النص المفهرس
صفحات 41-60
- ٤١ - فى المدينة، وكذلك الصحابة وقفوا ، والخليل صلوات الله عليه وقف وقوفا هى باقية جارية إلى يومنا. وإنما اختلفوا فى كيفية جوازه ، قال أبو حنيفة وزفر : شرط جوازه أن یکون موصى به ، أو يقول : إذا مت فقد وقفتہ حتى لولم یوص به لايصحّ ويبقى على ملكه يجوز بيعه ويورث عنه إلا أن يجيزه الورثة فيصير جائزا ويتأبد ، ولو قضى القاضى بلزومه لزم ونفذ لأنه قضاء فى مجتهد ولم يكن لغيره إبطاله . وقال أبو يوسف ومحمد : لا يشترط لجوازه شىء من ذلك ، وهذا بناء على أن الوقف عندهحبس العين على ملكه عملا بمقتضى قوله وقفت والتصدّق بثمرته وغلته المعدومة على المساكين ، ولا يصحّ التصدّق بالمعدوم إلا بالوصية ، وعندهما هو إزالة العين عن ملكه إلى الله تعالى وجعله محبوسا على حكم ملك الله تعالى على وجه يصل نفعه إلى عباده ، فوجب أن يخرج عن ملكه ويخلص لله تعالى ويصير محرّرا عن التمليك ليستديم نفعه ويستمرّ وقفه للعباد . لهما أن الحاجة ماسة إلى لزوم الوقف ليصل ثوابه إليه على الدوام، وأنه ممكن باسقاط ملكه وجعله لله تعالى کالمسجد فيجعل کذلك . قال النسفى : وکان أبو یوسف یقول بقول أبى حنيفة حتى دخل بغداد فسمع حديث عمر فرجع عنه وقال : لو بلغ هذا أبا حنيفة لرجع إليه ، وهو ما رواه محمد بن الحسن عن صفر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر ((أن عمر رضى الله عنه كان له أرض تدعی ثمغ وکانت نخلا نفیسا ، فقال عمر : یا رسول الله إنی استفدت مالا نفيسا أفأتصدّق به ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدق بأصله لايباع ولا يوهب ولا يورث ، ولكن تنفق ثمرته على المساكين ، فتصدّق به عمر رضى الله عنه فى سبيل الله وفى الرقاب والمساكين وابن السبيل وذوى القربى )) ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف أو يوكل صديقا له غير متأثل . ولأبى حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام ((لا حبس عن فرائض الله)) وعن شريح جاء محمد بديع الحبيس. وعن عبد الله بن زيد (( أنه تصدّق بضيعة له ، فشكاه أبوه إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، فقال له : ارجع فى صدقتك)) ولأن شرائط الواقف تراعى فيه، ولو زال عن ملكه لم تراع كالمسجد ، ولأنه يحتاج إلى التصدّق بالغلة دائما ، ولا ذلك إلا ببقاء العين على ملكه ، ثم عند محمد لصحة الوقف أربعة شرائط : التسليم إلى المتولى ، وأن يكون مفرزا ، وألا يشترط لنفسه شيئا من منافع الوقف ، وأن يكون مؤبدا بأن يجعل آخره للفقراء . لما روى عن عمر وابن عباس ومعاذ رضى الله عنهم أنهم قالوا : لاتجوز الصدقة إلا محوزة مقبوضة ، ولأن التمليك حقيقة من اللّه لا يتصوّر لأنه مالك الأشياء، وإنما يثبت ذلك ضمنا للتسليم إلى العبد كالزكاة ، ولأنه منى كان له شىء من منافع الوقف لم يخلص لله تعالى . وقال أبو يوسف : شىء من ذلك لیس بشرط لأنه إسقاط وصار کالإعتاق ، وأخذ مشایخ خراسان بقول أبی یوسف تر غيبا - ٤٢ - وَلَا يَجُوزُ وَقْفُ الْمُشاعِ (س)، وَإِنْ حُكِمَّ بِهِ جازَ، وَلاَ يُجُوزُ حِّى يَجْعَل آخِرَهُ لِجِهَةٍ لا تَنْقَطِعُ (س) أَبَدًا، وَيَجُوزُ وَقْفُ العَقَارِ، وَلا يُجُوزُ وَقْفُ المَنْقُولِ (س)، وَعَنْ ◌ُحَمَّدٍ جَوَازُ وَقْفِ ما جَرَى فِيهِ التَّعامُلُ كَالْفَأْسِ وَالْقَدُومِ وَالمِنْشَارِ وَالقُدُورِ وَالجِنَازَةِ وَالْمَصَاحِفِ وَالكُتُبِ، للناس فى الوقف . قال الخصاف : ذكر الوقف ذكر التأبيد عند أبى يوسف . وعند محمد لابد من ذكره. قال القاضى أبو عاصم : قول أبى يوسف أقوى لمقاربة بين الوقف والملك إذ فى كلّ واحد منهما معنى التمليك وقول محمد أقرب إلى موافقة الآثار، وبه أخذ مشايخ بخارى . قال ( ولا يجوز وقف المشاع ) عند محمد لما ذكرنا من الأثر ولأن القبض عنده شرط ، ويجوز عند أبى يوسف لأن القسمة من تمام القبض وليس بشرط عنده ( وإن حكم به جاز) بالإجماع لما مرّ، وإن طلب الشريك القسمة بقسم لأنها إفرازوإن كان فيها معنى المبادلة ، إلا أنا غلبنا جهة الإفراز نظرا للوقف ، فان كان الشريك غير الواقف يقاسمه ، لأن الولاية له ، وإن كان هو يقاسمه القاضى لئلا يتولى الطرفين ، ولا يجوز أخذ الدراهم للوقف لأنه يصير بيعا للوقف ، ويجوز أن يعطيه دراهم من الوقف لأنه يصير مشتريا للوقف وما لا يحتمل القسمة يجوز مع الشيوع عند محمد اعتبارا بالصدقة والهبة ، ولا يجوز الشيوع فى المسجد والمقبرة بالإجماع، لأن الشركة تنافى الخلوص الله تعالى والتهايو فيها قبيح بأن يصلى فيه يوما ويسكن يوما ويدفن فيه شهرا ويزرع شهرا ، بخلاف غيرهما من الوقوف لأن الاستغلال ممكن غير مستبشع . قال ( ولا يجوز حتى يجعل آخره الجهة لاتنقطع أبدا ) وقال أبو يوسف : يجوز لأن المقصود التقرّب إلى الله تعالى وأنه يحصل بجهة تنقطع . ولهما أن موجبه زوال الملك بدون التمليك وذلك بالتأبيد كالعتق فاذا لم يتأبد لم يتوفر عليه موجبه ولهذا يبطله التوقيت كما يبطل البيع . ثم قيل التأبيد شرط بالإجماع إلا أن محمدا اشترط ذكره لأنها صدقة بالمنفعة أو بالغلة ، وقد يكون مؤقتا ويكون مؤبدا كما فى الوصية ، ولا يتعين التأبيد إلا بالتنصيص. وعند أبى يوسف لايحتاج إلى ذكره ، لأن ذكر الوقف ينبئ عنه كما ذكره الخصاف . قال ( ويجوز وقف العقار ) لما مرّ من النصوص والآثار (ولا يجوز وقف المنقول ) وقال أبويوسف : إذا وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيده جاز للتبعية وكذلك وقف الدولاب و معه سانيته و عليها حبل و دلو . ولو وقف بيتا فيه کوارة عسل جاز وصار النحل تابعا للعسل . ولو وقف دارا فيها حمام صار الحمام تبعا له ، وهذا لأن من الأحكام ما يثبت تبعا ولا يثبت مقصودا كالشرب فى بيع الأرض والبناء فى الشفعة (وعن محمد جواز وقف ماجرى فيه التعامل كالفأس والقدوم (١) والمنشار والقدور والجنازة والمصاحف والكتب) (١) القدوم بالتخفيف . - ٤٣ - بخلافٍ ما لا تَعَامُلَ فِيهِ، وَالفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَيَجُوزُ حَبْس الكُرَاعِ وَالسَّلَاحِ، وَلاَ يُجُوزُ بَيْعُ الوَقْفِ وَلا تَمْلِيكُهُ، وَيَبْدَأُ مِنَ ارْتِفاعٍ الوَقْفِ بِعِمارَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهَا الوَاقِفُ، فإنْ كانَ الوَقْفُ عَلَى غَنِىّ معَمَّرَهُ مِنْ مالِهِ، وَإنْ كانَ عَلَى فُقَرَاءَ فَلا تُقَدَّرُ عَلْهِمْ، فانْ أبى أوْ كانَ فَقِيرًاً آجَرَها القاضِى وَعَمَّرَها بِأُجْرَتِهاُثُمَّ رَدَّها إلى مَنْ لَهُ السُّكَْى، وَمَا انْهَدَمَ مِنْ بِناءِ الوَقْفِ وَآلَتِهِ صُرِفَ فى عِمارَتِهِ ، لوجود التعامل فى هذه الأشياء وبالتعامل - يترك القياس كما فى الاستصناع . قال عليه الصلاة والسلام ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) (بخلاف ما لا تعامل فيه ) كالثياب والأمتعة، لأن من شرط الوقف التأبيد كما بينا تركناه فى السلاح والكراع بالنصّ ، وفيما جرى فيه التعامل بالتعامل فبقى ما وراءه على الأصل ( والفتوى على قول محمد ) لحاجة الناس وتعاملهم بذلك. قال ( ويجوز حبس الكراع والسلاح ) أى وقفه فى سبيل الله، لأن خالد بن الوليد وقف دروعا فى سبيل الله وأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل رجل ناقته فى سبيل الله فأراد آخر أن يحج عليها فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الحجّ من سبيل الله ، وطلحة حبس سلاحه وكراعه فى سبيل الله: أى خيله، والإبل كالخيل لأن العرب تقاتل عليها وتحمل عليها السلاح . قال ( ولا يجوز بيع الوقف ولا تمليكه) لما مرّ من حديث عمر رضى الله عنه، ولأنه يبطل التأبيد والمقصود من الوقف التأبيد . قال ( ويبدأ من ارتفاع الوقف بعمارته وإن لم يشرطها الواقف ) تحصيلا لمقصوده ، فانه قصده وصول الثواب إليه بوصول المنفعة أو الغلة إلى الموقوف عليه على الدوام وذلك ببقاء أصله وإنه بالعمارة فكانت العمارة شرطا لمقتضى الوقف ( فان کان الوقف علی غنی عمره من ماله ) لیکون الغنم بالغرم لأنه معین یمکن مطالبته ( وإن كان على فقراء فلا تقدر عليهم ) وغلة الوقف أقرب أموالهم فیجب فيها ، وإن وقف داره على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى ، لأن الخراج بالضمان كنفقة العبد الموصى بخدمته ( فإن أبى أو كان فقيرا آجرها القاضى وعمرها بأجرتها ثم ردّها إلى من له السكنى ) رعاية للحقين لأنه لو لم يعمرها تفوت السكنى أصلا فيفوت حقهم فى السكنى وحقّ الواقف فى الثواب ، ولا يكره الممتنع عن العمارة لأنه يتلف مال نفسه ، ولا يكون بامتناعه راضيا ببطلان حقه لأنه فى حيز التعارض ثم المستحقّ من العمارة بقدر مايبقى الموقوف على ما كان عليه ، وكذلك لوخرب يبنى كما كان ، لأن بتلك الصفة كانت غلته مصروفة إلى الموقوف علیه فلا حاجة فيه إلى الزيادة ، ومن له السكنی لايجوز إجارته لعدم مالکیته . قال ( وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرف فى عمارته) مثل الآجر والخشب والقار والأحجار ليبقى - ٤٤ - فإنْ اسْتُفْسِىَ عَنْهُ حُبِسَ لِوَقْتِ حاجَتِهِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إِعادَةُ عَيْنِهِ بِيعَ، وَيُصْرَفُ الثَّمَنُ إِلى عِمَارَتِهِ، وَلا بَقْسِمُهُ بْنَ مُسْتَحِقِّى الوَقْفِ؛ وَيَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ الوَاقِفُ غَلَّةَ الوَقْفِ أَوْ بَعْضَها لَهُ وَالولايَةَ إِلَيْهِ، فإنْ كانَ غْرَ مأمُونِ نَزَعَهُ القاضِى مِنْهُ وَوَلَىَّ غْيْرَهُ، وَمَنْ بَنى مَسْجِدًا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ حَّى يُفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ وَيَأْذَنَ بِالصَّلاةِ فِيهِ (س). على التأبيد ( فإن استغنى عنه حبس لوقت حاجته ) فيصرف فيها لأنه لابد من العمارة فيحبسه كيلا يتعذّر عليه وقت الحاجة ( وإن تعذّر إعادة عينه بيع ويصرف الثمن إلى عمارته) صرفا له إلى مصرف الأصل ( ولا يقسمه بين مستحقى الوقف ) لأنّ العين حقّ اللّه تعالى وهذا منها فلا يصرف إليهم غير حقهم . قال ( ويجوز أن يجعل الواقف غلة الوقف أو بعضها له والولاية إليه ) وقد مرّ وجهه والاختلاف فيه ( فإن كان غير مأمون نزعه القاضى منه وولى غيره ) نظرا للفقراء كإخراج الوصىّ نظرا للصغير، وإن شرط أن ليس للقاضى عز له فالشرط باطل لمخالفته حكم الشرع ، وإن مات القيم فى حياة الواقف نصب غيره لأن الولاية له ووصيه بمنزلته ، لأن ولايته للوقف نظرية وهى فيما ذكرنا فإن كان لم يوص إلى أحد فالرأى للقاضى ، ولا يجعل القيم من الأجانب ما دام يجد من أهل بيت الواقف من يصلح لذلك إما لأنه أشفق أو لأن من قصد الواقف نسبة الوقف إليه وذلك فيما ذكرنا ، فان لم يجد فمن الأجانب من يصلح ، فان أقام أجنبيا ثم صار من ولده من يصلح صرفه إليه كما فى حقيقة الملك . أرباب الوقف المعدودون إذا نصبوا متوليا بدون رأى القاضى صحّ إذا كانوا من أهل الصلاح كما إذا اجتمع أهل مسجد على نصب متولّ جاز لأن الحقّ لهم. قال ( ومن بنى مسجدا لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه بطريقه) لأنه لم يخلص اللّه تعالى إلا به . قال (ويأذن بالصلاة فيه ) عند أبى حنيفة ومحمد لأنه تسليم وهو شرط عندهما، وعند أبى يوسف يصير مسجدا بمجرّد قوله جعلته مسجدا ، لأن التسليم ليس بشرط كالإعتاق والفرق لهما أن العبد فى يد نفسه ولا كذلك المسجد ، والتسليم أن يصلى فيه جماعة فى رواية الحسن ، لأن المساجد بنيت للجماعة ، ولو صلى فيه واحد أو جماعة وحدانا فى رواية لايصحّ، وهو قول محمد لما بينا، وفى رواية يصحّ لأنه من خصائص المساجد وبها يتحرّر عن حقوق العباد، قال الله تعالى - وأن المساجد لله - أضافها إلى نفسه إضافة اختصاص كالكعبة ، ولهذا لا يصحّ فيه شرط الخيار ولا تعيينه الإمام ولا من يصلى فيه ، بخلاف غير المساجد حيث بقى مملوكا ينتفع به كسائر المملوكات سكنى وزراعة حتى لولم يخلص المسجد الله تعالى بأن كان تحته سرداب أو فوقه بيت ، أو جعل وسط داره مسجدا وأذن للناس بالدخول والصلاة فيه لا يصير مسجدا ويورث عنه، إلا إذا كان السرداب أو العلو لمصالح ١ - ٤٥ - وَمَنْ بَى سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ خَانًا لِأَبْناءِ السَّبِيلِ أَوْ رِباطاً اوحَوْضًا أوْ حَقَرَ بْرًاً أوْ جَعَلَ أرْضَهُ مَقُْبرَةٌ أَوْ طَرِيقًا لِلنَّاسِ لا يَلْزَمُ ما كَمْ يَحْكُمْ بِهِ حاكِيمٌ أوْ يُعَلَّقْهُ بِمَوْتِهِ، وَالوَقْفُ فى المَرْضِ وَصِيَّةٌ. رِباطٌ اسْتُغْنِىَ عَنْهُ يُصْرَفُ وَقْفُهُ إِلى أَقْرَبِ رِباطٍ إِلَيْهٍ، وَلَوْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَ يِجَنْبِهِ طَرِيقُ العامَّةِ بُوَسَّعُ مِنْهُ الْمَسْجِدُ، وَلَوْ ضَاقَ الطَّرِيقُ وُسُعَ مِنَ الْمَسْجِدِ. المسجد أو كانا وقفا عليه ، وعن محمد أنه لما دخل الرىّ أجاز ذلك بكلّ حال لضيق المنازل . وعن أبى يوسف مثله لما دخل بغداد ؛ ولو خرب ما حول المسجد وتفرّق الناس عنه يعود ملکا ویورث عنه عند محمد خلافا لأبى يوسف . وذكر بعضهم قول أبى حنيفة مع أبى يوسف وبعضهم مع محمد. قال ( ومن بنى سقاية للمسلمين أو خانا لأبناء السبيل أو رباطا أو حوضا أو حفر بئرا أو جعل أرضه مقبرة أو طريقا للناس ) فعند أبى حنيفة (لا يلزم ما لم يحكم به حاكم أو يعلقه بموته) على ما تقدّم من أصله ، لأنه لم ينقطع حقه عنه حتى جاز له أن يستقى ويسكن ويدفن ويشرب من الحوض ، بخلاف المسجد لأنه لم يبق له فيه حقّ . وعند أبى يوسف يلزم بالقول لما تقدّم إذ التسليم ليس بمشروط ، وعند محمد يشترط التسليم ، وهو الاستقاء من السقاية والبئر والدفن فى المقبرة والنزول فى الخان والرباط والشرب من الحوض ويكتفى فيه بفعل الواحد لتعذّر الجنس ، ولو نصب له متول وسلمه إليه جاز لأنه نائب عن الموقوف عليهم ، وكذلك إن سلم المسجد إلى متول يقوم بمصالحه يجوز ، وإن لم يصلّ فيه هو الصحيح، وكذا إن سلمه إلى القاضى أو نائبه ، ويستوى فى ذلك الفقراء والأغنياء عرفالحاجة الكل إلى ذلك . قال ( والوقف فى المرض وصية) لأنه تبرّع فصار كسائر التبرّعات . قال (رباط استغنى عنه يصرف وقفه إلى أقرب رباط إليه) لأنه أصلح. رباط على بابه قنطرة ولا ينتفع بالرباط إلا بالعبور عليها وليس لها وقف يجوز أن تعمر بما فضل من وقف الرباط لأنها مصلحة العامة ( ولو ضاق المسجد وبجنبه طريق العامة يوسع منه المسجد ) لأن كليهما للمسلمين نصّ عليه محمد ( ولو ضاق الطريق وسع من المسجد ) عملا بالأصلح ، ويجوز القضاء بالشهادة القائمة على الوقف من غير دعوى لأنه من حقوق الله تعالى فلا تحتاج إلى مدع وهو مجتهد فيه فينفذ بالإجماع. فصل وقف على الفقراء وله بنت فقيرة صغيرة إن وقف فى صحته يجوز الصرف إليها وفى مرضه لا لأنه بمنزلة الهبة . اشترى القيم ثوبا وأعطى المساكين لا يجوز ، لأن حقهم فى الدراهم . إذا غرس القيم فى المسجد فهو للمسجد كالبناء ، وإن غرس على نهر العامة - ٤٦ - فهو له ، وله أن يرفعه لأنه ليس له ولاية على العامة ؛ ولا يجوز الوقف على الأغنياء وحدهم لأنه ليس بقربة ولا يستجلب الثواب وصار كالصدقة ، ولو وقف على الأغنياء وهم يحصون ثم من بعدهم على الفقراء جاز ، ويكون كما شرط لأنه قربة فى الجملة بأن انفرض الأغنياء . ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة على الفقراء يدخل فقراء قرابته وأولاده ، وصرف الغلة إليهم أولى من صرفها إلى الأجانب لأنه صدقة وصلة ، ثم الصرف إلى ولده أفضل لأن الصلة فى حقه أوجب وأجزل ، ثم إلى قرابته ، ثم إلى مواليه ، ثم إلى جيرانه ثم إلى أهل مصره أقربهم منزلا إلى الواقف ، هكذا ذكره هلال بن يحيى الرازى: وينبغى أن يعطى الكلّ فى بعض الأوقات ، لأنه إذا صرف الكل إليهم دائما وقدم العهد ربما اتخذوه ملكا لأنفسهم ، ويكره أن يعطى كل فقير مائتى درهم لأنها صدقة فأشبهت الزكاة ، ولا يكره ذلك إذا قال على فقراء قرابته لأنه كالوصية ، وإذا وقف على ولده وولد ولده يدخل فيه ولد صلبه وولد ولده الموجودين يوم الوقف وبعده ، ويشترك البطنان فى الغلة ، ولا يدخل من كان أسفل من هذين البطنين لأنه خصهما بالذكر ؛ وفى دخول أولاد البنات روايتان تذكر فى الوصايا إن شاء اللّه تعالى . ولو قال على ولدى وولد ولدى ؛ وأولادهم تدخل البطون كلها وإن سفلوا ، الأقرب والأبعد فيه سواء لأنه ذكر أولادهم على العموم ، ولو قال على أولادى يدخل فيه البطون كلها لعموم اسم الأولاد ، ولكن يقدم البطن الأول فإذا انقرض فالثانى ، ثم من بعدهم يشترك جميع البطون فيه على السواء قريبهم وبعيدهم ، لأن المراد صلة أولاده وبرّهم ، والإنسان يقصد صلة ولده لصلبه لأن خدمته إياه أكثر وهم إليه أقرب فكان عليه استحقاقه أرجح ، ثم النافلة قد يخدمون الجد فكان قصد صلتهم أكثر، ومن عدا هذين قلّ مايدرك الرجل خدمتهم فيكون قصده برّهم وصلتهم لنسبتهم إليه لا لخدمتهم له ، وهم فى النسبة إليه سواء فاستووا فى غلة الاستحقاق . وقف على فقراء قرابته فمن أثبت القرابة والفقر بالبيئة يستحقّ وإلا فلا، والبينة على القرابة إن لم يفسروها لا تقبل الشهادة لتنوع القرابة واختلافها ، كما إذا شهدوا أنه وارث لاتقبل مالم يفسروا جهة الإرث ، والبينة على الفقر لا تسمع ما لم يقل الشهود: إنه فقير معدم لا نعلم له مالا ولا أحدا تلزمه نفقته ، لأن كل من له نفقة على غيره بغير قضاء لا حظ له فى هذا الوقف كالولد الصغير ونحوه لأنهم يأخذون النفقة فيصيرون بها أغنياء ، ومن لا يستحق النفقة إلا بقضاء كالإخوة ونحوهم له حظ فى هذا الوقف ، والقضاء بفقره فى الوقف لا يكون قضاء بفقره فى حق الدين ، والقضاء لفقره فى حق الدين قضاء بفقره فى حق الوقف ، لأن من له مسكن وخادم وعروض الكفاية فقير فى حقّ الوقف دون الدين ، ولو قال على أقرب قرابتى فبنت، ١ - ٤٧ - بنت البنت أولى من الأخت لأبوين لأنها من صلبه والأخت من صلب أبيه ولا يعتبر الإرث. فصل لاتجوز إجارة الوقف أكثر من المدّة التى شرطها الواقف ، لأنه يجب اعتبار شرط الواقف لأنه ملكه أخرجه بشرط معلوم ولا يخرج إلا بشرطه ، فان لم يشرط مدّة فالمتقدمون من أصحابنا قالوا : يجوز إجارته أىّ مدة كانت ، والمتأخرون قالوا : لا يجوز أكثر من سنة لئلا يتخذ ملكا بطول المدة فتندرس سمة الوقفية ويتسم بسمة الملكية لكثرة الظلمة فى زماننا و تغلبهم واستحلالهم ، وقيل بجوز فى الضياع ثلاث سنين وفى غير الضياع سنة وهو المختار، لأنه لا يرغب فى الضياع أقلّ من ذلك ، ولا تجوز إجارته إلا بأجر المثل دفعا للضرر عن الفقراء ، فلو آجره ثلاث سنين بأجرة المثل ثم ازدادت لكثرة الرغبات لاتنقض الإجارة ، لأن المعتبر أجر المثل يوم العقد ، وليس للموقوف علیه إجارة الوقف إلا أن يكون وليا من جهة الواقف أو نائبا عن القاضى ، وإذا آجره القاضى أو نائبه أو الولىّ لاتنفسخ الإجارة بموته ، لأنه كالوكيل عن الموقوف عليهم ، والعقود لاتنفسخ بموت الوكيل ، ولو سكنه الموقوف علیه إن شرط الواقف السكنی له فله ذلك ، وإن شرط الغلة له ، قيل ليس له ذلك ، وقيل له لأن له أن يسكنها غيره بالإجارة فهو أولى ، والأحوط أن يؤجرها القيم من غيره ويعطيه الأجرة ، ولا يجوز إعارة الوقف وإسكانه لأن فيه إبطال حقّ الفقراء؛ ولا يصحّ رهنه فان سكنه المرتهن يجب عليه أجر مثله ، وكذا لو باع المتولى منزلا موقوفا فسكنه المشترى ، ثم فسخ البيع فعلى المشترى أجر مثله والفتوى فى غصب عقار الوقف وإتلاف منافعه وجوب الضمان نظرا للوقف وهو المختار ، ولو استدان القيم للخراج والجنايات إن أمره الواقف بذلك جاز ، وإن لم يأمره فالأصحّ أنه إن لم يكن له بدّ من ذلك يرفع الأمر إلى القاضى حتى يأمره بالاستدانة ثم يرجع فى الغلة قيم اشترى من غلة المسجد حانوتا للمسجد يجوز بيعه عند الحاجة لأنه من غلة الوقف وليس بوقف ، لأن صحة الوقف تعتمد الشرائط ولم توجد فيه . رجل وقف على ساكنى مدرسة كذا من طلبة العلم فسكنها متعلم لا يبيت فيها جاز له ذلك إن كان يأوى فى بيت من بيوتها ، وله فيه آلة السكنى لأنه يعدّ ساكنا فيه ، ولو اشتغل بالليل بالحراسة وبالنهار يقصر فى التعليم ، فان كان مشتغلا بعمل آخر لا يعدّ به من طلبة العلم لا يحلّ له ذلك، وإن لم يشتغل وهو يعدّ من طلبة العلم حلّ ؛ ولو وقف على ساكنى مدرسة كذا ولم يقل من طلبة العلم فهو والأوّل سواء لأن التعارف فى ذلك إنما هو طلبة العلم دون غيرهم ، ومن كان يكتب الفقه لنفسه ولا يتعلم فله الوظيفة - ٤٨ - كتاب الهبة وَتَصِحُّ بالإِيجَابِ وَالقَبُوْلِ وَالْقَبْضِ، فإنْ قَبَضَها فى المَجْلِسِ بَغْرِ إِذْنِهٍ جازٌ، وَبَعْدَ الاِفْتِرَاقِ بَفْتَقِرُ إلى إذْنِهِ، لأنه متعلم ، وإن كتب لغيره بأجرة لا يحلّ له ، وإن خرج من المصر مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا لاوظيفة له لأنه لم يبق ساكنا ، وإن خرج ما دون ذلك إلى بعض القرى وأقام خمسة عشر يوما فلا وظيفة له ، فان أقام أقلّ من ذلك فإن كان لابدّ له منه كطلب القوت ونحوه فله الوظيفة، وإن خرج للتنزّه لايحلّ له . كتاب الحبة وهى العطية الخالية عن تقدّم الاستحقاق ، يقال : وهبته ووهبت منه ، قال تعالى - يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور - والاتهاب : قبول الهبة ، ولهذا شرط فيها القبض ، لأن تمام الإعطاء بالدفع والتسليم ، وهو أمر مندوب وصنيع محمود محبوب ،. قال عليه الصلاة والسلام ((تهادوا تحابوا)) وفى رواية ((تهابوا)) وقبولها سنة، فانه صلى اللّه عليه وسلم قبل هدية العبد، وقال فى حديث بريرة ((هو لها صدقة ولنا هــية )) وقال عليه الصلاة والسلام ((ولو أهدى إلىّ طعام لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت )) وإليها الإشارة بقوله تعالى - فان طبنْ لكم عن شىء منه نفسا - أى طابت نفوسهن بشىء من ذلك فوهبنه منكم - فكلوه هنيئا مريئا - وهى نوعان : تمليك، وإسقاط ، وعليها الإجماع . قال ( وتصحّ بالإيجاب والقبول والقبض ) أما الإيجاب والقبول فلأنه عقد تمليك ولا بدّ فيه منهما . وأما القبض فلأن الملك لو ثبت بدونه للزم المتبرّع شىء لم يلتزمه وهو التسليم بخلاف الوصية ، لأنه لا إلزام للميت لعدم الأهلية ولا للوارث لعدم الملك ، ولأن الملك بالتبرّع ضعيف لايلزم ، وملك الواهب كان قويا فلا يلزم بالسبب الضعيف ، وقد روى عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفا ((لاتجوز الهبة والصدقة إلا مقبوضة محوزة)) والمراد الملك لأن الجواز ثابت بدونه إجماعا . قال ( فان قبضها فى المجلس بغير إذنه جاز ، وبعد الافتراق يفتقر إلى إذنه ) والقياس أن لا يجوز فى الوجهين إلا باذنه لأنه تصرّف فى ملك الواهب لبقاء ملكه قبل القبض . وجه الاستحسان أن التمليك بالهبة تسليط على القبض وإذن له فصار الموهوب له مأذونا فى القبض ضمنا للإيجاب واقتضاء، والإيجاب يقتصر على المجلس فكذا ما ثبت ضمنا له وكذلك الصدقة ، بخلاف ما إذا نهاه عن القبض فى المجلس ، لأن الثابت ضمنا لا يعارض الصريح . أو نقول النهى رجوع والقبض كالقبول وأنه يملك الرجوع . ١ ٨٠ - ٤٩ - وَإنْ كانَتْ فِى يَدِهِ مَلَكَهَا بِمُجَرَّدِ الهِبَةِ، وَهِبَةُ الأُبِ لاِبْنِهِ الصَّغِيرِ تَّمَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، وَيَمْلِكُ الصَّغِيرُ الهِبَةَ بِقَبْضٍ وَلِبِّهِ وَأُمَّهِ وَيَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ. وَتَنْعَقِدُ الحِبَةُ بِقَوْلِهِ: وَهَبْتُ وتَحَلْتُ وأعْطَيْتُ وأطْعَمْتُكَ هَذَاَ الطَّعامَ وأعْمَرْتُكَ، وَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إذَا نَوَى الهِبَةَ، وكَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ ، وَهِبَةُ المُشاعِ فِيما لا يُقْسَمُ جائِزَةٌ قبل القبض . قال (وإن كانت فى يده ) كالمودع والمستعير والمستأجر والغاصب ( ملكها بمجرّد الهبة) لأنه إن كان قبضها أمانة فينوب عن الهبة ، وإن كان ضمانا فهو أقوى من قبض الهبة ، والأقوى ينوب عن الأدنى ، ولو وهب من رجل ثوبا فقال قبضته صار قابضا عند أبى حنيفة ، وجعل تمكنه من القبض كالتخلية فى البيع . وقال أبو يوسف : لابدّ من القبض بيده ، ولو قبض الموهوب له الهبة ولم يقل قبلت ضحت الهبة . قال ( وهبة الأب لابنه الصغير تتمّ بمجرّد العقد) لأنها فى يد الأب وهو الذى يقبض له فكان قبضه کقبضه ، و کل من يعوله فى هذا کالأب ، ولو وهب لابنه الكبير وهو فی عیاله فلا بدّ من قبضه ، لأنه لاولاية له عليه فلا يقبض له . قال ( ويملك الصغير الهبة بقبض وليه وأمه وبقبضه بنفسه) معناه : إذا وهبه أجنبيّ فالولىّ كالأب ووصيه والجد ووصيه لقيامهم مقام الأب ؛ وكذا إذا كان فى حجر أجنبىّ يربيه كاللقيط وقد بيناه ، والأم لها ولاية حفظه ، وهذا منه لأنه لابقاء له بدون المال فاحتاجت إلى ولاية التحصيل وهذا منه . وأما قبضه بنفسه فمعناه إذا كان عاقلا لأنه تصرّف نافع وهو من أهله ، ويجوز قبض الزوج لزوجته الصغيرة بعد ما زفت إليه ، لأن الأب فوّض أمرها إليه وذلك بعد الزفاف لاقبله حتى يملكه بحضرة الأب . قال ( وتنعقد الهبة بقوله: وهبت ) لأنه صريح فيه ( ونحلت ) لكثرة استعمالها فيه ، قال عليه الصلاة والسلام ((أكلّ ولدك نحلته هكذا)) ( وأعطيت ) صريح أيضا ( وأطعمتك هذا الطعام ) لأن الإطعام صريح فى الهبة إذا أضيف إلى المطعوم لأنه لا يطعمه إلا بالأكل ولا أكل إلا بالملك، ولو قال: أطعمتك هذه الأرض فهو عارية لأنها لاتطعم ( وأعمرتك) هذا الشىء وجعلت هذه الدار لك عمرى ، قال عليه الصلاة والسلام ((من أعمر عمرى فهى للمعمر له ولورثته من بعده)) ( وحملتك على هذه الدابة إذا نوى الحبة) لأن المراد به الإركاب حقيقة ويستعمل فى الهبة ، يقال : حمل الأمير فلانا على فرس : أى وهبه فيحمل عليه عقد الهبة ( وكسوتك هذا الثوب ) قال تعالى - أو كسوتهم - أراد تمليكهم الكسوة ، ويقال : كساه ثوبا إذا وهبه ، ولو قال : منحتك هذه الدار أو هذه الجارية فهى عارية إلا أن ينوى الهبة ، ولو قال ذلك فيما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه فهو هبة كالدراهم والدنانير والمطعوم والمشروب . قال ( وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة ، ٤ - الاختيار - ثالث - ٥٠ - وَفِيمَا يُقْسِمُ لاَ تَجُوزُ (ف)، فإنْ قَسَمَ وَسَلَّمَ جازَ كَمَهٍْ فى دَارٍ، وَاللَّبْنِ فى الضَّرْعِ، وَالصُّفِ عَلَى الظَّهْرِ، وَالتَّمْرِ عَلَى النَّخْلِ، وَالزَّرْعِ فى الأرْضِ، وَلَوْ وَهَبَهُ دَقِيقًا فى حِنْطَةٍ، أَوْ تَمْنَا فِى كَبَنٍ، أَوْ دُهْنا فى مِمْسِمٍ فاسْتَخْرَجَهُ وَسَلَّمَهُ لاَ يُجُوزُ، وَلَوْ وَهَبَ اثْنانِ مِنْ وَاحِدٍ جازٌ، وَبَالْعَكْسِ لَا يُجُوزُ (سم) وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرَيْنِ جازَ، وَعَلَى غَنِيَّيْنِ لاَ يُجُوزُ، وَمَنْ وَهَبَ جارِيَةٌ إِلاَّ حَمْلَهَا عَّتِ الهِيّةُ وَبَطَلَ الإِسْتِثْنَاءُ، وفيما يقسم لاتجوز ) لأن القبض شرط فى الهبة لما روينا وأنه غير ممكن فى المشاع ، ولو جوّزناه لكان له إجبار الواهب على القسمة ولم يلتزمه فيكون إضرارا به ، وما لا يقسم الممكن فيه القبض الناقص فيكتفى به ضرورة ، ولا يلزم ضرر الإجبار على القسمة ببقاء الإجبار على المهايأة . قلنا المهايأة فى المنافع ولم يتبرّع بها ، لأن الهبة صادفت العين لا المنافع. قال ( فان قسم وسلم جاز ) لأن بالقبض لم يبق شيوع وذلك ( كسهم فى دار و) مثله ( اللبن فى الضرع والصوف على الظهر والتمر على النخل والزرع فى الأرض ) لأن اتصال هذه الأشياء كالشيوع من حيث أنه يمنع القبض ، وكذلك لو وهبه من شريكه لايجوز لعدم إمكان القبض . قال ( ولو وهبه دقيقا فى حنطة ، أو سمنا فى لبن ، أو دهنا فى سمسم فاستخرجه وسلمه لايجوز ) لأن الموهوب معدوم فلا يكون محلا للملك فبطل العقد فيحتاج إلى عقد جديد أما المشاع فمحل التملیك حتى جاز بیعه دون ذلك . قال (، لووهب اثنان من واحد جاز، وبالعكس لا يجوز ) أما الأوّل فلأنهما سلماه والموهوب له قبضها جملة ولا شيوع ولا ضرر. وأما الثانية فمذهب أبى حنيفة وقالا: يصحّ أيضا لأنها هبة واحدة والتمليك واحد فلا شيوع ، وصار كالرهن من اثنين ولأبى حنيفة أنه وهب من كلّ واحد منهما النصف لأنه يثبت لكل واحد منهما الملك فى النصف ، ألا ترى أنه لوكان فيما لا يقسم، فقبل أحدهما صحّ فى النصف فكان تمليكا للنصف وأنه شائع ، وأما الرهن فالمستحقّ فيه الحبس ، ويثبت لكل واحد كملا وتمامه مرّ فى الرهن . قال ( ولو تصدّق على فقيرين. جاز) وكذلك لو وهب لهما ( وعلى غنيين لا يجوز ) وقالا : تجوز فى الغنيين أيضا لما مر والفرق لأبى حنيفة أن إعطاء الفقير يراد به وجه الله تعالى فهو واحد ، وسواء كان بلفظ الصدقة أو بلفظ الهبة ، وسواء كان فقيرا واحدا أو أكثر ، والإعطاء للغنىّ يراد به وجه الغنىّ وهما اثنان فكان مشاعا ، والصدقة على الغنىّ هبة لأنه ليس من أهل الصدقة . قال ( ومن وهب جارية إلا حملها صحت الهبة وبطل الاستثناء) لما تقدّم أن الاستثناء إنما يعمل فيما يعمل فيه العقد ، والهبة لاتصحّ فى الحمل فكذا الاستثناء مكان شردنا فاسدا ؛ والهبة لاتبطل بالشروط الفاسدة ، لأنه عليه الصلاة والسلام أجاز العمرى وأبطل شرط المعمر ٠- ٥١ - فصل وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيماَ يَهَبُهُ لِلْأجْنَيِّ (ف) وَيُكْرَهُ، فَانْ عَوَّضَهُ أَوْ زَادَتْ زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ أوْ ماتَ أحَدُهُمَا أُوْخَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْمَوْهوبِ لَهُ فَلَارُجُوعَ، بخلاف البيع فانه يفسد بالشروط الفاسدة ، لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع وشرط، ولو دبر الجنين ثم وهبها لم يجز ، ولو أعتقه ثم وهبها جاز ؛ والفرق أن المدبر مملوك الواهب وأنه متصل بالأم اتصال خلقة ، فمنع صحة القبض كالمشاع ، وفى الحرّ لم يبق ملكا له ، فالموهوب غير مشغول بحقه ولا متصل به فلا يمنع الصحة ؛ ولو وهبه جارية على أن يعتقها أو يستولدها ، أو على أن يدبرها ، أو دارا على أن يردّ عليه شيئا منها أو يعوّضه عنها شيئا فالهبة جائزة والشرط باطل ، لأنها شروط تخالف مقتضى العقد فكانت فاسدة ، وأنها لاتبطل الهبة لما مرّ . فصل المعانى المانعة من الرجوع فى الهبة : المحرمية من القرابة ، والزوجية ، والمعاوضة ، وخروجها من ملك الموهوب له ، وحدوث الزيادة أو التغيير فى عينها ، وموت الواهب أو الموهوب له على ما نبينه إن شاء الله تعالى. قال ( ويجوزالرجوع فيما يهبه للأجنبىّ) لقوله عليه الصلاة والسلام (الواهب أحقّ" بهيته ما لم يثب منها)) أى ما لم يعوّض عنها ( ويكره) ذلك لأنه من باب الخساسة والدناءة . وقال عليه الصلاة والسلام ((العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه)) شبهه له لحساسة الفعل ودناءة الفاعل، وتأويل قوله عليه الصلاة والسلام ((لا يحلّ للواهب أن يرجع فى هبته إلا الوالد فيما يهب لولده)) أى لا يحلّ له الرجوع من غير قضاء ولارضى إلا الوالد فإنه يحلّ له ذلك عند الحاجة ، فهذا الحمل أولى جمعا بين الحديثين. قال ( فان عوّضه أو زادت زيادة متصلة ) فى نفسها ( أو مات أحدهما ، أو خرجت عن ملك الموهوب له فلا رجوع ) أما إذا عوّضه فلما روينا من الحديث، ولأن المقصود من الهبة التعويض عادة وقد حصل . وأما الزيادة كالسمن والكبر والبناء والغرس والصبغ والخياطة فلأنه لا يمكن الرجوع بدون الزيادة ، ولا سبيل إلى الرجوع مع الزيادة لأن العقد ما ورد عليها . وأما موت الواهب فلا سبيل للوارث عليها إذ هو أجنبى من العقد. وأماموت الموهوب له فللانتقال إلى ورثته والتمليك لم يوجد منه وصار كما إذا انتقل منه حال حياته وأما إذا خرجت من ملك الموهوب له فلأنه إنما أخرجها بتسليطه فلا يملك نقضه كالوكيل، ونقصان الموهوب لا يمنع الرجوع بأن انتقصت قيمته أو انهدم البناء أو ولدت الجارية ، - ٥٢ - وَلَا رُجُوعَ فِما يَهَبُهُ لِذِى رَحْمٍ تَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْزَوْجَةٍ أَوْ زَوْجٍ؛ وَلَوْ قَالَ المَوْهُوبُ لَهُ خُذْ هَذَا بَدَلاً عَنْ هِبَتِكَ أَوْ عِوَضَها أَوْ مُقَابِلَهَا أَوْ عَوَّضَهُ أجْنَبِىٌّ مُتْبَرّعا فَقَبْضَهُ سَقَطَ الرُّجُوعُ، وَلَوِ اسْتُحِقِيَّ نِصْفُ الهِبَةِ رَجَعَ ينِصْفِ العِوَضِ، وَإِنِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ العِوَض لا يَرْجِعُ بِشَىْءٍ مِنْهُ (ز)، إلا أنه لا يرجع فيها حتى يستغنى عنها ولدما ؛ ولو وهبه عبدا فشبّ فازدادت قيمته ثم شاخ .فنقصت لا يرجع فيه لأنه ازداد فى بدنه وطال فى جثته ثم انتقص بوجه آخر وهو شيخوخته فلا يرجع . قال (ولا رجوع فيما يهبه لذى رحم محرم منه أو زوجة أو زوج) لأن المقصود صلة الرحم وزيادة الألفة بين الزوجين، وفى الرجوع قطيعة الرحم والألفة ، لأنها تورت الوحشة والنفرة فلا يجوز صيانة للرحم عن القطيعة وإبقاء للزوجية على الألفة والمودة وفى الحديث ((إذا كانت الهبة لذى رحم محرم لم يرجع فيها)، وسواء كان أحد الزوجين مسلما أو كافرا لشمول المعنى ، ولو وهبها ثم أبانها لم يرجع ؛ ولو وهب أجنبية ثم تزوّجها له الرجوع ، والمعتبر المقصود وقت العقد ؛ وإن وهب لأخيه وهو عبد له الرجوع ؛ وكذلك إن وهب لعبد أخيه عند أبى حنيفة، وقالا: لارجوع له لأن الملك وقع للمولى فكان هبة للأخ ، وله أن الهبة وقعت للعبد حتى اعتبر قبوله وردّه والملك يقع له ، ثم ينتقل إلى مولاه عند الفراغ من حاجته حتى لو كان مديونا لا ينتقل إلى مولاه ولا صلة بينه وبين العبد . قال ( ولو قال الموهوب له : خذ هذا بدلا عن هبتك أو عوضها أو مقابلها أو عوّضه أجنبىّ متبرّعا فقبضه سقط الرجوع ) لأن هذه الألفاظ فى معنى المعاوضة ، وكذلك لو قال: خذ هذا مكان هبتك ، أو ثوابا منها ، أو كافأتك به ، أو جازيتك عليه ، أو أثبتك ، أو نحلتك هذا عن هبتك ، أو تصدّقت به عليك بدلا عن هبتك فهذا كله عوض وحكمه حكم الهبة ، يصحّ بما تصحّ به الهبة ، ويبطل بما تبطل به ، ويتوقف الملك فيه على القبض ولا يكون فى معنى المعاوضة أصلا ؛ وإن لم يضف العوض إلى الهبة بأن أعطاه شيئا ولم يقل عوضا عن هبتك لايكون عوضا ولكل واحد منهما الرجوع ، فان عوّضه عن جميع الهبة بطل الرجوع فى الجميع قلّ العوض أو كثر ، وإن عوّضه عن نصفها فله الرجوع فيما بقى لأن المانع التعويض فيتقدّ ر بقدره. قال (ولو استحقّ نصف الهبة رجع بنصف العوض) لأنه ما عوّضه بهذا العوض إلا ليسلم له جميع الموهوب ولم يسلم إلا نصفه فيرجع بنصف ما عوّضه ( وإن استحقّ بعض العوض لا يرجع بشىء منه) وقال زفر : يرجع بحصته من الموهوب اعتبارا بالعوض الآخر . ولنا أنه لما استحقّ بعضه ظهر أنه ما عوّضه إلا بالباقى وهو يصلح عوضا عن الكل ، فلا يرجع إلا أن يردّ الباقى ثم يرجع ، لأنه ما أسقط حقه (١) الرجوع بقبول العوض إلا ليسلم له جميع العوض ولم يسلم فله ردّه، وإذا ردّه بطل - ٥٣ - وَإِنِ اسْتُحِقِّ جَمِيعُ العِوَضِ رَجَعَ بالحِبَةِ؛ وَالهِبَةُ بِشَرْطِ العِوَضِ يُرَاعَى فِيها حُكْمُ الحِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْبَيْعِ بَعْدَهُ؛ وَلا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلاَّ بِتَرَاضِيهِما أوْ بِحَكْمِ الحَاكِمِ، وَإِنْ هَلَكَتْ فى بَدِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَضْمَنْ. فصل العُمْرَى جَائِزَةٌ لِلْمُعْمِرِ حالَ حَيَاتِهِ، وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَ عَمَاتِهِ، وَهىَ أنْ يَجْعَلَ دَارَهُ لَهُ ◌ُعُمْرَهُ، فإذَا ماتَ تُرَّدُّ عَلَيْهِ. وَالرُّفْسَى بَاطِلَةٌ (س)، وَهِى أنْ تَقُولَ: إِنْ مِتَّ فَهِىَ لى، وَإِنْ مِتُّ فَهِىَ لكَ. التعويض فعاد حقّ الرجوع. قال (وإن استحق جميع العوض رجع بالهبة ) لما بينا. قال ( والهبة بشرط العوض يراعى فيها حكم الهبة قبل القبض ) فلا يصحّ فى المشاع ( و) حكم ( البيع بعده ) رعاية للفظ والمعنى . وصورته : أن يهبه عبدا على أن يعوّضه عنه ثوبا ، فلكل واحد منهما الامتناع ما لم يتقابضا كما فى الهبة ، فإذا تقابضا صار بمنزلة البيع يردّان بالعيب وتجب الشفعة، وإن استحقّ ما فى يد أحدهما رجع بعوضه إن كان قائما، وبقيمته إن كان هالكا . قال ( ولا يصحّ الرجوع إلا بتراضيهما أو بحكم الحاكم) لأنه فصل مجتهد فيه مختلف بين العلماء فله الامتناع ، وولاية الإلزام للقاضى ، وإن تراضيا فقد أبطل حقه فيجوز ( وإن هلكت فى يده بعد الحكم) بالردّ ( لم يضمن) لأنه أمانة فى يده حيث قبضه لاعلى وجه الضمان . فصل ( العمرى جائزة للمعمر حال حياته ولورثته ) من ( بعد مماته ) ويبطل الشرط ( وهى أن يجعل داره له عمره ، فاذا مات تردّ عليه) لما تقدّم من الحديث ، ولما روى أنه عليه الصلاة والسلام أجاز العمرى وأبطل شرط المعمر ، ولو قال : دارى لك عمرى سكنى أو نحلى سكنى أو سكنى صدقة أو صدقة عارية أو عارية هبة أو هبة سكنى أو سكنى هبة فهى عارية ، لأن ذكر المنفعة وهى السكنى حقيقة فى العارية ، لأن العارية تمليك المنفعة وتحتمل الهبة والحمل على الحقيقة أولى؛ ولوقال : هبة تسكنها فهى هبة ، لأن قوله تسكنها مشورة وتنبيه على المقصود وليس بتفسير ، بخلاف قوله سكنى . قال ( والرقبى باطلة ، وهى أن تقول ) دارى لك رقبى ، ومعناه ( إن متّ فهى لى ، وإن متّ فهى لك ) كأن كل واحد منهما يرقب موت الآخر لما روى شريح ((أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أجاز العمرى وردّ الرقبى)) ومراده الرقبى من الترقب (١)، أما من الإرقاب ومعناه رقبة دارى (١) وهو الانتظار . -٥٤ - وَالصَّدَقَةُ كالهِبَةِ إِلاَّ أَنَّهُ لارُجُوعَ فِيها؛ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ بَنَصَدَّقَ بِمَالِهِ فَهُوَ عَلَى جِنْسِ مالِ الزَّكَاةِ (ز)، وَبِمِلْكِهِ عَلَى الجَميعِ، وَيُمْسِكُ ما يُنْفِقُهُ حَتى يَكْتَسِب ◌ُثُمَّ بَتَصَدَّقُ بِمِثْلِ مَا أَمْسَكَ . لك فانه يجوز، وهو محمل حديث جابر (( أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أجاز العمرى والرقبى)) إلا أنه محتمل، ولا تثبت الهبة بالشك" فتكون عارية. وقال أبو يوسف: الرقبى جائزة لحديث جابر ، ولأن قوله : دارى لك تمليك ، وقوله رقبى شرط فاسد لايبطل الهبة . ولهما حديث شريح ، ولأنه تعليق الملك بالخطر فلا يصحّ، وإذا لم يصحّ يكون عارية عندهما ، لأنه يقتضى إطلاق الانتفاع به ، ولو قال: جميع مالى أو كلّ شيء أملكه أو جميع ما أملكه لفلان فهو هبة ، لأن ملكه لا يصير لغيره إلا بتمليكه ؛ ولو قال : جميع ما يعرف بى أو ينسب إلىّ لفلان فهو إقرار لجواز أن يكون للمقرّ له، وهو فى يدّ المقرّ يعرف به وينسب إليه . قال (والصدقة كالهبة) فى جميع أحكامها لأنه تبرّع ( إلا أنه لارجوع فيها ) لأن المقصود منها الثواب وقد حصل ، وكذا الهبة للفقير لأن المقصود الثواب ، وكذا لو تصدّق على غنىّ لأنه قد يطلب منه الثواب بأن يعينه على النفقة لكثرة عياله، ويؤيد ذلك أنه عبر بالصدقة عنها . قال ( ومن نذر أن يتصد ◌ّق بمالهفهو على جنس مال الزكاة) لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وإيجاب الله تعالى الصدقة المضافة إلى المال يتناول أموال الزكاة ، قال الله تعالى - خذ من أموالهم صدقة تطهرهم - الآية ، فكذا إيجاب العبد ، فيتصدّق بالذهب والفضة وعروض التجارة والسوائم والغلة والثمرة العشرية والأرض العشرية ، خلافا لمحمد لأن الغالب فى العشر معنى العبادة حتى لاتجب على الكافر فكانت فى معنى الزكاة ، ولا يتصدّق بغير ذلك من الأموال لأنها ليست أموال الزكاة . وقال زفر: يتناول جميع ماله وهو القياس عملا بعموم اللفظ، وجوابه مامرّ ؛ ولو نذر أن يتصدّق بملكه فهو على الجميع ، وذكر الحاكم الشهيد أنه والأوّل سواء فى الاستحسان ، لأن ذكر المال والملك سواء ، وكذلك ذكر التسفى عنهما . قال: وأبو يوسف فرّق بينهما وقال : لفظة الملك أعمّ عرفا، والأوّل أصحّ، لأن الشرع إنما أضاف الصدقة إلى المال لا إلى الملك وذلك موجب تخصيص المال فبقى الملك على عمومه ، وإن لم يكن سوى مال الزكاة لزمه التصدّق بالكل بالإجماع ( ويمسك ما ينفقه حتى يكتسب ثم يتصدّق بمثل ما أمسك ) لأنه لو تصدّق بالجميع احتاج أن يسأل أو يموت جوعا وأنه ضرر فاحش ، فيمسك قدر حاجته دفعا للضرر عنه ، ولم نقدره بشىء لأن الناس يختلفون فى ذلك باختلاف أحوالهم فى النفقات فالحاصل أنه يمسك مقدار كفايته فى نفقته إلى أن يقدر على أداء مثله ؛ ولو قال : دارى فى المساكين صدقة فعليه أن يتصدق بها ، وإن تصدق بقيمتها أجزأه ، ولوقال لآخر : كل - ٥٥ - كتاب العادية وَهِىَ هِيَةُ الْمَنَافِعِ، وَلا تَكُونُ إِلاَّ فِيما يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءٍ عَبْنِهِ. ما يصل إلى من مالك فعلىّ أن أتصدّق به فوهبه شيئا فعليه أن يتصدّق به ، ولو أذن له أن يأكل من طعامه لا يتصدّق به، لأن الإباحة لا يملكه إلا بالأكل ، وبعد الأكل لا يمكن التصدّق به . كتاب العادية وهى مشتقة من التعاور : وهو التداول والتناوب ، يقال : تعاونا الكلام بيننا : أى تداولناه ؛ وسمى العقد به لأنهم يتداولون العين ويتدافعونها من يد إلى يد ، أو من العربة وهى العطية ، إلا أن العربة اختصت بالأعيان ، والعارية بالمنافع ، وسميت به لتعريه عن العوض ، وهى عقد مستحبّ شرعا، مندوب إليه ، لما فيه من قضاء حاجة المسلم ؛ وقد ندب الشرع إليه قال تعالى ((وتعاونوا على البرّ والتقوى)) وقال عليه الصلاة والسلام (( لا يزال الله فى عون المسلم ما دام فى عون أخيه)) وذمّ تعالى على منعه فقال ((ويمنعون الماعون)) أى العوارى من القدر والفأس ونحوه ؛ وقال عليه الصلاة والسلام ((العارية مردودة)) واستعار صلى اللّه عليه وسلم دروعا من صفوان ؛ ولأن التمليك نوعان : بعوض ، وغير عوض ؛ والأعيان قابلة للنوعين بالبيع والهبة ، فكذا المنافع بالإجارة والإعارة . قال ( وهى هبة المنافع ) وقال الكرخى : إباحة المنافع حتى لا يملك المستعير إجارة ما استعار ولو ملك المنافع لملك إجارتها ، والأوّل الصحيح لأن المستعير له أن يعير ، ولو كانت إباحة لما ملك ذلك ، كمن أبيح له الطعام ليس له أن يبيحه لغيره ، ولأن العارية مشتقة من العربة وهى العطية ، وإنما لم تجز الإجارة لأنها تمليك مؤقت ينقطع حقه عنها إلى انتهاء المدة ، والعارية تمليك على وجه لا ينقطع عنها متى شاء ، فلو جازت الإجارة يلزم المعير من الضرر ما لم يلتزمه ولا رضى به فلا يجوز، أو نقول الإجارة أقوى وألزم من الإعارة والشىء لا يستتبع ماهو أقوى منه . قال ( ولا تكون إلا فيما ينتفع به مع بقاء عينه) . اعلم أن الإعارة نوعان : حقيقة ، ومجاز. فالحقيقة إعارة الأعيان التى يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها كالثوب والعبد والدار والدابة . والمجاز إعارة ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه كالدراهم والدنانير والمكيل والموزون والعددى المتقارب ، فيكون إعارة صورة قرضا معنى ، لأنه رضى باستهلاكه ببدل ، فكان تمليكا ببدل وهو القرض ؛ ولو استعار دراهم ليعاير بها ميزانه أو يزين بها حانوته ليس له أن يتعدّى ما سمى من المنفعة ، ولا يكون - ٥٦ - وَهِىَ أَمانَةٌ، وَتَصِحُّ بِقَوْلِهِ أُمَرْتُكَ وأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الأَرْضِ، وأَعْدَ مْعُكَ هَذَا العَبْدَ، وَمَنَحْتُكَ هَذَاَ الثَّوْبَ، وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا لَمْ يُرِدْ بهما الحبّةَ، وَدَارِى لَكِ سُكْنَى أَوْ سُكْنَى ◌ُعُمْرِى، وِلْمُسْتَعِيرِ أنْ يُعِيرها إنْ لمْ يُخْتَلِفْ باخْتِلافِ المُسْتَعْمِلِينَ، ولَيْسِ لَهُ إجارتها؛ فإنْ آجَرَها فَهَلَكَتْ ضَمِنَ ، قرضا كاستعارة الحلىّ. قال (وهى أمانة ) لا يضمنها من غير تعدّ . قال عليه الصلاة والسلام (( ليس على المستعير غير المغل ضمان)) ولأنه قبضه من يد المالك لاعلى وجه الضمان ، لأن اللفظ يقتضى تمليك المنافع بغير عوض لغة وشرعا لما بينا فلم يكن متعديا ، وتأويل ما روى (( أنه عليه الصلاة والسلام استعار دروعا من صفوان ، فقال : أغصبا تأخذها يا محمد؟ فقال: لا بل عارية مؤْدّاة مضمونة)) أى واجبة الردّ مضمونة بمئونة الرد" توفيقا بين الحديثين بالقدر الممكن . قال (وتصحّ بقوله أعرتك ) لأنه صريح فيه ( وأطمعتك هذه الأرض ) للاستعمال فيه ( وأخدمتك هذا العبد ) لأن منفعة العبد خدمته ، وقد أذن له فى استخدامه ) ومنحتك هذا الثوب وحملتك على هذه الدابة إذا لم يرد بهما الهبة ) لما مرّ فى الهبة (ودارى لك سكنى) لأن معناه سكناها لك ( أو سكنى عمرى ) أى سكناها لك عمرك. قال ( وللمستعير أن يعيرها إن لم يختلف باختلاف المستعملين ، وليس له إجارتها ) لأنه ملك المنافع فيملكها غيره كالموصى له بالخدمة ، بخلاف الإجارة على ما مرّ . ثم العارية على أربعة أوجه : أحدها أن تكون مطلقة فى الوقت والانتفاع كمن استعار دابة أو ثوبا ولم يبين وقتا معلوما ولا عين من يستعمله فله أن يستعمله فى أى وقت شاء فى أىّ منفعة شاء ، ویر کب ويلبس غيره عملا بالإطلاق ، فلو ركب هو أو لبس ليس له أن يركب غيره ولا يلبسه ، وكذا لو ركب غيره لا يركب هو على ما بيناه فى الإجارة . والثانى أن تكون مقيدة فيهما بأن استعاره يوما ليستعمله بنفسه ، فليس له أن يركب غيره ولا يلبسه غيره لاختلاف ذلك باختلاف المستعملين ، وله أن يعيرها للحمل لأنه لايتفاوت ، وكذا له أن يعير العبد والدار لعدم التفاوت . والثالث إذا كانت مطلقة فى الوقت مقيدة فى الانتفاع بأن استعارها ليحمل عليها حنطة فله أن يحمل الحنطة متى شاء ، والرابع إذا كانت مقيدة فى الوقت مطلقة فى الانتفاع بأن استعار دابة يوما ولم يسم ما يحمل عليها فله أن يحمل ما شاء فى اليوم ، فان أمسكها بعد الوقت ضمن إن انتفع بها فى اليوم الثانى ، وقيل يضمن بمجرّد الإمساك لأنه أمسك مال الغير بغير إذنه وهو الصحيح ؛ وإن اختلفا فى الوقت والمكان وما يحمل عليها فالقول قول المعير مع يمينه لأن الإذن منه يستفاد فيثبت بقدر ما أقرّ به به وما زاد فالمستعير مستعمل فيما لم يؤذن له فيضمن . قال ( فان آجرها فهلكت ضمن ) - ٥٧ - وَلِلْمُعِيرِ أنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَعِبِرَ، وَلا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتأجِرِ وَيَرْجِعُ عَلَى المُسْتَعِيرِ، فالْ قَيَّدَها بِوَقْتٍ أوْ مَنْفَعَةٍ أَوْ مَكانٍ ضَمِنَ بالمُخالَفَةِ إلاَّ إلى خَيْرِ؛ وَعِنْدَ الإِطْلاقِ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بها فى جميعِ أنْوَاعِ مَنْفَعَها ما شاءْ ما لم يُطَالِبْهُ بِالرَّدّ، وَلَوْ أعارَ أَرْضَهُ لِلْبِناءِ وَالغَرْسِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيُكَلِّفَهُ قَلْعَهُمَا، وَإِنْ وَقَّتَ وأخَذَهَا قَبْلَ الوَقْتِ كُرِهَ لَهُ ذلكَ، وَيَضْمَنُ لِلْمُسْتَعِيرِ قِيمَتَهُ وَيَمْلِكُهُ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ قَلْعُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ كَثِيرٌ بِالأرْضِ، فانْ قَلَعَهُما فَلَاضَانَ، فإنْ أعارَها للزّرَاعَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُها قَبْلَ حَصْدِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَقَّتْ. لأنه متعدّحيث تصرّف فى ملك الغير بغير أمره فكان غاصبا( وللمعير أن يضمن المستعير) لما بينا ( ولا يرجع على المستأجر ) لأنه تبين أنه آجره ملكه ، وله أن يضمن المستأجر لأنه قبض ماله بغير أمره ( ويرجع على المستعير ) إذا لم يعلم أنه عارية دفعا لضرر الغرور عنه بخلاف ما إذا علم قال ( فان قيدها بوقت أو منفعة أو مكان ضمن بالمخالفة إلا إلى خير ) وقد بيناه بتمامه فى الإجارة ( وعند الإطلاق له أن ينتفع بها فى جميع أنواع منفعتها ما شاء ما لم يطالبه بالردّ ) عملا بالإطلاق . قال ( ولو أعار أرضه للبناء والغرس فله أن يرجع) لأنه عقد غير لازم ، وهذا لأن المنافع توجد شيئا فشيئا وتملك كذلك ، فما لم يوجد بعد لم يقبض فله الرجوع فيه . وقال عليه الصلاة والسلام ((العارية مردودة)). قال ( ويكلفه قلعهما) لأنه لما صحّ الرجوع بقى المستعير شاغلا ملك المعير فعليه تفريغها ، فان لم يكن وقت فلا شىء عليه ، لأن ما أصاب المستعير إنما أصابه بفعل نفسه ( وإن وقت وأخذها قبل الوقت كره له ذلك ) لأنه أخلف وعده ( ويضمن للمستعير قيمته ويملكه ) نظرا للجانبين . وقال زفر : لاضمان عليه لأنه لما علم أن له ولاية الأخد فقد رضى بذلك . ولنا أنه غرّه بالتأقيت ، إذ الظاهر الوفاء بالوعد فيرجع إليه إذا أخلف ، لأن ما أصابه إنما أصابه من جهته بخلاف غير المؤقت ( وللمستعير قلعه ) لأنه ملكه إلا أن يكون فيه ضرر كثير بالأرض ( فيخير المعير ، لأن الأصل ! وهو راجح على التبع ) فان قلعهما فلا ضمان عليه وقيل إذا كلفه المعير قلعهما قلعهما ، ويضمن المعير ما نقصا بالقلع ، لأنه خدعه حيث ضمن له الوفاء إلى آخر الوقت الذى وقته ولم يف له . قال ( فان أعارها للزراعة فليس له أخذها قبل حصده وإن لم يوقت ) فتبقى بالأجرة ، لأن فيه مراعاة الجانبين ودفع الضرر عن المستعير ومراعاة حقّ المعير، لأن بقاءه مدة قليلة بخلاف الغرس والبناء لأنه لانهاية لهما فيقلع دفعا لضرر المعير . دخل الحمام واستعمل قصاع الحمامى فانكسرت ، أو أخذ كوز الفقاع لیشرب فانكسر ، أو دخل منزل رجل باذنه فأخذ منه إناء بغير إذنه لينظر إليه أو ليشرب - ٥٨ - وأجْرَةُ رَدّ العارِيَةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ والمُسْتَاجِرِ عَلَى الآجرِ؛ وَإِذَا رَدَّ الدَّابَّة إلى اصْطَبْل مالِكِها بَرِئْ؛ وكَذَا رَدُّ الثَّوْبِ إلى دَارِهٍ وَمَعَ مَنْ فِى عِيَالِهِ أَوْ عَبْدِهِ أوْ أجِيرِهِ الخاصَ بَرِئٌ. كتاب الغصب وهُوَ أَخْذُ مالٍ مُتَّقَوّم ◌ُحْتَرَمٍ عَمْلُوكِ لِلْغَدْرِ بِطَرِيقِ التَّعَدَى، فوقع من يده فانكسر فلا ضمان عليه لأنه مأذون فى ذلك دلالة . استعار كتابا ليقرأ فيه فوجد فيه خطأ ، إن علم أن صاحبه لايكره إصلاحه أصلحه وإلا فلا ، والظاهر أنه لايكره فلا بأس به . قال ( وأجرة ردّ العارية على المستعير) لأن قبضه لمنفعته فوجب الردّ عليه، والأجرة مئونة الردّ (و) أجرة ردّ (المستأجر على الآجر) لأن منفعة القبض حصلت له وهى الأجرة فلا يكون الردّ واجبا على المستأجر فلا يلزمه الأجرة. قال (وإذا ردّ الدَّابة إلى اصطبل مالكها برئ ) استحسانا ، والقياس أنه لا يبرأ لعدم الردّ إلى المالك. وجه الاستحسان أن العادة جرت بالردّ إلى الاصطبل، فإنه لو سلمها إليه ردّها إلى الاصطبلُ، والمعتاد كالمنصوص عليه ؛ ولو كان عبدا وردّه إلى دار مالكه فكذلك ( وكذا ردّ الثوب إلى داره) لما بينا ( و) لو ردّ العارية (مع من فى عياله أو عبده أو أجيره الخاص" برئ ) لأنها أمانة فصارت کالوديعة ؛ وكذا لو ردّها إلى عبد المعیر أو من فی عیاله برئ لأن المالك يحفظها بهؤلاء عادة ؛ وقيل المراد بالعبد : الذى يقوم عليها . وذكر فى المنتقى لو كانت العارية شيئا نفيسا كالجوهر ونحوه لا يبرأ بالردّ إلى هؤلاء، لأنه لم تجر العادة بطرحه فى الدار وتسليمه إلى غلمانه ؛ والمستأجر فى ردّ العين المستأجرة كالمستعير ؛ وفى الغصب لايبرأ فى الجميع إلا بالردّ إلى مالكه، لأن ضمان الغصب واجب فلا يسقط إلا بالرد" إلى المالك أو نائبه حقيقة ، بخلاف العارية لأنها غير مضمونة . كتاب الغصب ( وهو ) فى اللغة : أخذ الشىء ظلما ، يقال : غصبته منه وغصبته عليه بمعنى ، قال تعالى - يأخذ كل سفينة غصبا - أى ظلما، ويستعمل فى كل شىء ، يقال : غصبت ولده وزوجته . وفى الشرع ( أخذ مال متقوّم محترم مملوك للغير بطريق التعدّى ) واشترط أبو حنيفة وأبويوسف كون المغصوب قابلا للنقل والتحويل على وجه يتضمن تفویت ید المالك ، ولم يشترط ذلك محمد ، ويظهر فى غصب العقار على ما نبينه إن شاء الله تعالى ، فلو استخدم مملوك غيره بغير أمره ، أو أرسله فى حاجته ، أو ركب دابته أو حمل عليها ! - ٥٩ - وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّهُ فى مَكانِ غَصْبِهِ، فانْ هَلَكَ وَهُوَ مِثْلِىّ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ بَوْمَ غَصْبِهِ، وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ النُّقْصَانَ، وَإِذَا انْقَطَعَ تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ القَضَاءِ (سم) ، أو ساقها فهلكت كان غاصبا لأنه أثبت اليد المبطلة المفوئة ؛ ولو جلس على بساط الغير أو هبت الريح بثوب إنسان فألقته فى حجره لا يكون غاصبا ما لم ينقله أو يمسكه ، وهو تصرّف منهى عنه حرام لكونه تصرّفا فى مال الغير بغير رضاه ، قال الله تعالى - ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم - ولأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه. قال عليه الصلاة والسلام ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله)) وقال عليه الصلاة والسلام ((لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)) وعلى حرمته بالإجماع وهو من المحرّمات عقلا ، لأن الظلم حرام عقلًا على ما عرف فى الأصول . والغصب على ضربين أحدهما لا يتعلق به إثم وهو ما وقع عن جهل كمن أتلف مال الغير وهو يظنّ أنه ملكه ، أو ملكه ممن هو فى يده وتصرّف فيه واستهلكه ثم ظهر أنه لغير ذلك فلا إثم عليه . قال عليه الصلاة والسلام ((رفع عن أمتى الخطأ والنسيان)) الحديث معناه الإثم . والثانى يتعلق به الإثم وهو ما یأخذه على وجه التعدی فانه بأثم بأخذه وإمسا كه . قال ( ومن غصب شيئا فعليه ردّه فى مكان غصبه) لقوله عليه الصلاة والسلام ((على اليد ما أخذت حتى تردّ)) وقال عليه الصلاة والسلام (( لا يأخذ أحد کم متاع أخيه لا جاداً ولاعبا ، فاذا أخذ أحد کم عصا أخيه فليردّها عليه)) ولأنه يجب عليه رفع الظلم وذلك بما ذكرنا ويردّه فى مكان غصبه ، لأن القيمة تتفاوت بتفاوت الأماكن والأعدل ما ذکرنا . قال ( فان هلك وهو مثلى فعليه مثله ) قال تعالى - فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم - ولأن المثل أعدل لوجود المالية والجنس ( وإن لم يكن مثليا) كالحيوان والعددى المتفاوت والمزروع ( فعليه قيمته يوم غصبه) لأن القيمة تقوم مقام العين من حيث المالية عند تعذّر المماثلة دفعا للظلم وإيصالا للحقّ إلى مستحقه بقدر الإمكان، وسواء عجز عن ردّه بفعله أو فعل غيره أو بآفة سماوية لأنه بالغصب صار متعدّيًا ووجب عليه الردّ وقد امتنع فيجب الضمان وتجب القيمة يوم الغصب لأنه السبب وبه يدخل فى ضمانه ( وإن نقص ضمن النقصان ) اعتبارا للجزء بالكل ( و) أما المثلى ( إذا انقطع تجب قيمته يوم القضاء ) عند أبى حنيفة . وقال أبو يوسف يوم الغصب . وقال محمد يوم الانقطاع لأن الواجب المثل وينتقل إلى القيمة بالانقطاع فيعتبر يومئذ . ولأبى يوسف أنه لما انقطع التحق بذوات القيم فتعتبر قيمته إذ هو السبب الموجب . ولأبى حنيفة أن الانتقال بقضاء القاضى لا بالانقطاع حتى لو لم يتخاصما حتى عاد المثل وجب ، فإذا قضى القاضى تعتبر القيمة عنده بخلاف ذوات - ٦٠ - وَإِنِ ادَّعَى المَلَاكَ حَبَسَهُ الحَاكِمُ مُدَّةً يَعْلَمُ أَنْهَا لَوْ كانَتْ باقِيَةً أَظْهَرَّها مُثُمَّ يَقْضِ عَلَيْهِ بِبَدَلِمَا، وَالقَوْلُ فى القِيمَةِ قَوْلُ الغاصِبِ مَعَ يِمِينِهِ ، فَاذَا قُضِىَ عَلَيْهِ بِالقِيمَةِ مِلَكَهُ مُسْتَنِدًا إِلى وَقْتِ الغَصْبِ، وَتَسْلَمُ لَهُ الأكْسابُ وَلا تَسْلَمُ لَهُ الْأَوْلادُ، فَذَا ظَهَرَتِ العَْنُ وَقِيمَتُها أكْثُرُ وَقَدْ ضَمِنها بِنُكُولِهِ أَوْ بالبَيِّنَةِ، أَوْ بِقَوْلِ المَالِكِ سَلِمَتْ لِلْغاصِبِ، وَإِنْ ضَمِنها بِيَمِينِهِ فالمَالِكُ إنْ شاءَ أمْضَى الضَّانَ، وَإنْ شاءَ أَخَذَ العَْنَ وَرَدَّ العِوَضَ، وَيَضْمَنُ ما نَقَصَ العَقَارُ بِفِعْلِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ لَوْ هَلَكَ (م) ، القيم لأنه مطالب بها من وقت وجود السبب وهو الغصب فتعتبر قيمته عند السبب . قال ( وإن ادّعى الهلاك حبسه الحاكم مدة يعلم أنها لو كانت باقية أظهرها ثم يقضى عليه ببدلها ) لأن الظاهر بقاؤها وقد ادّعى خلافه ، ونغيره إذا طولب بثمن المبيع فادّعى الإفلاس وقد مرّ فى الحجر، فاذا حبس المدّة المذكورة قضى عليه بالبدل لما مرّ. قال ( والقول فى القيمة قول الغاصب مع يمينه ) لأنه ينكر الزيادة ، وإن أقام المالك البينة على الزيادة قضى بها لأنها حجة ملزمة . قال ( فإذا قضى عليه بالقيمة ملكه مستندا إلى وقت الغصب ) لأنه قابل النقل من ملك إلى ملك ، وقد ملك المالك بدله فيملك الغاصب المبدل لئلا يجتمع البدل والمبدل فى ملك واحدهُ دفعا للضرر عنه ( وتسلم له الأكساب) للتبعية ( ولا تسلم له الأولاد) لأن تبعيتهم فوق تبعية الأكساب . ألا يرى أن ولد المدبر والمكاتب مدبر ومكاتب ، ولا تکون أ کسابهما مدبرا ومكاتبا . قال ( فاذا ظهرت العين وقيمتها أكثر وقد ضمنها بنكوله أو بالبينة أو بقول المالك سلمت للغاصب ) لأنه ملكها برضى المالك حيث ادّعى هذا القدر ( وإن ضمنها بيمينه فالمالك إن شاء أمضى الضمان وإن شاء أخذ العين ورد العوض ) لأنه ما رضى به وإنما أخذه لعجزه عن الوصول إلى كمال حقه كالمكره ، وكذا لو ظهر وقيمته مثل ما ضمن أو أقلّ ، لأنه لم يرض حيث لم يعطه ما اد عاه فيثبت له الخيار . قال (ويضمن ما نقص العقار بفعله ولا يضمنه لو هلك ) وقال محمد : يضمن العقار بالغصب . وصورته : أن من سكن دارا غيره أو زرع أرض غيره بغير إذنه ثم خربت الدار أو غرق العقار ، لمحمد أنه تحققت اليد العادية ، ويلزم من ذلك زوال يد المالك لأن اجتماع اليدين فى محلّ واحد فى زمان واحد محال فتحقق الغصب، ولأن كلّ حكم يتعلق بالنقل فيما ينقل يتعلق بالتخلية فيما لا ينقل كدخول المبيع فى ضمان المشترى . ولهما قوله عليه الصلاة والسلام (( من غصب شبرا من أرض طوّقه الله تعالى من سبع أرضين)) والنبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر الجزاء فى غصب العقار ولم يذكر الضمان ، ولووجب لذكره ، ولأن هذا تصرّف فى المالك لأن العقار لم يزل عن مكانه الذى كانت يد المالك ثابتة عليه ، والتصرّف