٌ بها، ولا يمكن أداؤُها بالوضوءِ فيتيمَّم كالمريض(١). (ولا يجُوزُ لِلجُمُعة وإن خافَ الفَوْتَ) لأنها تفوتُ إلى خَلَفٍ وهو الظُّهر، لأنَّ الظُّهرَ فَرْضُ الوقتِ على ما نبينُه. (ولا) يجوز (للفَرْضِ إذا خافَ فَوْتَ الوَقْتِ) لأنها تفوتُ إلى خَلَف وهو القضاء. قال: (ويَنقُضُ التَّمِمَ نوَاقِضُ الوُضُوءِ) لأنه خَلَفٌ عنه، وما يَنْقُضُ الأصلَ أولى أن ينقض الخَلَف، لأن الأصل أقوى. (و) ينقضه (القُدرَةُ على الماءِ واستِعمالِه) لقوله عليه السلام: ((ما لم يَجدِ الماء)). والماء الموضوع في الحُبِّ(٢) وغيره بالفَلاة لا ينقُضُه، لأنه موضوعٌ للشرب. (١) وقع في (م) بدل هذا: «فيؤديها بالتيمم کالمرض))، والمثبت من (س). (٢) الحُبُّ: هو الجرَّة الضخمة. ٨٦ ولو صَلَّى المُسافِرُ بالتيمُّمُ ونَسِيَ الماءَ في رَحْلِهِ لم يُعِدْ (فس). ويَطلُبُ الماءَ من رَفِيقِهِ، فإن مَّنَعه تَیَمَّمَ، (ولو صَلَّى المُسافِرُ بالتيمُّم، ونَسِيَ الماءَ في رَحْلِه لم يُعِدْ) وقال أبو يوسف: يُعيد لأنه تيمَّم قبلَ الطلب مع الدليل، فإن الرَّحْل لا يخلو عن الماء عادةً، وصار كما إذا صلى عُرياناً ونَسي الثوب، أو كفَّر بالصوم ونَسي المال. ولهما: أنه عاجز عن استعمال الماء، لأنه لا قُدرةَ عليه مع النسيان، وعجزُه بأمر سَمَاوي وهو النسيان. قال عليه السلام للذي أفطر ناسياً: ((إنما أطعَمَكَ ربُّك وسقاك))(١) بِخلاف المحبوس، لأن العجزَ من جهة العباد، فلا يؤثِّر في إسقاط حقِّ الشرع، فلا يجوز له التيممُ. وأما مسألة الثوب فممنوعةٌ على الصحيح، ولئن سُلِّمت، فالفرق أن الوضوء فات إلى خَلَفٍ، وسَتْرُ العورة فات لا إلى خَلَفٍ. وأما مسألةُ الكفارة فالفرق أن شرط جواز الصوم عدمُ كون المال في مِلْكِه ولم يوجد، وشرط جواز التيمم العجزُ عن استعمال الماء وقد وُجد، والرَّحْلُ لا يخلو عادةً عن ماء الشرب، أما ماء الوضوء فالغالب العَدَم فيه، ولو ظنَّ أن ماءَه قد فَنِي ولم يَفْنَ لم يَجُزْ تيممُه، لأن اليقينَ لا يزولُ بالظن. (ويَطلُبُ الماءَ من رَفِيقِهِ) لاحتمال أن يُعطيه، (فإن مَنَعه تَيَمَّمَ) لأن بالمنع صار عادماً للماء، وإن تيمم قبل الطَّلَب جاز عند أبي حنيفة لأنه (١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥)، وهو فى ((المسند)) (٩١٣٦)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٥١٩). وانظره فيهما. ٨٧ ويَشْتَرِي الماء بِثَمَنِ المِثْلِ إذا كان قادِراً عليه، ولا يَجِبُ عليه أن يَشْتَرِيَه بأكثَرَ. ولا يَجْمَعُ بَيْنَ الوُضُوءِ والتَّيَهُم، فَمَن كان بِهِ جِرَاحَةٌ غَسَلَ بَدَنَه إلاَّ مَوضِعَها، ولا يَتَیَمَّمُ. عاجز، ولا يجب عليه الطلبُ، وعند أبي يوسف: لا يجوز لأن الماء مبذولٌ عادةً، فصار كالموجود، وعلى قياس قول مُحمد: إن غَلَب على ظنه أنه يعطيه لا يجوز، وإلا يجوز. (ويَشْتَرِي الماء بِثَمَنِ المِثْلِ إذا كان قادِراً عليه) لأن القُدرة على البَدَل قدرةٌ على المُبْدَل. (ولا يَجِبُ عليه أن يَشْتَرِيَه بأكثَرَ) والكثير: ما فيه غَيْن فاحش، وهو ضِعْف ثَمَن المثل في ذلك المكان(١)، لأنه ضَرَرٌ به. وروى الحسن عن أبي حنيفةً: إذا قَدَر أن يشتري ما يساوي درهماً بدرهم ونصف لا يتيمم، وقيل: يُعتبر الغَبْنُ الفاحشُ، وهو ما لا يدخل بين تقويم المقوِّمين . قال: (ولا يَجْمَعُ بَيْنَ الوُضُوءِ والتَّيَهُم، فَمَن كان بِه جِرَاحَةٌ) يَضرُّها الماء، ووجب عليه الغُسل (غَسَلَ بَدَنَه إلَّ مَوضِعَها ولا يَتَمَّمُ)، وكذلك إن كانت الجِراحة في شيءٍ من أعضاء الوُضوء غَسَل الباقي إلا موضعها، ولا يتيمم، وإن كان الجِراح أو الجُّدَري في أكثر جسده فإنه يتيمم ولا يَغسل بقيّة جسده، لأن الجَمْعِ بينهما جمع بين البَدَل والمُبْدَل ولا نظير له في الشرع، بخلاف الجمع بين التيمم وسُؤْر الحِمار، لأن الفرض يتأدَّى بأحدهما لا بهما، فجمعنا بينهما لمكان (١) من قوله: والكثير، إلى هنا من (م) وليس في (س). ٨٨ باب المَسْحِ على الخُفَّينِ الشَّكِّ. وإن كان النصف جريحاً والنصف صحيحاً لا روايةً فيه، واختَلَف فيه المشايخ، فمنهم من أوجَبَ التيمم، لأنه طهارةٌ كاملةٌ، ومنهم من أوجب غَسْل الصحيح ومَسْح الجريح إذا لم يضرَّه المسح لأنها طهارة حقيقيةٌ وحُكْميَّة فكان أولى، والأول أحسن. باب المسح على الخفين الأصل في جوازه السُّنَّة، وهي ما رَوَى عليّ بن أبي طالب أن النبي ﴿ل﴿ قال: ((يمسَحُ المسافر ثلاثةَ أيام بلياليها والمقيمُ يوماً وليلةً))(١). وقال الحسن البصريُّ: حدَّثني سبعونَ رجلاً من أصحاب رسول الله وَه أنهم رأَوه يَمْسَحُ على الخُفَّيْنِ(٢). وقال أبو حنيفة: من أنكَرَ المسحَ على الخفين يُخافُ عليه الكُفْر، فإنه وَرَد فيه من الأخبار ما يُشبه (١) أخرجه مسلم (٢٧٦)، وهو في ((المسند)) (٧٤٨)، و((صحيح ابن حبان)) (١٣٢٢). وانظره فيهما . (٢) أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) ١/ ٤٣٣، قال ابن المنذر: وكان عطاء بن أبي رباح فيمن تبعه من أهل مكة يرون المسح على الخفين، وبه قال الحسن وأهل البصرة. وكذلك قال عروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار ومن تبعهم من أهل المدينة، وبه قال الشافعي ومن وافقه من أهل الكوفة، وكذلك قال مكحول وأهل الشام، وبه قال مالك بن أنس والأوزاعي وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وأجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم وكلُّ من لقيت منهم على القول به . 4350 ٨٩ ويَجوزُ لِمَنْ وَجَبَ عليه الوُضُوءُ لا الغُسْلُ، ويُشتَرَطُ لُبْسُهُما على طَهارةٍ كاملةٍ. ويَمسَحُ المُقِيمُ يوماً وليلةً، والمسافرُ ثلاثةَ أيَّامٍ وليالِيَها عَقِيب الحَدَثِ بعدَ اللُّبْسِ، التواتر. وقال أبو يوسف: يجوز نَسْخ القرآن بمِثْلِه. قال أبو حنيفة: لولا أن المَسْح لا يُختَلف فیه لما مَسَحْنا. قال: (ويَجوزُ لِمَنْ وَجَبَ عليه الوُضُوءُ لا الغُسْلُ) لحديث صَفْوانَ قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ وَّهِ إذا كُنّا سَفْراً أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيام ولياليّها لا عن جَنابة، لكن عن بولٍ أو غائطِ أو نومٍ))(١). (ويُشْتَرَطُ لُبْسُهُما على طَهارةٍ كاملٍ) سواء أَكَمُلت قبل اللُّبْس أو بعده، حتى لو غَسَل رجليه ثم لَبس خفَّيه، ثم أكمل الطهارة جاز المسح. فكمال الطهارة شرطٌ عند الحَدَث، لأن الخُفَّ يَمْنَعُ سِرايةً الحدث إلى الرِّجْل، ولا يرفعه، فيظهر حكمه عندَ الحدث فيعتبر الشرط عنده. قال: (ويمسَحُ المُقِيمُ يوماً وليلةً، والمسافرُ ثلاثةَ أيَّام ولياِلِيَها) للحديث، أوَّلها: (عَقِيب الحَدَثِ بعدَ اللُّبْس) لأن ما قبل ذلك فهي ئء طهارة الغَسْل لا المسح، لأن الخف جُعل مانعاً من سِراية الحدث، وذلك عند الحدث لا قبلَه. (١) أخرجه ابن ماجه (٤٧٨)، والترمذي (٩٦)، والنسائي ٨٣/١، وهو في ((المسند)) (١٨٠٩١)، و((صحيح ابن حبان)) (١١٠٠)، وهو حديث صحيح لغيره، وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه فيهما. ٩٠ والمسحُ على ظاهِرِهما خطُوطاً بالأصابع. وفَرْضُه مقدارُ ثلاثةِ (ف) أصابع من اليدِ، والسُّنَّةُ أن يَبدَأ من أصابعِ الرِّجْلِ إلى السَّاقِ، قال: (والمسحُ على ظاهِرِهما) حتى لو مسح باطنَه أو عَقِبَه أو ساقَه لا يجوز، لقول علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان باطنُ الخفِّ أولى بالمسح، لكنِّي رأيت رسول الله وَّ يمسح ظاهرَهما(١) (خُطُوطاً بالأصابعِ). قال: (وفَرْضُه مقدارُ ثلاثةِ أصابع من اليدِ) ذكره مُحمدٌ وهو الأصح، لأنها آلة المسح. وقال الكَرْخي: من أصابع الرَّجل، ولو أصاب موضعَ المسح ماءٌ قَدْرَ ثلاثة أصابع جاز، وكذا لو مشى في حَشيش مبتلِّ بالمطر، ولو كان مبتلّ بالطّلِّ قيل: يجوز لأنه ماء، وقيل: لا، لأنه نَفَس دابةٍ من البحر يجذِبه الهواء إلى الأرض(٢). (والسُّنَّةُ أن يَبْدَأ من أصابعِ الرِّجْلِ إلى السَّاقِ) هكذا نُقل فعل النبي وَله، ولو بدأ من الساق إلى الأصابع جاز لحصول المقصود إلا أنه خلاف السُّنة . (١) حديث صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٩ و١٨١، وأبو داود (١٦٢) و(١٦٤)، والدارقطني (٧٦٩) و(٧٨٣)، والبيهقي ٢٩٢/١، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٣٩). وأورده الحافظ ابن حجر في ((التلخيص)) ١/ ١٦٠ فصححه، وفي «بلوغ المرام)» ٢٤/١ فحسنه . ٥٠٠م (٢) هذا التأويل من المصنف رحمه الله، فإن الطل هو المطر الخفيف، ومنشؤه من السحاب قال الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَائِلٌ فَطَلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] فالوابل: هو المطر الشديد، والطل: هو المطر الخفيف. ٩١ ولا يَجوزُ على خُفّ فيه خَرْقٌ يَبِينُ منه مقدارُ ثلاثةِ (ف) أصَابِع من أصَابِعٍ الرِّجْلِ الصِّغارِ، وتُجْمَعُ خُرُوقُ كُلّ خُفّ على حِدَتِهِ، ويجُوزُ المَسْحُ على الجُرْموقِ فوقَ الخُفّ، قال: (ولا يَجوزُ على خُفّ فيه خَرْقٌ يَبِينُ منه مقدارُ ثلاثةِ أَصَابع مِن أصَابِعِ الرِّجْلِ الصِّغارِ) وإن كان أقلَّ من ذلك يجوز، لأن خِفاف الناسِ لا تخلو عن القليل، فلو اعتبرناه، لحَرِجُوا، ولا كذلك الكثير ، ولأن الكثير يمنعُ المشيَ المعتادَ، فلا يجوزُ المسحُ عليه كاللِّفَافة، ولا كذلك القليلُ، والخَرْق المانع: أن يكون منفرجاً يظهر ما تحته، حتى لو كان طولاً، أو كان الخُفتُّ قوياً لا يبينُ ما تحتَه لا يمنعُ، لأن المعتبر الظهورُ حتى يجب الغَسلُ، فإذا لم يظهر لا يؤثر ولو كان الخَرْقُ تحتَ القدم، فإن كان أكثَرَ القدم مَنَعَ، وإن كان فوقَ الكعبين لم يمنع وإن كثر. واعتُبرَ ثلاثةُ أصابع، لأنها أكثر الرِّجل، والأصابع هي الأصل في القدم، واعتبرنا الصغارَ احتياطاً. (وتُجْمَعُ خُرُوقُ كُلّ خُفّ على حِدَتِهِ) ولا تُجمع خروق الخفين، ولو كانت النجاسة في خفَّي المصلي أو ثوبيه(١) أو ثوبه أو بَدَنه تُجمع، لأن النجاسة مانعة من الصلاة لعينها، وخَرْق الخف ليس مانعاً لعينه، بل لكونه مانعاً من تتابع المشي، وذلك في الواحد لا في الخفين . السابعوس قال: (ويجُوزُ المَسْحُ على الجُرْموقِ فوقَ الخُفّ) لما روي أنه علیه (١) قوله: ((أو ثوبيه)) ليست في (س)، وأثبتناها من (م). ٩٢ 4 السلام: ((مسح على الجُرموقَين))(١)، ولأنهما كخفِّ ذي طاقين، ومعناه: إذا لبسهما على الخفين قبل الحَدَث، حتى لو لبسهما بعد الحدث أو بعد ما مسح على الخف لا يمسح عليهما، لأن الحَدَث حلَّ (١) أخرج أبو داود في ((سننه)) برقم (١٥٣) من طريق أبي عبد الله مولى بني تَّيْم بن مرة، عن أبي عبد الرحمن أنه شهد عبد الرحمن بن عوف يسأل بلالاً عن وضوء النبي ◌ُّ فقال: كان يخرج يقضي حاجته فآتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقَيه. وقال الحافظ في ((التقريب)) عن أبي عبد الله لهذا: مجهول. ونقل الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٨٣/١ قال: قال الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): قيل في أبي عبد الله هُذا: إنه مولى بني تيم، ولم يسمَّ هو ولا أبو عبد الرحمن. ولا رأيت في الرواة عن كل واحد منهما إلا واحداً، وهو ما ذكر في الإسناد هذا. انتهى . قلنا: وقد صححه الحاكم ١/ ١٧٠ من هذا الطريق. وأخرجه أحمد في «مسنده)) (٢٣٩١٧) من طريق أبي قلابة، عن أبي إدريس عن بلال قال: رأيت رسول الله وَل يمسح على الموقين والخمار. وهو حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن رواية أبي إدريس - وهو الخولاني عائذ الله بن عبد الله - عن بلال قيل: إنها مرسلة، ذكر ذلك العلائي في ((جامع التحصيل)). وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه في ((المسند)). ٩,٠٠ وأصل حديث بلال عند مسلم برقم (٢٧٥) ولفظه: أن رسول الله وَل مسح على الخفين والخمار. وهذا في ((المسند)) (٢٣٨٨٤). وأخرجه أبو القاسم البغوي في ((الجعديات)) (٣١٠١) من طريق أبي جعفر عن يحيى البكاء - وهو ضعيف - عن ابن عمر من قوله: المسح على الجوربين كالمسح على الجرموقين. والجرموقان، قال في ((القاموس)): الجُزْموق، كعُصْفور: الذي يُلبَس فوق الخف. ٩٣ ويجوزُ على الجَورَبَينِ إذا كانا ثَخِينَينِ (ف) أو مُجَلَّدَينِ أو مُنعَّلينٍ. الخفّ، ويجوز المسح على المُكعَّب إذا سَتَر الكعبين، وكذلك إذا كانت مقدمتُه مشقوقةً، إلا أنها مشدودةٌ أو مزرَّرة لأنه بمنزلة المخروزة. (ويجوزُ على الجَورَبَيْنِ إذا كانا ثَخِينَيْنِ أو مُجَلَّدَينِ أو مُنقَّلينِ) لما روي عن النبي ◌َّ: أنه مَسَحَ على الجَوْربين(١). وروي ذلك عن عَشرةٍ من الصحابة رضي الله عنهم(٢). وكان أبو حنيفةً أولاً يقول: لا يجوز (١) صحيح لغيره، أخرجه أبو داود (١٥٩)، وابن ماجه (٥٥٩)، والترمذي (٩٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٣٠)، وأحمد (١٨٢٠٦)، والإسماعيلي في ((المعجم)) ص٧٠٣-٧٠٤، وصححه الترمذي وابن حبان (١٣٣٨) وابن التركماني وغيرهم. وله شاهد صحیح من حديث ثوبان عند أحمد (٢٢٣٨٣) وأبي داود (١٤٦) قال: بعث رسول الله وَ لقر سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ◌َّ شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين. والتساخين: كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما، ولا واحد لها من لفظها . وآخر من حديث أبي موسى الأشعري عند ابن ماجه (٥٦٠)، وفي سنده لِين. وثالث من حديث بلال عند الطبراني في ((الكبير)) (١٠٦٣)، وسنده ضعيف. (٢) قال ابن المنذر في ((الأوسط)) ٤٦٢/١: روي إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله وَلتر: علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وأبي مسعود، وأنس بن مالك، وابن عمر، والبراء بن عازب، وبلال، وأبي أمامة، وسهل بن سعد، وبه قال عطاء بن أبي رباح، والحسن، وسعيد بن المسيب، كذلك قالا: إذا كانا صفيقين، وبه قال النخعي، وسعيد بن جبير، والأعمش، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك وزفر وأحمد وإسحاق. ٩٤ ويَنقُضُهُ ما يَنقُضُ الوُضُوءَ، ونَزْعُ الخُفّ ومُضِيُّ المُدَّةِ، فإذا مَضَتِ المُدَّةُ نَزَعُهُما وغَسَلَ رِجِلَيه، وخُرُوجُ القَدَم إلى السَّاقِ نَزْعٌ. إلا أن يكونا منعَّلين، لأنه لا يقطع فيهما المسافة، ثم رَجَع إلى ما ذكرنا، وعليه الفتوى. قال: (ويَنقُضُهُ ما يَنقُضُ الوُضُوءَ) لأنه ينقض الغَسل، فلأن ينقضَ المسح أولى. قال: (ونَزْعُ الخُفّ) لأنه المانع من سِراية الحَدَث إلى الرجل، فإذا نزعه زال المانع، ولأن الجواز دفعاً لحَرَج النّزْعِ، ولم يَبْقَ فيغسلهما كما قبل اللُّبس، وكذلك نزع أحد خفيه لأنه يجب غسلهما، فيجب غسل الأخرى لئلا يَجمع بين الأصل والبَدَل. قال: (ومُضِيُّ المُدَّةِ) لأنه رخصةٌ ثبتت مؤقتة، فتزول بمضي الوقت(١) كالمستحاضة . قال: (فإذا مَضَتِ المُدَّةُ(٢) نَزَعُهُما وغَسَلَ رِجَلَيْه) لما بيَّا (وخُرُوجُ القَدَم إلى السَّاقِ نَزْعٌ) لأنه لا يمكنه المشي فيه، كذلك ولو خرج بعضُه. قال أبو حنيفة: إن خرج أكثر عَقِبه إلى الساق بَطْل مسحُه لما قال أحمد: قد فعله سبعة أو ثمانية من أصحاب النبي بَّر، وقال إسحاق: مضت السنة من أصحاب النبي ◌ّله ومن بعدهم من التابعين في المسح على الجوربین، لا اختلاف بينهم في ذلك. (١) في (م): المدّة، والمثبت من (س). (٢) لفظه ((المدة)) ليست في (س)، وأثبتناها من (م). 95١٨٠ ٩٥ مَسَحَ مُسافِرٌ ثُمَّ أقام بَعدَ يوم وليلةٍ نَزَعَ، وقَبْلَ ذُلكَ يُتمِّمُ يوماً وليلةً، ولو مَسَحَ مُقِيمٌ ثُمَّ سافَرَ قَبْلَ يوم وليلةٍ تَمَّمَ مُدَّةَ السَّفرِ (ف)، ولا يَجُوزُ المَسْحُ على العِمامةِ والقَلَنْسُوَةِ والبُرْقُعِ والقُفَّزَينِ، تقدم. وقال أبو يوسف: ما لم يخرج أكثرُ القدم إلى السَّاقِ لا يبطل، لأن للأكثرِ حُكْمَ الكل. وقال مُحمد: إن بقي من القدم مقدارُ ثلاثة أصابع لم يبطل لبقاء محلِّ المسح. قال: (مَسَحَ مُسافِرٌ ثُمَّ أقام بَعدَ يوم وليلةٍ نَزَعَ) لأن الثلاث إكمال مدة السفر، ولا سفر، فلا يجوزُ (وقَبْلَ ذُلكَ يُتمِّمُ يوماً وليلةً) لأنه مقيم، فيستكمل مدة الإقامة . (ولو مَسَحَ مُقِيمٌ ثُمَّ سافَرَ قَبْلَ يوم وليلةٍ تَمَّمَ مُدَّةَ السَّفرٍ) لأنه مسافر، فإن الحُكْمَ يتعلَّقُ بآخِر الوقت، كما في المسألة المتقدمة، بخلاف ما إذا سافر بعد يوم وليلة، لأن الحَدَثَ سرى إلى الرَّجل، فلا بد من الغَسل. سود قال: (ولا يَجُوزُ المَسْحُ على العِمامةِ(١) والقَلَنْسُوَةِ والبُرْقُع والقُفَّزَينِ) واللِّفَافة، لأن المسحَ ثبت في الخفين للحَرَجِ، ولا حَرَج في نزع هذه الأشياء. (١) عدمُ إجزاء المسح على العمامة عند الحنفية إذا كانت تغطي الرأس كله، وإما إذا كانت ناصيته مكشوفة فيجزئ المسحُ عليها ويكون المسح على العمامة تبعاً له، كما في حديث المغيرة بن شعبة عند مسلم (٢٧٤) في ذكر وضوء النبيِ نَّله، وفيه: ومسح بناصيته وعلى عمامته. فوصل مسح الناصية بالعمامة، وإنما وقع أداء الواجب من مسح الرأس بمسح الناصية إذ هي جزءٌ من الرأس وصارت العمامة تبعاً له. انظر ((البناية شرح الهداية)) للعيني ١/ ١٧٢ . (مې۔ ۔ اجور * ٩٦ ويجوزُ على الجَبائِرِ وإن شَدَّها على غيرِ وضُوءٍ فإن سَقَطَتْ عن بُرْءٍ بَطَلَ. قال: (ويجوزُ) المسح (على الجَبائِرِ) وليس بفرضٍ عندَ أبي حنيفة، وهو الصحيح، حتى لو تركه من غير ضرر، جاز، وقالا: لا يجوز(١)، لهما: ما روي: أن النبيِ وَ أَمَرَ علياً حين كُسِرت زَنْدُه يوم أُحد بالمَسْح عليها(٢)، وقياساً على الخُف. وله: أن المسح بَدَلٌ عن الغَسل، ولا يجب غسل ما تحت الجَبيرة لو ظهر، بخلاف ما تحت الخف، وحديث عليٍّ لا يوجب الفَرْضِيَّة لأنه خبر آحاد. قال: (و) يجوز (إن شَدَّها على غيرِ وضُوءٍ) لأن في اعتباره حَرَجاً، ولأن غَسل ما تحتها سَقَط بخلاف ما تحت الخفين (فإن سَقَطَتْ عن بُزْءٍ بَطَلَ) لأن المسح للعذر وقد زال، بخلاف ما إذا سقطت لا عن بُرْءٍ، لأن العذر باقٍ، وإن كانت الجَبيرةُ زائدةً على رأس الجُرْحِ، فإن كان حَلُّ الخِرْقة وغسلُ ما تحتها يَضُرُّهُ مَسَح على الكل، وإن كان لا يضرُّه ذلك غَسَل ما حول الجِراحة، ومَسَح عليها لا على الخِرْقة، وإن كان يضرُّه المسح دون الحَلِّ مَسَحَ على الخِرقة التي على الجُرح وغَسَل حَوالَيْها وما تحت الخرقة الزائدة، لأن جواز المسح للضَّرورة فيتقدر بقَدَرها، وهذا التفصيل عن الحسن بن زياد رحمه الله، (١) الذي حرَّره النُّقّاد من أئمة المذهب أن أبا حنيفة قال بوجوب المسح، لكن يصُّ الوضوء بدونه، وأما في قول أبي يوسف ومحمد، فهو فرضٌ عمليٍّ يفوت الجوازُ بفَوْته، وعلى قولهما الفتوى. انظر ((حاشية ابن عابدين)) ١ / ٤٦٩. (٢) أخرجها عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٦٢٢)، وابن ماجه (٦٥٧)، والدار قطني (٨٧٨)، والبيهقي ٢٢٨/١. وإسناده تالف. ٩٧ ـك-'٣-" باب الحیض وهو الدَّمُ الَّذِي تَصِيرُ المَرأةُ به بالِغَةً، وهكذا الكلام في عصابة الفِصَاد والقروح والجِراحات. وعلى هذا لو وَضَع على شِقاق رِجْله دواءً لا يصل الماء إلى ما تحته يجري الماء على ظاهر الدواء لما ذكرنا . باب الحیض الحيض في اللغة: السَّيَلان، يقال: حاضت الأرنب: إذا سال منها الدَّمُ، وحاضت الشجرة: إذا سال منها الصَّمْغ. وفي الشرع: سَيّلان دمٍ مخصوصٍ من موضعٍ مخصوصٍ في وقتٍ معلوم . والدماء ثلاثة: حيض: (وهو الدَّمُ(١) الَّذي تَصِيرُ المَرأةُ به بالغَةً) بابتدائه الممتدِّ إلى وقت معلوم، قاله الكَرْخي. قال عليه السلام: ((لا صلاة لحائضٍ إلا بخِمار))(٢) أي: بالغةٍ. وقال الإمام أبو بكر محمد بنُ الفَضْلِ البخاري: الحيض: هو الدم الذي ينفُضِه رَحِمُ المرأة السليمةِ عن الصِّغر والدَّاء. واستحاضة: وهو الدمُ الخارج من الفَرْج دون الرَّحِم. والنِّفاس: وهو ما يخرج مع الولد أو عَقِيبَه. (١) لفظة ((الدم)) ليست في (س)، وأثبتناها من (م). (٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٦٤١)، وابن ماجه (٦٥٥)، والترمذي (٣٧٧)، وهو في ((المسند)) (٢٥١٦٧)، و((صحيح ابن حبان)) (١٧١١). وانظر تمام تخريجه فيهما . ٩٨ Dc @ 30 ـ لاسم ٢٩ ى وأقَلُّ الحَيْضِ ثلاثَةُ أيَّامٍ وَلَيالِيها (س)، وأَكْثَرُه عَشَرَةٌ (ف) بلَيالِيها، وما نَقَصَ عن أقَلِّه، وزَادَ على أكْثَرِه، وما تَرَاهُ الحَامِلُ (ف) استِحاضَةٌ، وهو لا يَمْنَعُ الصَّومَ ولا الصَّلاةَ ولا الوَطْءَ، قال: (وأقَلُّ الخَيْضِ ثلاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيها، وأَكْثَرُه عَشَرَةٌ بِلَياليها) لقوله عليه السلام: ((أقلُّ الحيض للجاريةِ البكْر والثيِّب: ثلاثةُ أيام بلياليها، وأكثره: عشرة أيام)»(١)، وعن أبي يوسف: أقله يومان، وأكثرُ الثالث، إقامةً للأكثر مقام الكُل، ولا اعتبار به لأنه تنقيصٌ عن تقدير الشرع . قال: (وما نَقَصَ عن أقَلِّه وزَادَ على أكْثَرِهِ) استحاضةٌ، لأنه زائد على تقدير الشرع، فلا يكون حيضاً، وليس بنفاس، فيكون استحاضةً، لأن الدماء الخارجة من الرَّحِم منحصرةٌ في لهذه الثلاثة. قال: (وما تَرَاهُ الحَامِلُ استِحاضَةٌ) لأنها لا تحيض، لأن بالحمل ينسدُّ فَمُ الرَّحِمْ، ويصير دم الحيض غِذاءً للجَنين فلا يكون حيضاً. قال: (وهو لا يَمْنَعُ الصَّومَ ولا الصَّلاةَ ولا الوَطْءَ) لقوله عليه السلام للمستحاضة: ((توضَّئي وصلِّ وإن قَطَرَ الدمُ على الحَصِير قَطْرًا)(٢)، (١) أخرجه من حديث أبي أمامة الدارقطني في ((سننه)) (٨٤٥) و(٨٤٦)، وضعفه الدار قطني والحافظ ابن حجر في ((الدراية)) ١/ ٨٤ . وفي الباب عن غير واحد من الصحابة ذكرها الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) ١/ ١٩١، ولا يخلو إسناد أحدها من مقال. فانظره لزاماً. (٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (٦٢٤)، وأحمد في ((مسنده)) (٢٤١٤٥) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة. وحبيب وإن لم يسمعه من= ٩٩ Fa wr وما تَرَاهُ المَرأةُ من الألوانِ في مُدَّةٍ حَيْضِها حَيْضٌ حتَّى تَرَى البَيَاضَ الخَالِصَ وفي حديث آخر: ((إنما هو دمُ عِرْقِ انفَجَرَ))(١)، فلا يمنع كالرُّعاف. قال: (وما تَرَاهُ المَرأةُ من الألوانِ في مُدَّةٍ حَيْضِها حَيْضٌ حتَّى تَرَى البَيَاضَ الخَالِصَ) لما روي أن النساء كنَّ يَعْرِضْنَ الكراسف على عائشةَ، وكانت إذا رأت الكُذْرةَ قالت: لا، حتى ترينَ القَصَّةَ البيضاء(٢)، أي: البياض الخالص. وقال أبو يوسف: لا تكون الكُدْرَةُ = عروة قد تابعه عليه هشام بن عروة، كما عند البخاري (٢٢٨) عن أبيه عروة عن عائشة، لكن دون قوله: (( ... وإن قطر الدم على الحصير قطراً))، ويشهد لهذا الحرف حديث عائشة نفسها الذي أخرجه البخاري (٣٠٩) و(٣١٠) قالت: اعتكفت مع رسول الله وَله امرأة مستحاضة من أزواجه، فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي. (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٧٦٣١) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وفيه: (( .. فإنما ذلك رَكْضة من الشيطان، أو عرق انقطع، أو داء عَرَضَ لها)». وهو حديث صحيح لغيره. وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه فيه. "٢٠ (٢) حديث إسناده حسن، وأخرجه مالك في ((موطئه)) ٥٩/١ باب طهر الحائض، عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة - واسمها مرجانة - أنها قالت: فذكرت نحوه، وعلقه البخاري في ((صحيحه)) من كتاب الحيض باب إقبال المحيض وإدباره قبل الحديث (٣٢٠)، والكُرْسُف: القطن، والقَصّة: الجصُّ. وأخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١١٥٩) عن معمر، عن علقمة بن أبي علقمة قال: أخبرتني أمي أن نسوة سألت عائشة عن الحائض تغتسل إذا رأت الصفرة وتصلى، فقالت عائشة: لا حتى ترى القصة البيضاء. ١٠٠