النص المفهرس
صفحات 61-80
- ٦١ - حَلَفَ لايُكَلِّمُ عَبْدَ فُلانٍ يُعْتَبَرُ مِلْكُهُ يَوْمَ الِحِنْثِ لا يَوْمَ الْخَلِفِ، وَكَذَا الثَّوْبُ وَالدَّارُ؛ وَلَوْ قالَ: عَبْدَ هُلانِ هَذَا، أَوْ دَارَهُ هَذِهِ لاَ يُحْنَثُ بَعْدَ البَيْعِ، وفِ الصَّدِيقِ وَالزَّوْجِ وَالزّوْجَةِ يَحْنَثُ بَعْدَ المُعادَاةِ وَالفِرَاقِ. عن الإرادة ضرورة . قال ( حلف لا يكلم عبد فلان يعتبر ملكه يوم الحنث لا يوم الحلف ، وكذا الثوب والدار ) لأن اليمين عقدت على ملك مضاف إلى فلان ، فإذا وجدت الإضافة حنث وإلا فلا ، ولأن اليمين للمنع عن الحنث فيعتبر وقت الحنث ( ولو قال : عبد فلان هذا أو داره هذه لا يحنث بعد البيع ) لانقطاع الإضافة ولا تعادى لذاتها لسقوط عبرتها إلا أن ينوى عينها للتشاؤم على ما ورد به الحديث (١) (وفى الصديق والزوج والزوجة يحنث بعد المعاداة والفراق ) لأن الزوجة والصديق يقصدان بالهجرة لأذى من جهتهما ، فكانت الإضافة للتعريف وكانت الإشارة أولى . وقال محمد : يحنث فى العبد أيضا إذا كان معينا ، لأن المنع قد يكون لعينه وقد يكون لمالكه فيتعلق اليمين بهما ؛ وإن أطلق اليين فى الزوجة والصديق لم يحنث عند أبى حنيفة وحنث عند محمد لأن المانع أذى من جهتهما . ولأبى حنيفة أن هذه الإضافة تحتمل التعريف دون الهجران ، ولهذا لم يعينه فلا يحنث ، ويحتمل الهجران فیحنث ، فلا يحنث بالشك ، ولو لم یکن له امرأة ولا صدیق فاستحدث ثم کلمه حنث خلافا لمحمد . حلف لا يكلمه اليوم شهرا أو اليوم سنة ، فهو على ذلك اليوم من جميع ذلك الشهر وتلك السنة ، لأن اليوم الواحد لا يكون شهرا ولا سنة ، فعلمنا أن مراده أنه لا يكلمه فى مثل ذلك اليوم شهرا أو سنة ؛ ولو قال : لا أكلمك يوم السبت عشرة أيام وهو فى يوم السبت فهو على سبتين ، لأن يوم السبت لايدور فى عشرة أيام أكثر من مرّتين ، وكذلك لاأكلمك يوم السبت يومين كان على سبتين لأن السبت لا يكون يومين فكان مراده سبتين ، وكذلك لو قال ثلاثة أيام كانت كلها يوم السبت لما بينا . حلف لا يتزوّج بنت فلان فولدت له بنت أخرى لم يحنث بتزويجها ، لأن اليمين انصرفت إلى الموجود فى الحال ؛ ولو قال : بنتا لفلان ، أو بنتا من بنات فلان ، فعن أبى حنيفة روايتان . حلف لا يكلم إخوة فلان فهو على الموجودين وقت اليمين لاغير ، فان كان له إخوة كثيرة لا يحنث ما لم یکلم کلهم ؛ ولو قال : لا یکلم عبيد فلان ، أو لا یر کب دواب فلان ، أو لا يلبس ثياب فلان حنث بفعل ثلاثة مما سمى إلا إذا نوى الكلّ، والفرق أن الأوّل إضافة تعريف فتعلقت اليمين بأعيانهم، فما لم يكلم الكلّ لايحنث؛ وفى الثانية إضافة ملك لأنها لاتقصد بالهجران لكونها حمادا أو لخسة العبد، وإنما المقصود المسالك فتناولت اليمين أعيانا منسوبة إليه وقت - (١) قوله على ما ورد به الحديث، هو ما تضمن (( أن الشؤم فى ثلاث: المرأة، والدّابة ، والدّار)) . - ٦٢ - فصل الحِينُ وَالزَّمَانُ: سِنَّةُ أَشْهُرٍ فى التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ. وَالدَّهْرُ: الأبَدُ؛ وَدَهْرًا قالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لاأدْرِى ما هُوَ، وَالْأَيَّامُ وَالشّهُورُ وَالسَّنُونُ عَشَرَة ، وفِى المُنَكْرِ ثَلاثَة. الحنث ، وقد ذكر النسبة بلفظ الجمع وأقله ثلاثة . وروى المعلى عن أبى يوسف كلّ شىء سوى بنى آدم فهو على واحد ، وإذا كانت يمينه على بنى آدم فهو على ثلاثة . فصل ( الحين والزمان : ستة أشهر فى التعريف والتنكير ) منقول عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ، ولأنه الوسط مما فسر به الحين فكان أولى؛ والزمان كالحين لأنه يستعمل استعماله يقال : مارأيتك منذ حين ومنذ زمان بمعنى واحد ، وإن نوى شيئا فعلى ما نوى لأنه يحتمله ، وقيل يصدق فى الحين فى الوقت اليسير دون الزمان لأنه استعمل فى الحين ، قال الله تعالى - فسبحان الله حين تمسون وحين تصحون -. والمراد صلاة الفجر وصلاة العصر، ولا عرف فى الزمان . وعن أبى يوسف : لايدين فى القضاء فى أقل من ستة أشهر . قال (والدهر: الأبد) قال عليه الصلاة والسلام ((لاصيام لمن صام الدهر)) يعنى جميع العمر ( ودهرا ، قال أبو حنيفة: لاأدرى ما هو) وعندهما هو كالزمان لأنه يستعمل استعماله . وله أنه لاعرف فيه فيتبع ، واللغات لاتعرف قياسا والدلائل فيه متعارضة فتوقف فيه . وروى أبويوسف عن أبى حنيفة أن دهرا والدهر سواء ، وهذا عند عدم النية ، وإن كان له نية فعلى ما نوى . قال (والأيام والشهور والسنون عشرة) وكذا الأزمنة . ( و) الجمع (فى المنكر ثلاثة) وقالا فى الأيام سبعة، والشهور اثناعشر وغيرهما جميع العمر ، لأن اللام للمعهود : وهى أيام الأسبوع وشهور السنة ، ولأن الأيام تنتهى بالسبعة والأشهر بالاثنى عشر ثم تعود ، ولا معهود فى غيرهما فتناولت العمر . ولأبى حنيفة أن الجمع المعرف بهذا اللفظ أكثره عشرة ، وما زاد يتغير لفظه فلا يزاد على العشرة . أما المنكر يتناول الأهلّ وهو ثلاثة بالإجماع ؛ وفى رواية : المبسوط عشرة عند أبى حنيفة ، والمختار ما ذكرنا . حلف لا يكلمه إلى كذا فعلى ما نوى ، فان لم ينو فيوم واحد لأنه أقل العدد ، وإن قال : كذا وكذا ولا نية له فيوم وليلة . حلف لا يكلمه إلى الحصاد فحصد أوّل الناس بر ، و کذلك إلى قدوم الحاج فقدم واحد انهت المین . حلف لا يكلمه قريبا - ٦٣ - حَلَفَ لا يأكُلُ مِنْ هَذِهِ الحِنْطَةِ لاَ يُحْنَثُ ما لَمْ يَقْضَمْهَا وَمِنْ هَذَا الدَّقِيقِ يَحْنَثُ بِخُبْزِهِ دُونَ سَفٍِّ؛ وَالْحُسْزُ ما اعْتَادَهُ أهْلُ البَلَدِ، وَالشَّوَاءُ مِنَ اللَّحْمِ؛ وَالطَّبِيِخُ ما يُطْبَخُ مِنَ اللَّحْمِ بالمَاءِ، وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ مَرَقِهِ ، من ستة فهو على ستة أشهر ويوم ؛ ولو قال : لا يكلمه قريبا فهو أقلّ من شهر بيوم ؛ ولو قال إلى بعيد فأكثر من شهر . وعن أبى يوسف هو مثل الحين ؛ وآجلا أكثر من شهر ، وعاجلا أقلّ من شهر لأن الشهر أدنى الأجل ؛ ولو قال بضعا فثلاثة ، لأن البضع من ثلاثة إلى تسعة فيحمل على الأقلّ عند عدم النية . فصل (حلف لا يأكل من هذه الحنطة لا يحنث ما لم يقضمها) ولو أكل من خبزها أو سويقها لم يحنث ، وقالا: يحنث بالخبز للعرف . وله أن الحقيقة مستعملة فانه يقلى ويسلق ويؤكل بعده قضما ، والحقيقة المستعملة قاضية على المجاز . قال ( ومن هذا الدقيق يحنث بخبزه دون سفه ) لأنه غير معتاد فانصرف إلى ما يتخذ منه وهو الخبز ؛ وكذا إن أكل من عصيدته أو اتخذه خبيصا أو قطايف حنث، إلا إذا نوى أكل عينه لأنه نوى حقيقة كلامه ، وكذلك ما لا يؤكل عادة تقع اليمين على ما يتخذ منه ، لأن المجاز المتعارف راجح على الحقيقة المهجورة ، قال ( والخبز ما اعتاده أهل البلد ) لأن اليمين مبناها على العادة ، والمنع إنما يقع على المعتاد ليتحقق معنى اليمين ، ولو حلف لا يأكل خبزا فأكل ثريدا . قال أبو الليث : لا يحنث للعرف والطعام حقيقة ما يطعم ويؤكل ، وفى العرف يختصّ ببعض الأشياء، ألا ترى أن الأدوية لاتسمى طعاما ، وإن كانت تؤكل ويتغذّى بها كمعجون الورد ونحوه ؛ والخلّ والزيت والملح طعام لجريان العادة بأكله مع الخبز إداما له ، والنبيذ شراب عند أبى يوسف طعام عند محمد ، والفاكهة طعام . حلف لا يشترى طعاما لا يحنث إلا بشراء الحنطة والدقيق والخبز استحسانا للعرف ، وفى عرفنا يحنث بالشعير والذرة ونحوهما أيضا قال ( والشواء من اللحم ) خاصة لأنه المتعارف عند الإطلاق ، ألا ترى أن الشواء اسم لبائع المشوى من اللحم دون غيره ، ويصحّ قولهم : لم يأكل الشواء وإن أكل الباذنجان والسمك المشوى وغيره ما لم يأكل الشواء من اللحم، وإن نوء، كلّ شيء يشوى صحت نيته وهو القياس، لأن الشواء ما يجعل فى النار ليسهل أكله وهو موجود فى كلّ شيء إلا أنّ العرف اختصّ باللحم على ما بينا . قال ( والطبيخ ما يطبخ من اللحم بالماء ) للعرف ، وإن نوى كل ما يطبخ صدّق لأنه شدّد على نفسه ( ويحنث بأكل مرقه ) لأن فيه أجزاء اللحم ؛ وفى النوادر : حلف لایأ کل طبيخا فأ كل قلية يابسة لامرق فيها لا يحنث، - ٦٤ - وَالرّءُوسُ : ما يُكْبَسُ فى التَّنَافِيرِ وَيَبَاعُ فى السُّوْقِ، وَالرُّطَبُ وَالعِنَبُ وَالرَّمَّانُ وَالْخِيَارُ وَالقِثاءُ لَيْس بِفاكِهِةٍ، لأنه بدون المرق لا يسمى طبيخا ، فإنه يقال لحم مقلى ولايقال مطبوخ إلا لما طبخ فى الماء. ولو أكل سمكا مطبوخا لم يحنث ، لأن الاسم لايتناوله عند الإطلاق . وعن ابن سماعة : الطبيخ يكون على الشحم ، فان طبخ عدسا أو أرزا بودك فهو طبيخ ، وإن كان بسمن أو زيت فليس بطبيخ ، والمعتبر العرف ، والطابخ : هو الذى يوقد النار دون الذى ينصب القدر ويصب الماء واللحم وحوائجه فيه ؛ والخابز: الذى يضرب الخبز فى التّنور دون من عجنه وبسطه . ولو حلف لا يأكل من طبيخ فلان فطبخ هو وآخر وأكل الحالف منه حنث ، لأن كلّ جزء منه يسمى طبيخا ، وكذلك من خبز فلان فخبز هو وآخر، وكذلك من رمان اشتراه فلان فاشترى هو وآخر ؛ وكذا لاألبس من نسج فلان فنسج هو وآخر ؛ ولو قال : من قدر طبخها فلان فأكل ما طبخاه لم يحنث ، لأن كلّ جزء من القدر ليس بقدر ، وكذلك من قرص يخبزه فلان ، أو رمانة يشتريها فلان ، أو ثوبا ينسجه فلان لما بينا ؛ ولو حلف لا يلبس ثوبا من غزل فلانة ، فلا بدّ أن يكون جميعه من غزلها ، حتى لو كان فيه جزء من ألف جزء من غزل غيرها لم يحنث ، رواه هشام عن محمد . حلف لا يأكل من هذا الطعام ما دام فى ملكه، فباع بعضه وأكل الباقى لايحنث ، ذكره الحسن . حلف لا يأكل من مال فلان فتناهد (١) وأكل لا يحنث لأنه أكل مال نفسه عرفا رواه المعلى عن أبى يوسف . حلف لايأكل من فلان وبينهما دراهم فأخذ منها درهما فاشترى به شيئا وأكل لم يحنث . حلف لا يأكل من طعام شريكه فأكل من طعام مشترك بينهما لم يحنث ، لأنه إنما أکل حصته ؛ ألا ترى أن له أن يأخذه من حصته . قال (والرءوس ما يكبس فى التنانير ويباع فى السوق ) جريا على العرف . وعن أبى حنيفة أنه يدخل فى البين رءوس البقر والجزور ، وعندهما يختصّ برءوس الغنم وهو اختلاف عادة وعصر. قال ( والرطب والعنب والرمان والخيار والقثاء ليس بفاكهة ) وقالا: الرطب والرمان والعنب فاكهة، لأنه يتفكه بها عادة كسائر الفاكهة حتى يسمى بائعها فاكهانى ، ولأبى حنيفة قوله تعالى - فيهما فاكهة ونخل ورمان -. ولذلك عطف الفاكهة على العنب فى آية أخرى (٢) والمعطوف يغاير المعطوف عليه لغة ، ولأنه ذكر فى معرض الامتنان والكريم الحكيم لا يعيد المنة بالشىء مرتين ، ولأن الفاكهة ما يتفكه به قبل الطعام ، وبعده ، ويتفكه برطبه ويابسه دون الشبع ، والعنب والرطب يستعملان للغذاء والشبع ، والرمان (١) قال فى المنجد : تناهد القوم : أخرج كل منهم نفقة بقدر نفقة صاحبه ليشتروا بها طعاما يشتركون فى أكله. (٢) فى سورة عبس. - ٦٥ - والإِدَامُ ما يُصْطَبَغُ بِهِ: كالْحَلّ وَالزَّيْتِ وَالمِفْحِ، يستعمل للأدوية فكان معنى الفاكهة قاصرا عنها ، فلا يتناولها الاسم عند الإطلاق حتى لو نواها صحت نيته لأنه تشديد عليه، والتمر والزبيب وحبّ الرمان إدام وليس بفاكهة بالإجماع ، والتفاح والسفرجل والكمثرى والإجاص والمشمش والخوخ والتين فاكهة لأنها تؤكل للتفكه دون الشبع ، والبطيخ فاكهة ، واليابس من أثمار الشجر فاكهة ، ويابس البطيخ ليس بفاكهة لأنه غير معتاد ، والقثاء والخيار والجزر والباقلاء (١) الرطب يقول . قال محمد : التوت فاكهة لأنه يستعمل استعمال الفاكهة . قال محمد : قصب السكر والبسر الأحمر فاكهة ، والجوز فى عرفنا ليس بفاكهة لأنه لايتفكه به . وروى المعلى عن محمد : الجوز اليابس ليس بفاكهة لأنه يؤكل مع الخبز غالبا ، فأما رطبه لا يؤكل إلا للتفكه . وعن أبى يوسف : اللوز والعناب فاكهة ، رطبه من الفاكهة الرطبة ، ويابسه من يابسها ، وعن محمد: لو حلف لايأ كل فاكهة العام أو من ثمرة العام إن كان زمان الرطبة فهى على الرطبة ، ولا يحنث بأكل اليابس ، وإن كان فى غير زمانها فهى على اليابس للتعارف ، وكان ينبغى أن يحنث باليابس والرطب إذا كان فى زمان الرطبة ، لأن اسم الفاكهة يتناولهما إلا أنه استحسن ذلك ، لأن العادة فى قولهم فاكهة العام إذا كان زمان الرطبة يريدونها دون اليابس ، فاذا لم تكن رطبة تعينت اليابسة فحملت عليه . قال ( والإدام ما يصطبغ به كالحلّ والزيت والملح) وأصله من الموادمة وهى الموافقة وهى بالملازقة فيصيران كشىء واحد ، أما المجاورة فليست بموافقة حقيقة ، يقال : وأدم الله بينكما : أى وفق بينكما ، قال عليه الصلاة والسلام للمغيرة (٢) وقد تزوّج امرأة ((لو نظرت إليها كان أحرى أن يودم بينكما)) فكلّ ما احتاج فى أكله إلى موافقة غيره فهو إدام ، وما أمكن إفراده بالأكل فليس بادام ؛ وإن أكل مع الخبز كما لو أكل الخبز مع الخبز ، فالحلّ والزيت واللبن والعسل والمرق إدام لما بينا، وكذلك الملح لأنه لا يؤكل منفردا ولأنه يذوب فيختلط بالخبز ويصير تبعا ؛ واللحم والشواء والبيض والجبن ليس بإدام لأنها تفرد بالأكل ولا تمتزج بالخبز . وعن محمد : كلّ ما يؤكل بالخبز عادة فهو إدام ، وهو المختار عملا بالعرف . وعن أبى يوسف : الجوز اليابس إدام. وقال محمد وهو رواية عن أبى يوسف : التمر والجوز والعنب والبطيخ والبقول وسائر الفواكه ليس بإدام ، لأنها (١) قوله والباقلاء، قال فى مختار الصحاح : والباقلاً إذا شددت اللام قصرت ، وإذا خففت مددت . وقال فى المنجد : الباقلاء والباقلى ، وباقلى الفول . (٢) لفظ حديث المغيرة كما ذكره صاحب سبل السلام مرويا عن الترمذى والنسائى : أنه قال (( انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما )). ٥ - الاختيار - رابع - ٦٦ - وَالْغَدَاءُ: مِنْ طِلُوعِ الفَجْرِ إلى الظُّهْرِ، وَالعَشاءُ: مِنَ الظُّهْرِ إلى نِصْفٍ اللَّيْلِ، وَالسُّحُورُ: مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، وَالشُّرْبُ مِنَ الثََّهْرِ: الكَرْعُ مِنْهُ . تفرد بالأكل ولا تكون تبعا للخبز حتى لو كان موضعا تؤكل تبعا للخبز معتادا يكون إداما عندهم اعتبارا للعرف وهو الأصل فى الباب . قال ( والغداء من طلوع الفجر إلى الظهر ) لأنه عبارة عن أكل الغدوة ، وما بعد نصف النهار لا يكون غدوة ( والعشاء : من الظهر إلى نصف الليل) لأنه مأخوذ من أكل العشاء وأوّله بعد الزوال. وروى (( أنه صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتى العشاء ركعتين)) يريد به الظهر أو العصر ( والسحور : من نصف الليل إلى طلوع الفجر ) لأنه مأخوذ من السحر فينطلق إلى ما يقرب منه ، ثم الغداء والعشاء عبارة عن الأكل الذى يقصد به الشبع عادة ، فلو أكل لقمة أو لقمتين فليس بشىء حتى يزيد على نصف الشبع فإنه يقال لم أتغدّ وإنما أكلت لقمة أو لقمتين ، ويعتبر فى كلّ بلدة عادتهم ؛ فلو حلف لا يتغدّى فشرب اللبن إن كان حضريا لا يحنث ، وإن كان بدويا يحنث اعتبارا للعادة . قال الكرخى : إذا حلف لايتغدّى فأكل تمرا أو أرزا أو غيره حتى شبع لا يحنث ، ولا يكون غداء حتى يأكل الخبز ، وكذلك إن أكل لحما بغير خبز اعتبارا للعرف . قال ( والشرب من النهر الكرع منه ) فلو حلف لا يشرب من دجلة أو من الفرات لايحنث حتى يكرع منها كرعا يباشر الماء بفيه ، فان شرب منه بيده أو باناء لم يحنث ، وقالا : يحنث فى جميع ذلك . أصله أنه متى كان لليمين حقيقة مستعملة ومجاز مستعمل ، فعند أبى حنيفة : العبرة للحقيقة خاصة لأنه لا يجوز إهدار الحقيقة إلا عند الضرورة ، وذلك بأن تكون مهجورة مهملة كما قلنا فى سفّ الدقيق . وعندهما العبرة للمجاز والحقيقة جمعا لمكان الاستعمال والعرف ؛ فأبوحنيفة يقول : الكرع حقيقة مستعملة ، ولهذا يحنث به بالإجماع ، وهما يقولان : استعمال المجاز أكثر فيعتبر أيضا ، لأن الكرع إنما يستعمل عادة عند عدم الأوانى فيعتبر كلّ واحد منهما . ومن أصحابنا من قال : إن أبا حنيفة شاهد العرب بالكوفة يكرعون ظاهرا معتادا فحمل اليمين عليه ، وهما شاهدا الناس بعد ذلك لا يفعلونه إلا نادرا فلم يخصا اليمين به ؛ ولو شرب من نهر يأخذ من دجلة أو من الفرات لم يحنث بالإجماع ، لأن الإضافة قد زالت بالانتقال إلى غيره ، فصار كما إذا حلف لا يشرب من هذا الكوز فصب فى كوز آخر ، وهذه المسألة تشهد لأبى حنيفة لاختصاص اليمين عندهم بدجلة دون ما انتقل إليه ماؤها وهذا إذا لم يذكر الماء ، وأما إذا قال : من ماء دجلة فانه يحنث بالكرع وبالإناء وبالغرف ومن نهر آخر ، - ٦٧ - وَلَوْ حَلَفَ لا يَشْرَبُ مِنَ الحُبّ أوِ البِئْرِ يَحْنَثُ بِالإِناءِ، وَالسَّمَلَكُ وَالأَيْءَ لِيْا بِلَحْمِ، وَالكَرِشُ وَالْكَبِدُ وَالرّئَةُ وَالفُؤَادُ وَالكُلْيَةُ وَالرَّأْسُ وَالأُكَارِعُ وَالْأَمْعَاءُ وَالطِّحالُ لَحْمٌ، وَالشَّحْمُ شَحْمُ البَطْنِ. لأن اليمين عقدت على الماء دون النهر وقد وجد . قال ( ولو حلف لايشرب من الحب أو البئر يحنث بالإناء ) وهذا فى البئر ظاهر لأنه لا يمكن الشرب منها إلا بإناء حتى قالوا: لو نزل البئر وكرع لا يحنث ، لأن الحقيقة والمجاز لا يجتمعان تحت لفظ واحد والحقيقة مهجورة ؛ وأما الحبّ إن كان ملآنا يمكن الشرب منه لا يحنث بالاعتراف والإناء لتعينه . ولو حلف لا يشرب من هذا الإناء فهو عن الشرب بعينه لأنه المتعارف فيه . قال ( والسمك والآلية ليسا بلحم ) فان حلف لا يأكل لحما فأىّ لحم أكل من جميع الحيوان غير السمك حنث سواء أكله طبيخا أو مشويا أو قديدا وسواء كان حلالا أو حراما : كالميتة ولحم الخنزير والآدمى ، ومتروك التسمية وذبيحة المجوسى وصيد الحرم ، لأن اسم اللحم يتناول الجميع ، ولا يختلف باختلاف صفة اللحم وصفة الذابح . فأما السمك وما يعيش فى الماء لا يحنث به لأنه لا يدخل تحت إطلاق اسم اللحم ، ألا ترى أنهم يقولون : ما أكلت لحما وقد أكل السمك ، والمعتبر فى ذلك الحقيقة دون لفظ القرآن ، ألا ترى أنه لو حلف لا يركب دابة فركب كافرا لا يحنث وإن سماه اللّه تعالى دابة فى قوله - إن شرّ الدّواب عند اللّه الذين كفروا - وكذا لو خرّب بيت العنكبوت لايحنث فى يمينه لا يخرّب بيتا ، وكذا لا يحنث بالقعود فى الشمس لوحلف لايقعد فى السراج إلى غير ذلك ، وإنما المعتبر فى ذلك المتعارف ، وكذلك الآلية وشحم البطن ليسا بلحم لأنهما لا يستعملان استعمال اللحم ولا يتخذ منهما ما يتخذ من اللحم ولا يسميان لحما عرفا ، وإن نواه أو نوى السمك يحنث لأنه تشديد على نفسه. قال ( والكرش والكبد والرئة والفؤاد والكلية والرأس والأكارع والأمعاء والطحال لحم ) لأنها تباع مع اللحم ، وهذا فى عرفهم على ما رواه أبو حنيفة فى زمنه بالكوفة . وأما البلاد التى لاتباع فيها مع اللحم فلا يحنث اعتبارا للعرف فى كلّ بلدة وكلّ زمان . وأما شحم الظهر فهو لحم ، ويقال له لحم سمين ، ويستعمل فيما يستعمل فيه اللحم . قال ( والشحم شحم البطن ) فلو حلف لا يأكل شحما فأكل شحم الظهر لا يحنث لأنه من اللحم ويقال له لحم سمين كما قدّمنا ، وقالا : يحنث لأن اسم الشحم يتناوله وهذا فى عرفهم ، وفى عرفنا : اسم الشحم لا يقع علىّ شحم الظهر بحال . وعن محمد فيمن أمر غيره أن يشترى له شحما فاشترى شحم الظهر لايلزم الآمر ، وهذا يؤيد مذهب أبى حنيفة أن مطلق اسم الشحم لا يتناوله . حلف لا يأكل لحم شاة فأكل لحم : - ٦٨ - حَلَفَ لايَأْكُلُ مِنْ هَذَا البُسْرِ فَأَكْلَهُ رُطَبَا لَمْ تَحْنَتْ، وَكَذَا الرَّطَبُ إِذَا صَارَ تَمْرًا وَاللَّبَنُ شِيرازًا. حَلَفَ لايَأْكُلُ مِنْ هَذَاَ الحَمَلِ فَصَارِ كَبْشا فأكَلَهُ حَنِثَ. حَلَفَ لايَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ فَهُوَ عَلَى ثُمَرِها وَدُبْسِها غيرِ المَطْبُوخِ، وَمِنْ هَذِهِ الشََّةِ فَعَلى اللَّحْمِ وَاللَّبْنِ وَالزُّبْدِ، وَلا يَدْخُلُ بَيْضُ السَّمَكِ فِى البَيْضِ، وَالشُّرَاءُ كالأكْلِ. عنز حنث ، لأن اسم الشاة يتناول العنز وغيره . وذكر الفقيه أبوالليث أنه لا يحنث لأن العرف يفرّق بينهما وهو المختار ؛ وكذا لا يدخل لحم الجاموس فى يمين البقر . قال ( حلف لايأكل من هذا البسر فأكله رطبا لم يحنث ، وكذا الرطب إذا صار تمرا واللبن شيرازا ) لأن هذه الصفات داعية إلى اليمين فتتقيد به ، أو نقول : اللبن ما يؤكل عينه فلا ينصرف إلى مايتخذ منه . قال ( حلف لا يأكل من هذا الحمل فصار كبشا فأكله حنث ) لأن صفة الحملية ليست داعية إلى اليمين ، لأن الامتناع عن لحمه أقلّ من الامتناع عن لحم الكبش ، وإذا امتنع أن تكون صفة داعية تعينت الذات وأنها موجودة . قال ( حلف لا يأكل من هذه النخلة فهو عنى ثمرتها ودبسها غير المطبوخ ) يقال له سيلان ، لأنه أضاف اليمين إلى ما لا يؤكل فينصرف إلى ما يخرج منه لأنه سبب له فيصلح مجازا ، وبحنث بالجمار لأنه منها ولا يحنث بما يتغير بالصنعة : كالنبيذ والخلّ والدبس المطبوخ لأنه ليس بخارج منها حقيقة ، فان الخارج منها ما يوجد كذلك متصلا بها ، بخلاف غير المطبوخ وعصير العنب لأنه كذلك متصل بها إلا أنه منكتم فزال الانكتام بالعصير ؛ ولو أكل من عين النخلة لا يحنث لأنها حقيقة مهجورة . (و) لو حلف لا يأكل ( من هذه الشاة فعلى اللحم واللبن والزبد ) لما مرّ ، وفى الاستحسان على اللحم خاصة ، لأن عين الشاة مأكول فانصرفت اليمين إلى اللحم خاصة ، ولا يحنث باللبن والزبد والسمن . قال ( ولا يدخل بيض السمك فى البيض ) للعرف ، فإن اسم البيض عرفا يتناول بيض الطير كالدجاج والأوز مما له قشر ، فلا يدخل بيض السمك إلا بنية لأنه بيض حقيقة وفيه تشديد على نفسه ( والشراء كالأكل ) فاليمين على الشراء كاليمين على الأكل . حلف لا يأكل حراما فاضطرّ إلى الميتة والخمر فأكل ، روى عن أبى يوسف أنه يحنث لأنه حرام ، إلا أنه مرفوع الإثم عن المضطرّ كفعل الصبىّ والمعتوه، والحرام لا يوصف بأنه حلال لهما وإن وضع الإثم عنهما . وروى عنه أنه لا يحنث. وعن محمد ما يدلّ عليه فانه قال فى الإكراه: إن الله تعالى أحلّ الميتة حالة الضرورة ، فاذا امتنع عن الأكل حالة الإكراه أثم ، ولو أكل طعاما مغصوبا حنث ، ولو اشترى بدرهم مغصوب لايحنث . - ٦٩ - حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّالسَّاءَ أَوْ لَيَطِيرَنَّ فِى الْهَوَاءِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وحَنِث للمحالِ حَلَفَ لَيَأْتِيّنَّهُ إنِ اسْتَطَاعَ فَهِىَ عَلَى اسْتِطاعَةِ الصّحَّةِ. حلَفَ لَيَأْتِيَنَهُ فَلَمْ يأتِهِ حَّى ماتَ حَنِثَ فى آخِرَ حَاتِهِ ؛ فصل ( حلف ليصعدنّ السماء أو ليطيرن" فى الهواء انعقدت يمينه وحنث للحال ) وقال زفر : لا ينعقد لأنه مستحيل عادة فصار كالمستحيل حقيقة . ولنا أن اليمين عقد من العقود فتنعقد إذا كان المعقود عليه موجودا أو متوهما ، وإذا لم يكن موجودا ولا متوهما لم ينعقد ، ألا ترى أن بيع الأعيان المباحة منعقد ، لأن المعقود عليه موجود ، وبيع المدبر منعقد لأنه متوهم دخوله تحت العقد بالحكم وإن كان بغير فعل العاقد ، وبيع الحرّ ليس بمنعقد لأنه غير داخل فى العقد ولا متوهم الدخول فكذلك اليمين ينعقد على الفعل المقدور والموهوم ولا ينعقد على غير المقدور والموهوم ، وما نحز، فيه مقدور موهوم يدخل تحت قدرة قادر، ألا ترى أن من الأنبياء صلوات الله عليهم من صعد السماء والملائكة يصعدون فی کل وقت وينزلون ، وإذا كان متوهما انعقدت اليمين ثم يحنث فى الحال حكما للعجز الثابت عادة كموت الحالف ، وعلى هذا الأصل تخرج مسائل كثيرة من هذا الجنس لمن يتأملها . قال ( حلف ليأتينه إن استطاع فهى على استطاعة الصحة ) معناه : إذا لم يعرض له أمر يمنعه من مرض أو سلطان أو نحوه ولم يأته حنث ، لأن الاستطاعة فى العرف الاستطاعة من حيث سلامة الآلة وعدم الموانع ، وإن عين استطاعة القضاء والقدر صدق ديانة لأنه خلاف الظاهر ، وفى رواية تصحّ قضاء أيضا لأنه حقيقة ، لأن الاستطاعة الآلية تقوم بالاستطاعة التقديرية على المذهب الصحيح . قال ( حلف ليأتينه فلم يأته حتى مات حنث فى آخر حياته ) لأن الحنث إنما يتحقى بالموت إذ البرّ مرجوّ قبله. حلف ليأتينه فهو على أن يأتى منز له أو حانوته لقیه أو لم یلقه ، لأن الإتیان الوصول إلى مكانه دون ملاقاته ، وعن محمد: لأوافينك غدا فهو على اللقاء ، فإن أتاه فلم يلقه حنث . حلف لا تأتى زوجته العرس فذهبت قبل العرس وأقامت حتى مضى العرس لايحنث ، لأن العرس أتاها لاأتته . وعن محمد : لأعودن" فلانا غدا فعاده ولم يؤذن له برّ ، وكذلك الإتيان إذا أتاه فلم يؤذن له . حلف لاتذهب زوجته إلى بيت والدها فذهبت إلى باب الدار ولم تدخل لم يحنث . وعن أبى يوسف : حلف لاأرافق فلانا فهو على الاجتماع فى الطعام أو شىء يجتمعان عليه بأن كان مقامهما فى مكان واحد ، وإن كانا فى سفينة وطعامهما ليس بمجتمع ولا يأكلان على خوان واحد فليس بمرافقة . وعن محمد : إن كان معه فى محمل أو كان كراهما واحدا - ٧٠ - وَلَوْ قالَ: إِنْ أَكَلْتُ، أَوْ شَرِبْتُ، أوْ لَبِسْتُ، أوْ كَلَّمْتُ، أوْ تَزَوَّجْتُ،" أَوْ خَرَجْتُ وَنَوَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَمْ يُصَدَّقْ؛ ولَوْ قالَ: إِنْ أَكَلْتُ طَعاما، أوْ شرِبْتُ شَرَابًا، أوْ لَبِسْتُ ثَوْبًا، وَنَحْوَ ذلكَ وَنَوَى شَيْئًا دُونَ شَىْءٍ صُدِّقَ دِيانَةٌ خاصَّةٌ، وَالرّيحانُ اسْمٌ لِمَا لاساقَ لَهُ فَلا يَحْنَثُ بِالْاِسِمِينِ وَالْوَرْدِ. وَالْوَّرْدُ وَالْبَنَفْسِجُ هُوَ الوَرَقُ. وَالْحَانَمُ النُّقْرَةُ لَيْسَ بِحُلِىّ، وَالذَّهَبُ حُلِىّ ، أو قطارهما واحدا فهى مرافقة، وإن كان كراهما مختلفا والمسير واحد فليس بمرافقة . قال ( ولو قال : إن أكلت أو شربت، أو لبست أو كلمت أو تزوجت أو خرجت ونوى شيئا بعينه لم يصدق ؛ ولو قال : إن أكلت طعاما أو شربت شرابا أو لبست ثوبا ونحو ذلك ونوى شيئا دون شىء صدق ديانة خاصة ) والأصل فيه أن من ذكر لفظا عاما ونوى تخصيص ما فى لفظه صدق فيما بينه وبين الله تعالى ولم يصدق فى القضاء ، لأن المتكلم بالعموم قد يريد الخصوص ، فإذا نوى صارت نيته دلالة على التخصيص كالدلالة الشرعية على تخصيص العموم ، إلا أن الظاهر من اللفظ العموم فلا يصدق فى القضاء لأنه خلاف الظاهر ؛ فأما إذا نوى تخصيص ما ليس فى لفظه لا يصدق أصلا ، لأن الخصوص يتبع الألفاظ دون المعانى ، فما ليس فى لفظه لايصحّ تخصيصه ، ففى الفصل الأوّل الطعام والثوب ونحوهما ليس مذكورا فقد نوى تخصيص ما ليس فى لفظه فلا يصدق ، الفصل الثانى : إذا قال : عنيت الخبز أو اللحم فقد نوى تخصيص مافى لفظه فيصدق ديانة لاقضاء لما بينا ؛ ولو قال : لا أشرب الماء ولا أتزوّج النساء حنث بشرب قطرة من الماء وتزويج امرأة واحدة لأنه لا يمكن استيعاب الجنس فيحمل على الأدنى ، ولو نوى الجنس صدق لأنه نوى حقيقة كلامه وإن كان خلاف الظاهر، لأن الحقيقة أحد الظاهرين فيصدق فيها إذا نواها . قال (والريحان اسم لما لاساق له ) لغة ( فلا يحنث بالياسمين والورد ) وقيل يحنث فى عرفنا ، فان الريحان اسم لما له رائحة طيبة من النبات عرفا فيحنث بهما وبالشاهسبرم (١)، والعنبر والآس لا يسمى ريحانا عرفا. قال (والورد والبنفسج هو الورق) عرفا ، وأصحابنا قالوا : لو حلف لايشترى بنفسجا فاشترى دهنه حنث ، ولو اشترى ورقه لا يحنث ، وكذا كان عرف أهل الكوفة ، أما عرفنا فكما ذكرت ؛ ولو حلف لا يشمّ طيبا فدهن لحيته بدهن طيب لا يحنث لأنه لا يعدّ شما عرفا. قال ( والخاتم النقرة (٢) ليس بحلىّ، والذهب حلىّ ) فلو حلف لا يلبس حليا لا يحنث بخاتم النقرة ، لأن النقرة (١) سألت بعض طلبة الأتراك فى الأزهر، فقالوا يوجد فى لغتهم شاهسبرم. الشاه سيرغم ومعنى شاه : ملك أو سلطان ، ومعنى سيرغم : الريحان ، ومعناها بالعربية : الريحان (٢) النقرة ، المراد بها : الفضة . السلطانى . - ٧١ - وَالْعِقْدُ الُّؤْلُؤُ لَيْسَ بِحُلِىّ حَّى يَكُونَ مُرَصَّعًا. حلَفَ لايَنَامُ عَلَى فِرَافٍ فَجَعَلَ عَلَيْهِ فِرَاشا آخَرَ وَنَامَ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ جَبَعَلَ قِرَامًا فَنَامَ حَنِثَ ، وَالضَّرْبُ وَالْكَلامُ وَالكِسْوَةُ وَالدُّخُولُ عَلَيْهِ بَتَقَيَّدُ بِحالِ الحَيَاةِ. تلبس لإقامة السنة وللختم لاللتزين ، والحلىّ ما يتزين به ، ولا كذلك الذهب فانه يتزين به ، ولو كان الخاتم مما يلبسه النساء من الحجر أو الفضة قيل يحنث لأنه للزينة ، وقيل لا يحنث لأنه يحلّ للرجال ولا يحلّ لهم التزين بالحلى". قال (والعقد اللؤلؤ ليس بحلىّ حتى يكون مرصعا ) والمعتبر فى اليمين العرف لا الحقيقة، ولفظ القرآن كما تقدّم . وقال أبو يوسف ومحمد : هو حلىّ وإن لم يكن مرصعا لأنه حلىّ حقيقة بدليل تسمية القرآن وعليه الفتوى لأنه صار معتادا فهو اختلاف عادة وزمان ، فعلى قول أبى حنيفة ينبغى أن يجوز للرجل لبس العقد الغير المرصع لأنه ليس بحلىّ ؛ ولو علقت المرأة فى عنقها ذهبا غير مصنوع لايحنث ، والمنطقة المفضضة والسيف المحلى ليس بحلىّ لما مرّ. قال ( حلف لا ينام على فراش فجعل عليه فراشا آخر ونام لم يحنث ، وإن جعل عليه قراما (١) فنام حنث ) لأن القرام تبع للفراش ، ألاترى أنه لو كان القرام ثوبا طبريا والفراش ديباجا ، يقال نام على فراش ديباج ، ولو كان الأعلى ديباجا والأسفل خزا يقال : نام على الديباج . وعن أنى يوسف فى الأمالى أنه يحنث فى الفراش أيضا لأنه نائم على الفراشين حقيقة، وصاركما إذا حلف لا يكلم رجلا فكلمه وآخر بخطاب واحد . جوابه أن الشىء لا يستتبع مثله ، وفى العرف لا ينسب إلا إلى الأعلى ، وفى الكلام هو مخاطب لكلّ واحد منهما حقيقة وعرفا وشرعا والسرير والدكان والسطح كالفراش إن جعل عليه سريرا آخر وبنى على السطح سطحا آخر فنام على الأعلى لا يحنث لما بينا ؛ وإن جعل على السرير أو السطح أو الد كان بساطا أو فراشا أو نحوه ونام عليه حنث لأنه يعدّ نائما على السطح والسرير والدكان ، ومتى جلس على ما يحول بينه وبين الأرض فليس بجالس عليها لأنه لايسمى جالسا على الأرض إلا أن يجلس على ثيابه فتحول بينه وبين الأرض لأنها تبع له فلا يعدّ حائلا ، ولهذا يقال هو جالس على الأرض . قال ( والضرب والكلام والكسوة والدخول عليه يتقيد بحال الحياة ) لأن الضرب هو الفعل المؤلم ولا يتحقق فى الميت والمراد ، بالكلام الإفهام وأنه يختص بالحىّ ، والمراد بالكسوة عند الإطلاق التمليك كما فى الكفارة ولا تمليك من الميت، وإن نوى به الستر صحّ لأنه محتمل كلامه ، وآما الدخول عليه فلأنه يراد به الزيارة عرفا فى موضع يجلس فيه للزيارة والتعظيم حتى او لم يقصده بالدخول بأن دخل على غيره (١) القرام بكسر القاف: الملاءة. - ٧٢ - حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ حَّى يُحُوتَ أوْ حَتى يَقْتُلَهُ فَهُوَ عَلَى أَشَدَ الضَّرْبِ. حَلَق لا يَضْرِبُ امْرَأتَهُ فَخَنَقَها أوْ مَدَّ شَعْرَها أوْ عَضَّهَا حَنِثَ . حَلَفَ لا يَصُومُ فَنَوَى وَصَامَ سَاعَةً حَنَثَ، وَإِنْ قالَ صَوْمَا لَمْ يَحْنَثْ إِلاَّ بِتَمِ اليَوْمِ. حَلَفَ لا يَصَلَّى فَقَامَ وَقَرَأْ وَرَكَعَ لَمْ يَحْنَثْ مَاكَمْ يَسْجُدْ؛ وَلَو قالَ: صَلاةٌ ◌ّلَمْ يَحْنَثْ إِلاَّ بِمَامِ رَكْعَفَيْنِ. وَمَنْ قالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّنَا عَتَقَتْ، وَكَذَلَكَ الطَّلاقُ، أو لحاجة أخرى ، أو دخل عليه فى موضع لايجلس فيه للزيارة لا يكون دخولا عليه ، ولو دخل عليه فى المسجد والظلة والدهليز لا يكون دخولا عليه إلا إن اعتادوا الجلوس فيه للزيارة . وذكر الكرخى عن ابن سماعة ضدّ هذا فقال: لو حلف لايدخل على فلان فدخل على قوم هو فيهم حنث وإن لم يعلم لأنه دخل على المحلوف عليه والعلم ليس بشرط ، كما لو حلف لا يكلمه فكلمه وهو لايعرفه والمذهب الأوّل . رجلان حلف كلّ واحد منهما لا يدخل على صاحبه فدخلا فى المنزل معا لا يحتثان . ولو قال : إن غسلتك فعبدى حرّ فانه يتناول حالتى الحياة والموت ، لأنه عبارة عن الإسالة للتطهير وذلك يوجد فى الحىّ والميت . قال ( حلف ليضربنه حتى يموت أو حتى يقتله فهو على أشدّ الضرب) لأنه المراد فى العرف ؛. ولو قال : حتى يغشى عليه أو حتى يبكى أو يبول أو يستغيث فلا بدّ من وجود هذه الأشياء حقيقة ؛ ولو قال : لأضربنك بالسياط حتى تموت فهو على المبالغة ؛ ولو قال : لأضربنك بالسيف حتى تموت فهو على الموت حقيقة . وعن أبى يوسف فيمن قال لامرأته : إن لم أضربك حتى أتركك لاحية ولا ميتة فهو أن يضربها ضربا يوجعها (حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو مد شعرها أو عضها حنث ) لأن الضرب اسم لفعل مؤلم . فصل ( حلف لا يصوم فنوى وصام ساعة حنث) لأن الصوم هو الإمساك عن المفطرات مع النية وقد وجد ( وإن قال صوما لم يحنث إلا بتمام اليوم ) لأنه يراد به الصوم التامّ ، وذلك صوم اليوم لأن ما دونه ناقص . قال ( حلف لايصلى فقام وقرأ وركع لم يحنث ما لم يسجد ) لأن الصلاة عبارة عن الأركان ، فما لم يأت بها لا تسمى صلاة ، بخلاف الصوم لأنه عبارة عن الإمساك وأنه موجود فى أوّ ل جزء من اليوم وفى الجزء الثانى يتكرّر ( ولو قال صلاة لا يحنث إلا بتمام ركعتين ) لأنه يراد به الصلاة المعتبرة شرعا وأقلّ ذلك ركعتان . قال ( ومن قال لأمته : إن ولدت ولدا فأنت حرّة ، فولدت ولدا ميتا عتقت ، وكذلك الطلاق ) لوجود الشرط وهو ولادة الولد، ألا يرى أنه يقال: ولدت ولدا حيا، وولدت ولدا ميتا - ٧٣ - وَلَوْ قالَ: فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ مَيِّنَاُثُمَّ حَيَّا عَتَقَ الحَىَّ (سم)؛ وَمَنْ قالَ: مَنْ بَشَّرَنِ بِقُدُومِ فُلانٍ فَهُوَ حُرٍّ فَبَشْرَهُ جماعةٌ مُنْفَرَّقُونَ عَتَقَ الْأَوَّلُ، وَإن بَشَرُوهُ جَمِيعًا عَتَقُوا؛ وَلَوْ قالَ: مَنْ أخْبَرَنِ عَتَقُوا فى الوَجْهَيْنِ. قالَ : إنْ تَسَرَّيْتُ جارِيَةٌ فَهِىَ حُرَّةٌ فَتَسَرَّى جارِيَةٌ كانَتْ فِى مِلْكِهِ عَتَقَتْ، وَلَوٍ اشْتَرَاَها وَتَسَرَّى بِهَا كَمْ تَعْتِقْ. حَلَفَ لا يَزَوَّجُ فَزَوَّجَهُ غيرُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهٍ، فإنْ أجازَ بالقَوْلِ حَنِثَ ، (ولوقال : فهو حرّ فولدت ميتا ثم حيا عتق الحىّ) عند أبى حنيفة رحمه الله. وقالا: لا يعتق. لأن اليمين انحلت بوجود الشرط وهو ولادة الولد الميت لا إلى جزاء لأن الميت ليس بمحل للحرّية . وله أن الشرط ولادة الحىّ لأنه وصفه بالحرّية ، ومن ضرورتها الحياة فصار كقوله إذا ولدت ولدا حيا فهو حرّ ، ولو قال كذلك عتق الحىّ فكذا هنا، بخلاف حرّية الأمّ والطلاق لأنه لم يقيده بالحياة فافترقا . قال ( ومن قال : من بشرنى بقدوم فلان فهو حرّ فبشره جماعة متفرّقون عتق الأوّل، وإن بشروه جميعا عتقوا ، ولوقال: من أخبرنى عتقوا فى الوجهين ) لأن البشارة عرفا اسم لخبر سارّ صدق ليس عند المبشر علمه لأنه مأخوذ من تغير بشرة الوجه من الفرح عادة ، والسرور إنما يحصل بالصدق لا بالكذب ويخبر ليس عنده علمه ، والخبر اسم لمطلق الخبر سواء كان عنده علمه أو لم يكن ويقع على الصدق والكذب ، ففى المسألة الأولى البشارة حصلت بالأوّل لما بينا فعتق ولم تحصل بالباقى لأنه قد علم به فلم تكن بشارة ، وفى الثانية حصلت باخبار الكل فيعتقون ؛ أما الخبر فإنه وجد من الكلّ سواء كانوا متفرّقين أو مجتمعين فيعتقون فى الحالين، والإعلام كالبشارة يعتق الأوّل لاغير لأنه ما يحصل به العلم وإنما يحصل بالأوّل والبشارة ، والخبر يكون بالكتابة والمراسلة كما يكون بالمشافهة ، والمحادثة بالمشافهة لاغير ، ولهذا يقال : أخبرنا الله تعالى ولا یقال حدثنا ، فاذا قال : أىّ غلام بشرنی بقدوم فلان فهو حرّ فكتب إليه غلامه بذلك عتق ؛ ولو أن عبدا له أرسل عبدا له آخر بالبشارة فجاء الرسول وقال للمولى : إن فلانا يقول لك : قد قدم فلان عتق المرسل دون الرسول وهو بمنزلة الكتاب ؛ ولو قال الرسول: إن فلانا قدم ولم يقل له أرسلنى فلان عتق الرسول خاصة ( قال : إن تسرّيت جارية فهى حرّة فتسرّى جارية كانت فى ملكه عتقت ، ولواشتراها وتسرّى بها لم تعتق ) والفرق أن فى المسألة الأولى تناولتها اليمين لكونها فى ملكه ، وفى المسألة الثانية لم تكن فى ملكه فلم يتناولها اليمين . وقال زفر رحمه الله: تعتق فى الوجهين لأن ذكر التسرّى ذكر للملك ، لأن التسرّى لا يصحّ إلا فى الملك. قلنا الملك يصير مذكورا ضرورة صحة التسرى فيتقدّر بقدره ولا يظهر فى حقّ الحرّية وهو الجزاء، لأن الثابت بالضرورة يتقدّر بقدرها. قال ( حلف لا يتزوّج فزوّجه غيره بغير أمره، فان أجاز بالقول حنث) لأن الإجازة في الانتهاء كالاذن - ٧٤ - وَإِنْ أجازَ بالفِعْلِ لاَ يُحْنَثُ، وَلَوْ أَمَرَ غْيْرَهُ أنْ يُزَوّجَهُ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالعِتاقُ. حَلَفَ لَايُزَوّجُ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ يَحْنْتُ بِالتَّوْكِيلِ وَالإِجازةِ وكَّذَلِكَ ابْنَهُ وَابْفَتَهُ الصَّغِيرَيْنِ، وفِىِ الكَبِيرَيْنِ لاَ يُحْنْثُ إلاَّ بالمُبَاشَرَةِ. حَلَفَ لا يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَوَكَّلَ بِهِ حَنِثَ، وَإِنْ نَوَى أنْ لايُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ صُدَّقَ قَضَاءَ. وَلَوْ حَلَفَ لايَضْرِبُ وَلَدَهُ فَأَمَرَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ وَذَبْحُ الشََّةِ كَضَرْبِ العَبْدِ. حَلَفَ لا يَبِيعُ فَوَكَّلَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا سَائِرُ الْمُعاوضَاتِ المَاليَّةِ. فى الابتداء على ما عرف فى تصرّفات الفضولى (وإن أجاز بالفعل ) كاعطاء المهر ونحوه المختار أنه ( لا يحنث) لأن العقود تختصّ بالأقوال فلا يكون فعله عقدا وإنما يكون رضا ، وشرط الحنث العقد لا الرضا . وروى عن محمد أنه لا يحنث فى الوجهين ، وأفتى به بعض المشايخ ، لأن الإجازة ليست بانشاء للعقد حقيقة ، وإنما هو تنفيذ لحكم العقد بالرضا به ( ولو أمر غيره أن يزوّجه حنث) لأن الوكيل فى النكاح سفير ومعبر على ماعرف فى موضعه . ولوقال : عنبت أن لاأتكلم به صدق ديانة لأنه يحتمله لاقضاء لأنه خلاف الظاهر ( وكذلك) الحكم فى ( الطلاق والعتاق ) وكل عقد لا ترجع حقوقه إلى الوكيل كالكتابة والخلع والهبة والصدقة والوديعة والعارية والقرض والاستقراض ، وكذلك كل فعل ليس له حقوق كالضرب والقتل والذبح والكسوة والقضاء والاقتضاء والخصومة والشركة فانه يحنث بفعله وبالأمر. وفى الصلح روايتان بمنزلة البيع والنكاح ( حلف لايزوّج عبده أو أمته يحنث بالتوكيل والإجازة ) لأن ذلك مضاف إليه متوقف على إرادته لملكه وولايته ( وكذلك ابنه وابنته الصغيرين ) لولايته عليهما ( وفى الكبيرين لا يحنث إلا بالمباشرة ) لعدم ولايته عليهما فهو كالأجنبى عنهما فيتعلق بحقيقة الفعل . قال ( حلف لايضرب عبده فوكل به حنث ) لأن منفعة ذلك ترجع إلى المالك فيجعل مباشرا لأنه لاحقوق له ترجع إلى الوكيل ( وإن نوى أن لا يباشره بنفسه صدق قضاء ) لأنه فعل حسى ، فإذا نوى الفعل بنفسه فقد نوى الحقيقة فيصدق قضاء وديانة، بخلاف ماتقدّم من النكاح وأخواته لأنه تكلم بكلام يفضى إلى النكاح والطلاق والأمر بذلك مثل التكلم به ، فإذا نوى التكلم به فقد نوى الخاصّ من العام فيصدّق ديانة لاقضاء . قال ( ولو حلف لايضرب ولده فأمر به لم يحنث ) لأن منفعته عائدة إلى الولد وهو التثقيف والتأديب فلا ينسب إلى الآمر ، بخلاف ضرب العبد على ما تقدّم ( وذبح الشاة كضرب العبد ) حلف لايضرب حرّاً فأمر غيره فضربه لا يحث لأنه لا يملك ضرب الحرّ إلا أن يكون سلطانا أو قاضيا فيحنث لأنه يملك ضربه حدّاً وتعزيزا فيصحّ الأمر به . قال ( حلف لا يبيع فوكل به لم يحنث، وكذا سائر المعاوضات المالية) ١ - ٧٥ - حَلَفَ لا يَبيعُ فَبَاعَ وَلَمْ يَقْبَلِ الْمُشْتَرِى لاَ يُحْنَثُ، وَكَذَلِكَ الإِجارَةُ وَالصَّرْفُ وَالسَّلَمُ وَالرِهْنُ وَالنِّكَاحُ وَالْخُلْعُ، وَلَوْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ، أوْ أعارَ فَلَمْ يُقْبَلْ حَنِثَ . حَلَّفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ إِلى قَرِيبٍ فَمَا دُونَ الشَّهْرِ، وَبَعِيدٍ أَكْثَرُ مِنْ الشَّهْرِ، وَإِنْ قالَ: لَيَقْضِيَنَّهُ اليَوْمَ فَفَعَلَ، وَبَعْضُها زُيُوفٌ، أَوْ نَبَهرَجَة، أوْ مُسْتَحَقَّةٌ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ كَانَ رَصَاصًا أوْ سَتُّوَقَةٌ حَنِثَ . لأن العقد يوجد من العاقد حتى ترجع الحقوق إليه على مامرّ فى البيوع فلم يوجد الشرط وهو العقد من الحالف إلا أن ينوى ذلك لأن فيه تشديدا عليه ، أو يكون الحالف ممن لا يباشر العقود كالسلطان والمخدرة ، لأنه إنما يمنع نفسه عما يعتاد ، ولو كان الحالف يباشر مرّة ويوكل أخرى تعتبر الغلبة. قال (حلف لا يبيع فباع ولم يقبل المشترى لا يحنث ، وكذلك الإجارة والصرف والسلم والرهن والنكاح والخلع ، ولو وهب أو تصدّق أو أعار فلم يقبل حنث ) لأن المعاوضة تمليك من الجانبين فيكون القبول ركنا لتحقيق المعاوضة ، وفى غير المعاوضة تمليك من جانب المملك وحده . وقال زفر : لا يحنث فى الهبة والصدقة أيضا لأن تمامها بالقبول فصار كالبيع . قلنا الهبة تمليك فتمّ بالمملك والقبول شرط لثبوت الملك دون وجود الهبة ، فصار كالوصية ، والإقرار بخلاف البيع لأنه تمليك وتملك على ما بينا . وعن أبى حنيفة رحمه الله : فى القرض روايتان ، ويحنث بالبيع الفاسد والهبة الفاسدة . وعن أبى يوسف أنه لا يحنث . وقال زفر : لا يحنث فيه إلا بالقبض ، لأن المقصود الملك وهو بالقبض . قلنا هو بيع حقيقة وجود الإيجاب والقبول وعلى هذا البيع بشرط الخيار . قال ( حلف ليقضينّ دينه إلى قريب فما دون الشهر ، وبعيد أكثر من الشهر ) لأن ما دون الشهر يعدّ قريبا ، والشهر وما زاد يعدّ بعيدا والعبرة للمعتاد ( وإن قال : ليقضينه اليوم ففعل وبعضها زيوف ، أو نبهرجة ، أو مستحقة لم يحنث ) لأنها دراهم إلا أنها معيبة والعيب لا يعدم الجنس ، ألا يرى أنه لو تجوّز بها فى الصرف والسلم جاز، والمستحقة دراهم وقبضها صحيح، وبردّها لا ينتقض القبض الأوّل المستحقّ باليمين (ولو كان رصاصا أو ستوقة حنث ) لأنهما ليسا بدراهم حتى لو تجوز بهما لا يجوز ، وهذا إذا كان الأكثر ستوقا ، أما إذا كان الأكثر فضة لايحنث . حلف ليقضينّ من فلان حقه فأخذه من وكيله أو كفيل عنه بأمره أو محتال عليه بأمر المطلوب برّ ، وإن كانت الكفالة والحوالة بغير أمر المطلوب حنث ، لأن القبض ليس من المحلوف عليه ، ألا يرى أن الدافع لايرجع عليه ، وفى الفصل الأوّل الأخذ من وكيله أخذ منه، لما بينا أن حقوق القضاء لاترجع إلى المأمور وكذا كفيله بأمره كالوكيل ، ولهذا يرجع بما أدّى عليه ، وكذا لو حلف ليعطينّ فلانا حقه فأمر غيره بالأداء أو أحاله فقبض برّ ، ولو باعه شيئا وقبضه برّ أيضا ، لأن بالبيع - ٧٦ - حَلْفَ لا يَقْبِضُ دَيْنَهُ مُتَفَرَقَا فَقَبَضَ بَعْضَهُ لاَ يُحْنُثُ حَّى يَقْبِضَ باقيَهُ، وَإِنْ قَبَضَه فى وَزْنَشَْنِ مُتَّعاقِبا لَمْ يَحْنَثْ. حَلَفَ لايَفْعَلُ كَذَا تَرَكَهُ أَبَدًا، وَإن قالَ: لَأَفْعَلَنَّهُ بَرَّ بِوَاحِدَةٍ. اسْتَحْلَفَ الوَالِ رَجُلاً لَيُعْلِمَنَّهُ بِكُلِّ مُفْسِدٍ فَهُوّ عَلَى حالٍ وٍلايَتِهِ خاصَّةٌ حَلَفَ لَيَهَبَنَّهُ فَفَعَلَ وَلَمْ يَقْبَلْ بَرَّ، وَكَذَلِكَ القَرْضُ وَالعَارِيّةُ وَالصَّدَقَةُ. فصل صار الثمن دينا فى ذمته فيتقاصان وهو طريق قضاء الديون ؛ ولو أبرأه أو وهبه حنث لأنه إسقاط محض من جهة الطالب وليس بقضاء من الحالف ، بخلاف البيع على ما بينا . حلف لايفارق غريمه حتى يستوفى حقه فهرب من الغريم لم يحنث . قال ( حلف لا يقبض دينه متفرّقًا فقبض بعضه لا يحنث حتى يقبض باقيه) لأن الشرط قبض جميع دينه متفرّقًا ولم يوجد شرط الحنث ، ألا يرى أنه لو أبرأه من الباقى أو وهبه لايكون قابضا للكلّ (وإن قبضه فى وزنتين متعاقبا لم يحنث) لأنه قد يتعذّر وزن الكلّ دفعة واحدة فيكون هذا القدر مستثنى من اليمين فلا يحنث به ، وإن اشتغل بين وزنين بعمل آخر حنث لأنه تدّل المجلس فاختلف الدفع . قال ( حلف لايفعل كذا تركه أبدا ) لأنه نفى مطلقا فيعمّ ( وإن قال: لأفعلنه برّ بواحدة) لأنه فى معرض الإثبات فيبرّ بأىّ فعل فعله، وإنما يحنث ؟وته أو بهلاك محلّ الفعل إذا أيس من الفعل. قال ( استحلف الوالى رجلا ليعلمنه بكلّ مفسد فهو على حال ولايته خاصة ) لأن المقصود من ذلك رفع الفساد ودفع الشرّ بالمنع والزجر ، وذلك فى حال سلطنته وولايته فيتقيد بها ، وزوالها بالموت والعزل ( حلف ليهينه ففعل ولم يقبل برّ ، وكذلك القرض والعارية والصدقة ) وقد مرّ الوجه فيه . فصل النذر قربة مشروعة ، أما كونه قربة فلما يلازمه من القرب كالصوم والصلاة والحجّ والعتق والصدقة ونحوها . وأما شرعيته فالأوامر الواردة بايفائه ، قال تعالى - وليوفوا نذورهم - وقال صلى الله عليه وسلم ((ف بنذرك)) وقال عليه الصلاة والسلام ((من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى)) وقال عليه الصلاة والسلام ((من نذر أن يطيع اللّه فليطعه)) إلى غيرها من النصوص ، وعلى شرعيته الإجماع ، ولا يصح إلا بقربة للّه تعالى من جنسها واجب كالترب المذكورة ، ولا يصحّ بما ليس لله تعالى من جنسها واجب كالتسبيح والتحميد وعيادة المرضى وتكفين الميت وتشبيع الجنازة وبناء المساجد ونحوها . والأصل فيه - ٧٧ - وَلَوْ نَذَرَ نَذْرًا مُطْلَقًا فَعَلَيْهِ الوَفاءُ بِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ فَوُجِدَ. وَعَنْ أَبِى حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ آخِرًا: أنَّهُ يُحْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِذَا كانَ شَرْطَا لايُرِيدُ وُجُودَهُ، أن إيجاب العبد معتبر بايجاب الله تعالى، إذ لاولاية له على الإيجاب ابتداء ، وإنما صححنا إيجابه فى مثل ما أوجبه الله تعالى تحصيلا للمصلحة المتعلقة بالنذر ، ولا يصحّ النذر بمعصية . قال صلى الله عليه وسلم ((لانذر فى معصية الله تعالى)). قال (ولو نذر نذرا مطلقا) أى بغير شرط ولا تعليق كقوله : علىّ صوم شهر أو نحوه ( فعليه الوفاء به ) لما تقدّم ( وكذلك إن علقه بشرط فوجد) لأن المعلق بالشرط كالمنجز عنده ، ولأن النذر موجود نظرا إلى الجزاء ، والجزاء هو الأصل والشرط تبع ، واعتبار الأصل أولى فصار كالمنجز ( وعن أبى حنيفة رحمه الله آخراً: أنه يجزئه كفارة يمين إذا كان شرطا لايريد وجوده) كقوله: إن كلمت فلانا أو دخلت الدار فعلىّ صوم سنة أو صدقة ما أملكه ، وهو قول محمد رحمه اللّه ، واختاره بعض المشايخ للبلوى والضرورة ، ولو أدى ما التزمه يخرج عن العهدة أيضا لأن فيه معنى اليمين وهو المنع ، وهو نذر لفظا فيختار أىّ الجهتين شاء ؛ ولو كان شرطا يريد وجوده كقوله : إن شفى اللّه مريضى أو قضى دينى أو قدمت من سفرى لا يجزيه إلا الوفاء بما سمى لأنه نذر بصيغته وليس فيه معنى اليمين ؛ ولو قال : إن فعلت كذا فألف درهم من مالى صدقة ففعل وليس فى ملكه إلا مائة درهم لا يلزمه غيرها ، لأن النذر بما لا يملك لا يصحّ؛ ولو نذر صوم الأيد فضعف لاشتغاله بالمعيشة أفطر لئلا تختلّ فرائضه ويفدى كالشيخ الفانى فى شهررمضان؛ ولونذر عددا من الحجّ يعلم أنه لا يمكنه لا يأمر غيره بالحجّ عنه لأنه لايعرف قدر الفائت، بخلاف الصوم. قال أبو حنيفة رضى اللّه عنه: لو قال الله علىّ إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين لايجزئه إلا ما يجزئ فى كفارة اليمين لما تقدّم أنه معتبر بإيجاب الله تعالى؛ وقوله: لله علىّ طعام مساكين، كقوله إطعام ، لأن الطعام اسم عين وإنما يصحّ إيجاب الفعل. وقال أبويوسف: لو قال: لله علىّ طعام أطعم ما شاء واو لقمة؛ ولو قال : علىّ نذر ونوى الصوم أو ا صدقة دون العدد لزمه فى الصوم ثلاثة أيام ، وفى الصدقة إطعام عشرة مساكين اعتبارًا بالواجب فى كفارة اليمين إذ هو الأقلّ فكان متيقنا ؛ ولو نذرت صوم أيام حيضها أو قالت : لله علىّ أن أصوم غدا فحاضت فهو باطل عند محمد وزفر رحمهما الله ، لأنها أضافت الصوم إلى وقت لايتصوّر فيه . وقال أبويوسف رحمه الله: يقضى فى المسألة الثانية، لأن الإيجاب صدر صحيحا فى حال لاينافى الصوم ولا إضافته إلى زمان ينافيه ، إذ الصوم متصوّر فيه والعجز بعارض محتمل كالمرض فتقضيه وصار كما إذا نذرت صوم شهر يلزمها قضاء أيام حيضها لأنه لا يجوز خلوّ الشهر عن الحيض - ٧٨ - وَلَوْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ أَوْ نَحْرَهُ لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ . فصحّ الإيجاب ؛ ولو نذر صوم اليوم الذى يقدم فيه فلان فقدم ليلا لاشىء عليه ، وكذا لوقدم بعد الزوال أو قبله وقد أكل عند محمد ، لأن المعلق بالشرط كالمتكلم به عند وجوده . وقال أبو يوسف : يقضى فى الفصلين الآخرين كما إذا نذرت صوم غد فحاضت ؛ ولو قدم فى رمضان أو فى يوم الفطر قضاه ولا يجزئه صومه ، لأن الإيجاب خرج صحيحا ؛ ولو نذر صلاة ركعة أو صوم نصف يوم صلى ركعتين وصام يوما ، لأن الركعة صلاة وقربة فى الجملة لاشتمالها على ذكر اللّه تعالى، والقراءة وغيرها كالوتر عند بعضهم ، وصوم نصف يوم قربة كامساك غداة الأضحى فصحّ التزامه ثم يلزمه حفظه وإتمامه ضرورة عدم التجزّی شرعا ، ولو نذر ثلاث ركعات لز مه أربع عند أبی یوسف وركعتان عند زفر ؛ ولو نذر أن يصلى بغير وضوء فليس بشىء. وعن أبى يوسف يلزمه بوضوء لأن إيجاب أصل الصلاة صحيح وذكر الوصف باطل ؛ ولو نذر أن يصلى بغير قراءة أو عريانا صحّ خلافا لزفر ولزمته بقراءة مستورا ، لأن الصلاة كما ذكر قربة فى الجملة كالأمىّ ومن لا يقدر على ثوب فصحّ الإيجاب . قال (ولو نذر ذبح ولده أو نحره لزمه ذبح شاة ) عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وكذا النذر بذبح نفسه أو عبده عند محمد ؛ وفى الوالد والوالدة عن أبى حنيفة روايتان الأصحّ عدم الصحة . وقال أبو يوسف وزفر . لايصحّ شىء من ذلك لأنه معصية فلا يصحّ . ولهما فى الولد مذهب جماعة من الصحابة كعلىّ وابن عباس وغيرهما رضى الله عنهم ، ومثله لايعرف قياسا فيكون سماعا ، ولأن إيجاب ذبح الولد عبارة عن إيجاب ذبح الشاة ، حتى لونذر ذبحه بمكة يجب عليه ذبح الشاة بالحرم . بيانه قصة الذبيح عليه السلام ، فإن الله تعالى أوجب على الخليل عليه السلام ذبح ولده بقوله - افعل ما تؤمر - وأمره بذبح الشاة حيث قال - قد صدّقت الرؤيا - فيكون كذلك فى شريعتنا ، إما لقوله تعالى - ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا - أو لأن شريعة من قبلنا تلزمنا حتى يثبت النسخ، وله نظائر : منها إيجاب الشىء إلى بيت الله تعالى عبارة عن حجّ أو عمرة ، وإيجاب الهدى عبارة عن إيجاب شاة ومثله كثير ، وإذا كان نذر ذبح الولد عبارة عن ذبح شاة لا يكون معصية بل قربة حتى قال الإسبيجابى وغيره من المشايخ : إن أراد عين الذبح وعرف أنه معصية لا يصحّ ونظيره الصوم فى حقّ الشيخ الفانى معصية لإفضائه إلى إهلا كه ، ويصحّ نذره بالصوم وعليه الفدية ، وجعل ذلك التزاما للفدية كذا هذا . ولمحمد فى النفس والعبد أن ولايته عليهما فوق ولايته على ولده فكان أولى بالجواز . ولأبى حنيفة أن وجوب الشاة على خلاف القياس عرفناه استدلالا بقصة الخليل عليه السلام ، وإنما وردت فى الولد فيقتصر عليه ، ولو نذر بلفظ القتل لا يلزمه شىء بالإجماع ، لأن النص ورد بلفظ الذبح - ٧٩ - كتاب الحدود وَهِىَ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ وَجَبَتْ حَقًّا لِلّهِ تَعالى. وَالزّنا: وَطْءُ الرَّجُلِ المَرأةُ فِ القُبُلِ فِى غيرِ المِلْكِ وَشُبْهَتِهِ ، والنحر مثله ، ولا كذلك القتل ، ولأن الذبح والنحر وردا فى القرآن على وجه القربه والتعبد ، والقتل لم يرد إلا على وجه العقوبة والانتقام والنهى ، ولأنه لو نذر ذبح الشاة. بلفظ القتل لا يصحّ فهذا أولى ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . كتاب الحدود وهو جمع حدّ ، وهو فى اللغة : المنع ، ومنه الحداد للبوّاب لمنعه الناس من الدخول ، وحدود العقار : موانع من وقوع الاشتراك ، وأحدّت المعتدّة : إذا منعت نفسها من الملاذّ والتنعم على ما عرف، واللفظ الجامع المانع حدّ ، لأنه يجمع معانى الشىء ويمنع دخول عيره فيه . وحدود الشرع : موانع وزواجر عن ارتكاب أسبابها ( و) فى الشرع (هى عقوبة مقدّرة وجبت حقا لله تعالى) وفيها معنى اللغة على ما بينا ، والقصاص لا يسمى حدّاً لأنه حقّ العباد، وكذا التعزير لأنه ليس بمقدّر ثبتت شرعيته بالكتاب والسنة . أما الكتاب فقوله تعالى - الزانية والزانى - الآية، وقوله تعالى - والسارق والسارقة - الآية، وقوله - - والذين يرمون المحصنات - الآية ، وآية المحاربة وغير ذلك . والسنة حديث ماعز والغامدية والعسيف وغيرها من الأحاديث المشهورة على ما يأتى فى أثناء الأبواب إن شاء الله تعالى . والمعقول ، وهو أن الطباع البشرية والشهوة النفسانية مائلة إلى قضاء الشهوة واقتناص الملاذّ وتحصيل مقصودها ومحبوبها من الشرب والزنا والتشفى بالقتل وأخذ مال الغير والاستطالة على الغير بالشّم والضرب خصوصا من القوىّ على الضعيف ، ومن العالى على الدنىء ، فاقتضت الحكمة شرع هذه الحدود حسما لهذا الفساد ، وزجرا عن ارتكابه ليبقى العالم على نظم الاستقامة ، فان إخلاء العالم عن إقامة الزاجر يؤدى إلى انخرامه ، وفيه من الفساد ما لا يخفى ، وإليه الإشارة بقوله تعالى - ولكم فى القصاص حياة - . ومن كلام حكماء العرب: القتل أنفى للقتل. قال ( والزنا : وطء الرجل المرأة فى القبل فى غير الملك وشبهته) أما الأوّل فلعموم موارد استعمال اسم الزنا ، فانه متى قيل فلان زنى ، يعلم أنه وطى امرأة فى قبلها وطئاً حراما ؛ ألا يرى أن ماعزا لما فسر الزنا بالوطء فى القبل حراما كالميل فى المكحلة حدّه النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ وأما كونه فى غير الملك فلأن الملك سبب الإباحة فلا يكون زنا ؛ وأما عدم الشبهة فلقوله عليه الصلاة والسلام ((ادرءوا الحدود - ٨٠ - وَيَثْبُتُ بِالبَيِّنَّةِ وَالإِقْرَارِ. وَالبَيِّنَةُ: أنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بالزّنا، فاذَا شَهِدُ وا يَسألَهُمُ القاضِى عَنْ ماهِيَّتِهِ وكيفَيَّتِهِ وَمَكانِهِ وَزَمَانِهِ وَالْمَزْنِىَّ بِهَا، فَاذَا بَيَّنُوا ذَلِكَ، وَذَكَرُوا أنْهَا مَحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ، وَشَهِدُوا بِهِ كالمِيلِ فى الْمُكْحُلَةِ، وَعُدَّلُوا فى السِّرِّ وَالعَلانِيَّةِ حَكَمَ بِهِ، فإِنْ نَقَصُوا عَنْ أَرْبَعَةٍ فَهُمْ قَذَفَةٌ ، بالشبهات)) ولا بدّ فيه من مجاوزة الختان ، لأن المخالطة بذلك تتحقق وما دون ذلك ملامسة لا يتعلق بها أحكام الوطء من غسل وكفارة وصوم وفساد حجّ . قال ( ويثبت بالبينة والإقرار) لأنهما حجج الشرع ، وبهما تثبت الأحكام على ما مرّ فى الدعاوى ، وقوله تعالى - والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم - دليل على أن الز: الذى رموهم به يثبت إذا أتوا بأربعة شهداء حتى يسقط عنهم حدّ القذف وهى البينة. واما الإقرار فالصدق فيه راجح لأنه إقرار على نفسه وفيه مضرّة على نفسه ، وبه رجم عليه الصلاة والسلام ماعزا ، والعلم القطعى متعذّر فى حقنا فيكتفى بالظاهر الراجح ( والبينة : أن يشهد أربعة على رجل وامرأة بالزنا) لما تلونا ، ولقوله تعالى - واللاتى يأتين انفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم - شرط الأربعة للحديث الذى تقدَّم فى اللعان ( فاذا شهدوا يسألهم القاضى عن ماهيته وكيفيته ومكانه وزمانه والمزنى بها ) لأن فى ذلك احتيالا لدرء المندوب إليه بقوله عليه الصلاة والسلام ((ادرءوا الحدود ما استطعتم)). أما السؤال عن ماهيته وكيفيته فلاحتمال أنه اشتبه عليه فظنّ غير الزنا زنا ، فان ما دون الزنا يسمى زناء مجازا، قال عليه الصلاة والسلام ((العينان تزنيان ، واليدان تزنيان ، والرجلان تزنيان ، ويحقق ذلك الفرج (١))). وأما السؤال عن المكان والزمان فلاحتمال أنه زنا فى دار الحرب أو فى زمان الصبا ، أو فى المتقادم من الزمان فيسقط الحدّ على ما يأتى إن شاء اللّه تعالى. وأما السؤال عن المزنى بها لاحتمال أنها ممن تحلّ له أو له فيها شبهة لا يعرفها الشهود ، فان سألهم فقالوا : لاتزيد على هذا لايحدّ ون لأنهم شهدوا بالزنا وهم أربعة وما قذفوا . قال (فإذا بينوا ذلك وذكروا أنها محرّمة عليه من كل وجه ، وشهدوا به كالميل فى المكحلة وعدّلوا فى السرّ والعلانية حكم به) لثبوته بالبيئة، وكيفية التعديل ذكرناه فى الشهادات ، ولم يكتف أبو حنيفة رحمه الله بظاهر العدالة فى الحدود احتيالا للدرء المندوب إليه ( فإن نقصوا عن أربعة فهم قذفة ) يحدّون للقذف إذا طلب المشهود عليه لأنه تعالى أوجب الحدّ عند عدم شهادة الأربع ، وكذلك إن جاءوا متفرقين إلا أن يكون فى مجلس واحد فى ساعة (١) قوله ويحقق ذلك الفرج، تتمة الحديث فى رواية أخرى ((والفرج يصدّق ذلك ویكذبه » . ٠٠