النص المفهرس

صفحات 101-120

- ١٠١ -
وَلَوْ أَذِنَّ لَهُ بِشِرَاءٍ طَعامِ الأكثْلِ وَثِيَابِ الكِسَوَةِ لايَصِيرُ مأذُونا، وَالْمَأْذُونِ
أنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِىَ وَيُوَكُلَ وَيُبْضِعَ وَيُضَارِبَ وَيُعِيرَ وَيَرْهَنَّ وَيَسْتَرْهِنِ
وَيُؤْجِّرَ وَيَسْجِرَ وَيُسْلِمَ وَيَقَْلَ السَّلَمَ وَيُزَارِعَ وَيَشَْتْرِىَ طَعَامًا وَيَزْرَعَهُ
وَيُشَارِكَ عِنانا، وَلَوْ أَفَرَّ بِدَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ وَدِيِعَةٍ جازّ، وَلا يَتْزَوَّجُ ،
ولا يقيده بشىء ، لأن ذلك عامّ فيتناول جميع الأنواع، وكذلك إذا قال: أدّ إلىّ الغلة ،
أو إن أدّيت إلىّ ألفا فأنت حرّ لأنه لاقدرة على ذلك إلا بالكسب ولا كسب إلا بالتجارة
ويجوز تصرّفه بالغبن وقالا : لا يجوز إذا كان غبنا فاحشا لأن الزيادة بمنزلة التبرّع . وله أنه
يتصرّف بأهليته كالحرّ وهذه تجارة فتجوز ، والصبىّ المأذون على هذا الخلاف، والخاص
أن يأذن له فى التجارة فى نوع خاصّ بأن يقول له أذنت لك فى البر أو فى الصرف أو فى
الخياطة أو فى الصياغة ، فانه يصير مأذونا فى جميع التجارات والحرف ، وكذلك إذا نهاه
عن التجارة فى نوع خاصّ ، وكذلك لو قال : أذنت لك فى التجارة فى البرّ دون البحر .
وقال زفر : يختصّ بما قيده به لأنه يستفيد التصرّف باذنه كالوكيل . ولنا ما بينا أنه فك
الحجر ورفع السبب الذى كان لأجله محجورا فبعده يتصرّف لنفسه بأهليته كما بعد الكتابة ،
وفكّ الحجر يوجد بالإذن فى نوع واحد ، لأن الضرر الذى يلحق بالمولى لايتفاوت بين
نوع ونوع فيلغو التقييد ويبقى قوله اتجر ، وليس كالوكيل لأنه يصحّ بقوله أذنت لك
فى التجارة ، ولا يصحّ التوكيل به لأنه مجهول . أما رفع الحجر إسقاطه، والجهالة لاتبطله
ولا يرجع على العبد بالعهدة فى تصرّفاته ويرجع على الوكيل ، ولو اقتصر على قوله أذنت
لك صحّ ، وفى التوكيل لا يصحّ ، والصبىّ يتصرّف لنفسه فى ماله فلا يكون نائبا. قال
( ولو أذن له بشراء طعام الأكل وثياب الكسوة لا يصير مأذونا ) لأنه استخدام وليس
بتجارة ، لأن التجارة ما يطلب منه الربح ، ولأنه لو اعتبرناه إذنا أدّى إلى سدّ باب
الاستخدام ، وفيه من الفساد ما لا يخفى . قال ( وللمأذون أن يبيع ويشترى ) لأنه أصل
التجارة ( ويوكل) لأنه قد لا يمكنه من المباشرة بنفسه فى بعض الأحوال ( ويبضع ويضارب )
لأن ذلك من التجارة ( ويعير ) لأن ذلك من أفعال التجار ( ويرهن ويسترهن) لأنه وفاء
واستيفاء ، وهما من توابع البيع (ويؤجر ويستأجر ويسلم ويقيل السلم ) لأن كل ذلك من
صنيع التجار ( ويزارع ويشترى طعاما ويزرعه ) لأنه تجارة يقصد بها الربح (ويشارك
عنانا ) لأنها من أفعال التجار ، وله أن يواجر نفسه لأنه يحصل به الربح والاكتساب وهو
المقصود ( ولو أقرّ بدين أو غصب أو وديعة جاز) لأنه لو لم يصحّ لامتنع الناس من معاملته
ولأن الغصب مبادلة ( ولا يتزوّج ) لأنه ليس من التجارة ، فلو تزوّج أخذ بالمهر بعد الحرية

- ١٠٢ -
وَلَا يُزَوّجُ مَمَالِيِكَهُ (س)، وَلا يُكاتِبُ، وَلا يَعْتِقُ، وَلا يُفْرِضُ، وَلاَ يَهَبُ،
وَلا يَتَصَدَّقُ، وَلاَ يَتَكَفَّلُ، وَيَهْدِى القَلِيلَ مِنَ الطَّعامِ، وَيُضِيفُ مُعامِلِيهِ
وَأَذَنُ لِرَقِيقِهِ فى التِّجَارَةِ، وَمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الدُُّونِ بِسَبَبِ الإِذْنِ مُتَعَلِّقٌ
بِرَقَبَتِهِ يُباعُ فِيهِ إلا أنْ يَفْدِيَهُ المَوْلى، فإنْ لَمْ يَفِ بِالدُّيُونِ، فإنْ فَدَاهُ
المَوْلَى بِدُيُونِ الغُرَمَاءِ انْقَطَعَ حَقُّهُمْ عَنْهُ، وَإلاَّ يُبَاعُ وَيُقْسَمُ ثُمَنُهُ بْنَ
الغُرَمَاءِ بالِحِصَصِ، فانْ بَعِى شَىْءٌ طُولبَ بِهِ بَعْدَ الحُرّيَّةِ، وَإِنْ حَجَرَ المَوْلى
عَلَيْهٍ لَمْ يَنْحَجِرْ حَّى يَعْلَمْ"
( ولا يزوّج مماليكه) وقال أبو يوسف : يزوج الأمة لأنه نوع تجارة ، وهو وجوب نفقها
على غيره ، بخلاف العبد لأنه يوجب عليه نفقة زوجته . ولهما أنه ليس تجارة ولهذا لا يملكه
فى العبد ، ونفقتها ليست بتجارة، ولأن الزواج عيب فى الأمة (ولا يكاتب ) لأنه إطلاق
وليس بتجارة ( ولا يعتق ) بمال ولا بغير مال ( ولا يقرض ولا يهب ) بعوض ولا بغير
عوض ( ولا يتصدّق ) لأن ذلك تبرّع ابتداء»، أو ابتداء وانتهاء وليس من التجارات
( ولا يتكفل ) بنفس ولا بمال لأنه تبرّع. قال (ويهدى القليل من الطعام ، ويضيف
معامليه) لأنه من صنيع التجار ، وفيه استمالة قلوب المعاملين ، وقد صحّ أنه عليه الصلاة
والسلام قبل هدية سلمان الفارسى وكان عبدا . وقال محمد : يتصدّق بالرغيف ونحوه ،
ولم يقدّر محمد الضيافة اليسيرة ، وقيل ذلك على قدر مال التجارة ، إن كانت نحو عشرة
آلاف فالضيافة بعشرة ، وإن كانت تجارته عشرة دراهم فدانق كثير ، وله أن يحطّ من
الثمن بعيب كعادة التجار ولعله أصلح من الرضا بالعيب ، ولا يحطّ بغير عيب لأنه تبرّع .
قال (ويأذن لرقيقه فى التجارة ) لأنه نوع تجارة، والأصل أنّ كلّ من له ولاية التجارة
يصحّ إذنه للعبد فيها كالمكاتب والمأذون والمضارب والأب والجدّ والقاضى وشريكى
المفاوضة والعنان والوصى ، ولا يجوز ذلك للأم والأخ والعم لأنه ليس لهم ولاية التجارة .
قال ( وما يلزمه من الديون بسبب الإذن متعلق برقبته يباع فيه إلا أن يفديه المولى ) لأن
المولى رضى بذلك ، فانه لو لم يتعلق برقبته كان تصرّفه نفعا محضا فلا حاجة إلى الإذن ،
وإنما شرط إذن المولى ليصير راضيا بهذا الضرر، ولأن سبب هذا الدين التجارة وهى باذنه
ولأن تغلق الدين برقبته مما يدعو إلى معاملته وأنه يصلح مقصودا للمولى فينعدم الضرر فى حقه
إلا أنه يبدأ بكسبه لأنه أهون ( فان لم يف بالديون ، فان فداه المولى بديون الغرماء انقطع
حقهم عنه ، وإلا يباع ويقسم ثمنه بين الغرماء بالحصص ) لتعلق حقهم به كتعلقها بالتركة
( فان بقى شىء طولب به بعد الحرية ) لأن الدين ثبت عليه ولم تف به الرقبة ، فيبقى عليه
إلى وقت القدرة ، وهو ما بعد الحرية . قال (وإن حجر المولى عليه لم بنحجر حتى يعلم

- ١٠٣ -
أَهْلُ سُوقِهِ أوّ أَكْبَبْرُهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ وَلَدَتِ الْمَأْذُونَةُ مِنْ مَوْلاها فَهُوَ
حَجْرٌ (ز)، وَالإِباقُ حَجْرٌ؛ وَلَوْماتَ المَوْلَى أَوْ جُنَّ أَوْ لحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ
مُرْتَدّاً صَارَ تَحْجُورًا، وَيَصِحُّ إِقْرَارَهُ بِمَا نْ يَدِهِ بَعْدَ الحَجْرِ (سم)، وَإِذَا
اسْتَغْرَقَّتِ الدَّيُونُ مالَهُ وَرَقَتَهُ لَمْ يَمْلِكِ المَوْلى شَيْئًا مِنْ مالِهِ (سم)،
أهل سوقه أو أكثرهم بذلك ) لأنهم إذا لم يعلموا يبايعونه بناء على ما عرفوه من الإذن ،
فلو انحجر يتضرّر بذلك ، لأنهم إذا لم يتعلق حقهم بكسبه وبرقبته يتأخر إلى ما بعد الحرية ،
وقد لايعتق فيتضرّرون إما بالتأخير أو بالعدم ، ولو حجر عليه فى السوق عند رجل
أو رجلين لاينحجر ، ولو حجر عليه فى البيت عند أهل سوقه أو أكثرهم انحجر ، والمعتبر
اشتهار الحجر عندهم إذا كان الإذن مشهورا ؛ أما إذا لم يعلم بالإذن غير العبد ثم علم بالحجر
انحجر ، ولا يزال مأذونا حتى يعلم بالحجر كالوكيل لأنه يتضرّر لو اتحجر بدون علمه،
لأنه يلزمه قضاء الديون بعد الحرية وأنه ضرر به . قال ( وإن ولدت المأذونة من مولاها
فهو حجر ) خلافا لزفر . له أن ذلك لا يمنع الإذن ابتداء فكذا بقاء . ولنا أنه يحصنها عادة
فيمنعها من الخروج والبروز والتصرّفات فكان حجرا دلالة ، بخلاف الابتداء فانه صريح
فى الإذن فلا تعارضه الدلالة . قال ( والإباق حجر ) لأنه لايقدر على قضاء دينه من كسبه
وهو ما أذن له إلا بهذا الشرط مقصودا. قال (ولو مات المولى أو جنّ ، أو لحق .. ار
الحرب مرتدّاً صار محجورا ) لأنه زال ملكه عنه بالموت واللحاق ، ألا ترى أنه ينتقل
إلى ملك ورثته وهو عقد غير لازم فيزول بزوال الملك ، وبالجنون زالت الأهلية فيبطل
الإذن اعتبارا بالابتداء ، لأن ما يلزم من التصرّفات يعتبر لدوامه الأهلية كما يعتبر
الابتدائه . قال ( ويصحّ إقراره بما فى يده بعد الحجر ) سواء أقرّ أنه غصب أو أمانة أو أقرّ
بدين ، وقالا : لا يصحّ لأن المصحح كان الإذن وقد زال، ولهذا لايصحّ فى حقّ الرقبة
وصار كما إذا باعه من آخر ، وله أن المصحح اليد وهى باقية ، ولهذا لايصحّ فيما أخذه
المولى، وبطلانها لعدم الحاجة ، وهى باقية بدليل إقراره ، بخلاف الرقبة لأنها ليست فى يده
وملك المولى ثابت فيها فلا يبطل من غير رضاه ، وبخلاف البيع لأنّ الملك قد تبدّل فلم
يبق حكم الملك الأوّل . قال ( وإذا استغرقت الديون ماله ورقبته لم يملك المولى شيئا من
ماله) وهو كالأجنبى لو أعتق عبيده لايعتقون ، ولو قتل عبده فعليه قيمته على السنين ،
وقالا : يملكه المولى ويعتقون باعتاقه وعليه قيمة المقتول فى الحال . لهما أنه ملك رقبته
حتى جاز عتقه فيملك كسبه ، ولذا يحلّ له وطء المأذونة، وتعلق حق" الغرماء يمنع
المولى عن التصرّف فيه ونقضه بعد وقوعه لافى إبطال ملكه . وله أن الملك واقع للمأذون
لأن سبب الملك الاكتساب ، فيكون أولى به من غيره بالنصّ ، وإنما ينتقل إلى المولى

- ١٠٤ -
وَإِنْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْغُرَّمَاءِ وَمَا بَقِى فَعَلَى العَبْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ
المَوْلَى بِمِثْلِ الثَّمْنِ أَوْ أَقَلَّ، وَيَجُوزُ أنْ يَبِيعَ مِنَ المَوْلَىِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أوْ أكبر.
كتاب الإكراه
وَيُعْتَبَرُ فِيهِ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلى إيقاعِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ،
إذا فضل عن حاجته ، والحاجة قائمة فى الدين المحيط ، والمأذون يملكه لكونه آدميا مكلفا
لكن ملكا منتقلا لامستقرًا كملك المقتول الدية والجنين الغرة ، ثم تنتقل إلى ورثته حتى
يكون موروثا عنه ، بخلاف ما إذا لم يكن مستغرقا ، لأن الإنسان قلّ ما يخلو عن
قليل الدين سيما التجار ، فلو اعتبرنا القليل مانعا أدّى إلى سدّ باب التصرفات على
المولى فيمتنع عن الإذن . قال ( وإن أعتقه نفذ ) لبقاء ملكه فيه ( وضمن قيمته.
للغرماء ، وما بقى فعلى العبد ) لأن حقهم تعلق برقبته وقد فوّتها بالعتق فيغرم له قيمتها ،
وما فضل أخذوه من المعتق لأنه حرّ مديون ، وإن شاء ضمنوا المعتق جميع ديونهم ،
لأن حقه تعلق برقبته وقد حصلت له فيضمنها وإن كان الدين أقلّ من قيمته ضمن الدين
. لأن حقهم فيه . قال (ويجوز أن يبيعه المولى بمثل الثمن أو أقلّ) لأنه أجنبىّ عن كسبه إذا
كان مديونا كما بينا ولا تهمة فيه ، وفيه منفعة للعبد بدخول المبيع فى ملكه ، فان باعه وسلمه
ولم يقبض الثمن سقط إن كان دينا ، لأن المولى لا يثبت له دين على عبده ، وإن كان الثمن
عرضا لا يسقط لجواز بقاء حقه فى العين. قال ( ويجوز أن يبيع من المولى بمثل الثمن
أو أكثر ) لأنه كالأجنبى ولا تهمة حتى لو باعه بأقلّ من القيمة لا يجوز للتهمة ، ولو باع
المولى العبد فقبضه المشترى وعيبه . فالغرماء إن شاءوا ضمنوا البائع القيمة لأنه أتلف.
حقهم بالبيع والتسليم ، وإن شاءوا ضمنوا المشترى بالشراء والتعييب ، وإن شاءوا
أجازوا البيع وأخذوا الثمن لأن الحقّ لهم كالمرتهن ، فان ضمنوا البائع ثم ردّ عليه بعيب
رجع عليهم بما ضمن وعاد حقهم إلى العبد لزوال المانع .
كتاب الإکراء
وهو الإلزام والإجبار على ما يكره الإنسان طبعا أو شرعا ، فيقدم عليه ما عدم الرضا.
ليدفع عنه ما هو أضرّ منه ؛ ثم قيل هو معتبر بالهزل المناقى للرضا ، فما لا يؤثر فيه الهزل
لا يؤثر فيه الإكره كالطلاق وأخواته ؛ وقيل هو معتبر بخيار الشرط الخالى عن الرضا
بموجب العقد ، فما لا يؤثر فيه الشرط لا يؤثر فيه الإكراه . قال ( ويعتبر فيه ق.زة المكره.
على إيقاع ما هدّده به ) لأنه إذا لم يكن قادرا عليه لا يتحقق الخوف فلا يتحقق الإكراه ،

- ١٠٥ -
وَخَوْفُ الْمُكْرَهِ عاجِلاً، وَامْتِناعُهُ مِنَ الفِعْلِ قَبَلَ الإِكْرَاهِ لِحَقِّهِ أو لحِقٍّ
آدَمِّ أَوْ لِحَقّ الشَّرْعِ، وأَنْ يَكُونَ المُكْرَهُ بِهِ نَفْسا أوْ عُضْوًا أَوْ مُوجِبًاً غَمَّاً
يَنْعَدِمُ بِهِ الرّضا، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعٍ أوْ شِراءٍ أوْ إِجارَةٍ أوْ إِقْرارٍ بِقَتْلٍ
أَوْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ أوْ حَبْسٍ فَفَعَلَّ ◌ُثْم زَالَ الإِكْرَاهُ، فانْ شاءَ أَمْضَاهُ، وَإِنْ
شاءَ فَسَخَهُ، وَإِنْ قَبَضَ العِوَضَ طَوْعًا فَهُوَ إجازَةٌ، وَإِنْ قَبَضَهُ مُكْرَها
فَلَيْسَ باجازَةِ، وَيَرُدُّهُ إنْ كان قائما، فانْ هَذَكَ المَبِيعُ فِى يَدِ الْمُشْتَرِى.
وما روى عن أبى حنيفة أن الإكراه لا يتحقق إلا من سلطان ، فاختلاف عصر وزمان
( و) لابدّ من ( خوف المكره عاجلا ) لأنه لو لم يخف فعله يكون راضيا فلا يكون مكرها ؛
لأن الإكراه ما يفعله بغيره فينتفى به رضاه أو يفسد عليه اختياره مع بقاء أصل القصد ،
لأنه طلب منه أحد الأمرين فاختار أحدهما ، فإذا فعل برضاه لا يكون مكرها (و) لابد
من ( امتناعه من الفعل قبل الإكراه ) لأن الإكراه لا يتحقق إلا على فعل يمتنع عنه المكره .
أما إذا كان بفعله فلا إكراه ويكون الامتناع (لحقه ) كبيع ماله والشراء ، وإعتاق عبده
ونحو ذلك. ( أو لحقّ أدمىّ) كإتلاف مال الغير ونحوه ( أو لحقّ الشرع) كالقتل والزنا
وشرب الخمر ونحوها ، لأن الامتناع لا يكون إلا لأحد هذه الأشياء ( و ) لابدّ ( أن
يكون المكره به نفسا أو عضوا ) كالقتل والقطع (أو موجبا ما ينعدم به الرضا) كالحبس
والضرب؛ وأحكامه تختلف باختلاف هذه الأشياء ، فتارة يلزمه الإقدام على ماأكره عليه ،
وتارة يباح له ، وتارة يرخص ، وتارة يحرم على ما نبينه إن شاء الله تعالى . قال ( فلو أكره
على بيع أو شراء أو إجارة أو إقرار بقتل أو ضرب شديد أو حبس ففعل ثم زال الإكراه ،
فان شاء أمضاه ، وإن شاء فسخه ) لأن الملك يثبت بالعقد لصدوره من أهله فى محله ، إلا
أنه فقد شرط الحلّ وهو التراضى فصار كغيره من الشروط المفسدة ، حتى لو تصرّف فيه
تصرّفا لا يقبل النقض كالعتق ونحوه ينفذ وتلزمه القيمة ، وإن أجازه جاز لوجود التراضى
بخلاف البيع الفاسد ، لأن الفساد لحقّ الشرع يجوز بإجاز تهما، ولا ينقطع حقّ الاسترداد
ههنا وإن تداولته الأيدى ، بخلاف البيع الفاسد ، لأن الفساد لحقّ الشرع ، وقد تعلق
بالبيع الثانى حقّ العبد، وهنا أيضا الردّ حقّ العبد، وهما سواء ؛ ولو أكره بضرب
سوط ، أو حبس يوم ، أوقيد يوم لا يكون إكراها ، لأنه لايبالى به عادة ، إلا إذا كان
ذا منصب يستضرّ به ، فيكون إكراها فى حقه لزوال الرضى . وأما الإقرار فليس بسبب ،
لكن جعل حجة لرجحان جانب الصدق ، وعند الإكراه يترجح جانب الكذب لدفع
الضرر ( وإن قبض العوض طوعا فهو إجازة ) لأنه دليل الرضا كالبيع الموقوف (وإن
قبضه مكرها فليس باجازة ، ويردّه إن كان قائما ، فان هلك المبيع فى يد المشترى

- ١٠٦ -
وَهُوَ غْرَ مُكْرَهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلِلْمُكْرَهِ أنْ يُضَمِّنَ الْمُكْرِهَ، وَإِنْ
أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقٍ أوْ عَتَاقٍ فَفَعَلَ وَقَعَ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِقِيمَةِ العَبْدِ ،
وَالْوَلاَءُ لِلْمُعْتِقِ، وفى الطَّلَاقِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ إنْ كانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبِمَا
يَلْزَمُهُ مِنَ الْمُتْعَةِ عِنْدَ عَدَمِ النَّسْمِيَّةِ، فَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ
أوْ أكْلِ المَيْتَةِ أوْ عَلَى الكُفْرِ أوْ إتلافٍ مالٍ مُسْلمٍ أوْ ذِمِّىَّ بالحَبْسِ أوِ الضَّرْبِ
فَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ ،
وهو غير مكره فعليه قيمته ) لأنه بيع فاسد والمقبوض فيه مضمون بالقيمة ( وللمكره أن
يضمن المكره) لأنه كالآ لة له فكأنه هو الذى دفعه إلى المشترى فصار كغاصب الغاصب ،
فان ضمن المكره رجع على المشترى لأنه صار كالبائع ، وإن ضمن المشترى نفذ كلّ بيع
حصل بعد الإكراه لأنه ملكه بالضمان ، والمضمونات تملك بأداء الضمان مستندا إلى وقت
القبض عندنا على ما عرف . قال ( وإن أكره على طلاق أو عتاق ففعل وقع ) لما بينا أنه
معتبر بالهزل لأنهما يجريان مجرى واحدا فى عدم الرضا ، وقد بينا أن الإكراه لا يسلب
القصد ، فقد قصد وقوع الطلاق والعتاق على منكوحته وعبده فيقع ( ويرجع على المكره
بقيمة العبد والولاء للمعتق ) لما بينا أنه آلة له فانضاف إليه فله تضمينه (وفى الطلاق
بنصف المهر إن كان قبل الدخول وبما يلزمه من المتعة عند عدم التسمية ) لأنه أكد ما كان
على شرف السقوط بأن تجىء الفرقة من قبلها ، فكان إتلافا لهذا القدر من المال فيضاف
إليه ، بخلاف ما بعد الدخول ، لأن المهر تأكد بالدخول ، وهكذا النذر واليمين والظهار
والرجعة والإيلاء والفىء باللسان ، لأن هذه الأشياء لا تقبل الفسخ وتصحّ مع الهزل، والخلع
يمين أو طلاق وعليها البدل إن كانت طائعة ، ولا شىء عليه فيما وجب بالنذر واليمين ،
لأنه لامطالب له فى الدنيا فلا يطلبه فيها ، والنكاح كالطلاق ، فان كان بمهر المثل أو أقلّ
لم يرجع بشىء لأنه وصل إليه عوض ما خرج من ملكه ، وإن كان أكثر من مهر المثل
بطلت الزيادة ، لأن الرضا شرط للزوم الزيادة وقد فاتت . وإن أكرهت المرأة ، فان كان
الزوج كفؤا بمهر المثل جاز ولا ترجع بشىء لما بينا ، وإن كان أقلّ فالزوج إما أن يتمّ
لها مهر المثل أو يفارقها ، ولا شىء عليه إن لم يدخل بها ، لأن الفرقة جاءت من قبلها
حيث لم ترض بالمسمى ، وإن دخل بها وهى مكرهة فلها مهر مثلها حيث لم ترض بالمسمى ،
وإن كانت طائعة فهو رضى بالمسمى ، ويبقى الاعتراض للأولياء عند أبى حنيفة على
ما عرف . قال ( فان أكره على شرب الخمر أو أكل الميتة أو على الكفر أو إتلاف مال
مسلم أوذمى بالحبس أو الضرب فليس بمكره ) والأصل فى هذا أن شرب الخمر وأكل
الميتة ومال الغير مباح فى حالة المخمصة ، وهو خوف فوت النفس ، قال الله تعالى - فمن

- ١٠٧ -
وَإِنْ أَكْرَهَهُ بِاتْلافٍ نَفْسِهِ وَسِعَهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَإِنْ صَبْرَ حَّتِى قُتِلَّ
كانَّ مَأْجُورًا،
اضطرّ غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه - فاذا أكره على ذلك بالضرب والحبس لا يسعه ذلك
لأنه ليس فى معناه ، وإذا لم يبح بهذا النوع من الإكراه لا يباح الكفر لأنه أعظم جريمة
وأشدّ حرمة وأقبح من هذه الأشياء ، لأن حرمتها بالسمع وحرمة الكفر به وبالعقل
( وإن أكرهه باتلاف نفسه وسعه أن يفعل ) أما شرب الخمر وأكل الخنزير والميتة فلما
تلونا من النصّ . ووجهه أن حالة الضرورة صارت مستثناة من الحرمة ، فكانت الميتة
والخمر حالة الضرورة كالخبز والماء فى غير حالة الضرورة ، فلو لم يفعل حتى قتل وهو
يعلم بالإباحة أثم كما فى حالة المخمصة ، ولأن الحرمة لما زالت بقوله تعالى - فلا إثم عليه -
صار كالممتنع عن الطعام والشراب حتى مات فيأثم . وأما إتلاف مال الغير فكذلك يباح
حالة المخمصة فزال الإثم، والضمان على من أكرهه لما مرّ ، وكذلك لو توعدوه بضرب
يخاف منه على نفسه أو بقطع عضو منه ولو أنملة ، لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس ؛
ألا ترى أنه كما لايباح له القتل حالة المخمصة لا يباح له قطع العضو ، ولو خوّفوه بالجوع
لا يفعل حتى يجوع جوعا يخاف منه التلف فيصير كالمضطرّ . وأما الكفر فإنه يسعه أن يأتى به
وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، لما روى (( أن عمار بن ياسر رضى الله عنه أكرهه المشركون على
الكفر ، فأعطاهم بلسانه ما أرادوا ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكى،
فقال له : ما وراءك ؟ فقال : شرّ، نلت منك ، فقال : كيف وجدت قلبك ؟ قال :
مطمئنا بالإيمان ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ويقول: مالك، إن عادوا
فعد، ونزل قوله تعالى - إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان)) وفيه دليل الكتاب ؛ والسنة
وهو قوله صلى الله عليه وسلم ((إن عادوا فعد)) والأثر فعل عمار رضى الله عنه (وإن
صبر حتى قتل كان مأجورا) وهو العزيمة ((فان خبيب بن عديّ الأنصارى رضى اللّه
عنه صبر حتى قتل ، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء ، وقال : هو
رفيقى فى الجنة)) ولأنه بذل مهجته وجاد بروحه تعظيما لله تعالى وإعلاء لكلمته لئلا يأتى
بكلمة الكفر ، فكان شهيدا كمن بارز بين الصفين مع علمه أنه يقتل فانه يكون شهيدا ،
ومن هذا القبيل سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وترك الصلوات الخمس ، وكل ما ثبتت
فرضيته بالكتاب ؛ ولو أكره الذمىّ على الإسلام صحّ إسلامه ، كما لو قوتل الحربى على
الإسلام فأسلم ، فانه يصحّ بالإجماع. قال الله تعالى - وله أسلم من فى السموات والأرض
طوعا وكرها - سمىُّ المكره على الإسلام مسلما ، فان رجع الذمى لايقتل لكن يحبس حتى
يسلم لأنه وقع الشكّ فى اعتقاده ، فاحتمل أنه صحيح فيقتل بالردّة ، ويحتمل أنه غير
معتقد فيكون ذميا فلا يقبل ، إلا أنا رجحنا جانب الوجود حالة الإسلام تصحيحا لإسلامه

- ١٠٨ -
وَلَوْ أُكْرَهَ بِالْقَتْلِ عَلَى الْقَتْلِ كَمْ يَفْعَلْ وَيَصْبِرُ حَّى يُقْتَلَ، فانْ فَلَ
أثمَ وَالقِصَاصَ عَلَى الْمُكْرِهِ (زس)، وَإِنْ أَكْرِهَ عَلَى الرّدةِ لَمْ تِبنِ امْرَأْتُهُ
مِنْهُ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزّنا لاحَدَّ عَلَيْهِ (ز).
لترجيح الإسلام على الكفر . قال ( ولو أكره بالقتل على القتل لم يفعل ويصبر حتى
يقتل ) وكذا قطع العضو، وسبّ المسلم وأذاه ، وضرب الوالدين ضربا مبرحا ، لأن الظلم
حرام شرعا وعقلا ، لايستباح بحال ولا بوجه مَّا، وكذا قتل المسلم البرىء لايباح بوجه ما
(فان قتل أثم) لقيام الحرمة ( والقصاص على المكره) لأنه آلة له فيما يصلح أن يكون آلة
وهو القتل ، ولا يصلح أن يكون آلة فى الإثم لأنه بالجناية على الدين وأنه حرام فلا يباح
إلا من جهة صاحب الحقّ". وقال أبو يوسف: لاقصاص على واحد منهما لأن القصاص
يندرى بالشبهات وقد تحققت الشبهة فى حقّ كل واحد منهما ، أما المكرّه فهو محمول
عليه ، وأما المكرِه فلعدم المباشرة . وقال زفر: يجب على المكره لأن المباشرة موجبة للقتل
ولهذا تعلق به الإثم ، ولهما ما تقدّم أنه آلة فيما يصلح ، والقتل يصلح بأن یلقیه عليه وصار
كمن أكره مجوسيا على ذبح شاة مسلم ، فالفعل ينتقل إلى المكره فى الإتلاف حتى يجب
عليه الضمان ولا ينتقل الحكم حتى لايحلّ أكلها. قال (وإن أكره على الردّة لم تبن امرأته
منه ) لأن البينونة تبنى على الردّة والردّة غير متحققة، لاحتمال عدم اعتقاد الكفر ، بل
هو الظاهر عند الإكراه ؛ ولو اختلفا فالقول قوله فى عدم الاعتقاد لأنه لا يعرف إلا من
جهته . قال ( ومن أكره على الزنا لاحدّ عليه ) لوجود الشبهة ويأثم بالفعل ، ولو صبر
كان مأجورا كالقتل ، لأن الزنا لايباح بوجه مَّا. وقال أبو حنيفة أوّلا وهو قول زفر :
يحدُّ لأن انتشار الآلة دليل الطواعية . قلنا : وقد يكون طبعا والشبهة موجودة ، ولو
أكرهت المرأة وسعها ذلك ولا تأثم ، نصّ عليه محمد ، لأن الفاعل الرجل دونها ، لأن
الإيلاج فعله فلم يتحقق الزنا منها ، لكن تمكينها وسيلة إلى فعله فيباح عند الضرورة ؛
ولو أمره ولم يكرهه فى هذه المسائل كلها إلا أنه يخاف القتل إن لم يفعل فهو فى حكم المكره
لأن الإلجاء باعتبار الخوف، وقد تحقق .

- ١٠٩ -
كتاب الدعوى
المُدَّعِىِ مَنْ لأُ يَجْبرُ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَالمُدعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجَْبَرُ،
کتاب الدعوى
الدعوى مشتقة من الدعاء وهو الطلب . وفى الشرع : قول يطلب به الإنسان إثبات
حقّ على الغير لنفيه ، والبينة من البيان ، وهو الكشف والإظهار ؛ والبينة فى الشرع تظهر
صدق المدّعى وتكشف الحقّ. والأصل فى الباب قوله صلى الله عليه وسلم ((لو ترك
الناس ودعواهم لادّعى قوم دماء قوم وأموالهم ، لكن البينة على المدّعى ، واليمين على
المدّعى عليه)) وفى رواية ((واليمين على من أنكر)) ويروى (( أن حضرميا وکندیا اختصما
بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شىء، فقال للمدّعى: ألك بينة ؟ قال لا ،
فقال: لك يمينه ليس لك غير ذلك)) فنبدأ بمعرفة المدّعى والمدّعى عليه، إذ هو الأصل
فى الباب ونبنى عليه عامَّة مسائله
قال ( المدعى من لا يجبر على الخصومة ، والمدّعى عليه من يجبر ) وقيل المدّعى من
يضيف إلى نفسه ما ليس بثابت ، والمدّعى عليه من يتمسك بما هو ثابت بظاهر اليد ،
فلو ادّعى على رجل دينا فادّعى الوفاء أو البراءة صار مدعيا لدعواه ما ليس بثابت ، وهو
فراغ ذمته بعد اتفاقهما على الشغل ، وقيل المدّعى من لا يستحقّ إلا بحجة كالخارج ،
والمدّعى عليه من يستحقّ بقوله من غير حجة كذى اليد؛ وقيل المدّعى من يضيف ماعند
غيره إلى نفسه ، والمدّعى عليه : ما يضيف ما عنده إلى نفسه ، وجميع العبارات متقاربة ،
وينبغى أن يحقق ذلك ويعرف بالمعنى لا بالصورة ، فان المودع إذا ادّعى إيصال الوديعة
فانه مدّع صورة منكر معنى حتى لو ترك لا يترك ، والفقيه إذا أمعن النظر وأنعم الفكر ظهر
له ذلك بتوفيق الله، ولا يصحّ الدعوى إلا فى مجلس القضاء على خصم حاضر .
اعلم أنّ الدعوى إذا صحت عند القاضى أوجبت على الخصم الحضور إلى مجلس القاضى ،
قال تعالى - وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون - ذمَّهم على
ترك الحضور وهو الإعراض عن الإجابة. وعن علىّ رضى الله عنه ((أن امرأة الوليد بن
عقبة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعدى على زوجها ، فأعداها ، فقالت :
أبى أن يجىء، فأعطاها هدية من ثوبه فجاءت به)) ولأن الحكام يحضرون الناس بمجرّد
الدعوى من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير ، فاذا حضر
وادعى عليه وجب عليه الجواب بلا أو بنعم حتى لو سكت كان إنكارا فيسمع البينة عليه

- ١١٠ -
وَلا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الدّعْوَى بِشَىْءٍ مَعْلُومِ الجِنْسِ وَالقَدْرِ، فإنْ كانَ دَيْنا
ذَكَرَ أنَّهُ يُطالِبُهُ بِهِ، وَإنْ كانَ عَيْنَا كُلِّفَ المُدعَى عَلَيْهِ إِحْضَارَها، فانْ
كَمْ تَكُنْ حاضِرَةٌ ذَكَرَ قِيمَّهَا، وَإنْ كانَ عَقَارًا ذَكَرَ حُدُودَهُ الأَرْبَعَةَ،
وأسماءَ أصْحابِهَا وَنَسَبَهُمْ إلى الجَدّ، وَذَكَرَ المَحِلَّةَ وَالبَلَدَ، ثُم يَذْكُرُ أنَّهُ
فى يَدِ المُدَّعَى عَلَيْهِ وأنّه يُطالبُهُ بَهِ، وَإِذَا سَمَّتِ الدَّعْوَى سألَ القاضِى المُدَّعَى
عَلَيْهُ، فانِ اعْتَرَفَ أوْ أقامَ المُدعِىِ بِيِّنَةٌ قَضَى عَلَيْهِ، وَإلاَّ يُسْتَحْلَفْ،
دفعا للضرر عن المدّعى إلا أن يكون أخرس . قال ( ولا بدّ أن تكون الدعوى بشىء
معلوم الجنس والقدر ) لأن الدعوى للإلزام ، والقضاء بالمجهول غير ممكن ، وكذلك
الشهادة بالمجهول لاتقبل ( فإن كان دينا ذكر أنه يطالبه به ) لأن فائدة الدعوى إجبار
القاضى المدّعى عليه على إيفاء حقّ المدّعى، وليس للقاضى ذلك إلا إذا طالبه به فامتنع ،
ولا بدّ من ذكر الوصف لأنه لا يعرف إلا به ( وإن كان عينا كلف المدّعى عليه إحضارها)
ليشير إليها بالدعوى والشهود عند أداء الشهادة والمنكر عند اليمين ، ولأن ذلك أبلغ
فى التعريف ( فان لم تكن حاضرة ذكر قيمتها ) لأنه إذا تعذر مشاهدة العين فالقيمة تقوم
مقامها كما فى الاستهلاك ، إذ هى المقصود غالبا ، ويذكر فى القيمة شيئا معينا فى قدره
ووصفه وجنسه نفيا للجهالة لما بينا ، وإن كان حيوانا يذكر الذكورة أو الأنوثة ( وإن
كان عقارا ذكر حدوده الأربعة وأسماء أصحابها ونسبهم إلى الجدّ وذكر المحلة والبلد) لأن
العقار لا يمكن إحضاره فتعذّر تعريفه بالإشارة فيعرف بالحدود ويبدأ بذكر البلدة لأنه أعم"
ثم بالمحلة التى فيها العقار ثم يبين الحدود ، لأن التعريف يقع بذلك ، ولا بدّ من ذكر
أصحابها وأسماء آبائهم وأجدادهم لأنه أبلغ فى التعريف، وفى ذكر الجدّ خلاف أبى يوسف،
وقد تقدم ، وإن كان الرجل مشهورا لايحتاج إلى ذكر النسب لوجود التعريف بدونه ،
وكذلك يجب على الشهود ذكر الحدود كما مرّ. قال ( ثم يذكر أنه فى يد المدّعى عليه وأنه
يطالبه به) لأنه إذا لم يكن فى يده لا يكون خصما والحقّ له فلا يستوفى إلا بطلبه، ولأنه
يحتمل أنه فى يده رهنا أو محبوسا بالثمن ، فاذا طالبه زال الاحتمال ، ولا يثبت كونه فىيده
إلا ببينة أو علم القاضى ، ولا يثبت بتصادقهما نفيا لتهمة المواضعة لجواز أنه فى يد غيره
بخلاف المنقول ، لأن اليد فيه مشاهدة . قال ( وإذا صحت الدعوى سأل القاضى المدّعى
عليه ) لينكشف وجه الحكم ولوجوب الجواب عليه ( فان اعترف أو أتام المدّعى بينة
قضى عليه ) أما الاعتراف فلأنه لاتهمة فيه ، قال تعالى - بل الإنسان على نفسه بصيرة -
أى شاهد ، وأما البينة فلآنها مشتقة من البيان وهو الإظهار، فهى تظهر الحقّ وتكشف
صدق الدعوى فيقضى بها ، وعلى هذا إجماع المسلمين . قال ( وإلا يستحاف ) لقوله

- ١١١ -
فانْ حَلَفَ انْقَطَعَتِ الْحُصُومَةُ إلاَّ أنْ تَتَقُومَ البَيِّنَةُ، وَإِنْ نَكَلَ يَقْضِى
عَلَيْهِ بالنُّكُولِ، فانْ قَضَى أَوَّلَ ما نَكَلَ جازَ، وَالْأَوْلَى أنْ يَعْرِضَ عَلَيْه
اليَمِينَ ثَلاثٍ، وَيَثْبُتُ النُّكُولُ بِقَوْلِهِ لاأحْلِفُ، وَبَالسُّكُوتِ إلا أنْ يَكُونَ
بِهِ خَرَسٌ أَوْ طَرَشٌ ، وَلا تُرَدُّ اليَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِىِ (ف) ،
عليه الصلاة والسلام ((ألك بينة؟ قال لا، قال: فلك يمينه)) ولا بدّ من طلب المدّعى
واستحلافه لأنها حقه بالإضافة إليه ( فان حلف انقطعت الخصومة ) لقوله عليه الصلاة
والسلام (( ليس لك غير ذلك)) فيما روينا من الحديث . قال ( إلا أن تقوم البينة ) فتقبل ،
قال عليه الصلاة والسلام (( اليمين الفاجرة أحقّ أن تردّ من البينة العادلة)) ولأن طلب اليمين
لا يدلّ على عدم البينة لاحتمال أنها غائبة أو حاضرة فى البلد ولم يحضرها، ولأن اليمين بدل
عن البينة ، وإذا قدر على الأصل بطل حكم الخلف . قال ( وإن نكل يقضى عليه بالنكول )
لأن النكول اعتراف وإلا يحلف دفعا للضرر عنه وقطعا للخصومة ، فكان نکو له إقرارا
أو بدلا فيقضى به ( فإن قضى عليه أوّل ما نكل جاز ) لأنه حجة كالإقرار ( والأولى أن
يعرض عليه اليمين ثلاثا ) ويخبره أن من مذهبه القضاء بالنكول لأنه فصل مجتهد فيه ،
فربما يخفى عليه حكمه ، فاذا عرض عليه ثلاثا وأبى قضى عليه ، هكذا فعله أبو يوسف
مع وكيل الخليفة وألزمه بالمسال ، وإن قال بعد النكول : أنا أحلف إن كان قبل القضاء
حلفه لكونه مختلفا فيه ، وإن كان بعد القضاء لم يحلفه لأن النكول بمنزلة الإقرار ، ولو
أقرّ ثم قال أحلف لا يسمع منه كذا هذا ( ويثبت النكول بقوله لا أحلف ) لأنه صريح فيه
( وبالسكوت ) لأنه لادلالة عليه وإلا يحلف ( إلا أن يكون به خرس أو طرش ) فيعذر .
قال (ولا تردّ اليمين على المدعى) لقوله عليه الصلاة والسلام ((البينة على المدّعى، واليمين
على المدّعى عليه)) جعل جنس اليمين على المدّعى عليه لأنه ذكره بالألف واللام وذلك ينفى
ردّها على المدّعى ، ولأنه قسم والقسمة تنافى الشركة ، فلا يكون للمدّعى يمين ، ويلزم
من هذا عدم جواز القضاء بالشاهد واليمين ، لأن ما روينا ينفى أن يكون للمدّعى يمين
معتبرة ، فيبقى القضاء بشاهد فرد ، وأنه خلاف الإجماع ، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام
فى حديث الحضرمىّ ((ألك بينة؟ قال لا، قال: لك يمينه ليس لك غير ذلك)) ينفى الجواز
أيضا لأنه غير المشار إليه فى الحديث. وما روى (( أنه عليه الصلاة والسلام قضى بشاهد
ويمين)) فمردود لوجوه : أحدها أنه مخالف للكتاب لأنه تعالى أوجب الحقّ للمدّعى بشهادة
رجلين ، ونقله عند عدمهما إلى شهادة رجل وامرأتين ، فالنقل إلى غيره خلاف الكتاب ،
أو نقول الزيادة عليه خلاف الكتاب . الثانى أنه ورد فى حادثة عامة مختلفة بين السلف،
فلو كان ثابتا لارتفع الخلاف ، فلما لم يرتفع دلّ على عدم ثبوته . الثالث أنه خبر آحاد ،

- ١١٢ -
وَإِنْ قَالَ: لى بَيْنَةٌ حاضِرَةٌ فى المِصْرِ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ (سم ف)
وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلاً بِنَفْسِهِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَإنْ كانَ غَرِيبا يُلازِمُهُ مِقْدَارَ
مَجْلِسِ القاضِى، وَلا يُسْتَحْلَفُ فى النكاحِ (سم) وَالرَّجْعَةِ وَالفَىْءٍ فى الإيلاء
وَالرّقْ وَالاِسْتِيِلادِ وَالنَّسَبِ وَالوَلاءِ والحُدُودِ ،
وقوله عليه الصلاة والسلام (( البينة على المدّعى)) مشهور قريب من التواتر فلا يعارضه ،
لأن خبر الآحاد إذا ورد معارضا للخبر المشهور يردّ . الرابع ردّه أئمة الحديث كيحيى
ابن معين وغيره . الخامس ما روى عن معمر قال : سمعت الزهرى يقول : القضاء بالشاهد
واليمين بدعة ، وأوّل من قضى به معاوية . قال ( وإن قال : لى بينة حاضرة فى المصر
وطلب يمين خصمه لم يستحلف )) عند أبى حنيفة، وقالا : يستحلف، لأن اليمين حقه فلا
ببطل إلا باقامة البيئة لابالقدرة عليها ، واعترافه بالبينة لا يكون اعترافا بسقوط اليمين ، وله
قوله عليه الصلاة والسلام (( ألك بينة ؟ قال لا ، قال: فلك يمينه)) رتب اليمين على عدم
البينة فلا يجب مع وجودها ، ولأنا أجمعنا على أنه لو قامت البينة سقطت اليمين ، حتى لو قال
المدّعى عليه : أنا أحلف لايلتفت إليه ، وإذا كانت اليمين لا يثبت حكمها مع البينة ، فاذا
اعترف بالبيئة وأنه قادر على إقامتها فقد اعترف أنه لا يمين على المدّعى عليه . قال ( ويأخذ
منه كفيلا بنفسه ثلاثة أيام ) ويجيبه القاضى إلى ذلك استحسانا لاحتمال أنه يغيب قبل إقامة
البينة ، وكذا لو أقام البينة قبل القضاء لاحتمال أنه يغيب قبل القضاء فيتعذّر القضاء فيكفله
مدّة إحضار الشهود على ما يروى عن أبى يوسف وعن أبى حنيفة ثلاثة أيام ، ألا ترى
أنه بمجرّد الدعوى عند القاضى بعديه (١) إحياء للحقوق كذا هذا ، ويكتفى بالكفيل أن
يكون معروفا ليحصل التوثق ، ولا يشترط كونه مليا أو تاجرا ، فإن امتنع أن يعطيه كفيلا.
أمره القاضى بالملازمة على الوجه الذى ذكرنا فى أدب القاضى ( وإن كان غريبا يلازمه
مقدار مجلس القاضى) لأن ملازمته أكثر من ذلك تضرّه وتمنعه من سفره من غير حجة ،
بخلاف المقيم إذ لاضرر علبه فى ذلك ، وهذا إذا كان حقا لا يسقط بالشبهة ؛ أما الحدود
والقصاص فى النفس فلا يأخذ منه كفيلا ، وقالا : يأخذ منه كفيلا فى حدّ القذف وفى
السرقة إن ادّعى المال . قال ( ولا يستحلف فى النكاح والرجعة والفىء فى الإيلاء والرقّ
والاستيلاد والنسب والولاء والحدود ) وقالا : يستحلف فيها إلا الحدود واللعان ، وهذا
بناء على أن النكول بذل عنده ، والبذل لايجرى فى هذه الأشياء إقرار عندهما ، والإقرار
يجرى فيها . لهما أن الناكل ممتنع عن اليمين الكاذبة ظاهرا ، فيصير معترفا بالمدّعى دلالة ،
إلا أنه إقرار فيه شبهة ، والحدود تندرى بالشبهات ، واللعان فى معنى الحدود . وله أنا
(١) (قوله يعديه) معناه: يرسل خلفه ويطلبه فى الحال ، قاله فى الصحاح .

- ١١٣ -
وَيُسْتَخْلَفُ فىِ الْقِصَاصِ، فإنْ نَكَلَ اقْتُصَّ مِنْهُ (سم) فيِ الأطْرَافِ ، وَفيِ
النُّفُوسِ يُحْبَسُ حَّى يَحْلِفَ (سم) أوْ يُقِرَّ، وَإِن ادَّعَتْ عَلَيْهِ طَلَاقا قَبْلَ
الدُّخولِ اسْتُحْلِفَ، فانْ نَكَلَ قُضِىَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ المَهْر وَاليَمِين بالله تعالى
لاَغْيرُ، وَتُغَلَّظُ باوْصَافِهِ إنْ شاءَ القاضِى ،
لو اعتبر ناه إقرارا یکون كاذبا فى إنكاره والكذب حرام ، ولو جعلناه بذلا وإباحة لايكون
كاذبا فيجعل باذلا صيانة له عن الحرام ، والمقصود من الاستحلاف القضاء بالنكول ،
فكلّ موضع لا يقضى فيه بالنكول لايستحلف ، ويستحلف فى السرقة إن ادّعى المال
فيحلفه بالله ماله عليه هذا المال ولا شىء منه ، فإن نكل ضمنه المال لثبوته مع الشبهة ،
ولا يقطع لأن الحدّ لا يثبت مع الشبهة، ودعوى الاستيلاد أن تدّعى الأمة أنها أمّ ولد
سيدها ، وهذا ابنها منه والمولى ينكر ، أما لو ادعى المولى لا يلتفت إلى إنكارها ، لأن
الاستيلاد والنسب يثبت بمجرّد قوله . واختار الفقيه أبو الليث الفتوى على قولهما لعموم
البلوى ، ثم عندهما كلّ نسب يثبت من غير دعوى المال كالبنوّة والزوجية والمملوكية
يستحلف عليه ، وكل نسب لو أقرّ به لا يثبت إلا بدعوى المال كالأخ والعم لا يستحلف
إلا إذا ادّعى بسببه مالا أو حقا كدعوى الإرث وعدم الرجوع فى الهبة ونحوه . قال،
( ويستحلف فى القصاص) بالإجماع ( فان نكل اقتصّ منه فى الأطراف وفى النفوس يحاس
حتى يحلف أو يقرّ ) وقالا: يلزمه الأرش فيهما ، لأن النكول إقرار فيه شبهة العدم فلا
يثبت به القصاص ، فيجب المال سيما إذا ادّعى الولىّ العمد والآخر الخطأ . ولأبى حنيفة
أن الأطراف تجرى مجرى الأموال فيجرى فيها البذل حتى لو قال لغيره اقطع يدى فقطعها
لاشىء عليه ، وهذا دليل البذل ، إلا أنه لايباح له القطع ، لأنه لافائدة له فيه ، والبذل
هنا مفيد لانقطاع الخصومة ، ولا كذلك النفس فلا يجرى فيها البذل ، وإذا امتنع القصاص
فى النفس واليمين مستحقة عليه يجميس بها كما فى القسامة . قال ( وإن ادّعت عليه طلاقا
قبل الدخول استحلف ) لأنه دعوى مال. ( فان نكل قضى عليه بنصف المهر ) لا مرّ ،
وكذا إذا ادّعت الصداق فى النكاح يستحلف لأنها دعوى مال ، ويثبت المال بالنكول
دون النكاح وقد مرّ ( واليمين بالله تعالى لاغير) قال عليه الصلاة والسلام ((من كان حالفا
فليحلف بالله أو ليذر )) ( وتغلظ بأوصافه إن شاء القاضى ) وقيل يختلف ذلك باختلاف
حال الحالف وصلاحه وخوفه وقلة مبالاته وغير ذلك ، وقيل يختلف بكثرة المال وقلته ،
وينبغى للقاضى أن يعظ الحالف قبل الحلف ، ويعظم عنده حرمة اليمين ، ويتلو عليه قوله
تعالى - إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا - الآية، ويذكر له قوله صلى الله عليه
وسلم ((من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله تعالى وهو عليه غضبان))
٨ - الاختيار -- ثان

- ١١٤ -
وُيُحْتَاطُ مِنَ التِّكْرَارِ ، وَلا تُغَلَّظُ بِزَمَانٍ وَلا مَكانٍ، وَيُسْتَحْلَفُ الَهُودِيُّ
باللّهِ الَّذِىِ أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، والنَّصْرَانِىُّ باللّهِ الَّذِى أَنْزَلَ الإِنجِيلَ
عَلَى عِيسَىَ، وَالْمَجُوسِىُّ بِاللهِ الَّذِى خَلَقَ النَّارَ، وَالوَتَنِىُّ بِاللهِ، وَلا يُحَلَّفُونَ
فى بُيُوتٍ عِبادَاتِهِمْ،
وتغليظ اليمين أن يقول : والله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، الطالب
الغالب ، المدرك المهلك ، الذى يعلم من السرّ ما يعلم من العلانية، الكبير المتعال ، ويزيد
عليه ما يشاء وينقص ( ويحتاط من التكرار ) بادخال الحروف العاطفة بين هذه الأسماء ،
فان المستحقّ عليه يمين واحدة ( ولا تغلظ بزمان ولا مكان) لأن تعظيم المقسم به حاصل
فى كلّ زمان ومكان وهو المقصود ، ولا يستحلف بالطلاق ولا بالعتاق للحديث.
وقيل يحلف فى زماننا لقلة مبالاة الناس باليمين الكاذبة وكثرة إقدامهم على ذلك ، وكراهتهم
اليمين بالطلاق والعتاق ، لأن المقصود امتناعهم عن اليمين الكاذبة وجحود الحقّ ، وذلك
فيما يعظمونه أكثر . قال ( ويستحلف اليهودى باللّه الذى أنزل التوراة على موسى ،
والنصرانىّ بالله الذى أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسىّ بالله الذى خلق النار ) والأصل
فى ذلك ما روى (( أنه صلى الله عليه وسلم حلف ابن صوريا اليهودى على حكم الزنا فى التوراة
فقال له : أنشدك بالله الذى أنزل التوراة على موسى )) وإذا ثبت هذا فى اليهودى فالنصرانى
مثله فى الإنجيل ، والمجوسىّ فى النار ، لأن النصرانى يعظم الإنجيل ، والمجوسى يعظم النار
كتعظيم اليهودى التوراة ، فيحلفهم بما يكون أعظم فى صدورهم ، والمذكور فى المجوسى
قول محمد . أما عندهما يحلف بالله لاغير، لأن التغليظ بغير الله تعالى لا يجوز، ولأن
ذكر النار مع ذكر الله تعالى تعظيم لها ، ولا يجوز ، إلا أن اليهودى والنصرانى ورد فيهما
نصّ خاص" ، ولأن كتب الله تعالى معظمة . وعن أبى حنيفة رحمه الله: أنه لا يحلف أحد
إلا بالله خالصا ( و) يحلف ( الوثنى بالله) لأنهم يعتقدون اللّه، قال الله تعالى - ولئن
سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنّ اللّه - ولا يستحلف بالله الذى خلق الوثن
والصم لما مرّ ، ولو اقتصر فى الكلّ على قوله بالله فهو كاف ، لأن الزيادة للتأكيد كما قلنا
فى المسلم ، وإنما يغلظ ليكون أعظم فى قلوبهم ، فلا يتجاسرون على اليمين الكاذبة .
قال ( ولا يحلفون فى بيوت عباداتهم ) لأن الغرض اليمين بالله، ولأن ذلك يشعر بتعظيمها
ولا يجوز ، ولأن المسلم ممنوع من دخولها . ويستحلف الأخرس فيقول له القاضى : عليك
عهد الله إن كان لهذا عليك هذا الحقّ ، ويشير الأخرس برأسه : أى نعم.
ثم الاستحلاف على نوعين : على العقود الشرعية والأفعال الحسية ، فالعقود الشرعية :

- ١١٥ -
فَيُحَلُِّهُ فى البَيْعِ بِاللهِ ما بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قائمٌ فِيما ذُكِرَ، وَفى النِّكاحِ ما بَيْتَكُما
نِكاحٌ قائمٌ فى الحال،، وفى الطَّلَاقِ ماهِىَ بائِنٌ مِنْكَ السََّعَةَ، وفى الوَديعَةِ مالَهُ
هَذَا الَّذِى ادّعاهُ فى يَدِكَ وَدِيعَةٌ وَلا شَىْءَ مِنْهُ، وَلا لَهُ قِبَلَكَ حَقٌّ ،
يحلفه القاضى على الحاصل بالله ماله قبلك ما ادّعى من الحقّ ، ولا يحلفه على السبب وهو
العقد ، لأن العقد ربما انفسخ بالتفاسخ أو بالبراءة من موجبه بالإبراء والإيفاء فيتضرّر بذلك
لأنه إن حلف كذب ، وإن لم يحلف قضى عليه بالنكول ، ولا كذلك إذا حلفه على الحاصل
لأنه إن كان محقا أمكنه الحلف فلا يتضرّر ، وقيل إن أنكر المدّعى عليه السبب حلف
عليه ، وإن أنكر الحكم حلف على الحاصل ، إلا أن يكون فى ذلك ترك النظر للمدّعى
بأن يدّعى الشفعة بالجوار أو نفقة المبتوتة والمدّعى عليه لايراها ، فحينئذ يحلفه على السبب ،
لأنه إذا حلف على الحاصل فهو يعتقد صدق يمينه بناء على اعتقاده فيبطل حقّ المدّعى ،
فيحلفه بالله ما اشتريت هذه الدار التى سماها بكذا ، وفى المبتوتة بالله ما هى معتدّة منك،
ومثله إذا ادّعت الفرقة بمضىّ مدة الإيلاء يحلفه بالله ماآ لى منها فى وقت كذا ولا يحلفه بالله
ماهى بائن منك لأنه لايرى ذلك. وعن أبى يوسف أنه يحلفه على العقد إلا إذا ذكر شيئا
مما ذكرنا فيحلفه على الحاصل. والأفعال الحسية نوعان : أحدها يستحلف على الحاصل أيضا
كالغصب والسرقة . والثانى يحلفه على السبب على ما نبينه فى أثناء المسائل إن شاء الله تعالى
( فيحلفه فى البيع بالله ما بينكما بيع قائم فيما ذكر ، وفى النكاح ما بينكما نكاح قائم فى الحال )
لأنه قد يطلقها أو يخالعها بعد العقد ( وفى الطلاق ما هى بائن منك الساعة ، وفى الوديعة
ماله هذا الذى ادّعاه فى يدك وديعة ولا شىء منه ، ولا له قبلك حقّ ) لجواز أن يكون
قد برئ من بعضها أو استهلكها ، وفى الغصب والسرقة إن كانت العين قائمة بالله ما يستحق
عليك ردّه لأنه قد يغصبه ثم يملكه ببيع أو هبة ، وإن كانت هالكة يستحلف على قيمتها ،
وقيل يحلف على الثوب والقيمة جميعا . والنوع الثانى من الأفعال الحسية أن يدّعى على غيره
أنه وضع على حائطه خشبة ، أو بنى عليه ، أو أجرى ميزابا على سطحه أو فى داره ،
أو رمى ترابا فى أرضه، أو شقّ فى أرضه نهرا، فإنه يحلف على السبب بالله ما فعلت كذا
لأن هذه الأشياء لاترتفع ، ومثله إذا ادّعى العبد المسلم على مولاه العتق يحلف على السيب
لأنه لايرتفع ، وفى الأمة والعبد الكافر يحلفه على الحاصل ، لأن الرقّ يتكرّر على الأمة
بالردّة واللحاق، وعلى العبد الكافر بنقض العهد واللحاق ولا كذلك المسلم (١) ، ويحلفه
فى الدين بالله ماله عليك من الدين والقرض عليك ولا كثير ، لاحتمال أنه أدّى البعض
(١) لأن الرقّ لا يتكرّر عليه، لأنه إذا ارتدّ ولحق بدار الحرب لا يقبل منه إلا الإسلام
أو السيف .

- ١١٦ -
وَإِذَا قالَ المُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا الشَّيْءُ أُوْدَ عَنِيهِ فُلانٌ الغائِبُ، أَوْ رَهَنَهُ عِنْدى،
أوْ غَصّبْتُهُ مِنْهُ أوْ أعارَ فِىِ أوْ آجَرَنِىِ وأقامَ عَلى ذلكَ بَيِّنَةٌ فَلا خُصُومَةَ إلاَّ أنْ
يَكُونَ عْتالاً، وَإِذا قالَ الشُّهُودُ أَوْدَعَهُ رَجُلٌّ لَانَعْرِفُهُ لمْ تَنْدَفعِ الْخُصُومَةُ.
فصل
بَيِّنّةُ الخارِجِ أوْلى منْ بَيِّنَةِ ذِى اليَدِ عَلَى مُطْلَقِ المِلْكِ،
أو أبرأه منه فلا يحنث فى يمينه على الجميع ، ومن افتدى يمينه من خصمه بمال صالحه عليه
جاز وسقط حقه فى الاستخلاف أصلا . وقد روى أن عثمان رضى الله عنه افتدى يمينه
وقال : أخاف أن يصيب الناس بلاء فيقولون هذا بيمين عثمان . قال ( وإذا قال المدّعى
عليه هذا الشىء أودعنيه فلان الغائب أو رهنه عندى أو غصبته منه أو أعارنى أو آجرنى
وأقام على ذلك بينة فلا خصومة إلا أن يكون محتالا ) ولا بدّ من إقامة البينة على دعواه الدفع
الخصومة لأن بالنظر إلى كونه فى يده هو خصم ثم هوباقراره يريد دفع الخصومةعنه فلاتقبل
إلا ببينة . وقوله إلا أن يكون محتالا قول أبى يوسف فانه قال : إن كان المدّعى عليه معروفا
بالصلاح فالجواب كما ذكرنا ، وإن كان معروفا بالحيل لايندفع ، لأن المحتال قد يدفع
ماله إلى غيره ، ثم ذلك الغير يودعه إياه ، ويسافر احتيالا لدفع الحقّ ، فاذا عرفه القاضى
بذلك لا يقبله ( وإذا قال الشهود أودعه رجل لانعرفه لم تندفع الخصومة ) لاحتمال أنه المدّعى
ولو قالوا نعرفه بوجه ولا نعرف اسمه ونسبه اندفعت عند أبى حنيفة. وقال محمد : لا تندفع
لأن القضاء بالمجهول باطل ، لأن المدّعى لا يمكنه اتباعه فيتضرّر ، وصار كالفصل الأوّل .
ولأبى حنيفة أن اليد تدلّ على الملك وتوجب الخصومة ، فان أثبت بالبينة كونه مودعا
اندفعت الخصومة عنه ، إلا أنهم إذا لم يعرفوه بوجهه احتمل أنه المدّعى فلا تندفع ،
وإذا عرفوه بوجهه ثبت أنه مودع من غير المدّعى فاندفعت الخصومة ، كما إذا عاين
القاضى أنه أودعه غير المدّعى ، إذ البينة العادلة كمعاينة القاضى ، فان قال المدّعى أودعها
ثم أوهبها منك ونكر يستحلفه القاضى أنه ما وهبها منه ولاباعها له ، فان نكل صارخصما ،
ولو ادّعى المدّعى عليه أنه اشتراها من آخر فهر خصمه لأنه أقرّ أن يده يد ملك فكان
خصما ، ولو قال المدّعى عليه نصف الدار لى ونصفها وديعة فلان وأقام البينة على ذلك
اندفعت الخصومة فى الكلّ لتعذّر التمييز.
فصل
( بينة الخارج أولى من بينة ذى اليد على مطلق المك) لأنها أكثر إثباتا لأنها تثبت الملك

- ١١٧ -
وَإِنْ أقامَ الْخَارِجُ البَيِّنَةَ عَلَى مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ، وَذُو اليّدِ عَلَى مِلْكِ أسْبَقَ مِنْهَ
تَارِيخَا فَذُو اليَدِ أوْلىُ، وَلَوْ أقاما البَيِّنَةَ عَلَى النَّتَاجِ أَوْ عَلى نَسْجِ ثَوْبٍ لا يَنْكَرَّرُ
نَسْجُهُ فَبَيِّنَةُ ذِى اليَدِ أوْلى، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ البَيِّنَةٌ عَلَى الشِّرَاءِ مِنَ
الآخَرِ وَلا تارِيخَ لَهُمَا تَها تَرَنَا، وَإنِ ادّعَيَا نِكَاحَ امْرأةٍ، وأقاما البَيِّنَةَ لَمْ يُفْضَ
لوَاحِدٍ مِنْهُمَا ،
للخارج وبينة ذى اليد لا ، لأن الملك ثابت له باليد ، وإذا كانت أكثر إثباتا كانت أقوى.
قال ( وإن أقام الخارج البينة على ملك مؤرخ ، وذو اليد على ملك أسبق منه تاريخا فذو اليد
أولى ) لأن بينته تثبت الملك له وقت التاريخ ، والخارج لايدّعيه فى ذلك الوقت ، وإذا
ثيت الملك له ذلك الوقت فلا يثبت بعد ذلك لغيره إلا بالتلقى منه ، إذ الأصل فى الثابت
دوامه ، وكذا لوكانت فى أيديهما وأقاما البينة على ما ذكرنا ( ولو أقاما البينة على النتاج
أو على نسج ثوب لا يتكرّر نسجه فبينة ذى اليد أولى ) لأن ماقامت عليه بينة لاتدلّ عليه
اليد فتعارضتا فترجحت بينة ذى اليد باليد ، وكذا كلّ سبب لا يتكرّر كغزل القطن وعمل
الجبن واللبد وجزّ الصوف وحلب اللبن لأنه فى معنى النتاج ، وإن كان يتكرّر كالبناء
وزرع الحبوب ونسج الخزّ ونحوه فبينة الخارج أولى كما فى الملك المطلق ، وإن أشكل
قضى للخارج ، وإن تنازعا فى دابة وأقاما البينة على النتاج وأرّخا فمن وافقه سنّ الدّابة
فهو أولى ، وإن أشكل فهى بينهما لعدل الأولوية ، وإن خالف سنّ الدّابة التاريخين
تهاترتا وتركت فى يد من كانت فى يده . قال ( وإن أقام كل واحد البينة على الشراء من
الآخر ولا تاريخ لهما تهاترتا ) قال محمد : يقضى للخارج لأنه أمكن العمل بالبينتين بأن
باعه الخارج وقبض ثم باعه ذو اليد ولم يقبض ، ولا ينعكس لعدم جواز البيع قبل القبض
وإن كان عقارا عنده ، والعمل بالبينتين واجب ما أمكن ، لأن البيئة من الدلائل الشرعية ،
وإن ذكرت البينتان القبض عمل بهما ويكون لذى اليد ، ويجعل كأنه باع من الخارج
وقبضها الخارج ، ثم باعها من ذى اليد وقبضها ذو اليد عملا بالبينتين . ولهما أن شراء كل
واحد من الآخر اعتراف بكون الملك له ، فكأن البينتين قامتا على الاعترافين وإنه موجب
لتهاتر ، لأنه لا يتصوّر أن يكون كلّ واحد بائعا ومشتريا فى حالة واحدة ، ولا دلالة على
السبق ولا ترجيح فيتعذر القضاء أصلا ، ثم هذا شىء بناه على أصله ، فان عندهما يجوز
بيع العقار قبل القبض ، فجاز أن يكون الخارج اشتراه أوّلا ثم باعه قبل القبض لذى اليد
فيكون لذى اليد ، ومع الاحتمال لايثبت الملك وإن وقتا ، فان كان الخارج أوّلا قضى
بهما ويكون لذى اليد ، وإن كان ذو اليد أوّلا قضى بهما أيضا والملك للخارج بالإجماع .
قال ( وإن ادّعيا نكاح امرأة وأقاما البينة لم يقض لواحد منهما ) لتعذّر الاشتراك فى النكاح

- ١١٨ -
وَإِنْ وَقََّا فَهِىَ لِلأَوَّلِ، وَإِنِ ادَّعَيَا عَيْنا فى يَدِ ثالِثٍ وأقامَ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنْهُما البَيِّنَةَ أَنْهَا لَهُ قُضِىَ بِهَا بْيَهُمَا، وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما الشرَاءَ
مِنْ صَاحِبِ اليَدِ، وأقامَ البَيِّنَةَ فإنْ شاءَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَ نصْفَ العَبْدِ
وَإنْ شاءَ تَرَكُ، فإنْ تَرَكَ أَحَدُهُما فَلَيْسَ للآخَرِ أَخْذٍ جَمِيعُهُ، وَإنْ
وَقََّا فَهُوَ للأَوَّل، وَإِنْ وَقَّتَ أحَدُّهُمَا أَوْ كَانَ مَعَهُ قَبْضٌ فَهُوَ أَوْلى، وَإِنْ
ادَّعَى أحَدُهُما شِرَاءً والآخَرُ هِبَةً وَقَبْضًا أوْ صَدَقَةٌ وَقَبْضًا وَلا تارِيخَ لَهُمَا
فالشِّرَاءُ أَوْلَى، وَإنِ ادَّعَى الشَّرَاءَ وَادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ فَهُمَا سَوّاءٌ ،
وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجَانِ البَيِّنَةَ عَلَى المِلْكِ وَالتَّارِيخِ، أَوْ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ وَاحِدٍ
أَوْ مِنِ اثْنَيْنِ فَأَوَّلُهُما أوْلى، وَإِنْ أَرَّخَ أحَدُّهُمَا فَهُوّ لَهُ ،
ويرجع إلى تصديقها ، فمن صدقته كان زوجها ، لأن النكاح يثبت بتصادق الزوجين
( وإن وقتا فهى للأوّل) منهما لأنه ثبت فى وقت لامنازع له فيه فترجحت على الثانية .
قال ( وإن ادّعيا عينا فى يد ثالث وأقام كل واحد منهما البينة أنها له قضى بها بينهما )
الاستوائهما فى السبب ( وإن ادّعى كلّ واحد منهما الشراء من صاحب اليد وأقام البيئة ،
فإن شاء كل واحد منهما أخذ نصف العبد ) بنصف الثمن لاستوائهما فى السبب ( وإن شاء
ترك) لوجود العيب بالشركة ( فان ترك أحدهما فليس للآخر أخذ جميعه ) لأن بيع الكل
انفسخ بقضاء القاضى بالنصف حتى لو فعل ذلك قبل القضاء جاز لأنه لم ينفسخ بيعه
فى الكلّ (وإن وقتا فهو للأوّل) لما بينا ( وإن وقت دأحدهما أو كان معه قبض فهو أولى)
أما الوقت فلأنه ثيت ملكه فيه ووقع الشك فى ملك الآخر فيه فلا يثبت بالشكّ ، وأما
القبض فلأنهما استويا فى الإثبات فلا تنقض اليد الثانية بالشكّ ، ولأنّ القبض دليل تقدّم
شرائه فكان أولى . قال ( وإن ادّعى أحدهما شراء ، والآخر هبة وقبضا ، أو صدقة وقبضا
ولا تاريخ لهما فالشراء أولى ) لأنه يثبت بنفسه ، والهبة والصدقة تفتقر إلى القبض فكان
أسرع ثبوتا فكان أولى ، وإن ادّعى أحدهما بيعا والآخر رهنا فالبيع أولى ، لأن البيع
يثبت الملك حقيقة فى الحال ، والرهن إنما يثبته عند الهلاك تقديرا ، وكذا الهبة بعوض أولى
من الرهن لما بينا ( وإن ادّعى الشراء وادّعت أنه تزوّجها عليه فهما سواء ) عند أبى يوسف
لأنهما عقدا معاوضة يثبت الملك فيها بنفس العقد ، ثم ترجع على الزوج بنصف القيمة .
وقال محمد : الشراء أولى ، وعلى الزوج القيمة عملا بالبينتين بتقديم الشراء ، لأن التزويج
على ملك الغير جائز ، ثم ترد القيمة عند تعذر التسليم . قال ( وإن أقام الخارجان البينة
على الملك والتاريخ ، أو على الشراء من واحد أو ن اثنين ) غير ذى اليد ( فأولهما أولى ،
وإن أرّخ أحدهما فهو له ) وقد مرّ .
.

- ١١٩ -
وَإِنْ تَنَازَعا فى دابَّةٍ أَحَدُهُمَا رَاكُِبها أوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ فُهُوَ أُوْ لَى (ف) وكذلكَ
إنْ كانَ رَاكِبا فى السَّرْجِ وَالآخَرُ رَدِيفَهُ أَوْ لابِسَ القَميصِ وَالآخَرُ مُتَعَلِّقٌ
بهٍ، وَبَيِّنَهُ النَّتَاجِ وَالنَّسْجِ أوْلى منْ بَيِّنَةٍ مُطْلَقِ المِلْكِ، وَالبَيِّنَةُ بِشاهِدِيْن
وَثَلاثَةٍ (ف) وأكْسَرَ سَوَاءٌ.
فصل
اخْتَلَفا فى الثَّمَنِ أوِ المَبيعِ فأيهُما أقامَ البَيِّنَةَ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ أقاما البَيِّنَة"
فالمُثْبَّةُ للزّيادَةِ أوْلى ،
قال ( وإن تنازعا فى دابة أحدهما راكبها أوله عليها حمل فهو أولى ) لأنه تصرّف أظهر
وأدلّ على الملك ( وكذلك إن كان راكبا فى السرج والآخر رديفه ، أو لابس القميص
والآخر متعلق به ) لما ذكرنا ، ولو كانا راكبين فى السرج فهى بينهما لاستوائهما .
سفينة فيها راكب ، والآخر متمسك بسكانها (١) وآخر يجدف فيها ، وآخر يمدّها ،
فهى بينهم إلا المداد لاشىء له . عبد لرجل موسر على عنقه بدرة فيها عشرة آلاف درهم
فى دار رجل معسر لا شى له ، فادّعيا البدرة ، قال محمد : هى للموسر بشهادة الظاهر .
وعن محمد : قطار إبل على البعير الأوّل راكب ، وعلى الوسط راكب ، وعلى آخرها
راكب ، وادّعى كلّ واحد منهم القطار ، فلكلّ واحد البعير الذى هو راكبه لأنه
فى يده وتصرّفه، وما بين الأوّل والأوسط للأوّل لأنه قائد والقيادة تصرّف، وما بين
الأوسط والأخير بين الأوّل والأوسط نصفان لاستوائهما فى التصرّف ، وليس للأخير إلا
ما ركبه (وبدينة النتاج والنسج ) أولى من بينة مطلق الملك ، لأنها تثبت أوّلية الملك فلا تثبت
لغيره إلا بالتلقى منه. قال (والبينة بشاهدين وبثلاث وأكثر سواء) لأن الشرع جعل الكلّ
سواء فى إثبات الحقّ وإلزام القاضى الحكم عند الانفراد فيستويان عند الاجتماع، وكذا إذا
كانت إحدى البينتين أعدل ، لأن الشرط أصل العدالة وقد استويا فيه ، ولا اعتبار بما زاد
لأنه لاضابط له .
فصل
( اختلفا فى الثمن أو المبيع فأيهما أقام البينة فهو أولى ) لأن كلّ واحد منهما مدّع وقد
ترجحت دعواه بالبينة ( وإن أقاما البينة فالمثبتة للزيادة أولى ) لأن البينات للإثبات ، فهما
(١) قال فى مختار الصحاح : السكان : ذنب السفينة .

- ١٢٠ -
فانْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ يُقالُ لِلْبائعِ: إِمَّا أنْ تُسَلِّمَ ما ادَّعاهُ المُشترِى منّ
المَبِيعِ وَإلاَّ فَسَسَخْنا البَيْعَ؛ وَيُقَالُ لِلْمُشْسَتَرِى: إمَّا أنْ تُسَلِّمَ ما ادعاه
البائعُ مِنَ الثَّمَنِ وَإلاَّ فَسَخْنا البَيْعَ، فانْ لَمْ يَتْرَاضَيَا يَتَحَالَفانٍ وَيُفْسَخُ البَيْعُ
ويُبْدَأُ بِيَمِينِ البائعِ وَلَوْ كانَ البَيْعُ مُقَايَضَةٌ بَدأ بأَّيهِما شاءَ؛ وَمَنْ نَكَلَ عَنِ
اليَمِينَ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ ،
كانت أكثر إثباتا كانت أقوى فتترجح على الأخرى ، وإن كان الاختلاف فى الثمن
والبيع جميعا فبينة البائع فى الثمن أولى لأنها أكثر إثباتا ، وبينة المشترى فى المبيع أولى لأنها
أكثر إثباتا ( فان لم تكن لهما بينة يقال للبائع: إما أن تسلم ما ادعاه المشترى من المبيع وإلا
فسخنا البيع ؛ ويقال للمشترى : إما أن تسلم ما ادّعاه البائع من الثمن وإلا فسخنا البيع )
لأنهما قد لايختاران الفسخ ، فإذا علما بذلك تراضيا ، فترتفع المنازعة وهو المقصود ( فان
لم يتراضيا يتحالفان ويفسخ البيع ) ويحلف الحاكم كلّ واحد منهما على دعوى صاحبه .
قال عليه الصلاة والسلام ((إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وترادًا)) فيحلف البائع
بالله ما باعه بألف كما يدّعيه المشترى ، ويحلف المشترى بالله ما اشتراه بألفين كما ادّعاه
البائع ، فاذا تحالفا قال لهما القاضى : ما تريدان ؟ فان لم يطلبا الفسخ تركهما حتى يصطلحا
على شىء ، وإن طلبا الفسخ أو أحدهما فسخ ، لأنه لما لم يتعين الثمن ولا المبيع صار مجهولا
فيفسخ قطعا للمنازعة ، ولا ينفسخ بنفس التحالف حتى يتفاسما أو يفسخ القاضى . قال
( ويبدأ بيمين البائع ) فى قول أبى يوسف الأوّل ، وهو رواية عن أبى حنيفة . قال عليه
الصلاة والسلام ((إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قاله البائع)) وأقلّ فائدته تقديم قوله .
وقوله الآخر وهو قول محمد، ورواية عن أبى حنيفة يبدأ بيمين المشترى، لأن البائع
يطالبه بتسليم الثمن أولًا وهو ينكر ، وهو لايطالب البائع بتسليم المبيع للحال . قال ( ولو
كان البيع مقايضة) أو صرفا (بدأ بأيهما شاء) لاستوائهما فى الإنكار ؛ ولو اختلفا فى الثمن
والمبيع جميعا يبدأ بيمين من بدأ الدعوى ، لأنهما استويا فى الإنكار فيترجح بالبداية
وإن ادّعيا معا يبدأ القاضى بأيهما شاء ، وإن شاء أقرع بينهما ؛ ولو اختلفا فى جنس العقد
فقال أحدهما بيع وقال الآخر هبة ، أو فى جنس الثمن فقال أحدهما دراهم ، والآخر
دنانير يتحالفان عند محمد وهو المختار ، لأن وصف الثمن وجنسه بمنزلة القدر لأن الثمن
دين ، وإنما يعرف بجنسه ووصفه ، ولا وجود له بدونهما ، ولا كذلك الأجل ، فانه ليس
بوصف ، لأن الثمن يبقى بعد مضيه وقالا : لايتحالفان ، لأن نصّ التحالف ورد على
خلاف القياس فيقتصر على مورده وهو الاختلاف فى المبيع أو الثمن ، وجوابه ما مرّ .
قال ( ومن نكل عن اليمين لزمه دعوى صاحبه ) لما تقدّم فى القضاء بالنكول . قال