النص المفهرس

صفحات 61-80

- ٦١ -
فإنْ نَقَصَ بالزّرَاعَةِ يَضْمَنُ النُّقْصَانَ، وَيَأْخُذُ رأسَ مالِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ،
وكَذَا الْمُودَعُ وَالْمُسْتَعِيرُ إِذَا تَصَرَّفَا وَرَ بِحَا تَصَدَّفَا بِالفَضْل (س) ،
فى المالك لا يوجب الضمان كما لو منعه عن حفظ ماله حتى هلك، ولأن مالا يجب القطع.
بسرقته لا يتعلق به ضمان الغصب كالحرّ . وأما إذا هدم البناء وحفر الأرض فيضمن لأنه
وجد منه النقل والتحويل وأنه إتلاف ، ويضمن بالإتلاف مالا يضمن بالغصب كالحرّ ،
وما انهدم بسكناه فقد تلف بفعله ؛ والعقار يضمن بالاتلاف وإن لم يضمن بالغصب ولأنه
تصرف فى العين ( فان نقص بالزراعة يضمن النقصان ) لما مرّ ( ويأخذ رأس ماله ويتصدق
بالفضل ) معناه يأخذ من الزرع ما أخرج عليه من البذر وغيره ويتصدق بالفضل ( وكذا
المودع والمستعير إذا تصرفا وربحا تصدّقابالفضل) وقال أبو يوسف: يطيب له الفضل لأنه
حصل فى ضمانه لملكه الأصل ظاهرا ، فان المضمونات تملك بأداء الضمان مستندا على ما تقدم
ولهما أنه حصل بسبب خبيث وهو التصرّف فى ملك الغير ، والفرع يحصل على صفة
الأصل ، والملك الخبيث سبيله التصدق به ، ولو صرفه فى حاجة نفسه جاز ، ثم إن كان
غنيا تصدّق بمثله ، وإن كان فقيرا لايتصدق ؛ ولو لقى المالك الغاصب فیغیر بلد الغصب
فطالبه بالمغصوب فان كان دراهم أو دنانير دفعها إليه لأنها ثمن فى جميع البلاد ، وإن كانت
عينا وهى قائمة فى يده أمر بتسليمها إليه إن كانت قيمتها فى الموضعين سواء لأنه لاضرر
فيه على المالك ، وإن كانت قيمته أقل من بلد الغصب فان شاء أخذه ، وإن شاء طالبه
بالقيمة ، وإن شاء صبر ليأخذه فى بلده لأن نقصان السعر بنقله فيخير المالك ، بخلاف
تغير السعر فى بلد الغصب لأنه لا بصنعه بل بقلة الرغبات ، وإن لم يكن فى يده وقيمته
أقلّ فالمالك إن شاء أخذ مثله إن كان مثليا أو قيمته ببلد الغصب أو يصبر ليأخذ مثله
فى بلده ؛ وإن كانت قيمته هنا أكثر فالغاصب إن شاء أعطاه مثله أو قيمته ، لأنه هو
الذى يتضرّر بالدفع ؛ وإن كانت القيمة سواء فللمالك أن يطالب بالمثل لأنه لاضرر على
أحد ، ولو تعيب فى يد الغاصب رده مع قيمة النقصان فيقوّم صحيحا ويقوم وبه عيب
فيضمن ذلك ، هذا فى غير الربويات لأن للجودة قيمة فيها. فأما الربويات إن شاء أخذه
بعيبه وإن شاء ضمنه قيمته صحيحا من غير جنسه وتركه ، لأن الجودة لا قيمة لها عند
المقابلة بالجنس على ماعرف وآنية الصفر والرصاص إن بيعت وزنا من الربويات وعددا
لا . ولو غصب عنبا فصار زبيبا ، أو عصيرا فصار خلا ، أو رطبا فصار تمرا فالمالك إن
شاء أخذ عينه ، وإن شاء ضمنه مثله ؛ ولو غصب عبدا أو جارية صغيرة فكبر أخذه
ولاشى للغاصبمن النفقة قال عليهالصلاةوالسلام((من وجدعینماله فهو أحق به » و لوكان شابا
فصار شيخا ، أو شابة فصارت عجوزا ضمن النقصان ، والشلل والعرج وذهاب السمع
والبصر ونسيان الحرفة والقرآن والسرقة والإباق والجنون والزنا عيب يوجب النقصان

- ٦٢ -
وَإِذَا تَغَيِّرَ الْمَغْصُوبُ بِفِعْلِ الغاصِبِ حَّى زَالَ اسْمُهُ وَأَكَْبْرُ مَنَافِعِه مَلَكَّهَ
وَضَمِنَهُ، وَذلكَ كَذَبْحِ الشَّةِ وَطَبْخِها أَوْ شَهِيُها أَوْ تَقْطِعِها، وَطَحْنِ
الحِنْطَةِ أَوْ زَرْعِها، وَخَبْزِ الدَّقِيقِ، وَجَعْلِ الحَدِيدِ سَيْفًا وَالصُّفْرِ آنِيَةً ،
وَلبِناءِ عَلَى السََّجَةِ، وَاللَّين حائِطا، وَعَصْرِ الزَّيْتُونِ وَالعِنَّبِ وَغَزْلِ القُطْنِ
وَنَسْجِ الغَزْلِ، وَلا بَنْتَفِعُ بِهِ حتى يُؤَدّىَ بَدَلَهُ (ز)، وَلَوْ غَصَبَ تِبْرًا
فَضَرَبَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ آنِيَةٌ لَمْ يَمْلِكْهُ (سم)، وَمَنْ خَرَقَ ثَوْبَ غْرِهِ
فَأَبْطَلَ عامَّةَ مَنْفَعَتِهِ ضَمِنْهُ ،
إن حدثت عند الغاصب ضمنها . قال ( وإذا تغير المغصوب بفعل الغاصب حتى زال
اسمه وأكثر منافعه ملكه وضمنه ، وذلك كذبح الشاة وطبخها أو شيها أو تقطيعها ، وطحن
الحنطة أو زرعها ، وخبز الدقيق ، وجعل الحديد سيفا والصفرآنية والبناء على الساجة ،
واللبن حائطا ، وعصر الزيتون والعنب ، وغزل القطن ونسج الغزل ) والوجه فيه أنه
استهلكها من وجه لفوات معظم المقاصد وتبدل الاسم ، وحقه فى الصنعة قائم من كل وجه
فترجح على ما فات من وجه ؛ بخلاف ما إذا ذبح شاة وسلخها لأن الاسم باق ( ولا ينتفع
به حتى يؤدى بدله) لقوله عليه الصلاة والسلام فى الشاة المذبوحة المصلية بغير رضا صاحبها
(«أطعموها الأسارى (فيه دليل على زوال ملك المالك وحرمة الإنتفاع قبل الإرضاء،
ولأن إباحة الانتفاع قبل الإرضاء فتح باب الغصب ، ويجوز بيعه وهبته مع الحرمة كالبيع
الفاسد ، فإذا أدّى بدله أو أبرأه المالك جاز له الانتفاع به لأنه صار راضيا بالإبراء
وأخذ البدل ، والقياس أن يجوز له الإنتفاع قبل الأداء ، وهو قول زفر وهو رواية عن
أبى حنيفة ، لأنه ثبت له الملك فيجوز له الإنتفاع ولهذا جاز بيعه وهبته . وعن أبى يوسف
أنه يزول ملك المالك عنه لكنه يباع فى دينه وبعد الموت هو أحقّ به من باقى الغرماء ،
ووجه آخر فى الساجة واللبن أن ضرر المالك صار منجبرا بالقيمة ، وضرر الغاصب بالهدم
لاينجبر فكان ما قلناه رعاية للجانبين فكان أولى ؛ ولو غصب خيطا فخاط به بطن عبده
أو أمته أو لوحا فأدخله فى سفينة انقطع ملك المالك إلى الضمان بالإجماع ( ولو غصب
تبرا فضربه دراهم أو دنانير أو آنية لم يملكه) فيأخذها المالك ولا شىء للغاصب ، وقالا :
يملكها الغاصب وعليه مثلها لما تقدم أنه استهلاك بصنعه من وجه لأن بالکسر فات بعض
المقاصد ولأبى حنيفة أن العين باقية من كل وجه نظرا إلى بقاء الاسم والثمنية والوزن
وجريان الربا فيه والصنع فيها غير متقومة لما بينا أنها لا قيمة لها عند المقابلة بالجنس. قال
(ومن خرق ثوب غيره فأبطل عامة منفعته ضمنه ) لأنه استهلكه معنى كما إذا أحرقه ، فاذا
ضمنه جميع القيمة ترك الثوب الغاصب لئلا يجتمع البدلان فى ملك واحد وإن أمسك الثوب

- ٦٣ -
وَمَنْ ذَبَحَ شاةَ غْرِهِ أَوْ قَطَعَ يَدَها، فانْ شاءَ المَالِك ضَمَّنَّهُ نُتْصَانْهَا
وأخَذَها، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهَا وَضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا، وَفى غيرِ مأكُولِ اللَّحْمِ يَضْمَنُ
قِيمَها بِقَطْعِ الطَّرِفِ، وَمَنْ بَنى فى أرْض ◌َغْرِهِ أَوْ غَرَسَ لَزِمَهُ قَلْعُهُما
وَرَدُّهَا، وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ أَوْ سَوِيقا، فَلَتَّهُ بِسَمْنَ فِالمَالِكُ
إنْ شاءَ أَخَذَهُما وَرَدَّ زِيادَةَ الصَّبْغِ وَالسَِّيقِ، وَإنْ شاءَ أَخَذَ قِيمَةَ الثَّوْب
أبْيَضَ
ضمنه النقصان لبقاء العين وبعض المنافع ، وإن كان خرقا قليلا يضمن نقصانه لما أنه
لم يفوّت شيئا بل عيبه . واختلفوا فى العيب الفاحش ، قيل هو أن يوجب نقصان ربع القيمة
فما زاد ، وقيل ما ينتقص به نصف القيمة ، والصحيح ما يفوت به بعض المنافع (١) ،
واليسير ما لايفوت به شىء من المنفعة بل يدخله نقصان العيب . قال ( ومن ذبح شاة غيره
أو قطع يدها ، فان شاء المالك ضمنه نقصانها وأخذها ، وإن شاء سلمه وضمنه قيمتها )
لأنه إتلاف من وجه لتفويت بعض المنافع من اللبن والنسل وغيرهما وبقاء البعض وهو
الأكل فثبت له الخيار كما فى الثوب فى الخرق الفاحش . قال ( وفى غير مأكول اللحم
يضمن قيمتها بقطع الطرف ) لأنه استهلكها من كلّ وجه ، ولو غصب دابة فقطع رجلها
ضمن قيمتها . وروى هشام إن أخذها المالك لاشىء له وإن شاء تركها وأخذ القيمة عند
أبى حنيفة كما فى الجثة العمياء خلافا لهما ؛ وإن قلع عين الدابة فعليه ربع القيمة استحسانا
وقيمة النقصان قياسا . وفى جنايات الحسن عن أبى حنيفة لو فقأ عين برذون أو بغل أو حمار
عليه ربع قيمته ، وكذا كل ما يعمل عليه من البقر والإبل ، وما لا يعمل عليه ما نقص .
وقال فى الجامع الصغير : وفى عين بقر الجزار وجزوره ربع القيمة ، وفى عين شاة القصاب
ما نقصها ، والحمل والطير والدجاجة والكلب ما نقصه . وقال أبو يوسف : عليه ما نقصه
فى جميع البهائم اعتبارا بالشاة. ولنا ما روى أنه عليه الصلاة والسلام ((قضى فى عين الدابة
بربع القيمة )) وكذا قضى عمر رضى الله عنه، ولأنها تصلح للحمل والركوب والعمل ، ولا
تقوم هذه المصالح إلا بأربعة أعين عينيها وعينى المستعمل فصارت كذات أربعة أعين ،
فيجب فى أحدها ربع القيمة كماقلنا فى أحد الأهداب ربع الدية لما كانت أربعة . قال
( ومن بنى فى أرض غيره أو غرس لزمه قلعهما وردّها) على ما بينا فى الإجارات . قال
عليه الصلاة والسلام ((ليس لعرق ظالم حقّ)) ولأنه أشغل ملك الغير فيومر بتفريغه دفعا
للظلم وردًا للحقّ إلى مستحقه . قال ( ومن غصب ثوبا فصبغه أحمر أو سويقا فلته بسمن
فالمالك إن شاء أخذهما وردّ زيادة الصبغ والسويق ، وإن شاء أخذ قيمة الثوب أبيض
(١) بأن كان يصلح للقباء قبله وبعده لايصلح له ويصلح للقميص اه ابن فرشته .

- ٦٤ -
وَمِثْلَ السَِّيقِ وَسَلَّمَهُما.
فصل
زَوَائِدُ الغَصْبِ أمانَةٌ، مُتَّصِلَةً كَانَتْ أوْ مُنْفَصِلَةً، وَيَضْمَُها بالتَّعَدَى
أوْ بالمَنْعِ بَعْدَ الطََّبِ، وَمَا نَقَصَتِ الجَارِيّةُ بالولادَةِ مَضْمُونٌ وُتَجْبَرُ بِوَلَدِها
وَبَالْغُرَّةِ؛ وَمَنَافِعُ الغَصْبِ غْرُ مَضْمُونَةِ اسْتَوْفاها أوْ عَطَّلَها،
ومثل السويق وسلمهما ) لأن فى ذلك رعاية الجانبين على ما تقدم وصاحب الثوب صاحب
الأصل فكان الخيار له . وقال فى الأصل تجب قيمة السويق بناء على أنه يتغير بالقلى فلم يصر
مثليا وسماه ههنا مثليا لقيام القيمة مقامه والألوان كلها سواء . وقال أبو حنيفة : السواد
نقصان ، قبل هو اختلاف عصر وزمان ، وقيل إن نقصه السواد فهو نقصان .
فصل
(زوائد الغصب أمانة متصلة كانت ) كالسمن والجمال والحسن ( أو منفصلة ) كالولد
والعقر والثمرة والصوف واللبن لأن الغصب لم يردّ عليها لأنه إزالة يد المالك باثبات يده
ولم يوجد فلا يضمن ، لأن ضمان الغصب ولا غصب محال . قال ( ويضمنها بالتعدى )
بأن أتلفه أو أكله أو ذبحه أو باعه وسلمه ( أو بالمنع يعد الطلب ) لأن الملك ثابت للغير
وقد تعدى فيه فيضمنه لما مرّ ، وإن طلب المتصلة لا يضمن بالبيع لأن الطلب غير صحيح
لعدم إمكان ردّ الزوائد بدون الأصل ، وقالا : يضمنها بالبيع والتسليم كالمنفصلة.
ولأبى حنيفة أن سبب الضمان إخراج المحلّ من أن يكون منتفعا به فى حقّ المالك ولم يوجد
هنا لأن الزيادة المتصلة ما كان منتفعا بها فى حقّ المالك لعدم يده عليها فلا يجب الضمان ولو
زادت قيمتها فعليه قيمتها يوم الغصب لاغير لأنه سبب الضمان على ما تقدم . قال ( وما نقصت
الجارية بالولادة مضمون) لفوات بعضها ( ويجبر بولدها وبالغرّة ) لانعدام النقصان حكما
ولأن العلوق أو الولادة سبب للزيادة والنقصان فلا يوجب الضمان كما إذا سقطت سنها ثم
نيتت أو هزلت ثم سمنت أو ردّ أرش اليد فانه ينجبر به نقص القطع كذا هنا وصار كثمن
. المبيع ، وإن لم يكن بالولد وفاء انجبر بقدره وضمن الباقى ، والغرّة كالولد لأنها قائمة
مقامه لوجوبها بدلا عنه ، ولو ماتت وبالولد وفاء بقيمتها لاشىء عليه هو الصحيح ، لأنه
لما ضمنها يوم الغصب ملكها من ذلك الوقت فتبين أن النقصان حصل على ملكه فلا حاجة
إلى الجابر . قال ( ومنافع الغصب غير مضمونة استوفاها أو عطلها ) أو استغل لعدم ورود
الغصب عليها ولا مماثلة بينها وبين الأعيان لبقاء الأعيان وهى لا تبقى زمانين ولأنها غير متقومة،

- ٦٥ -
وَمَنِ اسْتَهْلَكَ خْرَ الذِّىّ أَوْ خِْزِيرَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلَوْ كانا ◌ِمُسْلِيمٍ
فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ؛ وَيَجِبُ فِى كَسْرِ الْمَعَازِفِ قِيمَُها (سم) لِيَغْرِ اللَّهْوِ.
وإنما تقوّمت بالإجارة ضرورة ورود العقد عليها ولم يوجد ويضمن ما نقص باستعماله
لاستهلا که بعض أجزائه. قال ( ومن استهلك خمر الذمى أو خنزيره فعليه قيمته ، ولو كانا
لمسلم فلا شيء عليه) لقوله عليه الصلاة والسلام ((اتركوهم وما يدينون)) وإنهم يدينون
بماليتهما ، فان الخمر والخنزير عندهم كالخلّ والشاة ، بل هما من أنفس الأموال عندهم.
وقال عليه الصلاة والسلام ((إذا قبلوها)): يعنى الجزية ((فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم
ما على المسلمين)) وللمسلمين التضمين باتلاف ما يعتقدونه مالا ، فكذا يكون الذمى ،
بخلاف المسلم لأنهما ليسا مالا فى حقه أصلا ، وحرمة بدلهما عليه كحرمتهما ، والخمر وإن
كان مثليا فالمسلم ممنوع عن تملكه فوجبت القيمة، أما الربا فحرام عندهم وهو مستثنى عن
عقد الذمة . قال ( ويجب فى كسر المعازف قيمتها لغير اللهو ) وسواء كانت لمسلم أو ذمى
كالبربط والطبل والدفّ والمزمار والجنك والعود ونحوها . ويجوز بيعها . وقالا : لا يضمن
ولا يجوز بيعها لأنها أعدت للمعاصى فلا تضمن كالخمر ، ومتلفها يتأوّل فيها النهى عن
المنكر وأنه مأمور به شرعا فلا يضمن كإذن القاضى وبل أولى . ولأبى حنيفة أنها أموال
صالحة للانتفاع فى جهة مباحة وتصلح لما يحلّ فيضمن ، والفساد بفعل فاعل مختار
فلا يسقط التقوّم وجواز البيع لأنهما بناء على المالية وصار كالجارية المغنية ، وتجب قيمتها
لغير اللهو كالجارية المغنية والكبش النطوح والحمامة الطيارة والديك المقاتل والعبد الخصىّ،
فانه تجب قيمتها غير صالحة لهذه الأمور كذا هذا . ولو أحرق بابا منحوتا عليه تماثيل
منقوشة ضمن قيمته غير منقوش ، لأن نقش التماثيل حرام غير متقوّم ، وإن كان مقطوع
الرأس يضمن قيمته منقوشا لأنه غير حرام ، والتماثيل على البساط غير محرّم فيجب قيمته
منقوشا . ولوغصب ثوبا فكساه للمالك ، أو طعاما فقدمه بين يديه فأكله وهو لا يعلم به
برئ من الضمان لأنه أعاد الشىء إلى يده وقد تمكن من التصرف فيه حقيقة فيبرأ بالنصّ ،
وهو قوله عليه الصلاة والسلام ((على اليد ما أخذت حتى تردّ)) ولو جاء الغاصب بقيمة
المغصوب إلى المالك فلم يقبلها أجبره الحاكم على قبولها ، فان وضعها فى حجره برئُ ،
وإن وضعها بين يديه لايبرأ ، بخلاف ما إذا وضع المغصوب أو الوديعة بين يديه حيث يبرأ
لأن الواجب فيه ردّ العين وأنه يتحقق بالتخلية، والواجب فى الدين القبض لتتحقق المعاوضة
والمقاصة والقبض لا يحصل بالتخلية . وروى ابن سماعة عن محمد: للقاضى أن يأخذ المال
من الغاصب والسارق إذا كان المالك غائبا ويحفظه عليه ، فإن ضاع فجاء المالك فله أن
يضمن الغاصب والسارق ولا يبرأ بأخذ القاضى ، لأن للقاضى التصرّف فى مال الغائب فيما
٥ - الاختيار - ثالث

- ٦٦-
كتاب إحياء الموات
المَوَاتُ: مالا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الأَرَاضِى، وَلَيْسَ مِلْكَ مُسْلِمٍ وَلا ذِمِىّ ،
وَهُوَ بَعِيدٌ مِنَ العُمْرَانِ، إِذَا وَقَفَ إِنْسانٌ بِطَرَفِ العُمْرَانِ وَنَادَى بِأَعْلَى.
صَوْتِهِ لا يُسْمَعُ، مَنْ أَحْيَاه باذنِ الإمامِ (سم) مَلَكَهُ مُسْلِما كان أوْ ذِمِيّاً،
يؤدى إلى حفظه لافيما يرجع إلى إبراء حقوقه . ولو حلّ دابة رجل أو قيد عبده ، أو فتح
قفصه وفيه طيور لم يضمن لأنه تخلل بين فعله والتلف فعل فاعل مختار ، وهو ذهاب الدابة
والعبد وطيران الطير، واختيارهم صحيح وتركه منهم متصوّر ، والاختيار لا ينعدم بانعدام
العقل ؛ ألا ترى أن المجنون يضمن مايتلفه وإن كان معدوم العقل ، فيضاف التلف إلى
المباشرة دون السبب كالحافر والدافع ، ولو حلّ فم زقّ وفيه دهن فسال ضمن لأنه
تسبب لتلفه بازالة الممسك ، فلم يتخلل بينه وبين التلف فعل فاعل مختار ؛ ولو كان جامدا
فشقه فذاب بالشمس ثم سال لم يضمن لأن الجامد يستمسك بنفسه لا بالزق ، فلم يكن
الشقّ إتلافا وإنما صارمائعا بالشمس لا بفعله. ذهبت دابة رجل ليلا أو نهارا بغير إرسال
صاحبها فأفسدت زرع رجل لاضمان عليه ، لأنها ذهبت باختيارها وفعلها هدر . قال عليه
الصلاة والسلام (( العجماء جبار)) وإن أرسلها ضمن . رجل وجد فى زرعه أو داره دابة
فأخرجها فهلكت أو أكلها الذئب لم يضمن نصّ عليه محمد فى المنتقى ، قالوا : والصحيح
إن أخرجها ولم يسقها لم يضمن لأن له ولاية الإخراج ، وإن ساقها بعد الإخراج ضمن .
رجل أدخل دابة فی دار رجل فأخر جها صاحب الدار فهلکت لایضمن . وإن وضع ثوبا
فى داره فرمى به فضاع ضمن لأن الثوب لا يضرّ الدار وكان الإخراج إتلافا، والدابة تضرّ
بالدار فلم يكن إتلافا .
كتاب إحياء الموات
( الموات : ما لا ينتفع به من الأراضى ) لانقطاع الماء عنه ، أو لغلبته عليه ، أو كونها
حجرا أو سبخة ونحو ذلك مما يمنع الزراعة ، سميت بذلك لعدم الانتفاع بها كالميت لا ينتفع
به ، فما كان كذلك ( وليس ملك مسلم ولا ذمىّ وهو بعيد عن العمران ، إذا وقف إنسان
بطرف العمران ونادى بأعلى صوته لا يسمع من أحياه بإذن الإمام ملكه مسلما كان أو ذميا)
لأن ما كان قريبا من العمران يرتفق الناس به عادة فيطرحون به البيادر ويرعون فيه
المواشى . وعن محمد أنه يعتبر أن لا يرتفق به أهل القرية وإن كان قريبا ، والمختار هو
الأوّل لتعلق حقهم به حقيقة أو دلالة فلا يكون مواتا ، وكذلك إذا كان محتطبا لهم لا يجوز

- ٦٧ -
وَلا يَجُوزُ إِحْيَاءُ ماقَرُبَ مِنَ العامِرِ، وَمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا ثَلاثَ سِنِينَ فَلَمْ
يَزْرَعْها دَفَعَها الإمامُ إلى غيرِهِ.
إحياؤه لأنه حقهم، ويشترط فى الإحياء إذن الإمام ، وقالا : لا يشترط لقوله عليه الصلاة
والسلام ((من أحيا أرضا ميتة فهى له، وليس لعرق ظالم حقّ)) ولأنه مباح سبقت يده إليه
كالصيد. ولأبى حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام (( ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه))
والمراد به فى المباحات ، إلا أن الحطب والحشيش والماء خصّ عنه بالحديث ، فبقى الباقى
على الأصل ، وحديثهما محمول على الإذن لقوم مخصوصين توفيقا بين الحديثين ، ولأنه
وصل إلى يد المسلمين بالقتال والغلبة فيكون غنيمة ، ولا يحلّ لأحد بدون إذن الإمام
كسائر الغنائم ، والمسلم والذمى سواء ، لأن الإحياء سبب الملك فيستويان فيه كسائر الأسباب؛
ويجب فيها العشر على المسلم والخراج على الذمى لأنه ابتداء وضع ، فيجب على كلّ واحد
ما يليق به ، وإن سقاه بماء الخراج يعتبر بالماء ؛ والإحياء : أن يبنى فيها بناء ، أو يزرع فيها
زرعا، أو يجعل للأرض مسناة (١) ونحو ذلك ، ويكون له موضع البناء والزرع دون
غيره . وقال أبو يوسف : إن عمر أكثر من النصف كان إحياءً لجميعها ، وإن عمر نصفها
له ماعمر دون الباقى . وذكر ابن سماعة عن أبى حنيفة إن حفر فيها بئرا أو ساق إليها ماء
فقد أحياها زرع أو لم يزرع ، ولو شقّ فيها أنهارا لم يكن إحياء إلا أن يجرى فيها ماء
فيكون إحياء ( ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر ) لما بينا ؛ ومن أحيا مواتا ثم أحاط
الإحياء بجوانبه الأربعة على التعاقب فطريق الأوّل فى الأرض من الرابعة لتعينها ، روى
ذلك عن محمد . ومن أحبا مواتا ثم تركها فزرعها آخر ، قيل هى للثانى لأن الأوّل ملك
استغلالها لارقبتها ؛ وقيل هى للأوّل وهو الأصحّ لأنها ملكه بلام الملك فى الحديث . قال
( ومن حجر أرضا ثلاث سنين فلم يزرعها دفعها الإمام إلى غيره ) لأن التحجير ليس
باحياء ، والإمام دفعها لتحصيل المصلحة من العشر والخراج، فاذا لم يحصل دفعها إلى
غيره ليحصل . وسمى تحجيرا لوجهين : أحدهما من الحجر وهو المنع لأنه يمنع غيره عنها :
الثانى أنهم يضعون الأحجار حولها تعليما لحدودها لئلا يشركهم فيها أحد . والتحجير أن
يعلمها بعلامة بأن وضع الحجارة أو غرس حولها أغصانا يابسة أو قلع الحشيش أو أحرق
الشوك ونحوه فانه تحجير ، وهو استيام (٢) وليس باحياء ، ولهذا لو أحياها غيره قبل
ثلاث سنين ملكها لأنه أحياها ، كما يكره السوم على سوم أخيه ، ولو عقد جاز العقد
والتقدير بثلاث سنين مروىّ عن عمر رضى الله عنه فانه قال : من أحيا أرضا ميتة فهى له
(١) المسناة : ما يبنى للسيل ليردّ الماء اهـ مغرب.
(٢) قوله استيام : أى تعليم .

-٦٨ -
وَمَنْ حَقَرَ بِتْرًاً فى مَوَاتٍ فَحَرِيْمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلّ جانِبٍ لِلنَّاضِحِ (سم)
وَالعَطَنِ، فَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفُرَ فى حَرِيمها مُنِعَ، وَحَرِيمُ العَْنِ مِنْ كُلّ"
جانِبٍ كَمُْائَةِ ذِرَاعٍ، وَالقَنَاةُ عِنْدَ خُرُوجِ المَاءِ كالعَسْنِ، وَلَا حَرِيمَ لِلَّهْرِ
الظَّاهِرِ (سم) إِذَا كانَ فى مِلْكِ الغَيْرِ إِلاَّ بِبَيْنَةٍ، وَكَذَا لَوْ حَقَرَهُ فى أرْضٍ
مَوَاتٍ لا حَرِيمَ لَهُ،
ولیس للمحجر بعد ثلاث حقّ . قال ( ومن حفر بئرًا فى موات فحريمها أربعون ذراعا من
كل جانب للناضح والعطن ) عند أبى حنيفة ( فمن أراد أن يحفر فى حريمها منع ) لأن
فى الأراضى الرخوة يتحوّل الماء إلى ما يحفر دونها فيؤدى إلى اختلال حقه ، ولأنه ملك
الحريم ليتمكن من الانتفاع به وذلك يمنعه . وقال أبويوسف ومحمد : إن كانت للناضح
فستون لحديث الزهرى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال (( حريم العين خمسمائة ذراع،
وحريم بثر العطن أربعون ذراعا، وحريم بثر الناضح ستون ذراعا)) ولأنه يحتاج فيها إلى
مير الدابة للاستقاء وقد يطول الرشا وبئر العطن يستقى منها بيده فكانت الحاجة أقل".
ولأبى حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام ((من حفر بئرا فله ما حولها أربعون ذراعا عطنا
لماشيته)) من غير فصل ، ولأن استحقاق الحريم على خلاف القياس لأنه فى غير موضع
الإحياء وهو الحفر، وإنما تركناه فى موضع اتفق الحديثان فيه ، وما اختلفا فيه يبقى على
الأصل ، ويمكنه أن يدير الدابة حول البئر فلا يحتاج إلى زيادة مسير . وقال أبو حنيفة :
جعل فى حديث الزهرى ستين ذراعا حريما لمدّ الحبل لاأنه يملك ما زاد على الأربعين ،
ولواحتاج إلى سبعين يمدّ الحبل إليه ، وكان له مدّ الحبل لاأنه يملكه . وذكر فى النوادر
عن محمد أن حريم بئر الناضح بقدر الحبل سبعون كان أو أكثر ، والعطن : مبرك الإبل
حول الماء ، يقال : عطنت الإبل فهى عاطنة وعواطن إذا سقيت وتركت عند الحياض
لتعاد إلى الشرب؛ والنواضح: الإبل التى تسقى الماء ، والواحد ناضح ، وفى الحديث
((كل ماسقى من الزرع نضحا ففيه نصف العشر)). قال ( وحريم العين من كل جانب
خمسمائة ذراع) لما سبق من الحديث ، ولأن العين تستخرج للزراعة ، ولا بدّ من موضع
حوض يجمع فيه الماء ، وساقية يجرى فيها الماء إلى المزارع فاحتاج إلى مسافة أكثر من
البر. قال (والقناة عند خروج الماء كالعين ) وقبله قيل هو مفوّض إلى رأى الإمام ، لأنه
لابدّ للقناة من الحريم لملقى طينه مالم يظهر، فإذا ظهر فهو كالعين الفوّارة ، يز هو قولهما.
أما على قول أبى حنيفة لاحريم للقناة ما لم يظهر الماء ، لأنه نهر مطوىّ فيعتبر بالنهر الظاهر
( ولا حريم للنهر الظاهر ) عند أبى حنيفة ( إذا كان فى ملك الغير إلا ببينة ، وكذا لو حفره
فى أرض موات لاحريم له ) خلافا لهما . وقال المحققون من مشايخنا: للنهر حريم بقدر

- ٦٩ -
وَلَوْ غَرَس شَجَرَةً فى أرْضِ مَوَاتٍ فَحَرِيمُها مِنْ كُلّ جانِبٍ كَمْسَةُ أَذْرُعٍ،
وَمَا عَدَلَ عَنْهُ الفُرَاتُ وَدَجْلَةُ يُجُوزُ إِحْيَاؤُهُ إِنْلَمْ يُحْتَمَلْ عَوْدُهُ إِلَيْهٍ،
وَإِنِ احْتُمِلَ عَوْدُهُ لاَ يُجُوزُ .
كتاب الشرب
وَهُوَ النَّصِيبُ مِنَ الْمَاءِ، وَقِسْمَةُ المَاءِ بْنَ الشُّركاءِ
ما يحتاج إليه لإلقاء الطين ونحوه بالاتفاق . ثم قال أبو يوسف : حريمه مقدار عرض نصف
النهر من كلّ جانب ، لأن المعتبر الحاجة الغالبة ، وذلك بنقل ترابه إلى حافتيه فيكفى
ما ذكرنا . وقال محمد : عرض جميع النهر من كلّ جانب لأنه قد لا يمكنه إلقاء التراب من
الجانبين فيحتاج إلى إلقائه فى أحدهما فيقدّر فى كل طرف ببطن النهر والحوض على هذا
الاختلاف . لهما أنه لا انتفاع بالنهر والحوض إلا بالحريم لأنه يحتاج إلى المشى فيه لتسييل
الماء ، ولا يكون ذلك عادة فى بطنه وإلى إلقاء الطين وأنه يحرج بنقله ، فوجب أن يكون
له حريم كالبئر . وله أن الحريم على خلاف القياس لما مرّ تركناه فى البر بالحديث ،
ولأن الحاجة فى البئر أكثر لأنه لا يمكن الانتفاع بماء البئر بدون الاستسقاء ولا استسقاء إلا
بالحريم . أما النهر يمكن الانتفاع بمائه بدون الحريم . ثم قال ( ولو غرس شجرة فى أرض
موات فحريمها من كل جانب خمسة أذرع ) ليس لغيره أن يغرس فيه ، لما روى(( أن رجلا
غرس شجرة فى أرض فلاة ، فجاء آخر وأراد أن يغرس شجرة إلى جانب شجرته ، فشكا
الأوّل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر أن يؤخذ من شجرته جريدة فتذرع ، فبلغ
خمسة أذرع، فجعل له صلى اللّه عليه وسلم الحريم من كل جانب خمسة أذرع وأطلق للآخر
فيما وراء ذلك)) هذا الحديث ذكره أبو داود فى سننه، وذكر فى رواية ((سبعة أذرع)).
قال فى المحيط : هذا حديث صحيح يجب العمل به . قال ( وما عدل عنه الفرات ودجلة يجوز
إحياؤه إن لم يحتمل عوده إليه ) لأنه كالموات وهو فى يد الإمام إذا لم يكن حريما لعامر
( وإن احتمل عوده لا يجوز ) لحاجة العامة إليه، واللّه عزّ وجلّ أعلم بالصواب .
كتاب الشرب
( وهو النصيب من الماء) للأراضى وغيرها . قال الله تعالى - لها شرب ولكم شرب
يوم معلوم -. قال (وقسمة الماء بين الشركاء جائزة) وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
والناس يفعلونه فأقرّهم عليه ، وتعامله الناس إلى يومنا من غير نكير ، وهو قسمة باعتبار
الحقّ دون الملك، لأن الماء غير مملوك فى النهر، والقسمة تارة تكون باعتبار الملك،

- ٧٠ -
وَيُوزُ دَعْوَى الشَّرْبِ بَغْيرِ أَرْضٍ، وَيُورَثُ، وَيُوصِ بِمَنْفَعَتِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ
وَلا يُبَاعُ، وَلا يُوهّبُ، وَلا بُتَصَدَّقُ بِهِ، وَلا يَصْلُحُ مَهْرًا، وَلا بَدَلاً
فى الخُلْعِ، وَلا بَدَلاً فى الصُّلْحِ عَنْ دَعْوَى المَالِ وَلا فى القَصَاصِ.
وَالمِياهُ أَنْوَاعٌ: ماءُ البَحْرِ، وَهُوّ عامٌّ لجَمِيعِ الخَلْقِ الإِنْتِفَاعُ بهِ بِالشَّفَةِ
وَسَقْىِ الأَرَاضِى وَشَقَ الْأَنْهَارِ. والأُوْدِيَةُ والأنْهَارُ العظامُ كَجَيْحُونَ وَسَيْحون"
وَالنَّيْلِ وَالفُرَاتٍ وَدَجْلَةَ، فَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِيهِ فِى الشَّفَةِ وَسَقْ الأَرَاضِي
وَنَصْبِ الأَرْحِيّةِ.
وتارة باعتبار الحقّ كقسمة الغنائم. قال ( ويجوز دعوى الشرب بغير أرض ) استحسانا
لجواز أن يكون الشرب حقًا له بدون الأرض بأن اشترى الأرض والشرب ثم باع الأرض
وبقى الشرب أو ورثه ، وقد يملك بالإرث ما لا يملك بالبيع كالقصاص والخمر ؛ وإذا
شهدوا بشرب يوم من النهر لا تقبل إذا لم يقولوا من كم يوم ، ولو ادّعى أرضا على نهر
شربها منه فشهدوا له بالأرض قضى بها وبحصتها من الشرب ، لأن الأرض لاتنفك عن
الشرب ؛ ولو ادّعى الشرب وحده فشهدوا له لا يقضى بشىء من الأرض . قال (ويورث
ويوصى بمنفعته دون رقبته) لأنه حقّ مالى فيجرى فيه الإرث، وجهالة الموصى به لا تمنع
الوصية ، لأن الوصية من أوسع العقود حتى جازت للمعدوم وبالمعدوم ، قال ( ولا يباع
ولا يوهب ، ولا يتصدّق به) للجهالة الفاحشة وعدم تصوّر القبض ، ولأنه ليس بمتقوّم
حتى لوسقی به غيره لايضمن ( ولا يصلح مهرا ) لما بينا ويجب مهر المثل ( ولا بدلا فى
الخلع ) حتى تردّ ما قبضت من المهر (ولا بدلا فى الصلح ) عن دعوى المال (ولا
فى القصاص ) ويسقط القصاص وتجب الدية .
( والمياه أنواع ) الأوّل ( ماء البحر ، وهو عام لجميع الخلق الانتفاع به بالشفة
وسفى الأراضى وشقّ الأنهار) لا يمنع أحد من شىء من ذلك كالانتفاع بالشمس والهواء.
( و) الثانى ( الأودية والأنهار العظام كجيحون وسيحون والنيل والفرات ودجلة ،
فالناس مشتركون فيه فى الشفة وسفى الأراضى ونصب الأرحية ) والدوالى إذا لم يضرّ
بالعامة ، وذلك بأن يحيى مواتا ويشقّ نهرا لسقيها ليس فى ملك أحد لأنه مباح فى الأصل
وغلبة الماء تمنع قهر غيره واستيلاءه عليه ، وإن كان يضرّ بالعامة فليس له ذلك ، لأن
دفع الضرر عنهم واجب ، وذلك بأن يكسر ضفته فيميل الماء إلى جانبها فيغرق الأراضى
والقرى ، وكذا شقّ الساقية للرحى والدالية .
١

- ٧١ -
وَمَا يَجْرِى فِى سَهْرٍ خاصّ لِقَرْيَةٍ فَلِغْرِهِمْ فِيهِ شَرِكَةٌ فى الشَّفَةِ؛ وَمَا أُحْرِزَ
فى حُبّ وَنَحْوٍهٍ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يأخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِهِ وَلَهُ
بَيْعُهُ، وَلَوْ كَانَتِ البِتْرُ أَوِ العَسْنُ أَوِ الَّهْرُ فىْ مِلِكِ رَجُلٍ لَهُ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ
الشَّفَةَ مِنَ الدُّخُولِ فى مِلْكِهِ إنْ كانَ يَجِدُ غيرَهُ بِقُرْبِهِ فِى أَرْضٍ مُبَاحَةٍ ،
فإِنْ لَمْ يَجِدْ فإمَّا أنْ يَتْرُكَهُ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ أَوْ يُخْرِجَ المَاءَ إلَيْهِ، فانْ مَنَعَهُ
وَهُوَ يَخافُ العَطَشَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَطِيَّتِهِ قائَلَهُ بالسِّلاحِ، وفى المُحْرَزِ بالإناءِ
يُقَاتِلُهُ بِغْرِ سِلاحٍ، وَالطَّعامُ حالَةَ المَخْمَصَةِ كالمَاءِ الْمُحْرَزِ بالإناءِ.
(و) الثالث ( ما يجرى فى نهر خاصّ لقرية فلغير هم فيه شركة فى الشفة) وهو الشرب
والسقى الدواب، ولهتم أخذ الماء للوضوء وغسل الثياب والخبز والطبخَ لاغير ، وإن أتى
على الماء کله . روی أنه وردت على أبى حنيفة مسائل من خراسان فدفعها إلى زفر ليكتب
فيها : منها رجل له ماء يجرى إلى مزارعه فيجىء رجل فيسقى إبله ودوابه منه حتى ينفذه
كله هل له ذلك ؟ فكتب زفر : ليس له ذلك ، فعرضها على أبى حنيفة فغلطه وقال :
لصاحب الإبل ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام ((الناس شركاء فى ثلاث)) الحديث ،
والحديث يشمل الشُّربَ والشّربْ، إلا أن الشرب خص" فى النهر الخاص" دفعا للضرر من
أهله ، وبقى حقّ الشفعة للضرورة إما لشدّة الحاجة، أو لأنه لايقدر على استصحاب، الماء
فى كلّ مكان. والبئر والحوض حكمهما حكم النهر الخاص.
(و) الرابع ( ما أحرز فى حبّ ونحوه فليس لأحد أن يأخذ منه شيئا بدون إذن صاحبه
وله بيعه ) لأنه ملكه بالإحراز وصار كالصيد والحشيش إلا أنه لا يقطع فى سرقته لقيام
شبهة الشركة فيه بالحديث . قال ( ولو كانت البئر أو العين أو النهر فى ملك رجل له منع من
يريد الشفة من الدخول فى ملكه إن كان يجد غيره بقربه فى أرض مباحة ، فان لم يجد فاما
أن يتركه يأخذ بنفسه ) بشرط أن لايكسر ضفته ( أو يخرج الماء إليه ، فان منعه وهو
يخاف العطش على نفسه أو مطيته قاتله بالسلاح ) لما روى أن قوما وردوا ماء فسألوا. أهله
أن يدلوهم على البئر فأبوا ، فسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا ، فقالوا لهم : إن أعناقنا
وأعناق مطايانا قد كادت تنقطع فأبوا أن يعطوهم ؛ فذكروا ذلك لعمر رضى الله عنه
فقال : هلا وضعتم فيهم السلاح ؟ ولأنه منع المضطرّ عن حقه ، لأن حقه ثابت فى الشفة
فكان له أن يقاتله بالسلاح ( وفى المحرز بالإناء یقاتله بغير سلاح ) لأنه ملکه بالإحراز حتى
كان له تضمينه ، إلا أنه مأمور أن يدفع إليه قدر حاجته فبالمنع خالف الأمر فيؤدّ به
( والطعام حالة المخمصة كالماء المحرز بالإناء ) فى الإباحة والمقاتلة والضمان لما بينا ،

- ٧٢ -
فصل
كَرْىُ الأَنْهَارِ العِظامِ عَلَى بَيْتِ المَالِ، وَمَا هُوَ تَمْلُوكَ لِلْعَامَّةِ فَكَرْبُهُ
عَلى أهْلِهِ، وَمَنْ أَبِى مَتْهُمْ يُحْبَرَ،
ولو كان النهر أو البئر فى موات قد أحياه فليس له أن يمنع صاحب الشفة من الدخول إذا
كان لا يكسر المسناة ، لأن الموات كان مشتركا والإحياء لحقّ مشترك فلا يقطع حقّ الشفة.
والأصل فى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام ((المسلمون)) وفى رواية ((الناس مشتركون
فى ثلاث: فى الماء والكلأ والنار)) أثبت الشركة فيها للناس كافة ، المسلمون والكفار فيه
سواء فحكم الماء ما ذكرنا . وأما الكلأ إن كان فى أرض مباحة فالناس فيه شركاء
فى الاحتشاش والرعى كاشتراكهم فى ماء البحر ، وإن كان فى أرض مملوكة وقد نبت
بنفسه فهو کالهر فى أرضه لا يمنع عنه و له المنع من الدخول فی ملکه ، وإن لم يجد غيره فعلى
التفصيل الذى ذكرنا فى الماء ، وإن أنبته فى أرضه فهو مملوك له ، والكلأ ما انبسط على
الأرض ولا ساق له كالإذخر ونحوه ؛ أما ماله ساق فهو شجر وهو ملك لصاحب الأرض
لأنه عليه الصلاة والسلام إنما أثبت الشركة فى الكلأ لافى الشجر ، والعوسج من الشجر .
وأما النار فلو أوقد نارا فى مفازة فالجمر ملكه وليس له أن يمنع أحدا من الاستضاءة
والاصطلاء وأن يتخذ منها سراجا ، لأن الجمر من الحطب وأنه ملكه والنور جوهر الجمر ،
ولأنا لو أُطلقنا الناس فى أخذ الجمر لم يبق له ما يصطلى به ولا ما يخبز ويطبخ به ، وإن أوفد
النار فى ملكه فله أن يمنع غيره من الدخول فى ملكه لامن النار كما مرّ فى الماء والكلأ .
فصل
(كرى الأنهار العظام على بيت المال) وهى التى لا تدخل فى المقاسم كسيحون وإخوته
جيحون والنيل ودجلة والفرات وما شابهها ، لأن منفعتها للعامة فيكون فى مالهم ، فإن
لم يكن فى بيت المال شىء أجبر الناس على كريه إذا احتاج إلى الكرى إحياء لحقّ العامة
ودفعا للضرر عنهم ، لكن يخرج الإمام من يطيق العمل ويجعل مثونتهم على المياسير الذين
لايطيقونه ( وما هو مملوك للعامة فكريه على أهله ) لأنّ منفعته لهم ( ومن أبى منهم يجبر )
دفعا للضرر العامّ، وهو ضرر الشركاء بالضرر الخاصّ، كيف وفيه منفعته فلا يعارضه
وإن كان فيه ضرر عام بأن خافوا أن ينشقّ النهر فيخرج الماء إلى طريق المسلمين
وأراضيهم ، فعليهم تحصينه بالحصص ، والنهر المملوك لجماعة مخصوصين فكر يه عليهم ،
ومن أبى منهم قيل يجبر لما مرّ، وقيل لا يجبر لأنّ كلّ واحد من الضررين خاص ،
ويمكن دفعه بالكرى بأمر القاضى ، ثم يرجع على الآزٍ، ولا كذلك الأوّل .

- ٧٣ -
وَمَثُونَةُ الكَرْىِ إِذَا جاوَزَ أَرْضَ رَجُلٍ تُرْفَعُ عَنْهُ (سم)، وَلَيْسَ عَلَى أَهْل
الشَّفَةِ شَىْءٌ مِنَ الكَرْىِ. ◌َهْرٌ لِرَجُلٍ يَجْرِى فِى أَرْضِ غْرِهِ لَيْسَ لِصَاحِبٍ
الأرْضِ مَنْعُهُ. مَهْرٌ بْنَ قَوْمِ اخْتَصَمُوا فى الشِّرْبِ فَهُوَ بْيَهُمْ عَلى قَدْرٍ
أَرَاضِيهِمْ، وَلَيْسَ لِلأعْلَى أنْ يُسْكِرَ حَّى يَسْتَوْقِىَ إِلاَّ بِتَرَاضِيهِمْ،
قال ( ومئونة الكرى إذا جاوز أرض رجل ترفع عنه ) وقالا : الكرى عليهم جميعا من أوله
إلى آخره بحصص الشرب والأراضى لأن الأعلى يحتاج إلى ما وراء أرضه لتسييل ما فضل
من مائه كى لا يغرق أهله . ولأبى حنيفة أنه متى جاوز الكرى أرضه تمكن من سقيها
واندفعت حاجته فلا يلزمه ما بعد ذلك ، حتى لو أمكنه السفى بدون الكرى لا يجب عليه
الكرى وما ذكر من الحاجة يندفع بسده من أعلاء ، وليس على صاحب المسيل عمارته
كمن له على سطح آخر مسيل ماء . وإذا جاوز الكرى أرض رجل هل له أن يفتح الماء ؟
قيل له ذلك لأن الكرى قد انتهى فى حقه ، وقيل لا ، لأنه لايختص بالانتفاع بالماء ،
ولهذا جرت العادة بالكرى من أسفل النهر أو بترك بعضه من أعلاه . قال ( وليس على
أهل الشفة شیء من الکری) لأنها شرکة عامة . قال (نهر لرجل یجری فی أرض غيره ليس
لصاحب الأرض منعه ) لأن صاحب النهر مستعمل له باجراء مائه عملا بالبينة ، وعلى هذا
المصب فى نهر أو على سطح والميزاب والطريق فى دار غيره إلا أنه لا بدّله أن يقول فى الدعوى
مصب ماء الوضوء أو المطر أو غيره لمكان التفاوت . قال ( نهر بين قوم اختصموا
فى الشرب فهو بينهم على قدر أراضيهم ) لأن المقصود من الشرب سفى الأرض فيقدّر
بقدرها ، بخلاف الطريق لأن التطرق إلىالدار الواسعة والضيقة سواء ، ولو كان لبعض
الأراضى ساقية وللبعض دالية ولاشىء للبعض وليس لها شرب معلوم فالشرب بينهم على
قدر أراضيهم التى على حافة النهر ، لأن المقصود من النهر سفى الأرض لا اتخاذ السواقى
والدوالى فيستوى حالهم فيما هو المقصود ، ولأن الأراضى فى الأصل لابدّ لها من شرب ؛
وإن كان لها شرب معروف من غير هذا النهر فلا حق له فى هذا النهر . قال (وليس للأعلى
أن يسكر (١) حتى يستوفى إلا بتراضيهم) لما فيه من إبطال حق الباقين وهو منع المساء عنهم
فى بعض المدة ، ولأنه يحتاج إلى إحداث شىء فى وسط النهر وربما ينكبس ما يحدث فيه
عند السكر ، ورقبته مشتركة بينهم فلا يجوز لكن يشرب بحصته ، فاذا رضوا بذلك جاز
لأن الحقّ لهم، وكذلك لو اصطلحوا على أن يسكر كل واحد فى نوبته جاز لما قلنا. لكن
لا يسكر إلا بلوح أو باب ولا يسكر بالطين والتراب لأنه يكبس النهر وفيه ضرر ، وإن
(١) والسكر: السد. قال فى مختار الصحاح: وسكر النهر : سده .

- ٧٤ -
وَلَيْسَ لِأَحَدَهِمْ أنْ يَشُقَّ مِنْهُ نَهْرًا، أوْ يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحَى أَوْ يَتَّخِذَ
عَلَيْهِ جِسْرًا أوْ يُوَسِّعَ فَهُ، أوْ يَسُوقَ شِرْبَهُ إلى أرْضٍ لَيْسَ لَمَا شِرْبٌ
إلاَّ بِتْرَاضِيهِمْ، وَلَوْ كانَتِالقِسْمَةُ بالكِوَى فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أنْ يَقْسِمَ
بالأيَّامِ، وَلا مُنَاصَفَةٌ، وَلا يَزِيدُ كَوَّةٌ، وَإنْ كانَ لا يَضُرُّ بالباقِينَ.
كتاب المزارعة
وَهِىَ عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَهِىَ جائِزَةٌ عِنْدَ أبِى يُوسُفَ
وُمُحَمَّدٍ ،
لم يسكر باللوح فبالتراب . قال ( وليس لأحدهم أن يشق منه نهرا ، أوينصب عليه رحى ،
أو يتخذ عليه جسرا أو يوسع فمه ، أو يسوة، شربه إلى أرض ليس لها شرب إلا بتراضيهم)
أما شق النهر ونصب الرحى فلأن فيه كسر ضفة النهر وشغل ملك الغير بينياانه ، إلا أن لا تضر
الرحی بالهر ولا بالماء ویکون مكانها له خاص فيجوز ، لأنه تصرف فى ملكه من غير
إضرار بالغير . وأما اتخاذ الجسر فهو كطريق خاص بين قوم والقنطرة كالجسر . وأما
توسعة فمه لأنه يكسر ضفة النهر ويزيد على مقدار حقه . وأما سوق شربه إلى أرض أخرى
فلأنه ربما تقادم العهد فيدعيه ويستدل به على أنه له ، فاذا رضوا بذلك جاز لأنه حقهم .
قال ( ولو كانت القسمة بالكوى فليس لأحدهم أن يقسم بالأيام ، ولا مناصفة ) لأن
الحق ظهر بذلك فيترك على حاله ، إلا أن يتراضيا لأن الحق لهما . قال ( ولا يزيد كوة
وإن كان لايضر بالباقين) لما بينا ، بخلاف النهر الأعظم لأن له أن يشق فيه نهرا مبتدأ
فزيادة الكوة أولى .
كتاب المزارعة
( وهى ) مفاعلة من الزراعة وهى الحرث والفلاحة ، وتسمى مخابرة ، مشتقة من
خيبر (( فإنه صلى الله عليه وسلم دفع خيبر مزارعة)) فسميت المزراعة مخابرة لذلك ، أو من
الخيبر وهو الإكار، أو من الخبرة بالضم: النصيب، أومن الخبار: الأرض اللينة، وتسمى
المحاقلة مشتقة من الحقل وهو الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ سوقه ، ، وقيل الحقل : الأرض
الطيبة الخالصة من شائبة السبخ الصالحة للزراعة وتسميه أهل العراق القراح . وفى الشرع
( عقد على الزرع ببعض الخارج ، وهى جائزة عند أبى يوسف ومحمد) لأن النبي صلى الله
عليه وسلم عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من تمر وزرع ، ولأن الحاجة ماسة إليها
لأن صاحب الأرض قد لايقدر على العمل بنفسه ولا يجد ما يستأجر به والقادر على العمل

- ٧٥ -
وَعِنْدَ أَبِى حَنِيفةَ هِىَ فَاسْدَةٌ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلهِما، وَلا بُدَّ فِيهَا مِنَ
التَّأَفيِيت، ومِنْ صَلاحِيَّةِ الأَرْصِ لِلزّرَاعَةِ، وَمِن مَعَرِفَةٍ مِقْدَارِ البَذْرِ ،
وَمَعْرِفَةٍ جِنْسِهِ، وَنَصِيبِ الآخَرِ، وَالتَّخْلِيَةِ بْنَ الأرْضِ وَالعاملِ، وأن
يَكُونَ الخارِجُ مُشْتَرَ كَا بَيَهُمَا حَّتِى لَوْ شَرَطَا لِأحَدِ هِمَا قُفْزَانَا مَعْلُومَةً،
أُوْ ما عَلَى السََّافِى، أوْ أنْ يأخُذَ رَبُّ البَذْرِ بَذْرَهُ، أوِ الْخَرَاجَ فَسَدَتْ، وَإِنْ
شَرَطَ رَفْعَ العُشْرِ جَازَ ،
لا يجد أرضا ولا من يعمل به ، فدعت الحاجة إلى جوازها دفعا للحاجة كالمضاربة ( وعند
أبى حنيفة هی فاسدة ) لما روی رافع بن خديج قال « نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن أمر كان لنا نافعا ، نهانا إذا كان لأحدنا أرض أن نعطيها ببعض الخارج ثلثه أو نصفه ،
وقال : من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه ، وهذا متأخر عما كانوا يعتقدونه
من الإباحة ويعملونه فاقتضى نسخه . وعن زيد بن ثابت قال «نهانا رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن المخابرة قال : قلت وما المخابرة ؟ قال : أن تأخذ أرضا بثلث أو نصف
أو ربع )) وعن ابن عمر قال : كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى ذكر رافع بن خديج
((أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة)) فتركناه من أجل قوله؛ ولأنه استئجار
بأجرة مجهولة معدومة وذلك مفسد ؛ ولأنه استئجار ببعض ما يحصل من عمله فلا يجوز
كقفيز الطحان ، وحديث خيبر محمول على أنه خراج مقاسمة ، فانه عليه الصلاة والسلام
لما فتح خيبر عنوة ترك خيبر على أهلها بوظيفة وظفها عليهم ، وهى نصف ما يخرج من
نخيلهم وأراضيهم ( والفتوى على قولهما ) لحاجة الناس ، وقد تعامل بها السلف فصارت
شريعة متوارثة وقضية متعارفة . قال الحصيرى : وأبو حنيفة هو الذى فرّع هذه المسائل على
أصوله لعلمه أن الناس لا يأخذون بقوله . قال (ولا بدّ فيها من التأقيت) لأنها تنعقد إجارة
ابتداء وشركة انتهاء ، ولأنها ترد على منفعة الأرض والعامل فلا بدّ من تعيين المدّة
كالإجارة. قال ( ومن صلاحية الأرض للزراعة ) ليحصل المقصود إذ هى المحلّ . قال
( ومن معرفة مقدار البذر ) قطعا للمنازعة ( ومعرفة جنسه) لأنه الأجرة ( ونصيب الآخر )
لأنه يستحقه عوضا بالشرط ، ولا بدّ أن يكون العوض معلوما . قال ( والتخلية بين
الأرض والعامل) لما مرّ فى المضاربة ( وأن يكون الخارج مشتركا بينهما) لما مرّ فى المضاربة
فكلّ شرط يؤدى إلى قطع الشركة يفسدها ( حتى لوشرطا لأحدهما قفزانا معلومة ، أو ما على
السواقى ، أو أن يأخذ ربّ البذر بذره، أو الخراج فسدت ) لأنه يؤدى إلى قطع الشركة ،
وقد مرّ فى المضاربة . قال ( وإن شرط رفع العشر جاز) لأنه لا يؤدى إلى قطع الشركة
لأنه لا بدّ أن يبقى بعده تسعة أعشار فتبقى الشركة فيه، بخلاف الخراج والبذر لأنه قد لا يخرح

- ٧٦-
وَإِذَا كَانَتِ الأَرْضَ وَالبَذْرُ لِوَاحِدٍ، وَالعَمَلُ وَالْبَقَرُ لِآخَرَ، أوْ كانَتِ الأَرْضُ
لِوَاحِدٍ وَالباِفِى لِآخَرَ، أَوْ كانَ العَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ وَالباِقِى لَآخَرَ فَهِىَ صَحِيحَة.
وَإِذَا صَّتِ الْمُزَارَعَةُ فالخارِجُ عَلَى الشَّرْطِ، فإنْ لَمْ يَخْرُجُ شَىْءٍ فَلَا شَىْءَ لِلْعَامِلِ
وَمَا عَذَا هَذِهِ الوُجُوهَ فاسِدَةٌ ،
إلا ذلك القدر أو أقلّ منه ، فيؤدى إلى قطع الشركة فيبطل . قال ( وإذا كانت الأرض
والبذر لواحد والعمل والبقر لآخر ، أو كانت الأرض لواحد والباقى لآخر ، أو كان العمل
من واحد والباقى لآخر فهى صحيحة ) لأنه استئجار للأرض أو للعامل ، أما الأوّل فلأنه
استئجار للعامل والبقر آلة العمل فكانت تابعة له لا يقابلها أجرة كابرة الخياط . وأما الثانى
فهو استئجار الأرض ببعض معلوم فصار كالدراهم المعلومة . وأما الثالث فهو استئجار
للعامل ليعمل بآلة المستعمل كما إذا شرط على الخياط أن يخيط بابرة صاحب الثوب (وإذا
صحت المزارعة فالخارج على الشرط) عملا بالتزامهما، قال عليه الصلاة والسلام ((المؤمنون
عند شروطهم)) ( فان لم يخرج شىء فلا شىء للعامل ) لأنها شركة فى الخارج ولا خارج
وصار كالمضارب إذا لم يربح، وإن كانت إجارة فقد عين الأجرة فلا يستحقّ غيرها ،
بخلاف الفاسدة ، لأن أجر المثل يتعلق بالذمة فلا يفوت بفوات الخارج . قال ( وما عدا
هذه الوجوه فاسدة ) وهى ثلاثة أيضا : وهى أن يكون البقر والآلات من ربّ الأرض
والبذر من العامل ، أو يكون البذر من أحدهما والباقى من الآخر ، أو تكون الأرض من
واحد والبقر من آخر والبذر من آخر والعمل من آخر . أما الأوّل فمذ كور رواية الأصل .
وروى عن أبى يوسف رحمه الله جوازه لأنه استئجار الأرض ببعض الخارج فيجوز ويجعل
البقر تبعا للأرض كما تجعل تبعا للعامل . وجه الظاهر أن منفعة البقر من جنس منفعة العامل
لأن الكلّ عمل فأمكن جعلها تبعا للعامل وليست من جنس منفعة الأرض، لأن منفعة الأرض
قوّة فى طبعها بخلق الله تعالى يحصل بها النماء فلا يمكن جعلها تبعا . وأما الثانى فلأنه شركة
بين البذر والعمل ولم يرد به الشرع. وأما الثالث فلما روى أن أربعة اشتركوا على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أحدهم الأرض ، ومن قبل الآخر البذر ، ومن قبل
الآخر البقر ، ومن قبل الآخر العمل فأبطلها عليه الصلاة والسلام . قال أبو جعفر الطحاوى
رحمه الله فى شرح الآثار : فزرعوا ثم حصدوا ثم أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فجعل
الزرع لصاحب البذر ، وجعل لصاحب العمل أجرا معلوما ، وجعل لصاحب الفدان كل
يوم درهما ، وألغى الأرض فى ذلك . ووجه آخر فاسد أيضا ، وهو أن يكون البذر والبقر
من جانب والعمل والأرض من جانب ، لما مرّ فى الوجه الثانى .
1

- ٧٧ -
وَإِذَا فَسَدَتْ فالْخَارِجُ لِصَاحِبِ البَذْرِ، وَلِلَآخَرِ أَجْرُ عَمَلِهِ أَوْ أجْرُ أَرْضِهِ
لايُزَادُ عَلَى قَدْرِ الْمُسَمَّى (م)، وَلَوْ شَرَطَا التَّْنَ لِرَبّ البَذْرِ صَحَّ، وَإِنْ شَرَطَهُ
لِلَآخَرِ لايَصِحُّ، وَإِنْ عَقَدَاها فامْتَنَعَ صَاحِبُ البَذْرِ كَمْ يُحْبَرْ، وَإِنِ امْتَنَعَ
الآخَرُ أُجْبِرَ إلاَّ أنْ يَكُونَ عُدْرٌ تُفْسَخُ بِهِ الإِجارَةُ فَتُفْسَخُ بِهِ الْمُزَارَعَةُ ،
قال ( وإذا فسدت فالخارج لصاحب البذر ) لأنه نماء ملكه ، والآخر إنما يستحقه بالتسمية
وقد فسدت ( وللآخر أجر عمله ) إن كان البذر من ربّ الأرض ( أو أجر أرضه ) إن
كان البذر من قبل العامل ( لايزاد على قدر المسمى ) لأنه رضى بقدر المسمى . وقال محمد
رحمه الله: تجب بالغة ما بلغ، وقد سبق فى الإجارة . وإذا كان البذر لربّ الأرض
فى المزارعة الفاسدة طاب له جميعه لأنه نماء بذره فى أرضه ، وإن كان من العامل طاب له
قدر بذره وقدر أجر الأرض ، وتصدق بالفضل لأنه حصل من بذره لکن فی أرض
مملوكة للغير بعقد فاسد أوجب خبثا ، فما كان عوض ماله طاب له وتصدّق بالفضل ، و إن
شرطا عملهما جميعا فهى فاسدة ، لأن البذر إن كان من صاحب الأرض وتد شرط عمله
لم توجد التخلية بين الأرض والعامل ، وقد بينا أنها شرط ؛ وإن كان من العامل فالعامل
قد استأجر الأرض ، فاذا شرط عمل صاحبها لم يسلم له ما استأجر فيبطل ، ولو شرطا الخارج
كله لأحدهما والبذر من صاحب الأرض جاز ، فان شرطاه له يكون مستعينا بالعامل ليزرع
أرضه، وإن شرطاه للعامل يكون إجارة للأرض وإقراضا للبذر منه ؛ وإن كان البذر من
العامل فان شرطاه لربّ الأرض فسدت ، والخارج لربّ البذر وعليه مثل أجر الأرض لأنه
يصير مستأجرا للأرض بجميع الخارج وأنه يقطع الشركة ، وإن شرطاه للعامل جاز ويكون
معيرا أرضه منه . قال ( ولو شرطا التبن لربّ البذر صحّ ) معناه بعد شرط الحبّ بينهما لأنه
حكم العقد لأن التبن من البذر ( وإن شرطاه للآخر لايصحّ ) لأنه ربما لا يخرج إلا التبن ،
وهو إنما يستحقه بالشرط ، ولو شرطا الحبّ نصفين ولم يتعرّضا للتبن صحت الشركة
فى المقصود ، والتبن لربّ البذر لأنه نماء بذره ، وقيل بينهما تبعا للحبّ؛ ولو شرطا التبن
لأحدهما والحبّ للآخرفهى فاسدة لأنه ربما يصيبه آفة فلا ينعقد الحب. قال ( وإن عقداها
فامتنع صاحب البذر لم يجبر ) ولا شىء عليه من عمل الكراب فى القضاء ، ويلزمه ديانة
أن يرضيه لأنه غرّه ؛ والأصل فيه أن المزارعة غير لازمة فى حقّ صاحب البذر لأنه لا يمكنه
الوفاء بالعقد إلا باتلاف ماله وهو البذر ، وهى لازمة فى حقّ الآخر ، لأن منفعة العامل
أو منفعة الأرض صارت مستحقة للآخر فيجب عليه تسليمها . قال ( وإن امتنع الآخر
أجبر ) لأن العقد لازم كالإجارة ولا ضرر عليه فى الوفاء به ( إلا أن يكون عذر تفسخ به
الإجارة فتفسخ به المزارعة ) لأنها فى معنى الإجارة ؛ وإذا لزم ربّ الأرض دين واحتاج

-٧٨ -
وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أنْ يُطالِبَهُ بِأُجْوَةِ الكِرَابِ وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ، وأَجْرَةُ الْحَصَادِ
وَالرَّفَاعِ وَالدّيَاسِ وَالتَّدْرِيَةِ عَلْهِما بالحِصَصِ، وَلَوْ شِرَطا ذلكَ عَلَى العامِلِ
لاَ يُجُوزُ؛ وَعَنْ أَبِى يُوسُفَ جَوَازُهُ وَعَلَيْهِ الفَتْوَى؛ وَإِذَا ماتَ أحَدُ المُتْعَاقِدَ يْنِ
بَطَلَتْ ؛
إلى بيعها فيه باعها الحاكم كما فى الإجارة ( وليس للعامل أن يطالبه بأجرة الكراب وحفر
الأنهار ) لأن المنافع إنما تتقوّم بالعقد وإنما قوّمت بالخارج وقد انعدم ؛ ولو نبت الزرع
ولم يحصد لاتباع الأرض حتى يستحصد لما فيه من إبطال حقّ المزارع وتأخير حق رب
الدين أهون ، ولا يحبسه القاضى لأنه ليس بظالم والحبس جزاء الظلم . قال ( وأجرة الحصاد
والرفاع والدياس والتذرية عليهما بالحصص ) لأن العقد انتهى بانتهاء الزرع لحصول
المقصود ، فبقى مالا مشتركا بينهما بغير عقد فتكون مئونته عليهما ؛ فان أنفق أحدهما بغير
إذن الآخر ولا أمر القاضى فهو متبرّع ، إذ لاولاية له عليه ( ولو شرطا ذلك على العامل
لا يجوز) وأصله أنه متى شرط فى المزارغة ما ليس من أعمالها فسدت، لأنه شرط لا يقتضيه
العقد وفيه نفع لأحدهما فصار كاشتراط الحمل عليه ( وعن أبى يوسف جوازه ، وعليه
الفتوى ) للتعامل كالاستصناع ؛ ولو شرطا ذلك على ربّ الأرض لا يجوز بالإجماع لعدم
التعارف ، وإن شرطا ما هو من أعمال الزراعة لايفسدها ، وهو كلّ عمل ينبت ويزيد
فى الخارج ، وما لاينبت ولا يزيد ليس من عملها ، وكلّ شرط ينتفع به ربّ الأرض بعد
انقضاء المدّة يفسدها ، ككرى الأنهار ، وطرح السرقين فى الأرض ، وبناء الحائط ،
وتثنية الكراب ؛ وقيل إن كانت المزارعة سنتين لا تفسد فى التثنية ، لأن منفعته لاتبقى ؛
وقيل إن كان فى الخضرة لاتفسد أيضا ، لأن منفعته لاتبقى بعدها ، فانه لو کرب مرارا
لا تبقی منفعته بسفى واحد ، ولو بقيت فسدت .
واختلفوا فى التثنية ، قيل هو أن يكربها مرّتين وهو المشهور وفيه الكلام ؛ وقيل أن
يكربها بعد الحصاد ويسلم الأرض مكروبة ، وهذا فاسد بكلّ حال ، فكل عمل قبل
الإدراك مما يحصل به الخارج كالحفظ والسفى على العامل ، لأن رأس المال العمل ، وما
بعد الإدراك قبل القسمة عليهما على ما ذكرنا كالحصاد وإخوته ، وما بعد القسمة كالحمل
والطحن عليهما بالإجماع ؛ ولو أراد فصل الزرع قصيلا أو جذاذ الثمرة بسرا أو التقاط
الرطب فهو عليهما ، لأنهما أنهيا العقد بعزمهما فصار كما بعد الإدراك . قال ( وإذا مات
أحد المتعاقدين بطلت) لما مرّ فى الإجارة، ولو مات ربّ الأرض والزرع لم يستحصد
ترك حتى يحصد مراعاة للحقين وينتقض. فيما بقى إن كان العقد على أكثر من سنة ، لأن

- ٧٩ -
وَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُدْرِكِ الزَّرْعُ فَعَلَى الْمُزَارِعِ أَجْرَةُ نَصِيِهِ مِنَ)
الأرْضِ حَتّى يُسْتَحْصَدَ، وَنَفَقَةُ الزَّرْعِ عَلْيهِما حَّى يُسْتَحْصَدَ .
كتاب المساقاة
وَهِىَ كَالْمُزَارَعَةِ فى الخِلافِ والحكِْ وفى الشُّرُوطِ إلاّ المُدَّةَ،
بقاءه فى السنة الأولى لما بينا من العذر ، وقد زال ولا ضرر فيه على العامل لما تقدّم ،
ولو مات بعد ما كرب وحفر انتقضت ، ولا شىء للعامل فى مقابلة عمله ، وقد مرّ .
قال ( وإذا انقضت المدّة ولم يدرك الزرع فعلى المزارع أجرة نصيبه من الأرض حتى
يستحصد) لأن إبقاء الزرع بأجرة المثل نظرا للجانبين . قال (ونفقة الزرع عليهما حتى
يستحصد) لانتهاء العقد فصار عملا فى مال مشترك فيكون عليهما ؛ ولو مات ربّ الأرض
والزرع بقل ، فالعمل على العامل لبقاء العقد ببقاء مدّته .
فصل
ومن سفى أرضه فسال من مائه إلى أرض غيره فغرقها أو نزت إليها فلا ضمان عليه .
معناه : إذا سقاه سقيا معتادا ، أما إذا كان غير معتاد ضمن لأنه متعدّ ، لأنه تسبب لتغريق
أرض الغير غالبا ، ولو كان فى أرضه جحر فأرة فخرج منه الماء إلى أرض جاره فغرقت
إن لم يعلم به لم يضمن لعدم التعدّى ، وإن علم ضمن للتعدّى ، وعلى هذا إذا فتح رأس
نهره فسأل إلى أرض جاره فغرقت إن كان معتادا لايضمن وإلا ضمن ؛ وكذا لو أحرق
الكلا والحصائد فى أرضه فذهبت النار فأحرقت شيئا لغيره إن كان إيقادا معتادا لا يضمن
وإلا ضمن ؛ وقيل إن كان يوم ريح وعلم أن النار تتعدّى ضمن .
كتاب المساقاة
وتسمى معاملة ، مفاعلة من السقى والعمل ، وهى أن يقوم بما يحتاج إليه الشجر من
تلقيح وعسف وتنظيف السواقى وسفى وحراسة وغير ذلك ( وهى كالمزارعة فى الخلاف
والحكم) وقد مرّ . قال ( وفى الشروط إلا المدّة) والقياس أن تذكر المدّة لما فيها من
معنى الإجارة ؛ وفى الاستحسان يجوز وإن لم يبينها ، وتقع على أوّل ثمرة تخرج ، لأن
وقت إدراك الثمرة معلوم والتفاوت فيه قليل ويدخل فيه المتيقن ، بخلاف الزرع فانه يختلف
كثيرا ابتداء وانتهاء ، ربيعا وخريفا وغير ذلك ، وفى الرطبة إدراك بذرها لأن له نهاية
معلومة ، معناه : إذا دفعها بعد ما تناهى نباتها ولم تخرج البذر فيقوم عليها ليحرج الذر ،

- ٨٠ -
وَإِنْ سَّيَا مُدَّةٌ لاَ تَخْرُجُ الثَّمَرَةُ فِى مِثْلِها فَهِىَ فاسِدَةٌ، وَإِنْ دَفَعَ نَخْلا
أوْ أصُولَ رَطْبَةٍ لِيَقُومَ عَلْها وأطْلَقَ لاَ يُجُوزُ فى الرَّطْبَةِ إلَّ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ،
وتَجُوزُ الْمُساقاةُ فى الشَّجَرِ وَالكَرْمِ وَالرّطابِ وأصُولِ الباذِ نجانٍ إذَا كانَتْ تَزِيدُ
بِالسَّقْ وَالعَمَلِ وَتَبْطُلُ بالمَوْتِ.
أما إذا دفعها وقد نبقت ، أو دفع البذر ليبذره فهى فاسدة ؛ وإن كان وقت جزّما معلوما
جاز ، ويقع على الجزّة الأولى كالثمرة فى الشجر ؛ ولو دفع غرس شجر أو كرم قد علق
ولم تبلغ الثمرة على أن يقوم عليه والخارج نصفان فهى فاسدة لجهالة المدة ، فانه يختلف
بقوّة الأرض وضعفها ، ولا يدرى متى تحمل ، فان سميا مدة يعلم أنها تثمر فيه جاز . قال
( وإن سميا مدة لاتخرج الثمرة فى مثلها فهى فاسدة) لفوات المقصود وهى الشركة فى الخارج
وإن شرطا وقتا قد تدرك الثمرة فيه وقد تتأخر عنه فهى موقوفة لأنا لانتيقن بفوات المقصود،
فان أدركت فيه تبين أنها كانت جائزة ، وإن لم تدرك ففاسدة ، وله أجر مثله لفساد العقد ،
وكذلك إن أخرجت فى تلك السنة مالا يرغب فيه ، وإن أحاك فى تلك السنة فلم تخرج
شيئا فهى جائزة ، لأنه متى كان خروج الثمرة موهوما انعقدت موقوفة فلا تنقلب فاسدة .
قال ( وإن دفع نخلا أو أصول رطبة ليقوم عليها وأطلق لا يجوز فى الرطبة إلا بمدة معلومة )
لأنه ليس لها نهاية معلومة ، لأنها تنمو ما تركت فى الأرض فجهلت المدة ، ومعناه إذا
لم يعلم وقت جوازها على ماتقدّم . قال ( وتجوز المساقاة فى الشجر والكرم والرطاب وأصول
الباذنجان) لأن لعمله تأثيرا فى نمائه وجودته لعموم الحاجة فى الكل" ، وأهل خيبر كانوا
يعملون فى الأشجار والرطاب ، وإنما يجوز ذلك (إذا كانت تزيد بالسقفى والعمل ) كالطلع
والبلح والبسر ونحو ذلك حتى يكون لعمله أثر يستحقّ به شيئا من الخارج حتى لودفعها
وقد انتهت الثمرة فى العظم ولا تزيد بعمله لا يجوز، لأنه لاأثر لعمله وهو إنما يستحقّ به،
ومتى فسدت المساقاة فله أجر مثله وقد بيناه ، وعلى هذا الزرع إن دفعه وهو بقل جاز ،
وإن كان قد استحصد لا يجوز . قال ( وتبطل بالموت ) لأنها فى معنى الإجارة وقد مرّ ،
فان مات ربّ الأرض والخارج بسر فللعامل أن يقوم عليه حتى تدرك الثمرة ، وإن أبى
الورثة ذلك دفعا للضرر عنه ولا ضرر عليهم فى ذلك ؛ ولو أراد العامل قطعه وإدخال الضرر
على نفسه فالورثة بالخيار ، إما أن يقسموا البسر على الشرط ، أو يعطوه قيمة نصيبه بسرا ،
أو ينفقوا على البسر ويرجعوا به على العاملى ، لأنه ليس له إلحاق الضرر بهم ، ودفعه متعين
بما ذكرنا وإن مات العامل فلورثته أن يقوموا مقامه ، وإن کره رب الأرض لما ذكرنا
وفيه نظر للجانبين وإن أرادوا قطعه بسرا فلصاحب الأرض الخيارات الثلاث على ما بينا ،
وإن ماتا فورثة كلّ واحد كالمورث ونظيره فى المزارعة إذا مات المزارع وقد نبت الزرع