النص المفهرس
صفحات 161-180
- ١٦١ - ولا احْتِكَارَ فِى غَلَّةٍ ضَيْعَتِهِ وَمَا جَلَبَهُ (سم)؛ وَإذَا رُفِعَ إلى القاضِىِ حالُ المُحْتَكِرِ يأمُرُهُ بِبَيْعِ ما يَفْضُلُ عَنْ قُوتِهِ وَعِيالِهِ، فإنِ امْتَنَعَ بَاعَ عَلَيْهِ . وَلَا يَنْبَغِى لِلسَّلْطانِ أنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ إلاَّ أنْ يَتَعَدَّى أَرْبَابُ الطَّعامِ تَعَدَيَا فاحِشا فى القِيمَةِ فَلا بأسَ بِذَلِكَ بِمَشْوَرَةِ أهْلِ الخِبْرَةِ بِهِ ؛ على الناس فلا يجوز . والاحتكار أن يبتاع طعاما من المصر أو من مكان يجلب طعامه إلى المصر ويحبسه إلى وقت الغلاء ، وشرطه أن يكون مصرا يضرّ به الاحتكار لأنه تعلق به حقّ العامة ، وشرط بعضهم الشراء فى وقت الغلاء وينتظر زيادة الغلاء والكلّ مكروه . والحاصل أن يكون يضرّ بأهل تلك المدينة حتى لو كان مصرا كبيرا لايضرّ بأهله فليس بمحتكر لأنه حبس ملكه ولا ضرر فيه بغيره ، وعلى هذا التفصيل تلقى الجلب ، لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عنه . قال ( ولا احتكار فى غلة ضيعته وما جلبه ) أى من مكان بعيد من المصر أو ما زرعه ، لأن له أن لا يجلب ولا يزرع فله أن لا يبيع . وقال أبو يوسف : يكره فيما جلبه أيضا لعموم النهى . وقال محمد : يكره إذا اشتراه من موضع يجلب منه إلى المصر فى الغالب لتعلق حقّ العامة به، وما لا فلا. قال ( وإذا رفع إلى القاضى حال المحتكر يأمره ببيع ما يفضل عن قوته وعياله ، فإن امتنع باع عليه ) لأنه فى مقدار قوته وعياله غير محتكر ويترك قوتهم على اعتبار السعة ؛ وقيل إذا رفع إليه أوّل مرّة نهاه عن الاحتكار، فان رفع إليه ثانيا حبسه وعزّره بما يرى زجرا له ودفعا للضرر عن الناس . قال محمد : أجبر المحتكرين على بيع ما احتكروا ولا أسعر ، ويقال له : بع كما يبيع الناس وبزيادة يتغابن فى مثلها ولا أتركه يبيع بأكثر. والأصل فى ذلك ما روى ((أن السعر غلا بالمدينة فقالوا: يا رسول اللّه لو سعرت؟ فقال: إن الله هو المسعر)) ولأن التسعير تقدير الثمن وإنه نوع حجر. وقول محمد : أجبرهم على البيع يحتمل وجهين : إما لما فيه من المصلحة العامة أو بناء على قولهما فى الحجر . قال ( ولا ينبغى للسلطان أن يسعر على الناس ) لما بينا . قال ( إلا أن يتعدّى أرباب الطعام تعدّيا فاحشا فى القيمة فلا بأس بذلك بمشورة أهل الخبرة به ) لأن فيه صيانة حقوق المسلمين عن الضياع ، وقد قال أصحابنا : إذا خاف الإمام على أهل مصر الضياع والهلاك أخذ الطعام من المحتكرين وفرّقه عليهم فاذا وجدوا ردّوا مثله ، وليس هذا حجرا وإنما هو للضرورة كما فى المخمصة ، ولوسعر السلطان على الخبازين الخبز فاشترى رجل منهم بذلك السعر والخباز يخاف إن نقصه ضربه السلطان لا يحل أكله لأنه فى معنى المكره ، وينبغى أن يقول له : بعنى بما تحبّ ليصحّ البيع ؛ ولو اتفق أهل بلد على سعر الخبز واللحم وشاع بينهم فدفع رجل إلى رجل منهم درهما ليعطيه فأعطاه أقلّ من ذلك والمشترى لا يعلم رجع عليه بالنقصان من الثمن ، لأنه ما رضى إلا بسعر البلد . ١١ - الاختيار - رابع - ١٦٢ - وَلا بأسَ بِيِيْعِ العَصِيرِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا؛ وَمَنْ حَمَلَ خَمْرًا لِذِمِّىّ طابَ (سم) لَهُ الأجْرُ، ولا بأسَ بِبَيْعِ السِّرْقِينِ، وَلا بأسَ بِبَيْعِ بِناءِ بُيُوت مَكَّةَ، وَيُكْرَهُ بَيْعُ (سم) أَرْضِهَا ؛ وقال أبو يوسف: الاحتكار فى كلّ ما يضرّ بالعامة نظرا إلى أصل الضرر. وقال محمد : الاحتكار فى أقوات الآدميين كالتمر والحنطة والشعير ، وأقوات البهائم كالقتّ نظرا إلى الضرر المقصود . واختلفوا فى مدة الاحتكار ، قيل أقلها أربعون يوما كما ورد فى الحديث وما دون ذلك فليس باحتكار لعدم الضرر بالمدة القصيرة ؛ وقيل أقله شهر لأن ما دونه عاجل ، ثم قيل يأثم بنفس الاحتكار وإن قلت المدّة ، وإنما بيان المدة لبيان أحكام الدنيا . فالحاصل أن التجارة فى الطعام مكروه فانه يوجب المقت فى الدنيا والإثم فى الآخرة . قال ( ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خم١ ) لأن المعصية لاتقوم بعينه بل بعد تغيره . قال ( ومن حمل خمرا لذمىّ طاب له الأجر ) وقالا : يكره لأنه أعانه على المعصية . وفى الحديث (( لعن الله فى الخمر عشرا)) وعدّمنهم حاملها. وله أن المعصية شربها ، وليس من ضرورات الحمل وهو فعل فاعل مختار ، ومحمل الحديث الحمل لقصد المعصية حتى لوحملها ليريقها أو ليخللها جاز ، وعلى هذا الخلاف إذا آجر بيتا ليتخذه بيت نار أو بيعة أو كنيسة فى السواد . لهما أنه أعانه على المعصية ، وله أن العقد ورد على منفعة البيت حتى وجبت الأجرة بالتسليم وليس بمعصية ، والمعصية فعل المستأجر وهو مختار فى ذلك . قال ( ولا بأس ببيع السرقين ) لأنه منتفع به يلقى فى الأراضى طلبا لكثرة الربع ، ويجرى فيه الشحّ والضنة وتبذل الأعواض فى مقابلته فكان مالا فيجوز بيعه كسائر الأموال ، بخلاف العذرة فانه لا ينتفع بها إلا بعد الخلط ، وبعد الخلط يجوز بيعها وهو المختار ، ويجوز الانتفاع بعد الخلط بها كزيت وقعت فيه نجاسة . قال ( ولا بأس ببيع بناء بيوت مكة ويكره بيع أرضها ) وكذا الإجارة . وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يجوز بيع دور مكة وفيها الشفعة ، ويكره إجارتها فى الموسم ، وقالا : لا بأس ببيع أرضها لأنها مملوكة لهم لاختصاصهم بها الاختصاص الشرعى فيجوز كالبناء . وله ما روى ابن عمر أن النبىّ عليه الصلاة والسلام قال ((مكة حرام وبيع رباعها حرام)) وروى الدار قطنى بإسناده أن النبىّ عليه الصلاة والسلام قال ((مكة مباح لاتباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها)) قال الدار قطنى : وكانت تدعى على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأبى بكر وعمر السوائب ، من شاء سكن ومن استغنى أسكن ، ولأنها من الحرم يحرم صيدها ، ولا يحلّ دخولها لناسك إلا باحرام فيحرم بيعها كالكعبة والصفا والمروة والمسعى ، وإنما جاز بيع البناء لأن البقعة محرّمة ، وقفها إبراهيم صلوات الله عليه ، والبناء ملك لمن أحدثه فيجوز تصرّفه فيه، والطين وإن كان من الأرض وهو من جملةٍ - ١٦٣ - وَيُقْبَلُ فِى الْمُعامَلاتِ قَوْلُ الفاسقِ، وَلا يُقْبَلُ فى الدياناتِ إِلاَّ قَوْلُ العَدْلِ حُرًّا كَانَ أوْ عَبْدًا، ذَكَرًا أوْ أنْسَى. وَيُقْبَلُ فِى الْهَدِيَّةِ وَالإِذْنِ قَوْلُ الصَّبِىّ وَالعَبْدِ والأمَّةِ. وَيَعْزِلُ عَنْ أَمَتِهِ بَغْرِ إِذْنِهَا، وَعَنْ زَوْجَتِهِ باذْ نِهَا، وَيُكْرَهُ اسْتِخْدَامُ فٍ الخِصْيَانِ؛ وَيُكْرَهُ اللَّعِبُ بالَّرْدِ وَالشَّطَرَنْجِ وَكُلِّ ◌َمْوٍ ، الوقف ، لکن من أخذ طين الوقف فعمله لبناء ملکه وصار کسائر أملا كه . ووجه رواية لحسن أن الناس يتبايعونها فى سائر الأعصار من غير إنكار . قال ( ويقبل فى المعاملات قول الفاسق ) لأنها يكثر وجودها من الناس ، فلو شرطنا العدالة حرج الناس فى ذلك ، وما فى الدين من حرج ، فيقبل قول الواحد عدلا كان أو فاسقا ، حرا كان أو عبدا ، ذكرا أو أنثى ، مسلما أو كافرا دفعا للحرج . قال ( ولا يقبل فى الديانات إلا قول العدل حرّا كان أو عبدا، ذكرا أو أنثى ) لأن الصدق فيه راجح باعتبار عقله ودينه ، سيما فيما لا يجلب له نفعا ولا يدفع عنه ضررا ، ولهذا قبلت رواية الواحد العدل للأخبار النبوية ، وإنما اشترطنا العدالة لأنها مما لا يكثر وقوعها كثرة المعاملات ، ولأن الفاسق متهم والكافر غير ملتزم لها فلا يلزم المسلم بقوله ، بخلاف المعاملات فانه لامقام له فى دارنا إلا بالمعاملة ، ولا معاملة إلا بقبول قوله ، ولا كذلك الديانات والمعاملات كالإخبار بالذبيحة والوكالة والهبة والهدية والإذن ونحو ذلك ، والديانات كالإخبار بجهة القبلة وطهارة الماء ، بلو أخبره ذمىّ بنجاسة الماء لم يقبل قوله ، لأن الظاهر كذبه إضرارا بالمسلم للعداوة الدينية ولا يتحرّى ، فان وقع فى قلبه صدقه لا يتيمم ما لم يرق الماء ، وإن توضأ به جاز ؛ ولو أخبره بذلك فاسق أو من لاتعرف عدالته ، فإن غلب على ظنه صدقه سمع قوله وإلا فلا، والأحوط أن يريقه ويتيمم . قال (ويقبل فى الهدية والإذن قول الصبىّ والعبد والأمة ) للحاجة إلى ذلك ، وعليه الناس من لدن الصدر الأوّل إلى يومنا . فصل فى مسائل مختلفة قال ( ويعزل عن أمته بعير إذنها ، وعن زوجته بإذنها ) لأن للزوجة حقا فى الوطء لقضاء الشهوة وتحصيل الولد حتى يثبت لها الخيار فى الجبّ والعنة ولا حقّ للأمة، وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن العزل عن الحرّة إلا باذنها، وقال لمولى الأمة ((اعزل عنها إن شئت)). قال ( ويكره استخدام الخصيان) لأنه تحريض على الخصاء المنهى عنه لكونه مثلة. قال ( ويكره اللعب بالفرد والشطرنج وكلّ لهو) قال عليه الصلاة والسلام ((كلّ" لعب ابن آدم حرام إلا ثلاثا: ملاعبة الرجل مع امرأته ، ورميه عن قوسه ، وتأديبه فرسه)» - ١٦٤ - وَوَصْلُ الشَّعْرِ بِشَعْرِ الآدَمِّ حَرَامٌ؛ وَيُكْرَهُ أنْ يَدْعُوَ اللّهَ إلاَّ بِهِ، أوْ يَقُولُ فِي دُعائِهِ: أسألُكَ بِمَقْعَدِ العِزّ مِنْ عَرْشِكَ، وَرَدُّ السَّلامِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلّ مَنْ سَمِعَ السَّلَامَ إِذَا قامَ بِهِ بَعْضُ القَوْمِ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ. وَالنَّسْلِيمُ سُنَّةٌ وَنَوَابُ الْمُسْلِّمِ أَكْثَرُ ؛ ولأنه إن قامر عليه فهو ميسر وإلا فهو عبث والكلّ حرام ، وقال عليه الصلاة والسلام ((لست من دد ولا الدّد منى)) أى اللعب، وقال عليه الصلاة والسلام ((ما ألهاك عن ذكر اللّه فهو ميسر)) وهذا اللعب مما يلهى عن الجمع والجماعات فيكون حراما . وعن علىّ رضى الله عنه أنه مرّ على قوم يلعبون بالشطرنج فلم يسلم عليهم وقال: ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون ؟ . وعن ابن عمر مثله . ولم ير أبو حنيفة بأسا بالسلام عليهم ليشغلهم عن اللعب ، وكرها ذلك استحقارا بهم وإهانة لهم . والجوز الذى يلعب به الصبيان يوم العيد يؤكل إن لم يكن على سبيل المقامرة ، لما روى أن ابن عمر كان يشترى الجوز لصبيانه يوم الفطر يلعبون به وكان يأكل منه ، فان قامروا به حرم . قال ( ووصل الشعر بشعر الآدمى حرام ) سواء كان شعرها أو شعر غيرها لقوله عليه الصلاة والسلام ((لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة والموشرة والنامصة والمتنمصة)) فالواصلة : التى تصل الشعر بشعر الغير ، أو التى توصل شعرها بشعر آخر زورا ؛ والمستوصلة : التى توصل لها ذلك بطلبها ؛ والواشمة : التى تشم فى الوجه والذراع ، وهو أن تغرز الجلد بابرة ثم يحشى بكحل أو نيل فيزرق ؛ والمستوشمة التى يفعل بها ذلك ؛ والواشرة التى تفلج أسنانها : أى تحددها وترقق أطرافها تفعله العجوز تتشبه بالشواب ؛ والموشرة : التى يفعل بها بأمرها ؛ والنامصة : التى تنتف الشعر من الوجه ؛ والمتنمصة : التى يفعل بها ذلك قال ( ويكره أن يدعو الله إلا به) فلا يقول أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك لأنه لاحقّ للمخلوق على الخالق ( أو يقول فى دعائه: أسألك بمقعد العزّ من عرشك) وعن أبى يوسف أنه يجوز ، فقد جاء فى الأثر : اللهمّ إنى أسألك بمقعد العزّ من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك ، وباسمك الأعظم وكلماتك التامة . ووجه الظاهر أنه يوهم تعلق عزّه بالعرش ، وصفات اللّه تعالى جميعها قديمة بقدمه ، فكان الاحتياط فى الإمساك عنه ، وما رواه خبر آحاد لا يترك به الاحتياط (وردّ السلام فريضة على كلّ من سمع السلام إذا قام به بعض القوم سقط عن الباقين ، والتسليم سنة ) والردّ فريضة لأن الامتناع عن الردّ" إهانة بالمسلم واستخفاف به وإنه حرام ( وثواب المسلم أكثر ) قال عليه الصلاة والسلام (( للبادى من الثواب عشرة، وللردّ واحدة)) ولا يصحّ الردّ حتى يسمعه المسلم، لأنه إنما يكون جوابا إذا سمعه المخاطب إلا أن يكون أصمّ فينبغى أن يردّ عليه بتحريك شفته ؛ - ١٦٥ - وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى أهْلِ الذَّمَّةِ، وَلا بأسَ بِرَدّ السَّلامِ عَلى أهْلِ الذَّمَّةِ وَمَنْ دَعَاهُ السُّلْطَانُ أوِ الْأمِيرُ لِيَسألَهُ عَنْ أَشْيَاءَ لا يَنْبَغِى أنْ يَتَكَلَّمَ بِغْرِ الحَقّ؛ وَاسْتماعُ المَلَاهِى حَرَامٌ ؛ وكذلك تشميت العاطس ؛ ولو سلم على جماعة فيهم صبيّ فردّ الصبىّ إن كان لا يعقل لا يصحّ ، وإن كان يعقل هل يصحّ ؟ فيه اختلاف ، ويجب على المرأة ردّ سلام الرجل ولا ترفع صوتها لأنه عورة ، وإن سلمت عليه ؛ فان كانت عجوزا ردّ عليها، وإن كانت شابة ردّ فى نفسه ؛ وعلى هذا التفصيل تشميت الرجل المرأة وبالعكس؛ ولا يجب ردّ سلام السائل لأنه ليس للتحية بل شعار السؤال ؛ ومن بلغ غيره سلام غائب ينبغى أن يرد عليهما. وروى أن الحسن بن علىّ رضى الله عنهما قال (( يا رسول الله إن أبى يسلام عليك. قال: عليك وعلى أبيك السلام)) ولا ينبغى أن يسلم على من يقرأ القرآن لأنه يشغله عن قراءته ، فان سلم عليه يجب عليه الردّ لأنه فرض والقراءة لا. وذكر الرازى فى أدب القضاء أن من دخل على القاضى فى مجلس حكمه وسعه أن يترك السلام عليه هيبة له واحتشاماً . وبهذا جرى الرسم أن الولاة والأمراء إذا دخلوا عليهم لا يسلمون ، وإليه مال الخصاف . وعلى الأمير أن يسلم ولا يترك السنة لتقليد العمل ، وإن جلس ناحية من المسجد للحكم لا يسلم على الخصوم ولا يسلمون عليه ، لأنه جلس للحكم والسلام تحية الزائرين . فينبغى أن يشتغل بما جلس لأجله كالذى يقرأ القرآن ، وإن سلموا لايجب عليه الردّ. وعلى هذا من جلس يفقه تلامذته ويقرئهم القرآن فدخل عليه داخل فسلم وسعه أن لايردّ ، لأنه إنما جلس للتعليم لالردّ السلام. قال ( ويكره السلام على أهل الذمة ) لما فيه من تعظيمهم وهو مكروه ، وإذا اجتمع المسلمون والكفار يسلم عليهم وينوى المسلمين ، ولو قال : السلام على من اتبع الهدى يجوز ( ولا بأس بردّ السلام على أهل الذمة) لأن الامتناع عنه يؤذيهم والردّ إحسان وإيذاؤهم مكروه والإحسان بهم مندوب ، ولا يزيد فى الردّ على قوله : وعليكم ، فقد قيل إنهم يقولون : السام عليكم ، فيجابون بقوله وعليكم ، وهكذا نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه ردّ عليهم ، ولا بأس بعيادتهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأن فيه برّهم وما نهينا عنه ؛ ولو قال للذمى : أطال الله بقاءك ، إن نوى أنه يطيله ليسلم أو ليؤدّى الجزية جاز لأنه دعاء بالإسلام ، وإلا لا يجوز ( ومن دعاه السلطان أو الأمير ليسأله عن أشياء لا ينبغى أن يتكلم بغير الحقّ) قال عليه الصلاة والسلام ((من تكلم عند ظالم بما يرضيه بغير حق" يغير الله قلب الظالم عليه ويسلطه عليه)) أما إذا خاف القتل أو تلف بعض جسده أو أن يأخذ ماله ، فحينئذ يسعه ذلك لأنه مكره . قال ( واستماع الملاهى حرام) كالضرب بالقضيب والدفّ والمزمار وغير ذلك. قال عليه الصلاة والسلام ((استماع - ١٦٦ - وَيُكْرَهُ تَعْشِيرِ الْمُصْحَفِ وَنَقْطُهُ،، وَلا بِأَسَ بِتَحْلِيَتِهِ، وَلا بأسَ بِنَقْشٍ المَسْجِدِ، وَلاَ بأسَ بِدُخُولِ الذَّمَّىّ المَسْجِدَ الحَرَامَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ المَساجِدِ. صوت الملاهى معصية والجلوس عليها فسق والتلذّذ بها من الكفر)) الحديث خرّج مخرج التشديد وتغليظ الذنب ، فان سمعه بغتة يكون معذورا ، ويجب أن يجتهد أن لا يسمعه لما روى « أنه عليه الصلاة والسلام أدخل أصبعيه فى أذنيه لئلايسمع صوت الشبابة (١))). وعن الحسن بن زياد : لابأس بالدفّ فى العرس ليشتهر ويعلن النكاح . وسئل أبويوسف أبكره الدفّ فى غير العرس تضربه المرأة للصبىّ فى غير فسق ؟ قال لا ، فأما الذى يجىء منه الفاحش للغناء فإنى أكرهه . وقال أبو يوسف : فى دار يسمع منها صوت المزامير والمعازف أدخل عليهم بغير إذنهم لأن النهى عن المنكر فرض ، ولو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة هذا الفرض . رجل أظهر الفسق فى داره ينبغى للإمام أن يتقدّم عليه ، فان کفّ عنه وإلا إن شاء حبسه أو ضربه سیاطا ، وإن شاء أزعجه عن داره . ومن رأى منکرا وهو ممن يرتكبه يلزمه أن ينهى عنه ، لأنه يجب عليه ترك المنكر والنهى عنه ، فاذا ترك أحدهما لا يسقط عنه الآخر؛ والمغنى والقوّال والنائحة أن أخذ المال بغير شرط يباح له ، وإن كان بشرط لا يباح لأنه أجر على معصية . قال (ويكره تعشير المصحف ونقطه ) لقول ابن مسعود وغيره من الصحابة رضى الله عنهم: جرّدوا المصاحف، ويروى : جرّدوا القرآن ، والنقط والتعشير ليس من القرآن فيكون منهيا عنه . قال ( ولا بأس بتحليته ) لأنه تعظيم له (ولا بأس بنقش المسجد ) وقيل هو قربة حسنة ، وقيل مكروه والأوّل أصحّ لأنه تعظيم له . وأما التخصيص فحسن لأنه إحكام للبناء ، ويكره للزينة على المحراب لما فيه من شغل قلب المصلى بالنظر إليه ، إذا جعل البياض فوق السواد أو بالعكس للنقش لا بأس به إذا فعله من مال نفسه ولا يستحسن من مال الوقف لأنه تضييع ، وتكره الخياطة وكلّ عمل من أعمال الدنيا فى المسجد لأنه ما بنى لذلك ولا وقف له ، قال تعالى - فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه - والجلوس فيه ثلاثة أيام للتعزية مكروه ، وقد رخص ذلك فى غير المسجد ، ولو جلس للعلم أو الناسخ يكتب فى المسجد لا بأس به إن كان حسبة ، ويكره بالأجر إلا عند الضرورة بأن لا يجد مكانا آخر وكانوا يكرهون غلق باب المسجد ولا بأس به فى زماننا فى غير أوقات الصلاة لفساد أهل الزمان فانه لايؤمن على متاع المسجد . قال ( ولا بأس بدخول الذمى المسجد الحرام أو غيره من المساجد) لما روى (( أنه صلى اللّه عليه وسلم أنزل وفد ثقيف فى المسجد وكانوا كفارا وقال : ليس على الأرض من نجسهم شىء)) وتأويل الآية أنهم لا يدخلون مستولين أو طائفين عراة كما كانت عادتهم. (١) قال فى المنجد : الشبابة : نوع من المزمار - ١٦٧ - وَالسَّنَّةُ: تَقْلِيمُ الأظفارِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَحَلْقُ العَانَةِ وَالشَّارِبِ، وَقَصْه ء أحْسن فصل (والسنة : تقليم الأظفار، ونتف الإبط ، وحلق العانة والشارب، وقصه أحسن ) وهذه من سنن الخليل صلوات الله عليه ، وفعلها نبينا صلى الله عليه وسلم وأمر بها ، وقيل أوّل من قصّ الشارب واختتن وقلم الأظفار ورأى الشيب إبراهيم عليه السلام . قال الطحاوى فى شرح الآثار : قصّ الشارب حسن، وهو أن تأخذ حتى ينتقص عن الإطار وهو الطرف الأعلى من الشفة العليا . قال (١): والحلق سنة وهو أحسن من القصّ وهو قول أصحابنا. قال عليه الصلاة والسلام ((أحفوا الشارب واعفوا اللحى)) والاحفاء الاستئصال، وإعفاء اللحى ، قال محمد عن أبى حنيفة : تركها حتى تكثّ وتكثر والتقصير فيها سنة ، وهو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد على قبضته قطعه لأن اللحية زينة وكثرتها من كمال الزينة وطولها الفاحش خلاف السنة ؛ والسنة النتف فى الإبط ولا بأس بالحلق ، ويبتدئ فى حلق العانة من تحت السرّة؛ وإذا قصّ أظفاره أو حلق شعره ينبغى أن يدفنه، قال تعالى - ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا - وإن ألقاه فلا بأس به ، ويكره إلقاؤه فى الكنيف والمغتسل ، قالوا: لأنه يورث المرض . وتوفير الأظفار والشارب مندوب إليه فى دار الحرب ليكون أهيب فى عين العدوّ ، والأظافير سلاح عند عدم السلاح ، والختان للرجال سنة وهو من الفطرة ، وهو للنساء مكرمة ، فلو اجتمع أهل مصر على ترك الختان قاتلهم الإمام لأنه من شعائر الإسلام وخصائصه . واختلفوا فى وقته ، قيل حتى يبلغ ، وقيل إذا بلغ تسع سنين، وقيل عشرا ، وقيل متى كان يطيق ألم الختان ختن وإلا فلا ، ولو ولد وهو يشبه المختون لا يقطع منه شىء حتى يكون مايوارى الحشفة ، ولا بأس بثقب أذن البنات الأطفال لأنه إيلام لمنفعة الزينة وإيصال الألم إلى الحيوان لمصلحة تعود إليه جائز كالختان والحجامة وبط القرحة (٢) وقد فعل ذلك فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم . امرأة حامل اعترض الولد فى بطنها ولا يمكن استخراجه إلا بأن يقطع ويخاف على الأمّ، إن كان ميتا لابأس به ، وإن كان حيا لا يجوز . امرأة ماتت وهى حامل فاضطرب الولد فى بطنها ، فإن كان أكبر الرأى أنه حى يشقّ بطنها من الجانب الأيسر ، لأنه تسبيب "إلى إحياء نفس محترمة . عن محمد رجل ابتلع درّة أو دنانير لرجل ومات ولم يترك مالا (١) قال : أى الطحاوى اهـ. (٢) بط القرحة : شقها اهـ. - ١٦٨ - ولابأسَ بِدُخُولِ الحَمََّمِ لِلرّجالِ وَالنِّساءِ إذَا اتَّزَرَ وَغَضَّ بَصَرَهُ. فصل تَجُوزُ المُسابَقَةُ عَلَى الأَقْدَامِ وَالْخَيْلِ وَالبِغَالِ والحَمِيرِ وَالإِبِلِ وَبَالرَّمْىِ، لا يشقّ بطنه وعليه قيمته لأنه لا يجوز إبطال حرمة الآدمى لصيانة المال. وروى الجرجانى عن أصحابنا أنه يشقّ لأن حقّ العبد مقدّم على حقّ اللّه تعالى ومقدّم على حق الظالم المتعدى. امرأة عالجت فى إسقاط ولدها لاتأثم ما لم يستبن شىء من خلقه . شاة دخل قرنها فى قدر وتعذّر إخراجه ينظر أيهما أكثر قيمة يؤمر بدفع قيمة الآخر فيملكه ثم يتلف أيهما شاء . ويكره تعليم البازى وغيره من الجوارح بالطير الحىّ يأخذه فيعذّبه ، ولا بأس بتعليمه بالمذبوح . قال ( ولا بأس بدخول الحمام للرجال والنساء إذا اتزر وغضّ بصره) لما فيها من معنى النظافة والزينة وتوارث الناس ذلك من غير نكير . وعمز الأعضاء فى الحمام مكروه لأنه عادة المترفين والمتكبرين إلا من عذر ألم أو تعب فلا بأس به ؛ ويكره القعود على القبور لورود النهى عنه ؛ ويكره الإشارة إلى الهلال عند رؤيته لأنه من عادة الجاهلية كانوا يفعلونه تعظيما له . أما إذا أشار إليه ليريه صاحبه فلا بأس به ، ولا يحمل الخمر إلى الخلّ ويحمل الخلّ إليها، ولا تحمل الجيفة إلى الهرّة وتحمل الهرّة إليها، ولا يحمل سراج المسجد إلى بيته ، ولا بأس بحملها من البيت إلى المسجد ، ولا يقود أباه النصرانى إلى البيعة ويقوده من البيعة إلى البيت ؛ وتستحبّ القيلولة وذلك بين المنجلين. (١)، قال عليه الصلاة والسلام ((قيلوا فانّ الشيطان لا يقيل)). رجل يختلف إلى أهل الظلم والشرّ ليدفع عنه ظلمه وشرّه إن كان مشهورا ممن يقتدى به كره له ذلك ، لأنّ الناس يظنون أنه يرضى بأمره، فيكون مذلة لأهل الحقّ ؛ وإن لم يكن مشهورا لا بأس به إن شاء الله تعالى . فصل ( تجوز المسابقة على الأقدام والخيل والبغال والحمير والإبل وبالرمى ) والأصل فيه حديث أبى هريرة أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال ((لاسبق إلا فى خفّ أو نصل أو حافر)) والمراد بالخفّ الإبل، وبالنصل الرمى ، وبالحافر الفرس والبغل والحمار . وعن الزهرى قال : كانت المسابقة بين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام فى الخيل والركاب والأرجل، ولأنه مما يحتاج إليه فى الجهاد للكرّ والفرّ، وكل ما هو من أسباب الجهاد فتعلمه مندوب إليه. (١) قوله بين المنجلين : كذا بالأصل . - ١٦٩ - فانْ شُرِطَ فِيهِ جُعْلٌ مِنْ أَحَدِ الجانِبَْنِ أَوْ مِنْ ثَالِثٍ لِأسْقِهِما فَهُوَ جائزٌ. وَإنْ شُرِطَ منَ الجانبَْنِ فَهُوَ قِمَارٌ إلاَّ أنْ يَكُونَ بْيَهُمَا ◌ُحَلِّلٌ بِفَرَسٍ كُفء لِفَرَسَْهِما يُوَهَّمُ سَبْقُهُ لَهُما إنْ سَبَقَهُما أخَذَ مِنْهُمَا، وَإنْ سَبَقَاهُ لمْ يُعْطِهِمِا، وَفِيمَا بَيْهُمَا أُيُّهُمَا سَبَقَ أخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ إذَا اخْتَلَفَ فَقِيِهانٍ فِى مَسألَةٍ وأرَادَا الرجُوعَ إِلَى شَيْخٍ وَجَعَلًا عَلى ذلكَ جُعْلاً . وكانت العضباء ناقة رسول الله عليه الصلاة والسلام لا تسبق ، فجاء أعرابيّ على قعود فسبقها فشقّ ذلك على المسلمين، فقال عليه الصلاة والسلام ((ما رفع الله شيئا إلا وضعه)) وفى الحديث (( تسابق رسول الله عليه الصلاة والسلام وأبو بكر وعمر فسبق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وصلى (١) أبو بكر وثلث عمر)) وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم (( لا تحضر الملائكة شيئا من الملاهى سوى النصال والرهان )) أى الرمى والمسابقة . قال ( فان شرط فيه جعل من أحد الجانبين أو من ثالث الأسبقهما فهو جائز ) وذلك مثل أن يقول أحدهما لصاحبه : إن سبقتنى أعطيتك كذا ، وإن سبقتك لا آخذ منك شيئا ، أو يقول الأمير لجماعة فرسان من سبق منكم فله كذا ، وإن سبق لاشىء عليه ؛ أو يقول لجماعة الرماة : من أصاب الهدف فله كذا ، وإنما جاز فى هذين الوجهين لأنه تحريض على تعليم آلة الحرب والجهاد، ولقوله عليه الصلاة والسلام ((المؤمنون عند شروطهم)) وفى القياس لا يجوز لأنه تعليق المال بالخطر . قال ( وإن شرط من الجانبين فهو قمار) وإنه حرام ( إلا أن يكون بينهما محلل بفرس كفء لفرسيهما يتوهم سبقه لهما ، إن سبقهما أخذ منهما ، وإن سبقاه لم يعطهما ، وفيما بينهما أيهما سبق أخذ من صاحبه ) وإنما جاز ذلك لأنه بالمحلل خرج عن أن يكون قمارا فيجوز لما ذكرنا ، وقيل فى المحلل أن يكون إن سبقاه أعطاهما ، وإن سبقهما لم يأخذ منهما وهوجائز أيضا لما ذكرنا ، ولو لم يكن فرس المحلل مثلهما لا يجوز لأنه لافائدة فى إدخاله بينهما فلا يخرج من أن يكون قمارا . قال ( وعلى هذا التفصيل إذا اختلف فقيهان فى مسألة وأرادا الرجوع إلى شيخ وجعلا على ذلك جعلا ) لأنه لما جاز فى الأفراس لمعنى يرجع إلى الجهاد يجوز هنا للحثّ على الجهد فى طلب العلم ، لأن الدين يقوم بالعلم كما يقوم بالجهاد ، والمسابقة بالخيل للرياضة ما لم يتعبهما مندوب إليه ، وكذلك. على الأقدام والرمى ، قال عليه الصلاة والسلام (( إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة : صانعه ومنبله والرامى به)) رواه عقبة بن عامر الجهنى ؛ ونخس الدابة وركضها للجهاد وغيره من غرض صحيح لابأس به ، وللتلهى مكروه ، وركض الدابة بتكلف (١) قوله وصلى ، قال فى القاموس : صلى الفرس : تلا السابق ؛ وقال أيضا : ثلث الفرس : جاء بعد المصلى . - ١٧٠ - فصل فى الكسب للعرض على المشترى مكروه لأنه يغرّ بالمشترى. وفى الحديث ((تضرب الدابة على النفار ولا تضرب على العثار )) فان العثار يكون من سوء إمساك الراكب اللجام ؛ والنفار من سوء خلق الدابة فتؤدّب على ذلك . وعن عمر رضى الله عنه أنه كتب إلى سعد بن أبى وقاص : لا تخصينّ فرسا ولا تجرين فرسا، ومعناه أن صهيل الفرس يرهب العدوّ ، والخصى يمنعه لاأنه حرام لأنهم تعارفوه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا من غير نكير ، ويجوز شراء الخصىّ من الخيل وركوبه بالاتفاق ؛ ومعنى النهى الثانى . إجراء الفرس فوق ما يحتمله . فصل فی الکسب قال محمد بن سماعة : سمعت محمد بن الحسن يقول: طلب الكسب فريضة كما أن طلب العلم فريضة ، وهذا صحيح لما روى ابن مسعود عن النبىّ عليه الصلاة والسلام فال «طلب الكسب فريضة على كلّ مسلم)) وقال عليه الصلاة والسلام ((طلب الكسب بعد الصلاة المكتوبة)) أى الفريضة بعد الفريضة، ولأنه لا يتوسل إلى إقامة الفرض إلا به فكان فرضا لأنه لا يتمكن من أداء العبادات إلا بقوّة بدنه وقوة بدنه بالقوت عادة وخلقة . قال تعالى - وما جعلناهم جسدا لا يأكلون - وتحصيل القوت بالكسب ولأنه يحتاج فى الطهارة إلى آلة الاستقاء والآنية ، ويحتاج فى الصلاة إلى ما يستر عورته ، وكل ذلك إنما يحصل عادة بالاكتساب والرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا يكتسبون ، فآدم زرع الحنطة وسقاها وحصدها وداسها وطحنها وعجنها وخبزها وأكلها ؛ ونوح كان نجارا ، وإبراهيم كان بزازا ، وداود كان يصنع الدروع، وسليمان كان يصنع المكاتل (١) من الخوص ، وزكريا كان نجارا ، ونبينا رعى الغنم ، وكانوا يأكلون من كسبهم ، وكان الصدّيق رضى الله عنه بزازا، وعمر يعمل فى الأديم ، وعثمان كان تاجرا يجلب الطعام فيبيعه ، وعلىّ كان يكتسب فقد صحّ أنه كان يؤاجر نفسه، ولا تلتفت إلى جماعة أنكروا ذلك وقعدوا فى المساجد أعينهم طامحة وأيديهم مادّة إلى ما فى أيدى الناس يسمون أنفسهم المتوكلة ، وليسوا كذلك ، يتمسكون بقوله تعالى - وفى السماء رزقكم وما توعدون - وهم بمعناه وتأويله جاهلون ، فان المراد به المطر الذى هو سبب إنبات الرزق ، ولو كان الرزق ينزل علينا من السماء لما أمرنا بالاكتساب والسعى فى الأسباب . قال تعالى - فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه - وقال تعالى - أنفقوا من طيبات ما كسبتم - . (١) قوله المكاتل ، قال فى المنجد: المكتل والمكتلة زنبيل من خوص والطمع مكاتل . - ١٧١ - وأفْضَلُ أسْبَابِ الكَسْبِ: الجِهادُ مُثُمَّ التِّجَارَةُ ثُمَّ الزّرَاعَةُ ثُمَّ الصّنَاعَةُ. وفى الحديث ((إن الله تعالى يقول: يا عبدى حرّك يدك أنزل عليك الرزق)) وقال تعالى - وهزّى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا - وكان تعالى قادرا أن يرزقها من غير هزّ منها ، لكن أمرها ليعلم العباد أن لا يتركوا اكتساب الأسباب ، فان اللّه تعالى هو الرزّاق ونظير هذا خلق الإنسان ، فان اللّه تعالى قادر على خلقه لامن سبب ولا فى سبب كآدم عليه السلام ، ويخلق من سبب لاش سبب كحوّاء ، وقد يخلق فى سبب لامن سبب كعيسى ، وقد يخلق من سبب فى سبب كسائر بنى آدم ؛ فطلب العبد الولد بالنكاح لاينفى كون الخالق هو الله تعالى، فكذلك طلبه الرزق بأسبابه لا ينفى كون الرازق هو الله تعالى ، والدلائل على ذلك كثيرة والأحاديث الواردة فيه متوافرة ، وكتابنا هذا يضيق عن استيعابها ، وفى هذا بلاغ ومقنع . وطلب العلم فريضة، قال عليه الصلاة والسلام ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)) وهو أقسام: فرض، وهو مقدار ما يحتاج إليه لإقامة الفرائض ومعرفة الحقّ من الباطل ، والحلال من الحرام، وهو محمل الحديث ؛ ومستحبّ وقربة كتعليم ما لا يحتاج إليه ليعلم من يحتاج إليه كالفقير يتعلم أحكام الزكاة والحجّ ليعلمها من وجبا عليه ، وكذلك تعلم الفضائل والسنن كالأذان والإقامة والجماعة وسنة الختان ونحوها ، ومباح وهو الزيادة على ذلك للزينة والكمال ؛ ومكروه وهو التعلم ليباهى به العلماء ويمارى به السفهاء، قال عليه الصلاة والسلام ((من تعلم علما ليباهى به العلماء ويمارى به السفهاء ألجم بلجام من نار يوم القيامة )) ولذلك كره أبو حنيفة تعلم الكلام والمناظرة فيه وراء فدر الحاجة . والتعليم بقدر مايحتاج إليه لإقامة الفرض فرض أيضا ، قال عليه الصلاة والسلام (( من سئل عن علم عنده احتاج الناس إليه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار )) حتى قالوا : يجب على المولى أن يعلم عبده من القرآن والعلم بقدر ما يحتاج إليه لأداء الفرائض ، ويفترض العلماء تعليمه إلى أن يفهم المتعلم ويحفظه ويضبطه ، لأنه لايتمكن من إقامة الفرائض إلا بالحفظ ؛ ولا يجب على الفقيه أن يجيب عن كل ما يسأل إذا كان هناك من يجيب غيره ، فان لم يكن يلزمه الجواب ، لأن الفتوى والتعليم فرض كفاية . قال ( وأفضل أسباب الكسب الجهاد ) لأن فيه الجمع بين حصول الكسب وإعزاز الدين وقهر عدوّ اللّه تعالى ( ثم التجارة) لأن النبيّ عليه الصلاة والسلام حثّ عليها فقال (( التاجر الصدوق مع الكرام البررة)) وقال ((إن الله يحبّ التاجر الصدوق)) (ثم الزراعة ) وأوّل من فعله آدم عليه السلام، وقال عليه الصلاة والسلام ((الزارع يتاجر ربه)) وقال (( اطلبوا الرزق تحت خبايا الأرض)) (ثم الصناعة) لأنه عليه الصلاة والسلام حرّض عليها فقال ((الحرفة أمان - ١٧٢ - مُثُمَّ هُوَ فَرْضٌ، وَهُوَ الكَسْبُ بِقَدْرِ الكِفِايَةِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَقَضَاءِ دِبُونِهِ. وَمُسْتَحَبُّ، وَهُوَ الزّيَادَةُ عَلى ذلكَ لِبُواسِىَ بِهِ فَقِيرًا، أوْ يُجَازِىَ بِهِ قَرِيبا. وَمُبَاحٌ، وَهُوَ الزّيَادَةُ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّنَعُمِ. وَمَكُرُوهٌ، وَهُوَ الْجَمْعُ لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّكَاثُرٍ وَالْبَطَرِ وَالْأَشَرِ وَإنْ كانَ مِنْ حِلّ. أمَّا الأكْلُ فَعَلَى مَرَاتِبَ: فَرْضٌ، وَهُوَ ما يَنْدَ فِعُ بِهِ الهَلاكُ. وَمَأْجُورٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَازَادَ عَلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الصَّلاةِ قائما وَيَسْهلَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ. من الفقر )) ومنهم من فضل الزرع على التجارة لأنه أعمّ نفعا، قال عليه الصلاة والسلام ((ما زرع أو غرس مسلم شجرة فتناول منها إنسان أو دابة أو طير إلا كانت له صدقة )) ( ثم هو) أنواع : ( فرض ، وهو الكسب بقدر الكفاية لنفسه و عياله وقضاء دیونه ) لما بينا أنه لا يتوسل إلى إقامة الفرض إلا به وهو قضاء الدين ونفقة من يجب عليه نفقته ، فان ترك الاكتساب بعد ذلك وسعه . قال عليه الصلاة والسلام (( من أصبح آمنا فى سربه معافى فى جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) وإن اكتسب ما يدخره لنفسه وعياله فهو فى سعة ، فقد صحّ أن النبىّ عليه الصلاة والسلام ادخر قوت عياله سنة . ( ومستحبّ ، وهو الزيادة على ذلك ليواسى به فقيرا ، أو يجازى به قريبا ) فانه أفضل من التخلى لنقل العبادة ، لأن منفعة النفل تخصه ومنفعة الكسب له ولغيره ، وقال عليه الصلاة والسلام ((خير الناس من ينفع الناس)) وقال عليه الصلاة والسلام ((تباهت العبادات فقالت الصدقةً أنا أفضلها)) وقال عليه الصلاة والسلام ((الناس عيال الله فى الأرض وأحبهم إليه أنفعهم لعياله)). (ومباح، وهو الزيادة للتجمل والتنعم) قال عليه الصلاة والسلام ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)) وقال عليه الصلاة والسلام (( من طلب الدنيا حلالا متعففا لقى الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر)). ( ومكروه ، وهو الجمع للتفاخر والتكاثر والبطر والأشر وإن كان من حلّ ) فقد قال عليه الصلاة والسلام (( من طلب الدنيا مفاخرا مكاثرا لقى الله تعالى وهو عليه غضبان)). ثم اعلم أن الله تعالى خلق بنى آدم خلقا لاقوام له إلا بالأكل والشرب واللباس ، وكل منها ينقسم إلى : مباح ، ومحظور وغيرهما ، وأنا أبينه بتوفيق الله تعالى ( أما الأكل فعلى مراتب : فرض ، وهو ما يندفع به الهلاك ) لأنه لإبقاء البنية ، إذ لابقاء لها بدونه وبه يتمكن من أداء الفرائض على ما مرّ ويؤجر على ذلك، قال عليه الصلاة والسلام ((إن الله. ليؤجر فى كل شىء حتى اللقمة يرفعها العبد إلى فيه)) فان ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصى ، لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة ، وإنه منهى عنه فى محكم التنزيل . قال ( ومأجور عليه ، وهو مازاد عليه ليتمكن من الصلاة قائما ويسهل عليه الصوم ) - ١٧٣ - وَمُبَاحٌ، وَهُوَ مَازَادَ عَلى ذلكَ إلى الشَّبَعِ لِتَزْدَادَ قُوَّةُ البَدَنِ. وَحَرَامٌ، وَهُوَ الأكْلُ فَوْقَ الشِّبَعَِ إِلاَّ إذَا قَصَد التَّقَوَى عَلى صَوْمِ الغَدِ أَوْ لِئَلأَّ يَسْتَحِىَ الضَّيْفُ؛ وَلا تَجُوزُ الرّيَاضَةُ بِتَقْلِيْلِ الأكْلِ حَّى يَضْعُفَ عَنْ أَدَاءِ الفَرَائِضِ، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ المَيْتَةِ حالَةَ الْمَخْمَصَةِ ، قال عليه الصلاة والسلام ((المؤمن القوىّ أحبّ إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف)) ولأن. الاشتغال بما يتقوّى به على الطاعة طاعة . وسئل أبو ذرّ رضى الله عنه عن أفضل الأعمال فقال : الصلاة وأكل الخبز إشارة إلى ما قلنا . قال ( ومباح، وهو ما زاد على ذلك إلى الشبع لتزداد قوّة البدن ) ولا أجر فيه ولا وزر ، ويحاسب عليه حسابا يسيرا إن كان من حلّ ، فقد روى (( أن النبىّ عليه الصلاة والسلام أتى بعرق فيه تمر ورطب فقال: إنكم لتحاسبون فى هذا)) فرفعه عمر ورفضه وقال : أفى هذا نحاسب ؟ فقال عليه الصلاة والسلام إى والله والذى نفسى بيده إنكم لتحاسبون يوم القيامة فى الماء البارد والماء الحارّ إلا خرقة تستر بها عورتك ، وكسرة خبز تردّ بها جوعتك، وشربة ماء تطفى بها عطشك)) وقال عليه الصلاة والسلام (( يكفى ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ولا يلام على كفاف)). قال (وحرام، وهو الأكل فوق الشبع) لأنه إضاعة للمال وإمراض للنفس ولأنه تبذير وإسراف، وقال عليه الصلاة والسلام (( ما ملأ ابن آدم وعاء أشرّ من البطن، فان كان لابدّ فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس )) وتجشأ رجل فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب عليه وقال (( نحّ عنا جشاك ، أما علمت أن أطول الناس عذابا يوم القيامة أكثرهم شبعا فى الدنيا؟)) وقيل لعمر : ألا تتخذ جوارشا؟ فقال : وما يكون الجوارش ؟ قالوا : هاضوما يهضم الطعام ، قال : سبحان اللّه أو يأكل المسلم فوق الشبع؟ . قال (إلا إذا قصد التقوّى على صوم الغد ) لأن فيه فائدة ( أو لئلا يستحى الضيف ) لأنه إذا أمسك والضيف لم يشبع ربما استحى فلا يأكل حياء وخجلا ، فلا بأس بأكله فوق السبع لئلا يكون ممن أساء القرى وهو مذموم عقلا وشرعا . قال ( ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء الفرائض) قال عليه الصلاة والسلام ((إن نفسك مطيتك فارفق بها)) وليس من الرفق أن يجيعها ويذيبها ، وأن ترك العبادة لا يجوز فكذا ما يفضى إليه ، فأما تجويع النفس على وجه لا يعجز عن أداء العبادات فهو مباح وفيه رياضة النفس وبه يصير الطعام مشتهى، بخلاف الأوّل فانه إهلاك للنفس ؛ وكذا الشاب الذى يخاف الشبقّ لا بأس بأن يمتنع عن الأكل ليكسر شهوته بالجوع على وجه لايعجز عن أداء العبادات على ما قال -عليه الصلاة والسلام ((فانه له وجاء)). قال ( ومن امتنع من أكل الميتة حالة المخمصة ، - ١٧٤ -- أوْ صَامَ وَلَمْ يأكُلْ حتى ماتَ أِثْمَ؛ وَمَنِ امْتَنَعَ مِنَ التَّدَاوِى حَتّى ماتَ لَمْ يَأْثُمْ وَلا بأسَ بالتَّفَكُّهِ بِأَنْوَاعِ الفَوَاكِهِ، وَتَرْكُهُ أفْضَلُ، وَاَتَخَذُ ألْوَانِ الأطْعْمَةَ وَالْباجاتٍ وَوَضْعُ الْخُسْزِ عَلَى المَائِدَةِ أَكَْثْرَ مِنَ الحَاجَةِ سَرَفٌ، وَوَضْعُ المَمْلَحَةِ عَلَى الْحُسْزِ، وَمَسْحُ الأصَابِعِ وَالسِّكِينِ بِهِ مَكْرُوهٌ، وَكِنْ يُتْرَكُ المِلْحُ عَلَى الْحُسْزِ. وَسَُنُ الطَّعَامِ البَسْمَلَةُ فى أوَّلِهِ، وَالحَمْدَلَةُ فى آخِرِهِ أو صام ولم يأكل حتى مات أثم ) لأنه أتلف نفسه لما بينا أنه لابقاء له إلا بأكل ، والميتة حالة المخمصة إما حلال أو مرفوع الإثم فلا يجوز الامتناع عنه إذا تعين لإحياء النفس . وروى ذلك عن مسروق وجماعة من العلماء والتابعين ، وإذا كان يأثم بترك أكل الميتة فما ظنك بترك الذبيحة وغيرها من الحلالات حتى يموت جوعا . قال ( ومن امتنع من التداوى حتى مات لم يأثم ) لأنه لايقين بأن هذا الدواء يشفيه ولعله يصحّ من غير علاج . قال ( ولا بأس بالتفكه بأنواع الفواكه ) لقوله تعالى - كلوا من طيبات ما رزقناكم - وفيه نزل قوله تعالى - لاتحرّموا طيبات ما أحلّ اللّه لكم -. قال (وتركه أفضل) لئلا تنقص درجته ، ويدخل تحت قوله تعالى - أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا - . قال ( واتخاذ ألوان الأطعمة والباجات ، ووضع الخبز على المائدة أكثر من الحاجة سرف ) لأن النبيّ عليه الصلاة والسلام عدّه من أشراط الساعة . وعن عائشة : أن النبىّ عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك إلا أن يكون من قصده أن يدعو الأضياف قوما بعد قوم حتى يأتوا على آخره لأن فيه فائدة . ومن الإسراف أن يأكل وسط الخبز ويدع حواشيه ، أو يأكل ما انتفخ منه ويترك الباقى لأن فيه نوع تجبر إلا أن يكون غيره يتناوله فلا بأس به كما إذا اختار رغيفا دون رغيف . قال ( ووضع المملحة على الخبز ، ومسح الأصابع والسكين به مكروه ولكن يترك الملح على الخبز ) لأن غيره يستقذر ذلك وفيه إهانة بالخبز وقد أمرنا باكرامه . وقال عليه الصلاة والسلام (( أكرموا الخبز فإنه من بركات السموات والأرض قال عليه الصلاة والسلام ((ما استخفّ قوم بالخبز إلا ابتلاهم الله بالجوع)). ومن إكرام الخبز أن لا ينتظروا الإدام إذا حضر . ومن الإسراف إذا سقطت من يده لقمة أن يتركها . قال عليه الصلاة والسلام ((ألق عنها الأذى ثم كلها)). قال (وسنن الطعام : البسملة فى أوّله. والحمدلة فى آخره) فإن نسى البسملة فى أوّله فليقل إذا ذكر: باسم الله على أوّله وآخره ، بجميع ذلك ورد الأثر، وهو شكر المؤمن إذا رزق، قال عليه الصلاة والسلام ((إن الله تعالى يرضى من عبده المؤمن إذا قدّم إليه طعام أن يسمى اللّه فى أوّله ويحمد الله ٤ آخره)). - ١٧٥ - وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ. وَيُسْتَحَبُّ الْخَذُ الأوْعِيَةِ لِنَقْلِ المَاءِ إلى البُوتِ، وَاتخاذُها مِنَ الْحَزَفِ أفْضَلُ، وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ بِلاسَرَفٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، وَمَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ حَّتِى عَجَزَ عَنْ طَلَبِ القُوتِ فَفَرْضٌ عَلَى كُلّ مَنْ عَلِمَ بِهِ أَنْ يُطْعِمَهُ أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَنْ يُطْعِمُهُ فَانْ قَدَرَ عَلَى الكَسْبِ يَلْزَمُهُ أنْ يَكْتَسِبَ، وَإنْ عَجَزَ عَنْهُ لَزِمَهُ السُّؤَالُ، فَانْ تَرَكَ السُّؤَالَ حَتّى ماتَ أِثْمَ ، قال ( وغسل اليدين قبله وبعده) قال عليه الصلاة والسلام ((الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر وبعده ينفى اللمم )) والمراد بالوضوء هنا غسل اليدين، والأدب أن يبدأ بالشباب قبله وبالشيوخ بعده ، ولا يمسح يده قبل الطعام بالمنديل ليكون أثر الغسل باقيا وقت الأكل ، ويمسحها بعده ليزول أثر الطعام بالكلية . قال ( ويستحبّ اتخاذ الأوعية لنقل الماء إلى البيوت ) لحاجة الوضوء والشرب للنساء لأنهنّ عورة وقد نهين عن الخروج ، قال تعالى - وقرن في بيوتكنّ - فيلزم الزوج ذلك كسائر حاجاتها . قال ( واتخاذها من الخزف أفضل) إذ لاسرف فيه ولا مخيلة. وفى الحديث ((من اتخذ أوانى بيته خزفا زارته الملائكة)» ويجوز اتخاذها من نحاس أو رصاص أو شبه أو أدم ، ولا يجوز من الذهب والفضة لما مرّ . قال ( وينفق على نفسه وعياله بلا سرف ولا تقتير ) ولا يتكلف لتحصيل جميع شهواتهم ، ولا يمنعهم جميعها ويتوسط ، قال تعالى - والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما - ولا يستديم الشبع، قال عليه الصلاة والسلام ((أجوع يوما وأشبع يوما)). فالحاصل أنه يحرم على المسلم الإفساد لما اكتسبه والسرف والمخيلة فيه ، قال الله تعالى - ولا تبغ الفساد فى الأرض - وقال - - والله لا يحبّ الفساد -. وقال - ولا تسرفوا إنه لا يحبّ المسرفين - وقال - ولا تبذّر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين - . قال ( ومن اشتدّ جوعه حتى عجز عز طلب القوت ففرض على كلّ من علم به أن يطعمه أو يدلّ عليه من يطعمه ) صونا له عن الهلاك ، فان امتنعوا من ذلك حتى مات اشتركوا فى الإثم، قال عليه الصلاة والسلام (( ما آمن بالله من بات شبعان وجاره إلى جنبه طاو)). وقال عليه الصلاة والسلام (( أيما رجل مات ضياعا بين أقوام أغنياء فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله)) وإن أطعمه واحد سقط عن الباقين ، وكذا إذا رأى لقيطا أشرف على الهلاك أو أعمى كاد أن يتردّى فى البئر وصار هذا كانجاء الغريق . قال ( فان قدر على الكسب يلزمه أن يكتسب) لما بينا (وإن عجز عنه لزمه السؤال ) فانه نوع اكتساب لكن لا يحلّ إلا عند العجز ، قال عليه الصلاة والسلام ((السؤال آخر كسب العبد)) (فان ترك السؤال. حتى مات أثم ) لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، فإن السؤال يوصله إلى ما يقوّم به نفسه - ١٧٦ - وَمَنْ كَانَ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ لاَ يُحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ، وَيُكْرَهُ إِعْطاءُ سُؤَّالِ المَساجِدِ وَإِنْ كانَ لا يَتَخَطَّى النَّاسَ وَلَا يَمْشِ بْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّينَ لايُكْرَهُ؛ وَلاَ يُجُوزُ قَبُوُلُ هَدِيَّةٍ أُمَرَاءِ الجَوْرِ، إلاَّ إذَا عَلِمَ أنَّ أكْثَرَ مالِهِ حَلالٌ، وَوَلِيمَةُ العُرْسِ سُنَّةٌ، وَيَنْبَغِى لِمَنْ دُعِىَ أَنْ يُجِيبَ، فان كَمْ يَفْعَلْ أَثْمَ، وَلا يَرْفَعُ مِنْهَا شَيْئًا، وَلا يُعْطِى سائِلاً إلاَّ باذنِ صَاحِبها؛ وَمَنْ دُعِىَ إلى وَلِيمَةٍ عَلْها "َهْوٌّ إِنْ عَلِمَ بِهِ لِأُيجِيبُ ، فى هذه الحالة كالكسب، ولا ذلّ فى السؤال فى هذه الحالة ، فقد أخبر اللّه تعالى عن موسى وصاحبه أنهما أتيا أهل قرية استطعما أهلها . وقال عليه الصلاة والسلام لرجل من أصحابه ((هل عندك شىء فآ كله؟)). قال ( ومن كان له قوت يومه لا يحلّ له السؤال) لقوله عليه الصلاة والسلام ((من سأل الناس وهو غنىّ عما يسأل جاء يوم القيامة ومسألته خدوش أو خموش أو كدوح فى وجهه )) ولأنه أذلّ نفسه من غير ضرورة وأنه حرام . قال عليه الصلاة والسلام ((لا يحلّ للمسلم أن يذلّ" نفسه)). قال (ويكره إعطاء سؤال المساجد ) فقد جاء فى الأثر : ينادى يوم القيامة ليقم بغيض الله ، فيقوم سؤال المسجد ( وإن كان لايتخطى الناس ولا يمشى بين يدى المصلين لايكره) وهو المختار، فقد روى أنهم كانوا يسألون فى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى روى أن عليا رضى الله عنه تصدّق بخاتمه فى الصلاة فمدحه الله تعالى بقوله - ويؤتون الزكاة وهم راكعون - وإن كان يمرّ بين يدى المصلى ويتخطى رقاب الناس يكره ، لأنه إعانة على أذى الناس حتى قيل : هذا فلس يكفره سبعون فلسا . قال ( ولا يجوز قبول هدية أمراء الجور ) لأن الغالب فى مالهم الحرمة . قال ( إلا إذا علم أن أكثر ماله حلال ) بأن كان صاحب تجارة أو زرع فلا بأس به ، لأن أموال الناس لاتخلو عن قليل حرام والمعتبر الغالب ، وكذلك أكل طعامهم . قال ( ووليمة العرس سنة ) قديمة وفيها مثوبة عظيمة ، قال عليه الصلاة والسلام ((أولم ولو بشاة)) وهى إذا بنى الرجل بامرأته أن يدعو الجيران والأقرباء والأصدقاء ويذبح لهم ويصنع لهم طعاما ( ويغبغى لمن دعى أن يجيب ، فان لم يفعل أثم ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) فان كان صائما أجاب ودعا ، وإن لم يكن صائما أكل ودعا ، وإن لم يأكل أثم وجفا لأنه استهزأ بالمضيف ، وقال عليه الصلاة والسلام ((لو دعيت إلى كراع (١) لأجبت)). قال (ولا يرفع منها شيئا ولا يعطى سائلا إلا باذن صاحبها ) لأنه إنما أذن له فى الأكل دون الرفع والإعطاء . قال ( ومن دعى إلى وليمة عليها لهو إن علم به لا يجيب ) لأنه لم يلزمه حقّ الإجابة. (١) الكراع : مستدقّ الساق. - ١٧٧ - وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَّى حَضَرَ إنْ كانَ يَقْدِرُ عَلى مَنْعِهِمْ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ. فإنْ كانَ اللَّهُوُ عَلَى المَائِدَةِ لايَقْعُدُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى المَائِدَةِ، فإنْ كانَّ مُقْتَدَى بِهِ لا يَقْعُدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدَى بِهِ فَلا بأسَ بالقُعُودِ. فصل الكِسْوَةُ: مِنْهَا فَرْضٌ، وَهُوَ ما يَسُْتْرُ العَوْرَةَ وَيَدْفَعُ الْحَرِّ وَالَبَرْدَ، وَيَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ مِنَ القُطْنِ أَوِ الكَتَّانِ بْنَ النَّفيسِ وَالدَّنِءٍ. وَمُسْتَحَب، وَهُوَ سَتْرُ العَوْرَةِ، وأخْذُ الزّينَةِ. ( وإن لم يعلم حتى حضر إن كان يقدر على منعهم فعل ) لأنه نهى عن منكر ( وإن لم يقدر فان كان اللهو على المائدة لا يقعد ) لأن استماع اللهو حرام والإجابة سنة ، والامتناع عن الحرام أولى من الإتيان بالسنة ( وإن لم يكن على المائدة ، فان كان مقتدى به لا يقعد ) لأن فيه شين الدين وفتح باب المعصية على المسلمين ، وما روى عن أبى حنيفة أنه قال : ابتليت بهذا مرّة فصبرت کان قبل أن یصیر مقتدى به ( وإن لم یکن مقتدى به فلا بأس بالقعود ) وصار كتشييع الجنازة إذا كان معها نياحة لا يترك التشييع والصلاة عليها لما عندها من النياحة كذا هنا . فصل ( الكسوة : منها فرض ، وهو ما يستر العورة ويدفع الحرّ والبرد ) قال تعالى - خذوا زينتكم عند كلّ مسجد - : أى ما يستر عوراتكم عند الصلاة ، ولأنه لا يقدر على أداء الصلاة إلا بستر العورة وخلقه لا يحتمل الحرّ والبرد فيحتاج إلى دفع ذلك بالكسوة فصار نظير الطعام والشراب فكان فرضا ( وينبغى أن يكون من القطن أو الكتان ) هو المأثور وهو أبعد عن الخيلاء ، وينبغى أن يكون ( بين النفيس والدنىء ) لئلا يحتقر فى الدنىء ، ويأخذه الخيلاء فى النفيس. وعن النبىّ عليه الصلاة والسلام ((أنه نهى عن الشهرتين)) وهو ما كان فى نهاية النفاسة ، وما كان فى نهاية الحساسة ، وخير الأمور أوساطها ؛ وينبغى أن يلبس الغسيل فى عامة الأوقات ولا يتكلف الجديد . قال عليه الصلاة والسلام ((البذاذة من الإيمان)) وهى رثاثة الهيئة، ومراده التواضع فى اللباس وترك التبجح به . (ومستحبّ: وهو ستر العورة وأخذ الزينة) قال عليه الصلاة والسلام ((إن الله يحبّ ١٢ - الاختيار - رابع - ١٧٨ - وَمُبَاحٌ، وَهُوَ الثَّوْبُ الْجَمِيلِ لِلتَزَيْنِ بِهِ فِى الْجُمَعِ وَالْأعْيادِ وَتَجَا معِ الناسِ. وَمَكْرُوهٌ، وَهُوَ اللَّبْسُ لِلتَكَّبْرِ وَالْحُيْلَاءِ. وَيُسْتَحِبُّ الْأبْيَضُ مِنَ الثَّاب، وَيُكْرَهُ الْأحمَرُ وَالْمُعَصْفَرُ. وَالسَّنّةُ: إِرْخَاءُ طَرَفِ العِمامَةِ بْنَ كَتِفَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أنْ يُجَدّدَ لَفْهَا نَقَضَها كمَا لَفَّها. فصل الكَلامُ مِنْهُ ما يُوجِبُ أجْرًا كالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ، وَقِرَاءَةِ القُرآنِ، وَالْأحادِ يِثِ النَّبَوِيّةِ وَعِلْمِ الفِقْهِ ، أن يرى أثر نعمه على عبده)). (ومباح: وهو الثوب الجميل للتزين به فى الجمع والأعياد ومجامع الناس) فقد روى (( أنه عليه الصلاة والسلام كان له جبة فنك (١) يلبسها يوم عيد، وأهدى له المقوقس قباء مكفوفا بالحرير كان يلبسه للجمع والأعياد ولقاء الوفود)) إلا أن في تكلف ذلك فى جميع الأوقات صلفا ومشقة ، وربما يغيظ المحتاجين فالتحرّز عنه أولى . ( ومكروه : وهو اللبس للتكبر والخيلاء) لما بينا، ولقوله عليه الصلاة والسلام للمقداد ابن معديكرب ((كل والبس واشرب من غير مخيلة)). (ويستحبّ الأبيض من الثياب ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((خير ثيابكم البيض)) وقال عليه الصلاة والسلام ((إن الله تعالى يحبّ الثياب البيض، وإنه خلق الجنة بيضاء)). (ويكره الأحمر والمعصفر ) ولا يظاهر بين جبتين أو أكثر فى الشتاء إذا وقع الاكتفاء بدون ذلك لأنه يغيظ المحتاجين ، وفيه تجبر . وكان عمر رضى الله عنه لا يلبس إلا الخشن؛ واختيار الخشن أولى فى الشتاء لأنه أدفع للبرد، والين فى الصيف فانه أنشف للعرق ؛ وإن لبس اللين فى الوقتين لابأس به ، قال تعالى قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده -. ( والسنة : إرخاء طرف العمامة بين كتفيه ) هكذا فعله عليه الصلاة والسلام ، ثم قيل قدر شبر ، وقيل إلى وسط الظهر ، وقيل إلى ووضع الجلوس ( وإذا أراد أن يجدّد لفها نقضها كما لفها ) ولا يلقيها على الأرض دفعة واحدة ، هكذا نقل من فعله صلى الله عليه وسلم . فصل ( الكلام : منه ما يوجب أجرا كالتسبيح والتحميد وقراءة القرآن والأحاديث النبوية وعلم الفقه) قال تعالى - والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما - (١) قال فى مختار الصحاح : الفنك : ما يتخذ منه الفرو .. ١ - ١٧٩ - وَقَدْ بأَثَمُ بِهِ إِذَا فَعَلَه فى مَجْلِسِ الفِسْقِ وَهُوَ يَعْمَلُهُ، وَإِنْ سَبَّحَ فِيهِ للإِعْتِبارِ وَالإنكارِ، وَلِيَشْتَغِلُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الفِسْقِ فَحَسَنَّ. وَيُكْرَهُ فِعْلُهُ للتََّجِرِ عِنْدَ فَتْحِ مَتَاعِهِ، وَبُكْرَهُ الَّتَرْجِيِعُ بِقِرَاءَةِ القُرآنِ وَالإِسْمَاعُ إليْهِ . والآيات والأحاديث كثيرة فى ذلك ( وقد يأثم به إذا فعله فى مجلس الفسق وهو يعمله ) لما فيه من الاستهزاء والمخالفة لموجبه (وإن سبح فيه للاعتبار والإنكار ، وليشتغلوا عما هم فيه من الفسق فحسن ) وكذا من سبح فى السوق بنية أن الناس غافلون مشتغلون بأمور الدنيا وهو مشتغل بالتسبيح ، وهو أفضل من تسبيحه وحده فى غير السوق ، قال عليه الصلاة والسلام ((ذاكر اللّه فى الغافلين كالمجاهد فى سبيل الله)). قال (ويكره فعله للتاجر عند فتح متاعه ) وكذلك الفقاعى (١) عند فتح الفقاع يقول: لا إله إلا اللّه صلى الله على محمد فانه يأثم بذلك لأنه يأخذ لذلك ثمنا ، بخلاف الغازى أو العالم إذا كبر عند المبارزة وفى مجلس العلم لأنه يقصد به التفخيم والتعظيم وإشعار شعائر الدين . قال ( ويكره الترجيع بقراءة القرآن والاستماع إليه ) لأنه تشبه بفعل الفسقة حال فسقهم وهو التغنى ولم يكن هذا فى الابتداء، ولهذا كره فى الأذان، وقيل لابأس به لقوله عليه الصلاة والسلام («زينوا القرآن بأصواتكم )) وعن النبىّ عليه الصلاة والسلام أنه كره رفع الصوت عند قراءة القرآن والجنازة والزحف والتذكير» : أى الوعظ ، فما ظنك به عند استماع الغناء المحرم الذى يسمونه وجدا ؟ . وكره أبو حنيفة قراءة القرآن عند القبور لأنه لم يصحّ عنده فى ذلك شىء عن النبىّ عليه الصلاة والسلام، ولا يكرهه محمد ، وبه نأخذ لما فيه من النفع للميت لورود الآثار بقراءة آية الكرسى وسورة الإخلاص والفاتحة وغير ذلك عند القبور . ومذهب أهل السنة والجماعة أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره ويصل لحديث الخثعمية وقد مرّ فى الحجّ، ولما روى (( أنه عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين أماحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته)) أى جعل ثوابه عن أمته. وروى ((أن رجلا قال: يا رسول الله إن أمى افتلتت نفسها فهل لها أجر إن تصدّقت عنها؟ قال: نعم ولك)) ((ورفعت امرأة صبيها وقالت: يا رسول اللّه ألهذا حجّ؟ قال: نعم ولك أجر)) والآثار فيه كثيرة، ومنع بعضهم من ذلك وقال : لايصل متمسكا بقوله تعالى - وأن ليس للإنسان إلا ماسعى - وبقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) الحديث. الجواب عن الآية من وجوه : أحدها : أنها سيقت على قوله - أم لم ينبأ بما فى صحف موسى (١) قوله الفقاعى ، قال فى المنجد : الفقاعى: بائع الفقاع . والفقاع: الشراب يتخذ من الشعير ، سمى به لما يعلوه من الزبد . - ١٨٠ - وَمِنْهُ مالا أجْرَ فِيهِ وَلا وِزْرَ كَقَوْلِكَ: قُمْ وَافْعَدْ، وأكَلْتُ وَشَرِبْتُ وَتَحْوِهِ. وَمِنْهُ ما يُوجِب الإِثْمَ كِالكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ وَالغِيبَةِ وَالشَّنِيمَةِ، ثُمَّ الكَذَبُ تُخْطُورٌ إلاَّ فى القِتال للْخَدْعَة، وفى الصُّلْحِ بْنَ الْنَسِين، وفى إِرْضَاءِ الرَّجُل الأهْلَ، وفى دَفْع الظَّالِم عَن الظُّلْمِ. وَيُكْرَهُ التَّعْرِيضُ بالكَذِبِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ ؛ . وإبراهيم الذی وفی ۔ فیکون إخبارا عما فى شريعتهما فلا يلزمنا ، كيف وقد روینا عن نبينا عليه الصلاة والسلام خلافه؟ . قال علىّ رضى الله عنه: هذا لقوم إبراهيم وموسى ، وأما هذه الأمة لهم ما سعوا وسعى لهم . الثانى آنها منسوخة بقوله تعالى - ألحقنا بهم ذريتهم - أدخل الذرّية الجنة بصلاح الآباء ، قاله ابن عباس . الثالث قال الربيع بن أنس : المراد بالإنسان هنا الكافر ، أما المؤمن له أجر ماسعى وسعى له . الرابع تجعل اللام بمعنى على وأنه جائز . قال : فخرّ صريعا لليدين وللفم ، فيضير كأنه قال : وأن ليس على الإنسان إلا ما سعى فيحمل عليه توفيقا بين الآية والأحاديث ، ولأنه معنى صحيح لاخلاف فيه ولا يدخله التخصيص . الخامس أنه سعى فى جعل ثواب عمله لغيره فيكون له ما سعى عملا بالآية . السادس أن السعى أنواع : منها بفعله وقوله ، ومنها بسبب قرابته ، ومنها بصديق سعى فى خلته ، ومنها بما يسعى فيه من أعمال الخير والصلاح وأمور الدين التى يحبه الناس بسببها فيدعون له ويجعلون له ثواب عملهم وكلّ ذلك بسبب سعيه ، فقد قلنا بموجب الآية فلا يكون حجة علينا . وأما الحديث فانه يقتضى انقطاع عمله ولا كلام فيه إنما الكلام فى وصول ثواب عمل غيره إليه ، والحديث لاينفيه ، على أن الناس عن آخرهم قد استحسنوا ذلك فيكون حسنا بالحديث . قال ( ومنه ما لا أجر فيه ولا وزر كقولك : قم واقعد وأكلت وشربت ونحوه ) لأنه ليس بعبادة ولا معصية ، ثم قيل لا يكتب لأنه لا أجر عليه ولاعقاب . وعن محمد مايدلّ عليه ، فقد روى عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال : إن الملائكة لاتكتب إلا ما كان فيه أجر أو وزر ، وقيل يكتب لقوله تعالى - ونكتب ماقدّموا وآثارهم - الآية ، ثم يمحى ما لاجزاء فيه ويبقى ما فيه جزاء ، ثم قيل يمحى فى كلّ النين وخميس وفيهما تعرض الأعمال. والأكثرون على أنها تمحى يوم القيامة. قال ( ومنه ما يوجب الإثم كالكذب والنميمة والغيبة والشقيمة ) لأن كلّ ذلك معصية حرام بالنقل والعقل ( ثم الكذب محظور إلا فى القتال للخدعة ، وفى الصلح بين اثنين ، وفى إرضاء الرجل الأهل، وفى دفع الظالم عن الظلم) لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا يصلح الكذب إلا فى ثلاث : فى الصلح بين اثنين، وفى القتال، وفى إرضاء الرجل أهله )) ودفع الظالم عن الظلم من باب الصلح . قال ( ويكره التعريض بالكذب إلا لحاجة )