النص المفهرس
صفحات 141-160
- ١٤١ - وَمَا لا يُعْلَمُ إلاَّ مِنْ جِهَيْهَا فالْقَوْلُ قَوْلَهَا فِى حَقّ نَفْسِها، كَقَوْلِهِ: إِنْ حِضْتِ فأنْتِ طالِقٌ وَفُلانَةُ، فَقَالَتْ حِضْتُ طَلُفَتْ هِىَ خاصَّةٌ، وَكَذَا التَّعْلِقُ بِمَحَبِّهَا، وَلَوْ قَالَ: إنْ كُنْتِ نَحِبِينَ أنْ يُعَذَبَكِ اللّهُ بِنَارِ جَهَّمَ فأنْتِ طالِقٌ وَعَبْدِى حُرٌّ، فَقَالَتْ أُحِبُّ طَهُقَتْ وَلَمْ يَعْتِقِ العَبْدُ؛ وَلَوْ قالَ: إِنْ وَلَدْتِ غُلاما فأنْتِ طالِقٌٍ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْتِ جَارِيَةٌ فَئِنْتَْنِ فَوَلَدْتَهُما وَلا يُدْرَى أُيُهُمَا أوَّلَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وفىِ التََّنْزُّهِ ثِنْتَْنِ؛ وَلَوْ قالَ لهَا: إِنْ جَامَعْتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثا فأوْلحَهُ وَلَبِثَ ساعَةٌ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَزَعَهُثُمَّ أَوْ لَجَهُ فَعَلَيْهِ مَهْرٌ، وَلَوْ كانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيا تَحْصُلُ الْمُرَاجَعَةُ بالإِيلاجِ الثَّانى . قال ( وما لا يعلم إلا من جهتها فالقول قولها فى حقّ نفسها ، كقوله: إن حضت فأنت طالق وفلانة ، فقالت حضت طلقت هى خاصة ) والقياس أن لا تطلق لأنه شرط كغيره من الشروط . وجه الاستحسان أنها أمينة فى ذلك ولا يعرف إلا من جهتها، وقد اعتبر الشرع قولها فى ذلك فى العدة والوطء، فكذا هذا إلا أنه فى حقّ ضرّتها شهادة وهى متهمة فلا يقبل قولها وحدها . قال ( وكذا التعليق بمحبتها ) وهو أن يقول : إن كنت تحبينى فأنت طالق وفلانة ، فقالت أحبك طلقت وحدها ( ولو قال : إن كنت تحبين أن يعذّبك اللّه بنار جهنم فأنت طالق وعبدى حرّ ، فقالت أحبّ طلقت ولم يعتق العبد ) لما ذكرنا ، ولا يتيقن كذبها لأنها قد تؤثر العذاب على صحبته لبغضها إياه ؛ ولو قال لها : إن كنت تحبينى بقلبك فأنت طالق ، فقالت أحبك وهى كاذبة طلقت . وقال محمد : لاتطلق لأن المحبة إذا علقت بالقلب يراد بها حقيقة الحبّ ولم يوجد . ولهما أن المحبة فعل القلب فيلغو ذكر القلب فصار كما إذا أطلق ، ولو أطلق تعلق بالإخبار عن المحبة كذا هذا . قال ( ولو قال : إن ولدت غلاما ، فأنت طالق واحدة ، وإن ولدت جارية فثنتين فولدتهما ولا يدرى أيهما أوّلا طلقت واحدة، وفى التنزّه ثنتين ) لأن الواحدة متيقنة وفى الثانية شك فلا يقع فى القضاء ، والأحوط أن يأخذ بوقوع الثنتين وانقضت العدّة بيقين ، لأن الطلاق وقع بالولد الأوّل وانقضت العدة بالثانى . قال ( ولو قال لها : إن جامعتك فأنت طالق ثلاثا فأولجه ولبث ساعة فلا شيء عليه ، وإن نزعه ثم أولجه فعليه مهر ، ولو كان الطلاق رجعيا تحصل المراجعة بالإيلاج الثانى ) وعن أبى يوسف : أنه يجب المهر باللبث فى الثلاث ويصير مراجعا به فى الواحدة لوجود الجماع بالدوام عليه ، إلا أنه لا يجب الحدّ للاتحاد. ولهما أن الجماع إدخال الفرج ولا دوام للإدخال. أما إذا أخرج ثم أدخل - ١٤٢ - وَلَوْ قالَ لَهَا: أَنْتِ طالِقٍّ إنْ شاءَ اللّهُ، أَوْ ما شاءَ اللّهُ، أَوْ ما كَمْ يَشلِ اللّهُ، أَوْ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ لا يَقَعُ شَىْءٌ إِنْ وَصَلَ؛ وَلَوْ قالَ: أَنْتِ طالِقٌ ثَلاثا إلاَّ وَاحِدَةٌ طَلُفَتْ ثِنْتَْنِ، وَلَوْ قالَ: إِلاَّ ثِنْتْنِ طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ وَلا يَصِحُ اسْتِشْنَاءُ الكُلّ مِنَ الكُلّ، فَلَوْ قالَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثا إلاَّ ثَلاثًا وَقَعَ الثَّلاثُ وَبَطَلَ الإِسْتِثْنَاءُ، وَلَوْ قالَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثا، وَثَلاثا إلاَّ أَرْبَعَا وَقَعَّ ثَلاثٌ، فقد وجد الإدخال بعد الطلاق ، ولم يجب الحدّ لشبهة الاتحاد من حيث المجلس والمقصود، وإذا لم يجب الحدّ لم يجب العقر، لأن الوطء لا يخلو عن أحدهما . فصل ( ولو قال لها : أنت طالق إن شاء اللّه، أو ما شاء اللّه، أو ما لم يشأ اللّه، أو إلا أن يشاء الله لا يقع شىء إن وصل) والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام (( من حلف بطلاق أو عتاق وقال إن شاء الله متصلا به لاحنث عليه)) ولأنه تعليق بشرط لا يعلم وجوده فلا يقع بالشك ، إذ المعلق بالشرط عدم قبله ، وكذا إذا علقه بمشيئة من لا تعلم مشيئته من الخلق كالملائكة والشيطان والجنّ؛ ويصحّ الاستثناء موصولا لامفصولا لما روينا ، ولأنه إذا سكت ثبت حكم الأوّل ، فيكون الاستثناء أو التعليق بعده رجوعا عنه فلا يقبل ، ولوسكت قدر ما تنفس أو عطس أو تجشأ أو كان بلسانه ثقل فطال تردّده ثم قال إن شاء الله صحّ الاستثناء ، وإن تنفس باختياره بطل ؛ ولو حرّك لساند بالاستثناء صحّ عند الكرخى وإن لم يكن مسموعا . وقال الهندوانى : لا يصحّ ما لم يكن مسموعا ؛ ولو قال أنت طالق فجرى على لسانه إن شاء اللّه من غير قصد لايقع كما لو قال أنت طالق فجرى لسانه أو غير طالق ؛ ولو قال : أنت طالق ثلاثا ، وثلاثا إن شاء الله ، أو ثلاثا وواحدة إن شاء الله بطل الاستثناء، وقالا: هو صحيح، وكذا لو قال لعبده: أنت حرّ وحرّ إن شاء اللّه، لأن الكلام واحد وإنما يتمّ بآخره وأنه متصل. ولأبى حنيفة أنه استثناء منقطع لأن قوله وثلاثا أو واحدة أوحرّ لغو لافائدة فيه فكان قاطعا ؛ ولو قال: أنت طالق واحدة وثلاثا إن شاء اللّه صحّ بالإجماع ، وكذلك أنت طالق وطالق وطالق إن شاء اللّه لأنه لم يتخلل بينهما كلام لغو ( ولو قال : أنت طالق ثلاثا إلا واحدة طلقت ثنتين، ولو قال : إلا ثنتين طلقت واحدة ) وأصله أن الاستثناء تكلم بالباقى بعد الثنيا لأنه بيان أنه أراد بما تكلم ما وراء المستثنى (ولا يصحّ استثناء الكلّ من الكلّ، فلو قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثاً وقع الثلاث وبطل الاستثناء ، ولو قال: أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعا وقع ثلات ، - ١٤٣ - وَلَوْ قالَ: أَنْتِ طالِقٌٍ ثَلاثا إلاَّ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً بَطَلَ الاِسْتِثْنَاءُ؛ وَلَوْ قالَ: أَنْتِ طالِقٌّ عَشْرَةً إِلاَّ تِسْعَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قالَ إلاَّ -ثْمَانِيَةً فَئِنْتَانِ. وَمَنْ أباْنَ امْرَأْتَهُ فى مَرَضِهِ ثُمَّ ماتَ وَرِثَتْهُ إنْ كانَتْ فى العِدَّةِ، وَإِنٍ انْفَضَتْ عِدَّهَا لَمْ تَرِثْ. عند أبى حنيفة ، وعلى قياس قولهما تقع واحدة (١) بناء على ما تقدم ( ولو قال : أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وواحدة وواحدة بطل الاستثناء ) لأنه استثنى الكلّ ( ولو قال: أنت طالق عشرة إلا تسعة وقعت واحدة ، ولو قال : إلا ثمانية فثنتان ) وأصله أنه إذا أوقع أكثر من الثلاث ثم استثنى والكلام كله صحيح فالاستثناء عامل فى جملة الكلام ولا يكون مستثنيا من جملة الثلاث التى يصحّ وقوعها فيقع الاستثناء من جملة الكلام ويقع ما بقى إن كان ثلاثا أو أقلّ ، لأن الاستثناء يتبع اللفظ ولا يتبع الحكم . والجملة المتلفظ بها جملة واحدة فيدخل الاستثناء عليها فيسقط ما تضمنه الاستثناء ، وتقع بقية الجملة إن كان مما يصحّ وقوعه ؛ ولو قال : أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا واحدة وقعت واحدة لأنه يجعل كل استثناء مما يليه ، فاذا استثنيت الواحدة من الثلاثة بقيت ثنتان ، وإذا استثنيتهما من الثلاث بقيت واحدة ، كأنه قال : أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين ، فان قال : أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة تقع واحدة لأنه استثنى الواحدة من الثنتين فتبقى واحدة فيستثنيها من الثلاث يبقى ثنتان يستثنيهما من الثلاث تبقى واحدة ، وكذا لو قال : عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة تقع ثنتان لأنه استثنى السبعة من الثمانية تبقى واحدة ، ثم استثنى الواحدة من التسعة تبقى ثمانية ، ثم استثنى الثمانية من العشرة تبقى ثنتان ، وعلى هذا جميع هذا النوع ، وتقريبه أن تعقد العدد الأوّل بيمينك والثانى بيسارك والثالث بيمينك والرابع بيسارك ، ثم أسقط ما اجتمع فى يسارك مما اجتمع بيمينك فما بقى فهو الموقع . فصل ( ومن أبان امرأته فى مرضه ثم مات ورثته إن كانت فى العدة ، وإن انقضت عدتها لم ترث ) (١) قوله تقع واحدة ، الظاهر أن صوابه يقع ثنتان لاواحدة ، قال فى ردّ المختار وفى الفتح عن المنتقى : أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعا فهى ثلاث عنده لأنه يصير قوله وثلاثا فاصلا لغوا ، وعندهما يقع ثنتان كأنه قال ستا إلا أربعا أهـ مصححه . - ١٤٤ - وَإِنْ أباَنَهَا بِأَمْرِها، أوْ جاءَتِ الفُرْقَةُ مِنْ جِهَِهَا فِى مَرَضِهِ كَمْ تَرِثْ كالمُخَّرَةِ وَالْمُخَّرَةِ بِسَبَبِ الْجَبّ وَالعُنَّةِ وَالبُلُوغِ وَالعِثْقِ، وَلَوْ فَعَلَتْ مَا ذَكَرْنا مِنَ الْخِيَارَاتِ وَهِىَ مَرِيضَةٌ وَرِ بْهَا إِذَا ماتَتْ وَهِىَ فى العِدَّةِ، وَمَرَضُ المَوْتِ هُوَ المَرَضُ الَّذِى أضْنَاهُ وَأعْجَزَهُ عَنِ القِيامِ بِحَوَائِجِهِ، فَأَمَّا مَنْ يَجِىءُ وَيَذْهَبُ بِحَوَائِجِهِ وَيُحَمُّ فَلا؛ وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأْتِهِ بِمِعْلِهِ وَفَعَلَهُ فى المَرْضِ وَرِثَتْ، وَإِنْ عَلَّقَهُ بِفِعْلِ أَجْنَِّ أَوْ بِمَجِيءُ الوَقْتِ فى المَرْضِ مثْلُ قَوْلهِ: إِذَا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ وأصله أن الزوجية فى مرض الموت سبب يفضى إلى الإرث غالبا، فابطاله يكون ضررا بصاحبه ، فوجب ردّه دفعا لهذا الضرر فى حقّ الإرث ما دامت فى العدّة كما فى الطلاق الرجعى وتعذّر إبقاء الزوجية بعد انقضاء العدة لأنه لم يبق له أثر ولا حكم . قال (وإن أبانها بأمرها ، أو جاءت الفرقة من جهتها فى مرضه لم ترث كالمخيرة ، والمخيرة بسبب الجب والعنة والبلوغ والعتق ) لأنا إنما اعتبرنا قيام الزوجية مع المبطل نظرا لها ، فاذا رضيت بالمبطل لم تبق مستحقة للنظر فعمل المبطل وهو الطلاق عمله ( ولو فعلت ما ذكرنا من الخيارات وهى مريضة ورثها إذا ماتت وهى فى العدة ) لأنها ممنوعة من إبطال حقه فبقينا النكاح فى حقّ الإرث دفعا للضرر عنه إلا فى الجبّ والعنة فانه لايرثها لأنه طلاق وهو مضاف إلى الزوج ( ومرض الموت هو المرض الذى أضناه وأعجزه عن القيام بحوائجه ، فأما من يجىء ويذهب بحواتجه ويحم فلا ) وقيل إن أمكنه القيام بحوائجه فى البيت وعجز عنها خارج البيت فهو مريض . وعن أبى حنيفة إذا كان مضنى لا يقوم إلا بشدّة وتتعذّر عليه الصلاة جالسا فهو مريض ، والمحصور والواقف فى صفّ القتال والمحبوس للرجم والقصاص وراكب السفينة والنازل فى مسبعة يخاف الهلاك كالصحيح لأن الغالب فيه السلامة ، ومن قدم للقصاص والرجم أو بارز رجلا أو انكسرت السفينة وبقى على لوح أو وقع فى فم سبع كالمريض ، وكذلك المرأة إذا ضربها الطلق . أما المقعد والمفلوج ومن فى معناه كالصحيح ؛ وإذا كان أحد الزوجين ممن لايرث الآخر كالعبد والمكاتب مع الحرّة، والحرّة الكتابية مع المسلم ، فطلقها ثلاثا فى مرضه ثم صار فى حال يتوارثان لو لم يقع الطلاق لاترثه ، لأنه لم يتعلق حقها بماله حالة الطلاق فلم يكن فارًا فلا يتهم (ولو علق طلاق امرأته بفعله وفعله فى المرض ورثت ) سواء كان التعليق فى الصحة أو المرض لأنه قصد إضرارها حيث باشر شرط الحنث فى المرض ، وسواء كان له بدّ من الفعل أو لم يكن ، أما إذا كان فظاهر ، وأما إذا لم يكن فلأن له بدًا من التعليق فكان مضافا إليه ( وإن علقه بفعل أجنبى أو بمجىء الوقت فى المرض مثل قوله : إذا جاء رأس الشهر - ١٤٥ - فأنْتِ طالِقٌ، أَوْ إنْ دَخَلُّ فُلانٌ الدَّارَ أَوْ صَلَى الظُّهْرَ فأنْتِ طالِقٌ، فإنْ كانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فى المَرِضِ وَرِثَتْ، وَإنْ كانَ التَّعْلِيقُ فى الصّحَّةِ وَالشَّرْطُ فى المَرَضِ لَمْ تَرِثْ (ز)، وَإِنْ عَلََّهُ بِفِعْلِها وَلَا مِنْهُ بُدُّ كُمْ تَرِتْ عَلَى كُلّ حالٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْهُ بُدُّ كالصَّلاةِ وَكَلامِ الأقارِبِ وأكْلِ الطَّعامِ وَاسْتِيفاءِ الدَّبْنِ وَرِثَتْ (م). فأنت طالق ، أوإن دخل فلان الدار أو صلى الظهر فأنت طالق ، فان كان التعليق والشرط فى المرض ورثت ) لأنه قصد إضرارها بمباشرة التعليق فى المرض حال تعلق حقها بماله ( وإن كان التعليق فى الصحة والشرط فى المرض لم ترث ) خلافا لزفر ، لأن المعلق بالشرط ينزل عند الشرط فصار كالمنجز فى المرض . ولنا أنه إنما يصير تطليقا عند الشرط حكما لاقصدا ولا ظلم إلا عند القصد (وإن علقه بفعلها ولها منه بدّ لم ترث على كلّ حال ) لأنها راضية ( وإن لم يكن لها منه بدّ كالصلاة وكلام الأقارب وأكل الطعام واستيفاء الدين ورثت ) وقال محمد : إذا كان التعليق فى الصحة لاترث لأنه لاصنع له فى إبطال الشرط فلم يقصد إبطال حقها . ولهما أنها مضطرة إلى المباشرة فى هذه الأشياء لما يتعلق بتركها من العقاب فى الآخرة والضرر فى الدنيا والزوج هو الذى ألجأها إلى المباشرة فينتقل فعلها إليه وتصير كالآلة كما قلنا فى الإكراه ، وإنما يكون مرض الموت إذا مات منه ، أما لو برأ ثم مات انقطع حكم المرض الأوّل . فصل فى طلاق المجهولة أصله أن إضافة الطلاق إلى مجهولة ليس إلا تعليق الطلاق فى المعينة بالبيان لأنه لا يقع على مجهولة وإنما يقع على المعينة ، وإنما ينزل بالبيان مقصورا عليه فكان للبيان حكم الإنشاء فى حقّ المعينة، والإنشاء لا يملك إلا بملك المحلّ، فلو قال لامرأتيه إحدا كما طالق طلقت واحدة منهما بغير عينها إذا لم يكن له نية فى معينة منهما لقوله عليه الصلاة والسلام ((كلّ طلاق جائز)) الحديث ، ولأن الجهالة مع الخطأ أجريا مجرى واحد ، ألا ترى أنهما يمنعان البيع ، ثم الطلاق يقع مع الحظر فكذا مع الجهالة ، ولأن البيع مع ضعفه يصحّ مع هذا الضرب من الجهالة حتى جاز بيع قفيز من صبرة فلأن يصحّ الطلاق معه أولى ، وللنساء أن يخاصمنه ويستعدين عليه إلى القاضى حتى يبين إذا كان الطلاق ثلاثا أو بائنا ، لأن لكل واحدة منهنّ حقا فى استيفاء منافع النكاح وأحكامه ، أو التوصل إلى التزوّج بزوج آخر ، وكان على الزوج البيان والقول قوله لأنه المجمل كمن أقرّ بشىء غير معين ، ويجبره القاضى أن يوقع الطلاق على معينة لتحصل الفائدة ، وعليها العدة من حين بين لما تقدّم ، ١٠ - الاختیار- ثالث - ١٤٦ - فان لم يبين حتى ماتت إحداهما طلقت الباقية ، لأنه لم يبق من يستحقّ الطلاق غيرها ؛ وإن قال أردت الميتة لم يرثها وطلقت الباقية ، فيصدق فى الميتة على نفسه فى إسقاط إرثه ، ولا يصدق على الباقية فى صرف الطلاق عنها ، فان ماتتا واحدة بعد الأخرى فقال أردت الأولى لم يرث منهما لأنه سقط من الثانية بطريق الحكم ومن الأولى باعترافه ، ولو ماتتا معا ورث من کلّ واحدة منهما نصف ميراث ، فان قال أردت إحداهما سقط حقه من ميراثها ويرث من الأخرى نصف ميراثها لأنه لا يصدق فى زيادة الاستحقاق ؛ ولو جامع إحداهما تعينت الأخرى للطلاق ، لأن الجماع دليل على تعيين الأخرى للطلاق لاستحالة أن يطأ المطلقة ، وكذلك لو قبلها أو حلف بطلاقها أو ظاهر منها ، لأن هذه الأحكام من خواص الزوجية فصارت کالجماع ؛ ولو طلق إحداهما بعينها وعنى به البيان صدق ، وإن لم ينو به البيان تعينت الأخرى للطلاق الأوّل . وعن محمد : لو كان الطلاق واحدة رجعية لم يكن. وطء إحداهما بيانا للأخرى ؛ ولو مات الزوج قبل البيان فالميراث بينهما الربع أو الثمن ، لأن إحداهما زوجة قطعا وليست إحداهما أولى من الأخرى ؛ ولو طلق إحدى نسائه الأربع ثلاثا ثم اشتبهت وأنكرت كلّ واحدة أن تكون هى المطلقة لا يقرب واحدة منهنّ لأنه حرمت عليه إحداهنّ، ويجوز أن تكون كلّ واحدة. وقد قال أصحابنا : كلّ ما يباح عند الضرورة لايجوز التحرّى فيه والفروج من هذا الباب ، ولهذا قالوا : إذا اختلطت الميتة بالمذبوحة إنه يتحرّى لأن الميتة تباح عند الضرورة . وإن استعدين عليه إلى الحاكم فى النفقة والجماع أعدى عليه وحبسه حتى يبين التى طلق منهن، ويلزمه نفقتهنّ لأنّ لكلّ واحدة منهنّ حقّ المطالبة بأحكام النكاح، فكان على الحاكم إلزامه إيفاء للحقّ ، ويقضى عليه بنفقتهنّ لأنها تجب للمعتدّة وللزوجة. وينبغى أن يطلق كلّ واحدة طلقة واحدة، فاذا تزوّجن بغيره جاز له التزوّج بهنّ ، فان لم يتزوّجن فالأفضل أن لا يتزوّج بواحدة ، ولو تزوّج بالثلاث صحّ نكاحهنّ وتعينت الرابعة للطلاق؛ وليس له أن يتزوّج بالكلّ قبل أن يتزوّجن بزوج آخر، فان تزوّجت واحدة منهنّ بزوج ودخل بها ثم تزوّج الكل" ذكر فى الجامع أنه يجوز نكاح الكلّ ، لأن الظاهر من حال المنزوّجة إنما هى المطلقة ثلاثا حيث أقدمت على النكاح للتحليل ؛ ولو ادّعت كلّ واحدة أنها المطلقة ثلاثا يحلف الزوج فان نكل وقع على كلّ واحدة الثلاث ، لأنه بالنكول صار باذلا أو مقرّا ما بالثلاث ، وإن حلف لهنّ فالحكم كما قلنا قبل اليمين . وعن محمد : إذا حلف لإحدى المرأتين طلقت الآخرى ، وإن لم يحلف للأولى طلقت ، وإن تشاحا على اليمين حلف لهما بالله ما طلق واحدة منهما ، فان حلف فالأمر على ما كان ، وإن نكل طلقتا على ما بينا ، ون وطى - ١٤٧ - باب الرجعة الطَّلَاقُ الرَّجْعِىُّ لأُ يُحَرّمُ الوَطْءَ، وَلِزَّوْجِ مُرَاجَعَهُتها فى العِدَّةِ بَغْيرِ رِضَاها وَتَثْبُتُ الرَّجْعَةُ بِقَوْلِهِ، رَاجَعْتُكِ، وَرَجَعُكِ، وَرَدَدْتُكِ وأَمْسَكْتُكِ، وَبَكُلَ فِعْلٍ تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ مِنَ الجَانِبِسْنِ ، إحداهما فالتى لم يطأها مطلقة حملا لأمره على الصلاح أنه لم يطأها حراما . باب الرجعة وهى مصدر رجعه يرجعه رجعا ورجعة : إذا أعاده وردّه ، يقال : رجعت الأمر إلى أوائله : إذا رددته إلى ابتدائه . قال : عسى الأيام أن يرجعن قوما كالذى كانوا وفى الشرع ردّ الزوجة إلى زوجها وإعادتها إلى الحالة التى كانت عليها . قال ( الطلاق الرجعى لا يحرم الوطء) وهو أن يطلق الحرّة واحدة أو ثنتين بصريح الطلاق من غير عوض والدليل عليه قوله تعالى - وبعولتهن أحقّ بردهنّ - والبعل هنا الزوج ، ولا زوج إلا بقيام الزوجية، وقيام الزوجية يوجب حلّ الوطء بالنصّ والإجماع، ولأن الله تعالى أثبت للزوج حقّ الردّ من غير رضاها، والإنسان إنما يملك ردّ المنكوحة إلى الحالة التى كانت عليها قبل الطلاق فلايكون النكاح زائدا ما دامت العدة باقية فيحلّ الوطء. قال ( وللزوج مراجعتها فى العدّة بغير رضاها ) لما تلونا ولا خلاف فيه ، ولأن قوله تعالى - فى ذلك - أى فى العدّة لأنها مذكورة قبله، ولقوله تعالى - فأمسكوهنّ بمعروف - والمراد الرجعة لأنه ذكره بعد الطلاق ، ثم قال - أو فارقوهنّ بمعروف - ولقوله عليه الصلاة والسلام لعمر ((مر ابنك فليراجعها)). قال (وتثبت الرجعة بقوله: راجعتك ورجعتك ورددتك ، وأمسكتك ) لأنه صريح فيه . قال ( وبكل فعل تثبت به حرمة المصاهرة من الجانبين ) لقوله تعالى - فأمسكوهنّ بمعروف - والإمساك بالفعل أقوى منه بالقول، ولأن الرجعة استدامة النكاح واستبقاؤه وهذه الأفعال تدلّ على ذلك ، وليست الرجعة بابتداء نكاح على ما زعمه بعضهم ، لأنا أجمعنا على أنه يملكها من غير رضاها ولا يشترط فيها الإيجاب والقبول ، ولا يجب فيها مهر ولا عوض ، لأن العوض إنما يجب عوضا عن ملك البضع ، والبضع فى ملكه ، ولو كان نكاحا مبتدأ لوجب ، والخلوة ليست برجعة ، لأنه لم يوجد ما يدلّ على الرجعة لاقولا ولا فعلا ، ولا يصحّ تعليق الرجعة بالشرط لأنه استدراك فلا يصحّ بالتعليق كاسقاط الخيار ، ولو قال لها : أنت عندى كما كنت أو أنت امرأتى - ١٤٨ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ، فانْ قالَ لَمَا بَعْد العِدَّةِ: كُنْتُ رَاجَعْتُكِ فى العِدَّةِ فَصَدَّقَتْهُ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ لَمْ تَصِحّ وَلاَ يَمِينَ عَلْهَا (سم) وَإِنْ قالَ لَهَا: رَاجَعْتُكِ، فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُ: انْقَضَتْ عِدَِّىِ فَلا رَجْعَةَ (سم) وَإِذَا قَالَ زَوْجُ الأَمَةِ: رَاجَعُْها فى العدَّةِ وَصَدَّقَهُ المَولى (سم)، وكَذَّبَتْهُ الأمَةُ أَوْ بالعَكْسِ فَلا رَجَعَةَ ، ونوى الرجعة صحّ وإلا فلا ، ويستحبّ أن يعلمها بالرجعة لتتخلص من قيد العدّة ، وإن لم يعلمها جاز ؛ وليس له أن يسافر بها حتى يشهد على رجعتها لأنه لا يجوز للمعتدّة الخروج من منزلها ، فاذا راجعها لم تبق معتدة فيجوز لها الخروج ، وإليه الإشارة بقوله تعالى - لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ -. قال (ويستحبّ أن يشهد على الرجعة) لأن النصوص الدالة على الرجعة خالية عن قيد الشهادة ، ولما تقدّم أنها استدامة للنكاح ، والشهادة ليست بشرط حالة الاستدامة ، وإنما استحببناه تحرزا عن التجاحد ، وهو محمل قوله تعالى عقيب ذكر الرجعة والطلاق - وأشهدوا ذوى عدل منكم - وهكذا هو محمول فى الطلاق أيضا توفيقا بينه وبين النصوص الدالة على جواز الرجعة ووقوع الطلاق الحالية عن قيد الإشهاد ( فان قال لها بعد العدة : كنت راجعتك فى العدّة فصدقته صحت الرجعة ، وإن كذبته لم تصحّ ) لأنه متهم فى ذلك وقد كذبته فلا يثبت إلا ببينة ، فاذا صدقته ارتفعت التهمة ( ولا يمين عليها) عند أبى حنيفة ، وهى مسألة الاستحلاف فى الأشياء الستة ، وقد سبقت فى الدعوى بتوفيق الله تعالى (وإن قال لها : راجعتك، فقالت مجيبة له : انقضت عدتى فلا رجعة ) وقالا : تصحّ الرجعة لأن الرجعة لاتتوقف على قبولها ، فلما قال راجعتك صحت الرجعة لأن الظاهر بقاء العدّة ، ولهذا لو قال طلقتك ، فقالت قد انقضت عدتى وقع الطلاق فصار كما إذا سكتت ساعة ثم قالت . ولأبى حنيفة أنها لما أخبرت بانقضاء عدتها فالظاهر تقدم انقطاع الدم على ذلك لأنها أخبرت بلفظ الماضى ، والظاهر أنها صادقة ، وأقرب أوقات الماضى وقت قوله ، ومسئلة الطلاق على الخلاف ، ولئن سلمت فنقول : الطلاق يقع بناء على إقراره ، ولو أقرّ بعد انقضاء العدّة حكم به ، بخلاف ما إذا سكتت ساعة لأنها تثبت الرجعة بسكوتها فلا يقبل قولها بعد ذلك . قال ( وإذا قال زوج الأمة : راجعتها فى العدّة وصدقه المولى وكذبته الأمة أو بالعكس فلا رجعة) وقالا: إذا صدقه المولى صحت الرجعة لأنه أقرّ له بما هو خالص حقه فصار كما إذا أقرّ عليها بالنكاح . ولأبى حنيفة أن القول قولها فى العدّة والرجعة تنبنى عليها ؛ وأما إذا كذبه المولى وصدقته فعن أبى حنيفة روايتان ، والفرق على إحدى الروايتين أن العدّة منقضية فى الحال وصار ملك المتعة للمولى - ١٤٩ - وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ فى الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لِعَشَرَةٍ أَيَّامِ انْقَطَعَتِ الرَّجْعَةُ وَإن كَمْ تَغْتَسِلْ، وَإِنِ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ أَيَّامٍ لَمْ تَنْقَطِعْ حَتى تَغْتَسِلَّ أوْ يَمْضِىَ عَلْها وَقْتُ صَلَاةٍ أَوْ تَتَيَمَّمَ وَتُصَلّىَ (مز)، وفى الكِتابِيَّةِ تَنْقَطِيعُ الرَّجْعَةُ بِمُجَرَّدِ انْقِطاعِ الدَّمِ، فانِ اغْتَسَلَتْ وَنَسِيَتْ شَيْئًا مِنْ بَدِّنْهَا، فإنْ كانَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوِ انْقَطَعَتِ الرَّجْعَةُ، وَلا تَحِلُّ لِلأَزْوَاجِ، وَإنْ كانَ عُضْوًّا لَمْ تَنْقَطِعْ؛ وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وَهِىَ حامِلٌ وَقَالَ: لَمْ أُجامِعْها فَلَهُ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ قالَ ذلكَ بَعْدَ الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ؛ فلا تملك إبطاله . قال ( وإذا انقطع الدم فى الحيضة الثالثة لعشرة أيام انقطعت الرجعة وإن لم تغتسل ) لأنها خرجت من الحيضة الثالثة فقد انقضت العدّة ( وإن انقطع لأقلّ من عشرة أيام لم تنقطع حتى تغتسل ، أو يمضى عليها وقت صلاة ، أو تتيمم وتصلى ) لاحتمال عود الدم فلا بدّ من دخولها فى حكم الطاهرات وذلك بالغسل أو بمضىّ وقت صلاة لأنها تصير مخاطبة بها ، وهو من أحكام الطاهرات ، وكذا إذا تيممت وصلت ، والقياس أن تنقطع بمجرد التيمم ، وهو قول محمد وزفر ، لأن التيمم كالغسل عند عدم الماء . وجه الاستحسان أن التيمم إنما اعتبر طهارة ضرورة كيلا تتضاعف عليه الواجبات ، أما إنه مطهر فى نفسه فلا بل هو ملوّث ، وهذه الضرورة تتحقق إذا أرادت الصلاة لاقبل ذلك ولا كذلك الغسل، ولو تيممت وقرأت القرآن أو مست المصحف أو دخلت المسجد . قال الكرخى : انقطعت الرجعة لأنها من أحكام الطاهرات . وقال أبو بكر الرازى: لا لأنها ليست من أحكام الصلاة ولو اغتسلت بسؤر الحمار انقطعت ، ولا تحل للأزواج أخذا بالاحتياط ( وفى الكتابية تنقطع الرجعة بمجرّد انقطاع الدم ) لأنه لاغسل عليها فصارت كالمسلمة إذا اغتسلت ( فان اغتسلت ونسيت شيئا من بدنها ، فان كان أقلّ من عضو انقطعت الرجعة ولا تحلّ للأزواج ) لأنه قليل يتسارع إليه الجفاف فلم نتيقن بعدم غسله، فقلنا بانقطاع الرجعة وعدم حلّ التزوّج أخذا بالاحتياط (وإن كان عضوا لم تنقطع ) لأنه كثير لا يتسارع إليه الجفاف فافترقا ، والمضمضة والاستنشاق كالعضو عند أبى يوسف لأن الحدث باق فى عضو. وعند محمد لا لوقوع الاختلاف فى فرضيتهما فينقطع حقّ الرجعة، ولا تحلّ" للأزواج احتياطا . قال ( ومن طلق امرأته وهى حامل وقال لم أجامعها فله الرجعة ) وكذا إذا ولدت منه لأن الحبل والولادة فى وقت يمكن حبله منه يجعل منه ، قال عليه الصلاة والسلام ((الولد للفراش)) وإذا كان منه كان واطئا، والطلاق بعد الوطء يعقب الرجعة ( وإن قال ذلك بعد الخلوة الصحيحة فلا رجعة له ) لأن الرجعة إنما تثبت عقيب الطلاق فى ملك متأكد بالوطء ، وقد أقرّ بعدم الوطء فيثبت فيما له والرجعة حقه ، بخلاف المهر -١٥٠ ... وَإِذَا قال لَهَا: إذَا وَلَدْتِْ فَأَنْتٍ طالِقٌ فَوَلَدَتْ ◌ُثُمَّ وَلَدْتْ آخَرَ مِنْ بَطْنِ أُخْرَى فَهِىَ رَجْعَةٌ؛ وَالمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ تَتَشْوَّفُ وَتَنْزَيَّنُ وَيُسْتَحَبُّ لِزَوْجِها أنْ لا يَدْخُلّ عَلْها حَّى يُؤْذِّنْهَا، وَلَهُ أنْ يَتْزَوَّجَ مُطَلَّفَتَهُ المُبَانَةَ بِدُونِ الثَّلاثِ فى العِدَّةِ وَبَعْدَها، وَالمُبَانَةُ بالثَّلاثٍ لا تحِلُّ لَهُ حَّى تَنْكِحَ زَوْجا غْرَهُ نِكاحا ◌َحِيحًا، وَيَدْخُلُ بِها ◌ُثُمَّ تَبِينُ مِنْهُ، وَلا تَحِلُ لِلأوَّلِ بِمِلْكِ اليَمِينِ وَلا بِوَطْءٍ المَوْلى وَالشَّرْطُ هُوَ الإيلاجُ دُونَ الإنْزَال، لأن وجوبه بناء على تسليم المبدل لاعلى قبضه . قال ( وإذا قال لها : إذا ولدت فأنت طالق فولدت ثم ولدت آخر من بطن أخرى فهى رجعة ) لأن الطلاق وقع بالولد الأوّل ، والولد الآخر يكون من علوق آخر فى العدّة حملا لحالهما على الصلاح فيصير مراجعا بالوطء لأنها لم تقرّ بانقضاء عدتها. قال (والمطلقة الرجعية تتشوّف وتتزين (١) ) لقيام النكاح بينها وبين الزوج على ما بينا ، والرجعة مستحبة والزينة حاملة عليها فتجوز ( ويستحبّ لزوجها أن لا يدخل عليها حتى يؤذنها ) إذا لم يكن قصده الرجعة لاحتمال أن يقع نظره عليها وهى متجرّدة فتحصل الرجعة ثم يطلقها فتطول عليها العدّة . قال ( وله أن ينزوّج مطلقته المبانة بدون الثلاث فى العدّة وبعدها ) لأن حلّ المحلية باق إذ زوالة بالثالثة ولم توجد ، وإنما لا يجوز لغيره فى العدّة تحرزا عن اشتباه الأنساب وهو معدوم فى حقه ( والمبانة بالثلاث لاتحلّ له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا ويدخل بها ثم تبين منه ) لقوله تعالى - فان طلقها - يعنى الثالثة - فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجا غيره - والنكاح المطلق ، الشرع ينصرف إلى الصحيح حتى لو دخل بها فى نكاح فاسد لاتحلّ للأوّل، وقوله - حتى تنكح ـ يقتضى الدخول لما ذكرنا أن النكاح الشرعى هو الوطء ولقوله زوجا ونكاح الزوج لا يكون إلا بالوطء ، ويدلّ عليه الحديث المشهور وهو ما روى فى الصحيح ((أن عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظى كانت تحت ابن عمها رفاعة بن وهب فطلقها ثلاثا فجاءت إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام فقالت: يارسول الله إنى كنت تحت رفاعة فطلقنى فبتّ طلاقى ، فتزوّجت عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدية الثوب ، فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة ؟ قالت : نعم ، فقال : حتى يذوق عسيلتك وتذوقى عسيلته )) وسواء دخل بها فى حيض أو نفاس أو إحرام لحصول الدخول ( ولا تحلّ للأوّل بملك اليمين ولا بوطء المولى) لأن الشرط نكاح زوج غيره ولم يوجد ( والشرط هو الإيلاج دون الإنزال ) لحصول نكاح زوج غيره ، والحديث ورد (١) التشّف خاصَ بالوجه، والتزين عام" بالبدن فهو من عطف العامّ على الخاص". - ١٥١ - وأنْ يَكُونَ المُحَلِّلُ يُجامعُ مِثْلُهُ، فانْ تَزَوَّجَها بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ كرِهَ (س) وَحَلَّتْ للأوَّلِ (سم)، وَالزَّوْجُ الثَّانِى يَهْدِمُ ما دُونَ الثَّلاثِ (مز)، وَلَوْ طَلَّفَها ثَلاثا فَقالَتْ: قَد انْقَضَتْ عدَّنِى وَتَحَلَّلْتُ وَانْقَضَتْ عدََّى وَالمُدَّةُ تَحْتَمِلُهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُها جازَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجها. باب الإيلاء على غالب الحال ، فان الغالب فى الجماع الإنزال أو نقول الكتاب غرى عن ذكر الإنزال فلا يزاد عليه . قال (, أن يكون المحلل يجامع مثله ) سواء كان مراهقا أو بالغا لوجود الشرط وهو الإيلاج ، ولا يجوزصغير لايقدر على الإيلاج لعدم الوطء المراد من النكاح . قال ( فان تزوّجها بشرط التحليل كره وحلت للأوّل ) وقال أبو يوسف : النكاح فاسد لأنه كالمؤقت ولا تحلّ للأوّل لفساده. وقال محمد: هو جائز لشروط الجواز ولا تحلّ للأوّل لأنه عجل ما أخره الشرع فيعاقب بالمنع كقتل المورث . ولأبى حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام ((لعن الله المحلل والمحلل له)) ومراده النكاح بشرط التحليل فيكره للحديث وتحل" الثانى لأنه عليه الصلاة والسلام سماه محللا وهو المثبت للحلّ ، أو نقول وجد الدخول فى نكاح صحيح ، لأن النكاح لا يفسد بالشرط فتحلّ للأوّل، ولوتزوّجها بقصد التحليل ولم يشرطه حلت للأوّل بالإجماع ، والطلقتان فى الأمة كالثلاث فى الحرّة لما مرّ . قال ( والزوج الثانى يهدم مادون الثلاث ) وصورته إذا طلق امرأته طلقة أو طلقتين وانقضت عدتها وتزوّجت بزوج آخر ودخل بها ثم طلقها وانقضت عدتها ثم تزوّجها الأوّل عادت إليه بثلاث طلقات ، وهدم الزوج الثانى الطلقة والطلقتين كما هدم الثلاث . وقال محمد وزفر : تعود إلى الأوّل بما بقى من الثلاث فى النكاح الأوّل ، لأن الزوج الثانى إنما يثبت الحلّ إذا انتهى، والحلّ لم ينته لأنها تحلّ له بالعقد قبله فلا يكون مثبتا له . ولنا أنه وطء من زوج ثان فرفع الحكم المتعلق بالطلاق كما فى الثلاث . قال ( ولو طلقها ثلاثا فقالت : قد انقضت عدتى وتحللت وانقضت عدتى والمدة تحتمله وغلب على ظنه صدقها جاز له أن يتزوّجها) لأنه إن كان أمرا دينيا فقول الواحد فيه مقبول كرواية الأخبار والإخبار عن القبلة وطهارة الماء ، وإن كان معاملة فقول الواحد مقبول فى المعاملات على ما عرف ، وتمامه يعرف فى باب العدّة إن شاء اللّه تعالى . باب الإیلاء وهو فى اللغة : مطلق اليمين ، قال : وإن بدرت منه الألية برّت قليل الألايا حافظ ليمينه - ١٥٢ - إِذَا قالَ: وَاللّهِ لا أَقْرَبُكِ، أَوْ لا أَقْرَبُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ، وكذَلِك لَوْ حَلَفَ بَحَجْ أوْ صَوْمٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلاقٍ، فانْ قَرَبها فى الأرْبَعَة الأشْهُرِ حَنِثَ وَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ وَبَطَلَ الإيلاءُ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَ بها وَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أشْهُرٍ بانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ ؛ وفى الشرع : اليمين على ترك وطء المنكوحة مدّة مخصوصة ، وقيل الحلف على ترك الوطء المكسب للطلاق عند مضىّ أربعة أشهر، فالاسم الشرعى فيه معنى اللغة . وألفاظه صريح وكناية ، فالصريح لايحتاج إلى نية مثل قوله : لا أقربك ، لا أجامعك ، لا أطوْك ، لا أغتسل منك من جنابة ، لاأفتضك إن كانت بكرا . والكناية : لا أمسك ، لا آتيك ، لاأدخل بك ، لا أغشاك ، لا يجمع رأسى ورأسك شىء ، لاأبيت معك على فراش ، لاأضاجعك ، لا أقرب فراشك ونحوه، ولا بدّ فيه من النية. وقال محمد: إذا قال: والله لا يمسّ جلدى جلدك لا يكون موليا لأنه يقدر على جماعها بغير مماسة بأن يلفّ على ذكره حريرة ولأنه يحنث بغير الجماع ، والمولى من يقف حنثه على الجماع خاصة . والأصل أن المولى من لا يمكنه قربان امرأته إلا بشىء يلزمه لأن حرمة الوطء إنما تنتهى بالحنث والحنث موجب للكفارة أو بشىء يلزمه ، ولا يكون الإيلاء إلا بالحلف على ترك الجماع فى الفرج لأن حقها فى الجماع فى الفرج فيتحقق الظلم. قال ( إذا قال: والله لا أقربك ، أو لا أقربك أربعة أشهر فهو مول ) والأصل فيه قوله تعالى - للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر - الآية ، فتكون مدّة الإيلاء أربعة أشهر من غير زيادة ولا نقصان، إذ لو كانت المدّة أقلّ من ذلك أو أكثر لم يكن فى التنصيص على الأربعة فائدة . قال ( وكذلك لو حلف بحجّ أو صوم أو صدقة أو عتق أو طلاق ) مثل أن يقول : إن قربتك فللّه علىّ الحجّ ، أو يقول : فلله علىّ صوم كذا ، أو يجعل الجزاء صدقة ، أو عتق عبد، أو طلاقها أو طلاق غيرها ، لأن اليمين موجودة فى ذلك كله ، لأن اليمين بغير الله تعالى شرط وجزاء ، لأن المقصود منها الحمل أو المنع ، وهذه الأشياء توجب ذلك لما تتضمنه من المشقة ، ولأنه لا يمكنه قربانها إلا بشىء يلزمه، وإذا وجدت اليمين فقد وجدت الإيلاء فدخل تحت التنص" ولو قال : إن قربتك فعلىّ أن أصلى ركعتين أو أغزو لم يكن موليا. وقال محمد : هو مول لأنه يصحّ إيجابها بالنذر كالصوم والصدقة . ولهما أن الصلاة ليست فى حكم اليمين حتى لا يحلف بها عادة فصار كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة ( فان قربها فى الأربعة الأشهر حنث ) لوجود شرطه ( وعليه الكفارة ) لأن الحنث موجب للكفارة ( وبطل الإيلاء) لما بينا أن اليمين تنحلّ بالحنث (وإن لم يقربها ومضت أربعة أشهر بانت بتطليقة ) هذا مذهب عامة الصحابة وتفسير قوله تعالى - فان عزموا الطلاق - أى عزموا الطلاق بالإيلاء - ١٥٣ - فإنْ كانَتِ الْيَمِينُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ فَقَدِ الْحَلَّتْ، وَإنْ كانَتْ مُؤَبِّدَةً فانْ عادَ فَزَوَّجَهَا عادَ الإِيلاءُ عَلَى الوَجْهِ الَّذِى بَيَّنَا، فَانْ وَطِْهَا فِى الأَرْبَعَةِ الأشْهُرِ مِنْ وَقْتِ الََّزَوُّجِ حَنِثَ وَإِلاَّ وَقَعَتْ أُخْرَى، فإنْ عادَ فَتْزَوَّجَها فَكَذَلِك، فانْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ فَلا إِيلاءَ، فانْ وَطِىٌ كَفَّرَ لِلْحِنْثِ؛ وأقَلُّ مُدَّةِ الإِيلاءِ فى الحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَمُدَّةُ إِيلاءِ الأمّةِ شَهْرَانٍ؛ وَإِنْ آلى مِنَ المُطَلَّفَةِ الرَّجْعِيَّةِ فَهُوَ مُولٍ ، وَمَنَ الباثْنَةِ لا ، السابق وهى قراءة ابن مسعود رضى الله عنه ، وعنه وعن ابن عباس رضى الله عنهم : عزم الطلاق أنقضاء الأربعة الأشهر من غير فىء. وقراءة ابن مسعود رضى الله عنه - فان فاءوا فيهنّ - أى فى الأربعة الأشهر ، ولأنه تعالى قال - للذين يؤلون - ثم قال - فان فاءوا، وإن عزموا الطلاق - وهذه الفاء للتقسيم ، فأحد القسمين يكون فى المدّة وهو الفىء ، والآخر بعدها وهو الطلاق كقوله تعالى - وإذا طلقتم النساء - ثم قال - فأمسكوهنّ بمعروف أو سرّحوهنّ - لما ذكر المدّة وجاء بالفاء كان للتقسيم ، وكان الإمساك وهو الرجعة فى المدّة والتسريح وهو البينونة بعدها فكذلك هنا . قال ( فان كانت اليمين أربعة أشهر فقد انحلت ) لانقضاء المدّة ( وإن كانت مؤبدّة ، فان عاد فتزوّجها عاد الإيلاء على الوجه الذى بينا ) لبقاء اليمين ، لأن اليمين لاتنتهى إلا بالحنث أو بمضىّ المدّة المؤقتة، وإنما لم يقع طلاق آخر قبل التزوّج ، لأن الحرمة مضافة إلى البينونة لا إلى الإيلاء فلم يوجد المنع باليمين فاذا تزوّجها ارتفعت الحرمة الثابة بالبينونة وبقيت حرمة الإيلاء ، فوجد منع الحقّ فترتب عليه حكمه ( فان وطئها فى الأربعة الأشهر من وقت التزوّج حنث وإلا وقعت أخرى ) لما بينا ( فان عاد فتزوّجها فكذلك) لما مرّ (فان تزوّجها بعد زوج آخر فلا إيلاء ) معناه: أنه لا يقع الطلاق بمضى المدة لانتهاء ما كان يملكه من الطلاق فى النكاح الأوّل وفيه خلاف زفر وقد تقدم ، إلا أن اليمين باقية لعدم الحنث ( فان وطى كفر للحنث ) قال (وأقلّ مدّة الإيلاء فى الحرّة أربعة أشهر) فلو آ لى أقلّ من أربع أشهر لا يكون موليا ، لقول ابن عباس رضى الله عنهما: لا إيلاء فيما دون أربعة أشهر، ولما مرّ (ومدة إيلاء الأمة شهران ) لما عرف أن الرقّ منصف، وأنها مدة ضربت للبينونة فتتنصف كالعدّة، والآية تناولت الحرائر دون الإماء ، لأن اسم النساء والزوجات عند الإطلاق ينصرف إلى الحرائر دون الإماء لأن معنى الأزواج فى الإماء ناقص ، لأن للمولى أن يستخدمها ولا يبوّها بيت الزوج ، والاسم عند الإطلاق ينصرف إلى الكامل ، فان أعتقت فى مدّة الإيلاء تصير أربعة أشهر كما فى العدّة. قال (وإن آلى من المطلقة الرجعية فهو مول، ومن البائنة لا ) لقيام الزوجية - ١٥٤ - وَإِنْ قالَ: لا أُقْرَبُكِ شَهْرَيْنِ بَعْدَ شَهْرَيْنِ فَهُوّ مُولٍ؛ وَلَوْ قالَ: لا أَقْرَبُكِ سَنَةٌ إِلاَّ يَوْمًا فَلَيْسَ بِمُولٍ (ز) ، وحلّ الوطء فى الأولى على ما بينا دون الثانية ، فكانت الأولى من نسائهم دون الثانية ؛ ولو حلف لايقرب زوجته وأمته ، أو زوجته وأجنبية لا يصير موليا ما لم يقرب الأجنبية أو أمته ، فاذا قربها صار موليا ، لأنه لا يمكنه قربانها بعد ذلك إلا بالكفارة ؛ ولو قال: لهما : لاأقرب إحدا كما لا يكون موليا كما إذا قال لزوجته وأمته : إحدا كما طالق ، فان قرب إحداهما لزمته الكفارة للحنث ؛ ولو قال لهما : لاأقرب واحدة منکما كان موليا من امرأته ، لأن النكرة فى النفى تعمّ ، ولو قرب واحدة منهما حنث ؛ ولو قال: أنت علىّ مثل امرأة فلان ، وقد كان فلان آلى من امرأته ، فان نوى الإيلاء كان موليا وإلا فلا ؛ ولو قال : أنت علىّ كالميتة ونوى اليمين يكون موليا لأنه بمنزلة الكناية ؛ ولو آلى من امرأته ثم قال لأخرى : أشركتك فى إيلاء هذه لا يصير موليا ، بخلاف الطلاق والظهار ، لأنه لو اشتركا فى الإيلاء يتغير حكم الإيلاء وهو لزوم الكفارة بقربان الأولى وحدها ، وإذا صحّ الاشتراك لاتجب الكفارة ما لم يقربهما ، ولا يمكن تغيير اليمين بعد انعقادها، ولا كذلك الطلاق والظهار. وعن الكرخى : لو قال لامرأته: أنت علىّ حرام ، ثم قال لأخرى : أشركتك معها كان موليا منهما ، لأن إثبات الشركة هنا لا يغير موجب اليمين وهو إثبات الحرمة ، فانه لو قال : أنتما علىّ حرام كان موليا من كلّ واحدة منهما على حدة ، ويلزمه بوطء كلّ واحدة كفارة ، بخلاف قوله: والله لاأقربكما لأنه إيلاء لما يلزمه من هتك حرمة الاسم وذلك لا يتحقق إلا بقربانهما؛ وإذا آلى العبد من امرأته فملكته لا يبقى الإيلاء ، فلو باعته أو أعتقته ثم تزوّجها عاد الإيلاء كما إذا حلف بعتق عبده إن وطُها فباعه ثم استردّه عاد الإيلاء؛ ولو قال: إن قربتك فكلّ مملوك أملكه فى المستقبل حرّ فهو مول . وقال أبو يوسف : لایکون مولیا لأنه يمكنه قر بانها من غیر شىء يلزمه بأن يقربها ولا يتملك مملوكا أصلا . ولهما أنه لا يقدر على الامتناع عن جميع أسباب التمليكات كالإرث ، إذ فى الامتناع عن الجميع مشقة ومضرّة ، وعلى هذا لو قال : فكل امرأة أتزوّجها فهى طالق ، وعلى هذا إذا علق وطأها بعتق عبد بعينه ، لأبى يوسف أنه يقدر على وطئها بغير شىء يلزمه بأن يبيعه ثم يطأها . ولهما أنه لا يوصل إلى ذلك إلا بالحنث غالبا أو بالبيع وأنه مشقة أيضا ( وإن قال: لا أقربك شهرين بعد شهرين فهو مول ) لأن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع ؛ ولو سكت ساعة ثم قال : وشهرين بعد الشهرين الأوّلين لا يكون موليا، لأن ابتداء اليمين الثانية حين حلف فقد تخلل بين الأربعة الأشهر وقت ليس موليا فيه فلم توجد مدة الإيلاء. قال ( ولو قال : لا أقربك سنة إلا يوما فليس بمول ) - ١٥٥- وَإِذَا كانَ أحَدُ الزوْجَينِ مَرِيضًا لا يَقْدِرُ عَلى الجِماعِ، أَوْ هُوَ مَجْبُوبٌ، أوْ هِىَ رَتْقَاءُ أوْ صَغِيرَةٌ، أَوْ بَيْسَهُما مَسِيرَةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ مُحْبُوسا لا يَقْدِرُ عليها ، فَقالَ فى مُدَّةِ الإيلاءِ: فِئْتُ إَلْها سَقَطَ الإيلاءُ إنِ اسْتَمَرَّ العُدْرُ مِنْ وَقْتِ الْخِلِفِ إلى آخِرِ المَدَّةِ، فإذَا قَدَرَ عَلَى الجِماعِ بَعْدَ ذلكَ فى المُدَّةِ لَزِمِهُ الفَىْءُ بالجِمَاعِ؛ خلافا لزفر ، وهو يصرف اليوم إلى آخر السنة كالإجارة فصار كما إذا تلفظ به . ولنا أنه يمكنه قربانها من غير شىء يلزمه وذلك فى اليوم المستثنى وهو يوم منكر له أن يجعله أىّ يوم شاء ، فان قربها وقد بقى من السنة أربعة أشهر صار موليا لسقوط الاستثناء بخلاف الإجارة لأنه يصرف إلى آخر السنة تصحيحا لها لأنها لا تصحّ مع التنكير. فصل ( وإذا كان أحد الزوجين مريضا لايقدر على الجماع ، أو هو مجبوب ، أو هى رتقاء ، أو صغيرة ، أو بينهما مسيرة أربعة أشهر ، أو محبوسا لايقدر عليها ، فقال فى مدّة الإيلاء: فئت إليها سقط الإيلاء إن استمرّ العذر من وقت الحلف إلى آخر المدّة ) روى ذلك عن ابن مسعود رضى الله عنه . اعلم أن الفيء عبارة عن الرجوع، يقال : فاءْ الظلّ : إذا رجع ، ولما قصد المولى باليمين منع حقها من الوطء سمى الرجوع عنه فيئا ، قال تعالى - فان فاءوا - أى رجعوا عن قصدهم ، والفىء نوعان بالجماع والقول عند عدمه؛ فالفىء بالجماع يبطل الإيلاء فى حقّ الطلاق والحنث جميعا ، والفىء باللسان بدل عن الفىء بالجماع فى إبطال الطلاق دون الحنث حتى لو قربها بعد ذلك لزمته الكفارة ؛ والبدل إنما يعتبر حالة العجز عن الأصل فيعتبر لعجز عن الجماع مستداما من وقت الإيلاج إلى تمام المدّة ، حتى لوقدر على الجماع فى بعض المدّة ففيوه الجماع لاغير ، لأنه لما قدر عليه ولم يفعله فالتقصير جاء من قبله فلا يعتبر عاجزا ، روى ذلك عن علىّ وابن عباس وابن مسعود وجماعة من التابعين رضى اللّه عنهم. وصفة الفىء أن يقول: فئت إليك أو رجعت إليك. وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يقول : اشهدوا أنى قد فئت إلى امرأتى وأبطلت إيلاءها ، وهذه الشهادة احتياطا احترازا عن التجاحد لاشرطا ، وهذا لأنه أوحشها بالكلام بذكر المنع فيرضيها بالرجوع عنه حقيقة بالوطء ، فاذا لم يقدر عليه يرضيها بغاية ما يقدر عليه وهو الوعد باللسان فيرتفع الظلم ( فاذا قدر على الجماع بعد ذلك فى المدّة لزمه الفىء بالجماع ) لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالحلف ؛ ولو آلى من امرأته وبينهما أقلّ من أربعة أشهر إلا أنه يمنعه - ١٥٦ - وَإِنْ قالَ الاِمْرَأْتِهِ: أَنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ، فإنْ أَرَادَ الكَذِبَ صُدِّقَ، وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَوَاحِدَةٌ بائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى الثَّلاثَ فَثَلاثٌ، وَإِنْ أَرَادَ الظَّهَارَ فَظِهارٌ(م) وَإِنْ أَرَادَ التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا فَهُوَ إِيلاءٌ. باب الخلع وَهُوَ أنْ تَفْتَدِىّ المَرأةُ نَفْسَهَا بِمَالٍ لِيَخْلَعَهَا بِهِ، فَاذَا فَعَلاَ لَزِمَها المَالُ وَوَفَعَتْ تَطْليقَةٌ بائنَةٌ ، السلطان أو العدوّ أو كان أحدهما محرما واستمرّ الإحرام أربعة أشهر لا يصحّ فيوه إلا بالجماع لأنه قادر عليه .. وقال زفر : فى الإحرام فيوه القول ، لأن المنع من جهة الشرع وهو الحرمة فكان عذرا . قلنا الحرمة حقّ الشرع، والوطء حقها، وحقّ العبد مقدّم على حقّ الشرع بأمره. قال (وإن قال لامرأته: أنت علىّ حرام فان أراد الكذب صدق ) لأنه حقيقة كلامه ، وقيل لايصدق لأنه يمين ظاهرا ( وإن أراد الطلاق فواحدة بائنة ) لأنه من الكنايات ( وإن نوى الثلاث فثلاث) وقد مرّ (وإن أراد الظهار فظهار ) لأن فى الظهار نوع حرمة وقد نواه بالمطلق فيصدق لأنه من باب المجاز . وقال محمد : لا يكون ظهارا لعدم التشبيه بالمحرّمة ( وإن أراد التحريم أو لم يرد شيئا فهو إيلاء) لأن تحريم الحلال يمين هذا هو الأصل وموضعه كتاب الأيمان ، والمتأخرون من أصحابنا صرفوا لفظة التحريم إلى الطلاق حتى قالوا يقع بغير نية ، وألحقوه بالصريح لكثرة الاستعمال فيه والعرف . باب الخلع وهو فى اللغة : القلع والإزالة ، قال تعالى - فاخلع نعليك ـ ومنه خلع القميص إذا أزاله عنه ، وخلع الخلافة : إذا تركها وأزال عنه كلفها وأحكامها . وفى الشرع : إزالة الزوجية بما تعطيه من المال ، وهو فى إزالة الزوجية بضمّ الخاء ، وإزالة غيرها بفتحها ، كما اختصّ إزالة قيد النكاح بالطلاق وفى غيره بالإطلاق. قال (وهو أن تفتدى المرأة نفسها بمال ليخلعها به ، فاذا فعلا لزمها المال ووقعت تطليقة بائنة ) والأصل فى جوازه قوله تعالى - فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به - وإنما تقع تطليقة بائنة لقوله عليه الصلاة والسلام ((الخلع تطليقة بائنة)) ولأنه كناية فيقع به بائنا لما مرّ ولا يحتاج إلى نية، إما لدلالة الحال، أو لأنها ما رضيت ببذل المال إلا تملك نفسها وتخرج من نكاحه ، وذلك بالبينونة وهو مذهب عمر وعثمان وعلىّ وابن مسعود رضى الله عنهم ؛ والخلع من جانبه تعليق الطلاق بقبولها فلا يصحّ رجوعه عنها ، ولا يبطل بقيامه من المجلس - ١٥٧ - وَيُكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا إنْ كانَ هُوَ النَّاشِزَ، وَإِنْ كانَتْ هِىَ النَّاشِزَة" كُرِهَ لَهُ أنْ يَأْخُذَ أكْتَثْرَ مِمَّا أعْطاها، وَإنْ أَخَذَ مِنْها أكْثُرَ مِمَّا أعْطاها حَلَّ لَهُ؛ وكَذَلِكَ إِنْ طَلَّفَهَا عَلَى مالٍ فَقَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بائِنا وَيَلْزَمُهَا الْمَالُ بالْتَزَامها، وَمَا صَلَحَ مَهْرًا صَلَحَ بَدلاً فى الْخُلْعِ، فإذَا بَطَلَ البَدَلُ فى الخُلْعِ كانَ بائنا وفِى الطَّلَاقِ يَكُونُ رَجْعْيًّا؛ ويصحّ مع غيبتها ، فاذا بلغها كان لها خيار القبول فى مجلس علمها ، ويجوز تعليقه بالشرط والإضافة إلى الوقت كقوله : إذا قدم فلان أو إذا جاء فلان فقد خالعتك على ألف يصحّ ، والقبول إليها إذا قدم فلان أو جاء غد ، والخلع من جانبها تمليك بعوض كالبيع فيصح رجوعها قبل قبوله ويبطل بقيامها من المجلس ، ولا يتوقف حال غيبته ، ولا يجوز التعليق منها بشرط ولا الإضافة إلى وقت ؛ ولو خالعها بألف على أنه بالخيار ثلاثة أيام فالخيار باطل ، وإن قال على أنها بالخيار فكذلك عندهما لأن الخلع طلاق ويمين ولا خيار فيهما . وعند أبى حنيفة الخيار لها صحيح ، فإن ردّته فى الثلاث بطل الخلع ، لأن الخلع طلاق من جانبه تمليك من جانبها فيجوز الخيار لها دونه . قال ( ويكره أن يأخذ منها شيئا إن كان هو الناشز) قال تعالى - وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهنّ قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا - فحملناه على الكراهية عملا بالنصّ الأوّل ، وقيل هى نهى تربيخ لاتحريم ( وإن كانت هى الناشزة كره له أن يأخذ أكثر مما أعطاها) لما روى ((أن جميلة بنت عبد اللّه بن أبىّ ابن سلول ، وقيل حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللّه لاأنا ولا هو ، فأرسل رسول اللّه إلى ثابت ، فقال: قد أعطيتها حديقة ، فقال لها : أتردّين عليه حديقته وتملكين أمرك ؟ فقالت نعم وزيادة ، قال : أما الزيادة فلا ، فقال عليه الصلاة والسلام : يا ثابت خذ منها ما أعطيتها ولا تزدد وخلّ سبيلها ، ففعل وأخذ الحديقة ، فنزل قوله تعالى - ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئا - إلى قوله - فلا جناح عليهما فيما افتدت به - )) ( وإن أخذ منها أكثر مما أعطاها حلّ له ) بمطلق الآية . قال ( وكذلك إن طلقها على مال فقبلت وقع الطلاق بائنا ) لما قلنا ( ويلزمها المال بالتزامها ) ولأنه ما رضى بالطلاق إلا ليسلم له المال المسمى ، وقد ورد الشرع به فيلزمها . قال ( وما صلح مهرا صلح بدلا فى الخلع ) لأن البضع حال الدخول متقوّم دون حال الخروج ، فإذا صلح بدلا للمتقوّم فلأن يصلح لغير المتقوّم أولى . قال ( فاذا بطل البدل فى الخلع كان بائنا ، وفى الطلاق يكون رجعيا ) وذلك مثل أن يخالعها على خمر أو خنزير أو ميتة ونحوه ؛ أما وقوع الطلاق فلأنه علقه بقبولها وقد وجد ؛ وأما البينونة فى الخلع فلأنه كناية ، والرجعىّ فى الطلاق - ١٥٨ - وَإِنْ قالَتْ: خالِعْنِىِ على ما فِى يَدِى وَلَيْسَ فِى يَدِ هَا شَىْءٌ فَلا شَىْءَ عَلْها ؛ وَلَوْ قالَتْ: عَلى ما فِي يَدِى مِنْ مالٍ، أَوْ عَلى ما فِى بَيِْى مِنْ مَتَاعٍ وَلَا شَىْءٌ فى يَدِها وَلا مَتَاعَ فِى بَيِْهَا رَدَّتْ عَلَيْهِ مَهْرَها؛ وَلَوْ خَلَعَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ عَلى ما لِهَا لا يَكْزَمُهَا شَىْءٌ، وفِىِ الكَبِيرَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُوْلِهَا، وَلَوْ ضَمِنَ المَالَ لَزِمَهُ فِىِ المَسأَلَتَلْنِ؛ لأنه صريح ولا يجب للزوج عليها شىء ، لأن البضع لاقيمة له عند الخروج وهى ما سمت له مالا فيغترّ به ، ولأنه لاسبيل إلى المسمى للإسلام ولا إلى غيره لعدم الالتزام ، بخلاف النكاح ، لأن البضع متقوّم حالة الدخول ، ومهر المثل كالمسمى شرعا ، وبخلاف ما إذا خالعها على هذا الدنَ من الخلّ فإذا هو خمر لأنها سمت له مالا فاغترّ به ، وبخلاف العتق والكتابة على خمر حيث تجب قيمة العبد لأنه ملك متقوّم وما رضى بخروجه بغير عوض ، ولا كذلك البضع حالة الخروج على ما بينا ؛ ولو خلعها على عبد فاذا هو حرّ رجع بالمهر . وعند أبى يوسف بقيمته لو كان عبدا ؛ ولو خلعها على ثوب ولم يسمّ جنسه ، أو على دابة فله المهر ، وفى العبد الوسط كما فى المهر ، وكذا على ثوب هروى فطلع مرويا يرجع بهروى وسط ، ولو خلعها على دراهم معينة فإذا هى ستوقة رجع بالجياد ، ولا يردّ بدل الخلع إلا بعيب فاحش كما فى المهر ؛ ولو خلعها بغير مال وقال لم أنو الطلاق صدق لأنه كناية ، ولا يصدّق إذا كان على مال، لأن البدل لا يجب إلا بالبينونة ( وإن قالت : خالعنى على ما فى يدى وليس فى يدها شىء فلا شىء عليها ) وكذا لو قالت : على ما فى بيتى ولا شىء فى بيتها لأنها لم تسمّ المال لم تغرّه ( ولو قالت: على ما فى يدى من مال، أو على ما فى بيتى من متاع ولا شىء فى يدها ولا متاع فى بيتها ردّت عليه مهرها) والأصل فى ذلك أنه متى أطمعته فى مال متقوّم فلم يسلم له لفقده وعدمه رجع عليها بالمهر لأنها غرّته حيث أطمعته فى مال ، والمغرور يرجع على الغارّ بالمبدل ، فاذا فات المشروط المطمع فيه زال ملكه مجانا فيلزمها أداء المبدل وهو ملك البضع ، وقد عجزت عن ردّه فيلزمه ردّ قيمته وهو المهر ؛ ولو خالعها بما لها عليه من المهر ولم يبق لها عليه شىء من المهر لزمها ردّ المهر، وإن علم الزوج أن لامهر ها عليه ولا متاع ها فى البيت لا يلزمها شىء؛ ولو قالت : على ما فى يدى من دراهم أو من الدراهم ولا شىء فى يدها لزمها ثلاثة دراهم لأنها سمت الدراهم وأقلّ الجمع ثلاثة . قال ( ولو خلع ابنته الصغيرة على مالها لا يلزمها شىء ) لأنه لانظر لها فيه ، إذ البدل متقوّم والمبدل لاقيمة له على ما بينا ( وفى الكبيرة يتوقف على قبولها ) لأنه لاولاية له عليها فصار كالفضولى ( ولو ضمن المال لزمه فى المسألتين ) لأن شرط بدل لخلع على الأجنبى جائز فعلى الأب أولى ؛ ولو اختلعت الصغيرة نفسها على صداقها وقع - ١٥٩ - وَلَوْ قالَتْ: طَلَقْنِى ثَلاثا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَعَلْها ثُلُثُ الأَلْفِ، وَلَوْ عالَتْ عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَلاشَىْءَ عَلْها (سم) وَهِىَءَرَجْعِيَّةٌ؛ وَلَوْ قال لَا: طَلَقِى نَفْسَكِ ثَلاثا بِأَلْفٍ أوْ عَلى ألْفٍ فَطَلَّقَتْ وَاحدَةٌ لَمْ يَقَعْ شَىْءٌ؛ وَلَوْ قَالَ لَهَا: أنْتِ طالقٌ وَعَلَيْكِ ألْفٌ فَقَبَلَتْ طَلُقَتْ وَلَا شَىْءَ عَلْيها (سم)، الطلاق لأنه علقه بقبولها ، ولا يسقط الصداق لأنها ليست من أهل الالتزام لما فيه من الضر. ولو خلعها أبوها على صداقها لايسقط ، ثم إن قبلت الصغيرة الخلع وقع الطلاق ، وإن قبل الأب فيه روايتان : فى رواية لايقع لأنه كالأجنبى إذا لم يضف البدل إلى نفسه ، ويحتمل أن الخلع مضرّة بها فلا يقوم قبوله مقام قبولها . وفى رواية يقع لأنه نفع محض بالخلاص عن عهدته فصار كقبول الهبة ، ولو ضمن الأب الصداق رجع الزوج عليه وإلا فلا ، وكذلك الأجنبى لأنه متى ضمن البدل فالخلع يتمّ بقبوله لا بقبولها لأنه يجب البدل عليه بالتزامه من ملكه ولا يجب عليه إلا إذا وقع العقد معه . قال ( ولو قالت : طلقى ثلاثا بألف فطلقها واحدة فعليها ثلث الألف ، ولو قالت : على ألف فطلقها واحدة فلا شىء عليها وهى رجعية ) وقالا : هما سواء لأن على كالباء فى المعاوضات ، لأن قوله احمل هذا بدرهم وعلى درهم سواء. ولأبى حنيفة أن حرف الباء للمعارضة وهى تصحب الأعواض فينقسم العوض على المعوّض ، وإذا وجب المال كانت بائنة ، أما على فانها للشرط قال تعالى - يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا - أى بهذا الشرط، وكذا لو قال: أنت طالق على أن تدخلى الدار كان شرطا ، والمشروط لا ينقسم على أجزاء الشرط ، لأن وجوب الألف صار معلقا بالتطليق ثلاثا فلا يلزم قبله ، لأن المعلق عدم قبل وجود الشرط ، وإذا لم يجب المال فقد طلقها بصريح الطلاق فكانت رجعية ( ولو قال لها : طلقى نفسك ثلاثا بألف أو على ألف فطلقت واحدة لم يقع شىء ) لأنه ما رضى بالبينونة إلا ليسلم له جميع الألف بخلاف المسألة الأولى لأنها لما رضيت بالبينونة بالألف فلأن ترضى ببعضها كان أولى ( ولو قال لها : أنت طالق وعليك ألف فقبلت طلقت ولا شىء عليها ) وكذلك إن لم تقبل ، وقالا : إن قبلت فعليها الألف، وإلا لاشىء عليها ، لأن هذا الكلام يستعمل للمعاوضة ، يقال : اعمل هذا ولك درهم كقوله بدرهم ، وله أن قوله وعليك ألف لا ارتباط له بما قبله ، إذ الأصل ذلك ولا دلالة على الارتباط ، لأن الطلاق يوجد بدون المال ، بخلاف البيع والإجارة فانهما لا ينفكان عن وجوب المال ؛ ولو قال لعبده : أنت حرّ وعليك ألف فعلى الخلاف ؛ ولو قالت له : اخلعنى على ألف فقال مجيبا لها : أنت طالق كان كقوله خلعتك ؛ ولو قال : بعت منك طلاقك بمهرك ، فقالت : طلقت نفسى بانت منه بمهرها بمنزلة قولها اشتريت ؛ ولو قال : بَعت منك تطليقة ، فقالت - ١٦٠ - وَالْمُبارأةُ كالخُلْعِ بُسْقِطَانِ كُلَّ (سم) حَقّ لِكُلْ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَلْنِ عَلى الآخَرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بالنِّكاحِ حَّى لَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ قَبَضَتِ المَهْرَ لا يَرْجِعُ عَلْها بِشَىْءٍ وَيُعْتَبَرُ خُلْعُ المَرِيضَةِ منَ الثُّلُثِ. اشتريت تقع واحدة رجعية مجانا لأنه صريح . قال ( والمبارأة كالخلع يسقطان كلّ حقّ لكلّ واحد من الزوجين على الآخر مما يتعلق بالنكاح حتى لو كان قبل الدخول وقد قبضت المهر لا يرجع عليها بشىء) ولو لم تقبض شيئا لا ترجع عليه بشىء ؛ ولو خالعها على مال آخر لزمها وسقط الصداق . وقال محمد : لا يسقط فيهما إلا ما سمياه وأبو يوسف معه فى الخلع ومع شيخه فى المباراة . لمحمد أنه تعذّر العمل بحقيقة اللفظين على ما يأتى فجعلا كناية عن الطلاق على مال فلا يجب إلا ما سمياه . ولأبى يوسف أن المباراة مفاعلة من البراءة وقضيتها البراءة من الجانبين مطلقا ، إلا أنا اقتصرنا على ما وقعت المباراة لأجله وهو حقوق النكاح . أما الخلع فيقتضى الانخلاع ، وقد حصل الانخلاع من النكاح فلا حاجة إلى حقوقه . ولأبى حنيفة أن الخلع عبارة عن الانخلاع والانتزاع على مامر فى أوّل الباب ، والمبارأة كما قال أبو يوسف تقتضى الانخلاع والبراءة من الجانبين ، ونفس النكاح لا يحتمل الانخلاع والبراءة ، وحقوقه تقبل ذلك فتقع البراءة عنها ليحصل ما هو المقصود من الخلع وهو انقطاع المشاجرة بين الزوجين ، أو نقول يعمل باطلاقهما فى النكاح وأحكامه وحقوقه بدلالة العوض ، ولو وقع الخلع بلفظ البيع والشراء فالأصحّ أنه يوجب البراءة عند أبى حنيفة ولو اختلعا ولم يذكرا المهرولا بدلا آخر فالصحيح أنه يسقط ما بقى من المهر وما قبضته فهو لها ، وإن ذكرا نفقة العدّة سقطت وإلا فلا لأنها لم تجب بعد ، ولا تقع البراءة عن نفقة الولد وهى مئونة الرضاع إلا بالشرط لأنها لم تجب لها ، فان شرط البراءة منها فى الخلع ووقتا بأن قال إلى سنة أو سنتين سقطت ، فان مات الولد قبل تمام المدّة رجع عليها بما بقى من أجر مثل الرضاع إلى تمام المدّة ، والحيلة لعدم الرجوع أن يقول : خالعتك على كذا ، أو على نفقة الولد إلى سنتين ، فان مات فى بعض المدّة فلا رجوع لى عليك . قال ( ويعتبر خلع المريضة من الثلث ) لأنه لاقيمة للبضع عند الخروج ، وليس من الحوائج الأصلية فكان كالوصية ، وهذا إذا ماتت بعد العدّة أو قبل الدخول ؛ فأما إذا ماتت وهى فى العدة فللزوج الأقلّ من الميراث، ومن المهرإن كان يخرج من الثلث، وإن لم يخرج فله الأقل من ميراثها ومن الثلث . فصل إذا اختلام المكاتبة لزمها المال بعد العتق لأنه تبرّع ، وسواء كان باذن المولى أو بغير