النص المفهرس
صفحات 61-80
- ٦١ - وَلا عَقْلَ عَلَى الصّبْيَانِ وَالنِّساءِ، وَلا عَلَى عَبْدٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُكاتبٍ ، وَلا يَعْقِلُ كافِرٌ عَنْ مَسْلِمٍ وَلا بالعَكْسِ؛ وَإذَا كانَ لِلذّىّ عاقِلَةٌ فالدّيَّةُ عَلْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عاقِلَةٌ فالدَّةُ فى مالِهِ فى ثلاثٍ سِنِينَ ؛ وَعَاقِلَةُ الْمُعْتَقِ قَبِيلَةُ مَوْلاهُ؛ وَعَاقِلَةُ مَوْلى المُوَالاةِ مَوْلاهُ وَقَبِيلَتُهُ، وَوَلَدُ الْمُلاعِنَةِ تَعْقِلُ عَنْهُ عاقِلَةُ أُمَّهِ، فإن ادَّعاهُ الأبُ بَعْدَ ذلكَ رَجَعَ عاقِلَةُ الأُمّ عَلَى عاقِلَةِ الأُبِ، وَتَتَحَمَّلُ العاقِلَةُ خَمْسِينَ دِينارًا فَصَاعِدًاً وَمَا دُوَتها فى مالٍ الجانى، وَلا تَعْقِلُ العاقِلَةُ ما اعْتَرَفَ بِهِ الجانى إلاَّ أنْ يُصَدَّقُوهُ. قال ( ولا عقل على الصبيان والنساء ) لقول عمر رضى الله عنه: لا يعقل مع العاقلة صبى" ولا امرأة ولأنهما ليسا من أهل النصرة ، ولأن الدية تؤدّى على طريق الصلة والتبرّع والصبيّ ليس من أهلها ( ولا على عبد ومدبر ومكاتب ) لأن العرب لاتستنصر بهم . قال ( ولا يعقل كافر عن مسلم ولا بالعكس ) لعدم التناصر ، والكفار يعقل بعضهم عن بعض ، لأن الكفر كله ملة واحدة إلا أن يكون بينهم معاداة وحراب فلا يتعاقلون لعدم التناصر . قال ( وإذا كان للذمى عاقلة فالدية عليهم ) كالمسلم لالتزامهم أحكامنا فى المعاملات ولوجود التناصر بينهم ( وإن لم يكن له عاقلة فالدية فى ماله ) فى ثلاث سنين ( كما قلنا فى المسلم ، وهذا لأن الواجب عليه وإنما يتحوّل إلى العاقلة إذا وجدت فإذا لم يكن بقيت عليه. قال ( وعاقلة المعتق قبيلة مولاه) قال عليه الصلاة والسلام ((مولى القوم منهم)) ولأن نصرته بهم ( وعاقلة مولى الموالاة مولاه وقبيلته ) لأن عقد الموالاة عقد يتناصرون به . قال (وولد الملاعنة تعقل عنه عاقلة أمه) لأن نسبته إليهم فينصرونه ( فان ادّ عاه الأب بعد ذلك رجع عاقلة الأم على عاقلة الأب ) لأنه ظهر أن الدية كانت واجبة على عاقلة الأب حيث أكذب نفسه وبطل اللعان وثبت نسبه منه ، فقوم الأم تحملوا مضطرين عن قوم الأب ما كان عليهم فيرجعون به عليهم فى ثلاث سنين من حين قضى لعاقلة الأم على عاقلة الأب . قال ( وتتحمل العاقلة خمسين دينارا فصاعدا وما دونها فى مال الجانى) لما روينا أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالغرّة على العاقلة وهى خمسون دينارا . وعن عمر مرفوعا وموقوفا ((لاتعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا اعترافا ولا صلحا ولا مادون أرش الموضحة )) وعن ابن عباس مثله ، ولأن التحمل على العاقلة إنما كان تحرّزا عن الإجحاف وهو فى الكثير دون القليل ، والقدر الفاصل بينهما ما ورد به الشرع وهو ما ذكرنا . قال ( ولا تعقل العاقلة ما اعترف به الجانى إلا أن يصدّقوه) لما روينا، ولأنه لا يلزمهم إقراره عليهم، إذ لاولاية له عليهم، فاذا صدقوه فقد رضوا به فيلزمهم : ولو تصادق القاتل وولىّ الجناية على أن قاضيا من قضاة المسلمين حكم على العاقلة بالدية وكذبتهما العاقلة فلا شىء عليهم ، لأن تصادقهما - ٦٢ - وَإِذَا جَنى الحُرُ عَلَى العَبْدِ خَطَأَ فَعَلَى عاقِلَتِهِ. كتاب الوصايا وَهِىَ مَنْدُوُبَّةٌ ، ليس بحجة عليهم ، وليس على القاتل شىء فى ماله ، لأن الدية تقرّرت على العاقلة لتصادقهم وهو حجة فى حقهما ، بخلاف الأوّل حيث تجب الدية فى ماله باعترافه، وتعذّر إيجابها على العاقلة فتجب عليه . قال ( وإذا جنى الحرّ على العبد خطأ فعلى عاقلته ) لأنها بدل النفس فتكون على العاقلة كما فى الحرّ. وروى عن أبى يوسف أنها فى مال القاتل، وحمل قوله عليه الصلاة والسلام ((ولا عبدا)) فيما جنى عليه ، وجوابه أن المراد أنها لا تتحمل جناية العبد ، لأن المولى أقرب إليه منهم . وروى عنه أيضا أن قدر الدية على العاقلة لأنها ضمان النفس ، وما زاد فى مال الجانى لأنه ضمان المال ، بناء على أن عنده تجب قيمته بالغة ما بلغت ، وقد تقدّم . کتاب الوصايا وهى جمع وصية ، والوصية : طلب فعل يفعله الموصى إليه بعد غيبة الموصى أو بعد موته فيما يرجع إلى مصالحه كقضاء ديونه والقيام بحواتجه ومصالح ورثته من بعده وتنفيذ وصاياه وغير ذلك ، يقال : فلان سافر فأوصى بكذا ، وفلان مات وأوصى بكذا ، والاستيصاء : قبول الوصية ، يقال : فلان استوصى من فلان : إذا قبل وصيته . قال عليه الصلاة والسلام ((استوصوا بالنساء خيرا فانهنّ عوان عندكم)) أى اقبلوا وصيتى فيهنّ فانهنّ أسرى عندكم)) (وهى) قضية مشروعة وقربة (مندوبة) دلّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب فقوله تعالى - من بعد وصية يوصى بها أو دين - وهذا دليل شرعيتها. والسنة ما روى (( أن سعد بن أبى وقاص مرض بمكة فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث ، فقال: يا رسول اللّه إنى لاأخلف إلا بنتا أفأوصى بجميع مالى؟ قال لا ، قال : أفأوصى بثلثى مالى ؟ قال لا ، قال : فبنصفه ؟ قال لا ، قال : فبثلثه ؟ قال : الثاث والثلث كثير، لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس )) أى يسألون الناس كفايتهم، وقال عليه الصلاة والسلام ((إن الله تصدّق عليكم بثاء'، أموالكم فى آخر أعماركم زيادة فى أعمالكم تضعوه حيث شئتم)) وفى رواية ((حيث أحببتم ((وهذا يدل على شرعيتها وينفى وجوبها، وقال عليه الصلاة والسلام)) لا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر له مال يوصى فيه أن يبيت ليلتين إلا وصيته تحت رأسه )) وهذا يدلّ على الندبية. ١ - ٦٣ - وَهِىَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ مَئُونَةِ المُوصِى وَقَضَاءِ دُيُونِهِ، وَهِىَ مُقَدَّرَةٌ بَالثُّلُثِ تَصِحُّ لِلأجْنَيِّ مُسْلِما كانَ أوْ كافِرًا بِغَيْرِ إجازَةِ الوَرَثَةِ، وَمَازَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلِلْقَاتِلِ (س) وَالْوَارِثٍ تَصِحُّ بِجَازَةِ الوَرَّةِ، وَتُعْتَبَرُ إجازَاُ لَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأما الإجماع فإن الأئمة المهديين والسلف الصالح أوصوا ، وعليه الأمة إلى يومنا هذا ، ولأن الإنسان لا يخلو من حقوق له وعليه ، وأنه مؤاخذ بذلك ، فاذا عجز بنفسه فعليه أن يستنيب فى ذلك غيره والوصىّ نائب عنه فى ذلك ، فكان فى الوصية احتياطا للخروج عن عهدتها فيندب إليها وتشرع تحصيلا لهذه المصالح . قال (وهى مؤخرة عن مئونة الموصى وقضاء ديونه) على ما يأتى فى الفرائض إن شاء الله تعالى ( وهى مقدّرة بالثلث تصحّ للأجنبى مسلما كان أوكافرا بغير إجازة الورثة ) لما روينا من حديث سعد وغيره وهى مطلقة لا تتقيد بالمسلم ولا بغيره . قال ( وما زاد على الثلث وللقاتل والوارث تصحّ باجازة الورثة ) لأن الوصية بما زاد على الثلث لاتجوز لحديث سعد. وفى الحديث (( الحيف فى الوصية من الكبائر)) قيل معناه بما زاد على الثلث وللوارث، وإنما امتنع ذلك لحقّ الورثة، لأن المريض مرض الموت قد استغنى عن المال وتعلق حقهم به ، إلا أنه لم يظهر ذلك فى الثلث بما سبق من الحديث ، ولحاجته إليه ليتدارك ما فرط منه وقصر فى عمله ، فإذا أجازت الورثة ذلك فقد رضوا باسقاط حقهم فيصحّ ( وتعتبر إجازتهم بعد موته ) لأنه عند ذلك ثبت حقهم فيه لاقبله ، وإنما يسقط الحقّ بعد ثبوته ، فاذا أجازوه بعد الموت فقد أسقطوا حقهم بعد ثبوته فيصحّ ، وكذلك الوصية للوارث إنما امتنعت لحقّ باقى الورثة ، لأن الوصية لاتجوز لوارث، قال عليه الصلاة والسلام ((لاوصية لوارث ولا إقرار بدين)) وفى رواية ((لاوصية لوارث إلا أن تجيزها الورثة)) ولأنه حيف فى الوصية لما مرّ ، ولأنه تعلق به حقّ الجميع على ما بينا، فاذا خصّ به البعض يتأذّى الباقى ويثير بينهم الحقد والضغائن ويفضى إلى قطيعة الرحم ، فاذا أجازه بقية الورثة علمنا أنه لاحقد ولا ضغائن فيجوز ، فان أجاز البعض وردّ البعض جاز فى حقّ المجيز بقدر نصيبه ، وبطل فى الباقى لولايته على نفسه دون غيره . وأما الوصية للقاتل فلا تجوز إذا وجد القتل مباشرة عمدا كان أو خطأ. قال عليه الصلاة والسلام (( لاوصية لقاتل)) وكذا لو أوصى لرجل فقتله تبطل الوصية لما قلنا لأن نفاذ الوصية بعد الموت ، فاذا أجازتها الورثة جازت . وقال أبو يوسف : لاتجوز عملا بإطلاق الحديث ، ولأنه إنما لم تجز الجنايته وهى باقية . ولنا أن الامتناع لحقّ الورثة لأن بطلانها نفع يرجع إليهم كبطلانها للوارث وبما زاد على الثلث، فاذا أجازوا ذلك فقد أسقطوا حقهم فيسقط ، وكل ما توقف على إجازة الورثة فأجازوه - ٦٤ - وَلا تَصِحُّ إِلاَّ مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ، وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَنْقُصَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ كانَتِ الوَرَثَةُ فُقَرَاءَ لايَسْتَغْنُونَ بِنَصِيِيهِمْ فَتَرْكُها أفْضَلُ، وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ وَبِهِ وَبَأمَّهِ دُونَهُ، فالموصى له يملكه من جهة الموصى لأن السبب صدر منه ، والإجازة رفع المانع كالمرتهن إذا أجاز بيع الرهن . قال (ولا تصح إلا ممن تصح تبرعه ) فلا تصحّ من الصبىّ والمجنون والمكاتب والمأذون ، لأن الوصية تبرّع محمض لايقابله عمل مالى ولا نفع دنياوى فصار كالهبة وتنجيز العتق ؛ وكذلك لو أوصى الصبي والمجنون ثم ماتا بعد البلوغ والإفاقة لعدم الأهلية حالة المباشرة ؛ وكذلك لو قال : إن أدركت فثلثى لفلان وصية لا تصحّ لعدم أهلية التصرف ، فلا يملكه تنجيرا ولا تعليقا كالعتاق والطلاق ؛ وأما العبد والمكاتب إذا أضافاها إلى ما بعد عتقهما لاتصح لأنهما أهل لذلك ، وإنما امتنع فى الحال لحق المولى ، فاذا زال حقّ المولى زال المانع فتصح. قال ( ويستحبّ أن ينقص من الثلث ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((والثلث كثير)) أى فى الوصية، وعن على رضى الله عنه: لأن أوصى بالخمس أحبّ إلىّ من أن أوصى بالربع ، ولأن أوصى بالربع أحبّ إلىّ من أوصى بالثلث ، ولأن فيه صلة القريب بتركه حقه لهم ، ولا صلة فيما أوصى بالثلث تاما لأنه استوفى حقه فلا صلة . قال ( وإن كانت الورثة فقراء لا يستغنون بنصيبهم فتركها أفضل ) لما فيه من الصلة والصدقة عليهم: قال عليه الصلاة والسلام ((أفضل الصدقة الصدقة على ذى الرحم الكاشح (١))) وقال عليه الصلاة والسلام ((لاصدقة وذو رحم محتاج)) وهو كما قال عليه الصلاة والسلام ((صدقة وصلة)) لأنه فقير فيكون صدقة وقريب فيكون صلة ، وإن كانوا أغنياء أو كانوا يستغنون بميراثهم ، قيل الوصية أولى ، وقيل يخير لأن الوصية صدقة أو مبرة وتركها صلة والكلّ خير. قال ( وتصح للحمل به وبأمه دونه ) أما للحمل فلأن الوصية استخلاف للموصى له فى المال الموصى به ، والحمل أهل لذلك كما فى الميراث والوصية أخته ، إلا أنها تبطل بالرجوع ، لأن الملك إنما يثبت له بعد الموت ، بخلاف الهبة لأنه تمليلك للحال ، وليس لأحد نقل الملك عنه فلا ينتقل ؛ ثم إن كان الزوج ميتا، فان ولدت لأقل من سنتين وانفصل حيا جازت ، وإن انفصل ميتا لم تجز ، لأنه يحال بالعلوق إلى أبعد الأوقات حملا لأمرها على الصلاح ، ولهذا يثبت نسبه إلى سنتين ؛ وإن كان الزوج حيا فولدته لستة أشهر لاتصح الوصية ، لأن فى الوطء الحلال بحال بالعلوق إلى أقرب الأوقات لأنه لا يتيقن بوجود الحمل وقت الوصية إلا إذا (١) قوله الكاشح : هو الذى يخفى عداوته ، وإنما كانت الصدقة عليه أفضل لما فيه من مخالفة النفس وقهرها . ٠ - ٦٥ - وَيُعْتَبَرُ فِى الْمَالِ وَالوَرَثَةِ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَقَبُولُ الوَصِيَّةِ بَعْدَ المَوْتِ. وَلِلْمُوْصِيْ أنْ يَرْجِعَ عَنِ الوِصَيَّةِ بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ، وفى الجُحُودِ خِلافٌ ؛ ولدته لأقلّ من ستة أشهر. وأما الوصية به فإنما تصحّ إذا جاءت به لأقلّ من ستة أشهر حتى يكون موجودا وقت الوصية ، فإذا كان موجودا صحت الوصية به كالوصية بسائر الموجودات ، ولأن الوصية تصحّ بالثمرة وهى غير موجودة فلأن تصحّ بالموجود أولى . وأما الوصية بأمه دونه فلأنه لما صحّ إفراده عنها صحّ إفرادها عنه، لأن ما صحّ إفراده بالعقد يصحّ استثناؤه ، ومالا فلا كما فى المبيع وغيره ، وهذا لأن اسم الجارية لايتناول الحمل لكن عند الإطلاق يتبعها ضرورة الاتصال ، فاذا أفردها نصا صحّ لأن كل واحد منهما نفس بانفراده فى الأصل. قال ( ويعتبر فى المال والورثة الموجود عند الموت ) حتى لو أوصى بثلث ماله ولا مال له ثم اكتسب مالا ومات أو كان له فذهب أو نقص ، فإن المعتبر ماله حالة الموت ، لأن وقتئذ تنفذ الوصية وينتقل المال إلى ملك الموصى له ، وكذلك الورثة لا اعتبار لمن مات قبله لاباجازته ولا بردّه لأن المال إنما ينتقل إليهم بعد الموت فلا اعتبار بغير المالك . قال ( وقبول الوصية بعد الموت ) حتى لو أجازها قبله أو ردّها فليس بشىء ، لأن حكمه وهو ثبوت الملك إنما يثبت بعد الموت فلا اعتبار بما يوجد قبله كما إذا وجد قبل العقد وهو إنما يملكه بالقبول لأنه تمليك بعقد فيتوقف على القبول كغيره من العقود ، بخلاف الميراث لأنه خلافة عن الميت حتى يثبت للوارث خيار العيب دون الموصى له ويثبت جبرا شرعا من غير قبول ، ولأنه لوملك الموصى به من غير قبول كان للموصى إلزامه الملك بغير اختياره ، ولا ذلك إلا لمن له عليه ولاية ، ولا ولاية له عليه ، ولأنه لو جاز ذلك لأوصى له بما يضرّه مثل ما إذا علق طلاقه بملكه وأنه لا يجوز وإذا كان القبول شرطا لا يملكه الموصى له إلا بالقبول إلا أن يموت الموصى له بعد الموصى قبل القبول فتملكها الورثة ، والقياس بطلان الوصية لما بينا ، إلا أنا استحسنا وقلنا يملكها الورثة ، لأن الوصية تمت من جهة الموصى تماما لا يلحقه الفسخ من جهته ، والتوقف لحقّ الموصى له دفعا لضرر لحوق المنة ولا يلحقه بعد الموت فنفذت الوصية ضرورة تعذّر الردّ كما إذا مات المشترى والخيار له قبل الإجازة، فان المبيع يدخل فى ملكه كذا هذا . قال ( وللموصى أن يرجع عن الوصية بالقول والفعل ، وفى الجحود خلاف ) أما جواز الرجوع فلأنه تبرّع لم يتمّ ، لأن تمامه بالموت والقبول على ما بينا ، فيجوز الرجوع قبل التمام ، لأنه لو لزم قبل تمامه لم يكن تبرّعا ، والرجوع بالقول قوله : رجعت عن الوصية أو أبطلتها ونحو ذلك، والرجوع بالفعل مثل أن يفعل فعلا يزيل ملكه عن الموصى به كالبيع والهبة ، لأنه إذا زال ملكه بطلت الوصية ، لأن الوصية إنما تنفذ فى ملكه ، ٥ - الاختيار - خامس - ٦٦ - وَإِذَا قَبِلَ المُوصَّى لَهُ الوَصِيَّةَ ◌ٌثُمَّ رَدَّما فِى وَجْهِ المُوصِىِ فَهُوَّ رَدٌّ، وَإِنْ رَدّها فِي ◌َغْيْرٍ وَجْهِهِ فَلَيْسَ بِرَدُّ، فإنْ كانَ عَاجِزًاً ضَمَّ إِلَيْهِ القاضِى آخَرَ، وَإنْ كانَ" عَبْدًا أوْ كافِرًا أَوْ فاسِقًا اسْتَبْدَلَ بِهِ ، وسواء عاد إلى ملكه أولا ، وكذا إذا فعل فعلا لو فعله الغاصب ينقطع به حقّ المالك كان رجوعا ، وكذلك فعل يكون استهلاكا من كلّ وجه وقد عرف تمامه فى الغصب ، وكذا إذا فعل ما يزيد به العين الموصى بها كالبناء والصبغ والسمن فى التسويق والحشو بالقطن وخياطة الظهارة على البطانة وبالعكس ونحوه لأنه لا يمكن تسليمه بدون الزيادة ، ولا سبيل إلى نقصانها لحصولها بفعل المالك فى ملكه ، وذبح الشاة رجوع لأنه لحاجته عادة فلا يبقى إلى وقت الموت . وأما الجحود فهو رجوع عند أبى يوسف خلافا لمحمد، لأن الجحود نفى فى الماضى ، وانتفاؤه فى الحال للضرورة ، فاذا كان ثابتا فى الحال كان الجحود لغوا . ولأبى يوسف أن الرجوع نفى فى الحال ، والجحود نفى فى الماضى والحال فأولى أن يكون رجوعا ، ومن الرجوع قوله : العبد الذى أوصيت به لفلان هو لفلان آخر ، أو أوصيت به لفلان، لأن هذا يدلّ على قطع الشركة، ولو كان فلان الآخر ميتا لا يكون رجوعا ، لأن الأولى إنما بطلت ضرورة صحة الثانية ولم تصحّ ، ولو كان حيا ثم مات قبل الموصى بطلت الأولى لصحة الثانية وبطلت الثانية بالموت ؛ ولو أوصى به لرجل ثم أوصى به لآخر فهو بينهما ، وليس برجوع لأنه يحتمل الشركة ، واللفظ غير قاطع لها بل صالح فيثبت لهما . قال (وإذا قبل الموصى له الوصية ثم ردّها فى وجه الموصى فهو ردّ ) لأنه ليس له إلزامه بغير اختياره ( وإن ردّ ها فى غير وجهه فليس برد" ) لما فيه من خيانة الميت وغروره ، فان الموصى مات معتمدا عليه واثقا بخلافته بعده فى أموره وتركته فلا يجوز ردّه ، بخلاف الوكيل حيث له الرجوع ، لأن الموكل حىّ يقدر على التصرّف بنفسه ، وعلى أن يوكل غيره فافترقا ، وإن لم يقبلها ولم يردّها حتى مات الموصى فهو بالخيار إن شاء قبل ، وإن شاء لم يقبل ، لأن الموصى ليس له إلزامه فيخير ، ثم القبول كما يكون بالقول يكون بالفعل لأنه دلالة عليه ، وذلك مثل أن يبيع شيئا من التركة بعد موت الموصى وينفذ البيع لصدوره من الأهل عن ولاية ، وكذا إذا اشترى شيئا يصلح للورثة أو قضى مالا أو اقتضاه لزمته الوصية ، وسواء علم بالوصية أو لم يعلم لأنها خلافة ، ألا ترى أنها إنما تثبت حال انقطاع ولاية الموصى فتنتقل الولاية إليه فلا يحتاج إلى العلم ولا يتوقف عليه كالإرث . قال ( فان كان عاجزا ضمّ إليه القاضى آخر ، وإن كان عبدا أو كافرا أو فاسقا استبدل به ) . اعلم أن الأوصياء ثلاثة : أمين قادر على القيام بما أوصى إليه ، فانه يقرّر وليس للقاضى - ٦٧ - وَإِنْ أَوْصَىَ إِلَى عَبْدِهِ وَفِ الوَرَثَةِ كِبارٌ لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ كانُوا صِغارًا جازّتْ (سم)، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الوَصِّيْنِ أنْ يَتَصَرَّفَ دُونَ صَاحِبِهِ (س) ، عزله لأن مقصود الموصى القيام بأموره وما أوصى إليه به ، فاذا حصل فتغييره إبطال لقصده فلا يجوز . وأمين عاجز فالقاضى يضمّ إليه من يعينه ، لأن الوصية إليه صحيحة لا يجوز إبطالها ، إلا أن فى انفراده نوع خلل ببعض المقصود لعجزه فيضم إليه آخر تكميلا للمقصود. وفاسق أو كافر أو عبد فيجب عزله وإقامة غيره لأنه لاتصحّ نيابته ، لأن الميت إنما أوصى إليه معتمدا على رأيه وأمانته وكفايته فى تصرّفاته وهؤلاء ليسوا كذلك . أما الفاسق فلاتهامه بالخيانة ، وأما الكافر فللعداوة الدينية الباعثة له على ترك النظر للمسلم ، وأما العبد فلتوقف تصرّفه على إجازة مولاه وتمكنه من حجره بعد ذلك فيخرجهم القاضى ويقيم من يقوم بمصالح الميت ، لأن القاضى نصب ناظرا للمسلمين ، ألا يرى أنه لو لم يوص إلى أحد فللقاضى أن يقيم وصيا كذا هذا . قال (وإن أوصى إلى عبده وفى الورثة كبار لم تصحّ ) لأن للكبير بيعه أو بيع نصيبه فيعجز عن الوصية لأن المشترى يمنعه فلا تحصل فائدة الوصية ( وإن كانوا صغارا جازت ) وقالا: لاتجوز وهو القياس لأن الرقّ ينافى الولاية ، وفيه إثبات ولاية المملوك على المالك ، وهو قلب المشروع وعكس الموضوع . ولأبى حنيفة أنه أهل للولاية مخاطب مستبد بالتصرّف فيكون أهلا للوصية ، ولا ولاية علیه لأنهم لا يملكون بيعه وإن كانوا ملا كا ، وليس لهم منعه ولا منافاة وصار كالمكاتب ، وإن أوصى إلى صبيّ أو عبد أو كافر فلم يخرجهم القاضى حتى بلغ أو أعتق أو أسلم ، فالوصية ماضية لزوال الموجب من العزل ، إلا أن يكون غير أمين لما بينا ، وإن أوصى إلى مكاتبه جاز لوجود الأهلية والقدرة على إنفاذ الوصية ، فان أدّى عتق وهو على وصيته ، وإن عجز ردّ فى الرقّ فحكمه حكم العبد، وقد بيناه. قال ( وليس لأحد الوصيين أن يتصرّف دون صاحبه ) وقال أبو يوسف: لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرّف فى جميع الأشياء ، لأن الوصية خلافة ، وذلك إنما يكون إذا ثبت للخليفة مثل ما كان للمستخلف . ولهما أن الموصى ما رضى إلا برأيهما ، وهذا لأن الولاية إنما تثبت بتفويضه فيراعى وصفه وهو الاجتماع ، وفى اجتماع رأيهما مصلحة فيتقيد به لأنه شرط مفيد ، بخلاف الأشياء المستثناة لأنها ضروريات ، والضروريات مستثناة وهى تجهيز الميت ومئونة الصغار من طعامهم وكسوتهم والخصومة وردّ الوديعة والمغصوب وقضاء الديون وعتق عبد بعينه وتنفيذ وصية بعينها ؛ أما تجهيز الميت لأن فى تأخيره فساده حتى كان للجار فعله ، وكذا مئونة الصغار لأنه يخاف عليهم جوعا وعريا ، والخصومة لا يمكن الاجتماع عليها وباقى الصور الاجتماع والانفراد فيه سواء لأنها لاتحتاج إلى الرأى ، وكذا ردّ المشترى شراء فاسدا - ٦٨ - وَلَوْ ماتَ أُحِّدُهُمَا أقامَ القاضِى مَكانَهُ آخَرَ، وَإذَا أَوْصَى الوَصِىُّ إلى آخَرَ فَهُوَ وَصِيٌّ فى الَّتْرِكَتَِّينِ. وَيَجُوزُ لِلْوَمِيّ أنْ يَحْتَالَ بِمَالِ اليَتِيمِ إنْ كانَ أَجْوَدَ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ (سم) لِنَفْسِهِ إِنْ كانَ فِيهِ نَفْعٌ لِلصَّبِّ، وَلَيْسَ لِلْرَصِيّ أنْ يُقَتَرِضَ مالَ اليَقِيمِ، وَلِلأبِ ذلكَ، وَلَيْسَ كَهْمَا إِقْرَاضُهُ، وَلِلْقاضِى ذلكَ ، وحفظ الأموال وقبول الهبة ، لأن فى التأخير خوف الفتنة ، وكذلك جميع الأموال الضائعة وقبول ما يخشى عليه التلف . قال ( ولومات أحدهما أقام القاضى مكانه آخر ) أما عندهما فظاهر لأن الواحد لاينفرد بالتصرّف عندهما . وأما عند أبى يوسف فلأن الواحد وإن كان يملك التصرّف لكن الموصى قصد أن يخلفه اثنان فى حقوقه ، وقد أمكن تحقيق قصده بنصب وصىّ آخر فينصب، ولو أن الوصى الميت أوصى إلى الثانى فله التصرّف وحده كما إذا أوصى إلى آخر لأن رأيه باق حكما برأى وصيه ، ولهذا جاز أن يوكله حال حياته فى التصرّف فى مال الميت فكذا الوصية . وعن أبى حنيفة ليس له ذلك ، لأن الموصى ما رضى بتصرّفه وحده، بخلاف ما إذا أوصى إلى آخر ، لأن مقصوده حصل برأى المثنى . قال ( وإذا أوصى الوصىّ إلى آخر فهو وصىّ فى التركتين) تركته وتركة الميت الأوّل لأنه يتصرّف بولاية مستقلة فيملك الإيصاء إلى غيره كالجدّ ، لأن الولاية كانت ثابتة للموصى ثم انتقلت إلى الوصىّ فى المال، وإلى الجدّ فى النفس، والجد قام مقام الأب فى ولاية النفس فكذا الوصى فى ولاية المال ، لأن الإيصاء إقامة غيره مقامه ، وعند الموت كانت ولايته ثابتة فى التركتين فكذا الوصىّ تحقيقا للاستخلاف، وكذلك لوأوصى إلى رجل فى تركة نفسه وقد حضرته الوفاة يصير وصيا فى التركتين فى ظاهر الرواية ، لأن تركة موصيه تركته لأن له ولاية التصرّف فيها ، وروى عنهما أنه يقتصر على تركته لأنه نصّ عليها وجوابه ما مرّ . قال ( ويجوز للوصىّ أن يحتال بمال اليتيم إن كان أجود ) بأن كان أملأ أو أيسر قضاء وأعجل وفاء لأنه أنظر لليقيم والولاية نظرية ولهذا لايجوز بيعه وشراؤه بما لايتغابن إذ لانظر له فيه ، بخلاف الغبن اليسير لأنه لا يمكن الاحتراز عنه ، ففى اعتباره سدّ باب التصرّفات . قال ( ويجوز بيعه وشراؤه لنفسه إن كان فيه نفع للصبيّ ) بأن اشترى بأكثر من القيمة أو باعه بأقلّ منها ، وقالا : لا يجوز قياسا على الوكيل . وله أنه قربان مال اليتيم بالتى هى أحسن فيجوز بالنص وصار كالأب . قال ( وليس للوصىّ أن يقترض مال اليتيم وللأب ذلك ؛ لأن الأب يملك شراء مال الصبىّ بمثل قيمته ، ولا كذلك الوصىّ، وكذلك الأب له أن يأخذ من مال الصبىّ عند حاجته بقدر حاجته ، ولا كذلك الوصىّ ( وليس لهما إقراضه، وللقاضى ذلك ) لأن القرض تبرّع ابتداء معاوضة انتهاء ، فجعل معاوضة - ٦٩ - وَالوَصِىُّ أحَقُّ بِمَالِ اليَقِيمِ مِنَ الجَدّ، وَشَهَادَةُ الوَصِّ لِلْمَيِّتِ لاَتَجُوزُ، وَعَلى المَيِّتِ تَجُوزُ، وَجُوزُ لِلْوَرَةِ إِنْ كانُوا كِبارًا، وَلا تَجُوزُ إنْ كانُوا صِغَارًا (سم) فى القاضى لقدرته على الاستخلاص بواسطة الحبس وغيره تبرّعا فى حقّ غيره لعجزه نظرا واحتياطا فى مال اليتيم . قال ( والوصىّ أحقّ بمال اليتيم من الجدّ ) لأنه انتقلت إليه ولاية الأب بالإيصاء إليه ، فكانت ولاية الأب قائمة حكما ، ولأن اختياره الوصىّ مع علمه بالجدّ دليل أن تصرّفه أنظر من تصرّف الجدّ فكان أولى ؛ فان لم يوصّ الأب فالولاية للجدّ لأنه أقرب إليه وأشفق على بنيه فانتقلت الولاية إليه، ولهذا ملك النكاح مع وجود الوصىّ ، وإنما يقدّم الوصىّ فى المال لما بينا، ووصىّ الجد كوصىّ الأب، لأن الحد بمنزلة الأب عند عدمه فكذا وصيه . قال ( وشهادة الوصىّ للميت لاتجوز) لأنه ثبت لنفسه ولاية القبض ( وعلى الميت تجوز) إذ لاتهمة فى ذلك ( وتجوز للورثة إن كانوا كبارا ولا تجوز إن كانوا صغارا ) أما الشهادة للكبار ، قال أبو حنيفة : إن كانت فى مال الميت لاتجوز وفى غيره تجوز. وقالا : تجوز فى الوجهين لأنه لاولاية لهما عليه فلا يثبتان لأنفسهما ولاية التصرّف فلا تهمة ، بخلاف الصغار لأنهما يثبتان لهما ولاية التصرّف فى المشهود به . ولأبى حنيفة أنهما يثبتان لهما ولاية الحفظ وولاية بيع المنقول عند غيبة الوارث فتحققت التهمة بخلاف ما إذا شهدا فى غير التركة لأنه لاولاية لهما فى غيرها . وأما الشهادة للصغار فلا تجوز بحال للتهمة على ما بينا، وإن أوصى إلى رجل إلى أن يقدم فلان فاذا قدم فهو الوصىّ أو إلى أن يدرك ولدى فهو كما قال ، لأنها فى معنى الوكالة ، ولأن الوصية مؤقتة شرعا بلوغ الأيتام أو إيناس الرشد ، فجاز أن تكون مؤقتة شرطا ؛ ولو أوصى إلى رجل فى ماله كان وصيا فيه وفى ولده ؛ والوصىّ فى نوع يكون وصيا فى جميع الأنواع ، لأنه لولا ذلك لاحتجنا إلى نصب آخر ، والموصى قد اختار هذا وصيا فى بعض أموره فجعله وصيا فى الكلّ أولى من غيره لأنه رضى بتصرّف هذا فى البعض ولم يرض بتصرّف غيره فى شىء أصلا؛ وإذا ادّعى الوصىّ دينا على الميت ولا بينة له أخرجه القاضى من الوصية لأنه يستحلّ أخذ مال اليتيم ، وقيل إن ادّعى شيئا بعينه أخرجه وإلا فلا ؛ والمختار أن يقول له القاضى : إما أن تقيم البينة وتستوفى أو تبرئه وإلا أخرجتك من الوصية ، فان أبرأه وإلا أخرجه وأقام غيره ؛ وللوصىّ أن يدفع المال مضاربة ويعمل فيه هو مضاربة ، لأنه قائم مقام الأب ، وللأب هذه التصرّفات فكذا الوصىّ ، فان عمل بنفسه أشهد على ذلك ، لأن له أن يتجر فى مال الصغير، قال عليه الصلاة والسلام ((ابتغوا فى مال اليتامى خيرا)) فاذا أراد أن يستوجب طائفة من المال لنفسه بالمضاربة احتاج إلى الإشهاد نفيا للتهمة . وعن محمد إن لم يشهد فما عمله للورثة لأنه هو الظاهر فلا يترك إلا بدليل وهو الإشهاد ، وللوصى - - ٧٠ - وتَجُزُ الوَصِيَّةُ بِخِدْمَةٍ عَبْدِهِ وَسُكْسَى دَارِهِ وَبَغَلَّيْهِمَا أَبَدًا وَمُدَّةٌ مَعْلُومَةً، فإنْ خرَجا مِنَ الثُّلُثِ اسْتَخْدَمَ وَسَكَنَ وَاسْتَغَلَّ، وَلَيْسَ لَهُ أنْ يُؤَاجِرَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غيرُهُمَا خَدَمَ الوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ وَالْمُوْصَى لَهُ يَوْمًا، فإنْ ماتَ المُوصَى لَهُ عادَ إلى الورَثَةِ، أن يأكل من مال اليتيم إذا كان محتاجا ، ويركب دابته إذا ذهب فى حاجته ، قال تعالى - ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف -. وروى عن أبى يوسف لو طمع السلطان فى مال اليتيم فصالحه الوصىّ من مال اليتيم على أقلّ مما طمع لم يضمن لأنه مأمور بحفظ مال اليتيم ما أمكنه وقد أمكنه بهذا الطريق . فصل ( وتجوز الوصية بخدمة عبده وسكنى داره وبغلتهما أبدا ومدة معلومة ) لأن المنافع يصحّ تمليكها حال الحياة بعوض وغير عوض ، فكذا بعد الممات للحاجة إلى ذلك كالأعيان ؛ ثم إن الموصى له يتملكها على ملك الموصى كما قلنا فى الوقف ، وتجوز مؤقتا ومؤبدا كما فى الإعارة والإجارة لأنها تمليك . قال ( فان خرجا من الثلث استخدم وسكن واستغل ) لأن الثلث حقّ الموصى فلا تزاحمه الورثة فيه، وهذا لأن الوصية بالمنفعة تمليك الرقبة فى حقّ ملك المنفعة ، لأنه لا يمكنه الانتفاع بالعين إلا بصيرورته أخصّ بملك الرقبة كالإجارة فكانت وصية بملك الرقبة فى حقّ الانتفاع لامطلقا (وليس له أن يؤاجرهما) لأنه ملك المنفعة بغير عوض فلا يملك تمليكها بعوض كالعارية ، هذا لأن التمليك بعوض أقوى وألزم ، والأضعف لايتناول الأقوى . قال ( وإن لم يكن له مال غيرهما خدم الورثة يومين والموصى له يوما) لأنه لا يمكنه أن يخدمهم جملة واحدة ، فالمهايأة فيه تقع على الأيام كما ذكرنا لأن حقه فى الثلث وحقهم فى الثلثين كالوصية بالعين ، وهذا لأنه لا يمكن منع الجميع عن الورثة كما لا يملك الوصية بجميع العين ؛ وإذا تقررت الوصية بالثلث وجبت المهايأة بالحصص كما قلنا . قالوا : والأعدل فى الدار أن تقسم أثلاثا تسكن الورثة الثلثين والموصى له الثلث ، لأن فيه التسوية بينهما فى الانتفاع زمانا وذاتا ، وفى المهايأة ذاتا لازمانا بخلاف العبد فانه لايتجزى فلا يمكن قسمته فتعيت المهايأة ، فان كان له مال آخر لكن لايخرج من الثلث فعلى هذا الاعتبار يخدم الموصى له على قدر ثلث التركة والباقى للورثة مثاله : إذا كان العبد نصف التركة فانه يخدم الموصى له يومين والورثة يوما، لأن ثلثى العبد ثلث التركة فصار الموصى به ثلثى العبد وثلثه للورثة فيقسم كما ذكرنا ، وعلى هذا الاعتبار تخرّج بقية مسائله . قال ( فان مات الموصى له عاد إلى الورثة ) لأن الموصى له استوفى ما أوصى له به من المنافع على ملك الموصى كما بينا ، فلو انتقلت إلى ورثته كان - ٧١ - وَمَنْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ فَلَهُ الثَّمَرَةُ الْمَوْجُودَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ قالَ: أَبَدًا، فَلَهُ ثُمَرَتُهُ ماعاش؛ وَلَوْ أَوْضَى بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ فَلَهُ الحَاضِرَةُ وَالمُسْتَّ بَلَة وَإِنْ أَوْضَى بِصُوفٍ غَنّمِهِ أوْ بِأَوْلادِ ما أوْ بِلَبِها فَلَهُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ مَوْتِهِ، قالَ أَبَدًا أوْ لَمْ يَقْلْ ، ابتداء استحقاق من غير رضى فلا يجوز ، وإذا كانت على ملك الموصى تنتقل إلى ورثته كسائر أمواله ؛ ولو أوصى بغلتهما فاستخدم بنفسه وسكن ، قيل يجوز لاستواء الغلة والمنفعة فى المقصود ، وقيل لايجوز وهو الأصحّ لأن الغلة دراهم أو دنانير والوصية بهما حصلت وهو استوفى المنافع ، وهما غير متفاوتان فى حقّ الورثة فانه لو ظهر على الموصى دين أمكنهم استرداد الغلة وإيفاء الدين ، ولا يمكنهم استرداد المنفعة بعد استيفائها فكان هذا أولى ، وليس للورثة بيع الثلثين . وعن أبى يوسف جوازه لأنه خالص حقهم . وجه الظاهر أن حقّ الموصى له ثابت فى سكنى الجميع لو ظهر له مال آخر تخرج الدار من الثلث وله حقّ المزاحمة فى الثلثين لو خرب الثلث الذى فى يده ، والبيع يبطل ذلك فيمنعون عنه . ولو أوصى الرجل بخدمة عبده ولآخر برقبته وهو يخرج من الثلث فهو كما أوصى لأنه أوجب لكل واحد منهما شيئا معلوما حيث عطف أحدهما على الآخر فصار كحالة الانفراد وحكم الموصى له بالرقبة مع صاحب الخدمة كالوارث مع صاحب الخدمة . قال (ومن أوصى بثمرة بستانه فله الثمرة الموجودة عند موته ، وإن قال أبدا فله ثمرته ماعاش ، ولو أوصى بغلة بستانه فله الحاضرة والمستقبلة ) لأن الثمرة اسم للموجود عرفا فلا ينتظم المعدوم إلا بدليل آخر ، وقوله أبدا صريح فى إرادته فينتظمه ، إذ لو لم ينتظمه لم يبق للتأبيد فائدة . أما الغلة فينتظم الموجود وما سيوجد مرّة بعد أخرى عرفا ، يقال فلان يأكل من غلة بستانه وأرضه وداره ، ويراد به الموجود وما سيوجد عرفا فافترقا . قال ( وإن أوصى بصوف غنمه أو بأولادها أو بلبنها فله الموجود عند موته، قال أبدا أو لم يقل ) لأن الوصية تمليك عند الموت على ماعرف فيعتبر وجوده عند ذلك ، وهذا لأن القياس يأبى تمليك المعدوم لعدم قبوله لذلك ، إلا أن الشرع ورد بورود العقد على الغلة والثمرة المعدومة فى المساقاة والإجارة فقلنا بجوازه فى الوصية أيضا بالقياس ، وبل أولى لأن باب الوصية أوسع ، أما الولد والصوف واللبن لم يرد فيها شىء فى المعدوم وإنما ورد فى الموجود تبعا فى عقد البيع ومقصودا فى الخلع فكذا فى الوصية يجوز فى الموجود دون المعدوم اتباعا لمورد الشرع ، ولوأوصى بغلة عبده وغلة داره فى المساكين جاز، وبسكنى داره أو بخدمة عبده لهم لا يجوز إلا لواحد بعينه ، لأنه لا يمكن سكنى الدار واستخدام العبد إلا بالمرمة والنفقة ، ولا يمكن القضاء على واحد منهم فتعذّر تنفيذ الوصية فيطات. أما الغلة يمكن ترميم الدار والنفقة - ٧٢ - وَالعِثْقُ فِ المَرَضِ، وَالهِبَةُ وَالمَحاباةُ وَصِيَّةٌ، وَالمُحاباةُ إِنْ تَقَدَّمَتْ عَلى العِثْىِ فَهِىَ أُوْلِى، وَإِنْ تَأْخَّرَتْ شارَ كَتْهُ (سم) ؛ وَمَنْ أَوْصَى بِحُقُوقِ اللّهِ تَعالى قُدّمَتِ الفَرَائِضُ ، على العبد من الغلة فوجب تنفيذها . قال ( والعتق فى المرض والهبة والمحاباة وصية) تعتبر من الثلث لأنها تبرّعات فى المرض بما تعلق به حقّ الورثة فتعتبر من الثلث لما بينا. قال (والمحاباة إن تقدمت على العتق فهى أولى ، وإن تأخرت شاركته ) وقالا : العتق أولى كيف كان . وصورة المحاباة : أن يبيع المريض ما يساوى مائة بخمسين ، أو يشترى مايساوى خمسين بمائة فالزائد على قيمة المثل فى الشراء والناقص فى البيع محاباة وهى كالهبة فى المرض فاعتبرت وصية . وفيه أربع مسبائل : إحداها أن يحابى ثم يعتق . والثانية أن يعتق ثم يحابى . والثالثة أن يعتق ثم يحابى ثم يعتق . والرابعة أن يحابى ثم يعتوّ ثم يحابى . فان خرج الكلّ من الثلث نفذت ولا كلام فيها ولا خلاف ، وإن لم يخرج من الثلث ، ففى المسألة الأولى تنفذ المحاباة، فان فضل شىء فالعتق ، وقالا بالعكس ؛ وفى المسألة الثانية يشتر كان ، وقالا : ينفذ العتق فان فضل شىء فالمحاباة ؛ وفى الثالثة يصرف نصف الثلث للمحاباة لأنها تشارك العتق الأوّل عنده ، ثم ما أصاب العتق الأوّل قسم بينه وبين الآخر نصفين ؛ وفى الرابعة الثلث بين المحاباتين لاستوائهما ، ثم ما أصاب الثانية قسم بينها وبين العتق لتقدمه عليها فيشاركها، وقالا : العتق أولى بكل حال . لهما أن العتق لا يلحقه الفسخ ويلحق المحاباة فكان أولى . والتقدّم فى الذكر لا يوجب التقدم فى الثبوت فلا اعتبار به . وفى أثر ابن عمر رضى الله عنهما إذا كان فى الوصايا عتق بدئ به . ولأبى حنيفة أن المحاباة أقوى لأنها تثبت فى ضمن عقد المعارضة فكان تبرّعا معنى لاصورة ، والإعتاق تبرّع صورة ومعنى ، والمعاوضات أقوى من التبرّعات، فاذا وجدت المحاباة أولا وهى أقوى لا يزاحمه الأضعف بعدها لقوّته وسبقه ، إلا أن العتق إذا تقدم وهو لا يفبل النقض تعارضا فيستويان فيشتر كان . قال زفر: ما بدأ به الموصى منهما فهو أولى لأن بدايته دليل أن اهتمامه به أكثر فكان غرضه تقدمه فيقبع غرضه ، وجوابه ما تقدم . ولومات وترك عبدا فقال للوارث : أعتقنى أبوك ، وقال آخر : لى على أبيك ألف درهم ، فقال صدقتما سعى العبد فى قيمته: وقالا : يعتق من غير سعاية ، لأن العتق والدين ظهرا معا فى الصحة بتصديق الوارث بكلام واحد . والعتق فى الصحة لا يوجب السعاية وإن كان على المعتق دين . وله أن الدين أقوى لأنه يعتبر من جميع المال ، والإقرار بالعتق فى المرض يعتبر من ثلث المال، وكان ينبغى أن يبطل العتق إلا أنه لا يبطل بعد وقوعه فأبطلناه معنى بايجاب السعاية. قال (ومن أوعى بحقوق الله تعالى قدمت الفرائض ) لأنها أهمّ من النوافل ، لأن الفرائض تخرجه عن العهدة، والنوافل ٢ - ٧٣ - وَإِنْ تَساوَتْ قُدّمَ ما قَدَّمَهُ المُوصِى إِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عنها، وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ يُقَدَّمُ مَا قَدَّمَهُ المُوصِى . وَمَنْ أَوْصَ بِثُلُثِ مالِهِ لِرَجُلٍ وَلِآخَرَ بِسُدُسِهِ فالثُّلُثُ بْيَهُما أثْلاثًا؛. وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِهِ وَلَآخَرَ بِثُلُثِهِ أَوْ بِنِصْفِهِ أَوْ يَحَمِيعِهِ (سم) فالثُّلُثُ بْيَهُما نِصْفانٍ، وَلا يَضْرِبُ (سم) المُوصَى لَهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إلاَّ فى المُحاباةِ وَالسُّعَايَةِ وَالدَّرَاهِمِ الْمُرْسَلَةِ ، تحصل له زيادة الثواب ، والأوّل أولى، فالظاهر أنه أراد الأهمّ والأولى (وإن تساوت ) بأن كان الكلّ فرائض ( قدّم ما قدّمه الموصى إن ضاق الثلث عنها ) لأن الظاهر أنه بدأ بالأهمّ، وقيل يبدأ بالحجّ ثم بالزكاة لأنه يؤدّى بالمال والنفس، وقيل بالزكاة ثم بالحجّ لأنه تعلق بها حقّ العباد فكانت أولى، ثم بعدهما الكفارات لأنهما أقوى منها فى الفرضية والوعيد على الترك ، ثم صدقة الفطر بعد الكفارات ، لأن الكفارات عرف وجوبها بالقرآن وصدقة الفطر بالسنة ، ثم الأضحية لأن صدقة الفطر مجمع على وجوبها والأضحية مختلف فيها ( وما ليس بواجب يقدّم ما قدّمه الموصى ) لما مرّ . فصل (ومن أوصى بثلث ماله لرجل ولآخر بسدسه فالثلث بينهما أثلاثا ) لأن الثلث ضعف السدس ، فقد أوصى لأحدهما بسهمين وللآخر بسهم ( ولو أوصى له بثلثه ولآخر بثلثه أو بنصفه أو بجميعه فالثلث بينهما نصفان) وهذا كله إذا لم تجز الورثة . أما الأولى فبالإجماع الاستوائهما فى قدر الوصية والثلث لايتسع لهما فيستويان فيه . وأما الثانية والثالثة فمذهب أبى حنيفة ( ولا يضرب الموصى له وبما زاد على الثلث ) عنده ( إلا فى المحاباة والسعاية والدراهم المرسلة ) وقالا : يضرب لكل واحد بقدر ما أوصى له كما إذا أجازت الورثة ، فانه يقسم الكل على قدر ما أوصى لهما كذلك ههنا ، فيقسم الثلث عندهما فى المسألة الثانية على خمسة ، ثلثه للموصى له بالنصف ، وسهمان للموصى له بالثلث . وفى المسألة الثالثة على أربعة: ثلاثة للموصى له بالجميع، وسهم لصاحب الثلث ، وهذا لأن الموصى قصد تفضيل البعض فى الوصية فوجب اعتباره ما أمكن ، وقد أمكن بطريق الضرب كما ذكرنا ، ولا ضرر على الورثة فى ذلك فيصار إليه . وله أن الوصية فيما زاد على الثلث باطلة فى حقّ الاستحقاق عند عدم الإجازة لكونها وصية بما لا يستحقه فبطل حقّ الضرب ضرورة عدم الاستحقاق ، وإنما قصد التفضيل بناء على الاستحقاق والإجازة بدليل إضافته الوصية - ٧٤ - وَإِنْ أَوْصَى بِسَهْمٍ مِنْ مالِهِ فَلَهُ السُّدُسُ (سم)، وَلَوْ أَوْصَى يِجُزْءٍ أَعْطَاهُ الوَارِثُ ما شاءَ، وَلَوْ أَوْضَى بِمِثْلِ نَصِيبٍ ابْنِهِ وَلَهُ ابْنَانِ فَلَهُ الثُّلُثُ؛ إلى جميع المال وقد بطل الاستحقاق والإجازة فيبطل التفضيل ، كالمحاباة الثابتة فى ضمن البيع إذا بطل البيع تبطل المحاباة ، بخلاف الفصول الثلاثة ، لأن الوصية بالألف المرسلة والمحاباة لم تقع على حقّ الورثة قطعا لجواز نفاذها بأن يظهر له مال فتخرج من ثلثه بدون الإجازة ، والوصية بالعتق وصية بالسعاية ، وهى كالدراهم المرسلة ، بخلاف ما زاد على الثلث لأنه حقّ الورثة وإن كثرت التركة. ومن أوصى لرجل بثلث ماله إلا شيئا أو إلا قليلا فله نصف الثلث بیقین وبيان الزيادة علیه إلى الور ثة لأنها مجهولة . قال ( وإن أوصى بسهم من ماله فله السدس ) عند أبى حنيفة فى رواية الجامع الصغير فانه قال فيه : له أخس سهام الورثة إلا أن ينقص من السدس فيتمّ له السدس ولا يزاد عليه فكان حاصله أن له السدس . وعلى رواية كتاب الوصايا : له أخسّ سهام الورثة ما لم يزد على السدس. وقالا : له أخسّ السهام إلا أن يزيد على الثلث فيكون له الثلث . لهما أن السهم اسم لما يستحقه الورثة عرفا وشرعا ، وأقلّ السهام متيقن ، وما زاد عليه مشكوك ، ولا يزاد على الثلث لأن الثلث موضع الوصية عند عدم الإجازة . وله ما روى ابن مسعود رضى الله عنه أن رجلا أوصى بسهم من ماله ، فقضى رسول الله عليه الصلاة والسلام فیذلك بالسدس، ولأن السهم يذكر ويراد به السدس لغة . قال إياس : السهم فى اللغة السدس ، ويذكر ويراد به سهم من سهام الورثة فيعطى الأقلّ منهما احتياطا. فلومات وترك امرأة وابنا فللموصى له الثمن على رواية كتاب الوصايا فيزاد على ثمانية فيكون له تسع، وفى رواية الجامع له السدس . ولو ترك امرأة وأخا لأبوين فعنده السدس وعندهما الربع ويصير خمساً ؛ ولو ترك ابنين فعنده له السدس ، وعندهما الثلث ؛ ولو أوصى لرجل بسهم من ماله ثم مات ولا وارث له فله النصف لأن بيت المال بمنزلة ابن فصار كأن له ابنين ولا مانع من الزيادة على الثلث فصحّ . قال أبو يوسف : لو أوصى لعبده بجزء أو بنصيب أو بطائفة من ماله لا يعتق ؛ ولو أوصى بسهم من ماله عتق ، لأن السهم عبارة عن السدس أو عن أخسّ السهام ، وأنه معلوم فتنفذ الوصية فى جزء منه . أما الجزء والنصيب ليس بمعلوم فلا تنفذ فيه الوصية إلا بإعطاء الورثة ما شاءوا . قال ( ولو أوصى بجزء أعطاه الوارث ما شاء ) وكذلك النصيب والشقص والبعض لأنه اسم لشىء مجهول ، والوارث قائم مقام الموصى فكان البيان إليه . قال (ولو أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث ) لأنه إذا أخذ الثلث كان مثل نصيب ابنه ، ولو أخذ النصف كان أكثر، ولو أوصى بنصيب ابنه فهى باطلة لأنه وصية يمال الغير لأن نصيب الابن ما يصيبه بعد موت الأب ، بخلاف المثل لأن مثل الشىء غيره . - ٧٥ - وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ دَرَاهِمِهِ أَوْ ثُلُثِ غَنَمِهِ فَهَلَكَ ثُلُثَاهَا وَبَقِىَ ◌ُثُلُثْهَا وَهِىَ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ فَلَهُ جَمِيعُهُ (ز)، وكَذَا المَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَالنَّيّابُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً فَلَهُ ثُلُثُ الباقى، وكَذَلِكَ العَبِيدُ وَالدُّورُ ؛ وَمَنْ أوْصَى بِثُلُثِهِ لِزَيْدٍ وَ عَمْرٍوٍ وَعَمْرُوْ مَيِّتٌ فالثُّلُثُ لِزَيْدِ، وَلَوْ قالَ بْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍوٍ فَنِصْفُهُ لِزَيْدٍ؛ وَمَنْ أَوْصَ لِرَجُلٍ بِأَلْفٍ مِنْ مالِهِ وَلَهُ مالٌ عْنٌ وَدَيْنٌ وَالأَلْفُ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ العَْنِ دُفِعَتْ إِلَيْهِ ، قال ( ومن أوصى بثلث دراهمه أو ثلث غنمه فهلك ثلثاها وبقى ثلثها وهى تخرج من ثلثه فله جميعه ، وكذا المكيل والموزون والثياب من جنس واحد ، وإن كانت مختلفة فله ثلث الباقى ، وكذلك العبيد والدور ) وقال زفر : له ثلث الباقى فى الجميع لأن الكل مشترك بينهما ، فما هلك بهلك على الحقين، وما يبقى يبقى عليهما كسائر الأموال المشتركة وكما فى الأجناس المختلفة . ولنا أن الوصية تعلقت بالباقى لأنه يجوز أن يستحقه الموصى له بالقسمة مع الورثة لو قسم قبل الهلاك لأنه مما تجرى فيه القسمة جبرا وأنه إفراز فيه ، وكل ما تعلقت به الوصية وهو يخرج من ثلث المال فهو للموصى له ولا التفات إلى ما هلك ، ألا ترى أنه لو أوصى له بثلث شىء بعينه كالدابة والدار والعبد فاستحقّ ثلثاه كان له الثلث الباقى، ولا كذلك الأجناس المختلفة لأنه لا يجوز أن يستحقّ الموصى له الباقى بالقسمة، فلم تكن الوصية متعلقة به لأن القسمة لاتجرى فيه جبرا ، ولو كانت تكون مبادلة فلا يكون له إلا ثلث الباقى ضرورة المبادلة ، وهذا ظاهر فى الأجناس المختلفة ، إذ لاخلاف فى عدم قسمة الجبر فيها ؛ وأما الدور المختلفة والرقيق فكذلك عند أبى حنيفة لأنها لاتقسم عنده ؛ وأما على قولهما قالوا : ينبغى أن تكون كالثياب والغنم لأنها تقسم عندهما ، وقيل لا . أما الدور فانها تقسم عندهما إذا رأى القاضى ذلك مصلحة فكان فى معنى القسمة أضعف مما يقسم بكل حال . وأما الرقيق فانه وإن كان يقسم عندهما لكن التفاوت بينهما فاحش فصار كجنسين . قال (ومن أوصى بثلثه لزيد وعمرو وعمرو ميت فالثلث لزيد لأن عمرا إنما يزاحم لو كان حيا ، أما الميت لا يزاحم فبقى الثلث لزيد بلا مزاحم بقوله : ثلث مالى لزيد ، ولغا قوله وعمرو . وعن أبى يوسف إن علم بموت عمرو فكذلك لأنه علم أن ذكر عمرو لغو ، وإن لم يعلم لزيد نصف الثلث ، لأن من زعمه أن الوصية بينهما وأنه إنما أوصى لزيد بنصف الثلث فيكون كما زعم ( ولو قال : بين زيد وعمرو فنصفه لزيد ) لأن اللفظ يقتضى التنصيف بينها ، ألا يرى أنه لو قال : ثلث مالى لزيد وسكت كان جميع الثلث له ؟ ولو قال : بين زيد وسكت لا يستحقّ جميعه. قال ( ومن أوصى لرجل بألف من ماله وله مال عين ودين ، والألف يخرج من ثلث العين دفعت إليه ) لأنه أمكن تنفيذ الوصية من الثلث - ٧٦ - وَإِنْ كَمْ يَخْرُجْ مِنَ العَْنِ أُخِذَ ثُلُثُ العَيْنِ وَثَلُثُ مَا يُحَصَّلُ مِنَ الدَّيْنِ حَّى يَسْتَوَفِيهَا، وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِفُلانٍ وَلِلْمَسَاكِينِ فَنِصْفُهُ لِفُلانٍ وَنِصْفُهُ الْمَسَاكِينِ (م)؛ وَلَوْ أَوْضَى لِرَجُلِيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّهُمَا بِمِائَةٍ، ثُمَّ قَالَ لِآخَرَ: أَشْرَكْتُكَ مَعَهُما فَلَهُ ثُلُثُ كُلِّ مِائَةٍ؛ وَلَوْ قالَ لِوَرَتَتِهِ: لِفُلانِ عَلَىَّ دَيْنٌ فَصَدَقُوهُ يُصَدَّقُ إلى الثُّلُثِ؛ وَإِنْ أَوْصَى لِأَجْنَيِ وَوَارِثٍ فَالنَّصْفُ لِلأَجْنِّىّ وَبَطَلَ نِصْفُ الوَارِثِ . الذى هو محلها من غير إضرار بالورثة فينفذ ( وإن لم يخرج من العين أخذ ثلث العين وثلث ما يحصل من الدين حتى يستوفيها ) لأن التركة مشتركة بينهم فيشتركان فى العين والدين بقدر حصصهما ، لأن العين خير من الدين ، فلو اختصّ به أحدهما تضرّر الآخر فكان العدل فيما ذكرنا . قال ( ومن أوصى بثلثه لفلان وللمساكين ، فنصفه لفلان ونصفه للمساكين ) وقال محمد : ثلثاه للمساكين ، وأصله أن اسم المساكين عنده يتناول الاثنين فصاعدا ، لأن الوصية أخت الميراث ، والجمع فى باب الميراث يتناول الاثنين فصاعدا فكذا هذا . وعندهما يتناول الواحد فصاعدا ، لأن الألف واللام تقتضى الجنس ، ومتى تعذّر الصرف إلى الجنس يصرف إلى الأدنى وهو واحد كاليمين فى شرب الماء وتزويج النساء وكلام الناس فانه يحنث بشرب قطرة وتزويج امرأة وكلام واحد ، وههنا تعذّر صرفه إلى الجنس لأنهم لا يحصون فيصرف إلى الأدنى وهو الواحد ، وعلى هذا لو أوصى بثلثه للمساكين فعند مجمد لا يجوز صرفه إلى واحد . وعندهما يجوز لما مرّ . ولو أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين قال أبو حنيفة رحمه الله: سهم لفلان وسهم للمساكين وسهم للفقراء ، لأن الفقراء والمساكين صنفان فكأنه أوصى لثلاثة . وعند أبى يوسف رحمه الله : سهم لفلان وسهم للفقراء والمساكين لأنهما صنف واحد من حيث المعنى ، إذ كل واحد من الاسمين ينبئ عن الحاجة . وعند محمد رحمه الله: يقسم على خمسة أسهم : سهم لفلان ، ولكل صنف سهمان لما مرّ. قال (ولو أوصى لرجلين كلّ واحد منهما بمائة ثم قال لآخر : أشركتك معهما فله ثلث كل مائة ) تحقيقا للشركة ، إذ الشركة تقتضى المساواة . ولو أوصى لرجل بمائة ولآخر بخمسين ثم قال لآخر : أشركتك معهما ، فله نصف مالكل واحد ، لأنه تعذّر المساواة بين الكلّ لتفاوت المالين فحملناه على مساواة كل واحد منهما عملا بلفظ الشركة بقدر الإمكان . قال ( ولو قال لورثته : لفلان علىّ دين فصدّقوه يصدّق إلى الثلث ) أى إذا أدّعى أكثر من ذلك وكذبه الورثة لأنه إقرار بمجهول فلا يصحّ إلا بالبيان ، فعلمنا أنه قصد تقديمه على الورثة فأمضينا قصده وجعلناه وصية فتكون مقدرة بالثلث . قال ( وإن أوصى لأجنبىّ ووارث فالنصف للأجنبى وبطل نصف الوارث ) ٢ - ٧٧ - وَمَنْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ فَهُمُ الْمُلَاصِقُونَ (سم)، والأصْهارُ: كُلَّ ذِى رَحِمٍ "َحْرَمٍ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَالْأَخْتَانُ: زَوْجُ كُلّ ذَاتٍ رَحِمٍ مْرَمٍ مِنْهُ، وَالأهْلُ}: الزَّوْجَةُ (سم) لأنه أوصى بما يملك وما لا يملك فيصحّ فيما يملك وتبطل فى الآخر ، بخلاف الوصية للحىّ والميت لأن الميت ليس أهلا للتمليك فلا يكون مزاحما . أما الوارث أهل حتى يصحّ باجازة باقى الورثة فيصلح مزاحما . فصل ( ومن أوصى لجيرانه فهم الملاصقون) عند أبى حنيفة وزفر رحمهما الله ، وهو القياس لأنه من المجاورة، وهى الملاصقة. قال عليه الصلاة والسلام ((الجار أحق" بصقبه)) والمراد الملازق لأن غيره لا يستحقّ الشفعة . وقالا : الملاصقون وغيرهم ممن يصلى فى مسجد تلك السكة ، وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله، وهو الاستحسان لأنهم يسمون جيرانا عرفا ، يقال : جار ملاصق وغير ملاصق ، وقد قال عليه الصلاة والسلام (( لاصلاة لجار المسجد إلا فى المسجد)) وفسر بكلّ من سمع النداء ولأن قصده البرّ ، وهو فيما ذكرناه أعمّ إلا أنه لابدّ من الاختلاط بينهم، وذلك باتحاد المسجد والمالك والساكن فيه سواء ، وكذلك الذكر والأنثى والصغير والكبير والمسلم والذمى ، لأن اسم الجار يتناولهم . قال (والأصهار : كلّ ذى رحم محرم من زوجته) لأن النبيّ عليه الصلاة والسلام أعتق كلّ ذى رحم محرم من زوجته صفية (١)، وكانوا يسمون أصهار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويدخل فيه كلّ ذى رحم محرم من زوجة كلّ ذى رحم محرم منه ، فلو مات بعد زوال النكاح بطلت الوصية ، لأنه يشترط وجود الصهرية عند الموت وبقاؤها ببقاء النكاح . قال ( والأختان : زوج كلّ ذات رحم مجرم منه ) ويدخل فيه الأقرب والأبعد والعبد والحرّ لتناول اللفظ الجميع . ومن كلامهم : نعم الختن القبر. وعند أهل اللغة اختلاف فى الأصهار والأختان غير ما ذكرنا ، والعرف على ما ذكرنا والحكم به . قال ( والأهل: الزوجة ) وعندها كلّ من يعوله وتجمعه نفقته ومنزله من الأحرار دون الرقيق ، وإن كان يعوله وليس فى منزله لا يدخل عملا بالعرف . قال تعالى - وأتونى بأهلكم أجمعين - ولأبى حنيفة رحمه اللّه أن الحقيقة ما ذكرنا ، يقال: تأهل فلان ببلد كذا إذا تزوّج بها ، وانصراف الفهم إليه عند الإطلاق دليل الحقيقة . وقال تعالى - (١) قوله صفية ، قال الشلى على الزيلعى: صوابه: جويرية ذكره أبو داود . - ٧٨ - وَالآلُ: أَهْلُ بَيْتِهِ، وأَهْلُ نَسَبِهِ: مَنْ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الأبِ، وَجِنْسُهُ: أَهْلُ بَيْتِ أبِيهِ، وَإِن أَوْصَ لِأَقْرِبائِهِ، أَوْ لِذَوِى قَرَابَتِهِ، أَوْ لِأَرْحَامِهِ، أوْ لِذَوِى أَرْحَامِهِ، أَوْ لِأَنْسابِهِ فَهُمُ اثْنَانِ (سم) فَصَاعِدًاً مِنْ كّلَّ ذِى رَحِمٍ ◌َحْرَمٍ مِنْهُ غْرِ الوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ؛ وفِىِ الجَدّ رِوَايَتَانِ، قال لأهله امكثوا - أى لزوجته ، وقال تعالى - فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله - أى زوجته بنت شعيب عليه السلام. قال (والآل: أهل بيته) لأن آل فلان قبيلته التى ينسب إليها . ولو أوصى لأهل بيت فلان يدخل فيه أبوه وجدّه ، لأن الأب أصل البيت . قال ( وأهل نسبه: من ينتسب إليه من جهة الأب ) لأن النسب إلى الآباء . قال ( وجنسه : أهل بيت أبيه ) لأن الشخص يتجنس بأبيه ، فابن التركى تركى ، وابن الهندى هندى . فالحاصل أن أهل البيت والنسب والجنس والآل أقرباؤه من قبل أبيه إلى أقصى جدّ يجمعهم فى الإسلام ، ويدخل فيه الغنى والفقير وإن كانوا لايحصون ، لأن اسم القرابة يتناولهما ، والوصية للغنىّ القريب قربة لأنه صلة الرحم. قال ( وإن أوصى لأقربائه أو لذوى قرابته ، أو الأرحامه ، أو لذوى أرحامه، أو لأنسابه فهم اثنان فصاعدا من كلّ ذى رحم محرم منه ، غير الوالدين والمولودين ؛ وفى الجدّ روايتان) وقال : يستحقه الواحد ويستوى فيه المحرم وغير المحرم والقريب والبعيد إلى كل من ينتسب إلى أقصى أب له فى الإسلام، لأن القرابة تنتظم الكل لما روى ((أنه لما نزل قوله تعالى - وأنذر عشيرتك الأقربين - صعد النبيّ عليه الصلاة والسلام الصفا وقال : يابنى فلان ، يا بنى فلان حتى دعا قبائل قريش، وقال لهم: إنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد)) فدلّ أن القرابة تتناول القريب والبعيد . وقولهما إلى أقصى أب له فى الإسلام كالعباسى والعاوي يدخل فى وصيته كلّ من ينسب إلى العباس وإلى علىّ رضى الله عنهما، لأن الجدّ المسلم صار هو البيت وشرفوا به فلا اعتبار بمن تقدّمه ممن لم يسلم ولأبى حنيفة أن قوله لذوى قرابتى اسم جمع ، والمثنى جمع من وجه لوجود الاجتماع ، ولأن الوصية أخت الميراث ، وأقلّ الجمع فى الميراث اثنان ، ولأن المقصود بها الصلة فتختص بالرحم المحرم كالنفقة ، ويستوى فيه الرجال والنساء للإطلاق ، ولا يدخل فيه الوالد والولد . قال تعالى - للوالدين والأقربين - والمعطوف غير المعطوف عليه، وإذا لم يكن الوالد قريبا للولد لا يكون الولد قريبا له ، ولا يدخل الجدّ والجدّة وولد الولد من ذكر وأنثى لأنهم ليسوا أقرباء ، لأن القريب لغة : من يتقرّب إلى غيره بواسطة غيره ، وتكون الجزئية بينهما منعدمة، وتقرّب الوالد والولد بنفسه لابغيره ، والجدّ والحفدة الجزئية بينهما ثابتة، ويشترط أن لا يكون وارثا لأن الوصية لا تصحّ للوارث . : - ٧٩ - وَيُعْتَبَرُ الْأَقْرَبُ فالأقْرَبُ، فإنْ كانَ لَهُ عَمّ وَخالانٍ فَلِلْعَمَّ النَّصْفُ وَلَدْخاَلْنٍ النَّصْفُ (سم)، وفِى عَمَّئْنِ وَخَالَيْنِ الكُلُّ لِلْعَمَّينِ (سم)، وَلَوْ كانَ لَهُ عَمّ وَاحِدٌ فَلَهُ نِصْفُ الثُّلُثِ (سم) وَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَّ وَعَمَّةٌ وَخَالٌ فَالوَصِيَّةُ لِلْعَمْ" وَالعَمَّةِ سَوَاءٌ، وَإِنْ قالَ لِذِى قَرَابَتِهِ أَوْ ذِى نَسَبِهِ فَكَذَلِكَ، إلاَّ أنَّ الوَاحِدَ يَسْتَحِقُّ الكُلَّ، فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذُو رَحِمٍ تَحْرَمٍ بَطَلَتِ (سم) الوَصِيَّةُ أوْصَ لِبِسِنِىِ فُلانٍ وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ كَبَّنِى تَمِيمٍ فَهِىَ لِلذَّكّرِّ وَالْأُنْسَى وَالْفَقِيرِ وَالغَنِىّ، وَإنْ كانُوا لِأُ يُحْصَوْنَ فَهِىَ بَاطِلَةٌ . قال ( ويعتبر الأقرب فالأقرب) عند أبى حنيفة أيضا ( فان كان له عمّ وخالان فللعم" النصف وللخالين النصف ) وقالا : بينهم أثلاثا (وفى عمين وخالين الكل للعمين ) وعندهما بينهم أرباعا . لأبى حنيفة أن الوصية أخت الميراث فيعتبر الأقرب فالأقرب كما فى الميراث ، فلا يرث الخال مع العمين، وفى المسألة الأولى للعمّ النصف لأنه لابدّ من التثنية لما مرْ عنده فبقى الباقى للخالين . ولهما ما تقدم أن اسم القريب يتناول القريب والبعيد على مامرّ . قال ( ولو كان له عمّ واحد فله نصف الثلث) عنده، وعندهما جميعه ( وإن كان له عمّ وعمة وخال فالوصية للعمّ والعمة سواء) لاستوائهما فى القرابة وهى أقوى من الخئولة والعمة. وإن لم تكن وارثة تستحقّ الوصية بلفظ القرابة، كما إذا كان القريب عبدا أو كافرا . قال ( وإن قال لذى قرابته أو ذى نسبه فكذلك ) الخلاف ( إلا أن الواحد يستحقّ الكل) بالإجماع ، لأن لفظ ذى فرد فيستحقه الواحد، ففى مسألة العمّ والخالين يستحقّ العم" الجميع لما قلنا ؛ ولو قال لذوى قرابته أو لأنسابه الأقرب فالأقرب يستحقّ الواحد الجميع إذا انفرد ، لأن قوله الأقرب فالأقرب خرج تفسيرا لما تقدّم ، والأقرب اسم فرد ، ويدخل فيه ذو الرحم المحرم وغيره ، لأن قوله الأقرب فالأقرب يتناول الكلّ ، ويثبت الاستحقاق للأبعد عند عدم الأقرب ، ولا يأخذ معه عملا بقوله الأقرب فالأقرب . قال ( فان لم يكن له ذو رَحم محرم بطلت الوصية ) عند أبى حنيفة خلافا لهما ، والأصل مامرّ . قال ( أوصى لبنى فلان وهو أبو قبيلة كبنى تميم فهى للذكر والأنثى والفقير والغنىّ وإن كانوا لا يحصون فهى باطلة ) والأصل فيه أن كل وصية يحصى عدد أهلها فهى جائزة ، وهى بينهم بالسوية على عدد رءوسهم الذكر والأنثى فهى سواء ، ويدخل فيها الغنى والفقير، لأن الحقّ يجوز إثباته لمعين من بنى آدم فإن التسليم إليه ممكن ، ولا دلالة على التخصيص فصحت الوصية ، وإن كان لايحصى عددهم فعلى ثلاثة أوجه : أحدها أن تكون الوصية لا يدخل فيها غنىّ كقوله : فقراء بنى تميم أو مساكينهم فالوصية صحيحة ، وتكون الوصية لمن قدر عليه منهم ، لأن الوصية وقعت لله تعالى والفقراء مصارفها . - ٨٠ - وَإِنْ كَانَ أَبَا صُلْبٍ فالوَصِيَّةُ لِلذَّكُورِ (سم) خاصَّةٌ؛ وَلَوْ أوْصَى لِأَيْنَامِ بَنِى فُلانِ أوْ عُمْيَانِهِمْ أوْ زَمْنَاهُمْ أَوْ أَرَامِلِهِمْ وَهُمْ يُحْصَوْنَ فَهِى لِلْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِياءِ، وَإنْ كانُوا لاُ يُحْصَوْنَ فَلَلْفُقَرَاءِ خاصَّةً. والثانى أن يكون لفظ الوصية يقع الفقير والغنىّ ولا يختصّ به أحدهما فهى باطلة ، كقوله لبنى تميم لأنها تثبت للعباد ، ولا يمكن تنفيدها لجميع بنى تميم لأنهم لا يحصون ، ولا يمكن تنفيذها للبعض لأنه ليس بأولى من البعض الآخر فبطلت ، بخلاف الوجه الأوّل لأن الموصى له واحد ، وهو اللّه تعالى. الوجه الثالث أن يكون اللفظ يتناول الفقير والغنىّ ، لكن قد يستعمل اللفظ فى ذوى الحاجة كقوله : يتامى بنى تميم ، أو عميان بنى تميمٍ ، أو زمنى بنى تميم ، أو أرامل بنى تميم ، فان كانوا يحصون فالاسم يقع على الفقير والغنى وتكون الوصية لهما ، لأنهم معينون يمكن التسليم إليهم فيجرى اللفظ على إطلاقه ، وإن كانوا لايحصون كان للفقراء منهم ، لأن هذا اللفظ يذكر ويراد به غالبا أهل الحاجة ، فان اللّه تعالى ذكر اليتامى فى آية الخمس وأراد الفقراء منهم فوجب تخصيص الوصية وحملها على أهل الحاجة منهم ، ولأن القرابة والثواب فيهم أكثر وهو المقصود غالبا ، ويستوى فيه الذكر والأنثى ، لأن الاستحقاق بالعقد لا يتفضل فيه الذكر والأنثى كالاستحقاق بالبيع ، ولو قال : لفقراء بنى فلان وهو أبو قبيلة لايحصون دخل مواليهمٍ فى الوصية مولى الموالاة ومولى العتاقة وحلفاؤهم ، وإن كانوا بنى أب ليس بقبيلة يختصّ ببنى فلان من العرب دون الموالى والحلفاء، لأنهم إذا لم يحصوا فالمراد بها النسبة وذلك موجود فى الموالى والحلفاء وإذا ذكر البنوّة ممن يحصون فالمراد الأولاد دون النسبة . قال ( وإن كان أبا صلب فالوصية للذكور خاصة ) عند أبى حنيفة رحمه اللّه، وكان يقول أوّلًا : هو للذكور والإناث، وهو قولهما لأنه متى اختلط الذكور والإناث فخطاب الرجال يعمّ الجميع كقولهم : بنو آدم وبنو هاشم . ولأبى حنيفة رحمه اللّه أن حقيقة اللفظ للذكر خاصة وما ذكره مجاز ، والعمل بالحقيقة أولى . وقال أبو حنيفة رحمه الله: لو لم يكن لفلان ولد لصلبه يعطى ولد ولده من قبل الرجال دون الإناث ، ولا يشترك فى هذا النساء مع الرجال ، إنما هى للرجال خاصة ، بخلاف اسم الولد على ما يأتى إن شاء اللّه تعالى . قال ( ولو أوصى لأيتام بنى فلان أو عميانهم أو زمناهم أو أراملهم وهم يحصون فهى للفقراء الأغنياء ، وإن كانوا لا يحصون فللفقراء خاصة) وقد مرّ ، وكذلك إذا أوصى لمجاورى مكة فهى كالوصية للأيتام ؛ واليقيم : كلّ من مات أبوه ولم يبلغ الحلم ، غنيا كان أو ففيرا؛ والأرملة: كلّ امرأة بالغة فقيرة فارقها زوجها أو مات عنها ، دخل بها أو لم يدخل من قولهم: