النص المفهرس
صفحات 41-60
- ٤١ - وَعَمْدُ الصَّبِّ وَالْمَجْنُونِ خَطأٌ . فصل الشِّجَاجُ عَشَرَةٌ: الْخَارِصَةُ، وَهِىَ الَّتِى تَخْرُصُ الجِدْدَ. ثُمَّ الدَّامِعَةُ الَّتِى تَخْرِجَ ما يُشْبِهُ الدَّمْعَ. ثُمَّ الدَّامِيَةُ الَّتِى تُخْرِجُ الدَّمَ. ◌ُثُمَّ الباضِعَةُ الَِّى تَبْضَعُ اللَّحْمَ. ثُمَّ المُتْلَاحِمَةُ الَّتِى تَأْخُذُ فى اللَّحْمِ. ثُمَّ السَّمْحَاقُ، وَهَوَ جِلْدَةٌ فَوْقَ العَظْمِ تَصِلُ إليها الشَّجَّةُ. ◌ُثُمَّ المُوضِحَةُ الَِّ تُوضِحُ العَظْمَ مُثُّ الهَاشِمَةُ النَِّى تَهْشِمُ العَظْمَ. ◌ُثُمَّ المُنَقِّلَةُ الَّتِى تَنْقُلُ العَظْمَ بَعْدَ الكَسْرِ مُثُّ الْآمَّةُ الّتِى تَصِلُ إلى أُمّ الدّمَاغِ. وقالا : ينظر إلى أرش الأصبع والأصبعين وإلى حكومة العدل فى الكفّ؛ فيدخل الأقل" فى الأكثر لأنهما جنايتان بفعل واحد فى محلّ واحد فلا يجب الأرشان ، ولا سبيل إلى إهدار أحدهما فرجحنا بالأكثر كالموضحة إذا أسقطت بعض شعر الرأس . وله أن الأصابع أصل والكف تبع ، لأن البطش يقوم بها ، ولأن قطع الأصابع يوجب الدية كاملة ، ولا كذلك قطع الكف ، والأصل وإن قلّ يستتبع التبع ، بخلاف ما ذكر لأن أحدهما ليس تبعا للآخر ؛ ولو قطع الكف وفيه ثلاث أصابع وجب أرش الأصابع بالإجماع لأن الأصابع هى الأصل لما بينا، وللأكثر حكم الكلّ . قال ( وعمد الصبىّ والمجنون خطأ ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((عمد الصبىّ خطأ)) وروى أن مجنونا قتل رجلا بسيف فقضى علىّ رضى الله عنه بالدية على عاقلته من غير نكير ، ولأن القصاص عقوبة ولا يستحقان العقوبة بفعلهما كالحدود ، وكذا من أحكام العمد المأثم ولا إثم عليهما . فصل (الشجاج عشرة : الخارصة وهى التى تخرص الجلد) أى تشقه أو تخدشه ولا يخرج الدم ( ثم الدامعة التى تخرج ما يشبه الدمع ) وقيل التى تظهر الدم ولا تسيله كالدمع فى العين ( ثم الدامية التى تخرج الدم) وتسيله ( ثم الباضعة التى تبضع اللحم) أى تقطعه ، وقيل تقطع الجلد ( ثم المتلاحمة التى تأخذ فى اللحم) وعلى الوجه الأوّل تأخذ فى اللحم أكثر من الباضعة ( ثم السمحاق ، وهو جلدة فوق العظم تصل إليها الشجة، ثم الموضحة التى توضح العظم ) أى تكشفه ( ثم الهاشمة التى تهشم العظم) أى تكسره ( ثم المنقلة التى تنقل العظم بعد الكسر، ثم الآمة التى تصل إلى أمّ الدماغ) وهى جلدة تحت العظم فيها الدماغ، قالوا ثم الدامغة ، وهى التى تخرق الجلد وتصل إلى أمّ الدماغ ولم يذكرها محمد إذ لافائدة فى ذكرها فانه لا يعيش - ٤٢ - فَفِى الْمُوضِحَةِ القِصَاصُ إنْ كانَتْ عَمْدًا، وفِى الَّتِى قَبْلَهَا حُكُومَةُ عَدْلِ، وفِى المَوضِحَةِ الْخَطاِ نِصْفُ عُشْرِ الدّيَةِ؛ وفِىِ الهَاشِمَةِ العُشْرُ؛ وفِى المُتَقَّلَةِ عَشْر وَنِصْفَ؛ وفِى الْآمَّةِ الثلُثُ، وكذا الجائِفَةُ، فاذَا نَفَذَتْ فَقُلُثَانِ، وَالشجاجُ يَخْتَصَّ بالوَجْهِ وَالرأسِ والجائِفَةُ بالجَوْفِ وَالجَنْبِ وَالظَّهْرِ ، وَمَا سِوَى ذلكَ جِرَاحاتٌ فِيها حُكُومَةُ عَدْلِ؛ وَحُكُومَةُ العَدْلِ أنْ يُقَوَّمَ المَجْرُوحُ عَبْدًا سالمًا وَسَلِيماً فما نَقَصَتِ الْجِراحَةُ مِنَ القِيمَةِ يُعْتَبَرُ مِنَ الدّيّةِ، معها وليس لها حكم ، ولم يذكر الخارصة والدامعة لأنها لا يبقى لها أثر غالبا ، والشجة التى لا أثر لها لاحكم لها . قال ( ففى الموضحة القصاص إن كانت عمدا) لقوله تعالى - والجروح قصاص - وأنه ممكن فيها لأنه يمكن أن ينهى السكين إلى العظم فتتحقق المساواة ، وقد قضى عليه الصلاة والسلام بالقصاص فى الموضحة . قال ( وفى التى قبلها حكومة عدل ) لأنه ليس فيها أرش مقدّر ولا يمكن إهدارها فتجب الحكومة . قال عمر بن عبد العزيز : ما دون الموضحة خدوش فيها حكومة عدل . وعن محمد فى الأصل : فيما قبل الموضحة القصاص دون ما بعدها لأنه يمكن اعتبار المساواة فيما قبلها بمعرفة قدر الجراحة بمسمار ثم تؤخذ حديدة على قدرها وينفذ فى اللحم إلى آخرها فيستوفى مثل ما فعل لقوله تعالى - والجروح قصاص - ولا يمكن ذلك فيما بعدها ، لأن كسر العظم وتنقله لا تمكن المساواة فيه . قال ( وفى الموضحة الخطأ نصف عشر الدية، وفى الهاشمة العشر ، وفى المنقلة عشر ونصف ، وفى الآمَّة الثلث ، وكذا الجائفة ، فاذا نفذت فثلثان ) لما روى عمرو بن حزم أن النبىّ عليه الصلاة والسلام كتب له ((وفى الموضحة خمس من الإبل ، وفى الهاشمة عشر ، وفى المنقلة خمسة عشر، وفى الآمة ثلث الدية)) وقال عليه الصلاة والسلام ((فى الجائفة ثلث الدية )) وعن أبى بكر رضى الله عنه أنه حكم فى جائفة نفذت بثلثى الدية، لأنها إذا نفذت فهى جائفتان. قال ( والشجاج يختصّ بالوجه والرأس ) لغة كالخدّين والذقن واللحيين والجبهة ( والجائفة بالجوف والجنب والظهر وما سوى ذلك جراحات فيها حكومة عدل ) لأنها غير مقدّرة ولا مهدرة فتجب حكومة عدل . قال ( وحكومة العدل أن يقوم المجروح عبدا سالما وسليما ) أى صحيحا وجريحا ( فما نقصت الجراحة من القيمة يعتبر من الدية ) فإن نقصت عشر القيمة تجب عشر الدية وعلى هذا ، وأراد بالسليم الجريح ، وإن كان موضوعا للديغ استعارة لأنه فى معناه ، وهذا عند الطحاوى لأن الحرّ لا يمكن تقويمه والقيمة للغبد كالدية للحرّ، فما أوجبت نقصا فى أحدثما اعتبر بالآخر. وقال الكرخى: يؤخذ مقداره من الشجة التى لها أرش مقدّر بالخزر فينظر كم مقدار هذه الشجة من الموضحة - ٤٣ - وَمَنْ شَجَّ رَجُلاً فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ شَعْرُ رأسِهِ دَخَلَ فِيهِ أَرْشُ المُوضِحَةِ ؛ وَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ كَلامُهُ لَمْ تَدْخُلْ، وَيَجِبُ أَرْشُ المُوضِحَةِ مَعَ ذلكَ وَلا يُقْتَصُ مِنَ الْمُوضِحَةِ وَالطَّرَفِ حَّى تْبرأ ، وَلَوْ شَجَّهُ فالتّحَمَتْ وَنَبَتَ الشَّعْرُ سَقَطَ (س) الأرْشُ. فیجب بقدره من نصف عشر الدیة قال ( ومن شجّ رجلا فذهب عقله أو شعر رأسه دخل فيه أرش الموضحة) لأن العقل إذا فات فات منفعة جميع الأعضاء فصار كما إذا شجه فمات ؛ وأما الشعر فلأن أرش الموضحة يجب لفوات بعض الشعر حتى لونبتت سقط الأرش ، والدية تجب بفوات جميع الشعر، وقد تعلقا بفعل واحد فيدخل الجزء فى الكل كما لو قطع أصبعه فشلت يده . قال ( وإن ذهب سمعه أو بصره أو كلامه لم تدخل، ويجب أرش الموضحة مع ذلك) لما روينا عن عمر رضى الله عنه أنه قضى فى ضربة واحدة بأربع ديات ولأن منفعة كل عضو من هذه الأعضاء مختصة به لا تتعدى إلى غيره فأشبه الأعضاء المختلفة بخلاف العقل فان منفعته تتعدّى إلى جميع الأعضاء . وعن أبى يوسف أن الشجة تدخل فى دية السمع والكلام دون البصر، لأن السمع والكلام أمر باطن فاعتبره بالعقل؛ أما البصر أمرظاهر فلا يلتحق به . وطريق معرفة ذهاب هذه الأشياء وبقائها اعتراف الجانى أوتصديقه للمجنى عليه أو بنكوله عن اليمين كما فى سائر الحقوق ويعرف البصر بأن ينظره عدلان من الأطباء لأنه ظاهر يعرف ؛ ومن أصحابنا من قال : يستعلم البصر بأن يجعل بين يديه حية يختبر حاله بها . وأما السمع فيستغفل المدعى ذهاب سمعه كما روى أن رجلا ضرب امرأة فادّعت ذهاب سمعها ، فاحتكما إلى القاضى إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة فتشاغل عنها ثم التفت إليها فقال: غطى عورتك فجمعت ذيلها فعلم أنها كاذبة . وأما الكلام فيعرف بأن يستغفل حتى يسمع كلامه أولا. وأما الشم فيختبر بالرائحة الكريهة فان جمع منها وجهه علم أنه كاذب . قال ( ولا يقتصّ من الموضحة والطرف حتى تبرأ) لما روى أن رجلا جرح حسان بن ثابت فجاء الأنصار إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فطلبوا القصاص فقال: ((انتظروا مايكون من صاحبكم)) فأما الجراحة الخطأ فلا شبهة فيها لأنها إن اقتصرت فظاهر وإن سرت فقد أخذ بعض الدية فيأخذ الباقى . قال ( ولو شجه فالمتحمت ونبت الشعر سقط الأرش ) لزوال الموجب وهو الشين . وقال أبو يوسف : عليه أرش الألم ، لأن الشين وإن زال فالألم الحاصل ما زال فيقوّم الألم . وقال محمد : عليه أجرة الطبيب لأنه لزمه بسبب فعله فكأنه أخذه من ماله . - ٤٤ - وَمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأةٍ فَأَلْقَتْ جَنِيِنا مَيِّنًا فَفِيهِ غُرَّةٌ خَمْسُونَ دِينارًاً عَى العاقِلَةِ ذَكَرًا كانَ أَوْ أُنْسَّى، وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيّا ◌ُثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدّيَّةُ عَلَى العاقِلَةِ وَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ؛ وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتْاُثُمَّ ماتَتْ فَفِيهِ دَيُتها وَالغُرَّةُ، وَإِن ماتَتْ ◌ُثم ألْقَتْهُ مَيْتًا فَفِيها الدّيّةُ وَلَا شَىْءَ فِيهِ، وَإِنْ مَاتَتْ ◌ٌثُمَّ خَرَجَ حَيَّا ثُمَّ ماتَ فَدِ يَتَانِ، فإنْ أَلْقَتْ جَنِيِنَْنِ مَيِّتَيْنِ فَفِيهِما غُرَّتَانِ، فإنْ أَلْقَتَ أَحَدَهُمَا مَبَّنَا وَالآخَرَ حَيَّا ◌ُثم ماتَ فَفِى المَيِّتِ الغُرَّةُ وفِىِ الحَىّ دِيَةٌ كامِلَةٌ ، وتَجِبُ الغُرَُّ فِى سَنّةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنِ اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ ولمْ يَمَّ فَفِيهِ الغُرَّة فصل ( ومن ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا ففيه غرّة خمسون دينارا على العاقلة ذكرا كان أو أنثى ) والقياس أن لا يجب فيه شىء لأنه لا يعلم حياته، والظاهر لا يصلح للإلزام إلا أنا تركنا القياس ، لما روى (( أن امرأة ضربت بطن ضرّها بعمود فسطاط فألقت جنينا ميتا، فاختصما إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فحكم على عاقلة الضاربة بالغرّة عبدا أو أمة أو قيمتها خمسمائة)) وفى رواية ((أو خمسمائة)) ولم يستفسر ذكرا كان أو أنثى، ولأنه يتعذّر التمييز بين الذكر والأنثى فى الجنين فيسقط اعتباره دفعا للحرج، وفى رواية (( فألقت جنينا ميتا وماتت ، فقضى النبىّ عليه الصلاة والسلام على عاقلة الضاربة بالدية وبغرة الجنين)) رواه المغيرة وقال: فقام عمّ الجنين فقال: إنه قد أشعر، وقام والد الضاربة ، وفى رواية أخوها عمران بن عويمر الأسلمى فقال : كيف ندى من لاأكل ولا شرب ولا صاح ولا استهلّ ودم مثل ذلك يطلّ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((أسمع كسجع الكهان فيه غرّة عبد أو أمة)) وكذلك رواه محمد بن مسلمة. قال (وإن ألقته حيا ثم مات ففيه الدية على العاقلة وعليه الكفارة ) لأنه صار قاتلا ( وإن ألقته ميتا ثم ماتت ففيه ديتها والغرّة) لما روينا ( وإن ماتت ثم ألقته ميتا ففيها الدية ولا شىء فيه ) لأن موتها سبب لموته لأنه يختنق بموتها فانه إنما يتنفس بنفسها واحتمل موته بالضربة فلا تجب الغرّة بالشكّ ( وإن ماتت ثم خرج حيا ثم مات فديتان ) لأنه قتل نفسين ( فان ألقت جنينين ميتين ففيهما غرّتان ) لأنه عليه الصلاة والسلام قضى فى الجنين بغرّة فيكون فى الجنينين غرّتان ، ولأن من أتلف شخصين بضربة واحدة ضمن كل واحد منهما كالكبيرين ( فان ألقت أحدهما ميتا والآخر حيا ثم مات ففى الميت الغرّة وفى الحىّ دية كاملة ) اعتبارا لهما بحالة الانفراد ( رأبب الغرّة فى سنة واحدة ) هكذا روى عن النبىّ عليه الصلاة والسلام ( وإن استبان بعض خلقه ولم يتمّ ففيه الغرّة) لأنا نعلم أنه ولد فكان كالكامل ، والنبىّ عليه الصلاة والسلام قضى فى الجنين بالغرّة - ٤٥ - وَلَا كَفَّارَةَ فى الجَنِينِ، وَمَا يَجِبُ فِيهِ مَوْرُ وثٌّ عَنْهُ، وفِى جَنَينِ الأمَةِ نصْفُ عُشْرٍ قيمَتَهِ لَوْ كانَ حَيَّا إنْ كانَ ذَكَرًا، وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوَ كَانَ أُنْنى. فصل وَمَنْ أَخْرَجَ إلى طَرِيقِ العامَّةِ رَوْشَنَا أَوْ مِيزابا أوْ كَنِيفًا أَوْ دُكَّنَا فَلِرَجُلٍ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ أنْ يَنْتَزِعَهُ، فانْ سَقَطَ عَلَى إنسانٍ فَعَطِبَ فالدّيَّةُ عَلَى عاقلَتِهِ، وَإِنْ أصَابَهُ طَرَفُ المِيْزَابِ الَّذِى فِ الحائِطِ فَلا ضَانَ فِيهِ، وَإِنْ أَصَابَه الطَّرَفُ الْخَارِجُ ضَمِينَ ، ولم يفصل ولم يسأل . قال ( ولا كفارة فى الجنين ) لأن القتل غير متحقق لجواز أن لاحياة فيه ، وقد بينا أن ما وجب فيه على خلاف القياس بالنصّ، ولأنه ورد فى الغرّة لاغير ، والكفارات طريقها التوقيف أو الاتفاق . قال ( وما يجب فيه موروث عنه ) لأنه بدل عن نفسه فيورث كالدية ولا يرث الضارب منها لأنه قاتل . قال ( وفى جنين الأمة نصف عشر قيمته لو كانه حيا إن كان ذكرا ، وعشر قيمته لو كان أنثى ) لأن الواجب فى جنين الحرّة خمسمائة ، وهى نصف عشر الدية ، والدية من الحرّة كالقيمة من العبد فيعتبر به ، وغرّة الجنين فى مال الضارب ، لأن العاقلة لاتعقل العبيد . وفى الفتاوى : معتدّة حامل احتالت لانقضاء عدّتها باسقاط الحمل فعليها الغرّة للزوج ولا ترث منه ، وقد مرّ الوجه فيه . فصل ( ومن أخرج إلى طريق العامة روشنا أو ميزابا أو كنيفا أو دكانا فلرجل من عرض الناس أن ينتزعه ) لأن المرور فى الطريق العامّ حقّ مشترك بين جميع الناس بأنفسهم ودوابهم ، فله أن ينقضه كما فى الملك المشترك إذا بنى فيه أحدهم شيئا كان لكلّ واحد منهم نقضه كذا هذا . قال (فإن سقط على إنسان فعطب فالدية على عاقلته) لأنه تسبب إلى التلف وهو متعدّ فيه بشغل طريق المسلمين وهواه بما ليس له حقّ الشغل ؛ ولو فعل ذلك بأمر السلطان لا يضمن لأنه صار مباحا مطلقا لأنه نائب عن جماعة المسلمين ؛ ولو باع الدار بعد ذلك لايبرأ عن الضمان لأن الجناية وجدت منه وهى باقية قال ( وإن أصابه طرف الميزاب الذى فى الحائط فلا ضمان فيه١) لأنه غير متعدً فى السبب، لأن طرفه الداخل موضوع فى ملكه ( وإن أصابه الطرف الخارج ضمن ) لأنه متعدّ فيه . -٤٦ - وَنْ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ أَوْ لايُعَلَمُ ضَمِنَّ نِصْفَ الدّيّةِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ لايَسْتَضِرُّ بِهِ أحَدَّ جازَ لَهُ الإِنْتِفاعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَضِرُّ بِهِ أحَدٌ يُكْرَهُ، وَلَيْس لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّرْبِ الغَيْرِ النَّافِذِ أنْ يَفْعَلَ ذلكَ إلاَّ بأمْرِهِمْ، وَلَوْ وَضَعَ جَمْرًا فى الطَّرِيقِ ضَمِنَ ما أَحْرَقَ فى ذلكَ المَوضِعِ؛ وَإِذَا مالَ حائِطُ إِنْسانِ إلى طَرِيقِ العامَّةِ فَطالَبَهُ بِنَقْضِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِىٌّ فَلَمْ يَنْقُضْهُ فى مُدَّةِ أَمْكِّنَهُ نَقْضُهُ فِيها حتّى سَقَطَ ضَمِنَ ما تَلِفَ بِهِ . ( وإن أصابه الطرفان أو لايعلم ضمن نصف الدية) لأن إضافة الموت إلى أحدهما ليس بأولى من الآخر فيضاف إليهما ( ثم إن كان لا يستضرّ به أحد جاز له الانتفاع به) لأن له فيه حقّ المرورولاضرر فيه فيجوز ( وإن كان يستضرّ به أحد بكره ) لأن الإضرار بالناس حرام عقلا وشرعا . قال ( وليس لأحد من أهل الدرب الغير النافذ أن يفعل ذلك إلا بأمرهم ) لأن الطريق مشترك بينهم فصار كالدار المشتركة ؛ وإن كان مما جرت به عادة السكنى كوضع المتاع ونحوه لم يضمن لأنه غير متعدّ نظرا إلى العادة . قال ( ولو وضع جرا فى الطريق ضمن ما أحرق فى ذلك الموضع ) فان حرّكته الريح إلى موضع آخر لم يضمن ما أحرق فى ذلك الموضع إلا أن يكون يوم ريح ؛ وكذا صبّ الماء وربط الدابة ووضع الخشبة وإلقاء التراب واتخاذ الطين ووضع المتاع ؛ وكذا لو قعد فى الطريق ليستريح أو ضعف عن المشى لإعياء أو مرض فعثر به أحد فمات وجبت الدية لما قلنا إنه متعدّ فى السبب فصار كحافر البئر على ما مرّ ؛ وإن عثر بذلك رجل فوقع على آخر ومات فالضمان على الواضع لاعلى العاثر لأنه هو المتعدّى فى السبب دون العاثر ، وإن نحى رجل شيئا من ذلك عن موضعه فعطب به إنسان ضمن من نحاه وبرئُ الأوّل ، لأن بالتنحية شغل مكانا آخر وأزال أثر فعل الأوّل ، فكان الثانى هو الجانى فيضمن ، ولو رشّ الطريق أو توضأ فيه ضمن ، قالوا : هذا إذا لم يعلم المارّ بالرشّ بأن كان أعمى أو ليلا، وإن علم لا يضمن لأنه خاطر بروحه لما تعمد المشى عليه فكان مباشرا للتلف فلا يكون على المسبب؛ وكذا لو تعمد المشى على الحجر والخشب الموضوعة فعثر به لاضمان على الواضع ، وقيل هذا إذا رشّ بعض الطريق ، أما إذا رشّ جميع الطريق فإنه يضمن الواضع لأنه مضطرّ فى المرور عليه لأنه لا يجد غيره، ولا كفارة على واضع هذه الأشياء ، ولم يحرم به الميراث لأنه مسبب كحافر البئر، وقد مرّ . قال ( وإذا مال حائظ إنسان إلى طريق العامة فطالبه بنقضه مسلم أو ذمى فلم ينقضه فى مدّة أمكنه نقضه فيها حتى سقط ضمن ما تلف به ) والقياس أن لايضمن ، لأن الميلان وشغل الهواء ليس بفعله فلم يباشر القتل ولا سببه فلا ضمان عليه . وجه الاستحسان أن الهواء صار مشغولا بحائطه والناس كلهم فيه شركاء على L - ٤٧ - وَإِنْ بَنَاهُ مائِلاً ابْتِدَاءً فَسَقَطَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ، وَيَضْمَنُ الرَّاكِبُ ما وَطِئَتِ الدَّابَّةُ بِيَدِها أوْ رِجْلِها، وَلا بَضْمَنُ ما نَفَحَتْ بِذَنَبِها أوْ رِجْلِها؛ ما مرّ ، فاذا طولب بتفريغه يجب عليه ، فاذا لم يفرغ مع الإمكان صار متعدّيًا وقبل الطلب. لم يصر متعدّيا، لأن الميل حصل فى يده بغير صنعه وصار كثوب ألقته الربح فى حجره فطلبه صاحبه بالردّ، فان لم يردّه مع الإمكان فهلك ضمن، وإن لم يطلبه لم يضمن ، وإن اشتغل بهدمه من وقت الطلب فسقط لم يضمن لأنه لم يوجد التعدّى من وقت الطلب ؛ ولو نقضه فعثر رجل بالنقض ضمن عند محمد وإن لم يطالب برفعه ، لأن الطريق صار مشغولا بترابه ونقضه فوجب عليه تفريغه . وعن أبى يوسف أنه لايضمن ما لم يطالب برفعه كما فى مسألة الثوب ، ولو باع الدار خرج من ضمانه ، ويطالب المشترى بالهدم لأنه لم يبق له ولاية هدم الحائط، والمطالبة إنما تصحّ ممن له ولاية الهدم حتى لا تصحّ مطالبة المستأجر والمرتهن والمودع ، ويصحّ مطالبة الراهن لقدرته على ذلك بواسطة فكاك الرهن ، وكذلك الأب والوصىّ والأمّ فى حائط الصبىّ لقيام ولايتهم، والضمان فى مال الصبىّ، لأن فعل هؤلاء كفعله . قال (وإن بناه مائلا ابتداء فسقط ضمن من غير طلب ) لأنه متعدّ بالبناء فى هواء مشترك على ما بينا . قال ( ويضمن الراكب ما وطئت الدابة بيدها أو رجلها ) . اعلم أن ركوب الدابة وسیرها إن کان فىملکه لایضمن ما تولد من سيرها وحر كاتها إلا الوطء لأنه تصرّف فى ملكه فلا يتقيد بشرط السلامة كحافر البئر فى ملكه ، إلا أن الوطء بمنزلة فعله لحصول الهلاك بثقله ، ولهذا وجبت عليه الكفارة فی الوطء دون غيره ، وقد مرّ ، وإن كان فى ملك غيره فانه یضمن ما جنت دابته واقفا کان أو سائرا وطئا ونفحا وکدما (١) لأنه متعد فىالسبب لأنه ليس له إيقافها فى ملك غيره ، ولا تسيير ها حتى لو كان مأذونا له فى ذلك ، فحكمه حكم ملكه وإن كان فى طريق العامة وهى مسألة الكتاب فانه يضمن ما وطئت بيدها أو رجلها أو كدمت أو صدمت أو أصابت برأسها أو خبطت ( ولا يضمن ما نفحت بذنبها أو رجلها ) والأصل فيه أن المرور فى الطريق عامّ مباح بشرط السلامة لأن له فيه حقا فكان مباحا وفيه حقّ العامة لكونه مشتر کا ینهم فقيدناه بشرط السلامة نظرا للجانبين ومراعاة للحقين ، والوطء وأخواته مما يمكن الاحتراز عنه لكونه بمرأى من عينه فصحّ التقييد فيها، والنفحة لا يمكنه الاحتراز عنها حالة السير لأنها من خلفه فلا يتقيد بالسلامة ، فإن أوقفها ضمن النفحة أيضا لأنه يمكنه الاحتراز عنه (١) قوله ونفحا وكدما . قال فى مختار الصحاح : نفحت الناقة : ضربت برجلها ، وقال أيضا : الكدم : العضّ بأدنى الفم كما يكدم الحمار . -٤٨ - وَإِنْ رَاثَتْ فِى الطَّرِيقِ وَهِىَ تَسِيرُ أَوْ أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ لَاضَانَ فِيمَا تَلِفَ بِهِ ، وَإِنْ أَوْقَفَهْ لِغْيْرِهِ ضَمِنَ، وَالقائِدُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِها دُونَ رِجْلِها وَكَذَا السَّائِقُ؛ وَإِذَا وَطِئَتْ دابَّةُ الرَّاكِبِ بِيَدِها أوْ رِجْلِهَا بَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ المِيرَاثِ وَالوَصِيَّةٍ وَتَجِبُ الكَفَّارَةُ؛ وَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً فَنَخَسَهَا آخَرُ فأصَابَتْ رَجُلاً عَلَى الفَوْرِ فالضَّانُ عَلَى النَّخِسِ؛ وَإنِ اجْتَمَعَ السَّائِقُ وَالقائِدُ أوِ السَّائِقُ وَالرَّاكِبُ فالضَّانُ عَلْيْهِما؛ بأن لاتقف ( وإن راثت فى الطريق وهى تسير أو أوقفها لذلك لاضمان فيما تلف به ) لأنه لا يمكنه الاحتراز عن ذلك ، أما حالة السير فظاهر ، وكذلك إذا أوقفها لأن من الدّواب من لا يروث حتى يقف . قال ( وإن أوقفها لغيره ضمن ) لأنه يمكنه الاحتراز عن ذلك بترك الإيقاف ، والرديف كالراكب لأن السير مضاف إليهما ، وباب المسجد كالطريق فى الإيقاف ؛ فلو جعل الإمام للمسلمين موضعا لوقوف الدواب عند باب المسجد فلا ضمان فيما حدث بين الوقوف فيه ، وكذلك من وقوف الدابة فى سوق الدواب لأنه مأذون له من جهة السلطان ، وكذلك الفلاة وطريق مكة إذا وقف فى غير المحجة لأنه لايضرّ بالناس فلا يحتاج إلى الإذن . أما المحجة فهى كالطريق . قال ( والقائد ضامن لما أصابت يدها دون رجلها ، وكذلك السائق) مروىّ ذلك عن شريح ، وقيل يضمن النفحة . أما القائد فلأنه يمكنه الاحتراز عن الوطء دون النفحة كالراكب ؛ وأما السائق فإنه يمكنه الاحتراز من الوطء أيضا ؛ وأما النفحة قيل لايضمن لأنه لا يمكن التحرّز عنه ، إذ ليس على رجلها ما يمنعها من النفح، وقيل يضمن لأن النفحة تبين من عينه فيمكن التحرّز بابعاد الناس عنها والتحذير ، ولا كذلك القائد، وقائد القطار فى الطريق يضمن أوّله وآخره لأن عليه ضبطه وصيانته عن الوطء والصدمة . قال ( وإذا وطئت دابة الراكب بيدها أو رجلها يتعلق به حرمان الميراث والوصية وتجب الكفارة ) وقد بيناه فى أوّل الجنابات . قال ( ولو ركب دابة فنخسها آخر فأصابت رجلا على الفور فالضمان على الناخس ) لأن من عادة الدابة النفحة والوثبة عند النخس فكان مضافا إليه ، والراكب مضطرّ فى ذلك فلم يصر سيرها مضافا إليه فصار الناخس هو المسبب ؛ ولو سقط الراكب فمات فالضمان على الناخس أيضا لما بينا ، ولو قتلت الدابة الناخس فهو هدر كحافر البثر إذا وقع فى البئر ، ولو أمره الراكب بالنخس ضمن الراكب لأنه صحّ أمرٍ فصار الفعل مضافا لبه ، ولو نفرت من حجر وضعه رجل فى الطريق ، فالواضع كالناخس ضامن لأن الوضع سبب لنفور الدابة أو وثبتها كالنخسة . قال ( وإن اجتمع السائق والقائد أو السائق والراكب فالضمان عليهما ) لأن أحدهما سائق للكلّ، والآخر قائد للكلّ بحكم الاتصال، وتيز الضمان على ٢ - ٤٩ - وَإِذَا اصْطَدَمَ فارِسانِ أَوْ ماشِيَانٍ فَاتَا فَعَلَى عاقِلةٍ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَادِيَةُ الْآخَرِ ؛ وَلَوْ تجاذَبَا حَبْلاَ فَانْقَطَعَ وَمَاتا فانْ وَقَعَا عَلَى ظَهْرَ بِهِما فَهُمَا هَدَرٌ، وَإِنْ سَقَطَا عَلَى وَجْهَِيْهِما فَعَلَى عاقِلَةِ كَلَّ وَاحِدٍ دِيّةُ الآخَرِ، وَإنِ اخْتُلَفَا فَدِيَِّة الوَاقِعِ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الواقِع عَلَى ظَهْرِهِ، وَهُدِرَ دَمُ الَّذِى وَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ؛ وَإِنْ قَطَعَ آخَرُ الحَبْلَ فَمَاتا فَدِ يُّهُمَا عَلَى عاقِلَتِهِ. الراكب لأنه مباشر على ما قدمنا والسائق مسبب والإضافة إلى المباشر أولى ، وجميع هذه المسائل إن كان الهالك آدميا فالدية على العاقلة لأنها تتحمل الدية فى الخطأ تخفيفا على القاتل مخافة استئصالها له ، وهذا دون الخطأ فى الجناية فكان أولى بالتخفيف ، وإن كان غير آدمىّ كالدواب والعروض ففى مال الجانى لأن العاقلة لا تعقل الأموال . قال : (وإذا اصطدم فارسان أو ماشيان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر ) لأن قتل كلّ واحد مضاف إلى فعل الآخر لاإلى فعلهما ، لأن القتل يضاف إلى سبب محظور ، وفعل كل واحد منهما وهو المشى فى الطريق مباح فى حقّ نفسه محظور فى حقّ صاحبه إذ هو مقيد بشرط السلامة على ما بينا ، فسقط اعتبار فعله فى حقّ نفسه لكونه مباحا فيضاف قتله كله إلى فعل الآخر لكونه محظورا فى حقه وصار كالماشى مع الحافر، فان التلف حصل بفعلهما وهو الحفر والمشى ، ومع هذا فإن التلف إنما يضاف إلى فعل الحافر لأنه محظور لا إلى فعل الماشى لأنه مباح؛ ولو كانا عامدين فى الاصطدام ضمن كلّ واحد منهما نصف الدية ، لأن فعل كل واحد منهما محظور فأضيف التلف إلى فعلهما ؛ ولو كانا عبدين فهما هدر . أما فى الخطأ فلأن الجناية تعلقت برقبة كل واحد منهما دفعا أو فداء وقد فات بغير فعل المولى لا إلى بدل فسقظ ضرورة ؛ وأما العمد فلأن كلّ واحد منهما هلك بعد ما جنى فسقط القصاص . فى نوادر ابن رستم رجل سار على دابة فجاء راكب من خلفه فصدمه فعطب المؤخر لاضمان على المقدم ، وإن عطب المقدم فالضمان على المؤخر ، وكذا فى السفينتين . ولو كانا دابتين وعليهما راكبان قد استقبلتا واصطدمتا فعطبت إحداهما فالضمان على الآخر . قال ( ولو تجاذبا حبلا فانقطع وماتا ، فان وقعا على ظهريهما فهما هدر ) لأن موت كل واحد منهما مضاف إلى فعله وقوّة نفسه لاقوّة صاحبه (وإن سقطا على وجهيهما فعلى عاقلة كل واحد دية الآخر ) لأنه سقط بقوّة صاحبه وجذبه ( وإن اختلفا فدية الواقع على وجهه على عاقلة الواقع على ظهره ) لأنه مات بقوّة صاحبه ( وهدر دم الذى وقع على ظهره) لأنه مات بقوّة نفسه (وإن قطع آخر الحبل فماتا فديتهما على عاقلته ) لأنه مضاف إلى فعله وهو القطع فكان مسببا . ٤ - الاختيار -- خامس - ٥٠ ~ فصل إِذَا جَنى العَبْدُ خَطَأُ قَوْلاهُ إمَّا أنْ يَدْفَعَهُ إلى وَلِىّ الجِنابَةِ فَبَمْلِكُهُ أوْ يَقْدِيِّهُ بِأَرْشِها، وكَذَلِكَ إِنْجَى ثانِيا وَثالِثا، وَإِنْ جَى جِناَيَتْنِ فإمَّا أنْ يَدْفَعَهُ إَلْبِهِما يَقْنَسِانِهِ بِقَدْرِ مالِكُلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَرْشِ جِنايَتِهِ،• أوْ بَقْدِيَهُ بِأَرْشِهِما، فصل ( إذا جنى العبد خطأ فولاه إما أن يدفعه إلى ولىّ الجنابة فيملكه أو يفديه بأرشها ) وسواء كانت الجناية على حرّ أو عبد فى النفس أو فيما دونها قلّ أرشها أو كثر، لما روى عن ابن عباس أنه قال : إذا جنى العبد فمولاه باخيار إن شاء دفعه وإن شاء فداه . وعن عمر رضى الله عنه: عبيد الناس أموالهم وجنايتهم فى رقبتهم. وعن علىّ رضى الله عنه مثله ، ولأنها جناية يمكن استيفاؤها من الرقبة فتتعلق بها الجناية كجناية العمد . وإذا تعلقت برقبته ، فإذا خلى المولى بينه وبين ولىّ الجناية سقطت المطالبة عنه كما فى العمد، ولأنه إنما خوطب بالجناية لأجل ملكه ، فاذا سقط حقه زالت المطالبة كالوارث إذا خلى بين التركة وبين أرباب الديون؛ فاذا اختار الفداء فحقّ ولىّ الجنابة فى الأرش ، فاذا استوفاه سقط حقه ، إلا أن الواجب الأصلى هو الدفع حتى يسقط موجب الجناية بموت العبد لفوات محله ، إلا أن له حقّ الفداء لما ذكرنا كدفع القيم فى الزكاة. ولو اختار المولى الفداء ثم مات العبد فالفداء عليه ، لأن بالاختيار انتقل الحقّ من الرقبة إلى الذمة فلا يسقط بموت العبد كغيره من الديون ، وليست جناية العبد كدينه فى تعلقه برقبته ، لأن جناية الحرّ الخطأ يطالب بها غيره وهم العاقلة ، وديونه لايطالب بها غيره ، فكذلك العبد جنايته الخطأ يطالب بها غيره وهو المولى ، وديوئه تتعلق به ، ولا يطالب بها غيره ، وإنما يملكه بالدفع لأنه عوض جنايته فيملكه كسائر المعاوضات . قال ( وكذلك إن جنى ثانيا وثالثا) معناه إذا جنى بعد الفداء من الأولى يخير المولى كالأولى لأنه لما فداه فقد طهر عن الجناية وصارت كأن لم تكن فهذه تكون جناية مبتدأة ، وكذا الثالثة والرابعة وغيرها . قال ( وإن جنى جنايتين فإما أن يدفعه إليهما يقتسمانه بقدر ما لكلّ واحد منهما من أرش جنايته أو يفديه بأرشهما ) وكذلك إن جنى على جماعة إما أن يدفعه إليهم يقتسمونه بالحصص ، وإما أن يفديه بجميع أرشهم ، لأن تعلق الجناية برقبته لا يمنع تعلق مثلها كما فى الديون ، ولأن حقّ المولى لم يمنع تعلق الجناية برقبته ، فحقّ ولىّ الجنابة 1 - ٥١ - وَإِنْ أَعْتَقَهُ المَوْلى قَبْلَ العِلْمِ بالجِنايَةِ ضَمِنَ الأُفَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الأُرْشِ، وَبَعْدَ العِلْمِ يَضْمَنُ جَمِيعَ الأرْشِ، وفِى المُدَبَّرِ وَأُمّ الوَلَدِ يَضْمَنُ الأَقَلَّ مِنْ قِيمَيْهَما وَمِنَ الأَرْشِ، وَإِنْ عادَ فَجَنَى وَقَدْ دَفَعَ القِيِمَةَ بِقَضَاءٍ فَلا شَىْءٌ عَلَيْهِ ، وَيُشَارِكُ وَلِىُّ الجِنايَةِ الثَّانِيَةِ الأَوَّلَ فيما أخَذَ، وَإنْ دَفَعَ المَوْلى القِيمَةَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، فانْ شاءَ الثَّانِ شاركَ الأوَّلَ، وَإنْ شاءَ اتَّبَعَ (سم) المَوْلى، ثمَّ يَرْجِعُ المَوْلَى عَلَى الأوَّلِ ، الأولى أولى أن لا يمنع . قال ( وإن أعتقه المولى قبل العلم بالجناية ضمن الأقل" من قيمته ومن الأرش وبعد العلم يضمن جميع الأرش ) لأن حقه فى أحدهما ، ففى الأولى خياره باق فيختار الأقلّ ، وفى الثانية لما علم فقد اختار الفداء لأن بالعتق امتنع الدفع بسبب من جهته فكان مختارا للفداء ، والبيع والهبة والتدبير والاستيلاد بمنزلة الإعتاق، لأن كل ذلك يمنع الدفع ، وكذلك لو باعه من المجنى عليه كان اختيارا ، ولو وهبه لا لأن المستحقّ أخذه بغير عوض وقد وجد فى الحبة دون البيع قال (وفى المدبر وأمّ الولد يضمن الأقل من قيمتهما ومن الأرش ) لما روى أن أبا عبيدة بن الجراح قضى بجناية المذبر على مولاه وهو أمير الشام بمحضر من الصحابة من غير نكير ، ولأن المولى صار مانعا من تسليمه فى الجنابة بالتدبير والاستيلاد من غير اختيار للفداء فصار كما إذا دبره وهو لايعلم بالجناية ، وإنما لزهد الأقل" لأن الأرش إن كان أقلّ فلا حقّ لولى" الجناية غير الأرش، وإن كانت القيمة أقل فلم يتلف بالتدبير إلا الرقبة . قال ( وإن عاد فجنى وقد دفع القيمة بقضاء فلا شىء عليه، ويشارك ولىّ الجناية الثانية الأوّل فيما أخذ) لأن جنايات المدبر وإن تعدّدت لاتوجب إلا قيمة واحدة ، لأنه لم يمنع إلا رقبة واحدة والضمان متعلق بالمنع فصار كأنه دبره بعد الجنايات ، ولأن دفع القيمة كدفع العبد ، ودفع العبد لا يتكرّر فكذا القيمة ، ويتضاربون بالحصص فى القيمة كما مرّ. قال (وإن دفع المولى القيمة بغير قضاء ، فإن شاء الثانى شارك الأوّل، وإن شاء اتبع المولى، ثم يرجع المولى على الأوّل ) وقالا : لاشىء على المولى ، لأنه لما دفع لم تكن الجناية الثانية موجودة فقد دفع الحقّ إلى مستحقه وصار كما إذا دفعه بقضاء . ولأبى حنيفة أن الجنايات استند ضمانها إلى التدبير الذى صار المولى به مانعا ، فكأنه دبر بعد الجنايات فيتعلق حقّ جماعتهم بالقيمة ، فاذا دفعها بقضاء فقد زالت يده عنها بغير اختياره فلا يلزمه ضمانها ، وإن دفعها بغير قضاء فقد سلم إلى الأوّل ما تعلق به حقّ الثانى ، فالثانى أن يضمن أيهما شاء المولى ، لأنه جنى بالدفع إلى غير مستحقه ، والأوّل لأنه قبض حقه ظلما وصار كالوصىّ إذا صرف التركة إلى الغرماء ثم ظهر غريم آخر ، فان دفعه بقضاء شارك الغريم الآخر الغرماء فيما قبضوه ، وإن دفعٍ بغير قضاء ، - ٥٢ - وَمَنْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لايُزَادُ (س) عَلَى عَشَرَةِ آلافِ دِرْهَم إِلاَّ عَثْرَةٌ، وَلِلأَمَةِ خَمْسَةُ آلافٍ إِلاَّ عَشَرَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَبْهِ قِيمَتُهُ، إن شاء رجع على الوصىّ ، وإن شاء شارك الغرماء كذا هذا ، فان اتبع المولى رجع المولى على الأوّل لأنه سلم إليه غير حقه ، وإن شارك الأوّل لم يرجع على أحد ، لأن الحاصل الضمان عليه ؛ وتعتبر قيمة المدبر لكلّ واحد منهم يوم جنى، عليه ولا يعتبر التدبير لأن المولى صار مانعا من تسليمه فى الحال بالتدبير السابق فكأنه جنى ثم دبره ، فتعتبر قيمته حينئذ ؛ مثاله : قتل قتيلا خطأ وقيمته ألف فازدادت خمسمائة ، ثم قتل آخر فولىّ الجناية الثانية يأخذ من المولى خمسمائة فضل القيمة تحسب عليه من أرش جنايته ، فتقسم الألف على تسعة وثلاثين جزءا ، لأن ما زاد على القيمة بعد الجناية الأولى لاحقّ لوليها فيه لأنها حدثت وقد تعلق حقه فى الذمة فينفرد بها ولىّ الجنابة الثانية فيبقى له من الدية تسعة آلاف وخمسمائة وللأوّل دية كاملة عشرة آلاف ، فاجعل كل خمسمائة بينهما للأوّل عشرون والثانى تسعة عشر فاقسم الألف كذلك ؛ ولو جنى المدبر خطأ ثم مات عقيبها بلا فصل لم تبطل القيمة على المولى لأنها وجبت فى ذمته عقيب الجناية ، فبقاء الرقبة وتلفها سواء ، وكذلك لو عمى بعد الجناية لا ينقص شىء من القيمة لما بينا ؛ ولو أعتق المدبر المولى وقد جنى جنايات لم تلزمه إلا قيمة واحدة ، لأن الضمان إنما وجب عليه بالمنع بالتدبير فكان الإعتاق بعده وعدمه سواء . وإذا أقرّ المدبر بجناية خطأ لم يجز إقراره ولا يلزمه شىء عتق أو لم يعتق لأنها لازمة لمولاه ، وإقراره على المولى لايتعلق به حكم . قال ( ومن قتل عبدا خطأ فعليه قيمته لايزاد على عشرة آلاف درهم إلا عشرة، وللأمة خمسة آلاف إلا عشرة ، وإن كان أقلّ من ذلكٍ فعليه قيمته) وقال أبو يوسف : تجب قيمته بالغة مابلغت ؛ ولو غصب عبدا قيمته عشرون ألفا فهلك فى يده تجب قيمته بالإجماع . لأنى يوسف أنها جناية على المال فتجب القيمة غير مقدّرة كالبهائم ، وهذا لأن الواجب للمولى ، والمولى إنما يملكه من حيث المالية فيكون الواجب بدل المالية . وعن علىّ وابن عمر رضى الله عنهم مثل قوله . ولهما قوله تعالى - فدية مسلمة إلى أهله - مطلقا، والدية اسم الواجب بمقابلة الآدمية ، ولأنها جناية على نفس آدمى فلا يزيد على عشرة آلاف كالحرّ ، ولأن المعانى التى فى العبد موجودة فى الحرّ، وفى زيادة الحرية، فاذا لم يجب فيه أكثر من الدية فلأن لا يجب فى العبد مع نقصانه أولى ، ولأن فيه معنى الآدمية حتى كان مكلفا ، وفيه معنى المالية والجمع بينهما متعذّر، والآدمية أعلى فتعتبر ؛ ويسقط الأدنى بخلاف البهائم لأنها مال محض ، وبخلاف الغصب لأن الغصب إنما يردّ على المسال فكان الواجب بمقابلة المال . وعن ابن مسعود - ٥٣ - وَمَا هُوَ مُقَدَّرٌ مِنَ الدّيّةِ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ العَبْدِ . باب القسامة القَتِيلُ: كُلُّ مَيِّتٍ بِهِ أَثَرٌ، فإذَا وُجِدَ فِى مُحِلَّةٍ لا يُعْرَفُ قاتِلُهُ وَادَّعَى وَلِيُّهُ القَتْلَ عَلَى أَهْلِها أوْ عَلَى بَعْضِهِمْ عَمْدًاً أوْ خَطأٌ وَلا بَيِّنَةَ لَهُ يُخْتارُ مِنْهُمْ تَمْسِينَ رَجُلاً يَحْلِفُونَ بِاللّهِ ما قَتَلْنَاهُ وَلا عَلِمْنا لَهُ قاتِلاً، ثُمَّ يُقْضَى بالدّيّةِ عَلى أهْلِ المَحِلَّةِ، مثل مذهبهما . وأما قليل القيمة فالواجب بمقابلة الآدمية أيضا ، إلا أنه لانص فيه فقدّرناه بقيمته رأيا إذ هو الأعدل ، وفى كثير القيمة نصّ لأنه ورد فى الحرّ بعشرة آلاف، إلا أنا نقصنا دية العبد من ذلك إظهارا لشرفه وانحطاطا لرتبة العبد عنه ، والتقدير بعشرة مأثور عن ابن عباس رضى الله عنهما، ولأنه أقلّ مال له خطر فى الشرع لأن به تستباح الفروج والأيدى فقدرناه به ، وكذلك الأمة على الخلاف والتعليل فى كثير القيمة وقليلها . قال ( وما هو مقدّر من الدية مقدّر من قيمة العبد) ففى يد العبد خمسة آلاف إلا خمسة إذا كان كثير القيمة ، لأن الواجب فى نفسه عشرة آلاف إلا عشرة واليد نصف الآدمى فيجب نصف ما فى النفس ، وعلى هذا سائر الأعضاء . باب القسامة وهى مصدر أقسم يقسم قسامة ، وهى الأيمان ، وخصّ هذا الباب بهذا الاسم لأن مبناه على الأيمان فى الدماء ، وهى مشروعة بالإجماع ، والأحاديث على ما يأتيك . قال ( القتيل : كلّ ميت به أثر) أى أثر القتل ؛ لأنه إذا لم يكن به أثر فالظاهر أنه مات حتف أنفه وليس بقتيل فلا يتعلق ب يمين ولا ضمان ، وأثر القتل جرح أو أثر ضرب أو خنق أو خروج الدم من عينه أو أذنه ، لأن الدم لا يخرج منها عادة إلا بفعل ، أما إذا خرج من فمه أو دبره أو ذكره فليس بقتيل ، لأن الدم يخرج من هذه المواضع من غير فعل عادة ، وهذا لأن القتيل من فاتت حياته بسبب يباشره غيره من الناس عرفا ، فاذا علمنا أنه قتيل (فاذا وجد فى محلة لايعرف قاتله ) لأنه إذا عرف قاتله لاقسامة ، فاذا لم يعرف ( وادّعى وليه القتل على أهلها أو على بعضهم عمدا أو خطأ ولا بينة له يختار منهم خمسين رجلا) لأن الحقّ له فلا بدّ من دعواه، وإذا كان له بينة فلا حاجة إلى القسم، فاذا ادّعى ولا بينة له وجبت اليمين فيختار خمسين رجلا ( يحلفون باللّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، ثم يقضى بالدية على أهل المحلة) أى على عاقلتهم. والأصل فى ذلك ما روى ((أن عبدالله 1 - ٥٤ - . ابن سهل وجد قتيلا فى قليب (١) فى خيبر فجاء أخوه عبدالرحمن وعماه حويصة ومحيصة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فذهب عبد الرحمن يتكلم ، فقال عليه الصلاة والسلام: الکبر الکبر ، فتكلم الكبير من عمیه فقال : يا رسول الله إنا وجدنا عبد الله قتيلا فى قليب من قلب خيبر ، فقال عليه الصلاة والسلام : تبرؤكم اليهود بخمسين يمينا يحلفون أنهم ما قتلوه ؟ قالوا : كيف نرضى بأيمان اليهود وهم مشركون ؟ فقال: فيقسم منكم خمسون رجلا أنهم قتلوه؟ قالوا : كيف تقسم على ما لم نره ؟ فوداه عليه الصلاة والسلام من عنده؟ وعن سعيد بن المسيب (( أن القسامة كانت فى الجاهلية، وأقرّها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قتيل من الأنصار وجد فى جبّ اليهود ، فأرسل رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى اليهود وكلفهم قسامة خمسين ، فقالت البرد له : نحلف ، فقال للأنصار : أتحلفون وتستحقون ؟ فقالت الأنصار : لن نخلف ، فألزم اليهود ديته لأنه قتل بين أظهرهم )) وروى «أن رجلا جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله إنى وجدت أخى قتيلا فى بنى فلان ، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام : اجمع منهم خمسين يحلفون بالله ما قتلوه ولا علموا له قاتلا ، فقال: يا رسول اللّه مالى من أخى إلا هذا؟ قال : بلى مائة من الإبل )) فدلت هذه الأحاديث على وجوب الأيمان والدية على أهل المحلة ، وترد على من يقول بوجوب البداءة بيمين الولىّ ، ولأن أهل المحلة يلزمهم نصرة محلهم وحفظها وصيانتها عن النوائب والقتل ، وصون الدم المعصوم عن السفك والهدر ، فالشرع ألحقهم بالقتلة لترك صيانة المحلة فى حقّ وجوب الدية صونا للآدمىّ المحترم المعصوم عن الإهدار ، ولأن الظاهر أن القاتل منهم وإنما قتل بظهرهم فصاروا كالعاقلة . وأما قوله عليه الصلاة والسلام للأنصار (( أتحلفون وتستحقون؟)) فهو على طريق الإنكار عليهم لما قالوا : لانرضى بيمين اليهود ، ولهذا ثبت فيه النون ، ولو كان أمرا لقال : احلفوا تستحقوا دم صاحبکم، وما روی (( تحلفون وتستحقون )) فمعناه أتحلفون کقوله تعالی ۔ تریدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة - أى أتريدون، ولأن البداءة بيمين الولىّ مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام (( البينة على المدّعى واليمين على من أنكر)) ولأنه يدخل تحت قوله تعالى - إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا - الآية، ويختار الولىّ خمسين رجلا لأن اليمين حقه فيختار من يظهر حقه باختياره ، أما من اتهمه بالقتل أو الصالحين منهم ليحترزوا عن اليمين الكاذبة فيظهر القاتل ، فاذا حلفوا قضى بالدية على عاقتهم لما روينا ، (١) قال فى مختار الصحاح: القليب : البئر قبل أن تطوى . قلت : يعنى قبل أن تبنى بالحجارة ونحوها ، يذكر ويؤنث . وقال أبو عبيدة : هى البئر العادية القديمة اهـ . ١ - ٥٥ - وكذلكَ إنْ وُجِدَ بَدَنُهُ أَوْ أَكْثُرُهُ أَوْ نِصْفُهُ مَعَ الرأسِ، فانْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَمْسُونَ كُرّرَتِ الأَبِمَانُ عَلْهِمْ لِتَيْمَّ ◌َمْسِينَ، وَمَنْ أَبِى مِنْهُمْ حُدِسَ حَتى يَحْلِفَ، وَلَا يُقْضَى بالدّيّةِ بِيَمِينِ الوَلِىّ؛ وسواء ادّعى القتل على جميع أهل المحلة أو على بعضهم معينين أو مجهولين لإطلاق النصوص . وعن أبى يوسك إذا ادّعى على بعض بأعيانهم تسقط القسامة والدية عن الباقين ، فان كان له بينة وإلا يستحلف المدعى عليه يمينا واحدة كسائر الدعاوى . قال ( وكذلك إن وجد بدنه أو أكثره أو نصفه مع الرأس ) لأن النصّ ورد فى البدن، وللأكثر حكم الكلّ تعظيما للآدمى ، وإن وجد نصفه مشقوقا بالطول أو أقلّ من النصف ومعه الرأس ، أو وجد رأسه أو يده أو رجله أو عضو منه آخر فلا قسامة ولا دية ، لأن النصّ ورد فى البدن وهذا ليس فى معناه ، ولأنه لو وجبت فيه القسامة لوجبت لو وجد عضو آخر أو النصف الآخر فتتكرّر القسامة أو الدية بسبب نفس واحدة ولم يرد بذلك نصّ . قال ( فان لم يكن فيهم خمسون كرّرت الأيمان عليهم لنتمّ خمسين ) لما روى أن رجلا قتل بين حيين باليمن وادعة وأرحب (١)، فكتبوا إلى عمر رضى الله عنه أنه وجد قتيل لايدرى من قتله ؛ فكتب عمر أن قس بين القريتين فأيهم كان أقرب فألزمهم ، فكان إلى وادعة فأتوا عمر رضى الله عنه وكانوا تسعة وأربعين رجلا فأحلفهم وأعاد اليمين على رجل منهم حتى نموا خمسين ثم ألزمهم الدية ، فقالوا : نعطى أموالنا وأيماننا ؟ فقال نعم فيم يطل (٢) دم هذا؟. قال ( ومن أبى منهم حبس حتى يحلف ) لأن اليمين فى القسامة نفس الحقّ ، ألا ترى أنه يجمع بينها وبين الدية ؟ ويدلّ عليه ما تقدم من حديث عمر رضى الله عنه حين قالوا : نبذل أموالنا وأيماننا ، أما تجزئ هذه عن هذه ؟ قال لا ، وإذا كانت نفس الحقّ يحبس عليه لأنه قادر على أدائه ، بخلاف الامتناع عن اليمين فى الأموال ، لأن اليمين فيها بدل. عن الحقّ حتى يسقط ببذل المدّعى، فاذا نكل لزمه المال وهو حقه، فلا معنى للحبس بما ليس بحقّ. أما هنا لا يسقط اليمين ببذل الدية وكان الحبس بحقّ" فافترقا. وعن أبى يوسف أنه تجب الدية بالنكول كما فى سائر الدعاوى ، وجوابه مامرّ أنه مستحقّ عليه لنفسه . قال ( ولا يقضى بالدية بيمين الولىّ) لأن اليمين شرعت للدفع لا للاستحقاق، ولأن النبىّ عليه الصلاة والسلام أوجب اليمين على المنكر للدفع عنه بقوله ((واليمين على المنكر)) والولى يحتاج إلى الاستحقاق فلا يشرع فى حقه، ولأنه لا يستحقّ بيمينه المال المبتذل المهان ، فلأن لاتستحقّ النفس المحترمة أولى . (١) قوله وادعة وأرحب : هما قبيلتان من همدان كذا رأيته معزيا للنهاية . (٢) قوله يطل : أى يهدر . ٦ - ٥٦ - وَلا يَدْخُلُ فِ القَسَامَةِ صَبِىٌّ وَلاَ مْنُونٌ وَلا عَبْدٌ وَلا امْرَأَةٌ، وَإِنِ ادَّعَى الوَلِىّ القَتْلَ عَلَى غيرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ القَسَامَةُ، وَلا تُقْبَلُ شَهَادُهُمْ (سم) عَلى المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُها إنْسَانٌ فالدَّيّةُ عَلَى عاقِلَةِ السَّائِقِ وَكَذَاَ القائِدُ والرِّاكِبِ، وَ أَنْ وُجد فى دَارِ إنْسانِ فالقَسَامَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى عاقِلَتِهِ (س) إنْ كانُوا حُضُورًا، وَإنْ كانُوا غُيَّبَا كُرْرَتِ الأيمَانُ عَلَيْهِ وَالدّيَّةُ عَلَى العاقِلَةِ؛ قال ( ولا يدخل فى القسامة صبىّ ولا مجنون ) لأنهما ليسا من أهل اليمين (ولا عبد ولا امرأة ) لأنهما ليسا من أهل النصرة، وإنما تجب على أهلها. قال ( وإن ادّعى الولىّ القتل على غيرهم سقطت عنهم القسامة ولا تقبل شهادتهم على المدّعى عليه) لأن اليمين إنما تلزم بالدعوى وكذلك الدية ولم يدّع عليهم ، ثم إن كان له بينة على المدعى عليه وإلا يلزمه يمين واحدة كسائر الدعاوى فان حلفه برئ وإن نكل فعلى خلاف مرّ فى الدعوى، وإنما لاتقبل شهادتهم لأنهم تعينوا للخصومة حيث وجد القتيل فيهم فصاروا كالوكيل بالخصومة ، والوصىّ إذا شهد بعد العزل والخروج عن الوصية ، ولأنهم متهمون فى شهادتهم لاحتمال أنه جعل ذلك وسيلة إلى قبول شهادتهم . وقالا : تقبل لأنه لما ادّعى على غيرهم سقطت عنهم القسامة فلا تهمة فى شهادتهم وجوابه مامرّ قال (وإن وجد على دابة يسوقها إنسان فالدية على عاقلة السائق) لأن الدابة فى يده فكأنه وجده فى داره ( وكذا القائد والراكب ) ولو اجتمعوا فالدية على عاقلتهم لأن الدابة فى أيديهم . قال ( وإن وجد فى دار إنسان فالقسامة عليه وعلى عاقلته إن كانوا حضورا ) وقال أبو يوسف: لاقسامة على العاقلة لأن ربّ الدار أخصّ بالدار من غيره فصار كأهل المحلة لايشاركهم فى القسامة غيرهم. ولهما أن بالحضور تلزمهم نصرة البقعة كصاحب الدار فيشاركونه فى القسامة ( وإن كانوا غيبا كرّرت الأيمان عليه والدية على العاقلة ) لما تقدم ، وإن وجد فى دار مشتركة نصفها لرجل وعشرها لآخر وسدسها لآخر والباقى لآخر فالقسامة على عدد رؤسهم لأنهم يشتركون فى التدبير فكانوا فى الحفظ سواء ، والقسامة على أهل الخطة ، وهم الذين خطّ لهم الإمام عند فتحها ولا يدخل معهم المشترون . وقال أبو يوسف : يشترك الكل فى ذلك لأنها وجبت بترك الحفظ ممن له ولاية الحفظ والولاية بالملك ، فيستوى أهل الخطة والمشترون الاستوائهم فى الملك . ولهما أن أهل الخطة أخصّ بنصرة البقعة، والحكم يتعلق بالأخصّ فكان المشترى معهم كالأجنبى ، ولأن العقل تعلق فى الأصل بأهل الخطة فما بقى منهم واحد لا ينتقل عنهم كموالى الأب إذا لزمهم العقل لا ينتقل إلى موالى الأم ما بقى منهم واحد ، وقيل بأن أبا حنيفة شاهد الكوفة وأهل الخطة كانوا يدبرون أمر المحلة وينصرونها دون المشترى ، فبنى الأمر ٠ - ٥٧ - وَإِنْ وُجِدَ بْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلى أَقْرَ بِهِما إذَا كانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ، ولَوْ وُجِدَ فِ السَّفِينَةِ فالقَّامَةُ عَلَى الْمَلاَّحِينَ وَالرُّكَّابِ، وفىِ مَسْجِدٍ مَجِلَّةٍ عَلَى أهْلِيها، وفى الجامعِ وَالشَّارِعِ الأَعْظَمِ الدّيّةُ فِي بَيْتِ المَالِ وَلَا قَسَامَةً، على ذلك ، فإذا لم يبق من أهل الخطة أحد وكان فى المحلة مشترون وسكان ، فالقسامة على الملاك دون السكان . وقال أبو يوسف : عليهم جميعا لأن النبيّ عليه الصلاة والسلام أوجب القسامة على يهود خيبر وكانوا سكانا ، ولأن الساكن يلى التدبير كالمالك. ولهما أن المالك أخص بالبقعة ونصرتها ، ألا ترى أن السكان يكونون فى وقت وينتقلون فى وقت فتجب القسامة على من هو أخصّ ، وأما أهل خيبر فالنبىّ عليه الصلاة والسلام أقرّهم على أملاكهم وكان يأخذ منهم الخراج. قال ( وإن وجد بين قريتين فعلى أقربهما ) لما روى أبو سعيد الخدرى ((أن النبيّ عليه الصلاة والسلام أمر فى مثله بأن يذرع بين القريتين)) ولما مرّ من حديث عمر رضى الله عنه ، وهذا ( إذا كانوا يسمعون الصوت ) لأنه يلحقه الغوث ، فأما إذا كانوا لا يسمعون الصوت ولا يلحقه الغوث فلا شىء عليهم ، ولو كان يسمع الصوت أهل إحدى القريتين دون الأخرى فالقسامة على الذين يسمعون لما قلنا ( ولو وجد فى السفينة فالقسامة على الملاحين والركاب ) وهذا على قول أبى يوسف ظاهر لأنه يرى القسامة على الملاك والسكان . وأما على قولهما فالسفينة تنقل وتحول فتعتبر فيها اليد دون الملك كالدابة ، ولا كذلك الدار والمحلة فافترقا . قال ( وفى مسجد محلة على أهلها ) لأنهم أخصّ بنصرته والتصرّف فيه فكأنه وجد فى محلتهم. قال ( وفى الجامع والشارع الأعظم الدية فى بيت المال ولا قسامة ) وكذلك الجسور العامة لأن ذلك لا يختصّ بالبعض بل يتعلق يجماعة المسلمين ، فما يجب لأجله يكون فى بيت مالهم ، ولأن اليمين للتهمة وذلك لا يوجد فى جماعة المسلمين ، وكذلك لو وجد فى السجن . وقال أبو يوسف : القسامة على أهل السجن والدية على عاقلتهم ، لأن الظاهر أن القتل وجد منهم . ولهما أنهم مقهورون لانصرة لهم فلا يجب عليهم ما يجب لأهل النصرة ، ولأن منفعة السجن لجماعة المسلمين ، لأنه وضع لاستيفاء حقوقهم ولدفع الضرر عنهم فكانت النصرة عليهم ، وهذه من فروع المالك والساکن لأن أهل السجن کالسكان فلا يجب عليهم شىء خلافا لأبى يوسف ، وإن وجد فى السوق إن كان مملوكا فعلى الملاك . وعند أبى يوسف على السكان أيضا ، وإن كان غير مملوك أو هو للسلطان فهو كالشارع العام" الذى ثبت فيه حقّ جماعة المسلمين وسوق السلطان للمسلمين ، فما يجب فيه يكون فى بيت المال ويؤخذ فى ثلاث سنين ، لأن حكم الدية التأجيل كما فى العاقلة فكذلك غيرهم ، ألا ترى أنها تؤخذ من مال المقرّ بقتل الخطأ فى ثلاث سنين ؟ . - ٥٨ - وَإِنْ وُجِدَ فِى بَرْيَّةٍ أَوْ فِى وَسَطِ القُرَاتِ فَهُوَ هُدَرٌ، وَإِنْ كَانَ ◌ُعْتَبَسَا بِالشَّاطِئْ فَعَلَى أَقْرَبِ القُرَى مِنْهُ إِنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ. باب المعاقل وَهِىَ جمْعُ مَعْقُلَةٍ وَهِىَ الدّيّةُ، وَالعاقِلَةُ الَّذِينَ يُؤَدُّوَنَّهَا، قال ( وإن وجد فی بریة أو فى وسط الفرات فهو هدر) لأنه لاید لأحد علیه ولا مملوكا لأحد ولا يسمع الصوت منه أهل مصر ولا قریة فکان ھدرا . قال ( وإن كان محتيسا بالشاطئ فعلى أقرب القرى منه إن كانوا يسمعون الصوت ) لأنهم أخصّ به من غيرهم ، ألا ترى أنهم يشربون منه ويوردون عليه دوابهم فكانوا أخصّ بنصرته فيجب عليهم كأهل المحلة ؛ ولو وجد فى نهر صغير خاصّ مما يقضى فيه بالشفعة فعلى عاقلة أرباب النهر لأنه مملوك لهم، فهم أخصّ به من غيرهم فيتعلق بهم مايوجد فيه كالدور والسوق والمملوك؛ ومن وجد قتيلا فى دار نفسه فديته على عاقلته لورثته ، وقالا : لاشىء فيه لأن الدار فى يده حالة الجرح فكأنه قتل نفسه ، ولو قتل نفسه كان هدرا كذا هذا . ولأبى حنيفة أن القسامة وجبت لظهور القتل وحالة الظهور الدار ملك الورثة فتجب الدية على عاقلتهم ، وهل تجب القسامة عليهم ؟ فيه اختلاف المشايخ ، وهذا بخلاف ما إذا وجد المكاتب قتيلا فى دار نفسه ، لأن الدار على ملكه حالة ظهور القتل ، فكأنه قتل نفسه فهدر . رجلان فى بيت لاثالث معهما وجد أحدهما قتيلا يضمن الآخر الدية عند أبى يوسف ، وقال محمد: لاشىء عليه لأنه احتمل أنه قتل نفسه وأنه قتله صاحبه فلا تجب الدية بالشك". ولأبى يوسف أن الإنسان لايقتل نفسه ظاهرا فسقط اعتباره كما إذا وجد فى محلة . باب المعاقل ( وهى جمع معقلة وهى الدية ) وسميت الدية عقلا لوجهين : أحدهما أنها تعقل الدماء من أن تراق . والثانى أن الدية كانت إذا أخذت من الإبل تجمع فتعقل ثم تساق إلى ولىّ الجناية ( والعاقلة الذين يؤدّونها) والأصل فى وجوب الدية على العاقلة ما تقدّم من حديث الجنين حيث قال عليه الصلاة والسلام لأولياء الضاربة ((قوموا فدوه)) وروى ((أنه عليه الصلاة والسلام جعل على كل بطن من الأنصار عقولة ، والمعقول أيضا يدلّ عليه ، وهو أن الخاطئُّ معذور ، وعذره لايعدم حرمة النفس بل يمنع وجوب العقوبة عليه فأوجب الشرع الدية صيانة للنفس عن الإهدار ، ثم فى إيجاب الكلّ عليه إجحاف واستئصال به فيكون عقوبه له ، فتضمّ العاقلة إليه دفعا للعقوبة عنه ، ولأن ذلك إنما يكون بظهر - ٥٩ - وَيَجِبُ عَلْهِمْ كُلِّدِيَةٍ وَجَبَتْ بِنَفْسِ القَتْلِ، فإنْ كانَ القائِلُ مِنْ أَهْلِ الدّوَانِ فَهُمْ عاقِلَتُهُ، وَتُؤْخَذُ مِنْ عَطاياهُمْ فِى ثَلاثٍ سِنِينَ، عشيرته وقوّة يجدها فى نفسه بكثرتهم وقوّة أنصاره منهم ، فكانوا كالمشاركين له فى القتل فضمنوا إليه لذلك كالردء والمعين لأنه يتحمل عنهم إذا قتلوا ويتحملون عنه إذا قتل فتكون من باب المعاونة كعادة الناس فى التعارف ؛ بخلاف المتلفات لأنها لاتكثر قيمتها فلا يحتاج إلى التخفيف ، والدية مال كثير يجحف بالقاتل فاحتاج إلى التخفيف . قال ( ويجب عليهم كل دية وجبت بنفس القتل ) كالخطأ وشبه العمد ، وهذا احتراز عما وجب بالصلح والاعتراف أو سقط القتل فيه بشبهة كالأب ، وإنما وجبت دية شبه العمد على العاقلة لحديث الجنين ، ألا ترى أنها تعمدت ضربها بالعمود فقضى عليه الصلاة والسلام بالدية على العاقلة ، ولأنه قتل أجرى كالخطأ فى باب الدية فكذلك فى تحمل العاقلة . وقضى عمر رضى الله عنه بالدية فى الخطأ على العاقلة بحضرة الصحابة من غير خلاف . قال ( فان کان القاتل من أهل الدیوان فهم عاقلته ) وهم الذين لهم رزق فى بيت المال ، وفى زماننا هم أهل العسكر لكل راية دیوان على حدة ، وذلك لأن العرب کانوا یتناصرون بأسباب منها القرابة والولاء والحلف وغير ذلك ، وبقوا على ذلك إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء عمر ودوّن الدواوين صار التناصر بالدواوين ، فأهل كل ديوان ينصر بعضهم بعضا وإن كانوا من قبائل متفرّقة. وقد صحّ أن عمر رضى الله عنه فرض العقل على أهل الديوان وكان قبل ذلك على عشيرة الرجل فى أموالهم ، لأنه أوّل من وضع الديوان فجعل العقل فيه ، وذلك بمحضر من الصحابة رضى الله عنهم فكان إجماعا منهم ، وهو على وفاق ما قضى به رسول الله عليه الصلاة والسلام معنى، فإنهم علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به على العشيرة باعتبار النصرة ثم الوجوب بطريق الصلة ، فايجابه فيما يصل إليهم صلة وهو العطاء أولى ، وأهل كل ديوان فيما يصل إليهم من ذلك كنفس واحدة . قال ( ويؤخذ من عطاياهم فى ثلاث سنين ) لما تقدم من حديث عمر وهو مروىّ عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أيضا وتعتبر الثلاث سنين من يوم القضاء لأن الدية تجب يوم القضاء ، وسواء خرجت فى أقلّ أو أكثر لأنه إنما وجبت فى العطاء تخفيفا ، فاذا حصلت فى أىّ وقت حصل وجد المقصود فيؤخذ منه ، فان تأخر خروج العطاء لم يطالبوا بشىء ، وإن تعجل الثلاث سنين أخذ منها الجميع لما ذكرنا ؛ وإذا وجب جميع الدية فى ثلاث سنين كان كلّ ثلث فى سنة فاذا وجب الثلث فما دونه كان فى سنة ، وما زاد على الثلث إلى الثلثين فى سنتين ، وما زاد إلى تمام الدية فى السنة الثالثة ، وإن كانت العاقلة أصحاب الرزق أخذ من أرزاقهم فى ثلاث سنين ، فان خرجت أرزاقهم فى كل سنة أخذمنها الثلث ، وإن خرجت - ٦٠ - وَإِنْلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الدّيْوَانِ فَعَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ، وَلا يُزَادُ الوَاحِدُ عَلَى أَرْبَعَةٍ دَرَاهِمَ أَوْ ثَلاثَة وَيُنْقَصُ مِنْهَا، فإنْ كَمْ تَتَّسِعِ القَبِيلَةُ لِذَلِكَ ضُّ الْهِمْ أَقْرَبُ القَبَائِلِ نَسَبًا، وَإنْ كانَ مِمَّنْ يَقَنَاصَرُونَ بالحِرَفِ فَأَهْلُ حَرْفَتِهِ، وَإِنْ تَنَاصَرُوا بالحِلْفِ فَأهْلُهُ، وَيُؤَدّى القاتِلُ كأحَدٍ مِمْ؛ فی کل ستة أشهر أخذ منها السدس فى كل شهر بحصته ، وعلى هذا فالحاصل أنه يؤخذ فی کل سنة الثلث كيفما خرج ، لأن الأرزاق لهم كالأعطية لأهلها ، وإن كان لهم أرزاق فى كل شهر وأعطية فى كلّ سنة أخذ من أعطيتهم لأنه أسهل ، فان الرزق يكون بقدر الكفاية لكل شهر أو لكلّ يوم فيشقّ عليهم الأخذ منه . أما العطاء يكون فى كل سنة بقدر عنائه واختباره فى الحروب لابحاجته فكان الأخذ منه أسهل . قال ( وإن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته ) وهم عصبته من النسب لما روى (( أنه صلى الله عليه وسلم أوجب الدية على عصبة القاتل)) ولأن تناصرهم بالقرب . قال ( ولا يزاد الواحد على أربعة دراهم أو ثلاثة وينقص منها ) يؤخذ منه كل سنة درهم وثلث أو درهم لأن الأصل فيها التخفيف وتجب صلة ، فقدروه فى كل سنة بالدرهم لأنه أقلّ المقدرات ، ويزاد ثلث درهم وهو المختار ليكون الأكثر من الأقل" وما لم يبلغ النصف فهو فى حكمه . قال ( فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسبا ) تحرّزا عن الإجحاف وتحقيقا لمعنى التخفيف فيضمّ ليهم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات لأن التناصر يقع بذلك ، وكذلك أهل الديوان إذا لم يتسع الديوان للدية يضمّ إليهم أقرب الرايات إليهم نصرة إذا حزبهم أمر أو دهمهم عدوّ ، وهو مفوّض إلى رأى الإمام إذ هو أعلم بذلك ، ومن لاعاقلة له فى رواية تجب فى بيت المال ، لأنه لو مات ولا وارث له ورثه بيت المال ، فاذا جنى يكون عليه ليكون الغنم بالغرم ، وفى رواية فى مال الجانى لأن الأصل أن تجب عليه لأنه الجانى إلا أنا أوجبناه على العاقلة لما ذكرنا فإذا لم تكن عاقلة عاد إلى الأصل . قال ( وإن كان ممن يتناصرون بالحرف فأهل حر فته) وإن تناصروا بالحلف فأهله ( لما بينا أن المعنى فيه هو التناصر، ومن ليس له ديوان ولا عشيرة، قيل يعتبر المحالّ والقرى والأقرب فالأقرب ، وقيل تجب فى ماله ، وقيل إن كان القاتل مسلما تجب فى بيت المال ، لأن الدية تجب باعتبار النصرة ، وجماعة المسلمين يناصرون ويذبّ بعضهم عن بعض وعلى هذا الخلاف اللقيط ، ولا تعقل مدينة عن مدينة وتعقل المدينة عن قراها لأن أهل المصر يتناصرون بديوانهم وأهل سوادهم وقراهم ، ولا يتناصرون بأهل ديوان مصر آخر ، والباديتان إذا اختلفتا كمصرين . قال ( ويودى القاتل كأحدهم ) لأنه إنما لم يجب عليه الكلّ مخافة الإجحاف ، ولا إجحاف فى هذا ولأنه الجانى فلا أقلّ من أن يكون كأحدهم ، لأنها تجب بالتناصر وهو أولى بنصرة نفسه .