النص المفهرس
صفحات 1-20
الإِخْتِيَار تعليْل المختار تأليف عبد الله بن محمود بن مودود الموصلى الحنفى وعليه تعليقات لفضيلة المرحوم الشيخ محمود أبو دقيقة من أكابر عاماء الحنفية والمدرس بكلية أصول الدين سابقا الجزء الثالث مقرر تدريسه لطلبة السنة الثالثة الثانوية بالجامعة الأزهرية دار الكتب العلمية بيروت - لبنان بِعِبْ من: دار الكتب العلمية بيروت- لبنان حرب: ١١/٩٤٢٤ تلكس : Nasher 41245Le هاتف: ٢٦٦١٣٥ - ٨١٥٥٧٣ مَّنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقُّهْهُ فى الدّينِ (حديث شريف) كتاب الحوالة بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحوالة وهى مشتقة من التحوّل بمعنى الانتقال ، يقال : تحوّل من المنزل إذا انتقل عنه ، ومنه تحويل الفراش . وفى الشرع : نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه ، ولهذا قلنا : إذا صحت الحوالة برئ المحيل لتحوله إلى ذمة المحال عليه ، لأن من المحال بقاء الشئ الواحد فى محلين فى زمان واحد ، وهو عقد مشروع ، قال صلى الله عليه وسلم ((من أحيل على ملىء فليتبع )) أمر باتباعه ، ولولا الجواز لما أمر به ، حتى إن من العلماء من قال بوجوب الاتباع نظرا إلى ظاهر الحديث ، ونحن نقول : المراد منه الإباحة ، لأن تحوّل حقه إلى ذمة أخرى من غير اختياره ضرر به ، وإنما خصه عليه الصلاة والسلام بالملىء حكما للغالب ، لأن الغالب فى الحوالات ذلك لأنه شرط الجواز، ثم عند أبى يوسف الحوالة توجب براءة المحيل من الدين والمطالبة براءة مؤقتة إلى أن يتوى ما على المحال عليه ، حتى لو أبراً المحال المحيل صحّ ؛ ولو أحال الراهن المرتهن بدينه استردّ الرهن. وعند محمد توجب البراءة من المطالبة دون الدين فلا يصحّ الإبراء ، ولا يستردّ الراهن الرهن. لمحمد رحمه الله أن نقل الدين غير ممكن لأنه تمليك المال وذلك لا يقبل النقل ، وموجبه المطالبة وهى تقبل النقل ، ولهذا لو أدى المحيل الدين أجبر المحال على قبوله . ولأبى يوسف رحمه الله أن الحوالة أضيفت إلى الدين ، ولو أضيفت إلى المطالبة لاتكون حوالة ، فوجب القول بتحويل الدين - ٤ - وَهِىَ جَائِزَةٌ بِالدُّيُونِ دُونَ الْأَعْيانِ، وَتَصِحُّ بِرِضَا المُحِيلِ وَالمُحْتَالِ وَالمحالِ عَلَيْهِ؛ وَإذا تمَّتِ الحَوَالَةُ بَرِىٌ (ز) المُحِيلُ حَّى لَوْماتَ لابَأْخُذُ المُحْتَالُ مِنَ تِرْكَتِهِ، لَكِنْ يَأْخُذُ كَفِيلاً مِنَ الوَرَثَةِ أَوْ مِنَ الغُرَمَاءِ خافَةً التَّوَى، وَلا يَرْجِعُ عَلَيْهِ المُحْتالُ إلاَّ أنْ يُمُوتَ المُحالُ عَلَيْهِ مُفْلِسا (سم) ، أَوْ يَجْحَدَ (ف) وَلا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ، فانْ طالَبَ المُحْتَالُ عَلَيْهِ المُحِيلَ فَقالَ: أَنْمَ أحَلْتُ بِدَيْنٍ لى عَلَيْكَّ لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ طالَبَ المُحِيلُ المُحْتَالَ بِمَا أحالَهُ بِهِ فَقالَ: أَنما أحَلْتَنِى بِدَيْنٍ لى عَلَيْكَ لَمْ يُقْبَلْ. لحقيقة الإضافة ، وإنما صحّ الأداء من المحيل لأنه ثبت له بالحوالة براءة مؤقتة ، وبالأداء تثبت له براءة مؤبدة وأنه زيادة فائدة . قال ( وهى جائزة بالديون دون الأعيان ) لما مرّ أنها تبنى على التحوّل، وإنما تتحوّل الديون دون الأعيان . قال( وتصحّ برضا المحيل والمحتال والمحال عليه) أما المحيل فلأنه الأصل فى الحوالة ، ومنه توجد ؛ وذكر فى الزيادات أن رضا المحيل ليس بشرط لأن المحال عليه يتصرّف فى نفسه بالتزام الدين ولا ضرر على المحيل بل فيه نفعه ، لأنه لا يرجع عليه إلا برضاه . وأما المحتال والمحال عليه ، فلتفاوت الناس فى القضاء والاقتضاء ، فلعل المحال عليه أعسر وأفلس ، والمحال أشد اقتضاء ومطالبة ، فيشترط رضاهما دفعا للضرر عنهما . قال ( وإذا تمت الحوالة برئ المحيل ) لما مرّ . وقال زفر : لا يبرأ لأنها للاستيثاق فبقى الدين على المحيل كالكفالة . وجوابه مامرّ أنها من التحويل ، ولا بقاء مع التحويل على ما بينا فيبرأ المحيل ( حتى لو مات لا يأخذ المحتال من تركته ، لكن يأخذ كفيلا من الورثة أو من الغرماء مخافة التوى ، ولا يرجع عليه المحتال إلا أن يموت المحال عليه مفلسا أو يجحد ولا بينة عليه ) لأنه عجز عن الوصول إلى حقه ، والمقصود من الحوالة سلامة حقه فكانت مقيدة بالسلامة ، فإذا فاتت السلامة انفسخت كالعيب فى المبيع. وعندهما يرجع بوجه آخر أيضا ، وهو أن بحكم الحاكم بافلاسه فى حياته بناء على أن الإفلاس يحقق عندهما بقضاء القاضى وعنده لا . قال ( فان طالب المحتال عليه المحيل فقال: إنما أحلت بدين لى عليك لم يقبل ) وعليه مثل ما أحال لتحقق السبب وهو قضاء دينه بأمره ، لكن المحیل يدعى عليه دينا وهو ينکر ، والقول قول المنكر ، والحوالة لیست إقرارا بالدين فانها نكون بدونه ( وإن طالب المحيل المحتال بما أحاله به فقال: إنما أحلتنى بدين لى عليك لم يقبل ) لأن المحتال يدّعى عليه الدين وهو ينكر ، وفى الحوالة معنى الوكالة فيكون القول قوله . - ٥ - كتاب الصلح وَيَجُوزُ مَعَ الإِقْرَارِ وَالسُّكُوتِ (ف) وَالإنكارِ (ف)؛ فإنْ كانَ عَنْ إِقْرَارٍ وَهُوَ بِمَالٍ عَنْ مَالٍ فَهُوَ كَالْبَيْعِ، وَإنْ كانَ بِمَنَافِعَ عَنْ مالٍ فَهُوَ كالإجارة فانِ اسْتَحَقَّ فِيهِ بَعْضُ الْمُصَالَحِ عَنْهُ رَدَّ حِصَّتَهُ مِنَ العِوَضِ، وَإِنٍ اسْتُحِقّ الجَمْيِعُ رَدَّ الْجَمِيعَ، وَإِنِ اسْتُحِقَّ كُلُّ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ رَجَعَ بِكلّ المُصَالَحِ عَنْهُ، وَفِ الْبَعْضِ بِحِصَّتِهِ. وَالصُّلْحُ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ إنْكارٍ مُعَاوَضَةٌ فى حَقّ المُدَّعِى، وفِى حَقّ المُدَّعَى عَلَيْهِ لاِفْتِدَاءِ اليَمِينِ، كتاب الصلح وهو ضدّ الفساد، يقال: صلح الشىء إذا زال عنه الفساد، وصلح المريض إذا زال عنه المرض ، وهو فساد المزاج ، وصلح فلان فى سيرته إذا أقلع عن الفساد . وفى الشرع : عقد يرتفع به التشاجر والتنازع بين الخصوم وهما منشأ الفساد ومثار الفتن ، وهو عقد مشروع مندوب إليه ، قال تعالى - فأصلحوا بينهما - وقال تعالى - والصلح خير - وقال صلى الله عليه وسلم ((كلّ صلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا حرّم حلالا أو حلل حراما)) وقال عمر رضى الله عنه : ردوا الخصوم كى يصطلحوا . قال ( ويجوز مع الإقرار والسكوت والإنكار ) لإطلاق ما روينا من النصوص . قال، أبو حنيفة رضى الله عنه: أجود ما يكون الصلح عن إنكار لأن الحاجة إلى جوازه أمسّ ، لأن الصلح لقطع المنازعات وإطفاء الثائرات ، وهو فى الصلح عن الإنكار أبلغ ، وللحاجة أثر فى تجويز المعاقدات ، ففی إبطاله فتح باب المنازعات . قال ( فان كان عن إقرار وهو بمال عن مال فهو كالبيع ) لوجود معنى البيع وهو مبادلة مال بمال بتراضى المتعاقدين والعبرة للمعانى ، فيثبت فيه خيار الرؤية والعيب والشرط والشفعة ، ويشترط القدرة على تسليم البدل ويفسده جهالة البدل لإفضائها إلى المنازعة ، ولا تفسده جهالة المصالح عنه لأنه إسقاط . قال ( وإن كان بمنافع عن مال فهو كالإجارة ) لوجود معنى الإجارة ، وهو تمليك المنافع بمال حتى تبطل بموت أحدهما فى المدة كما فى صورة الإجارة ( فان استحقّ فيه بعض المصالح عنه ردّ حصته من العوض ، وإن استحقّ الجميع ردّ الجميع) لأنه مبادلة كالبيع وحكم البيع كذلك ( وإن استحقّ كل المصالح عليه رجع بكلّ المصالح عنه وفى البعض بحصته) لأنه مبادلة لما مرّ. قال (والصلح عن سكوت أو إنكار معاوضة فى حقّ المدعى) لأن من زعمه أنه يأخذعوضا عن ماله وأنه محقّ فى دعواه (وفى حقّ المدّعى عليه لافتداء اليمين) -٦ - وَإِنِ اسْتُحِقَّ فِيهِ الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ رَجَعَ إلى الدَّعْوَى فى كُلِّهِ وَفِ الْبَعْضِ يُقَدْرِهِ، وَإنِ اسْتُحِقَّ الْمُصَالحُ عَنْهُ رَدَّ العَوَضَ، وَإِنِ اسْتُحِقَّ بَعْضُهُ رَدَّ حِصَّهُ وَرَجَعَ بالْحُصُومَةِ فِيهِ، وَهَلاكُ البَدَلِ كاسْتِحقاقِهِ فِى الفَصْلَتْنِ ، وَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَنْ تَجْهولٍ (ف)، وَلا يَجُوزُ إِلاَّ عَلى مَعْلُومٍ، ويُجُوزُ عَنْ جِنايَةِ العَمْدِ وَالْخَطِ، لأن من زعمه أن لاحقّ عليه وأن المدعى مبطل فى دعواه ، وإنما دفع المال لئلا يحلف ولتنقطع الخصومة ( وإن استحقّ فيه المصالح عليه رجع إلى الدعوى فى كله وفى البعض بقدره ) لأنه ما ترك الدعوى إلا ليسلم له المصالح عليه ، فاذا لم يسلم له رجع إلى دعواه لأنه البدل ( وإن استحقّ المصالح عنه ردّ العوض) ورجع بالخصومة ( وإن استحقّ بعضه ر حصته ورجع بالخصومة فيه) لأن المدعى عليه إنما بذل العوض ليدفع الخصومة عنه ، فاذا استحقت الدار ظهر أن لاخصومة فبطل غرضه فيرجع بالعوض ، وفى البعض خلا المعوض عن بعض العوض فيرجع بقدره ( وهلاك البدل ) قبل التسليم ( كاستحقاقه فى الفصلين ) قال (ويجوز الصلح عن مجهول ) لأنه إسقاط ( ولا يجوز إلا على معلوم ) لأنه تمليك فيؤدى إلى المنازعة . والصلح على أربعة أوجه : معلوم على معلوم . ومجهول على معلوم وهماسائزان، وقد مرّ الوجه فيهما . ومجهول على مجهول . ومعلوم على مجهول وهما فاسدان . فالحاصل أن كلّ ما يحتاج إلى قبضه لابدّ أن يكون معلوما لأن جهالته تفضى إلى المنازعة ، وما لا يحتاج إلى قبضه يكون إسقاطا ولا يحتاج إلى علمه به لأنه لا يفضى إلى المنازعة ، ولو ادّعى حقا فى دار لرجل ولم يسمه وادّعى المدّعى عليه حقا فى أرضه فاصطلحا على أن يدفع أحدهما مالا إلى الآخر لا يجوز ؛ وإن اصطلحا على أن يترك كل واحد منهما دعواه جاز ، لأنه لايحتاج إلى التسليم وفى الأولى يحتاج إليه ، ولو ادّعى دارا فصالحه على قدر معلوم منها جاز ويصير كأنه أخذ بعض حقه وأبرأه عن دعوى الباقى ، والبراءة عن العين وإن لم تصح لكن البراءة عن الدعوى تصحّ ، فصححناه على هذا الوجه قطعا للمنازعة . قال ( ويجوز ) الصلح ( عن جناية العمد والخطأ ) فى النفس وما دونها لإطلاق النصوص ولقوله تعالى - فمن عفى له من أخيه شىء - نزلت عقيب ذكر القصاص ، ومعناه : فمن عفى له من دم أخيه شىء : أى ترك القصاص ورضى بالمال، يدلّ عليه قوله تعالى - فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان - أى يتبع الطالب المطلوب بما صالحه عليه أو بالدية ولا يطلب أكثر من حقه ، ويؤدّى المطلوب إلى الطالب ما وجب عليه من المال من غير مماطلة ، مروىّ ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما وغيره ، وهذا فى العمد. وأما الخطأ فلأن الواجب هو - ٧ - وَلاَ يُجُوزُ عَنِ الْحُدُودِ، وَلَوِ ادَّعَى عَلَى امْرأةِ نِكاحاً فَجَحَدَتْ ثُمَّ صَالَحَتْهُ عَلَى مالٍ لِيَتْرُكَ الدَّعْوَى جازَ، وَلَوْ صَالحَهَا عَلَى مالٍ لِتُقْرَّ لَهُ بَالنِّكاحِ جازّ، وَلَوِ ادَّعَتِ المَرأةُ النُّكَاحَ فَصَالحَهَا جازٌ، المال فأشبه سائر الديون ، إلا أنه لو صالح فى العمد على أكثر من الدية جاز، لأن الواجب القصاص وليس بمال ، وفى الخطأ لو صالح على أكثر من الدية لا يجوز لأن الواجب المال فالزيادة ربا ، وهذا إذا صالحه على نوع من أنواع الدية . أما إذا صالحه على نوع آخر كالحنطة والشعير ونحوهما فانه يجوز بالغة ما بلغت لأنها من خلاف الواجب فلا ربا ، وكلّ ما يصلح مهرا فى النكاح يصلح بدلا فى الصلح عن دم العمد ، ومالا فلا ، لأن كل واحد منهما مبادلة المال بغير المال ، فان صالحه على خمر أو خنزير سقط القصاص ولا يجب شىء لأن المال ليس من ضرورات الصلح فلغا ذكر العوض فيبقى عفوا ، وفى الخطأ نجب الدية لأنه الموجب الأصلى فتى فسد العوض رجع إليه كما فى النكاح متى فسد المسمى يرجع إلى مهر المثل لأنه موجب أصلى لاينفك عنه النكاح إلا بتسمية غيره ، فاذا عدمت التسمية أو فسدت رجع إليه ، ولا كذلك. العمد ؛ ولو صالحه بعفو عن دم على عفو عن دم آخر جاز كالخلع ، ولو قطعت يده فصالحته على أن يتزوّجها وقد برأت يده جاز ، لأنه صالحها على أرش وجب له عليها وسقط الأرش ، وإن مات منها لها مهر مثلها وعليها الدية فى ثلاث سنين، لأنه ظهر أن حقه فى القتل فلم تصحّ التسمية، ولو استحقّ العبد المصالح عليه رجع بقيمته فى العمد وبالدية فى الخطأ وقد عرف وجهه ، ولو وجد عيبا يسيرارد. فى الخطأ ولا يردّ فى العمد إلا بالفاحش فيرده، ويأخذ قيمته، لأن الصلح فى الخطأ يحتمل الفسخ لوقوعه عن مال ، وفى العمد لايحتمل الفسخ لأنه عن القصاص وقد سقط فلا سبيل إلى استرداده فيرجع بقيمة العوض كالنكاح والخلع . قال ( ولا يجوز عن الحدود ) لأنها حقّ اللّه تعالى والمغلب فى حدّ القذف حقّ الشرع عندنا، ولا يجوز الاعتياض عن حق الغير ، ولهذا لا يجوز الصلح عما أشرعه إلى الطريق العام كالظلة والروشن ونحوهما لأنه حقّ العامة، ولا يملك الاعتياض عن نصيبه لأنه غير منتفع به ، ولو صالحه الإمام فى الظلة ونحوها جاز إذا رأى ذلك مصلحة للمسلمين ويضع بدله فى بيت المال كما إذا باع شيئا من بيت المال . قال ( ولو ادّعى على امرأة نكاحا فجحدت ثم صالحته على مال ليترك الدعوى جاز ) لأنه أمكن تصحيحه على وجه الخلع ويكون فى حقها لدفع الخصومة، ويحرم عليه ديانة إذا كان مبطلا ( ولو صالحها على مال لتقرّ له بالنكاح جاز) ويجعل زيادة فى المهر لأنها تزعم أنها زوجت نفسها منه ابتداء بالمسمى وهو يزعم أنه زاد فى مهرها ( ولو ادّعت المرأة النكاح فصالحها ) على مال (جاز) وقيل لايجوز ، وجه الجواز - ٨ - وَإِنِ الَّعَى عَلَى شَخْصِ أنَّهُ عَبْدُهُ فَصَالحَهُ عَلى مالٍ جازَ وَلا وَلَاءَ عَلَيْهِ عَبْدٌ بْنَ رَجَلْنِ أَعْتَقَهَ أحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ فَصَالحَهُ الآخَرَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ كَمْ يَجِزْ، وَيَجُوزُ سُلْحُ المَاءَّعِى المُنْكِرِ عَلَى مالٍ لِيُقِرَّلَهُ بالْعَيْنِ؛ وَالفُضُوِىُّ إِنْ صَالِحَ عَلَى مالٍ وَضَمِنَهُ أَوْ سَلَّمَهُ أَوْ قالَ: عَلى أَلْفِى هَذِهٍ صَحَّ؛ وَإِنْ قالَ: عَلى أَلْفٍ لِفُلانٍ بَتَوَقَّفُ عَلى إجازَةِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ؛ وَالصَلْحُ عَمَّا اسْتَحَقَّ بِعَقْدِ الْمُدَايَنَةِ أَخْذٌ لِبَعْضِ حَقِّهِ وَإسْقَاطُ لِلْبَاقِى وَلَيْسِ مُعاوَضّةً ؛ جعله زيادة فى المهر ، ووجه عدم الجواز وهو الأصحّ أنه إنما أعطاها المال لتترك الدعوى ، فإن تركتها وكان فرقة فهو لا يعطى فى الفرقة البدل ، وإن لم تترك الدّعوى فما حصل له غرضہ فلا یصحّ. قال ( وإن ادّعى على شخص أنه عبده فصالحه على مال جاز ولا ولاء عليه ) لأن أمكن تصحيحه بجعله فى حقّ المدّعى كالعتق على مال ، وفى حقّ المدّعِى عليه لدفع الخصومة لأنه يزعم أنه حرّ الأصل فلهذا لم يكن عليه ولاء لإنكاره ، فان أقام المدّعى بينة بعد ذلك أنه عبده لم تقبل ، لأن من زعمه أنه أعتقه على مال ، وأن العبد اشترى نفسه بهذا المال ، لكن يثبت الولاء عملا بالبينة . قال ( عبد بين رجلين أعتقه أحدهما وهو موسر فصالحه الآخر على أكثر من نصف قيمته لم يجز ) الفضل لأن القيمة منصوص عليه، قال صلى الله عليه وسلم ((قوّم عليه باقيه)) فلا تجوز الزيادة عليه ، ولو صالحه على عوض جاز لعدم الجنسية فلاربا . قال (ويجوز صلح المدعى المنكر على ماله ليقرّ له بالعين) وصورته : رجل ادّعى على رجل عينا فى يده فأنكره فصالحه على مال ليعترف له بالعين فانه يجوز ويكون فى حقّ المنكر كالبيع، وفى حقّ المدّعى كالزيادة فى الثمن. قال (والفضولى" إن صالح على مال وضمنه أو سلمه، أو قال: على ألفى هذه صحّ ) ولزمه تسليم المال ، ولا يرجع على المدّعى عليه بشىء لأنه تبرّع ، وإنما صحّ الضلح لأنه أضافه إلى نفسه أو إلى ماله. والحاصل للمدّعى عليه البراءة ، ولا ضرر عليه فى ذلك فيصحّ ، وصار كالكفالة بغير أمر المديون ( وإن قال : على ألف لفلان يتوقف على إجازة المصالح عنه) إن أجازه جاز ولزمه الألف ، وإن لم يجزه بطل كالخلع والنكاح وغيرهما من تصرّفات الفضولى ، ولو قال : صالحتك على ألف وسكت قيل ينفذ ويجب عليه لأنه أضاف العقد إلى نفسه كقوله اشتريت ؛ وقيل يتوقف على إجازة المدّعى عليه لأن الإضافة لم تتحقق إليه ، لأن الفعل كما يقع لنفسه يقع لغيره ، وإنما يعتبر واقعا له إذا كان له فيه منفعة ، ولا منفعة له هنا وإنما المنفعة للمدّعى عليه فاعتبر واقعا له ، بخلاف قوله صالحنى ، لأن الياء كناية عن المفعول فقد جعل نفسه مفعول الصلح فيقع له . قال ( والصلح عما استحقّ بعقد المدائنة أخذ لبعض حقه وإسقاط للباقى وليس معاوضة) لأنا لو اعتبرناه - ٩ - فَإِنْ صَالحَهُ عَلَى أَلْفٍ دِرْهَمٍ بِخَمْسْمِائَةٍ، أَوْ عَنْ أَلْفٍ جيادٍ بِخَمْسِمِائَة زُيُوفٍ، أَوْ عَنْ حالَّةٍ بِمِثْلِها مُؤَجَّلَةً جازَ، وَلَوْ صَالحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُوَجَّلَةٍ "لمْ يَحُزْ، وَلَوْ صَالحَهُ عَنْ أَلْفٍ سُودٍ بِخَمْسِمِائَةٍ بِيضٍ لا يُجُوزُ، وَلَوْ قالَّ لَهُ: أَدّ إلىَّ غَدًا خَمْيِائَةٍ عَلَى أَنَّكَ بَرِىءٌ مِنْ كَمْسِمِائَةٍ، فَلَمْ يُؤَدّها إِلَيْهِ فالألْفُ بحاِهَا (س). معاوضة یکون ربا ، وتصحيح تصرفه واجب ما أمكن ، وقد أمكن بما ذكرناه من الطريق فيصار إليه ( فإن صالحه على ألف درهم بخمسمائة ، أو عن ألف جياد بخمسمائة زيوف ، أو عن حالة بمثلها مؤجلة جاز ) ففى الأولى أسقط بعض حقه ، وفى الثانية بعضه والصفة ، وفى الثالثة تعذّر جعله معاوضة النقد بالنسيئة لحرمته فحملناه على تأجيل نفس الحقّ وكلّ" ذلك حقه فله إسقاطه ( ولو صالحه على دنانير مؤجلة لم يجز) لأنه بيع الدراهم بالدنانير نسيئة، وإنه لا يجوز لأنها ليست من جنس الحقّ المستحق" ليكون إسقاطا لبعضه وتأجيلا لبعضه فتعين ما ذكرناه ؛ ولو صالحه على ألف مؤجلة بخمسمائة حالة لم يجز لأنه اعتياض عن الأجل ، ولا يجوز لأن المعجلة خير من المؤجلة ، فيكون التعجيل بازاء ما حطّ عنه فلا يصحّ . قال ( ولو صالحه عن ألف سود بخمسمائة بيض لا يجوز ) لأن البيض غير مستحقة فيكون معاوضة وإنه لا يجوز ( ولو قال له : أدّ إلىّ غدا خمسمائة على أنك برىء من خمسمائة فلم يؤدها إليه فالألف بحالها ) وقال أبو يوسف : سقط خمسمائة ، وأجمعوا أنه لو أدى خمسمائة غدا برئ ، لأبى يوسف أنه إبراء مطلق لأنه جعل الأداء عوضا عن الإبراء نظرا إلى كلمة علىّ ، والأداء لا يصلح أن يكون عوضا لوجوبه عليه فصار ذكره. کعدمه . ولهما أنه إبراء مقید بشرط الأداء ، وأنه غرض صالح حذرا من إفلاسه أو ليتوسل بها إلى ما هو الأنفع من تجارة رابحة أو قضاء دين أو دفع حبس ، فاذا فات الشرط بطل الإبراء ، وكلمة على تحتمل الشرط فيحمل عليه عند تعذّر المعاوضة تصحيحا لكلامه وعملا بالعرف . ولو قال : أبرأتك من خمسمائة من الألف على أن تعطينى الخمسمائة غدا صحّ الإبراء أعطى الخمسمائة أو لم يعط ، لأنه أطلق الإبراء ووقع الشكّ فى تعليقه بالشرط فلا يتقيد ، بخلاف المسألة الأولى لأنه من حيث إنه لايصلح عوضا يقع مطلقا ، ومن حيث إنه يصلح شرطا لا يقع مطلقا فلا يثبت الإطلاق بالشكّ. ولو قال: أدّ إلىّ خمسمائة على أنك برىء من الفضل ولم يوقت فهو إبراء مطلق، لأن الأداء واجب عليه فى جميع الأوقات فلم يصلح عوضا فلم يتقيد . ولو قال : صالحتك من الألف على خمسمائة تدفعها إلىّ غدا وأنت برىء من الباقى على أنك إن لم تدفعها غدا فالألف عليك فهو كما قال لأنه صرّح بالتقييد . ولو يدعى عبدا فصالحه على غلته شهرا لم يجز، وعلى خدمته شهرا يجوز، لأنها معلومة - ١٠ - وَلَوْ صَالحَ أَحَدُ الشَّرِيِكَيْنِ عَنْ نَصِيبِهِ بِثَوْبٍ، فَشَرِيكُهُ إِنْ شاءَ أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ الثَّوْبِ إِلَّ أنْ يُعْطِيَهُ رُبْعَ الدَّيْنِ، وَإنْ شاءَ اتَّبَعَ الْمَدْبُونَ بِنِصْفِهِ، وَلا يَجُوزُ صُلْحُ أَحَدِهِما فى السَّلَمِ عَلَى أَخْذٍ نَصِيبِهِ مِنْ رأسِ المَالِ. وَإِنْ صَالحَ الوَرَثَةُ بَعْضَهُمْ عَنْ نَصِيبِهِ بِمَالِ أَعْطَوْهُ، وَالَّتْرِكَةُ عُرُوضٌ جازٌ قَلِيلاً أَعْطَوْهُ أو كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ فَأعْطَوْهُ خِلافَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ نَقْدَيْنِ فَأَعْطَوْهُ مِنْهُما، وَلَوْ كانَتْ نَقْدَيْنِ وَعُرُوضًا والغلة مجهولة غير مقدورة التسليم ، لأنها لاتجب إلا بعد الإجارة والعمل . قال ( ولو صالح أحد الشريكين عن نصيبه بثوب فشريكه إن شاء أخذ منه نصف الثوب ) لأنّ له حقّ المشاركة لأنه عوض عن دينه ، فاذا اختار ذلك فقد أجاز فعل الشريك ( إلا أن يعطيه ربع الدين ) لأنه حقه فى الدين لافى الثوب ( وإن شاء اتبع المديون بنصفه ) لبقاء حصته فى ذمته ، لأنه لم يأذن له بالدفع إلى غيره ، والدين المشترك كالموروث وقيمة عين مستهلكة بهما وثمن مبيع ونحوه . قال ( ولا يجوز صلح أحدهما فى السلم على أخذ نصيبه من رأس المال ) عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله ويتوقف على إجازة شريكه ، فان ردّ بطل أصلا وبقى المسلم فيه بيهما علىحاله وإن آجاز نفذ عليهما فیکون نصف رأس المال بينهما وباقى الطعام بينهما ، لأنه فسمة الدين قبل قبضه فلا يجوز ، كما إذا كان لهما على رجل دراهم وعلى آخر دنانير ، فتصالحا على أن لهذا الدراهم ولهذا الدنانير فانه لايصحّ . وبيان كونه قسمة أنه يمتاز أحد النصيبين عن الآخر ولأنه فسخ على شريكه عقده ، فلايجوز لأن العقد صدرمنهما ، ولهذا يرجع عليه بنصف رأس المال إذا توى الباقى على المطلوب . وقال أبو يوسف رحمه الله: جاز الصلح وله نصف رأس المال ، وصاحبه إن شاء شاركه فيما قبض وإن شاء اتبع المطلوب بنصفه ، إلا إذا توی علیه فیرجع على شریکه ، له الاعتبار . بسائر الديون ، وبما إذا اشتريا عبدا فأقال أحدهما فى نصيبه . قال (وإن صالح الورثة بعضهم عن نصيبه بمال أعطوه والتركة عروض جاز قليلا أعطوه أو كثيرا ) لما بينا أنه فى معنى البيع ، وعثمان رضى الله عنه صالح تماضر امرأة عبد الرحمن بن عوف عن ربع الثمن وكان له أربع نسوة على ثمانين ألف دينار بمحضر من الصحابة رضى الله عنهم من غير نكير . قال ( وكذلك إن كانت أحد النقدين فأعطوه خلافه ) لأن بيع الجنس بخلافه جائز ( وكذلك لو كانت نقدين فأعطوه منهما ) ويصرف كل واحد منهما إلى خلاف جنسه ، وقد مرّ فى البيوع ؛ ثم إن کان فی یده شیء من الترکة ، إن كان مقرًا به يكون أمانة ، فلابدّ من تجديد القبض فيه لأنه أضعف من قبض الصلح فلا ينوب عنه ، وإن کان جاحدا له صار مضمونا علیه فینوب عن قبض الصلح ( ولو کانت نقدین وعروضا - ١١ - فَصَالحُوهُ عَلَى أَحَدِ النَّفْدَيْنِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ أَكْثُرَ مِنْ نَصِيِهِ مِنْ ذلكَ الجِنْسِ، وَلَوْ كانَ بَدَلُ الصُّلْحِ عَرْضًا جازَ مُطْلَقًا، وَإنْ كانَ فى الَّتْرِكَةِ دُيُونٌ فَأَخْرَجُوهُ مِْهَا عَلَى أنْ تَكُونَ "لَهُمْ لاَ يُجُوزُ، وَإِنْ شَرَطُوا بَرَاءَةَ الغُرَّمَاءِ جازَ . كتاب الشركة فصالحوه على أحد النقدين ، فلا بدّ أن يكون أكثر من نصيبه من ذلك الجنس ) ليكون نصيبه بمثله والزيادة بحقه من بقية التركة تحرّزا عن الربا ( ولو كان بدل الصلح عرضا جاز مطلقا ) لعدم تحقق الربا ، وكلّ موضع يقابل فيه أحد النقدين بالآخر يشترط القبض بالمجلس لأنه صرف . قال ( وإن كان فى التركة ديون فأخرجوه منها على أن تكون لهم لا يجوز ) لأنه تمليك الدين من غير من عليه الدين ( وإن شرطوا براءة الغرماء جاز ) لأنه إسقاط أو تمليك الدين ممن هو عليه وإنه جائز ، وإن كان على الميت دين لايصالحون ولا يقسمون حتى يقضوا دينه لتقدم حاجته ، ولقوله تعالى - من بعد وصية يوصى بها أو دين - وإن قسموها ، فان كان الدين مستغرقا للتركة بطلت لأنه لاملك لهم فيها ، وإن كان غير مستغرق جاز استحسانا لاقياسا ، والله سبحانه أعلم . كتاب الشركة الشرك: النصيب، قال صلى الله عليه وسلم (( من أعتق شركا له فى عبد)) أى نصيبا . قال النابغة الجعدى : وشاركنا قريشا فى تقاها وفى أحسابها شرك العنان أى أخذنا نصيبا من التقى والحسب مثل يصيب قريش منهما، كشركة العنان لكل" واحد نصيب من المال والكسب ، وسمى الشريكان لأن كلّ واحد منهما شركا فى المال : أى نصيبا . وهى فى الشرع : الخلطة وثبوت الحصة ، وهى مشروعة بالنصوص ، قال عليه الصلاة والسلام (( يد اللّه على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما)) وقال عليه الصلاة والسلام (( الشريكان اللّه ثالثهما ما لم يخونا ، فاذا خانا محيت البركة بينهما )) وكان قيس بن السائب شريك رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تجارة البز والأدم . وذكر الكرخى أسامة بن شريك ، وقال عليه الصلاة والسلام فی صفته ((كان شريکی وكان خير شريك لايشارى ولا يمارى ولا يدارى)) أى لايلح ولا يجادل ولا يدافع عن الحقّ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملونها - ١٢ - الشَّرِكَةُ نَوْعانِ: شَرِكَةُ مِلْكِ، وَشَرِكَةُ عَقْدٍ. فَشَرِكَةُ المِلكِ. نَوْعَانِ: جَبْرِيَّةٌ، وَاخْتِيارِيَّةٌ، وَشَرِكَةُ العُقُودِ نَوْعانِ: شَرِكَةٌ فى المَالِ ، وَشَرِكَةٌ فى الأعْمالِ. فُالشَّرِكَةُ فى الأُمْوَالِ أنْوَاعٌ: مُفَاوَضَةٌ، وَعِنانٌ ، وَوَجُوهٌ، وَشَرِكَةٌ فى العُرُوُضِ. وَالشَّرِكَةُ فى الأعْمالِ نَوْعانِ: جائِزَةٌ وَهِىَ شَرِكَةُ الصَّنَائِعِ، وَقَاسِدَةٌ وَهِىَ الشَّرِكَةُ فى المُباحاتِ. أمَّا الْمُفَاوَضَةُ فَهُوَ أَنْ يَتّسَاوَيَا فى التَّصَرُّفِ وَالدَّيْنِ (س) وَالْمَالِ الَّذِى تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ. فلم ينكر عليهم وتعاملوا بها إلى يومنا هذا من غير نكير فكان إجماعا . قال (الشركة نوعان : شركة ملك ، وشركة عقد . فشركة الملك نوعان : جبرية ، واختيارية . وشركة العقود نوعان: شركة فى المال ، وشركة فى الأعمال . فالشركة فى الأموال أنواع : مفاوضة ، وعنان ، ووجوه ، وشركة فى العروض . والشركة فى الأعمال نوعان : جائزة وهى شركة الصنائع، وفاسدة وهى الشركة فى المباحات ) وسيأتيك بيان ذلك إن شاء الله تعالى . أما شركة الأملاك ، أما الجبرية بأن يختلط مالان لرجلين اختلاطا لا يمكن التمييز بينهما أو يرثان مالا. والاختيارية أن يشتريا عينا أو يتهبا أو يوصى لهما فيقبلان أو يستوليا على مال أو يخلطا مالهما ، وفى جميع ذلك كل واحد منهما أجنبى فى نصيب الآخر لايتصرّف فيه إلا باذنه لعدم إذنه له فيه ، ويجوز بيع نصيبه من شريكه فى جميع الوجوه ، وأما من غيره فما ثبتت. الشركة فيه بالخلط أو الاختلاط لا يجوز إلا باذن شريكه ، لأن الخلط استهلاك معنى فأورث شبهة زوال ملك نصيب كلّ واحد منهما إلى صاحبه ، وفيما يثبت بالميراث والبيع والهبة والوصية يجوز بيع أحدهما نصيبه من أجنبی بغیر إذن صاحبه ، لأن ملك كلّ واحد منهما قائم فى نصيبه من كل وجه . وأما شركة العقود فركنها الإيجاب والقبول وهو أن يقول : شاركتك فى كذا وكذا فيقول الآخر : قبلت . وشرطها أن يكون التصرّف المعقود عليه قابلا للوكالة حتى لا يجوز على الاحتطاب وأشباهه ليكون الحاصل بالتصرّف مشتركا بينهما إذ هو المطلوب من عقد الشركة ( أما المفاوضة فهو أن يتساويا فى التصرّف والدين والمال الذى تصحّ فيه الشركة ) لأنها فى اللغة تقتضى المساواة ، يقال : فاوض يفاوض : أى ساوى يساوى ، فلا بد من تحقق المساواة ابتداء وانتهاء وذلك فيما ذكرناه . أما المال فلأنه الأصل فى الشركة ومنه يكون الربح . وأما التصرف فلأنه متى تصرّف أحدهما تصرّفا لا يقدر الآخر عليه فاتت المساواة ، وكذا فى الدين لأن الذمىّ يملك من التصرّف فى بيع الخمر والخنزير وشرائهما ما لا يملكه المسلم فلا مساواة بينهما ، فلهذا قلنا : لايصح بينهما مفاوضة . وقال أبويوسف رحمه الله: تنعقد المفاوضة بينهما ، لأن ما يملكه الذمى من بع الخمر والخنزير بملكه المسلم بالتوكيل فتحققت المساواة ، قلنا الذمىّ يملك ذلك بنفسة - ١٣ - وَلا تَصِحُّ إِلاَّ بْنَ الْحُرَّيْنِ البالِغَيْنِ العاقِلَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ أَوِ الذَّمِّيَّيْنِ، وَلا تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ، أوْ تَبْبِينِ جميعِ مُقْتَضَاها، وَلَا يُشْترَطُ تَسْلِيمُ المَالِ وَلَا خَلْطُهُما، وَتَنْعَقِدُ عَلَى الوَكالَةِ وَالكَفَالَةِ، فَمَا يَشْتَرِيهِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُما عَلَى الشَّرِكَةٍ إِلاَّ طَعَامَ أهْلِهِ وإِدَامَهُمْ وَكِسْوَتَهُمْ وَكِسْتَهُ، وَلِلْبَائِعِ مُطالَبَةُ أَ بِهِما شاءَ بِالثَمَنِ، وبنائبه ، ولا كذلك المسلم فانتفت المساواة ، فاذا عقدا المفاوضة صارت عنانا عندهما لفوات شرط المفاوضة ووجود شرط العنان ، وكذلك كلّ ما فات شرط من شرائط المفاوضة يجعل عنانا إذا أمكن تصحيحا لتصرّفهما بقدر الإمكان . قال (ولا تصحّ إلا بين الحرين البالغين العاقلين المسلمين أو الذميين ) وإن كان أحدهما كتابيا والآخر مجوسيا لتساويهما فى التصرّف ولا تصحّ بين العبد والحرّ ؛ ولا بين الصبىّ والبالغ للتفاوت بينهما، فان الحرّ والبالغ يملكان الكفالة والتبرّعات ، ولا كذلك الصبيّ والعبد، أو يملكانها باذن الولىّ والمولى، ولا تصحّ بين العبدين ولا بين الصبيين ولا بين المكاتبين ، لأن هؤلاء ليسوا من أهل الكفالة وأنها تنعقد على الكفالة على ما نبينه إن شاء الله تعالى . والأصل فى جوازها قوله صلى الله عليه وسلم ((فاوضوا فانه أعظم للبركة)) ولأنها تشتمل على الوكالة والكفالة والشركة فى الربح وكلّ واحد منها جائز عند الانفراد فكذا عند الاجتماع . قال ( ولا تنعقد إلا بلفظ المفاوضة ) لأن العوامَ" قلما يعلمون شرائطها، وهذه اللفظة تتضمن شرائطها ومعناها ( أو تبيين جميع مقتضاها) لأن العبرة للمعانى. قال ( ولا يشترط تسليم المال ) لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان فى العقود . قال ( ولا خلطهما ) لأن المقصود الخلط فى المشترى ، وكلّ واحد منهما يشترى بما فى يده بخلاف المضاربة ، لأنه لابد من التسليم ليتمكن من الشراء ، ويشترط حضوره عند العقد أو عند المشترى ، لأن الشركة تتمّ بالشراء لأن الربح به يحصل. قال ( وتنعقد على الوكالة والكفالة ) لأن المساواة بذلك تتحقق ، وهو أن يكون كل واحد منهما مطالبا بما طولب به صاحبه بالتجارة وهو الكفالة ، وأن يكون الحاصل فى التجارة بفعل أيهما كان مشتركا بينهما وفى الوكالة ، فكان معنى المفاوضة وهو المساواة يقتضى الكفالة والوكالة، فكأنّ كل واحد منهما فوّض إلى الآخر أمر الشركة على الإطلاق ورضى بفعله ، وذلك يقتضى الوكالة والكفالة أيضا . قال ( فما يشتريه كل واحد منهما على الشركة ) عملا بعقد المفاوضة ( إلا طعام أهله وإدامهم وكسوتهم وكسوته ) والقياس أن يكون على الشركة بمقتضى العقد ، إلا أنا استحسنا ذلك للضرورة ، فان الطعام والكسوة من اللوازم ، ولا يمكن إيجادها من مال غيره فيجب فى ماله ضرورة . قال ( وللبائع مطالبة أيهما شاء بالثمن ) بمقتضى الكفالة ثم يرجع الكفيل على المشترى بنصف - ١٤ - وَإِنْ تَكَفْلَ بِمَالٍ عَنْ أَجْنِّّ لَزِمَّ صَاحِبَهُ (سم)، فَإِنْ مَلَكَ أَحَدُهُما ما تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ صَارَتْ عِنانا، وَكَذَا فى كُلّ مَوْضِعٍ فَسَدَتْ فِيهِ المُعَاوَضَةُ لِفَوَاتِ شَرْطِ لايُشْترَطُ فى العنانِ، وَلا تَنْعَقِدُ الْمُفَاوَضَةُ وَالعِنانُ إلاَّ بالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرٍ وَتْرَ بِهِمَا إِنْ جَرَى التَّعامُلُ بِهِ وَبَالفُلُوسِ الرَّائِجَةِ، ما أدّى لأنه كفيل أدّى عنه بأمره . قال ( وإن تكفل بمال عن أجنبيّ لزم صاحبه) وقالا: لا يلزمه لأنه تبرّع حتى لايصحّ من الصبىّ والمأذون وصار كالإقراض ، وله أنه تبرّع ابتداء لما ذكر معاوضة انتهاء لأنه يجب له الضمان على المكفول عنه حتى لو كفل عنه بغير أمره لا يلزم شريكه ، وبالنظر إلى المعاوضة يلزم شريكه والإقراض ممنوع أو يقول هو إعارة ، ولهذا لايصحّ فيه التأجيل ، وللمردود فى الإعارة حكم العين لاحكم البدل ، فلم توجد المعاوضة وضمان الغصب والاستهلاك كالكفالة لأنه معاوضة انتهاء ، وكذا ما يلزم . أحدهما من الديون بسبب تصحّ فيه الشركة كالبيع والإجارة ونحوهما يلزم شريكه ، وما لزم بسبب لاتصحّ فيه الشركة لايلزم كالنكاح وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ونحوه . قال ( فإن ملك أحدهما ما تصحّ فيه الشركة صارت عنانا ) لزوال المساواة ، وذلك مثل الإرث والوصية والاتهاب والمساواة فى العنان ليست بشرط فتصير عنانا لوجود شرائطها ( وكذا فى كل موضع فسدت فيه المفاوضة لفوات شرط لا يشترط فى العنان ) فتصير عنانا وإن ملك شيئا لاتصحّ فيه الشركة كالعقار والعروض ، فالمفاوضة بحالها لأن ذلك لا يبطلها فى الابتداء فکذا حالة البقاء . قال ( ولا تنعقد المفاوضة والعنان إلا بالدراهم والدنانير وتبریہما إن جری التعامل به وبالفلوس الرائجة ) أما الدراهم والدنانير فلأنهما ثمن الأشياء خلقة ووضعاولاخلاف فى ذلك . وأما التبر فقيل يجوز مطلقا لأن الذهب والفضة خلقا ثمنين ؛ وقيل لا يجوز إلا بالتعامل وهو الأصحّ لأنهما وإن خلقا للثمنية لكن بوصف الضرب حتى لاينصرف الاسم عند الإطلاق إلى التبر ، وإنما ينصرف إلى المضروب ، إلا أنا أجرينا التعامل مجرى الضرب عملا بالعرف فألحقناه بهما عند التعامل ؛ وإن كان لأحدهما دراهم وللآخر دنانير ، أو لأحدهما سود وللآخربيض جازت المفاوضة إن استوت قیمتهما ، لأنه جنس واحد من حيث الثمنية، وإن تفاضلا فى القيمة لاتصحّ مفاوضة وتصير عنانا لما تقدّم . وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله: أنه لا يجوز وإن استويا فى القيمة، وهو قول زفر، لأن الشركة تنى عن الخلطة، ولا اختلاط مع اختلاف الجنس . وجوابه أنهما جنس واحد من حيث الثمنية نظرا إلى المقصود على ما بينا . وأما الفلوس فلأنها إذا راجت التحقت بالأثمان . وعن أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله: أنه لا يجوز لأن ثمنيتها تتعين بالاصطلاح ومحمد - ١٥ - وَلا تَصِحُّ بالْعُرُوضِ (فى) إلاَّ أنْ يَبِيعَ أحَدُهُما نِصْفَ عُرُوُضِهِ بِنِصْفٍ عُرُوُضِ الآخرِ إذَا كانَتْ قِيمَتَاهُما عَلَى السَّوَاءِ، ثُمَّ يَعْقِدَانِ الشَّرِكَةَ وَشَرِكَةُ العِنانِ تَصِحُّ مَعَ التَّفَاضُلِ فى المَالِ، وَتَصِحُّ مَعَ التَّفَاضُلِ فى المَالِ وَالتَّسَاوِى فى الرّبْحِ إِذَا عَمِلا أَوْ شَرَطا زِيادَةَ الرّبْحِ الْعَامِلِ ، مرّ على أصله فى ثمنيتها حتى لاتتعين بالتعيين حالة النفاق والرواج. قال (ولا تصحّ بالعروض) لأنه يؤدى إلى ربح مالم يضمن ، لأنه لابد من بيعها ، فاذا باع أحدهما عروضه بألف وباع الآخر عروضه بألف وخمسمائة ومقتضى العقد الشركة فى الكيل ، فما يأخذه صاحب الألف زيادة على الألف ربح مالم يضمن ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح مالم يضمن . قال ( إلا أن يبيع أحدهما نصف عروضه بنصف عروض الآخر إذا كانت قيمتاهما على السواء ) فتنعقد شركة أملاك ( ثم يعقدان الشركة ) على قيمتها وهذه شرکة العروض ؛ وإن اشترکا علی أن يبيع کلّ واحد منهما عروضه ویکون ثمنه بيهما لا يجوز لما تقدّم. وتصحّ الشركة بالمكيل والموزون والمعدود المتفاوت إذا خلطا واتحد الجنس ، وماربحا لهما والوضيعة عليهما. وذكر الكرخى أن عند أبى يوسف رحمه الله: هى شركة أملاك لأنها ليست بأثمان فلا يصحّ التفاضل فى الربح . وعند محمد: تصحٌ شركة عقد بالخلط لأنها تصلح ثمنا لوجوبها دينا فى الذمة ، إلا أن قبل الخلط لاتتحقق الوكالة ، فإنه لو قال له : اشتر بحنطتك شيئا على أن يكون بيننا لا يصحّ ؛ لأن توكيل الغير يبيع ملك نفسه لا يجوز ، وبعد الخلط تتحقق الوكالة فصحت الشركة . قال ( وشركة العنان تصحّ مع التفاضل فى المال ) إلا أنها لا تقتضى المساواة فيجوز أن يشتركا فى عموم التجارات وفى خصوصها وببعض ماله لأنها تنبىء عن الحبس ، يقال : عنّ الرجل إذا حبس ، والعنين محبوس عن النساء ، والعنان يحبس الدابة عن بعض الإطلاق ، فكأنّ شريك العنان حبس بعض ماله عن الشركة ، أو حبس شريكه عن بعض التجارلت فى ماله ، وتعتبر قيمة رأس المالين المختلفين يوم الشركة ، لأنه إنما يستحقّ زيادة الربح بالشرط يوم الشركة ، ويعتبر قيمتهما يوم الشراء ليعرف مقدار ملكهما فى المشترى ، لأن حقهما ينتقل إلى المشترى بالشراء ، ويعتبر قيمتهما يوم القسمة أيضا، لأن عند القسمة يظهر الربح . قال ( وتصحّ مع التفاضل فى المال والتساوى فى الربح إذا عملا أو شرطا زيادة الربح للعامل ) وقال زفر : لاتصحّ المساواة فى المال والتفاوت فى الربح ولا على العكس ، ولا يجوز إلا أن يكون الربح على قدر رأس المال ، لأنه يؤدى إلى ربح ما لم يضمن كالمفاوضة ، ولأنه لا يجوز اشتراط الوضيعة هكذا فكذا الربح . ولنا قول علىّ رضى الله عنه: الربح على ما اشترط المتعاقدان ، والوضيعة على المال. ولأن الربح كما يستحقّ بالمال يستحق بالعمل - ١٦ - وَإِذَا تَساوَيًا فى المَالِ وَشَرَطَا التََّاوُتَ فى الرّبْحِ وَالوَضِيعَةٍ فالرّبْحُ عَلى ماشَرَطَ وَالوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ المَاَلْيْنِ، وَتَنْعَقِدُ عَلَى الوَكَالَةِ، وَلا تَنْعَقِدُ عَلى الكَفَالَةِ وَلا تَصِحُّ فِيما لاتَصِحُّ الوَكالَةُ بِهِ كالإِحْتِطابِ وَالإِحْتِشاشِ، وَمَا جَمَعَهُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ لَهُ، فإِنْ أعانَهُ الآخَرُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَإِنْ هَلَكَ المالانِ أَوْ أَحَدُهُما فى شَرِكَةِ العِنانِ قَبْلَ الشُّرَاءِ بَطَلَتِ الشَّرِكَةِ. وَإِنِ اشْتَرَى أحَدُهُما يِمَالِهِ ثُمَّ هَلَكَ مَالُ الآخَرِ فالمُشْتَرَىَ بْيَنْهُمَا عَلى ماشَرَطا، وَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ منَ الثَّمَنِ، وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُ المَاَلْيْنِ ثُمَّ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا فالْمُشْتَرَى لِصَاحِبِ المَالِ خاصَّةٌ ، كالمضارب ، فان أحدهما قد يكون أعرف بأمور التجارات وأهدى إلى البياعات فلا يرضى بالمساواة ( وإذا تساويا فى المال وشرطا التفاوت فى الربح والوضيعة ، فالربح على ما شرطا والوضيعة على قدر المالين) قال صلى الله عليه وسلم ((الربح على ما شرطا والوضيعة على قدر المالين )) من غير فصل ، ولأنا جوّزنا اشتراط زيادة الربح بمقابلة العمل تقديرا . أما زيادة الوضيعة فلا وجه لها ، وصار كما إذا شرطا الوضيعة على الضارب فانه لا يصحّ كذلك هنا . قال ( وتنعقد على الوكالة ) لما مرّ (ولاتنعقد على الكفالة) لأنها إنما ثبقتّ فى المفاوضة قضية للمساواة ولا مساواة هنا. قال (ولا تصحّ فيما لاتصحّ الوكالة به کالاحتطاب والاحتشاش) لأن الوكالة فى ذلك باطلة لأنها مباحة ، لأن الآخذ يملكه بدون التوكيل فيكون فاعلا لنفسه ، ومن ذلك اجتناء الثمار من الجبال والاصطياد وحفر المعادن وأخذ الملح والحصّ والكحل وغيرها من المباحات ( وما جمعه كلّ واحد منهما فهو له ) دون صاحبه لأنه مباح سبقت يده عليه ( فان أعانه الآخر فله أجر مثله ) بالغا ما بلغ لأن الشركة متى فسدت صارت إجارة فاسدة ، ولو استأجره فى ذلك بنصف المجموع كان له أجر المثل بالغا ما بلغ كذلك هنا . وقال أبويوسف : له أجر مثله لايجاوز به نصف الثمن تحقيقا للفائدة، وهذه الشركة فاسدة . قال ( وإن هلك المالان أو أحدهما فى شركة العنان قبل الشراء بطلت الشركة ) أما إذا هلكا فلأن المعقود عليه المال وأنه يتعين فيها كالهبة والوصية وقد هلك فيبطل العقد كالبيع ، وأما إذا هلك أحدهما فلأن الآخر ما رضى بشركة فى ماله إلا ليشركه فى ماله أيضا ، وقد فاتت الشركة فى الهالك فيفوت الرضى فيبطل العقد . قال ( وإن اشترى أحدهما بماله ثم هلك مال الآخر فالمشترى بينهما على ما شرطا ) لانعقاد الشركة وقت الشراء (ويرجع على صاحبه بحصته من الثمن ) لأنه اشترى . له بالوكالة ونقد الثمن من ماله فيرجع عليه لما مرّ (وإن هلك أحد المالين ثم اشترى أحدهما فالمشترى لصاحب المال خاصة ) لأن الوكالة بطلت بهلاك أحد المالين كما تقدم فيكون - ١٧ - وَلا يَجُوزُ أَنْ يَشْترِطا ◌ِأَحَدِ هِما دَرَاهِمَ مُسَنَّةً مِنَ الرَّبْحِ؛ وَلِشَرِيِكٍ العِنانِ وَالْمُفَاوِضِ أنْ يُؤَكِّلَ وَيُبْضِعَ وَيُضَارِبَ وَيُودِعَ وَيَسْتَأْجِرَ عَلى العَمَلِ، وَهُوَ أمينٌ فى المَالِ. وَشرِكَةُ الصَّائِعِ: أنْ يَشْرِكَ صَانِعانِ اتَّفْقَا فى الصَّنْعَةِ أوِ اخْتَلَفَا عَلَى أنْ يَتَقَبَّلا الأعمالَ وَيَكُونُ الكَسْبُ بْيَنْهُما فَيَجوزُ، وَمَا يتَقْبَّلُهُ أحَدُهُما يَلْزَمُهُما، فَيُطالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَمَلِ وَيُطالَبُ بالأجْرِ . مشتريا لنفسه خاصة ، وإن كانا نصا على الوكالة فى عقد الشركة كان المشترى بينهما على ما شرطا وتكون شركة أملاك ، لأن الشركة بطلت لما بينا، والمشترى بحكم الوكالة المصرّح بها لا يحكم الشركة المعقودة فكانت شركة أملاك ، ويرجع عليه بحصته من الثمن لما مرّ . قال ( ولا يجوز أن يشترطا لأحدهما دراهم مسماة من الربح) لأنه قد لا يربح ما سميا أو يربح ذلك لاغير فتبطل الشركة فكان شرطا مبطلا للشركة فلا يجوز . قال ( ولشريك العنان والمفاوض أن يوكل ويبضع ويضارب ويودع ويستأجر على العمل ) لأن كل ذلك من أفعال التجار ( وهو أمين فى المال ) لأنه قبضه من المالك باذنه وليس له أن يشارك ، لأن الشىء لا يستتبع مثله ، فلو شارك المفاوض عنانا جاز عليهما لأنه دون المفاوضة ، ولو فاوضه جاز بإذن شريكه ، فان لم يأذن ينعقد عنانا لأن الشىء لايستتبع مثله ، فإذا أجاز المفاوضة كانت شركة مبتدأة وإلا فهى عنان لأنه لابدّ له من الاستعانة بغيره وهذا دونه فيجوز كالمضارب له أن يوكل وليس له أن يضارب . قال ( وشركة الصنائع ) وتسمى شركة التقبل ، وهى ( أن يشترك صانعان اتفقا فى الصنعة أو اختلفا على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب بينهما فيجوز) وقال زفر : لا يجوز مع اختلاف العمل لأن الشركة تنبى عن الخلطة ولا اختلاط مع الاختلاف . ولنا أنها شركة فى ضمان العمل وفيما يستفاد به وهو الأجر لافى نفس العمل ، والوكالة فيه ممكنة ، لأن ما يتقبل كلّ واحد منهما من العمل فهو أصيل فى نصفه وكيل فى نصفه ، وبذلك تتحقق الشركة ؛ ولو استويا فى العمل وتفاضلا فى المال جاز أيضاً ، لأن الأجرة بدل عملهما ، وأنهما يتفاوتان فيكون أحدهما أجود عملا وأحسن صناعة فيجوز ؛ والقياس أن لا يجوز لأنه يؤدّى إلى ربح ما لم يضمن ، لأن الضمان بقدر العمل فالزيادة عليه زيادة ربح ما لم يضمن . قلنا المأخوذ هنا ليس بربح ، لأن الربح يقتضى المجانسة بينه وبين رأس المال ولا مجانسة ، لأن رأس المال هو العمل والربح مال فكان بدل العمل على ما بينا . قال ( وما يتقبله أحدهما يلزمهما فيطالب كلّ واحد منهما بالعمل ويطالب بالأجر ) استحسانا . والقياس أنه لايلزم شريكه ، لأن ذلك مقتضى المفاوضة والشركة هنا مطلقة ؛ وجه الاستحسان أن هذه الشركة تقتضى الضمان حتى كان ٢ - الاختيار ــ ثالث - ١٨ - وَشَرِكَةُ الوُجَوَهِ جالِزَةٌ، وَهِىَ أنْ يَشْرِكا على أنْ يَشْتَرِيا بِوُجُومِهِما وَيَبِيعا، وَتَنْعَقِدُ عَلَى الوَكَالَةِ؛ وَإِنْ شَرَطَا أَنَّ الْمُشْتَرَى بَيَنْهُمَا الْرّبْحُ كَذَلِكَ، وَلا تَجُوزُ الزّيادَةُ فِيهِ، وَإِنْ اشْتَرَكا وَلِأَحَدِهِما بَغْلٌ وَلِلْآَخْرِ وَاوِيّةٌ يَسْتَفِى المَاءَ لابَصِحُّ، وَالكَسْبُ لِلْعَامِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ بَغْلِ الآخْرِ أَوْ رَاوِيَّتِهِ، وَالرّبْحُ فى الشَّرِكَةِ الناسِدَةِ عَلَى قَدْرِ المَالِ وَيَبْلُلُ شَرْطُ الزّيادَةِ وَإِذا ماتَ أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، أَوْ لحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدًا بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيِكْنِ أنْ يُؤَدّىَ زَكَاةَ مالِ الآخَرِ إلاّ يإذْنِهِ، فإِنْ أذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما لِصَاحِبِهِ فأدَّيا مَعَا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيب صَاحِبِهٍ، وَإِنْ أدَّيَا مُتْعَاقِيا ضَمِنَ الثَّانِى لِلأَوَّلِ عَلِمِ بِأدَائِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. مايتقبله كل واحد منهما مضمونا على الآخر، ويستوجب الأجر بما تقبله شريكه فكان كالمفاوضة فى ضمان الأعمال والمطالبة بالأبدال. قال ( وشركة الوجوه جائزة) وتسمى شركة المفاليس ( وهى أن يشتركا على أن يشتريا بوجوههما ويبيعا ) سميت بذلك لأن الشراء بالفسيئة إنما یکون لمن له وجاهة عند الناس ، والتعامل بذلك جائز بين الناس من غير نكير . قال ( وتنعقد على الوكالة ) لأن التصرّف على الغير إنما يجوز بوكالته إذ لاولاية عليه وهذا عند الإطلاق ، ولو شرط الكفالة أيضا جاز وتكون مفاوضة لأنه يمكن تحقيق ذلك ، لكن عند الإطلاق بصرف إلى العنان لأنه أدنى . قال ( وإن شرطا أن المشترى بينهما فالربح كذلك ، ولا تجوز الزيادة فيه ) لأن استحقاق الربح بالضمان ، والضمان يتبع الملك فى المشترى فيتقدر بقدره. قال ( وإن اشتركا ولأحدهما بغل وللآخر راوية يستفى الماء لا يصحّ ، والكسب للعامل) لأن الماء مباح وأخذه لايستفاد بالوكالة وقد تقدّم ( وعليه أجرة يغل الآخر أو راويته ) لأنه قد انتفع بملك الغير بعقد فاسد فيلزمه أجرته . قال (والربح فى الشركة الفاسدة على قدر المسال ويبطل شرط الزيادة ) لأن الربح تبع لرأس المال فيتبعه فى الملكية ، والزيادة إنما تستحق" بالشرط وقد بطل. قال ( وإذا مات أحد الشريكين أو لحق بدار الحرب مرتداً بطلت الشركة) لتضمنها الوكالة ، وهى تبطل بذلك على ما مرّ . قال ( وليس لأحد الشريكين أن يؤدّى زكاة مال الآخر إلا بإذنه ) لأن ذلك ليس بداخل فى الشركة لأنه ليس من التجارة ( فإن أذن كلّ واحد منهما لصاحبه فأدّيا معا ضمن كلّ واحد منهما نصيب صاحبه ، وإن أدّيا متعاقبا ضمن الثانى للأوّل علم بأدائه أو لم يعلم ) عند أز حنيفة رحمه اللّه، وعنه إن لم يعلم لا يضمن وهو قولهما، لأنه مأمور بالدفع إلى الفقير وقد فعل . وله أنه مأمور بالدفع إليه زكاة ، والمدفوع لم يقع زكاة فكان مخالفا ، ولأنه أمره بأداء يخرجه عن العهدة ولم يوجد فكان مخالفا فيضمن ، والله أعلم . ١ - ١٩ - كتاب المضاربة المُضَارِبُ شَرِيكُ رَبّ المَالِ فى الْرّبْحِ وَ أْسُ مالِهِ الضَّرْبُ فى الأرْضِ، فإذا سُلُمَّ رأسُ المَالِ إلَيْهِ فَهُوّ أمانَةٌ، فإذَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ وَكِيلٌ، كتاب المضاربة وهى مفاعلة من الضرب ، وهو السير فى الأرض ، قال الله تعالى ؛ وإذا ضريتم فى الأرض - الآية، وسمى هذا النوع من التصرّف مضاربة لأن فائدته وهو الربح لاتحصل غالبا إلا بالضرب فى الأرض ، وهى بلغة الحجاز مقارضة ، وإنما اخترنا المضاربة لموافقته نصّ القرآن، وهو قوله تعالى - وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله - أی يسافرون للتجارة ، وهو عقد مشروع بالآية وبالسنة ، وهو ما روی أن العباس كان يدفع ماله مضاربة ، ويشترط على مضاربه أن لايسلك به بحرا وأن لاينزل واديا ولا يشترى به ذات كبد رطبة (١) فان فعل ذلك ضمن ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحسنه وأجازه ، وبعث عليه الصلاة والسلام والناس يتعاملونه فأقرّهم عليه ؟ وعن عمر رضى الله عنه أنه دفع مال اليتيم مضاربة وعليه الإجماع، ولأن الناس حاجة إلى ذلك لأن منهم الغنىّ الغبيّ عن التصرّفات ، والفقير الذكىّ العارف بأنواع التجارات ، فمست الحاجة إلى شرعيته تحصيلا لمصلحتها . وتنعقد بقوله دفعت هذا المال إليك مضاربة أو مقارضة أو معاملة ، أو خذ هذا المال واعمل فيه على أن لك نصف الربح أو ثلثه ، أو قال : خذ هذه الألف واعمل بها بالنصف أو بالثلث استحسانا ، لأن البيع والشراء صار مذكورا بذكر العمل ، والنصف متى ذكر عقيب البيع والشراء يراد به النصف من الربح عرفا وأنه كالمشروط ، ولو قال : خذ هذا المال بالنصف كان مضاربة استحسانا عملا بالعرف. وشرائطها خمسة : أحدها أنها لاتجوز إلا بالنقدين . الثانى: إعلام رأس المال عند العقد ، إما بالإشارة أو بالتسمية ، ويكون مسلما إلى المضارب . الثالث : أن يكون الربح شائعا بينهما . الرابع: إعلام قدر الربح لكلّ واحد منهما . الخامس : أن يكون المشروط للمضارب من الربح ، حتى لو شرطه من رأس المال أو منهما فسدت على ما يأتيك إن شاء الله تعالى . قال ( المضارب شريك ربّ المال فى [الربح، ورأس ماله الضرب فى الأرض ) لأنه لو لم يكن شريكه فى الربح لا يكون مضاربة على مانبينه إن شاء الله. قال ( فإذا سلم رأس المال إليه فهو أمانة ) لأنه قبضه بإذن المالك ( فاذا تصرّف فيه فهو وكيل ) لأنه تصرّف (١) قوله كبد رطبة : المراد بها المواشى . - ٢٠ - فِإذَا رَبِحَ صَارَ شَرِيكا، فإنْ شُرِطَ الرّبْحُ لِلْمُضَارِبِ فَهُوَ قَرْضٌ (ف)، وإن شُرِطَ لِرَّبّ المَالٍ فَهُوَ بِضَاعَةٌ، وَإِذَا فَسَدَتِ الْمُضَارَبَةُ فَهِىَ إِجارَةٌ فاسدَةً ، وَإِذَاَ خالَفَ صَارَ غاصِبًا، وَلا تَصِحُّ إلاَّ أنْ يَكُونَ الرّبْحُ بَيَهُما مَشاعا ◌َ فإِنْ شُرِطَ لِأَحَدِهِما دَرَاهِمُ مُسَمََّةٌ فَسَدَتْ، وَالرّبْحُ لِرَبّ المَالِ، وَلِلْمُضَارِبِ أجْرُ مِثْلِهِ، وَاشْتِرَاطُ الوَضِيعَةِ عَلى المُضَارِبِ باطِلٌّ، وَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَالْ مُسُلَّمَا إِلَى الْمُضَارِبِ، وَلَلْمُضَارِبِ أَنْ يَبَيعَ وَيَشْتَرِىّ بالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَة وَيُؤَكِّلَ وَيُسْافِرَ وَيُبْضِعَ، وَلا يُضَارِبُ إلاَّ باذْنِ رَبّ المَالِ، أَوْ بِقَوْله : اعْمَلْ برأيكَ ، فيه بأمره ( فإذا ربح صار شريكا ) لأنه ملك جزءا من الربح ( فإن شرط الربح للمضارب فهو قرض ) لأن كلّ ربح لا يملك إلا بملك رأس المال، فلما شرط له جميع الربح فقد ملكه رأس المال ، ثم قوله مضاربة شرط لردّه فيكون قرضا (وإن شرط لربّ المال قهوبضاعة ) هذا معناها عرقا وشرعا ( وإذا فسدت المضاربة فهى إجارة فاسدة ) لأنه عمل له بأجر مجهول فيستحقّ أجر مثله لما مرّ ( وإذا خالف صار غاصبا) لأنه تصرّف فى ملك الغير بغير رضاه فكان غاصیا ، ولا تصحّ إلا بما تصحّ به الشركة. قال ( ولا تصحّ إلا أن يكون الربح بينهما مشاعا، فإن شرط لأحدهما دراهم مسماة فسدت) لما مرّ فى الشركة ، وكذا كل شرط يوجب الجهالة فى الربح يفسدها لاختلال المقصود ( والربح مربة المال) لأن الربح تبع للمال لأنه نماؤه ( وللمضارب أجر مثله ) لأنها فسدت ولا يتجاوز به المسمى عند أبى يوسف ، وهو نظير مامرّ فى الشركة الفاسدة ، وهكذا كلّ. موضع لاتصحّ فيه المضاربة، وتجب الأجرة وإن لم يعمل لأن الأجير يستحقّ الأجرة بتسليم نفسه وقد سلم . وعن أبى يوسف أنه لا يستحقّ حتى يربح كالصحيحة ، والمال أمانة كالصحيحة ، أو لأنه أجير خاصّ . قال ( واشتراط الوضيعة على المضارب باطل ) لما روى عن علىّ رضى الله عنه أنه قال: الربح على ما اشترطوا عليه، والوضيعة على المال ولأنه تصرّف فيه بأمره فصار كالوكيل. قال ( ولا بدّ أن يكون المال مسلما إلى المضارب) لأنه لايقدر على العمل إلا باليد ، فيجب أن تخلص يده فيه وتنقطع عنه يد ربّ المال . قال ( وللمضارب أن يبيع ويشترى بالنقد والنسيئة ويوكل ويسافر ويبضع ) وأصله أن المضارب مأمور بالتجارة ، فيدخل تحت الإذن كل ماهو تجارة أو ما لابدّ للتجارة منه : كالبيع والشراء والباقى من أعمال التجارة ، وكذلك الإيداع ولأنها دون المضاربة فيدخل تحت الأمر. قال ( ولا يضارب إلا باذن ربّ المال، أو بقوله: اعمل برأيك) لأن الشىء لا يستتبع مثله لاستوائهما فى القوّة فاحتاج إلى التنصيص أو مطلق التفويض ، إلا أنه ليس