النص المفهرس
صفحات 1-20
الاخْتِيَار لتعليْل المختار تأليف عبد الله بن محمود بن مودود الموصلى الخنفى وعليه تعليقات لفضيلة المرحوم الشيخ محمود أبو دقيقة من أكابر علماء الحنفية والمدرس بكلية أصول الدين سابقا الْجُرُ الخَامِسُ مقرر تدريسه لطلبة السنة الخامسة الثانوية بالجامعة الأزهرية دار الكتب العلمية بيروت - لبنان يعِبْ س: دار الكن العلميَّة بيروت- لبنان ضرت: ١١/٩٤٢٤ تلكس: Nasher 41245Le هاتف : ٣٦٦١٣٥ - ٨١٥٥٧٣ مَنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقَّهْهُ فى الد [ حديث شر كتاب الصيد وَهُوَ جَائِزٌ بالجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ وَالسِّهامِ المُحَدَّدَةِ لِمَا يَحِلُّ أكْلُهُ لِأَكْلِهِ وُما لا يحِل أكْلُهُ لِجِدْدِهِ وَشَعْرِهِ، وَالجَوَارِحُ ذُونَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَذُو مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ ، بسم الله الرحمن الرحيم کتاب الصید وهو مصدر صاد يصيد وينطلق على المفعول ، يقال : صيد الأمير ، وصيد كثير ، ويراد به المصيود، وينشد: «صيد الملوك أرانب وثعالب .. ومثله الخلق والعلم ينطلق على المخلوق والمعلوم. قال تعالى)) هذا خلق اللّه)) أى مخلوقه، ولهذا قلنا إذا قال: وعلى الله لا يكون يمينا لأن المراد معلومه . قال ( وهو جائز بالجوارح المعلمة والسهام المحدّدة لما يحلّ أكله لأكله، وما لا يحلّ أكله الجلده وشعره) أما الجواز فلقوله تعالى - وإذا حلتم فاصطادوا - وقوله - أحلّ لكم صيد البحر - الآية. وقوله - أحلّ لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين -. وقوله عليه الصلاة والسلام ((الصيد لمن أخذه)) وقوله لعدىّ بن حاتم (( إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وإذا رميت سهمك وذكرت اسم اللّه عليه فكل)). قال ( والجوارح ذو ناب من السباع وذو مخلب من الطير ) وهو أن يكون يكتسب بنابه أو مخلبه ويمتنع به ، لأن المراد من قوله من الجوارح التى تجرح ، وقيل الكواسب . ومكلبين: - ٤ - وَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْجُرْحِ، وَكَوْنِ الْمُرْسِلِ أوِ الرَّامِىِ مُسْلِما أوْ كِتَابِيًّا، وذِكْرٍ اسْمَّ الّهِ تَعَالى عِنْدَ الإِرْسَالِ وَالرَّمْىِ، وَأَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ ◌ُمْتَنِعا، وَلا يَتَوَرَى عَنْ بَصَرِهٍ، وَلَا يَقْعُدُ عَنْ طَلَبِهِ، وَتَعْلِيمُ ذِى النَّبِ كالكَلْبِ وَنَحْوِهٍ تَرْكُ الأَكْلِ؛ وَذِى المِخْلَبِ كالبازِى وَالصَّفْرِ وَنَحْوَهِمَا الإِتِّبَاعُ إِذَا أُرْسِلَ، وَالإجابَةُ إِذَا دُعِىّ. أی مسلطین ، واسم الکاب لغة ینطلق علی کلّ سبع حتى للأسد ، فيجوز الاصطياد بکل ذى ناب من السباع لعموم الآية ، إلا ما كان نجس العين كالخنزير ، لأنه لا يحلّ الانتفاع به. ولا يجوز الاصطياد بالأسد والذئب فانهما لايتعلمان ، وكذلك الدبّ حتى لو تعلموا جاز . وعن أبى حنيفة فى ابن عرس : إذا علم فتعلم جاز . قال ( ولا بدّ فيه من الجرح وكون المرسل أو الرامى مسلما أو كتابيا ، وذكر اسم الله تعالى عند الإرسال والرمى ، وأن يكون الصيد ممتنعا ، ولا يتوارى عن بصره ، ولا يقعد عن طلبه ) أما الجرح ليتحقق اسم الجارح ، ولأنه لابدّ من إراقة الدم كالذكاة الاختيارية ، فلو قتله صدما أو جما أو خنقاً لم يؤكل لعدم الجرح ؛ وأما صفة المرسل فلأنه كالذبح ولا يجوز ذبح غيرهما ؛ وأما ذكر اسم الله تعالى فلقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل)) شرط القسمية لحلّ الأكل ؛ وأما كونه ممتنعا فلأن الصيد اسم للممتنع ، ولأن الجرح إنما جعل ذكاة ضرورة العجز عن الذكاة الاختيارية ، والعجز إنما یکون فى الممتنع حتى او رمى ظبيا مربوطا وهو يظنّ أنه صيد فأصاب ظبيا آخر لم يؤكل ، لأن بالربط لم يبق صيدا ؛ ولو رمی بعیرا نادًا فأصاب صیدا آخر أ کل لأنه لما ندّ صار صيدا؛ وقوله لايتوارى عن بصره ولا يقعد عن طلبه ، فانه صلى اللّه عليه وسلم كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامى وقال (( لعلّ هوامّ الأرض قتلته)) ولأن احتمال الموت بسبب آخر موجود فلا يحلّ به ، والموهوم كالمتحقق لما مرّ ، إلا أنه سقط اعتباره إذا لم يقعد عن طلبه لأنه لا يمكنه الاحتراز عنه. وفى الحديث ((كل ما أصميت ودع ما أنميت)) أصميت الصيد: إذا رميته فقتلته وأنت تراه ، وقد صمى الصيد يصمى: إذا مات وأنت تراه ، ورميت الصيد فأنميته إذا غاب عنك ثم مات ، هكذا فسره صاحب الصحاح . قال ( وتعليم ذى الناب كالكلب ونحوه ترك الأكل ، وذى المخلب كالبازى والصقر ونحوهما الاتباع إذا أرسل والإجابة إذا دعى ) روى ذلك عن ابن عباس ، ولأن التعليم بترك العادة الأصلية ، وعادة ذى المخلب النفار ، فاذا أجاب إذا دعى فقد ترك عادته وصار معلما ، وعادة ذى الناب الافتراس والأ كل، فاذا ترك الأكل فقد ترك عادته فصار معلما ؛ ولأن التعليم بترك الأكل إنما يكون بالضرب حالة الأكل وجثة الطير لاتحتمل الضرب ، أما الكلب يحتمله فأمكن تعليمه بالضرب - ٥ - وَيُرْجَعُ فِى مَعْرِفَةِ التَّعْلِيمِ إلى أهْلِ الخِبْرَةِ بِذَلِكَ، وَلا تَأْقِبِتَ فِيهِ، فإنْ أُكَلَ أوْ تَرَكَ الإجابةَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِتَعْلِيمِهِ حُكِمَ بِحَهْلِهِ وَحَرَمَ (سم) ما بَقِىَ مِنْ صَيْدِهِ قَبْلَ ذلكَ، وَإِن تَرَكَ التَّسْمِيَةَ ناسِيا حَلَّ، وَلَوْ رَمَى بِسَهْمٍ وَاحِدٍ صُيُودًا، أوْ أرْسَلَ كَلْبَهُ عَلى صُيُودٍ فَأخَذَها أوْ أحَدَها، أوْ أَرْسَلَهُ إلى صَيْدٍ فَأَخَذَ غْيْرَهُ حَلَّ مَا دَامَ فى جِهَةِ إِرْسالِهِ ، على ذلك ، والفهد ونحوه يحتمل الضرب وعادته الافتراس والنفار ، فيشترط فيه ترك الأكل والإجابة جميعا . قال ( ويرجع فى معرفة التعليم إلى أهل الخبرة بذلك ولا تأقيت فيه ) لأن المتبادير لاتعرف اجتهادا بل سماعا ولا سمع فيفوّض إلى أهل الخبرة به ، ولأن ذلك يختلف باختلاف طباعها . وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه قال : لا تأكل أوّل ما يصيده ولا الثانى وكل الثالث . وقال أبو يوسف ومحمد : إذا ترك الأكل ثلاث مرّات صار معلما ولا يؤكل الثالث ، لأن العلم لا يثبت بالترك مرّة لاحتمال أنه تركه شبعا أو خوفا من الضرب فلا بدّ من المرّات وأقله ثلاثة لأنها لإبلاء الأعذار ، ولا يؤكل الثالث لأن بعدها حكمنا بكونه عالما ، وعلى رواية الحسن يؤكل لأن بالثالثة علمنا أنه عالم فكان صيد جارحة معلمة فیؤکل . قال ( فان أكل أو ترك الإجابة بعد الحكم بتعليمه حكم بجهله وحرم ما بقى من صيده قبل ذلك ) وقالا: لا يحرم إلا الذى أكل منه لأنا حكمنا بحلّ صيده قبل ذلك بالاجتهاد فلا ينقض باجتهاد مثله . وله أن بالأكل علمنا جهله ، لأن الصيد حرفة قلما تنسى ، فلما أكل علمنا أنه لم يكن عالما فيجرم جميع ما صاده قبل ذلك لأنه صيد كلب غير معلم ، وتثبت الحرمة فيما بقى من صيده ، لأن ما أكل لم يبق محلا للحكم ، والاجتهاد يترك بمثله قبل حصول المقصود وهو الأكل كاجتهاد القاضى إذا تبدّل قبل القضاء، وما كان فى المفازة من صيد فحرام بالإجماع . قال ( وإن ترك التسمية ناسيا حلّ ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((رفع عن أمتى الخطأ والنسيان)) الحديث. قال ( ولو رمى بسهم واحد صيودا ، أو أرسل كلبه على صيود فأخذها أو أحدها ، أو أرسله إلى صيد فأخذ غيره حلّ ما دام فى جهة إرساله ) لأن المقصود به حصول الصيد والذبح يقع بالإرسال وهو فعل واحد فيكتفى فيه بتسمية واحدة ، بخلاف من ذبح الشاتين بتسمية واحدة ، لأن الثانية مذبوحة بفعل آخر فلا بدّ من تسمية أخرى حتى لو أضجع إحداهما فوق الأخرى وذبحهما مرّة واحدة أجزأه تسمية واحدة ، ولأن الأخذ مضاف إلى الإرسال وفی تعیین المشار إليه نوع حرج فلا يعتبر تعيينه ، ولو أرسل الفهد فكمن حتى استمكن من الصيد فوثب عليه فقتله حلّ لأن ذلك من عادته ليتمكن من أخذ الصيد ، وكذا الكلب إذا تعوّد هذه العادة بمنزلة الفهد ، ولو عدل عن الصيد يمنة أو يسرة وتشاغل فى غير طلب ٦ - وَلَوْ أَرْسَلَهُ وَلَمْ يُسَمْ ثُمَّ زَجَرَهُ وَّى، أَوْ أَرْسَلَهُ مُسْلِمٌ فَزَجَرَهُ مُجُوسِيَ أُوْ بالعَكْسِ، فالْمُعْتَبَرُ حالَةُ الإِرْسالِ، فإنْ أَكَلَ مِنْهُ الكَلْبُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَلَوْ شَرِبَ دَمَهُ أُكِلَ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ قِطْعَةَ فَرَماها ◌ُثُمَّ أَخَذَ الصَّيْدَ وَقَتْلَهُ "ثمّ أكلّ ما ألْقَاهُ أُكِلَ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ البازِى يُؤْكَلُ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا لا بجيلٌ إلاَّ بالتَّذِكِيَةِ وكذلِكَ فِى الرَّمْىِ، الصيد وفتر عن سننه ثم أتبع صيدا فأخذه لم يؤكل لأنه غير مرسل ، والإرسان شرط بقوله تعالى - مكلبين - أى مسلطين، فإن زجره صاحبه فانزجر حلّ ، لأن الزجر كارسال مستأنف، ولو انفلت، فصاح به وسمى، فان انزجر بصياحه حلّ وإلا فلا . قال (ولو أرسله ولم يسمّ ثم زجره وسمى، أو أرسله مسلم فزجره مجوسى أو بالعكس، فالمعتبر جالة الإرسال) وكذا لو أرسله مسلم فزجره مرتدّ أو محرم فانزجر، وكذا لو ترك التسمية عامدا ثم زجره مسلم وسمى لم يحلّ ، لأن الحكم مضاف إلى الإرسال الأوّل وبه تسلط وتكلب وما بعده تقوية للإرسال وتحريض للكلب فيعتبر حالة الإرسال ، فإذا صدر صحيحا لاينقلب فاسدا ، وإذا صدر فاسدا لا ينقلب صحيحا بالزجر، ولو أرسل كلبه المعلم فرد عليه الصيد كلب غير معلم أو غير مرسل فأخذه الأوّل لم يؤكل ، ولو ردّه عليه آدمىّ أو دابة أو طير أو مجوسىّ حل" ، لأن أخذ الكلب ذبح حكما ولا يصلح أحد هؤلاء مشاركا إياه فى الذبح ، والكلب الجاهل يصلح مشاركا لأنه جارح بنفسه فاجتمع المبيح والمحرم فيحرم كما لو مدّ القوس مسلم ومجوسى فأصابا صيدا فإنه يحرم ولولم يردّه عليه ولكنه شدّ عليه واتبع أثر المرسل حتى قتله الأوّل أكل ، لأن الثانى محرّض لامشارك . قال ( فان أكل منه الكلب لم يؤكل ) لأنه غير معلم لما بينا، ولقوله عليه الصلاة والسلام (( فإن أكل منه فلا تأكل فانما أمسك على نفسه)) ( ولو شرب دمه أكل) لأن ذلك غاية التعليم ( ولو أخذ منه قطعة فرماها ثم أخذ الصيد وقتله ثم أكل ما ألقاه أكل) لأنه لم يبق صيدا، حتى لوأكل من نفس الصيد فى هذه الحالة لايضرّه فهذا أولى. قال ( فان أكل منه البازى يؤكل ) وقد مرّ. قال ( وإن أدركه حيا لا يحلّ إلا بالتذكية، وكذلك فى الرمى) لأنه قدر على الذكاة الاختيارية فلا تجزئ الاضطرارية لاندفاع الضرورة وهذا إذا قدر على ذبحه، فان أدركه حيا ولم يتمكن من ذبحه إما لفقدآلة أو لضيق الوقت وفيه من الحياة فوق حياة المذبوح لم يؤكل . وعن أبى حنيفة وأبى يوسف أنه يؤكل. إذا لم يقدر على الذكاة حقيقة فصار كالمتيمم إذا وجد الماء ولم يقدر على استعماله ؛ وجه الظاهر أنه لما قدر عليه وبه حياة لم يبق فلا يحلّ إلا بالذكاة الاختيارية وهذا إذا كان بحال يتوهم حياته ؛ أما إذا بقى فيه من الحياة مثل المذبوح أو بقر بطنه وأخرج ما فيها ثم أخذه وبه حياة فانه يحلّ لأنه ميت حكما ، - ٧ - وَإِنْ شَارَكٍ كَلْبَهُ كَلْبِ كَمْ يُذكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللّهِ، أَوْ كَلْبُ مُجُوسِيٌّ، أَوْ غير مُعَلْمٍ لَمْ يُؤْكَلْ؛ وَلَوْ سَمِعَ حِسًّا فَظَنَّهُ آدَمِيًّا فَرَمَاءُ، أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ فِإِذَا هُوَ صَيْدٌ أُكِلَ؛ وَإِذَا وَقَعَ الصَّيْدُ فى المَاءِ أوْ عَلَى سَطْحٍ أَوْ جَبَلٍ أوْ سِنِانٍ رُمْحٍ، ثُمَّ تَرَدَّى إِلَى الأَرْضِ لَمْ يُؤْكَلْ؛ وَلَوْ وَقَعَ ابْتِدَاءً عَلى الأَرْضِ أُكِلَ؛ وفِى طِيْرِ المَاءِ إِنْ أَصَابَ الْمَاءُ الْجُرْحَ لَمْ يُؤْكَلْ وَإلاَّ أُكِلَ، وَلَا يُؤْكَلُ مَا قَتَلَتْهُ البُنْدُقَةُ وَالْحَجَرُ وَالعَصَا وَاَلْمِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ. فإِنْ خَزَقَ ولهذا لووقع فى هذه الحالة فى الماء لايحرم كما إذا وقع وهو ميت . وعن أبى حنيفة أنه لا يؤكل أيضا لأنه أخذه حيا فلا يحلّ إلا بالذكاة الاختيارية ، فلو أنه ذكاه حلّ بالإجماع. قال تعالى - إلا ما ذكيتم - من غير فصل، وعلى هذا المتردية والنطيحة والموقوذة والذى بقر الذئب بطنها وفيها حياة خفيفة أو ظاهرة وهو المختار لما تلونا . وعن محمد إذا كان بحال یعیش فوق ما یعیش المذبوح حلّ وإلا فلا ، إذ لا اعتبار بهذه الحياة . وعن أبى یوسف إذا كان بحال لا يعيش مثله لايحلّ ، لأن موته لايحصل بالذبح . قال ( وإن شارك كلبه كلب لم يذكر عليه اسم الله، أو كلب مجوسى، أو غير معلم لم يؤكل ) لقوله عليه الصلاة والسلام لعدىّ بن حاتم ((وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل ، فانك إنما سميت على كنبك ولم تسمّ على كلب غيرك)) ولأنه اجتمع المحرّم والمبيح فيغلب المحرّم المبيح احتياطا . قال ( ولو سمع حسا فظنه آدميا فرماه ، أو أرسل عليه كلبه فإذا هو صيد أكل ) لأنه لا اعتبار بظنه مع كونه صيدا حقيقة ، وكذلك لو ظنه حسّ صيد فتبين كذلك حلّ ، لأنه صيد وقد قصده فيحلّ . وعن أبى يوسف أنه استثنى الخنزير لشدّة حرمته ، حتى لاتثبت إباحة شىء منه ، وغيره من السباع تثبت الإباحة فی جلده ؛ ولو تبين أنه حسّ آدمى أو حيوان أهلى مما يأوى البيوت لم يؤكل المصاب لأنه ليس بصيد . قال (وإذا وقع الصيد فى الماء ، أو على سطح أو جبل أو سنان رمح ، ثم تردّى إلى الأرض لم يؤكل ) لأنه متردّية، قال عليه الصلاة والسلام لعدىّ ((وإن وقعت رميتك فى الماء فلا تأكل ، فانك لاتدرى الماء قتله أم سهمك ؟ )) فقد اجتمع دليلا الحل والحرمة ؛ وكذلك لو وقع على شجرة أو قصبة أو حرف آجرة لاحتمال موته بهذه الأشياء ( ولو وقع ابتداء على الأرض أكل ) لأنه لا يمكن الاحتراز عنه ، فلو اعتبرناه محرّما انسدّ باب الصيد ، فا لا يمكن الاحتراز عنه كالعدم. قال ( وفى طير الماء إن أصاب الماء الجرح لم يؤكل ، وإلا أكل ) لإمكان الاحتراز عن الأوّل دون الثانى. قال (ولا يؤكل ما قتلته البندقة والحجر والعصا والمعراض بعرضه ) لأن ذلك كله فى معنى الموقوذة ( فان خزق (١) (١) قوله خزق بالزاى المعجمة ، يقال : خزق السهم : إذا أصاب الرمية ونفذ فيها . - ٨ - المِعْرَاضُ الجِلْدَ بِحَدَّهِ أُكِلَ، وَإِنْ رَمَاهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّيْنِ فأبانٍَّ عُضْوم مِنْه أكِلَ الصَّيْدُ، وَلا يُؤْكَلُ العُضْوُ، وَإِنْ قَطَعَهُ نِصْفِيْنِ أُكِلَ، وَإِنْ قَطَعَهُ أَثْلانا أُكِلَ الكُلُ إنْ كانَ الأَقَلُّ مِنْ جِهَةِ الرأسِ؛ وَمَنْ رَمى صَيْدًا فأنحَنّهُثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَيَضْمَنُ الثّانِى لِلأوَّلِ قِيمَتَهُ ◌َغْرَ نُقْصَانِ جِرَاحَتِهِ ، المعراض الجلد بحدّه أكل) قال عليه الصلاة والسلام فيه (( ما أصاب بحدّه فكل ، وما أصاب بعرضه فلا تأكل)) وإن جرحته الحجر إن كان ثقيلا لم يؤكل لاحتمال أنه قتله بثقله ، وإن كان خفيفا وبه حدّ لا يحلّ لأنها قتلته بحدّها ؛ ولو رماه بها فأبان رأسه أو قطع العروق لايؤكل ، لأن العروق قد تنقطع بالثقل فوقع الشكّ ، ولعله مات قبل قطع العروق ، ولو كان للعصا حدّ فجرحت يؤكل لأنها بمنزلة المحدّد . فالحاصل أن الموت إن كان يجرح بيقين حلّ، وإن كان بالثقل لا يحلّ ، وكذا إن وقع الشكّ احتياطا . قال ( وإن رماه بسيف أو سكين فأبان عضوا منه أكل الصيد) لوجود الجرح فى الصيد وهو ذكاته ( ولا يؤكل العضو ) قال عليه الصلاة والسلام ((ما أبين من الحىّ فهو ميت)). قال (وإن قطعه نصفين أكل ) لأن المبان منه ليس بحىّ ، إذ لا يتوهم بقاء حياته . قال (وإن قطعه أثلاثا أكل الكلّ إن كان الأقل" من جهة الرأس) لما تقدّم بخلاف ما إذا كان الأقل مما يلى العجز، لأنه يتوهم حياته فلا يؤ كل ؛ وإن رماه بسیف أو بسکین فان جرحه بالحدّ حلّ، وإن أصابه بقفا السكين أو بمقبض السيف لايحلّ لأنه وقد (١) لاجرح؛ ولو رماه فجرحه وأدماه حلّ، وإن لم يدمه لا يحلّ لأن الإدماء شرط . قال عليه الصلاة والسلام ((ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل)) شرط الإنهار، وقيل يحلّ لأن الدم قد ينحبس لغلظه وضيق المنفذ ، وعلى هذا إذا علقت الشاة بالعناب فذبحت ولم يسل منها الدم . وقال بعضهم : إن كانت الجراحة كبيرة حلّ بدون الإدماء ، وإن كانت صغيرة لابدّ من الإدماء. قال ( ومن رمى صيدا فأنخنه ثم رماه آخر فقتله لم يؤكل ) لأن بالإنخان صارت ذكاته اختيارية فصار بالجرح الثانى ميتة ، وهذا إذا كان بحال ينجو من الرمية الأولى ليكون موته مضافا إلى الثانية ، وإن كان بحال لا يسلم من الأولى بأن قطع رأسه أو بقر بطنه ونحوه يحلّ لأن وجود الثانية كعدمها. قال ( ويضمن الثانى للأول قيمته غير نقصان جراحته ) لأنه أتلف عليه صيدا مملوكا له ، لأنه ملكه حيث أثخنه فخرج عن حيز الامتناع فلا يطيق (١) قوله وقذ ، قال فى مختار الصحاح : وقذه : ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت ، وبابه وعد ؛ وشاة موقوذة : قتلت بالخشب . -٩ - وَإِنْ لَمْ يُنْخِنْهُ الأوَّلُ أُكِلَ وَهُوَ لِثَّانِى. كتاب الذبائح والذّكَاةُ اخْتِيارِيَّةٌ، وَهِىَ الذَّبْحُ فى الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ. وَاضْطِرارِيّةٌ، وَهِىَ الجُرْح فى أىّ مَوْضِعِ اتَّفَقَ؛ وَشَرْطُهُما النَّسْمِيَةُ، وكَوْنُ الذَّا بِحِ مُسْلِما أوْ كِتابِياً . براحا وهو معيب بالجراحة ، والقيمة تجب عند الإتلاف. قال (وإن لم يثخنه الأوّل أكل) لأنه صيد على حاله ( وهو للثانى) لأنه هو الذى أخذه ، قال عليه الصلاة والسلام (( الصيد لمن أخذه» . كتاب الذبائح وهو جمع ذبيحة ، والذبيحة : المذبوحة ، وكذلك الذبح ، قال الله تعالى - وفديناه بذبح عظيم - والذبح مصدر ذبح يذبح، وهو الذكاة أيضا ، قال تعالى - إلا ما ذكيتم - أى ذبحتم. ( والذكاة ) نوعان ( اختيارية ، وهى الذبح فى الحلق واللبة ) قال عليه الصلاة والسلام ((الذكاة ما بين اللبة واللحيين)) أى موضع الذكاة ، وهى قطع عروق معلومة على ما يأتي؛ إن شاء الله تعالى. قال (واضطرارية: وهى الجرح فى أىّ موضع اتفق) وهى مشروعة حالة العجز عن الاختيارية ، وذلك مثل الصيد والبعير الناد" ، فلو رماه فقتله حلّ أكله لأن الجرح فى غير المذبح أقيم مقام الذبح عند تعذّر الذبح للحاجة ، والبقر والبعير لو ندّاً فى الصحراء أو المصر بمنزلة الصيد ، وكذلك الشاة فى الصحراء ، ولو ندّت فى المصر لا تحلّ بالعقر لأنه يمكن أخذها ، أما البقر والبعير فربما عضه البعير ونطحه البقر فتحقق العجز فيها ؛ والمتردّى فى بئر لايقدر على ذكاته فى العروق كالصيد إذ لايتوهم موته بالماء . قال ( وشرطهما التسمية ، وكون الذابح مسلما أو كتابيا ) أما التسمية فلقواء تعالى - فاذكروا اسم الله عليها صوافّ - والمراد حالة النحر بدليل قوله - فاذا وجبت جنوبها - أى سقطت بعد النحر ، وما مرّ من حديث عدىّ فى الصيد وقوله فيه ((فإنما سميت على كلبك)) فلو تركها عامدا لاتحلّ ، لقوله تعالى - ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق - ولم ينقل فى ذلك خلاف عن الصدر الأوّل ، وإنما اختلفوا فى متروك التسمية ناسيا ، فالقول باباحة متروك التسمية عامدا مخالف للإجماع ، ولهذا قال أصحابنا : إذا قضى القاضى بجواز بيعه لا ينفذ لأنه قول مخالف للكتاب والإجماع ، والكتابی فیه کالمسلم ، ولأن ما ذ کرنا من النصوص منها أمر بالتسمية ، ومنها جعلها شرطا لحلّ الأكل ، وذلك يدلّ على حرمة 1 - ١٠ - فإنْ تَرَكَ النَّسْمِيَةَ ناسِيا حَلَّ؛ وَإِنْ أَضْجَعَ شَاةً وَسَّى فَذَبَحَ غْرَها بِعِلْكَ النَّسْمِيَةِ لَمْ تُؤْكَلْ، وَإِنْ ذَبَحَ بِشَفْرَةٍ أُخْرَى أُكِلَ؛ وَبُكْرَهُ أنْ يَذْكُرَ مَعَ اسْمِ اللّهِ تَعالى اسْمَ غيرِهِ، وأنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلانٍ. المتروك عامدا ؛ وأمد كون الذابح مسلما لقوله تعالى - إلا ما ذكيم - خطاب للمسلمين ؛ وأما الذمى فلقوله تعالى فى طعام الذين أوتوا الكتاب - حلّ لكم وطعامكم حلّ لهم - . وقال عليه الصلاة والسلام فى المجوس (( سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحى نسائهم ولا آ كلى ذبائحهم)) فدلّ على حلّ ذبائح أهل الكتاب ، فان سمى النصرانى المسيح وسيعه المسلم لا يأكل منه ، ولو قال بسم الله وهو يعنى المسيح يأكل منه بناء على الظاهر ، ويشترط أن يكون يعقل التسمية ويضبطها ويقدر على الذبح ، فتحلّ ذبيحة المرأة المسلمة والكتابية والصبىّ إذا قدر على الذبح ، والمرتدّ لاملة له فلا تجوز ذبيحته ، ويجوز صيد المجوسى والمرتدّ السمك والجراد لأنه لاذكاة له فحله غير منوط بالتسمية . قال ( فان ترك التسمية ناسيا حلّ ) لأن فى تحريمه حرجا عظيما ، لأن الإنسان قلما يخلو عن النسيان فكان فى اعتباره حرج . وسئل عليه الصلاة والسلام عمن نسى التسمية على الذبيحة ، فقال (( اسم الله على لسان كلّ مسلم)) ولأن الناسى غير مخاطب بما نسيه بالحديث فلم يترك فرضا عليه عند الذبح بجلاف العامد . قال ( وإن أضجع شاة وسمى فذبح غيرها بتلك التسمية لم تؤكل ، وإن ذبح بشفرة أخرى أكل) ولو أخذ سهما وسمى ثم وضعه فأخذه غيره ولم يسمّ لا يحلّ ، ولو سمى على سهم فأصاب صيدا آخر حلّ ؛ والفرق أن التسمية فى الذبح مشروطة على الذبيحة ، قال تعالى - فاذكروا اسم الله عليها صواف - فاذا تبدّلت الذبيحة ارتفع حكم التسمية عليها ؛ وفى الرمى والإرسال التسمية مشروطة على الآلة ، قال عليه الصلاة والسلام ((إذا رميت سهمك وذكرت اسم اللّه عليه فكل)) وقال ((فإنما سميت على كلبك)) فما لم تتبدّل الآلة فالتسمية باقية، وإذا تبدّلت ارتفع حكمها فاحتاج إلى تسمية أخرى . قال ( ويكره أن يذكر مع اسم الله تعالى اسم غيره ، وأن يقول : اللهم" تقبل من فلان ) لأن الشرط هو الذكر الخالص ، لقول ابن مسعود : جرّدوا التسمية، فإذا ذكر اسم غير اللّه تعالى مع اسم اللّه تعالى؛ فاما إن ذكره موصولا به أو مفصولا ، فان فصل فلا بأس بأن ذكره قبل التسمية أو قبل الإضجاع أو بعد الذبيحة لأنه لامدخل له فى الذبيحة . وروى أنه صلى اللّه عليه وسلم قال بعد الذبح ((اللهم" تقبل هذه من أمة محمد ممن شهد لك بالوحدانية ولى بالبلاغ)) وإن ذكره موصولا، فأما إن كان معطوفا أو لم يكن ، فان كان معطوفا حرمت، لأنه أهلّ به لغير اللّه بأن يقول: باسم الله واسم فلان، أو باسم الله وفلان ، أو باسم الله ومحمد رسول الله بكسر الدال ، ولو رفعها لايحرم لأنه كلام ١ - ١١ - وَالسَّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ وَذَبْحُ البَقَرِ وَالغَمِ، فإنْ عَكَسَ فَذَبَحَ الإِبِلَ وَتَحَرَ البَقَرَ وَالغَمَّ كُرِهَ وَيُؤْكَلُ. وَالعُرُوقُ الَّتِى تُقْطَعُ فى الذَّكَاةِ: الحُلْقُومُ وَالمَرِىءُ وَالوَدَ جانٍ، فإنْ قَطَعَهَا حَلَّ الأكْلُ، وكَذَلِكَ إذَا قَطَعَ ثَلاثَةٌ (س) مِيْها؛ مستأنف غير متعلق بالذبيحة ، وإن كان موصولا غير معطوف بأن قال : باسم الله محمد رسول الله لا يحرم لأنه لما لم يعطف لم توجد الشركة فيقع الذبح خالصا لله تعالى إلا أنه يكره لأنه لصورة المحرم من حيث القران فى الذكر ؛ ولو قال عند الذبح : اللهم اغفر لى لا يحلّ لأنه دعاء، ولو قال: الحمد لله أو سبحان الله ينوى التسمية حلّ"، والمنقول المتوارث من الذكر عند الذبح : بسم الله الله أكبر، وكذا فسر ابن عباس رضى الله عنهما قوله - فاذكروا اسم الله عليها صواف -. قال (والسنة نحر الإبل وذبح البقر والغنم ، فان عكس فذبح الإبل ونحر البقر والغنم كره ويؤكل ) قال تعالى - فصلّ لربك وانحر - قالوا: المراد نحر الجزور . وقال - إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة - وقال - وفديناه بذبح عظيم - والذبح : ما يذبح وكان كبشا ، وهو المتوارث من فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة إلى يومنا هذا ؛ وإنما كره إذا عكس لمخالفته السنة ، ويؤكل لوجود شرط الحل وهو قطع العروق وإبهار الدم . قال ( والعروق التى تقطع فى الذكاة : الحلقوم والمرىء والودجان) وقال الكرخى: الذكاة فى الأوداج ، والأوداج أربعة: الحلقوم ، والمرىء ، والعرقان اللذان بينهما، وأصله قوله عليه الصلاة والسلام ((أفر الأوداج بما شأت)) وهو اسم جمع فيتناول ثلاثة ، وهو المرىء والودجان ، ولا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فثبت قطع الحلقوم اقتضاء (فإن قطعها حلّ الأكل) لوجود الذكاة ( وكذلك إذا قطع ثلاثة منها ) أىّ ثلاثة كانت . وقال أبو يوسف: لابدّ من قطع الحلقوم والمرىء وأحد الودجين . وعن محمد أنه يعتبر الأكثر من كلّ عرق . وذكر القدورى قول محمد مع أبى يوسف ، وحمل الكرخى قول أبى حنيفة، وإن قطع أكثرها حلّ على ما قاله محمد ، والصحيح ما ذكرنا . لمحمد أن الأمر ورد بفرى العروق ، وكل واحد منفصل عن الباقين أصل بنفسه فلا يقوم غيره مقامه ، إلا أنه إذا قطع أكثره فكأنه قطعه إقامة للأكثر مقام الكلّ ، ولأن المقصود يحصل بقطع الأكثر ؛ ألا يرى أنه يخرج به ما يخرج بقطع جميعه ، ولأن الذبح قد يبقى اليسير من العروق فلا اعتبار به. ولأبى يوسف رحمه الله أن كل واحد منهما يقصد بقطعه غير ما يقصد بقطع الآخر ، فان الحلقوم مجرى النفس ، والمرىء مجرى الطعام ، والودجين مجرى الدم ، فاذا قطع أحد الودجين حصل المقصود بقطعهما ، وإذا ترك الحلقوم أو المرىء لايحصل المقصود من قطعه بقطع ما سواه . ولأبى حنيفة أن الأكثر يقوم مقام الكلّ فى الأصول، فيقطع أىّ حادث كان حصل قطع الأكثر ، - ١٢ - وَيَجُوزُ الذَّبْحُ بِكُلَ مَا أَفْرَى الْأَوْدَاجَ وأَنْهَرَ الدَّمَ، إلاَّ السَّنَّ القائْمَةَ وَالظَّفْرَ القائمَ. وَيُسْتَحَبُّ أنْ يُحِدَّ شَفْرَتَهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْلُغَ بِالسِّكَّيْنِ النّخاعَ ، أَوْ يَقْطَعَ الرأسَ وَتُؤْكَلُ؛ وَيُكْرَهُ سَلْخُها قَبْلَ أنْ تْبُرُدَ، وَمَا اسْتَأْنَسَ مِنَ الصَّيْدِ فَذَكَاتُهُ اخْتِيارِيَّةٌ، وَمَا تَوَحَّشَ مِنَ النَّعَمِ فَاضْطِرَارِيَّةٌ ؛ ولأن المقصود يحصل بذلك ، وهو إنهار الدم والتسبيب إلى إزهاق الروح ، لأنه لايحيا بعد. قطع مجرى النفس والطعام ، والدم يجرى بقطع أحد الودجین فیکتفی به تحرّزا عن زيادة التعذيب . قال ( ويجوز الذبح بكلّ ما أفرى الأوداج وأنهر الدم ، إلا السنّ القائمة والظفر القائم) لقوله عليه الصلاة والسلام ((أفر الأوداج بما شئت وكل)) وقوله (( أنهر الدم بما شئت)) وقال عليه الصلاة والسلام ((كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج، ما خلا السنّ والظفر فانهما مدى الحبشة)) والحبشة كانوا يذبحون بهما قائمين، ولأن القتل بهما قائمين يحصل بقوّة الآدمى وثقله فأشبه المنخنقة ، ولوذبح بهما منزوعين لا بأس بأكله ويكره . أما الكراهة فلظاهر الحديث وأنه استعمال جزء الآدمی و أنه حرام ، ولا بأس به لما ذكرنا من المعنى ولحصول المقصود ، وهو إنهار الدم وقطع الأوداج . ونصّ محمد على أن المذبوح بهما قائمين ميتة لأنه وجد فيه نصا ، وما لا يجد فيه نصا يتحرّى فيقول فى الحلّ لابأس به ، وفى الحرمة لا يؤكل أو يكره . قال ( ويستحبّ أن يحدّ شفرته ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) ((ورأى عليه الصلاة والسلام رجلا أضجع شاة وهو يحدّ شفرته، فقال: هلا حددتها قبل أن تضجعها؟)). قال ( ويكره أن يبلغ بالسكين النخاع أو يقطع الرأس وتؤكل) والنخاع عرق أبيض فى عظم الرقبة، لأنه عليه الصلاة والسلام ((نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت)) وفسروه بما ذكرنا، وفى قطع الرأس زيادة تعذيب الحيوان بلا فائدة ويؤكل لوجود المقصود ، لأن هذه الكراهة لمعنى زائد وهو زيادة الألم فلا يوجب التحريم . قال ( ويكره سلخها قبل أن تبرد ) أى يسكن اضطرابها ، وكذا يكره كسر عنقها قبل أن تبرد لما فيه من تألم الحيوان وبعد ذلك لاألم فلا يكره. وفى الحديث ((ألا لا تنخعوا الذبيحة حتى تجب)) أى لاتقطعوا رقبتها وتفصلوها حتى تسكن حركتها، وإن ذبح الشاة من قفاها إن ماتت قبل قطع العرق فهى ميتة لوجود الموت بدون الذكاة ، وإن قطعت وهى حية حلت لأنها ماتت بالذكاة ، كما إذا جرحها ثم ذبحها ، إلا أنه يكره فعله لما فيه من زيادة الألم من غير فائدة . قال ( وما استأنس من الصيد فذكاته اختيارية ) للقدرة عليها ( وما توحش من النعم فاضطرارية ) للعجز عن الاختيارية . - ١٣ - وَإذَا كانَ فِى بَطْنِ المَذْبُوحِ جَنِينٌ مَيِّتٌّ لَمْ يُؤْكَلْ (سم)، وَإِذَا ذُبِحَ ما لا يُؤْكلُ ◌َحْمُهُ طَهُرْ جِدْدُهُ وَحْمُهُ إِلاَّ الْخِْزِيرَ وَالآدَمِّ. فصل وَلا يَحِل أكْلُ كُلّ ذِى نابٍ مِنَ السُّبَاعِ وَلَا ذِى مَخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، قال ( وإذا كان فى بطن المذبوح جنين ميت لم يؤكل) وقالا: إذا تم خلقه أكل وإلا فلا ، لقوله عليه الصلاة والسلام ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) ولأنه جزء الأمّ متصل بها يتغذى بغذائها وبتنفس بتنفسها ويدخل فى بيعها ويعتق باعتاقها ، فيتذكى بذكاتها كسائر أجزائها . ولأبى حنيفة أنه حيوان بانفراده حتى يتصوّر حياته بعد موتها فيفرد بالذكاة ، ولهذا يعتق باعتاق مفرد ، وتجب فيه الغرّة وتصحّ الوصية به وله دونها ، ولأنه حيوان دموى لم يخرج دمه فصار كالمنخنقة ، لأن بذكاة الأم لايخرج دمه بخلاف الصيد ، لأن الجرح موجب لخروج الدم، ولأنه احتمل موته بذبح الأمّ واحتمل قبله فلا يحلّ بالشكّ، والحديث روى بالنصب بنزع الخافض فدل" على تساويهما فى الذكاة لقوله تعالى - ينظرون إليك نظر المغشىّ عليه من الموت - وعلى رواية الرفع احتمل التشبيه أيضاً كقوله تعالى - وجنة عرضها السموات والأرض - فيحمل عليه توفيقا ، ولهذا كره أبو حنيفة ذبح الشاة الحامل التى قربت ولادتها لما فيه من إضاعة الولد، وعندهما لا يكره لأنه يؤكل عندهما . قال ( وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه طهر جلده ولحمه إلا الخنزير والآدمى ) فان الذكاة لاتعمل فيهما ، لأن الذكاة تزيل الرطوبات وتخرج الدماء السائلة ، وهى المنجسة لاذات اللحم والجلد فيظهر كما فى الدباغ . أما الآدمى فلكرامته وحرمته ، والخنزير لنجاسته وإهانته فلا تعمل الذكاة فيهما كما لا يعمل الدباغ فى جلدها وقد مرّ فى الطهارة ؛ ولو ذبح شاة مريضة فلم يتحرّك منها شىء إلا فمها . قال محمد بن سلمة : إن فتحت فاها وعينها ومدّت رجلها ونام شعرها لم تؤكل ، وإن كان على العكس أكلت . فصل ( ولا يحل أكل كل ذي ناب من السباع ولا ذى مخلب من الطير) لأنه عليه الصلاة والسلام ((فِى عن أكل كل ذي ناب من السباع)) وقوله عقيب النوعين من السباع ينصرف إليهما فيثبت الحكم فيما له مخلب وناب من سباع الطير والبهائم دون غيرهما ، والسبع كلّ جارح قتال منهب متعدّ عادة كالأسد والنمر والفهد والذئب والثعلب والدبّ والفيل والقرد واليربوع وابن عرس والسنور البرى والأهلى ؛ وذو المخلب من الطير : الصقر - ١٤ - وَلا تَحِل الْحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ وَلا البِغالُ وَلَا الْخَيْلُ (سم) ، والبازى والنسر والعقاب والشاهين والحدأة . قال أبو حنيفة: الدلق (١) والسنجاب (٢) والفنك (٣) والسمور (٤) وما شابه سبع ؛ ولا يؤكل ابن عرس لأنها ذات أنياب فدخلت تحت النصّ، وفى الحديث نهى عن أكل الخطفة والنهبة والمجئمة ، فالخطفة : التى تختطف فى الهواء كالبازى ونحوه ، والهبة : الذى ينتهب على الأرض كالذئب والكلب ونحوه ، والمجثمة : فقد روى بالفتح والكسر فبالفتح كل صيد جثم عليه الكلب حتى مات هما ، وبالكسر كلّ حيوان من عادته أن يجثم على الصيد كالذئب والكلب ؛ ومعنى تحريم هذه الأشياء كرامة لبنى آدم لئلا يتعدّى إليهم شىء من هذه الخصال الذميمة بالأكل ؛ وكل ما ليس له دم سائل حرام إلا الجراد ، مثل الذباب والزنابير والعقارب ، وكذا سائر هوام الأرض وما يدبّ عليها وما يسكن تحتها ، وهى الحشرات كالفأرة والوزغة واليربوع والقنفد والحية ونحوها ، لأن جميع ذلك من الخبائث فيحرم لقوله تعالى - ويحرّم عليهم الخبائث -. قال ( ولا تحل الحمر الأهلية ولا البغال ولا الخيل) لقوله تعالى - والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة - خرجت فى معرض الامتنان ، فلو جاز أكلها لذكره ، لأن نعمة الأكل أعظم من نعمة الركوب . وعن علىّ وابن عمر رضى الله عنهم أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ((نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن متعة النساء)). وقال أبو يوسف ومحمد : لحم الخيل حلال لما روى عن أنس قال : أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام. وروى (( أنه عليه الصلاة والسلام نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن فى الخيل)). ولأبى حنيفة ما تلونا من الآية. وما روى خالد بن الوليد ((أن النبىّ عليه الصلاة والسلام نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمر الأهلية)) وروى المقدام بن عدىّ أن النبىّ عليه الصلاة والسلام قال ((حرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها وكلّ ذي ناب من السباع وكلّ ذى مخلب من الطير)) ولأن البغل وهو نتاجه لا يؤكل فلا يؤكل الفرس ، لأن أكل النتاج معتبر بأمه ؛ ألا ترى أن الحمار الوحشى لو نزا على الأتان الأهلية لا يؤكل ؟ فكذا هذا . (١) الدلق محركة : دويبة كالسمور ، وهو فارسىّ معرّب، كذا فى القاموس . (٢) السنجاب ، قال فى المنجد : والسنجاب حيوان كاليربوع تتخذ منه الفراء ، ويضرب به المثل فى خفة الصعود . (٣) قال فى القاموس : الفنك بالتحريك : دابة فروتها أطيب أنواع الفراء وأشرفها وأعدلها . (٤) قال في المجد : السمور : حيوان برىّ يشبه السنور يتخذ من جلده فراء ثمينة . ١ - ١٥ - وَيُكْرَهُ الرُّخُمُ وَالْبُغَاثُ وَالغُرَّبُ وَالضَّبُّ وَالسُّلَحْفَاةُ وَالْخَشَرَاتُ، وَيَجُوزُ غُرَابُ الزَّرْعِ وَالعَقْعَقُ وَالْأُرْنَبُ وَالْجَرَادُ، وَلا يُؤْكَلُ مِنْ حَبَوَانِ المَاءِ إِلاَّ السَّمَكُ، وَلا يُؤْكَلُ الْطَّافِىِ مِنَ السَّمَكِ. 1 قال ( ويكره الرخم (١) والبغاث والغراب ) لأنها تأكل الجيف فكانت من الخبائث ، إذ المراد الغراب الأسود وكذلك الغداف (٢). قال (والضبّ) لما روت عائشة رضى الله عنها ((أنه أهدى إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام ضبّ فامتنع من أكله ، فجاءت سائلة فأرادت عائشة أن تطعمها ، فقال لها : أتطعمين ما لاتأكلين ؟)) ولولا حرمته لما منعها عن التصدّق كما فى شاة الأنصار. قال ( والسلحفاة ) لأنها من الفواسق ( والحشرات) بدليل جواز قتلها للمحرم. قال ( ويجوز غراب الزرع والعقعق والأرنب والجراد ) قال أبو يوسف غراب الزرع له هيئة مخالفة للغراب فى صغر جثته ، وأنه يدّخر فى المنازل ويؤلف كالحمام ويطير ويرجع ، والعقعق يخلط فىأ کله فأشبه الدجاج والأرنب ، لما روی عمار بن ياسر قال ((أهدى لرسول الله عليه الصلاة والسلام أرنية مشوية فقال لأصحابه كلوا)). قال أبويوسف : أما الوبر (٣) فلا أحفظ فيه شيئا عن أبى حنيفة وهو عندى كالأرنب وهو يعتلف البقول والنبت ، وهذا لأن الأشياء على الإباحة إلا ماقام عليه دليل الحظر ، وأما الجراد فلقوله عليه الصلاة والسلام (( أحلت لنا ميتتان ودمان؛ أما الميتتان: فالسمك والجراد؛ وأما الدمان: فالكبد والطحال)) وسواء مات حتف أنفه أو أصابته آفة كالمطر ونحوه لإطلاق النصّ. قال (ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك ) لأنه ميتة فيحرم بالنص" ، وإنما حلّ السمك بما روينا من الحديث وأنه يشمل جميع أنواعه الجريث والمارماهى وغيرهما . وعن النبىّ عليه الصلاة والسلام ((أنه سئل عن الضفدع يجعل شحمه فى الدواء فنهى عن قتل الضفدع وقال: خبيثة من الخبائث)). قال ( ولا يؤكل الطافى من السمك) وهو ما مات حتف أنفه، لما روى جابر رضى الله عنه ((أن النبيّ عليه الصلاة والسلام نهى عن أكل الطافى)). وعن علىّ رضى الله عنه: لا تبيعوا فى أسواقنا الطافى. وعن ابن عباس أنه قال: ما دسره البحر فكله ، وما وجدته مطفوًا على الماء فلا تأكله . ومامات من الحرّ أو البرد أو كدر الماء روى أنه يؤكل لأنه مات بسبب حادث كما لو ألقاه الماء على اليبس . وروى أنه لا يؤكل ، لأن الحرّ والبرد من صفات الزمان وليسا من حوادث الموت عادة ؛ ولو ابتلعت سمكة سمكة تؤكل لأنه سبب حادث للموت . قال أبو يوسف عن أبى حتيفة : (١) قوله الرخم ، قال فى مختار الصحاح: الرخمة : طائر أبقع يشبه النسر فى الخلقة ، (٢) نوع من الغربان يسمى غراب القيظ . وجمعه رخم اهـ . (٣) قال فى المنجد : الوبر : دويبة كالسنور لكنها أصغر منه ولها ذنب صغير جدًا. - ١٦ - كتاب الأضحية وَهِىَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ حُرّ مُقِيمٍ مُوسِرٍ، تحبس الجلالة ثلاثة أيام . وعن محمد لم يوقت أبو حنيفة فيه وقتا وقال : تحبس حتى تطيب والجلالة : التى تأكل العذبة ، فان خلطت فليست بجلالة ، ولذلك قالوا : الدجاجة لاتكون جلالة لأنها تخلط . وقال محمد : إذا أثمن وتغير ووجد منه رائحة منتنة فهى جلالة لا يشرب لبنها ولا يؤكل لحمها ويجوز بيعها وهبتها ، وإذا حبست زالت الكراهة لأن ما فى جوفها يزول وهو الموجب للتغير والنتن ، ولم يوقت أبو حنيفة لأنه إذا توقف على زوال النّن وجب اعتبار هذا المعنى ، وفى رواية أبى يوسف قدّره بثلاثة أيام اعتبارا للغالب من حالها . وقدروى (( أن النبىّ عليه الصلاة والسلام كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يأكله)) وهذا على طريق التنزّه فيجوز أن يكون رواية التقدير بالثلاثة بناء على هذا الحديث . كتاب الأضحية وهو بضمّ الهمزة وكسرها : اسم لما يذبح أيام النحر بنية القربة لله تعالى، وكذلك الضحية بفتح الضاد وكسرها ، ويقال أيضا أضحاة . قال عليه الصلاة والسلام ((على أهل كل بيت فى كل عام أضحاة وعتيرة)) فالأضحاة ما يذبح أيام النحر ، والعتيرة شاة كانت تذبح للصنم فى رجب نسخت وبقيت الأضحية ، وهى من أضحى يضحى إذا دخل فى الضحى لأنها تذبح وقت الضحى فسمى الواجب باسم وقته كصدقة الفطر والصلوات الخمس . قال ( وهى واجبة على كلّ مسلم حرّ مقيم موسر ) أما الوجوب فمذهب أصحابنا . وروى عن أبى يوسف أنها سنة ، وذكر الطحاوى أنها واجبة عند أبى حنيفة سنة عندهما واختاره رضىّ الدين النيسابورى ، والدليل على كونها سنة قوله عليه الصلاة والسلام (( ثلاث كتبت علىّ ولم تكتب عليكم: الوتر والضحى والأضحى)) وفى رواية (( وهى لكم سنة)) وعن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما أنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يراها الناس واجبة ، ولأنها لو وجبت لوجبت على المسافر كصدقة الفطر والزكاة ، إذ الواجبات المالية لا تأثير للسفر فيها ؛ ودليل الوجوب قوله تعالى - فصلّ لربك وانحر - أمر بنحر مقرون بالصلاة ولا ذلك إلا الأضحية ، فلئن قال : المراد أخذ اليد باليد على النحر فى الصلاة . قلنا هذا أمر وأنه يقتضى الوجوب ، ولا وجوب فيما ذكرتم بالإجماع فتعين ما ذكرياً ، وقوله عليه الصلاة والسلام ((ضحوا فانها سنة أبيكم إبراهيم)) أمر وأنه للوجوب. وقوله عليه الصلاة والسلام ((من وجد سعة ولم يضحّ فلا يقربنّ مصلانا)) على الوعيد بتراد ٣ - ١٧ - وَيَجِبُ عَلَى كُلّ وَاحِدٍ شاةٌ. وَإِنِ اشْتَرَكَ سَبْعَةٌ فِى بَقَرَةِ أوْ بَدَّنَةٍ جازَ إِنْ كانُوا مِنْ أَهْلِ القُرْبَةِ وَيُرِيدُوَّنها . الأضحية وأنه يدل" على الوجوب، ولأن إضافة اليوم إليه تدلّ على الوجوب لأنه لا تصحّ الإضافة إليه إلا إذا وجدت فيه لامحالة ، ولا وجود إلا بالوجوب فيجب تصحيحا للإضافة وكما فى يوم الفطر وصدقته . وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((ولم تكتب عليكم)) قلنا نفى الكتابة نفى الفريضة ، لأن المراد من الكتابة الفرض ، قال الله تعالى - إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا - أى فرضا موقتا ، ولذلك تسمى الصلوات المفروضات مكتوبة ، فكأن النص" ينفى الفرضية ونحن نقول به إنما الكلام فى ننى الوجوب، وقوله ((وهى لكم سنة)) أى ثبت وجوبها بالسنة لما ذكرنا من التعارض فى تأويل الآية، وما وجب بالسنة يطلق عليه اسم السنن وهو كثير النظير، وأبو بكر وعمر كانا فقيرين فخافا أن يظنها الناس واجبة على الفقراء على أنها مسألة مختلفة بين الصحابة ، ولا احتجاج بقول البعض على البعض والترجيح لنا ، لأن ما ذكرناه موجب وما ذكروه ناف والموجب راجح وتمامه عرف فى الأصول، وإنما لم تجب على المسافر لأنها اختصت بأسباب شقّ على المسافر تحصيلها وتفوت بمضىّ الوقت فلم تجب كالجمعة ، بخلاف الفطر والزكاة حيث لاتفوت بالوقت ، ويجوز فيهما التأخير ودفع القيم وغير ذلك . وعن علىّ رضى الله عنه : ليس على المسافر جمعة ولا أضحية، واختصاصها بالمسلم لأنها عبادة وقربة ، وبالحرّ لأن العبد لا يملك شيئا وبالمقيم لما مرّ ، ويستوى فيه المقيم بالأمصار والقرى والبوادى لأنه مقيم ، وبالغنى لقوله عليه الصلاة والسلام (( لاصدقة إلا عن ظهر غنى)). والمراد الغنى المشروط لوجوب صدقة الفطر . وأما أولاده الصغار فروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يجب عليه أن يضحى عن أولاده الصغار كصدقة الفطر ، وعنه لاتجب لأنها قربة محضة، والقربة لاتتحمل بسبب الغير ، بخلاف صدقة الفطر فانها مئونة وسببها رأس يمونه ويلى عليه ، وصاروا كالعبيد يؤدّى عنهم صدقة الفطر ولا يضحى عنهم ، ولو كان للصبىّ مال ضحى عنه أبوه أو وصيه خلافا لمحمد وزفر ، وهو نظير الاختلاف فى صدقة الفطر . وقيل الأصحّ أنها لا تجب فى مال الصبىّ بالإجماع لأنها قربة فلا يخاطب بها، بخلاف صدقة الفطر على ما بينا، ولأن الواجب الإراقة والتصدّق بها ليس بواجب ، ولا يجوز ذلك فى مال الصبىّ لأنه لايقدر على أكل جميعها عادة ولا يجوز بيعها فلا تجب . وذكر القدورى فى شرحه الصحيح أنها تجب ولا يتصدّق بها لأنه تطوّع، ولكن يأكل منها الصغير وعياله ويدّخر له ما يمكنه ويبتاع له بالباقى ، وما بنتفع بعينه كما يجوز للبالغ ذلك فى الجلد ، والجدّ مع الحقدة كالأب عند عدمه ( ويجب على كل واحد شأة) لأنه أدنى الدم كما قلنا فى الهدايا . قال (وإن اشترك سبعة فى بقرة أو بدنة جاز إن كانوا من أهل القربة ) يعنى مسلمين ( ويريدونها ) ٢ - الاختبار - خامس - ١٨ - وَذٍَ أَشْتَرَى بَقَرَةْ لِلأُضْحِيَةِ ثُمْ أَشْرَكَ فِيها سِنّةً أَجْزأهُ، وَيَقْسِمُونَ كْمَهَا بِالوَزْنٍ، وَتَخْتَصْ بالإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَتْمِ، وَيُجْزِئُ فيها ما يُجْزِئُ فى الهدى ، يعنى يريدون القربة، حتى لو كان أحدهم كافرا أو أراد اللحم لا القربة لا يجزى واحدا منهم لأن الدم لا يتجزى ليكون بعضه قربة وبعضه لا ، فإذا خرج البعض عن أن يكون قربة خرج الباقى، والأصل فى جواز الشركة ما روى جابر قال: ((تحرنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة )) وتجزئ عن أقلّ من سبعة بطريق الأولى، ولا تجزئ عن أكثر ، لأن القياس أن لاتجزئ إلا عن واحد لأنه إراقة واحدة ، إلا أنا تركنا القياس بما روينا وأنه مقيد بالسبعة فلا يزاد عليه . وتجوز البدنة بين اثنين نصفين ، لأنه لما جاز ثلاثة أسباع فلأن يجوز ثلاثة ونصف أولى (١) ، ولو كان لأحدهم أقلّ من السبع لايجزئه ( ولو اشترى بقرة للأضحية ثم أشرك فيها ستة أجزأه ) استحسانا ، والقياس أن لا يجوز، لأنه أعدّها للقربة فلا يجوز بيعها وفى الشركة بيعها . وجه الاستحسان أن الحاجة ماسة إلى ذلك لأنه قد لا يجد إلا بقرة ولا يجد شركاء فيشتريها ثم يطلب الشركاء بعد ذلك فجوّزناه للحاجة ، والأحسن أن يطلب الشركاء قبل الشراء لئلا يكون راجعا عن القربة . وعن أبى حنيفة أنه يكره ذلك بعد الشراء ، وقيل لو أراد الاشتراك وقت الشراء لايكره . وقيل إن كان فقيرا لا يجوز لأنه أوجبها بالشراء ، فان أشرك جاز ويضمن حصة الشركاء ، وقيل الغنىّ إذا شارك يتصدّق بالثمن، لأن ما زاد على السبع غير واجب عليه وبالشراء قد أوجبه على نفسه فيتصدّق بثمنه . قال ( ويقتسمون لحمها بالوزن ) لأنه موزون ولا يتقاسمونه جزافا إلا أن يكون معه الأكارع والجلد فيجوز كما قلنا فى البيع ( وتختصّ بالإبل والبقر والغنم) لما مرّ فى الهدى، ولقول الصحابة : الضحايا من الإبل والبقر والغنم وذلك اسم للكبار دون الصغار. قال ( ويجزئ فيها ما يجزئُ فى الهدى ) وهو الثنى من الكلّ ، وهو من الغنم ماله سنة ، ومن البقر سنتان ، ومن الإبل خمس سنين؛ ولا يجوز الجذع من الإبل والبقر والمعز، لما روى أبو بردة قال ((قلت : يا رسول الله ضحيت قبل الصلاة وعندى عتود خير من شاتى لحم أفيجزئى أن أضحى به ؟ قال : يجزيك ولا يجزئ أحدا بعدك)) والعتود من المعز كالجذع من الضأن ، وهو الذى أتى عليه أكثر الحول وهو القياس فى الضأن أيضا، إلا أنا تركناه بقوله عليه الصلاة والسلام ((نعم الأضحية الجذع من الضأن )) ثم الاسم يتناول السالم منها ولا يجوز المعيب وقد بيناه ، والاختلاف فيه فى باب الهدى بعون الله تعالى ، إلا أن القليل من العيب عفو ، لأنه قلما (١) أى فلأن يجوز ثلاثة أسباع ونصف ربع أولى لأن نصف السبع يكون تبعا لثلاثة الأسباع اهـ. - ١٩ - وتَخْتَصُّ بأيَّامِ النّحْرِ، وَهِىَّ ثَلاثَةٌ: عاشِرُ ذِى الحِجَّهِ وَحادِى عَشْرٍوٍ وَثَانِى عَشْرِهِ أَفْضَلُها أو ◌ُلَهَا، فإنْ مَضَتْ وَلَمْ يَذْبَحْ، فإنْ كانَ فَقِيرًا وَقَدٍ اشْتَرَها تَصَدَّقَ بِهَا حَيَّةٌ، وَإنْ كانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِثَمِنها اشْتَرَاها أوْ لا، وَيَدْخُلُ وَقْتها بِطُلُوعِ الفَجْرِ أَوَّلَ أيَّامِ النَّحْرِ، إلاَّ أنَّ أَهْل المِصْرِ لا يُضَحُّون قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ ، يسلم الحيوان منه فكان فى اعتباره حرج فينتفى والشقّ فى الأذن والوسم قليل لااعتبار به ، ويتصدّق بجلالها وخطامها ، ولا يعطى أجر الجزار منها وقد بيناه فى الهدى . قال (وتختصّ بأيام النحر ، وهى ثلاثة : عاشر ذى الحجة وحادى عشره وثانى عشره ، أفضلها أو لها ) لما روى عن عمر وعلىّ وابن عباس وابن عمر وأنس وأبى هريرة رضى الله عنهم أنهم قالوا : أيام النحر ثلاثة أفضلها أوّلها ، وهذا لا يهتدى إليه العقل فكان طريقه السمع فكأنهم قالوه عن النبىّ عليه الصلاة والسلام ، وأفضلها أولها لما روينا ، لكونه مسارعة إلى الخير والقربة ، وأدناها آخرها لما فيه من التأخير عن فعل الخير، ويجوز ذبحها فى أيامها ولياليها لأن الأيام إذا ذكرت بلفظ الجمع ينتظم ما بازائها من الليالى كما فى النذر لما عرف من قصة زکریا علیه السلام . قال (فان مضت ولم يذبح،فان کان فقیرا وقد اشتراها تصدّق بها حية) لأنها غير واجبة على الفقير ، فإذا اشتراها بنية الأضحية تعينت للوجوب ، والإراة إنما عرفت قربة فى وقت معلوم وقد فات فيتصدّق بعیها ( وإن كان غنيا تصدّق بنمنها اشتراها أو لا ) لأنها واجبة عليه ، فاذا فات وقت القربة فى الأضحية تصدّق بالثمن إخراجا له عن العهدة كما قلنا فى الجمعة إذا فاتت تقضى الظهر والفدية عند العجز عن الصوم إخراجا له عن العهدة . قال ( ويدخل وقتها بطلوع الفجر أوّل أيام النحر ، إلا أنّ أهل المصر لا يضحون قبل صلاة العيد ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((من ذبح قبل الصلاة فليعد ذبيحته ، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تمّ نسكه وأصاب سنة المسلمين)) وقال عليه الصلاة والسلام (( إن أوّل نسكنا فى هذا اليوم الصلاة ثم الأضحية)) وهذا الشرط فى حقّ من تجب عليه الصلاة ؛ أما من لاتجب عليه وهم أهل السواد فيجوز ذبحه بعد طلوع الفجر ، وهذا لأن العبادة لايختلف وقتها بالمصر وعدمه كسائر العبادات . أما شرطها يجوز أن يختلف ، ألا ترى أن الظهر يمنع من فعلها يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا يمنع ذلك فى السواد كذا هذا ؛ ولو ضحى بعد صلاة أهل المسجد قبل صلاة أهل الجبانة لا يجوز قياسا لأنه ضحى قبل الصلاة المعتبرة ، وجاز استحسانا لحصولها بعد صلاة معتبرة فان الاكتفاء بها جائز ، ولو ضحى بها بعد أهل الجبانة قبل أهل المسجد ، قال الكرخى : كذلك ، وقيل يجوز كا " وجه لأنها هى الأصل وصلاة أهل المصر لعذر، وقيل لا يجوز بكل وجه، - ٢٠ - وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِها، وَيُطْعِمُ الأَغْنِيَاءَ وَالفُقَرَاءَ وَيَدَّخِرُ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْ بَحَها الكتا بيُّ ؛ بـ٠ لأن صلاة أهل المصر هى الأصل كسائر الصلوات ، وخروج الآخرين بعذر ضيق المسجد عنهم ، فان لم يصلّ الإمام فى اليوم الأوّل لعذر لا يضحى حتى تزول الشمس ، وفى اليوم الثانى تجوز قبل صلاة العيد وبعدها ، رواه القدورى عن محمد ، والمعتبر مكان الأضحية لإمكان المالك كما فى الزكاة . وعن الحسن أنه اعتبر مكان المالك كضدقة الفطر ، فلو كان بالمصر وأهله بالسواد جاز أن يضحوا عنه قبل الصلاة وبالعكس لا ، وعند الحسن خلاف ذلك ، ويتأكد وجوبها آخر أيام النحر حتى لو افتقر فى أيام النحر سقطت عنه ، وإن افتقر بعدها لاتسقط ويتصدّق بالثمن كما بينا ؛ وكذا لو مات فى أيام النحر سقطت وبعدها لا ، ويجب عليه أن يوصى بالتصدّق بثمنها ، ولو اشترى الفقير وضحى ثم أيسر فى أيام النحر؛ قيل يعيد لأن العبرة لآخر الوقت، وقيل لا لأن الوجوب بطلوع الفجر أوّل الأيام. قال (ويأكل من لحمها ، ويطعم الأغنياء والفقراء ويدّخر ) لقوله تعالى - فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير - وقال عليه الصلاة والسلام ((كنت -بيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى فكلوا وادّخروا)) وإنما يجوز أن يطعم الأغنياء لأنه يجوز له الأكل وهو غنىّ فكذا غيره ؛ ويستحبّ أن لاتنقص الصدقة عن الثلث لأن النصوص قسمتها بين الأكل والتصدّق والادخار فيكون لكلّ واحد الثلث وينتفع بجلدها فيما يفرش وينام عليه ، أو يعمل منه آلة تستعمل كالقربة والدلو والسفرة لما روى عن عائشة اتخذت من جلد أضحيتها سقاء، أو يشترى به آلة كالمنخل والغربال ولا يشترى به ما لا ينتفع به إلا بالاستهلاك كالأبازير (١) ونحوها، لأن المأثور أن ينتفع به أو ببدله مع بقاء عينه، ولا يبيعه لقوله عليه الصلاة والسلام (( من باع جلد أضحيته فلا أضحية له)) فان باعه بشىء من النقود يتصدّق به لأن وقت القربة قد فات فيتصدّق به ، كذا رواه محمد . قال ( ويكره أن يذبحها الكتابى ) لأنها عبادة ، وإن ذبحها جاز لأنه من أهل التذكية ؛ والأولى أن يذبحها بنفسه إن كان يحسن الذبح لأنها عبادة ، فاذا فعلها بنفسه كان أفضل كما فى سائر العبادات، والنبىّ عليه الصلاة والسلام ((ضحى بكبشين أملحين يذبح ويكبر ويسمى)) رواه أنس. وروى جابر ((أنه عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين وقال حين وجههما : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما، اللهمّ منك ولك، عن محمد وأمته بسم الله الله أكبر)) وإن كان لا يحسن الذبح فالأولى أن يوليها غيره، ويستحبّ أن يحضرها إن لم يذبحها، لقوله عليه الصلاة والسلام ((يا فاطمة (١) قوله الأبازير : هى التوابل . ١