النص المفهرس

صفحات 121-140

- ١٢١ -
وَإِن اخْتَلَا فىِ الْأجَل أوْ شَرْطِ الخِيار، أو اسْتِيفاء بَعْض الثَّمَن لَمْ يَتَحالفا،
وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكَرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلاكِ المَبيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا، وَالْقَوْلُ
قَوْلُ الْمُشْتَرِى؛ وَإِنِ اخْتَلَا بَعْدَ هَلاكِ بَعضِ المَبِيعِ لَمْ يَتَحالفا إلاَّ أنْ
يَرْضَى البائعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ المَالِكِ ،
(وإن اختلفا فى الأجل أو شرط الخيار، أو استيفاء بعض الثمن لم يتحالفا) لأنه اختلاف
فى غير المعقود عليه ، لأن العقد لايختلّ بعدمه ، بخلاف الاختلاف فى القدر لأنه لابقاء
للعقد بدونه ( والقول قول المنكر ) لأنه ينكر الشرط فكان القول قوله . قال (وإن اختلفا
بعد هلاك المبيع لم يتحالفا ) عند أبى حنيفة وأبى يوسف (والقول قول المشترى ) لأنه منكر.
وقال محمد : بتحالفان ويفسخ البيع على قيمة الهالك ، وعلى هذا إذا خرج المبيع عن ملك
المشترى أو صار بحال يمنع الفسخ بأن ازداد زيادة متصلة أو منفصلة . لمحمد أن كلّ واحد
منهما يدّعى عقدا غير مايدّعيه الآخر وصاحبه ينكر فيتحالفان كما إذا كانت قائمة لأن القهمة
بمنزلة العين عند عدمها . ولهما أن اليمين حجة المنكر حقيقة بالنصّ والبائع ليس بمنكرٍ
لأن المشترى ليس بمدّع ، لأن السلعة سلمت له مثكا ويدا ، وإذا لم يكن البائع منكرا
لايمين عليه ، والشرع ورد به حال قيام العين لفائدة الفسخ ، ولا مسخ بعدها لعدم بقاء
العقد ، وأيهما أقام البينة قضى بها ، وإن أقاما فبينة البائع ، وإن ماتا أو أحدهما واختلفت
الورثة فلا تحالف لأنهما ليسا متبايعين فلا يتناولهما النصّ . قال (وإن اختلفا بعد هلاك
بعض المبيع لم يحالفا إلا أن يرضى البائع بترك حصة الهالك ) وقال أبويوسف : يتحالفان
فى الحىّ وينفسخ البيع فيه، والقول فى قيمة الهالك قول المشترى . وقال محمد : يتحالفان
عليهما وينفسخ البيع فى الحىّ وقيمة الهالك وعلى هذا إذا انتقص أو جنى عليه المشترى أو باع
المشترى أحد العبدين . لمحمد أن هلاك السلعة لا يمنع التحالف عنده لما مرّ ، فهلاك البعض
أولى. ولأبى يوسف أن المبيع إذا كان قائما يتحالفان ، وإن كان هالكا لايتحالفان ، فاذا
هلك نصفه وبقى نصفه يعطى كلّ نصف حكمه . ولأبى حنيفة أن النصّ ورد حال قيام
السلعة ، بخلاف القياس فلا يقاس عليه غيره ، إلا أنه إذا رضى بترك حصة الهالك يصير
الهالك كأن لم يكن وكأن العقد لم يرد إلا على الباقى ؛ ومن المشايخ من قال على قول
أبى حنيفة يأخذ من ثمن الهالك ما أقرّ به المشترى دون الزيادة . وذكر محمد فى الجامع
قول أبى يوسف مع قوله وهو الصحيح ، فيحلف المشترى بالله ما اشتريتهما بألفين ،
فان نكل لزمه ، وإن حلف يحلف البائع ما بعتهما بألف ، فان حلف يفسد العقد فى القائم
ويرد المشترى حصة الهالك من الثمن الذى أقرّ به ، ويقسم الثمن على قدر قيمتهما يوم القبض ؛
وإن اختلفا فى قيمة الهالك يوم القض فالقول للبائع لأنه ينكر زيادة السقوط بعد اتفاقهما
ب

- ١٢٢ -
وَإِنِ اخْتَفَا فى الإِجارَةِ قَبْلَ اسْتِفَاءِ شَىْءٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فى البَّدَلِ أو فِى الْمُنْدَلِ
يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ؛ وَإِنِ اخْتَلَا بَعْدَ اسْتِيفاءٍ جَميعِ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَتَحالها
وَالقَوْلُ لِلْمُسْتَأْ جِرٍ؛ وَإنِ اخْتَلَا بَعْدَ اسْتِيفاءٍ بَعْضِ المَنافِعِ يَتْحالَفَانٍ،
وَيُفْسَخُ العَقْدُ فِيمَا بَقِى، وَالْقَوْلُ فِيما مَضَى قَوْلُ الْمُسْتَاجِرِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفا
بَعْدَ الإِقالَةِ تحالفا وَعادَ البَيْعُ؛ وَإِنِ اخْتْلَفا فى المَهْرِ فَأُيُهُمَا أقامَ البَيِّنَةَ
قُبِلَتْ، وَإِنْ أقاما فَبَيِّنْتَةُ المَرأةِ، فَإِنْلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ
على الثمن ، وأيهما أقام البينة قبلت ، وإن أقاما فبينة البائع لأنها أكثر إثباتا لأنها تثبت الزيادة
فى قيمة الهالك . قال ( وإن اختلفا فى الإجارة قبل استيفاء شىء من المنفعة فى البدل أو
فى المبدل يتحالفان ويترادّان) لأن الإجارة قبل استيفاء المنفعة نظير المبيع قبل القبض؛
فان اختلفا فى الأجرة بدئ بيمين المستأجر لأنه منكر ، وإن اختلفا فى المنفعة بدئ بيمين
لمؤْجر، وأنهما أقام البينة قبلت؛ وإن أقاما فبينة المستأجر إن كان الاختلاف فى المنفعة،
وإن كان فى الأجر فبينة الآجر ، وإن کان فيهما قضی بالبینتین ، کما إذا قال أحدهما شهرا
بعشرة ، والآخر شهرين بخمسة يقضى بشهرين بعشر ( وإن اختلفا بعد استيفاء جميع المنفعة
لم يتحالفا) بالإجماع ( والقول للمستأجر ) لأنه منكر ، وهذا على قولهما ظاهر. وأما على
قول محمد فهو إنما يفسخ فى الهالك فيردّ القيمة ، والهالك هنا لاقيمة له على تقدير الفسخ ،
لأن المنافع لا تتقوّم بنفسها بل بالعقد ، فلوتحالفا وفسخ العقد تبين أنه لاعقد فيرجع على
موضوعه بالنقض ( وإن اختلفا بعد استيفاء بعض المنافع يتحالفان ، ويفسخ العقد فيما بقى
والقول فيما مضى قول المستأجر ) لأن الإجارة عندنا تنعقد شيئا فشيئا ، فما مضى صار
كالهالك وما بقى لم ينعقد ، بخلاف البيع فانه ينعقد جملة واحدة . قال ( وإن اختلفا بعد
الإقالة تحالفا وعاد البيع ) ومعناه : اختلفا قبل القبض ؛ أما إذا قبض البائع المبيع بعد
الإقالة ثم اختلفا لم يتحالفا عند أبى حنيفة وأبى يوسف خلافا لمحمد ، وهذا على قول من
من يقول : إن الإقالة بيع لا إشكال إنما الإشكال على أنها فسخ، إلا أنا نقول إنما أثبتنا
التحالف فيها قبل القبض ، لأن القياس يوافقه ، لأن البائع يدّعى زيادة الثمن ، والمشترى
ینكره ، والمشتری یدعی وجوب تسليم المبيع بما نقد والبائع ینكره ، فکلّ واحد منهما
منكر فيحلف ، فكان التحالف على مقتضى القياس قبل القبض ، فأثبتنا التحالف قبل
القبض بالقياس لا بالنصّ ، ولا كذلك بعد القبض ، فانه على خلاف القياس ، لأن
المبيع يسلم للمشترى ، فلا يدّعى شيئا فلا يكون البائع منكرا . قال ( وإن اختلفا فى المهر
فأيهما أقام البينة قبلت ، وإن أقاما فبينة المرأة ) لأنها أكثر إثباتا ( فان لم يكن لهما بينة

- ١٢٣ -
تحالفًا فأيُهُمَا نَكَلَ قُضِىَ عَلَيْهِ، وَإِذَا تحالفا يُحَكَّمُ مَهْرُ المِثْلِ، فإنْ كانَ
مِثْلَ مَا قالَتْ أوْ أَكْثُرَ قُضِىَ بِقَوْلِهَا، وَإِنْ كانَ مِثْلَ ما قالَ أوْ أَقَلَّ قُضِىَ
بِقَوْلهِ، وَإنْ كانَ أَقَلَّ مِمَّا قالَتْ وأكْسَثُرَ مِمَّا قالَ قُضِىَ بِمَهْرِ المِثْلِ؛ وَإِنٍ
اخْتَلَفا فى مَتَاعِ البَيْتِ فَمَا يَعْلُحُ لِلنَّسَاءِ فَلْمَرَأةِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلرّجَالِ
فَلَلرَّجُلِ؛ وَإنْ ماتَ أحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتَ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ، فَمَا يَصْلُحُ
◌َهُمَا فِكلْبَا فِى ،
تحالفا ، فأيهما نكل قضى عليه ؛ وإذا تحالفا ) لايفسخ النكاح ، لأن أثر التحالف
فى انعدام التسمية ، وذلك لا يمنع صحة النكاح بدليل صحته بدون التسمية ، بخلاف البيع على
ما عرف ، لكن ( يحكم مهر المثل ، فان كان مثل ما قالت أو أكثر قضى بقولها ) لأن
الظاهر شاهد لها ( وإن كان مثل ما قال أو أقلّ قضى بقوله، وإن كان أقلّ مما قالت
وأكثر مما قال قضى بمهر المثل ) لأنه لم تثبت الزيادة على مهر المثل نظرا إلى يمينه ، ولا
الحطيطة منه نظرا إلى يمينها ، فإذا سقطت التسمية بالتحالف اعتبر مهر المثل كما إذا لم توجد
التسمية حقيقة، ويبدأ بيمين الزوج كما فى المشترى لأنه منكر ، وإن طلقها قبل الدخول
بها ثم اختلفا فالقول قوله فى نصف المهر ؛ وذكر فى الجامع الكبير بحكم متعة مثلها وهو
قياس قولهما . وقال أبو يوسف : القول قول الزوج قبل الطلاق وبعده ، إلا أن يأتى
بشىء يسير يكذبه الظاهر ، وهو ما لايصحّ مهرا لها ، وقيل ما دون العشرة ، والأوّل
أحسن . ولهما أن الظاهر يشهد لمن يشهد له مهر المثل نظرا إلى المعتاد وإلى إنكار الأولياء
وتعبير هم بدون ذلك ، والقول فى الدعوى قول من یشهد له الظاهر فیصار إليه . قال ( وإن
اختلفا فى متاع البيت فما يصلح للنساء ) كالمقنعة (١) والدولاب وأشباهه ( فللمرأة ) بشهادة
الظاهر ( وما يصلح للرجال ) كالعمامة والقلنسوة ونحوه ( فللرجل ) وما يصلح لهما
كالأوانى والبسط ونحوها فللرجل أيضا ، لأن المرأة والبيت فى يد الرجل ، فكانت اليد
شاهدة بالملك ، لأن الملك باليد لا أنه عارضه ما هو أقوى منه وهو ما يختصّ بها (وإن
مات أحدهما واختلفت ورثته مع الآخر فما يصلح لهما فللباقى ) لأن اليد للحىّ لا للميت .
وقال محمد : ما يصلح لهما لورثة الزوج بعد موته لقيامهم مقامه ، وسواء اختلفا حالة قيام
النكاح أو بعد الفرقة . وقال أبو يوسف : يدفع إلى المرأة ما يجهز به مثلها والباقى للزوج
مع يمينه ، لأن الظاهر أنها تأتى بالجهاز وهذا أقوى من ظاهر الزوج فيبطله ، وما وراءه
لا يعارض يد الزوج فيكون له ، والطلاق والموت سواء ، لأن الورثة تقوم مقامه ، وإن
كان أحد الزوجين مملوكا فالكلّ للحرّ حالة الحياة، لأن يده أقوى، وللحىّ بعد الموت
(١) المقنعة بكسر الميم : ما تقنع به المرأة رأسها .

- ١٢٤ -
وَإِن اخْتَلَفا فى قَدْرِ الكتابَةِ لمْ يَتّحالَفًا.
فصل
وَلَوْ باعَ جارِيَةٌ فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سَتَّةٍ أَشْهُرِ فاءَّعَاهُ فَهُوَ ابْنُهُ وَهِىَ
أُمُّ وَلَذِهِ ، وَيُفْسَخُ البَيْعُ وَيُرَدُّ الثَّمَنُ (سم) ،
لأنه لامعارض ليده . وقال أبو يوسف ومحمد : المأذون والمكاتب بمنزلة الحرّ لأن لهما
يدا فى الخصومات وغيرها . قال ( وإن اختلفا فى قدر الكتابة لم يتحالفا) وقالا . يتحالفان
وتفسخ الكتابة لأنه عقد معاوضة ، والمولى يدعى بدلا زائدا والمكاتب ينكر ، والمكاتب
يدعى استحقاق العبد عند أداء ما يدّعيه من القدر والمولى ينكره فيتحالفان كالبيع .
ولأبى حنيفة أن البدل مقابل فى الحال بفكّ الحجر وهو سالم للعبد ، وإنمه يصير مقابلا
للعتق عند الأداء ، فكان اختلافا فى قدر البدل لاغير فلا يتحالفان ، ويكون القول للمكاتب
لأنه منكر للزيادة .
فصل فی دعوی النسب
أعلم أن الدعوى ثلاثة : دعوة استيلاد ، ودعوة حرير وهى دعوة الملك ودعوة
شبهة الملك ؛ فالأولى أن يدعى نسب ولد علق فى ملكه يقينا كما إذا جاءت به لأقلّ
من ستة أشهر ، ويصحّ فى الملك وغير الملك كما إذا باعه ، ويستند إلى وقت العلوق احتيالا
لثبوت النسب تصحيحا لدعواه ، ويوجب فسخ ما جرى من العقود كبيعه أمّ الولد إن
كان الولد محلا للنسب ، ويجعل معترفا بالوطء من وقت العلوق ، وأمومية الولد لا تنبع
النسب ، لأن المقصود ثبوت النسب لا أمومية الولد وهو تبع له ، ألا ترى أنها تضاف ليه
فيقال أمّ ولده، وتستفيد العتق من جهته، قال عليه الصلاة والسلام ((أعتقها ولدها))
ولهذا ثبتت له حقيقة الحرية لها حقّ الحرية . والثانية أن يدعى نسب ولد علق فى غير
ملكه فيصح فى الملك خاصة ، ولا يجب فسخ العقد ويعتق إن أمكن وإلا فلا . والثالثة أن
يدعى ولد جارية ولده ، فيصحّ بناء على ولايته على ولده من وقت العلوق إلى وقت
الدعوة ، شرط صحة هذه الدعوة قيام ولاية تملك الجارية من وقت العلوق إلى وقت
الدعوة لأنه يملكها بالاستيلاد مقتضى للوطء السابق ، ثم الأولى أولى لأنها تستند إلى
وقت العلوق، والثانية تقتصر على الحال ، والثانية أولى من المثالثة ، لأن التحرير متى صحّ
من الابن بطلت ولاية الأب للتمليك لفوات الشرط .
جئنا إلى مسائل الكتاب . قال ولو باع جارية فولدت لأقلّ من ستة أشهر فادّعاه فهو
ابنه وهى أمّ ولده ، ويفسخ البيع ويرد الثمن ) وهذا استحسان ، والقساس أن دعواه

- ١٢٥ -
وَلا تُقْبَا دَعْوَةُ الْمُشْتَتْرِىِ مَعَهُ، فانْ ماتَ الوَلَدُثُمَّ ادَّعاهُ لا يَثْبُتُ الاسْتِيلاد
فيها، فانْ ماتَت الأُمُّ ◌ُثُمَّ ادَّعاهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَيَرَدُّ كُلُّ الثَّمَنِ، وَإِنْ
جاءَتْ بِهِ ما بَسْنَ ستَّةٌ أشْهُرٍ إِلَى سَفَتْن، فانْ صَدَّقَهُ الْمُشْترىِ ثَبَتَ النَّسَبُ
وَفُسْخَ البَيْعُ وَإلاَّ فَلَا، وَإِنْ جاءَتْ بِه لأكْثْرَ مِنْ سَلَتَن لاِتَصِحُ دَعْوَةُ
البائعُ، وَلَا يُفْسَخُ البَيْعُ، وَلا يُعْتَقُ الوَلَدُ، وَلا تَصيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ،
باطلة لوجود التناقض ، لأن بيعه دليل عبودية الولد . ووجه الاستحسان أن العلوق حصل
فى ملكه يقينا ، والظاهر عدم الزنا فيكون منه ، ومبنى العلوق على الخفاء فلا تناقض
فصحت دعواه ، فيستند إلى وقت العلوق ويفسخ البيع لما بينا ويرد الثمن لأنه مقتضى
فسخ البيع ( ولا تقبل دعوة المشترى معه ) لسبقها، لأنها تستند إلى وقت العلوق ولا كذلك
دعوة المشترى . قال ( فان مات الولد ثم ادّعاه ) يعنى البائع ( لا يثبت الاستيلاد فيها ،
فإن ماتت الأمّ ثم ادّعاه يثبت نسبه ) لما تقدّم أن أمومية الولد تبع للنسب . قال ( ويرد
كل الثمن ) وقالا : يردّ حصة الولد خاصة بناء على أن أمّ الولد غير متقوّمة فى العقد
والغصب عنده وعندهما متقوّمة فيضمنها ، وكذا لو ادّعاه بعد ما أعتقه المشترى لا يصحّ
وبعد إعتاقها يصحّ، لأن الامتناع فى الأمّ لايوجب الامتناع فى الولد كولد المغرور
المستولد بالنكاح ، ولا كذلك بالعكس ؛ وإذا صحت الدعوة بعد إعتاقها ثبت النسب وفسخ
العقد وردّ الثمن على ما مرّ ، وإنما كان إعتاق الولد مانعا لأن العتق لا يحتمل النقض
كحقّ استلحاق النسب فاستويا، ولأن الثابت من المشترى حقيقة الإعتاق، والثابت للبائع
حقّ الدعوة فى الولد وفى الأمّ حقّ الحرية فلا يعارض الحقيقة، فعلى هذا لو ادّعاه
المشترى أوّلا لا يصحّ دعوى البائع بعده ، لأن دعوة المشترى دعوة تحرير فصار كما إذا
أعتقه ، والتدبير كالعتق لأنه لا يحتمل النقض . قال ( وإن جاءت به ما بين ستة أشهر إلى
سنتين فان صدقه المشترى ثبت النسب وفسخ البيع وإلا فلا ) لاحتمال العلوق فى ملكه فلم
يوجد اليقين فيتوقف على تصديق المشترى ، فاذا صدقه ثبت النسب ، لأن الحق لهما
فيثبت بتصادقهما إذا أمكن، والولد حرّ والجارية أمّ ولد كما مرّ ، وإذا ادّعياه فدعوة
المشترى أولى لقيام ملكه واحتمال العلوق فيه . قال (وإن جاءت به لأكثر من سنتين لاتصحّ
دعوة البائع ) للتيقن بعدم العلوق فى ملكه ، لكن إذا صدقه المشترى ثبت النسب ، ويحمل
على الاستيلاد بالنكاح لتصادقهما حملا لأمره على الصلاح (ولا يفسخ البيع ولا يعتق
الولد ولا تصير أمّ ولد له) ووجهه ظاهر، وإن لم تعلم مدّة الولادة بعد البيع لاتصحّ
دعوة البائع إلا بتصديق المشترى لوقوع الشكّ فى وقت العلوق وتصحّ دعوة، المشترى
لأنه ينكر فسخ البيع، ولا حجة للبائع، وإن ادّعياه لاتصحّ واحدة منهما للشكّ، والمسلم

- ١٢٦ -
وَمَنِ ادْعَىَ نَسََ أحَدِ التَّوَأْمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ.
والذمى والحربى والمكاتب فى ذلك سواء ؛ وإن ادّعى البائع قبل الولادة فهو موقوف ،
فان ولد حيا صحت وإلا فلا، ولواشتراها حبلى ثم باعها لا تصحّ دعواه ، وإن اختلفا فالقول
للبائع لأنه المتمكن. من وطئها؛ وإن حبلت أمة فى ملك رجل فباعها وتداولتها الأيدى ثم
رجعت إلى الأوّل فولدت فى يده وادّعاهثيت نسبه منه وبطلت البيوع كلها وتراجعوا
الأثمان لما بينا ، ولو لم يكن أصل الحمل عنده لم تبطل العقود . قال ( ومن ادّعى نسب
أحد التوأمين ثبت نسبهما منه ) لأنهما خلقا من ماء واحد لأنه اسم لولدين ولدا ليس بينهما
ستة أشهر فاستحال انعلاق الثانى من ماء آخر ، فاذا ثبت نسب أحدهما ثبت نسب الآخر ،
ويبطل ما جرى فيه من العقود من بيع وعتق وغير ذلك .
فصل
كلّ قولين متناقضين صدرا من المدعى عند الحاكم إن امكن التوفيق بينهما قبلت
الدعوى صيانة لكلامه عن اللغو نظرا إلى عقله ودينه ، وإن تعذر التوفيق بينهما لم تقبل ،
كما إذا صدر من الشهود ، وكلّ ما أثر فى قدح الشهادة أثر فى منع استماع الدعوى . قال
أبو حنيفة : إذا قال المدّعى ليس لى بينة على دعوى هذا الحقّ ثم أقام البينة عليه لم تقبل
لأنه أكذب بينته ، وعن محمد أنها تقبل لأنه يجوز أنه نسيها ؛ ولو قال : ليس لى على ملان
شهادة ثم شهد له لم تقبل ، وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه تقبل شهادته لاحتمال النسيان
أيضا . وروى ابن رستم عن محمد: إذا قال لاشهادة لفلان عندى فى حقّ بعينه ثم جاء
وشهد له قبلت لأنه يقول نسيت ، ولو قال : لا أعلم لى حقا ، أو لا أعلم لى حجة ثم ادعى
حقا أو جاء بحجة قبلت، ولو قال: ليس لى حقّ لاتقبل، ولو قال: ليس لى حجة
قبلت لاحتمال الخفاء فى البيئة دون الحقّ . وروى ابن سماعة عز محمد : لو قال هذه الدار
ليست لى ثم أقام البينة أنها له قضى له بها لأنه لم يتنت بذلك حقا لأحد فكان ساقطا ، ألا
ترى أن الملاعن إذا ادّعى نسب الولد صحّ لما أنه لم يثيت النسب من غيره باللعان ؟ .
رروى هشام عن محمد : لو قال لاحقّ لى بالرىّ فى دار ولا أرض ثم أقام البينة على ذلك
فى يد إنسان بالرىّ قبلت، ولو عين فقال: لاحقّ لى بالرىّ فى رستان كذا فى يد فلان،
ثم أقام البينة لم تقبل إلا أن تقوم البيئة أنه أخذه منه بعد الإقرار ، ولو قال الرجل : ادفع إلى
هذه الدار أسكنها ، أو هذا الثوب ألبسه ونحو ذلك فأبى ثم ادّعى السائل ذلك صحّ ، لأنه
يقول : إنما طلبتها بطريق الملك لا بالعارية . وفى الفتاوى : باع عقارا وابنه أو زوجته
حاضر وتصرّف المشترى فيه ثم ادّعى الابن أنه ملكه ولم يكن لأبيه اتفق مشايخنا أنه

- ١٢٧ -
كتاب الإقرار
لاتسمع مثل هذه الدعوى وهو تلبيس محض ، وحضوره عند البيع وترك المنازعة إقرار
منه أنه ملك البائع ، وجعل سكرته فى هذه الحالة كالإيضاح بالإقرار قطعا للأطماع الفاسدة
لأهل العصر فى الإضرار بالناس ، ولو باع ضيعة ثم ادّعى أنها كانت وقفا عليه لا تسمع
للتناقض ، لأن الإقدام على البيع إقرار بالملك ، وليس له تحليف المدّعى عليه ، ولو أقام
البيئة ، قيل تقبل لأن الشهادة على الوقف تقبل من غير دعوى وينقض البيع ، وقيل لاتقبل
ههنا لأنها تثبت فساد البيع وحقا لنفسه فلا تسمع للتناقض ، ولو ردّ الجارية بعيب فأنكر
البائع البيع فأقام المشترى البينة على الشراء وأقام البائع أنه قد برأ إليه من العيب لم تقبل ، لأن
جحوده البيع إنكار للبراءة فيكون مكذبا شهوده ، ولو أنكر النكاح ثم ادّعاه قبلت بينته
على ذلك ، وفى البيع لاتقبل ، لأن البيع انفسخ بالإنكار والنكاح لا ، ألا ترى أنه لوادعى
تزويجا على ألف فأنكرت فأقامت البينة على ألفين قبلت ، ولا يكون إنكارها تكذيبا
للشهود ؟ وفى البيع لاتقبل ویکون تكذيبا للشهود .
کتاب الإقرار
وهو فى الأصل : التسكين والإثبات ، والقرار : السكون والثبات ، يقال : قرّ فلان
بالمنزل إذا سكن وثبت ، وقررت عنده كذا : أى أثبته عنده ، وقرار الوادى : مطمئنه
الذى يثبت فيه الماء ، ويقال : استمرّ الأمر على كذا : أى ثبت عليه ، وسميت أيام منى
أيام القرّ لأنهم يثبتون بها ويسكنون عن سفرهم وحركتهم هذه الأيام ، ومنه الدعاء : أقر
الله عينه إذا أعطاه ما يكفيه فسكنت نفسه ولا تطمح إلى شىء آخر . وفى الشرع :
أعتراف صادر من المقرّ يظهر به حقّ ثابت فيسكن قلب المقرّ له إلى ذلك ، وهو حجة
شرعية ، دلّ على دالك الكتاب والسنة والإجماع وضرب من المعقول . أما الكتاب فقوله
تعالى - كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم - والشهادة على النفس إقرار ،
فلولا أنّ الإقرار حجة لما أمر به ، وقوله تعالى - وليملل الذى عليه الحقّ - وأنه إقرار
على نفسه . والسنة قوله عليه الصلاة والسلام فى حديث العسيف (١) (( واغد أنت يا أنيس
إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها)) ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية
بالإقرار ، وعليه الإجماع ، ولأنه خبر صدر عن صدق لعدم التهمة ، إذ المال محبوب
(١) قوله حديث العسيف ، لم ينقل الشارح الحديث بتمامه ، لأن إثبات مدّعاه يكفى
فيه ما ذكره ، وإلا فلفظ الحديث كما رواه صاحب سبل السلام بسنده هكذا : =

- ١٢٨ -
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى المُقِرُّ إذَا كانَّ عاقِلا بالِغْا إِذَا أَقَرَّ ◌ِمَعْلُومِ، وَسَوَاءٌ أقَرَّ
بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولِ ويُبَّيْنُ الْمَجْهُولَ،
طبعا فلا يكذب فى الإقرار به لغيره وهو حجة مظهرة للحقّ ملزمة للحال ، حتى لو أقرّ
بدين أو عين على أنه بالخيار ثلاثة أيام لزم المال وبطل الخيار وإن صدّقه المقرّ له فى الخيار
لأن الخيار للفسخ ، وهو لا يحتمل الفسخ لأنه إخبار والفسخ يرد على العقود، ولأن حكمه
ظهور الحقّ وهو لا يحتمل الفسخ، وشرطه كون المقرّ به مما يجب تسليمه إلى المقرّ له حتى
لو أقرّ بكفّ تراب أو حبة حنطة لايصحّ، وحكمه ظهور المقرّ به، لأنه إخبار عن كائن
سابق حتى لو أقرّ لغيره بمال والمقرّ له يعلم كذبه لا يحلّ له أخذه على كره منه إلا أن
يعطيه بطيبة نفس منه ، فحينئذ يكون تمليكا مبتدأ كالهبة . قال ( وهو حجة على المقرّ إذا
كان عاقلا بالغا ) ويصحّ إقرار العبد فى بعض الأشياء على ما مرّ فى الحجر . قال (إذا أقرّ
المعلوم ) لأن فائدة الإقرار ثبوت الملك للمقرّ له، ولا يمكن إثباته لمجهول. قال (وسواء
أقرّ بمعلوم أو مجهول ويبين المجهول ) أما المعلوم فظاهر ، وأما المجهول فلأنه قد يكون عليه
حقّ ولا يدرى كميته كغرامة متلف لايدرى كم قيمته أو أرش جراحة أو باقى دين أو معاملة
أو كان يعلمه ثم أنسى، والجهالة لا تمنع صحة الإقرار لأنه إخبار عن ثبوت الحقّ والبيان
عليه ، كما إذا أعتق أحد عبديه فيبينه ، إما بنفسه أو بالجبر من القاضى إيصالا للحقّ إلى
المستحقّ ،، بخلاف جهالة المقرّ له على ما بينا، وبخلاف الشهود لأنه لاحاجة بهم إلى
أداء الشهادة والمقرّ له حاجة لخلاص ذمته ، ولأن الشهادة تبتنى على الدعوى ، والدعوى
بالمجهول لاتقبل ، ولأنها لا توجب الحقّ إلا بانضمام القضاء إليها ، والقضاء بالمجهول غير
ممكن والإقرار موجب بنفسه ، ولهذا لا يعمل الرجوع فيه ويعمل فى الشهادة قبل القضاء بها
وعن أبى هريرة رضى الله عنه وزيد بن خالد الجهنى ((أن رجلا من الأعراب أنى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لى بكتاب الله تعالى ،
فقال الآخر وهو أفقه منه : نعم فاقض بيننا بكتاب الله وئذن لى ، فقال قل ، قال : إن
ابنى كان عسيفا على هذا ، فزنى بامرأته ، وإنى أخبرت أن على ابنى الرجم ، فافتديت
منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن ما على ابنى جلد مائة وتغريب عام ،
وأن على امرأة هذا الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذى نفسى بيده
الأقضينّ بينكما بكتاب الله ، الوليدة والغنم ردّ عليك ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب
عام ، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فان اعترفت فارجمها )) اهـ الحديث . العسيف :
الأجير .

- ١٢٩ -
فانْ قالَ لَهُ عَلَىَّ شَىْءٌ أَوْ حَقٌّ لَزِمَهُ أنْ يُبَّنَ مالَهُ قيمَةٌ، فانْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ
لَهُ فِيمَا بَيْنَ فالْقَوْلُ لِلْمُفِرَّ مَعَ بَمِيْنِهِ، وَإِنْ أَفَرَّ بِحَالٍ كَمْ يُصَدَّقْ فِى أَقَلَّ
مِنْ دِرْهَمٍ، وَإِنْ قالَ: مالٌ عَظِيمٌ فَهُوَ نصَابٌ منِ الْجِنْسِ الَّذِى ذَكَرَ ،
وَقِيمَةُ النَّصَابِ فِى غَيْرِ مالِ الزَّكاةِ، وَإِنْ قالَ: أمْوَالٌ عظامٌ فَثَلاثَةُ نُصُبٍ،
وَإِنْ قالَ: دَرَاهِمُ فَثَلاثَةٌ، وَإِنْ قالَ: كَثِيرَةٌ فَعَشَرَةٌ، وَلَوْ قالَ: كَذَاَ
دِرْهَمَا فَدِرْهَمٌ، وكَذَا كَذَا أَحَدَ عَشَرَ، وَلَوْ ثَلَّثَ فَكَذَلكَ،
قال ( فإن قال له علىّ شىء أو حقّ لزمه أن يبين ماله قيمة ) لأنه أقرّ بالوجوب فى ذمته
لأنها محل الوجوب ، وما لاقيمة له لا يجب فيها ( فان كذّبه المقرّ له فيما بين فالقول للمقرّ
مع يمينه) لأنه منكر للزيادة . قال ( وإن أقرّ بمال لم يصدّق فى أقلّ من درهم) لأن مادون
ذلك لا يعدّ مالا عرفا (وإن قال مال عظيم فهو نصاب من الجنس الذى ذكر ) معناه إن
ذكر الدراهم فمائتا درهم ، ومن الذهب عشرون مثقالا ، ومن الغنم أربعون شاة ، ومن البقر
ثلاثون بقرة ، ومن الإبل خمس وعشرون لأنه أدنى نصاب يجب فيه من جنسه ، وفى
الحنطة خمسة أوسق ، لأنه هو المقدّر بالنصاب عندهما ، وعن أبى حنيفة أنه يرجع إلى بيان
المقرّ ( وقيمة النصاب فى غير مال الزكاة ) لأن النصاب عظيم ، لأن مالكه غنىّ والغنىّ
معظم عند الناس . وعن أبى حنيفة أنه مقدّر بعشرة دراهم لأنها عظيمة حتى يستباح بها
الفرج وقطع اليد والأوّل أصحّ ( وإن قال أموال عظام فثلاثة نصب ) من النوع الذى سماه
لأنه جمع عظيم وأقله ثلاثة ( وإن قال دراهم فثلاثة ) لأنها أقلّ الجمع فهى متيقنة ( وإن قال
كثيرة فعشرة ) وقالا : مائتان لأن الكثير ما يصير به مكثرا وذلك بالنصاب . ولأبى حنيفة
أن العشرة أقصى ما يتناوله اسم الجمع بهذا اللفظ فيكون هو الأكثر فينصرف إليه ، وفى
الدنانير عندهما نصاب عشرون مثقالا ، وعنده عشرة أيضا لما مرّ ، وكل ما ذكرنا من
التقديرات لو زاد فيها قبل لأنه أعرف بما أجمل ، ويلزمه من الدراهم المعتادة بالوزن المعتاد
فى البلد ، وإن كان فى البلد أوزان مختلفة أو نقود وجب أقلها للتيقن ، ولو قال علی ثیاب
كثيرة أو وصائف (١) كثيرة يلزمه عنده عشرة وعندهما ما يبلغ قيمته مائتى دوهم لما مرّ
( ولو قال كذا درهما فدرهم) لأنه فسر ما أبهم ، وقيل يلزمه عشرون وهو القياس لأن
كذا يذكر للعدد عرفا ، وأقلّ عدد غير مركب يذكر بعده الدرهم بالنصب عشرون ( وكذا
كذا أحد عشر ) درهما لأنه ذكر عددين مهمين ليس بينهما حرف العطف ، وأقلّ ذلك
فى المفسر أحد عشر درهما ( ولو ثلث ) بغير واو ( فكذلك ) لأنه لانظير له سواه
(١) قوله وصائف : أى جوار اهـ.
٩ - الاختيار - ثان

- ١٣٠ -
وَلَوْقالَ: كَذَا وَكَذَا فَأَحَدُ وَعِشْرُونَ، وَلَوْ ثَلَّثَ بِالْوَارِ تُزَادُ مائْة، وَلَوْ
رَبَّعَ تُزَادُ أَلْفٌ، وكَذَلكَ كُلُّ مَكيلٍ وَمَوْزُونٍ، وَلَوْ قالَ: مائَةٌ وَدِرْهَمٌ
فالْكُلُّ دَرَاهمُ، وَكَذَا كُلُّ مايُكالُ وَيُوزَنُ، وَلَوْ قالَ: مائَةٌ وَثَوْبٌ يَلْزَمُهُ
ثَوْبٌ وَاحِدٌ، وَتَفْسيرُ المائَةِ إِلَيْهِ، وَكَذَلكَ لَوْ قالَ مائَةٌ وَتَوْبَانٍ، وَلَوْ قالَ
مائَةٌ وَثَلاثَةُ أَثْوَابٍ فالْكُلُّ ثيابٌ (ف)، وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَىَّ أَوْ قِبَلى فَهُوَ دَيْنٌ
وَعَنْدِى وَمَعَى وفى بَيْتى أمانَةٌ، وَلَوْ قالَ لَهُ آخَرُ: لى عَلَيْكَ ألْفٌ فَقالَ:
اتَّزِ بها أوِ انْتَقِدْها أوْ أجُلْنِى بِهَا أَوْ قَضَيْتُكَهَا أَوْ أَجَّلْتُكَ بِهَا فَهُوَ إِقْرَارٌ،
(ولو قال كذا وكذا فأحد وعشرون ) لأنه نظيره من المفسر ( ولو ثلث بالواو تزاد مائة ،
ولو ربع تزاد ألف ) اعتبارا بالنظير من المفسر ( وكذلك كلّ مكيل وموزون ) وهذا كله
إذا ذكر الدرهم بالنصب ، وإن ذكره بالخفض بأن قال : كذا درهم عن محمد مائة درهم ،
لأن أقل عدد یذ کر الدرهم عقیبه بالخفض مائة ، فان قال : کذا کذا درهم يلزمه مائتا
درهم ولو قال : كذا كذا دينارا أو درهما فعليه أحد عشر منهما بالسوية عملاً بالشركة ،
ولو قال : عشرة ونيف فالبيان فى النيف إليه ، ويقبل تفسيره فى أقلّ من درهم لأنه
عبارة عن مطلق الزيادة ، يقال : نيف على الشيئين إذا زاد عليهما ؛ ولو قال : علىّ بضعة
وعشرون فالبضع ثلاثة فصاعدا ( ولو قال: مائة ودرهم فالكلّ دراهم ، وكذا كلّ
ما يكال ويوزن ، ولو قال : مائة وثوب يلزمه ثوب واحد وتفسير المائة إليه ) وهو
القياس فى الدرهم ، لأن المائة مبهمة ، والدرهم لا يصلح تفسيرا لأنه معطوف عليها والتفسير
لا يذكر بحرف العطف . وجه الاستحسان وهو الفرق أنهم استثقلوا عند كترة الاستعمال
والوجوب التكرار فى كلّ عدد ، واكتفوا به مرّة واحدة عقيب العددين ، وذلك فى الدراهم
والدنانير والمكيل والموزون . أما الثياب وما لايكال ولا يوزن ، فهى على الأصل لأنه
لا يكثر وجوبها ( وكذلك لو قال : مائة وثوبان ) لما بينا ( ولو قال : مائة وثلاثة أثواب
فالكلّ ثياب ) لأنه ذكر عقيب العددين ما يصلح تفسيرا لهما وهو الثياب لأنه ذكرها بغير
عاطف ، فانصرف إليهما لاستوائهما فى الحاجة إلى التفسير ، وكذلك الإقرار بالغصب
فى جميع ما ذكرنا من الصور . قال (وإن قال له علىّ أو قبلى فهودين ) لأنه مستعمل
للإيجاب عرفا ، والذمة محلّ الإيجاب فيكون دينا ، إلا أن يبين موصولا أنها وديعة لأنه
یحتمل مجازا فلا یصدق إلا بالبيان موصولا ( و ) لو قال ( عندی ومعی وفى بيتى ) فهو
( أمانة ) لأنه يستعمل فى الأمانات لأنه إقرار بكونه فى يده ، والأمانة أدنى من الضمان
فيثبت ، وكذا فى كيسى أو صندوقى وأشباهه ( ولو قال له آخر : لى عليك ألف ، فقال :
اتزنها أو انتقدها أو أجلنى بها أو قضيتكها أو أجلتك بها فهو إقرار ) ولو تصادقا على

- ١٣١ -
وَلَوْلَمْ يَذْكُرْ هاءَ الكِنِابَةِ لايَكُونُ إِقْرَارا. وَمَنْ أَفَرَّ بِدَيْنِ مُؤَجَلٍ وَادَّعَى
المُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ حَالٌّ اسْتُحْلِفَ (ف) عَلَى الأجَلِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِاَ تَمٍ لَزِمَهُ الحَلْقَةُ
وَالفَصُّ، وَبَسَيْفِ النَّصْلُ وَالجَفْنُ وَالحَمائلُ، وَمَنْ أَقَرَّ بِثَوْبٍ فِى مِنْدِيلٍ
لَزِمَاهُ، وَمَنْ أَقَرَّ بِخَمْسَةٍ فِى خَمْسَةٍ لَزِمَهُ خَمْسَةٌ وَإِنْ أَرَادَ الضَّرْبَ، وَلَوْ قالَ
لَهُ عَلَىَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلى عَشَرَةٍ، أوْ ما بْنَ دِرْهَمٍ إلى عَشَرَةٍ لَزِمَهُ نسْعَةٌ
(سم ف) ،
أنه قاله على وجه السخرية لا يلزمه ، وكذلك إذا قال نعم أو خذها أو لم تحلّ بعد أو غدا ،
أو وكل من يقبضها ، أو أجل بها غريمك ، أو ليست ميسرة اليوم ، أوما أكثر ما تتقاضانيها
فيها ، أو غممتنى بها ، أو حتى يقدم غلامى أو أبرأتنى منها ( ولو لم يذكر هاء الكناية لا يكون
إقرارا ) والأصل أن الجواب ينتظم إعادة الخطاب ليفيد الكلام ، فكلّ ما يصلح جوابا
ولا يصلح ابتداء يجعل جوابا ، وما يصلح للابتداء لاللبناء أو يصلح لهما فانه يجعل ابتداء
لوقوع الشكّ فى كونه جوابا ، ولا يجعل جوابا لئلا يلزمه المال بالشك ، فإن ذكر هاء
الكناية يصلح جوابا لا ابتداء ، فيكون منتظما للسؤال فيصير كأنه قال : اتزن الألف التى
ادّعينها أو قضيتك الألف التى لك وطلب التأجيل لا يكون إلا لواجب ، وكذلك القضاء ،
وإذا لم يذكر هاء الكناية لايصلح جوابا ، أو يصلح جوابا وابتداء فلا يجعل جوابا فلا يكون
إقرارا. قال ( ومن أقرّ بدين مؤجل وادّعى المقرّ له أنه حال" استحلف على الأجل ) لأنه
أقرّ بالمال ثم إدعى حقا وهو التأجيل ، والمقرّ له ينكر فيحلف لأن اليمين على المنكر .
قال ( ومن أقرّ بخاتم لزمه الحلقة والفص") لأن الاسم يتناولهما عرفا ( و) إن أقرّ ( بسيف)
لزمه ( الفصل والجفن والحمائل ) لما قلنا . قال ( ومن أقرّ بثوب فى منديل ) أو فى ثوب
( لزماه ) معناه أقرّ بالغصب ، لأن الثوب يلفّ فى منديل وفى ثوب آخر ، فكان ذلك
ظرفا له ؛ ولو قال : ثوبى فى عشرة أثواب لزمه أحد عشر ثوبا عند محمد ، لأن النفيس
من الثياب يلفّ فى عشرة وأكثر ، وإذا جاز ذلك يحمل على الظرف . وقال أبو يوسف :
لا يلزمه إلا ثوب واحد لأنه غير معتاد وإن كان نادرا ، والأصل براءة الذمة فلا يجب ،
ويحمل على معنى بين كقوله تعالى - فادخلى فى عبادى - قال ( ومن أقرّ بخمسة فى خمسة
لزمه خمسة، وإن أراد الضرب ) لأن الضرب لايكثر المال المضروب وإنما يكثر الأجزاء ،
وتكثير أجزاء الدرهم توجب تعدّده . وعند زفر يجب خمسة وعشرون لعرف الحساب
( ولو قال له : علىّ من درهم إلى عشرة، أو ما بين درهم إلى عشرة لزمه تسعة ) وقالا :
يلزمه عشرة . وقال زفر : ثمانية يسقط الغايتان ويبقى ما بينهما وهو القياس ، كقوله له :
من هذا الحائط إلى هذا الحائط ليس له شىء من الحائطين . ولهما وهو الاستحسان أن مثل

- ١٣٢ -
وَيَجُزُ الإِقْرَارُ بِالحَمْلِ، وَلَهُ إِذَا بَيْنَ سَبَبَا صَالِحا (ف) لِلْمُلْكِ.
فصل
إِذَا اسْتَفْسَى بَعْضَ ما أَقَرَّ بِهِ مُتَّصِلا صَحَّ وَلَزِمَهُ الباِقِى ،
هذا الكلام يراد به الكل كما يقول لغيره : خذ من دراهمى من درهم إلى عشرة ، فله أن
يأخذ عشرة وتدخل الغايتان ، ولأبى حنيفة أن هذا الكلام يذكر لإرادة الأقلّ من الأكثر
والأكثر من الأقلّ. قال عليه الصلاة والسلام (( أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين))
والمراد فوق الستين ودون السبعين ، وكذلك فى العرف تقول : عمرى من ستين إلى سبعين ،
ويريدون به أكثر من ستين وأقلّ من سبعين ، والجميع إنما يراد فيما طريقه التكرّم
والسماحة إظهارا لهما كما ذكراه من النظير، ولأنه لابدّ من دخول الغاية الأولى ليبتنى الحكم
عليها ، لأنه لولا ثبوتها يصير ما بعدها غاية فى الابتداء فتنتفى أيضا ، فاحتجنا إلى ثبوت
الغاية ابتداء ولا حاجة إلى الأخيرة ، بخلاف نظير زفر ، لأنالحائط غاية موجودة قبل
الإقرار فلا حاجة إلى غيره . قال ( ويجوز الإقرار بالحمل ، وله إذا بين سببا صالحا للملك )
أما الإقرار به فلأنه يجوز أنه أوصى به آخر، والإقرار مظهر له فيحمل عليه تصحيحا لإقراره .
وأما له ، أما إذا ذكر سببا صالحا كالإرث والوصية صحّ الإقرار لصلاحية السبب، وإن
ذكر سببا غير صالح كالبيع منه والقرض والإجارة ونحوها لايصحّ للاستحالة ، وإن
سكت قال محمد : يصحّ ويحمل على الأسباب الصالحة تصحيحا لإقراره . وقال أبو يوسف
لايصحّ لأن مطلق الإقرار ينصرف إلى الواجب بالمعاملات عادة فلا يصحّ ، والأصل براءة
الذمم . وإذا صحّ الإقرار ، فان ولد فى مدّة يعلم وجوده وقت الإقرار لزم ، ولوجاءت
بولدين فهو بينهما وإن ولد ميتا فالمال لمورثه ومن أوصى له ويكون بين ورثتهما ، لأن
المال إنما ينتقل إلى الجنين بعد الولادة ، ولم ينتقل لعدم الأهلية فبقى على ملك المورث
والموصى فيورث عنهما .
فصل
( إذا استثنى بعض ما أقرّ به متصلا صحّ ولزمه الباقى ) والأصل أن الاستثناء تكلم
بالباقى بعد الثنيا والاستثناء صحيح ، ويجوز استثناء الأكثر كما يجوز استثناء الأقلّ .. وبكله
ورد النصّ. قال تعالى - فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما -. المعنى: لبث فيهم تستعمائة
وخمسين سنة ، فهذا استثناء الأقلّ من الأكثر . وقال تعالى - إن عبادى ليس لك عليهم
سلطان إلا من اتبعك من الغاوين - وهذا استثناء الأكثر ، لأن الذين اتبعوه أكثر العباد

- ١٣٣ -
وَاسْتِثْنَاءُ الكُلِّ باطلٌ، وَإِنْ قالَ مُتَّصِلا باقْرَارِهِ إنْ شاءَ اللهُ بَطَلَ إقْرَارُهُ،
وكَذلكَ إنْ عَلَّفَهُ بِمَشِيئَةٍ مَنْ لاتُعْرَفُ مَشِيئَتُهُ كالجِنَّ وَالمَلائِكَةِ، وَمَنْ
أُقَرَّ بِمِائَةٍ دِرْهَمٍ إلاَّ دِينَارًا، أوْ إلاَّ قَفيرَ حِنْطَةٍ لَزِمَهُ المِائَةُ إلاَّ قِيمَةَ
الدّينارِ (مز) أوِ القَقيرِ، وكَذَلكَ كُلُّ ما يُكالُ أوْ يُوزَنُ (م) أَوْ يُعَدُّ (ز)،
وَلَوِ اسْتَنْسَى تَوْبًا أَوْ شاةً أَوْ دَارًا لايَصِحُّ ،
ولا بدّ من الاتصال، قال عليه الصلاة والسلام (( من حلف وقال إن شاء الله متصلا بيمينه
فلا حنث عليه)) شرط الاتصال فى المشيئة وأنها استثناء ، ولأن الأصل لزوم الإقرار لما
بينا ، إلا أن القدر المستثنى يبطل بالاتصال ، لأن الكلام لايتمّ إلا بآخره ، فإذا انقطع
الكلام فقد تمَّ ، ولا يعتبر الاستثناء بعده ، ويصحّ استثناء البعض قلّ أو كثر، كقوله :
له علىّ ألف درهم إلا درهما ، فيلزمه تسعمائة وتسعة وتسعون ؛ ولو قال : إلا تسعمائة
وخمسين يلزمه خمسون ، وعلى هذا ( واستثناء الكلّ باطل ) لأنه رجوع لما بينا أنه تكلم
بالباقى بعد الثنيا ولا باقى فلا يكون استثناء ، والرجوع عن الإقرار لا يصحّ ، ولو قال :
لفلان علىّ ألف درهم يافلان إلا عشرة صحّ الاستثناء ، لأن النداء لتنبيه المخاطب
وأنه محتاج إليه لتأكيد ذلك فلا يكون فاصلا ، ولو قال : له علىّ ألف درهم فاشهدوا
علىّ بذلك إلا عشرة دراهم لا يصحّ الاستثناء ، لأن الإشهاد يكون بعد تمام الإقرار فكان
الإشهاد بعد التمام . قال ( وإن قال متصلا باقراره إن شاء الله بطل إقراره ) لما روينا
( وكذلك إن علقه بمشيئة من لاتعرف مشيئته كالجنّ والملائكة) لأن الأصل براءة الذمم
فلا يثبت بالشكّ ، وإن قال : إن شاء فلان فشاء لا يلزمه شىء ، لأن مشيئة فلان لا توجب
الملك ، وكذلك إن جاء المطر أو هبت الريح أو كان كذا لما بينا . قال ( ومن أقرّ بمائة
درهم إلا دينارا ، أو إلا قفيز حنطة لزمه المائة إلا قيمة الدينار أو القفيز، وكذلك كلّ
ما يكال أو يوزن أو يعدّ، ولو استثنى ثوبا أو شاة أو دارا لايصحّ ) وقال محمد: لا يصحّ
فى الكلّ، لأن المستثنى غير داخل فى الإيجاب، والاستثناء ما لولاه لدخل تحت المستثنى
منه فلا يكون استثناء . ولهما أن ما يجب فى الذمة كله كجنس واحد نظرا إلى المقصود
وهو الثمنية التى يتوسل بها إلى الأعيان ؛ أما الثوب وأخواته ليس بثمن أصلا حتى لايجب
فى الذمة عند الإطلاق ، وإنما يجب الثوب نصا لاقياسا ، فما يكون ثمنا يصلح مقدرا للدرهم
فيصير بقدره مستثنى ، وما لا فلا ، فيبقى المستثنى مجهولا فلا يصحّ، ولو قال: له علىْ
ألف إلا شيئا لزمه نصف الألف وزيادة ، والقول قوله فى الزيادة ، لأن الجهالة فى المقرّ به
غير مانعة ، ففى المستثنى أولى ، إلا أن قوله شىء يعبر به عن القليل عرفا فيكون أقلّ من
الباقى ؛ ولو قال: له علىّ مائة درهم إلا قليلا ، قال أبو حنيفة : عليه أحد وخمسون ؛

- ١٣٤ -
وَلَوْ قالَ: غَصَبْتُهُ مِنْ زَيْدٍ لابَلْ مِنْ عَمْرٍوٍ فَهُوَ لِزَيْدٍ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ
لعَمْرٍو (ف)، وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْشَيْنِ فاسْتَثْسَى أَحَدَهُما أوْ أَحَدَهُمَا وَبَعْضَ
الآخَرِ فَالاسْتِثْنَاءُ باطلٌ (سم) وَإِنِ اسْتَفْسَى بَعْضَ أَحَدِهِمَا أَوْ بَعْضَّ كَلِّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحَّ، وَيُصْرَفُ إلى جِنْسِهِ،
ولو قال : عشرة إلا بعضها فعليه أكثر من النصف ، ولو قال : له علىّ ألف درهم إلا
عشرة دنانير إلا قيراطا ، لزمه ألف درهم إلا عشرة دنانير إلا قيراطا ، لأن استثناء العشرة
دنانير صحيح ، واستثناء القيراط من العشرة صحيح أيضا ؛ لأن الاستثناء من الاستثناء صحيح
ويلحق بالمستثنى منه ، قال الله تعالى - إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته - استثنى
آل لوط من الهالكين ، ثم استثنى امرأته من الناجين ، فكانت من الهالكين . قال ( ولوقال:
غصبته من زيد لابل من عمرو فهو لزيد وعليه قيمته لعمرو ) لأن قوله من زيد إقرار له ،
ثم قوله لارجوع عنه فلايقبل ، وقوله بل من عمرو إقرار منه لعمرو ، وقد استهلكه بالإقرار
لزيد فيجب قيمته لعمرو ؛ ولو قال : له علىّ ألف لا بل ألفان يلزمه ألفان استحسانا ،
وفی القیاس یلز مه ثلاثة آلاف وهو قول زفر ، ولو قال : غصبته عبدا أسود لا بل أبيض
لزمه عبد أبيض، ولو قال غصبته ثوبا هرويا لابل مرويا لزماه ، وكذا : له علىّ كرّ
حنطة لابل كرّ شعير لزماه ؛ ولو قال : لفلان علىّ ألف درهم لابل لفلان لزمه المالان ؛
ولوقال: له علىّ ألف لابل خمسمائة لزمه الألف، والأصل فى ذلك أن ((لا بل)) متى تخللت
بين المالين من جنسين لزماه ، وكذلك من جنس واحد إذا كان المقرّ له اثنين، وإذا كان
واحدا والجنس واحد لزم أكثر المالين ، لأن لابل لاستدراك الغلط ، والغلط إنما يقع
غالبا فى جنس واحد ، إلا أنه إذا كان لرجلين كان رجوعا عن الأوّل فلا يقبل ، ويثبت
للثانى باقراره الثانى، وإذا كان الإقرار الثانى أكثر صحّ الاستدراك ويصدّقه المقرّ له، وإن
كان أقلّ كان منهما فى الاستدراك والمقرّ له لا يصدقه فيلزمه الأكثر ؛ وجه قول زفر
أنه أقرّ بألف فيلزمه ، وقوله لارجوع فلا يصدق فيه ، ثم أقرّ بألفين فصحّ الإقرار وصار
كقوله : أنت طالق واحدة لابل ثنتين ، وجوابه أن الإقرار إخبار يجرى فيه الغلط
فيجرى فيه الاستدراك ، فيلزمه الأكثر والطلاق إنشاء ، ولا يملك إبطال ما أنشأ فافترقا .
قال ( ومن أقرّ بشيئين فاستثنى أحدهما أو أحدهما وبعض الآخر فالاستثناء باطل ، وإن
استثنى بعض أحدهما أو بعض كلّ واحد منهما صحّ ويصرف إلى جنسه ) وصورته إذا
قال: له علىّ كرّ حنطة وكرّ شعير إلا كرّ حنطة، أو قال: إلاكرّ حنطة وقفيز شعير
فهذا باطل ، وقالا : يصحّ استثناء القفيز، وهو نظير اختلافهم فى قوله : أنت حرّ
وحرّ إن شاء الله، وأنت طالق ثلاثا وثلاثا إن شاء الله، فانه يبطل الاستثناء عنده، ويقع

- ١٣٥ -
وَاسْتِثْنَاءُ البِناءِ مِنَ الدَّارِ باطلٌ؛ وَلَوْ قالَ: بناؤُها لى وَالعَرْصَةُ لِفُلانٍ فَكما
قالَ؛ وَلَوْ قالَ لَهُ: عَلَىَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ وَلَمْ يُعَيِّنُهُ لَزِمَهُ
الأَلْفُ (سم) وَإِنْ عَِّّينَ،
الطلاق والعتاق ، وعندهما الاستثناء صحيح لأنه كلام متصل ، لأن قوله : إلا كرّ حنطة
استثناء صحيح لفظا إلا أنه غير مفيد ، وإذا كان كلاما متصلا كان استثناء القفيز متصلا
فيصحّ. ولأبى حنيفة أن استثناء الكرّ باطل بالإجماع فكان لغوا وكان قاطعا للكلام الأوّل
فيكون الاستثناء منقطعا وهكذا قوله وثلاثة وحرّ لغو لاحاجة إليه ؛ ولو قال : إلا قفيز
حنطة ، أو إلا قفيز شعير صحّ الاستثناء لعدم تخلل القاطع ؛ وكذا لو قال : إلا قفيز حنطة
وقفيز شعير ، لأن قوله إلا قفيز حنطة استثناء صحيح مفيد فلا يكون قاطعا ، فيصحّ العطف
عليه فيلزمه كرّ حنطة وكرّ شعير إلا قفيز حنطة وقفيز شعير. قال (واستثناء البناء من
الدار باطل ) مثل أن يقول : هذه الدار لفلان إلا بناءها ، أو قال : وبناؤها لى ، لأن
البناء داخل فى هذا الإقرار معنى ، لأن البناء تبع للأرض والاستثناء تصرّف فى الملفوظ ،
وعلى هذا النخل والشجر مع البستان والظهارة والبطانة من الجبة والفصّ من الخاتم ، لأن
الاسم يتناول الكلّ، ولا قوام لهذه الأشياء بدون ما استثناه فيكون باطلا ؛ ولو قال :
إلا ثلها أو إلا بيتا منها صحّ لأنه داخل فيه لفظا ( ولو قال : بناؤها لى والعرصة لفلاز ،
فكما قال ) لأن العرصة اسم للبقعة دون البناء ، ولو أقرّ له بحائط لزمه بأرضه ، لأن الحائط
اسم للمبنى ولا يتصوّر بدون الأرض ، وكذلك إذا أقرله بأسطوانة من آجرّ ، وإن كانت
من خشب لا يلزمه الأرض ، لأن الخشبة تسمى أسطوانة قبل البناء ، فان أمكنه رفعها
بغير ضرر رفعها وإلا ضمن قيمتها للمقرّ له كما فى غصب الساجة؛ ولو أقرّ
بثمرة نخلة لا تدخل النخلة ، ولو أقرّ بنخلة أو شجرة يلزمه موضعها من الأرض ، لأنه
لا يسمى شجرة ونخلا إلا وهو ثابت وكذلك الكرم ، ولا يلزم الطريق لأنه ليس من
ضرورات الملك . قال ( ولو قال : له علىّ ألف من ثمن عبد لم أقبضه ولم يعينه أزمه
الألف ) وصل أم فصل ، ولا يصدّق فى قوله : ما قبضته ، لأن علىّ للإلزام ، وقوله :
لم أقبضه ينافى ذلك ، لأنه لا يجب إلا بعد القبض وهو غير عين ، فأىّ عبد أحضره يقول :
المبيع غيره ، فعلم أن قوله لم أقبضه جحودا بعد الإقرار فلا يقبل . وقال أبو يوسف ومحمد
إن صدّقه فى أنه ثمن صدق وصل أم فصل ، وإن كذّبه وقال : لى عليك ألف من
قرض أو غصب أو غير ذلك إن وصل صدق وإلا فلا ، ووجهه أنهما إذا تصادقا على الجهة
فقد تصادقا على أن المقرّ به ثمن فلا يلزمه قبل القبض والمقرّينكر القبض فالقول قوله وصل
أم فصل ، ومتى كذّبه كان تغييرا لإقراره ، فان وصل صدق وإلا فلا . قال ( وإن عین

- ١٣٦ -
أمَبْدٍ، فانْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ لَزِمَتْهُ الأُلْفُ وَإلاَّ فَلَا، وَإِنْ قالَ مِنْ ثْمَنِ خِْزِيرٍ
أوْ خَمْرٍ لَزِمَنْهُ؛ وَلَوْ قالَ منْ ثُمَنِ مَتَاعٍ أوْ أَقَرَضَنِى ◌ُثُمَّ قالَ: هىَ زُيُوفّ
أَوْ نَبَهْرَجَةٌ، وَقَال الْمُقَرُّلَهُ: جيادٌ فَهِىَ جيادٌ؛ وَلَوْ( قالَ: غَصَبُْها مِنْهُ
أَوْ أَوْدَ عَنِيها صُدَّقَ فى الزُّيُوفِ والتَّنَبَهْرَجَةِ، وَفِى الرَّصاصِ وَالسَّتُوقَةٍ إِنْ وَصَلَ
صُدَّقَ وَإلاَّ فَلا .
فصل
وَدُيُونُ الصّحَّةِ وَمَا لَزِمَهُ فِى مَرَضِهِ بِسَبَبٍ مَعْرُوفٍ مُقَدَّمٍ عَلَى ما أقَرَّ
په فی مرضه،
العبد ، فان سلمه إليه لزمته الألف وإلا فلا) وهذا إذا صدّقه لأنهما إذا تصادقا على ذلك
صار كابتداء البيع وإن قال له : العبد فى يدك وما بعتك غيره لزمه المال ، لأنه إقرار به
عند سلامة العبد وقد سلم ؛ ولو قال : العبد عبدى ما بعتكه لا يلزمه شىء ، لأنه إنما أقرّ
بالمال عوضا عن هذا العبد فلا يلزمه دونه ؛ ولو قال : إنما بعتك غيره يتحالفان على مامرّ .
قال ( وإن قال من ثمن خمر أو خنزير لزمته ) وقالا : لا يلزمه إن وصل ، لأن بآخر كلامه
ظهر أنه ما أراد الإيجاب كقوله إن شاء الله تعالى . وله أن هذا رجوع فلا يقبل لأن ثمنهما
لا يكون واجبا ، وما ذكرا فهو تعليق وهذا إبطال ( ولو قال من ثمن متاع أو أقر ضنى ثم
قال : هى زيوف أو نبهرجة، وقال المقرّ له : جياد، فهى جياد ) وقالا: يصدق إن
وصل ، وعلى هذا إذا قال هى ستوقة أو رصاص . لهما أنه بيان مغير ، لأن اسم الدراهم
يتناول هذه الأنواع فيصحّ موصولا كما تقدَّم وصار كقوله إلا أنها وزن خمسة ، وله أن
مقتضى العقد يقتضى السلامة عن العيب ، فاقراره يقتضى الجياد ، ثم قوله هى زيوف إنكار
فلا يصدّق ، فصار كما إذا ادّعى الجياد وادّعى المشترى الزيوف يلزمه الجياد عملا بما
ذكرنا من الأصل ، وقوله وزن خمسة مقدار فيصحّ استثناؤه ولا يصحّ استثناء الوصف
لما مرّ فى البناء ( ولو قال : غصبتها منه ، أو أودعنيها صدّق فى الزيوف والنبهرجة ) لأن
الغصب يرد على ما يجده والإنسان يودع ما يملكه ، وذلك لا يقتضى السلامة عن العيوب
( وفى الرصاص والستوقة إن وصل صدق وإلا فلا ) لأنهما ليسا من جنس الدراهم ، لأن
الاسم يتناولهما مجازا فلذلك يشترط الوصل ؛ ولو قال : له علىّ ألف إلا أنها تنقص كذا
فهو استثناء صحيح إن وصل صدق وإلا فلا .
فصل
( وديون الصحة وما لزمه فى مرضه بسبب معروف مقدّم على ما أقرّ به بى مرضه ،

- ١٣٧ -
وَمَا أَقَرَّ بِهِ فى مَرَضِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الميرَاثِ، وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثٍ باطلٌ ،
إلاَّ أنْ يُصَدَّقَهُ بَقِيَّةُ الوَرَثَةِ؛ وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأْتَهُ فى مَرَضِهِ ثَلاثاُثُمَّ اقَرَّ لَهَا
وَمَاتَ فَلَها الأَقَلُّ منَ الإِقْرَّارِ وَالمِيرَاثِ ،
وما أقرّ به فى مرضه مقدّم على الميراث ) ومعناه أنه يقضى دين الصحة والدين المعروف
السبب ، فان فضل شىء قضى ما أقرّ به فى مرضه ، فان فضل شىء فللورثة ، والدليل عليه
أنه تعلق حقّ غرماء الصحة بماله بأوّل مرضه حتى ينتقض تبرّعه لحقهم ، ففى إقراره
لغير هم إبطال حقهم فلا يصحّ ، و کذا لا يجوز أن يقرّ بعین فی یده و علیه دیون ، وهذا لأن
الإقرار حجة قاصرة فلا يثبت فى حقّ غيره، وما ثبت بالبينة أو بمعاينة القاضى حجة
فى حقّ الكافة فكان أولى، وكذلك النكاح لأنه من الحوائج الأصلية وكذا الديون المعروفة
السبب لأنه لاتهمة فيها ، وكذا لايجوز له أن يقضى دين بعض الغرماء دون البعض لما فيه
من إبطال حقّ الباقين ، فاذا قضيت ديون الصحة والمعروفة الأسباب يقضى ما أقر به
فى مرضه ؛ كما لو لم يكن عليه دين الصحة ، وكان أحقّ من الورثة لحاجته إليه ، لأن ماله
إنما ينتقل إلى الورثة عند فراغ حاجته، وفراغ ذمته من أهمّ الحوائج . قال ( وإقرار المريض
لوارثه باطل إلا أن يصدّقه بقية الورثة) قال عليه الصلاة والسلام (( لاوصية لوارث ولا
إقرار بدين )) ولأنه تعلق به حقّ جميع الورثة ، فاقراره لبعضهم إبطال لحقّ الباقين، وفيه
إيقاع العداوة بينهم لما فيه من إيثار البعض على البعض ، وأنه منشأ للعداوة والبغضاء ،
وقضية يوسف وإخوته أكبر شاهد ، وكذا لا يصحّ إقراره إن قبض منه دينه أو رجع فيما
وهبه منه فى مرضه ، أو قبض ما غصبه منه أو رهنه عنده ، أو استردّ المبيع فى البيع
الفاسد لما بينا ، وكذا لا يجوز ذلك لعبد وارثه ولا مكاتبه ، لأنه يقع لمولاه ملكا أو حقا ،
ولو صدرت هذه الأشياء منه للوارث وهو مريض ثم برأ ثم مات جاز ذلك كله لأنه لم يكن
مرض الموت فلم يتعلق به حقّ الورثة ؛ ولو أقرّ لأخيه وهو وارثه ثم جاءه ابن ومات
صحّ الإقرار لأخيه ، ولو أقرّ له وله ابن فمات الابن ثم مات المقرّ بطل الإقرار للأخ، وهذا
لأن الوارث من يرثه وذلك إنما يتبين بالموت ، ففى المسئلة الأولى لم يرث فصحّ ، وفى الثانية
ورث فلم يصحّ ( ومن طلق امرأته فى مرضه ثلاثا ثم أقرّ لها ومات فلها الأقلّ من الإقرار
والميراث ) وكذا لو تصادقا على الطلاق وانقضاء العدّة فى مرضه ثم أقرّ لها أو أوصى، وقالا
لها فى الثانية ما أقرّ لها أو أوصى ؛ وقال زفر فى الأولى كذلك أيضا لكونها أجنبية
فى المسئلتين . ولهما أنها أجنبية بالطلاق وانقضاء العدّة فيصحّ لها الإقرار والوصية لعدم
التهمة ، بخلاف المسئلة الأولى لأن بقاء العدّة دليل التهمة . ولأبى حنيفة أن التهمة قائمة فانها
تختار الفرقة لينفتح عليها باب الوصية والإقرار فيصل إليها أكثر من ميراثها ويصطلحان على
البينونة وانقضاء العدّة لذلك ، فان كانت الوصية والإقرار أكثر من ميراثها جاءت التهمة ،

٠
- ١٣٨ -
وَإِنْ أَقَرَّ المَرِيضُ لِأَجْنَيِّ ◌ُثُمَّ قَالَ هُوَ ابْنِ بَطَلَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ لاِمْرَأَةٍ
"ثُّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَبَطُلْ، وَيَصِحُ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِالْوَلَدِ وَالوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجَةِ
وَالمَوْلى إِذَا صَدَّقُوهُ، وَكَذَلِكَ المَرأةُ إلاَّ فى الوَلَدِ فإنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْدِيق
الزَّوْجِ أَوْ شَهَادَةِ القابِلَةِ، وَمَنْ ماتَ أَبُوهُ فَأَقَرَّ بأخٍ شارَكَهُ فى المِيراثِ، وَلا
يَثْبُتُ نَسَُهُ.
وفيه إبطال حقّ الورثة فلا يجوز، وإن كان الميراث أكثر فلاتهمة فيجوز الإقرار والوصية
قال ( وإن أقرّ المريض لأجنبى ثم قال هوابنى بطل إقراره، وإن أقرّ لامرأة ثم تزوّجها لم
يبطل ) لأن البنوّة تستند إلى وقت العلوق ، فكان ابنا له وقت الإقرار فتبين أنه کان وارثا
وقت الإقرار ، والزوجية تقتصر على حالة العقد ، فصحّ الإقرار لكونها أجنبية فلا يبطل ،
حتى لوأوصى لها أو وهبها ثم تزوجها لايصحّ ، لأن الوصية إنما تصحّ بعد الموت وهى وارثة
والهبة فى المرض وصية فكانت كهى . قال ( ويصحّ إراقر الرجل بالولد والوالدين والزوجة
والمولى إذا صدّقوه) إذا كان الولد يعبر عن نفسه وإلا يثبت بمجرّد الدعوى منه لما فيه
من النظر له من ثبوت النسب ووجوب النفقة وغير ذلك ( وكذلك المرأة إلا فى الولد فانه
يتوقف على تصديق الزوج أو شهادة القابلة ) وأصله أن شرط صحة هذا الإقرار تصديق المقرّ
له ليصير حجة فى حقه فيلزمهما الأحكام بتصادقهما ، وتصوّر كونه منه لئلا يكذبه العقل
وأن لا يكون معروف النسب من غيره لئلا يكذبه الشرع ، وأما المرأة فانها تحتاج إلى تصديق
الزوج لأن فيه تحمل النسب عليه فلا يتبل إلا بتصديقه أو ببينة وهى شهادة القابلة على
ما يعرف فى موضعه إن شاء الله تعالى. وإذا صحّ الإقرار بهؤلاء لا يملك الرجوع فيه ، لأن
النسب إذا ثبت لا يبطل بالرجوع وله الرجوع إذا أقرّ بمن لا يثبت نسبه كقرابة غير الولاد
لأنه وصية معنى ، وإنما لا يصحّ النسب بغير قرابة الولاد بالإقرار لما فيه من تحمل النسب
على الغير فالأخ نسبه إلى الأب والعم إلى الجدّ وهكذا، لكن إذا لم يكن له وارث غيره
ورثه ، لأن إقراره تضمن أمرين تحمل النسب على غيره ولا يملكه فبطل والإقرار له بالمال
وإنما يملكه عند عدم الوارث فيصحّ (ومن مات أبوه فأقرّ بأخ شاركه فى الميراث ) لأنه
اعترف له بنصف الميراث ( ولا يثبت نسبه ) لما بينا ، ثم التصديق يصحّ بعد الموت،
) فى النسب لبقائه، وكذا تصديق الزوجة لبقاء أحكامه وهو غسلها له والعدة، ولا يصح
تصديق الزوج لانقطاع النكاح بالموت حتى لا يجوز له غسلها ، فصار كالتصديق بعد هلاك
العين ؛ وعندهما يصحّ لأن الإرث من الأحكام .

- ١٣٩ -
كتاب الشهادات
مَنْ تَعَّيِّنَ لتَحَمُّلِها لايَسَعُهُ أنْ يَمْتَنِعَ إِذَا طُولبَ، فَاذَا تَحَمَّلَهَا وَطُلبَ
لِأَدَائْهَا يُفْسَتَرَضُ عَلَيْهِ إلاَّ أنْ يَقُومَ الحَقُّ بَغيرِهِ، وَهُوَ مُخَّرٌ فى الحُدُود
بْنَ الشَّهَادَةِ وَالسَّمْرِ، وَالسَّْتَرُ أَفْضَلُ، وَيَقُولُ فِ السَّرِقَةِ :
کتاب الشهادات
أصل الشهادة الحضور ، قال عليه الصلاة والسلام (( الغنيمة لمن شهد الوقعة)) أى حضرها ،
ويقال : فلان شهد الحرب وقضية كذا إذا حضرها ، وقال . إذا علموا أنى شهدت وغابوا.
أى حضرت ولم يحضروا ، والشهيد : الذى حضره الوفاة فى الغزو حتى لو مضى عليه وقت
صلاة وهو حىّ لا يسمى شهيدا ، لأن الوفاة لم تحضره فى الغزو . وفى الشرع : الإخبار عن
أمر حضره الشهود وشاهدوه ، إما معاينة كالأفعال نحو القتل والزنا ، أو سماعا كالعقود
والإقرارات ، فلا يجوز له أن يشهد إلا بما حضره وعلمه عيانا أو سماعا ، ولهذا لايجوز له
أداء الشهادة حتى يذكر الحادثة ، قال عليه الصلاة والسلام ((إن علمت مثل الشمس فاشهد
وإلا فدع )) وهى حجة مظهرة للحق مشروعة، قال تعالی - واستشهدوا شهیدین من رجالكم -
وقال - وأشهدوا ذوى عدل منكم - وقال عليه الصلاة والسلام (( شاهداك أو يمينه ليس
لك إلا ذلك)) وقال عليه الصلاة والسلام ((البينة على المدّعى)) والبينة: الشهادة بالإجماع ،
ولأن فيها إحياء حقوق الناس ، وصون العقود عن التجاحد ، وحفظ الأموال على أربابها ،
قال عليه الصلاة والسلام ((أكرموا شهودكم فإن الله تعالى يستخرج بهم الحقوق)).
قال ( من تعين لتحملها لا يسعه أن يمتنع إذا طولب ) لما فيه من تضييع الحقوق ، وإن
لم يتعين فهو مخير ، ولا بأس بالتحرّز عن التحمل ( فاذا تحملها وطلب لأدائها يفترض
عليه ) لقوله تعالى - ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا - وقال تعالى - ومن يكتمها فانه آ ثم
قلبه - ولأنه إضاعة لحقوق الناس فيحرم الامتناع ( إلا أن يقوم الحقّ بغيره ) بأن يكون
فى الصكَ سواه من يقوم الحقّ به فيجوز له الامتناع، لأن الحقّ لايضيع بامتناعه،
ولأنها فرض كفاية ، ولا بدّ من طلب المدّعى لأنها حقه . قال ( وهو مخير فى الحدود
بين الشهادة والستر ) لأنّ إقامة الحدود حسبة ، والستر على المسلم حسبة ( والستر أفضل )
قال عليه الصلاة والسلام (( مز ستر على مسلم ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة )) وقد صحّ
أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ((لقن ماعزا الرجوع وسأله عن حاله سترا عليه لئلا يرجم
ويشتهر، وكفى به قدوة)) وكذلك نقل عن الخلفاء الراشدين . قال ( ويقول فى السرقة :

- ١٤٠ -
أَخَذَ المَالَ، وَلا يَقُولُ: سَرَقَ؛ وَلا يُقْبَلُ عَلَى الزّنا إلاَّ شَهَادَةُ أَرْبَعَة
مِنَ الرّجالِ، وَبَاقِى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ شَهَادَةُ رَجُلْيْنِ، وَمَا سوَاهُما منَ
الحُقُوقِ تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ رَجُلَسْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَ أْتَسْنِ (ف)، وَتُقْبَلُ
شَهَادَةُ النِّساءِ وَحْدَهُنَّ فيما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرّجَالُ كَالْوِلَادَةِ وَالْبَكَارَةِ
وَعُيُوبِ النِّساءِ ،
أخذ المال ) إحياء لحقّ المسروق منه (ولا يقول: سرق) إقامة الحسبة الستر. قال (ولا
يقبل على الزنا إلا شهادة أربعة من الرجال ) لقوله تعالى - ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم-
وقوله - فاستشهدوا. عليهنّ أربعة منكم - وقال عليه الصلاة والسلام للذى قذف زوجته
(( اثنى بأربعة يشهدون وإلا فضرب فى ظهرك)). قال ( وباقى الحدود والقصاص شهادة
رجلين ) قال تعالی ۔ فاستشهدوا شهیدین من رجالکم ۔ وقال تعالى - وأشهدوا ذوى عدل
منكم - وقال عليه الصلاة والسلام ((شاهداك أو يمينه)) ولا تقبل شهادة النساء فى الحدود
والقصاص . قال الزهرى : مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين
بعده أن لاتقبل شهادة النساء فى الحدود والقصاص . قال ( وما سواهما من الحقوق تقبل
فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ) قال تعالى - فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان - وأنه
مذكور فى سياق المداينات بالأجل فتقبل فيها. وعن عمر (( أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أجاز
شهادة النساء فى النكاح)) ولأنها من أهل الشهادة بالآية ، فتقبل شهادتها لوجود المشاهدة
والحفظ والأداء كالرجل ، وزيادة النسيان تجبر بزيادة العدد ، وإليه الإشارة بقوله تعالى
- فتذكر إحداهما الأخرى - بقى شبهة البدلية ، فلهذا قلنا لاتقبل فى الحدود والقصاص
وغيرها من الأحكام يثبت مع الشبهة . قال ( وتقبل شهادة النساء وحدهنّ فيما لا يطلع عليه
الرجال كالولادة والبكارة وعيوب النساء) قال عليه الصلاة والسلام ((شهادة النساء جائزة
فيما لا يطلع عليه الرجال)) ولأنه لابدّ من ثبوت هذه الأحكام ولا يمكن الرجال الاطلاع عليها
وإنما يطلع عليها النساء على الانفراد فوجب قبول شهادتهنّ على الانفراد تحصيلا للمصلحة
وتعبل فيها شهادة امرأة واحدة ، لما روى أنه عليه الصلاة والسلام قبل شهادة امرأة واحدة
فى الولادة ولأن ما يقبل فيه قول النساء على الانفراد لايعتبر فيه العدد كرواية الأخبار ،
والثنتان أحوط ، والثلاث أحبّ إلى اللّه، وبالأربع يخرج عن الخلاف ، وأحكام الشهادة
فى الولادة تعرف فى الطلاق إن شاء الله تعالى . وأما البكارة فان العنين يؤجل سنة ويفرّق
بينهما بعدها إذا قلنا إنها بكر ، وهل يشترط فى ذلك لفظة الشهادة ؟ لا يشترط عند مشايخ
العراق ، ويشترط عند مشايخ خراسان ، لأنها توجب حتما على الغير فكانت شهادة .