النص المفهرس
صفحات 81-100
- ٨١ - وَلَا تَجُوزُ فِى غَلَّةِ عَبْدٍ وَلا عَبْدَيْنِ (سم)، وَلا فى رُكُوبِ دابَّةٍ وَلا دابَّتَسْنِ، وَلَا فِى تَمَرَةِ الشَّجَرِ، وَلَا فِى كَبَنِ الغَمِ وأوْلادِها، وَتَجُوزُ فى عَبْدٍ وَدَارٍ عَلَى السُّكْسَى وَالخِدْمَةِ، وكذلكَ كُلُ مُخْتَلِفِىِ المَنْفَعَةِ الكسوة معروفا جاز استحسانا ، لأن عند ذكر الوصف ينعدم التفاوت أو يقلّ . قال ( ولا تجوز *، فلة عبد ولا بدين ) وقالا : تجوز فى العبدين ، لأن الغلة بدل المنفعة فتجوز كالمنفعة ، ولأن التفاوت فى استغلال العبدين إذا استويا فى الحرفة والمنفعة قليل ، وقيل هذا بناء على اختلافهم فى القسمة ، ولهذا لاتجوز فى الواحد إجماعا . وله أن الأجرة تجب بالعمل حتى لو سلمه ولم يعمل لا أجر له فكان فيه خطر ، ولأنه ربما لا يجد من يستأجره فلا تقع المعادلة ، والتفاوت بينهما فاحش لتفاوتهما فى الأمانة والحذاقة والهداية إلى العمل فتكون أجرته أكثر من الآخر فلا توجد المعادلة ، وعلى هذا الخلاف غلة الدابتين ، ولا تجوز فى العبد الواحد ولا فى الدابة الواحدة ، وتجوز فى الدار الواحدة ، والفرق أن أحد النصيبين مقدّم على الآخر فى الاستيفاء والاعتدال ثابت وقت المهايأة ، والظاهر بقاؤه فى العقار دون الحيوان ، لتوالى أسباب التغيير عليه دون العقار فتفوت المعادلة فيه ( ولا ) تجوز ( فى ركوب دابة ولا دابتين ) لأن الركوب يختلف باختلاف الراكب لأن منهم الحاذق والجاهل فلا تحصل المعادلة بخلاف العبد فانه يخدم باختياره فلا يتحمل فوق طاقته ، وهذه العلة فى استغلال الدوابّ أيضا . قال (ولا) تجوز(فى ثمرة الشجر، ولا فى لبن الغنم وأولادها) لأن المهايأه قسمة المنافع ، وفى هذا تستحقّ الأعيان ، وما يحصل من ذلك يتفاوت . ولا تجوز قسمة الأعيان إلا بالتعديل ، ولأن قسمة المنافع قبل وجودها ضرورية لأنه لا يمكن قسمتها بعد الوجود ولا ضرورة فى الأعيان . قال ( وتجوز فى عبد ودار على السكنى والخدمة) لأن المقصود منهما يجوز عند اتحاد الجنس ، فعند الاختلاف أولى. قال ( وكذلك كلّ مختلفى المنفعة) كسكى الدار وزرع الأرض، وكذا الحمام والدار ، لأن كلّ واحد من المنفعتين يجوز استحقاقها بالمهايأة ، والله أعلم . ٦ - الاختیار - ثان - ٨٢ - كتاب أدب القاضى القَضاءُ بالحَقّ مِنْ أقْوَى الفَرَائِضِ وأشْرَفِ العِباداتِ، کتاب أدب القاضى الأدب : هو التخلق بالأخلاق الجميلة والخصال الحميدة فى معاشرة الناس ومعاملتهم ،. وأدب القاضى : التزامه لما ندب إليه الشرع من بسط العدل ورفع الظلم ، وترك الميل والمحافظة على حدود الشرع ، والجرى على سنن السنة على ما يأتى إن شاء الله تعالى. والقضاء فى اللغة له معان: يكون بمعنى الإلزام ، قال الله تعالى - وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه - وبمعنى الإخبار ، قال الله تعالى - وقضينا إلى بنى إسرائيل - وبمعنى الفراغ، قال الله تعالى - فاذا قضيت الصلاة - وبمعنى التقدير ، يقال : قضى الحاكم النفقة : أى قدّرها ، ويستعمل فى إقامة شىء مقام غيره ، يقال : قضى فلان دينه : أى أقام ما دفعه إليه مقام ما كان فى ذمَّته. وفى الشرع : قول ملزم يصدر عن ولاية عامة ، وفيه معنى اللغة ، فكأنه ألزمه بالحكم وأخبره به ، وفرغ من الحكم بينهما أو فرغا من الخصومة ، وقدّر ما كان عليه وماله ، وأقام قضاءه مقام صلحهما وتراضيهما ، لأن كل واحد منهما قاطع للخصومة. اعلم أن ( القضاء بالحقّ من أقوى الفرائض وأشرف العبادات ) وما من نبيّ من الأنبياء إلا وأمره الله بالقضاء ، وأثبت لآدم اسم الخليفة ، وقال لنبينا عليه الصلاة والسلام - وأن احكم بينهم بما أنزل الله - وقال لداود - فاحكم بين الناس بالحقّ - ولأن فيه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإظهار الحقّ، وإنصاف المظلوم من الظالم، وإيصال الحقّ إلى مستحقه ، ولأجل هذه الأشياء شرع الله تعالى الشرائع، وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام .. والقضاء على خمسة أوجه : واجب ، وهو أن يتعين له ، ولا يوجد من يصح غيره ، لأنه إذا لم يفعل أدى إلى تضييع الحكم ، فيكون قبوله أمرا بالمعروف ونهي عن المنكر ، وإنصاف المظلومين من الظالمين وأنه فرض كفاية . ومستحبّ ، وهو أن يوجد من يصلح لكن هو أصلح وأقوم به . ومخير فيه ، وهو أن يستوى هو وغيره فى الصلاحية والقيام به ، فهو مخير إن شاء قبله ، وإن شاء لا . ومكروه ، وهو أن يكون صالحا للقضاء ، لكن غيره أقوم به وأصلح . وحرام ، وهو أن يعلم من نفسه العجز عنه ، وعدم الإنصاف فيه لما يعلم من باطنه من اتباع الهوى ما لا يعرفونه فيحرم عليه ، ويكون رزقه وكفايته وكفاية أهله وأعوانه ومن يمونهم من بيت المال ، لأنه محبوس لحقّ العامة ، فلولا الكفاية ربما طمع فى أموال الناس ، ولهذا قالوا : يستحبّ للإمام أن يقلد القضاء من له ثروة لئلا يطمع. - ٨٣ - وَالْأُوْلَى أنْ يَكُونَ القاضِى ◌ُجْسَهِدًا، فإنْ لم يُوجَدْ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مِنْ أهْلِ الشَّهَادَةِ مَوْثُوقا بِهِ فى دِينِهِ وأمانَتِهِ وَعَقْلِهِ وَفَهْمِهِ ، عالمًا بالْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ ، وكذلكَ الْمُفْتِ ، فى أموال الناس وإن تنزه فهو أفضل . و أبو بكر الصديق رضى الله عنه لما ولى الخلافة خرج إلى السوق ليكتسب ، فردّه عمر رضى الله عنه، ثم أجمعوا على أن جعلوا له كلّ يوم درهمين ، وكان عنده عباءة قد اشتراها من رزقه ، فلما حضرته الوفاة قال لعائشة رضى الله عنها أعطيها عمر ليردّها إلى بيت المال، فدلّ على أنه إذا استغنى لا يأخذ ، وهو المختار . قال ( والأولى أن يكون القاضى مجتهدا ) لأن الحادثة إذا وقعت يجب طلبها من الكتاب ثم من السنة ثم من الإجماع ، فإن لم يوجد فى شىء من ذلك استعمل الرأى والاجتهاد، ويشهد له حديث معاذ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وولاه الحكم بها ، فقال له ((كيف تصنع إن عرض لك حكم ؟ قال : أقضى بما فى كتاب الله، قال : فإن لم تجد ؟ قال : فبسنة رسول اللّه ، قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد برأيى ، فقال عليه الصلاة والسلام : الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله)) وإنما لم يذكر الإجماع لأنه لا إجماع مع وجوده عليه الصلاة والسلام ، لأنه بمنزلة القياس مع النص بعده عليه الصلاة والسلام . قال ( فإن لم يوجد فيجب أن يكون من أهل الشهادة موثوقا به فى دينه وأمانته وعقله وفهمه ، عالما بالفقه والسنة ، وكذلك المفتى ) أما أهلية الشهادة ، فلأنها من باب الولاية والقضاء أقوى وأعمّ ولاية ، وكلّ من كان من أهل الشهادة كان من أهل القضاء ، ومن لا فلا ؛ ولا تجوز ولاية الصبىّ والمجنون والعبد لأنه لاولاية لهم ، ولا الأعمى لأنه ليس من أهل الشهادة ، ولوجود الالتباس عليه فى الصوت وغيره ؛ والأطروش يجوز لأنه يفرّق بين المدعى والمدعى عليه ويميز بين الخصوم ، وقيل لا يجوز لأنه لا يسمع الإقرار ، فربما ينكر إذا استعاده فتضيع حقوق الناس ؛ والفاسق يجوز قضاؤه كما تجوز شهادته ، ولا ينبغى أن يولى كما لا ينبغى أن يعمل بشهادته . وفى النوادر عن أصحابنا أنه لا يجوز قضاؤه ، ولو فسر، بعد الولاية استحق العزل ولا ينعزل ، وقيل ينعزل لأن الذى ولاه ما رضى به إلا عدلا ، ويشترط دينه وأمانته لأنه يتصرف فى أموال الناس ودمائهم ولا يوثق على ذلك من لا أمانة له ، وكذلك العقل لأنه الأصل فى الأمور الدينية . وأما الفهم فلتفهم معانى الكتاب والحديث وما يرد عليه من القضايا والدعاوى وكتب القضاة وغير ذلك . وأما العلم بالفقه والسنة فلأنه إذا لم يعلم بذلك لا يقدر على القضاء ولا يعلم كيف يقضى . وعن أبى يوسف : لأن يكون القاضى ورعا أحبّ إلىّ من أن يكون مجتهدا . وقال : إذا كان عالما بالفرائض یکفی فی جواز القضاء. وقيل يجوز تقليد الجاهل لأنه يقدر على القضاء بالاستفتاء، والأولى أن يكون عالما - ٨٤ - وَلاَ يَطْلُبُ الْوِلاَيَّةَ وَبُكْرَه الدَّخُولُ فِيهِ لِمَنْ يَخافَ العَجْزَ عَنِ القِيامِ بِهِ، ولا بأسَ بِهِ مَنْ يَئِقِ مِنْ نَفْسِهِ أداءَ فَرْضِهِ، وَمَنْ تَعّينَ لَهُ تُفَتْرَضُ عَلَيْهِ الوِلايَةُ، وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ مِنْ وُلاةِ الجَوْرِ، وَيَجُوزُ قَضاءُ المَرأةِ (ف) فيما تُقْبَلُ شِنَهَادَ ◌ّهَا فِيهِ، فإذَا قُلِّدَ القَضَاءَ يَطْلُبُ دِيوَانَ القَاضِىِ الَّذِى قَبْلَهُ، وَيَنْظُرُ فِى خَرَائِطِهِ وَسِجِلاَّتِهِ ، قال عليه الصلاة والسلام (( من قلد إنسانا عملا وفى رعيته من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين )) وكذلك المفتى ، لأن الناس يرجعون إلى فتواه فى حوادثهم ويقتدون به ويعتمدون على قوله ، فينبغى أن يكون بهذه الأوصاف ؛ والفاسق لايصلح أن يكون مفتيا ، لأنه لا يقبل قوله فى أخبار الديانات ؛ وقيل يصلح لأنه يتحرز لئلا ينسب إلى الخطأ . قال ( ولا يطلب الولاية ) لقوله عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن بن سمرة ((ناعبدالرحمن لا تسأل الولاية، فإنك إن سألتها وكلت إليها، وإن أعطيتها أعنت عليها)) وقال عليه الصلاة والسلام ((من طلب عملا فقد غلّ)) وعن عمر رضى الله عنه: ما عدل من طلب القضاء . قال ( ويكره الدخول فيه لمن يخاف العجز عن القيام به ) لما فيه من المحذور ، وقيل يكره الدخول لمن يدخله مختارا لقوله عليه الصلاة والسلام (( من ولى القضاء فكأنما ذبح بغير سكين )) قيل معناه إذا طلب ، وقيل إذا لم يكن أهلا . قال ( ولا بأس به لمن يثق من نفسه أداء فرضه) لأن كبار الصحابة والتابعين تقلدوه وكفى بهم قدوة ، والنبىّ عليه الصلاة والسلام ولى عليا ولو كان مكروها لما ولاه . وقال عليه الصلاة والسلام (((إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران)) واختيار أبى بكر الرازى الامتناع عنه ؛ وقيل الدخول فيه رخصة والترك عزيمة وهو الصحيح ( ومن تعين له تفترض عليه الولاية ) وقد بيناه ، ولو امتنع لا يجبر عليه ؛ ولو كان فى البلد جماعة يصلحون وامتنعوا والسلطان يفصل بين الخصوم لم يأثموا ، وإن كان لا يمكنه ذلك أثموا ، وإن امتنعوا حتى قلد جاهلا أثم الكلّ. قال ( ويجوز التقليد من ولاة الجور ) لأن الصحابة تقلدوه من معاوية وكان الحق مع علىّ رضى الله عنه ، والتابعون تقلدوه من الحجاج مع جوره ، ولأن فيه إقامة الحق ودفع الظلم حتى لو لم يمكنه من ذلك لا يجوز له الولاية منه . قال ( ويجوز قضاء المرأة فيما تقبل شهادتها فيه ) إلا أنه يكره لما فيه من محادثة الرجال ومبنى أمرهن على الستر . وروى عن أبى حنيفة أنه قال : لا يترك القاضى على القضاء إلا حولا ، لأنه إذا اشتغل بالقضاء ینسی العلم فيعز له السلطان بعد الحول ويستبدل به حتی یشتغل بالدرس قال ( فإذا قلد القضاء ) ينبغى له أن يتقى الله تعالى ويؤثر طاعته ويعمل لمعاده ويقصد إلى الحقّ بجهده فيما تقلده و( يطلب ديوان القاضى الذى قبله وينظر فى خرائطه وسجلاته ) - ٨٥ - وَعَمِلَ فى الوَدَائِيعِ وَارْتِفَاعِ الوُقُوفِ بِمَا تَقُومُ بِهِ البَيِّنَةُ أَوْ بَاعِْرَافِ مَنْ هُوَ فِى يَدِهِ، وَلَا يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْمَعْزُولِ إلاَّ أنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِى سَلَّمتها إِلَيْهِ، وَيَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ جُلُوسا ظاهِرًاً فى الْمَسْجِدِ وَالْجَامِعُ أوْلى، وَيَتَّخِذُ مَتْجما وَكاتِبًا عَدْلاً مُسْلِمًا لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ، لأنها وضعت لتكون حجة عند الحاجة ، فتجعل فى يد المتولى لأنه يحتاج إليها ليعمل بها . قال ( وعمل فى الودائع وارتفاع الوقوف بما تقوم به البينة ) لأنها حجة شرعية (أو باعتراف من هو فى يده ) لأنه أمين ( ولا يعمل بقول المعزول ) لأنه شاهد وشهادة الفرد لاعمل بها . قال ( إلا أن يكون هو الذى سلمها إليه) لأن يده كيده فيكون أمينا فيه ، وينبغى أن يبعث رجلين من ثقاته والواحد يكفى ، فيقبضان من المعزول ديوانه ، وهو ما ذكرنا من الخرائط والسجلات ، فيجمعان كل نوع فى خريطة حتى لا يشتبه على القاضى ، ويسألان المعزول شيئا فشيئا لينكشف ما يشكل عليهما ويختمان عليه ، وهذا السؤال ليس للإلزام بل لينكشف به الحال ، فإن أبى المعزول أن يدفع إليهما النسخ أجبر على ذلك ، سواء كان البياض من بيت المال وهو ظاهر لأنه لمصالح المسلمين ، أو من الخصوم لأنهم وضعوها فى يد العمل بها ، أو من ماله لأنه فعله تدينا لا تموّلا، ويأخذان الودائع وأموال اليتامى ويكتبان أسماء المحبوسين ويأخذان نسختهم من المعزول لينظر المولى فى أحوالهم فمن اعترف بحقّ أو قامت عليه بينة ألزمه عملا بالحجة، وإلا نادى عليه فى مجلسه من كان يطالب فلانا المحبوس بحقّ فليحضر ، فمن حضر وادّعى عليه ابتدأ الحكم بينهم ، وينادى أياما على حسب ما يرى القاضى وإن لم يحضر لا يخليه حتى يستظهر فى أمره ، فيأخذ منه كفيلا بنفسه لاحتمال أنه محبوس بحقّ غائب وهو الظاهر ، لأن فعل المعزول لا يكون عبثا . قال ( ويجلس للقضاء جلوسا ظاهرا فى المسجد ) لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين الخصوم فى المسجد ، وكذا الخلفاء الراشدون بعده ، ودكة علىّ رضى الله عنه فى مسجد الكوفة إلى الآن معروفة. وقال عليه الصلاة والسلام (( إنما بنيت المساجد لذكر الله وللحكم)) ولئلا يشتبه على الغرباء مكانه ( والجامع أولى ) لأنه أشهر ، وإن كان الخصم حائضا أو نفساء خرج القاضى إلى باب المسجد فنظر فى خصومتها أو أمر من يفصل بينهما ، كما لو كانت المنازعة فى دابة فانه يخرج لاستماع الدعوى والإشارة إليه فى الشهادة ، وإن جلس فى بيت جاز ، ويأذن للناس بالدخول فيه ، ولا يمنع أحدا من الدخول عليه ، ويجلس معه من كان يجلس معه فى المسجد ، ويكون الأعوان بالبعد عنه بحيث لا يسمعون ما يكون بينه وبين ما تقدّم إليه للخصومة ، ويستحب أن يجلس معه قريبا منه قوم من أهل الفقه والديانة ، ولا بأس بأن يجلس وحده إذا كان عالما بالقضاء . قال ( ويتخذ مترجما وكاتبا عدلا مسلما له معرفة بالفقه ) لأنه إذا لم يكن عدلا - ٨٦ - وَيُسَوَى بَبْنَ الحِصْمَيْنِ فى الْجُلُوسِ وَالإِقْبَالِ وَالنَّظَرِ وَالإشارَةِ، وَلا يُسارِّ أحَدَهُما وَلا يُلَقَّتُهُ حُجَّتَهُ، وَلا يَضْحَكُ لِأَحَدِهِما، وَلا يُمازِ حُهُمَا، وَلا أُحَدَهُمَا، وَلا يُضِيفُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، وَلا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ أَجْنَبِّ لَمْ يُهْدِ لَهُ قَبْلَ القَضَاءِ، وَلا يَحضُرُ دَعْوَةً إلاَّ العامَّةَ، وَيَعُودُ المَرْضَى، وَيَشْهَدُ الجَنَائِزَ، فإنْ حَدَثَ لَهُ هَمٌّ، أَوْ نُعَاسٌ، أوْ غَضَبٌ، أَوْ جُوعٌ ، أوْ عَطَشٌّ، أوْ حَاجَةٌ حَبَوَانِيَّةٌ كَفَّ عَنِ القَضَاءِ. لا تؤمن خيانته ، وإذا لم يكن مسلما لا يؤمن أن يكتب مالا تقتضيه الشريعة ، وإذا لم يكن فقيها لا يعرف كتبة السجلات وما يحتاج إليه القاضى من الأحكام ، ويجلس ناحية عنه حيث يراه حتى لا يخدع بالرشوة. قال ( ويسوّى بين الخصمين فى الجلوس والإقبال والنظر والإشارة ) قال الله تعالى - يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء - أى بالعدل والعدل التسوية . وقال عليه الصلاة والسلام ((إذا ابتلى أحدكم بالقضاء فليسوّ بين الخصوم فى المجلس والإشارة والنظر)) وفى كتاب عمر رضى الله عنه: آس بين الناس فى مجلسك ووجهك وعدلك ، ومعناه ما ذكرنا ، ثم نبه على العلة فقال : حتى لايطمع شريف فى حيفك ، ولا يخاف ضعيف جورك ، ولأنه إذا فضل أحدهما ينكسر قلب الآخر فلا ينشرح للدعوى والجواب ، وينبغى أن يجلسوا بين يدى القاضى جثوًا ولا يجلسهما فى جانب ، ولا أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وإذا تقدّم إليه الخصمان إن شاء بدأهما فقال مالكما ، وإن شاء سكت حتى يتكلما ، فإذا تكلم أحدهما أسكت الآخر ليفهم دعواه . قال . (ولا يسارّ أحدهما ولا يلقنه حجته ) لما بينا ؛ ولما فيه من التهمة ( ولا يضحك لأحدهما) لأن ذلك يجرّته على خصمه ( ولا يمازحهما ولا أحدهما ) لأنه يخلّ بهيبة القضاء ( ولا يضيف أحدهما دون الآخر) لما بينا، وقد ورد النهى عنه . قال ( ولا يقبل هدية أجنبى لم يهد له قبل القضاء ) قال عليه الصلاة والسلام ((هدايا الأمراء غلول )) ولأنه إنما أهدى له للقضاء ظاهرا فكان آ كلا بالقضاء فأشبه الرشوة ، بخلاف من جرت عادته بمهاداته قبل القضاء ، لأن الظاهر أنه جرى على عادته حتى لو زاد على العادة أو كان له خصومة لا يقبلها ، والقريب على هذا التفصيل . قال ( ولا يحضر دعوة إلا العامَّة ) كالعرس والختان لأنه لا تهمة فيها والإجابة سنة ، ولا يجيب الخاصة لمكان التهمة إلا إذا كانت من قريب أومن جرت عادته بذلك قبل القضاء على التفصيل المتقدّم ، والعشرة فما دونها خاصة وما فوقها عامَّة ، وقيل الخاصة ما لو علم أن القاضى لا يحضرها لا يعملها . قال (ويعود المرضى ويشهد الجنائز) لأنها من حقوق المسلم على المسلم على ما نطق به النص ، ولا يطيل مكثه فى ذلك المجلس ، ولا يمكن أحدا من التكلم فيه بشىء من الخصومات . قال ( فإن حدث له همّ أو نعاس ، أو غضب أو جوع ، أو عطش ، أو حاجة حيوانية كفّ عن القضاء) قال عليه الصلاة والسلام (( لا يقضى القاضى وهو - ٨٧ - وَلَا يَبَيعُ وَلا يَشْتَرِى فى المَجْلِسِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَسْتَخْلِفُ عَلَى القَضَاءِ إِلاَّ أنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ ذلكَ، وَلا يَقْضِى عَلَى غائِبٍ إلا أنْ يُحْضُرَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، أوْ ما يَكُونُ ما يَدِّعِيهِ عَلَى الغائِبِ سَبَبَا لَمَا يَدَّعِيهِ عَلى الحاضِيرِ. وَإِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ قَضَاءُ قاضٍ أَمْضَاهُ، إلا أنْ يُخالِفَ الكِتابَ أوِ السُّنةَ المَشْهُورَةَ أَوِ الإِجْمَاعَ ، غضبان)) وفى رواية ((وهو شبعان)) ولأنه يحتاج إلى الفكر ، وهذه الأعراض تمنع صحة الفكر فتخلّ بالقضاء ، ويكره له صوم التطوّع يوم القضاء ، لأنه لا يخلو عن الجوع ، ولا يتعب نفسه بطول الجلوس لأنه ربما ضجر وملّ ويقعد طرفى النهار ؛ وإذا طمع فى رضى الخصمين ردّهما مرّة ومرّتين لقول عمر رضى الله عنه: ردّوا الخصوم حتى يصطلحوا ، وإن لم يطمع أنفذ القضاء بينهما لعدم الموجب للتأخير . قال ( ولا يبيع ولا يشترى فى المجلس لنفسه ) لما فيه من التهمة ، ولا بأس فى غير المجلس . وعن أبى حنيفة رحمه الله يكره أيضا ، وإنما يبيع ويشترى ممن لا يعرفه ولا يجابيه . قال ( ولا يستخلف على القضاء إلا أن يفوّض إليه ذلك ) لأنه كالوكيل عن الإمام ؛ والوكيل ليس له أن يوكل إلا أن يؤذن له . قال (ولا يقضى على غائب) لقوله صلى الله عليه وسلم ((يا علىّ لاتقض لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر)) ولأن القضاء لقطع المنازعة ، ولا منازعة بدون الإنكار فلا وجه إلى القضاء . قال ( إلا أن يحضر من يقوم مقامه ) إما بانابته كالوكيل ، أو بانابة الشرع كالوصىّ من جهة القاضى ( أو ما يكون ما يدّعيه على الغائب سببا لما يدّعيه على الحاضر ) كمن ادّعى دارا فى يد رجل فأنكر فأقام المدّعى البينة أنه اشتراها من فلان الغائب يقضى بها على الحاضر والغائب ، وكذا لوادّعى شفعة وأنكر ذو اليد الشراء ، فأقام البينة أن ذا اليد اشتراها من الغائب يقضى على الحاضر والغائب جميعا ، وكذا إذا شهدا على رجل فقال هما عبدان ، فأقام المشهود له البينة أن مولاهما أعتقهما حكم يعتقهما فى حق الحاضر والغائب جميعا . فصل ( وإذا رفع إليه قضاء قاض أمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع) وأصله أن القاضى إذا كان ممن يجوز قضاؤه فقضى بقضية يسوغ فيها الاجتهاد لم يجز لأحد من القضاة نقضه ، لأن الاجتهاد الثانى مثله والأوّل ترجيح بالسبق لاتصال القضاء به . وروى أن شريحا قضى بقضاء خالف فيه عمر وعليا رضى الله عنهما ، فلم يمسخاه لوقوعه من قاض جائز الحكم فيما يسوغ فيه الاجتهاد . وعن عمر رضى الله عنه أنه قضى فى الجدّ - ٨٨ - وَلا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ لِمَنْ لاتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَيَجُوزُ لِمَنْ قَلَّدَهُ وَعَلَيْهِ؛ وَإِذَا عَلِمَ بِشَىْءٍ مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ فِىِزَمَنِ ولايَتِهِ وَمَحَلِّها جازَ لَهُ أنْ يَقْضِىّ بِهِ. وَالْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَنْفُذُ ظاهِرًاً وَبَاطِنا (سم) فى العُقُودِ، وَالفُسُوخِ: كالنِّكاحِ ، وَالطَّلَاقِ، وَالبَيْعِ، وكذلكَ الهِبَةُ، وَالإِرْتُ. بقضايا مختلفة ، فقيل له ، فقال ذاك على ما قضينا ، وهذا على ما نقضى ، ولم يفسخ الأوّل ؛ ولا اجتهاد مع الكتاب ولا مع السنة المشهورة ، إذ لا اجتهاد إلا عند عدمهما، لما تقدّم من حديث معاذ ، ولا مع إجماع الجمهور لأنه خلاف وليس باختلاف ، والمراد اختلاف الصدر الأوّل . قال (ولا يجوز قضاؤه لمن لا تقبل شهادته له ) لأن المعنى الذى تردّ الشهادة له فى القضاء أقوى لأنه ألزم . قال ( ويجوز لمن قلده وعليه ) لأنه نائب عن المسلمين لاعنه ، ولهذا لاينعزل بموته . قال ( وإذا علم بشىء من حقوق العباد فى زمن ولايته ومحلها جاز له أن يقضى به ) لأن علمه كشهادة الشاهدين وبل أولى ، لأن اليقين حاصل بما علمه بالمعاينة والسماع ، والحاصل بالشهادة غلبة الظنّ ، والإجماع على أن قوله على الانفراد مقبول فيما ليس خصما فيه ، ومتى قال حكمت بكذا نفذ حكمه . وأما ما علمه قبل ولايته أو فى غير محلّ ولايته لا يقضى به عند أبى حنيفة رضى الله عنه ، نقل ذلك عن عمر وشريح رضى الله عنهما. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : يقضى كما فى حال ولايته ومحلها لما مرّ . وجوابه أنه فى غير مصره وغير ولايته شاهد لاحاكم ، وشهادة الفرد لا تقبل ، وصاركما إذا علم ذلك بالبيئة العادلة ثم ولى القضاء فانه لا يعمل بها . وأما الحدود فلا يقضى بعلمه فيها لأنه خصم فيها ، لأنها حقّ اللّه تعالى وهو نائبه إلا فى حدّ القذف فانه يعمل بعلمه لما فيه من حقّ العبد، وإلا فى السكر إذا وجد سكران ، أو من به أمارات السكر فانه يعزره . قال ( والقضاء بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا فى العقود والفسوخ كالنكاح ، والطلاق ، والبيع ، وكذلك الهبة، والإرث ) وقالا : لا ينفذ باطنا . وصورته شهد شاهدان بالزور بنكاح امرأة لرجل فقضى بها القانمى نفذ عنده حتى حلّ للزوج وطؤها خلافا لهما ؛ ولوشهدا بالزور على رجل أنه طلق امرأته بائنا فقضى القاضى بالفرقة ثم تزوّجها آخرجاز ؛ وعندهما إن جهل الزوج الثانى ذلك حلّ له وطوُها اتباعا للظاهر، لأنه لا يكلف علم الباطن وإن علم بأن كان أحد الشاهدين لايحلّ ، ولو وطئها الزوج الأوّل كان زانيا ويحدّ. وقال محمد: يحلّ له وطوْها، وقال أبو يوسف: لا يحلّ له ، لأن قول أبى حنيفة أورث شبهة فيحرم الوطء احتياطا ، ولا ينفذ فى معتدة الغير ومنكوحته بالإجماع ، لأنه لا يمكن تقديم النكاح على القضاء ، وفى الأجنبية أمكن ذلك فيقدّم تصحيحا له قطعا للمنازعة ، وينفذ ببيع الأمة عنده حتى يحلّ للمشترى وطوّها، وينفذ فى الهبة - ٨٩ - وَإِذا ثَبَتَ الحَقُّ لِلمُدَّعِىِ وَسَأَلَهُ حَبْسَ غَرِيمِهِ كَمْ يَجْبِسْهُ وَأَمَرَهَ بِدَفْعِ والإرث حتى يحلّ للمشهود له أكل الهبة والميراث ، وروى عنه أنه لاينفذ فيهما . لهما قوله عليه الصلاة والسلام ((إنكم لتختصمون إلى"، ولعلّ بعضكم ألحن بحجته من بعض ، وإنما أنا بشر أقضى بما أسمع ، فمن قضيت له من مال أخيه شيئا بغير حقه فإنما أقطع له قطعة من النار )) وأنه عامّ فيعمّ جميع الحقوق والعقود والفسوخ وغير ذلك، فينبغى أن يكون الحكم فى الباطن كهو عند الله تعالى، أما الظاهر فالحكم لازم على ما أنفذه القاضى. قال صلى الله عليه وسلم ((أنا أقضى بالظاهر واللّه يتولى السرائر)) وله ما روى: أن رجلاخطب امرأة وهودونها فى الحسب فأبت أن تتزوّجه ، فادّعى أنه تزوّجها ، وأقام شاهدين عند علىّ رضى الله عنه، فحكم عليها بالنكاح، فقالت: إنى لم أتزوّجه وإنهم شهود زور فزوجنى منه ، فقال علىّ رضى الله عنه: شاهداك زوّجاك وأمضى عليها النكاح ، ولأنه قضى بأمر الله تعالى بحجة شرعية فيما له ولاية الإنشاء فيجعل إنشاء تحرّزا عن الحرام ، وحديثهما فى المال صريح ونحن نقول به ، فان قضاء القاضى فى الأملاك المرسلة لا ينفذ بشهادة الزور بهذا الحديث ، ولقوله تعالى - ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - وروى أنها نزلت فيه ، ولأن القاضى لا يملك إثبات الملك بدون السبب ، فانه لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو . أما العقود والفسوخ فانه يملك إنشاءهما فانه يملك بيع أمة زيد وغيرها من عمرو حال غيبته وخوف الهلاك فانه يبيعه للحفظ ، وكذلك لو مات ولا وصىّ له، ويملك إنشاء النكاح على الصغير والصغيرة والفرقة فى العنين وغير ذلك، فثبت أن له ولاية الإنشاء فى العقود والفسوخ ، فيجعل القضاء إنشاء احترازا عن الحرام ، ولا يملك ذلك فى الأملاك المرسلة بغير أسباب فتعذّر جعله إنشاء فبطل ، ثم نقول : لولم ينفذ باطنا ، فلو قضى القاضى بالطلاق لبقيت حلالا للزوج الأوّل باطنا وللثانى ظاهرا ؛ ولو ابتلى الثانى بمثل ما ابتلى به الأوّل حلت للثالث أيضا ، وهكذا رابع وخامس ، فتحلّ للكل فى زمان واحد ، وفيه من الفحش ما لا يخفى ؛ ولو قلنا بنفاذه باطنا لاتحلّ إلا لواحد ولا فحش فيه . فصل الأصل فى وجوب الحبس قوله صلى الله عليه وسلم ((لىّ الواجد ظلم يحلّ عرضه وعقوبته )) والعقوبة: الحبس ، وروى ذلك عن السلف ، ولأن القاضى نصب لإيصال الحقوق إلى أربابها ، فاذا امتنع المطلوب عن الأداء فعلى القاضى جبره عليه ، ولا يجبره بالضرب إجماعا فتعين الحبس . قال ( وإذا ثبت الحقّ للمدعى وسأله حبس غريمه لم يحبسه) لأنه لم يظهر ظلمه ، حتى لو كان ظهر ظلمه وجحوده عند غيره حبسه . قال ( وأمره بدفع ٦ ٠ - ٩٠ - ما عَلَيْهِ، فإنْ امْتَنَعَ حَبَسَهُ، فانْ أَقَرَّ أنَّهُ مُعْسِرٌ خَلَّى سَبِيلَهُ، وَإِنْ قالَ المُدَّعِىِ: هُوَ مُوسِرٌ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا مُعْسِيرٌ، فإنْ كانَ القاضِى يَعْرِفُ يَسارَهُ، أَوْ كانَ الدَّيْنُ بَدَلَ مالِ كالثَّمَنِ وَالقَرْضِ، أوِ الْعَزَمَهُ كَالْمَهْرِ وَالْكِتَقالَةِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَنَحْوِهِ حَبَّسَهُ، وَلا يَحْبِسُهُ فيما سِوَى ذلكَ إِذَا ادّعَى الفَقْرَ، إلا أنْ تَقُومَ البَيِّنَةُ أن لَهُ مالاً فَيَحْبِسُهُ، فاذَا حَبَسَهُ مُدَةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَظْهَرَهُ، وَسأَلَ عَنْ حالِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ خَلَّى سَبِيلَهُ؛ وَإِنْ قَامَتِ البَيِّنَةُ عَلَى يَسَارِهِ أَبَّدَ حَبْسَهُ، وُيُحْبَسُ الرَّجُلُ فِى نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ، وَلاَ يُحْبَسُ وَالِدٌ فِى دَيْنِ وَلَدِهِ إِلاَّ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْهِ. ما عليه ، فإن امتنع حبسه ) لأنه ظهر ظلمه ، وهذا إذا ثبت حقه بالإقرار ، أما إذا ثبت بالبينة حبسه أوّل مرّة ، لأن البينة لاتكون إلا بعد الجحد فيكون ظالما ، ولا يسأله القاضى: ألك مال ؟ ولا من المدعى إلا أن يطلب المدعى عليه من القاضى أن يسأل المدّعى فيسأله ( فإن أقرّ أنه معسر خلى سبيله ) لأنه استحقّ الإنظار بالنصّ ولا يمنعه من الملازمة ( وإن قال المدّعى هو موسر ، وهو يقول أنا معسر ، فإن كان القاضى يعرف يساره ، أو كان الدين بدل مال كالثمن والقرض ، أو التزمه كالمهر والكفالة وب.ل الخلع ونحوه حبسه ) لأن الظاهر بقاء ماحصل فى يده والتزامه يدلّ على القدرة (ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا ادّعى الفقر ) لأنه الأصل ، موذلك مثل ضمان المتلفات وأروش الجنايات ونفقة الأقارب والزوجات وإعتاق العبد المشترك ( إلا أن تقوم البينة أن له مالا فيحبسه ) لأنه ظالم ( فإذا حبسه مدّة يغلب على ظنه أنه لو كان له مال أظهره وسأل عن حاله ، فلم يظهر له مال خلى سبيله) لأن الظاهر إعساره فيستحقّ الإنظار ، وكذلك الحكم لو شهد شاهدان باعساره ، وتقبل بينة الإعسار بعد الحبس بالإجماع وقبله لا . والفرق أنه وجد بعد الحبس قرينة ، وهو تحمل شدّة الحبس ومضايقه وذلك دليل إعساره ، ولم يوجد ذلك قبل الحبس ، وقيل تقبل فى الحالتين ( وإن قامت البينة على يساره أبد حبسه ) لظلمه . واختلفوا فى مدّة الحبس ، قيل شهرين أو ثلاثة ، وبعضهم قدّره بشهر ، وبعضهم بأربعة وبعضهم بستة . والصحيح ما ذكرت لك أوّلا ، لأن الناس يختلفون فى احتمال الحبس ويتفاوتون تفاوتا كثيرا فيفوّض إلى رأى القاضى . قال ( ويحبس الرجل فى نفقة زوجته ) لأنه حقّ مستحقّ عليه وقد منعه فيحبس لظلمه ( ولا يحبس والد فى دين ولده) وكذا الأجداد والجدات لأنه ليس مصاحبة بالمعروف وقد أمر بها ( إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه - ٩١ - فصل يُقْبَلُ كِتابُ القاضى إلى القاضِى فى كُلّ حَقّ لا يَسْقُطُ بالشُّنْهَةِ، وَفى النِّكاحِ وَالدَّيْنِ وَالْغَصْبٍ وَالأمانَةِ الْمَجْحُوْدَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وفى النَّسَبِ وفى العَقَارِ ، وَلا يُقْبَلُ فى الْمَنْقُولاتِ؛ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أنَّهُ يُقْبَلُ فى جَمِيعِ الْمَنْقُولاتِ، وَعَلَيْهِ الفَتْوَى ، لأن فى ترك الإنفاق عليه هلاكه ، كما لو صال الأب على الولد فللولد دفعه بالقتل ؛ وإذا مرض المحبوس ، فان كان له من يخدمه فى الحبس لم يخرجه ، وإلا أخرجه لئلا يهلك؛ وإذا امتنع الخصم من الحضور عزره القاضى بما يرى من ضرب أو صفع أو حبس أو تعبيس وجه على ما يراه . فصل ( يقبل كتاب القاضى إلى القاضى فى كلّ حقّ لا يسقط بالشبهة) للحاجة إلى ذلك، وهو العجز عن الجمع بين الخصوم والشهود ، بخلاف ما يسقط بالشبهة كالحدود والقصاص لشبهة البدلية ؛ والأصل فى الجواز أن الكتاب يقوم مقام عبارة المكتوب عنه وخطابه ، بدلالة أن كتاب الله تعالى إلى رسوله قام مقام خطابه له فى الأمر والنهى وغيرهما ؛ وكذلك كتب رسوله عليه الصلاة والسلام إلى ملك الفرس والروم وإلى نوّابه فى البلاد قامت مقام خطابه لهم ، حتى وجب عليهم ما أمرهم به فى كتبه كما وجب بخطابه ؛ وإذا ثبت هذا فنقول : كتاب القاضى إلى القاضى كخطابه له ، ولو خاطبه بذلك وأعلمه صحّ ، فكذلك كتابه ، وهو أن يشهد الشهود عند القاضى أن لهذا على فلان الغائب كذا ، فیکتب القاضى إلى القاضى الذى الخصم فى بلده ، وهو نقل الشهادة ، ولهذا يحكم المكتوب إليه برأيه ، ولو كانت الشهادة على حاضر حكم عليه وكتب بحكمه ، وهو السجل ( و) يكتب ( فى النكاح والدين والغصب والأمانة المجحودة والمضاربة ) لأن ذلك دين يعرف بالوصف ( وفى النسب ) لأنه يعرف بذكر الأب والجدّ والقبيلة وغير ذلك ( وفى العقار ) لأنه يعرف بالحدود ( ولا يقبل فى المنقولات ) لأنه يحتاج فيها إلى الشهادة للإشارة ( وعن محمد أنه يقبل فى جميع المنقولات ، وعليه الفتوى ) للحاجة إليه ، ويمكن تعريفه بأوصافه ومقداره وغير ذلك . وعن أبى يوسف أنه يقبل فى العبد دون الأمة لكثرة إباقه دونها . وعنه أنه يقبل فيهما ؛ وصورته : أن يكتب أنهم شهدوا عنده أن عبدا لفلان ويذكر اسمه وحليته - ٩٢ - وَلا يُقْبَلُ إِلاَّ بِيَنَةٍ أَنَّهُ كِتَابُ فُلانِ القَاضِى، وَلا بُدَّ أنْ يَكْتُبَ إِلى مَعْلُومٍ فانْ شاءَ قالَ بَعْدَ ذلكَ: وَإلى كُلْ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَإلاَّ فَلَا، وَيَقرَأُ الكِتابَ عَلَى الشُّهُودِ، وَيُعْلِمُهُمْ بِمَافِيهِ، وَيَخْتِمُهُ بِحَضْرَبِهِمْ وَيَحْفَظُوا مافِيهِ، وَتَكُونُ أسْاؤُهُمْ دَاخلَ الكتابِ بالأُبِ وَالجَدّ؛ وأبُو يُوسُفَ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا مِنْ ذلكَ لَّا ابْتَلِىَ بِالقَضَاءِ وَاخْتَارَهُ السَّرْخَسِى وَلَيْسَ الْخَبْرُ كالعِيانِ، فَاذَا وَصَلَ إلى القاضِى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ نَظَرَ فى خَتْمِهِ، فاذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُ فُلانِ القَاضِى سَلَّمَهُ إلَيْنا فى مَجْلِسِ حُكْمِهِ، وَقَرأه عَلَيْنَا وَخَتَمَهُ وَفَتَحَهَ وَقَرَأْهُ عَلَى الْخَصمِ وألْزَمَهُ مافِيهِ وَلا يَقْبَلَهُ إلا بِحَضْرَةِ الخَصمِ، وجنسه آبق منه وقد أخذه فلان . قال ( ولا يقبل إلا ببينة أنه كتاب فلان القاضى ) لأنه للإلزام ، ولا إلزام بدون البينة ، ولأن الخطّ يشبه الخطّ، والبينة تعينه ، ويكتب اسم المدّعى والمدّعى عليه وينسبهما إلى الأب والجدّ والفخذ والقبيلة ، أو إلى الصناعة ، وإن لم يذكر الجدّ لم يجز إلا عند أبى يوسف، وإن كان فى الفخذ مثله فى النسب لم يجز ، ولا بدّ من ذكر شيء يخصه ويعينه حتى يزول الالتباس ( ولا بدّ أن يكتب إلى معلوم ) بأن يقول من فلان ابن فلان ابن فلان إلى فلان ابن فلان ابن فلان ( فان شاء قال بعد ذلك وإلى كلّ من بصل إليه من قضاة المسلمين ، وإلا فلا ) حتى يصير المكتوب إليه معروفا والباقى يكون تبعا (ويقرأ الكتاب على الشهود ويعلمهم بما فيه) ليعلموا بما يشبدون (ويختمة بحضرتهم ويحفظوا ما فيه ) حتى لو شهدوا أنه كتاب فلان القاضى وختمه ولم يشهدوا بما فيه لا تقبل ، لأن الختم يشبه الختم ، فمتى كان فى يد المدّعى يتوهم التبديل ( وتكون أسماؤهم داخل الكتاب بالأب والجدّ ) لنفى الالتباس (وأبو يوسف لم يشترط شيئا من ذلك لما ابتلى بالقضاء ) تسهيلا على الناس ( واختاره السرخسى ، وليس الخبر كالعيان ) قال أبوبكر الرازى : ولو كتب من فلان ابن فلان ابن فلان إلى كلّ من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم ينبغى لكلّ من ورد الكتاب عليه من القضاة أن يقبله ، لأن الخطاب جائز لقوم مجهولين ، فان رسول الله عليه الصلاة والسلام كتب إلى الآ فاق ودعاهم إلى الإسلام. ولم يعرفهم ، وكذلك أمرنا ونهانا وكنا مجهولين عنده وصحّ خطابه ولزمنا والقضاة اليوم عليه؛ وينبغى أن يكون داخل الكتاب اسم القاضى الكاتب والمكتوب إليه ، وعلى العنوان أيضا ، فلو كان على العنوان وحده لم تقبل خلافا لأبى يوسف ، لأر ما ليس تحت الختم متوهم التبديل . قال (فاذا وصل إلى القاضى المكتوب إليه نظر فى ختمه ، فاذا شهدوا أنه كتاب فلان القاضى سلمه إلينا فى مجلس حكمه وقرأه علينا وختمه فتحه وقرأه على الخصم وألزمه ما فيه ) لثبوت الحقّ عليه (ولا يقبله إلا بحضرة الخصم) لأنه للإلزام - ٩٣ - فإنْ ماتَ الكاتِبُ، أوْ عُزِلَ، أَوْ خَرَجَ عَنْ أهْلِيَّةِ القَضَاءِ قَبْلَ وُصُرُلِ كِتَابِهِ بَطَلَ، وَإِنْ ماتَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ بَطَلَ، إلا أنْ يَكُونَ قالَ بَعْدَ اسْمِهِ: وَإلى كُلّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ ماتَ الْخَصْمُ نَفَذَ عَلى وَرَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكنِ الْخَصُمُ فِى بَلَدِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَطَلَبَ الطَّالِبُ أنْ يَسْمَعَ بَيِّنَتَهُ وَيَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا إلى قاضِى البَلَدِ الَّذِى فِيهِ خِنَصْمُهُ كَتَبَ لَهُ، وَيَكْتُبُ فى كِتِابِهِ نُسْخَةَ الكِتَابِ الأوّلِ أَوْ مَعْنَاهُ. فصل حَكَّمَا رَجُلاً لِيَحْكُمَ بَيَْهُما جازَ (ف)، وَلا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فيما يَسْقُطُ بالشُّنْهَةِ ، كالشهادة لا يسمعها إلا بحضرة الخصم ، ولا يفتحه إلا بحضرته . وقيل يجوز لأنه ثبت بحضوره فلا حاجة إليه حالة الفتح . قال ( فإن مات الكاتب أو عزل أو خرج عن أهلية القضاء ) بأن جنّ أو أغمى عليه أو غير ذلك ( قبل وصول كتابه بطل ) لأن الكتاب كالخطاب حالة وصوله وهو بالموت خرج عن أهلية الخطاب ، وبالعزل وغيره صار كغيره من الرعايا ( وإن مات المكتوب إليه بطل ، إلا أن يكون قال بعد اسمه : وإلى كلّ من يصل إليه من قضاة المسلمين ) لما بينا ( وإن مات الخصم نفذ على ورثته ) لقيامهم مقامه ( وإن لم یکن الخصم فى بلد المكتوب إليه وطلب الطالب أن یسمح بینته ویکتب له كتابا إلى قاضى البلد الذى فيه خصمه كتب له ) للحاجة إليه ( ويكتب فى كتابه نسخة الكتاب الأوّل أو معناه ) ليكتب بما ثبت عنده . فصل ( حكما رجلا ليحكم بينهما جاز ) لأن لهما ولاية على أنفسهما حتى كان كالقاضى فى حقهما والمصالح فى حقّ غيرهما، لأن غيرهما لم يرض بحكمه ، وليس له عليه ولاية بخلاف القاضى. وصورته: إذا ردّ المشترى المبيع على البائع بعيب بالتحكيم لا يملك الردّ على بائعه لما ذكرنا ، وكذلك إذا حكما فى قتل خطأ فحكمه بالدية على العاقلة لا يلزمهم لعدم ولايته عليهم ( ولا يجوز التحكيم فيما يسقط بالشبهة ) كالحدود والقصاص لأنه لاولاية لهما على دمهما حتى لا يباح باباحتهما . وقيل يجوز فى القصاص لأنهما يملكانه فيملكان تفويضه إلى غيرهما، والحدود حقّ اللّه تعالى فلا يجوز، ويجوز فى تضمين السرقة دون القطع - ٩٤ - وَيُشْترَطُ أنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ القَضَاءِ، وَلَهُ أَنْ يَسْمَعَ البَيُّنَةَ وَيَقْضِى بالنكُولِ وَالإِقْرَارِ، فإذَا حَكَمَ لَزِمَهُما، وَلَكُلّ وَاحدٍ مِنْهُما الرُّجُوعُ قَبْل الْحُكْمِ، وَإنْ رُفعَ حُكْمُهُ إلى قاضٍ أَمْضَاهُ إِنْ وَافَقَ مَذْهَبَهُ، وَأَبْطَلَهُ إِنْ خالَفَهُ، وَلا يَجوزُ حُكْمُهُ لِمَنْ لاتَقَْلُ شَهَادَتُهُ لُهُ. كتاب الحجر وأسْبَابُهُ: الصّغَرُ وَالْجُنُونُ وَالرّقُّ، وَلا يَجُوزُ تَصَرُّفُ المَجْنُونِ وَالصَّبِىّ الَّذِى لا يَعْقِلُ أصْلاً، وَتَصَرُّفُ الَّذِى يَعْقُلُ إِنْ أجازَهُ وَلَيُّهُ، أَوْ كانَ أذِنَّ ◌ُ يُجُوزُ، وَالعَبَدُ كالصَّبِىّ الَّذِى يَعْقُلُ؛ والصَّبِىُّ وَالْمَجْنُونُ لايصِحُّ عُقُودُهُما وإقْرَارُهُما وَطَلَاقُهُما وَعَتَاقُهُما ، ( ويشترط أن يكون من أهل القضاء ) لأنه يلزمهما حكمه كالقاضى وتعتبر أهليته وقت الحكم والتحكيم جميعا ( وله أن يسمع البينة ويقضى بالنكول والإقرار ) لأنه حكم شرعى ( فاذا حكم لزمهما ) لولايته عليهما ( ولكل واحد منهما الرجوع قبل الحكم ) لأنه إنما ولى الحكم عليهما برضاهما ، فاذا زال الرضا زالت الولاية كالقاضى مع الإمام (وإن رفع حكمه إلى قاض أمضاه وإن وافق مذهبه) لعدم الفائدة فى نقضه ( وأبطله إن خالفه) لأنه لاولاية له عليه ، فلا يلزمه إنفاذ حكمه ، بخلاف القاضى لأن ولايته عامّة (ولا يجوز حكمه لمن لا تقبل شهادته له ) للنهمة، والله أعلم . کتاب الحجر وهو فى اللغة : مطلق المنع ، ومنه حجر الكعبة لأنه منع من الدخول فيها ، وسمى الحرام حجرا لأنه ممنوع من التصرّف فيه . وفى الشرع : المنع عن أشياء مخصوصة بأوصاف مخصوصة على ما يأتيك إن شاء الله تعالى ( وأسبابه: الصغر والجنون والرقّ ) لأن الصغير والمجنون لايهتديان إلى المصالح ولا يعرفانها فناسب الحجر عليهما ، والعبد تصرّفه نافذ على مولاه فلا ينفذ إلا باذنه . قال ( ولا يجوز تصرّف المجتون والصبىّ الذى لا يعقل أصلا) لعدم الأهلية ( وتصرّف الذى يعقل إن أجازه وليه أو كان أذن له يجوز ) لأن الظاهر أن الولىّ ما أجاز ذلك إلا لمصلحة راجحة نظرا له وإلا لما أجاز (والعبد) مع مولاه (كالصبيّ الذى يعقل) مع وليه ، لأن الحقّ للمولى فاذا أجازه جاز. قال (والصبىّ والمجنون لا يصحّ عقودهما وإقرارهما وطلاقهما وعتاقهما) قال عليه الصلاة والسلام (( كلّ طلاق واقع - ٩٥ - وَإِنْ أَقْلَفَا شَيْئًا لَزِمَهُمَا، وَأَقْوَالُ العَبْدِ نافِذَةٌ فِى حَقّ نَفْسِهِ، فانْ أَقّر بِمَالٍ لَزِمَهُ بَعْدَ عِنْقِهِ، وَإِنْ أَفَرِ بَحَدَ أوْ فَصَاصٍ أوْ طَلَاقٍ لَزِمَّهُ فى الحَالِ، وَبُلُوعُ الغُلامِ بِالإِحْتِلامِ، أوِ الإحْبَالِ، أوِ الإنْزَالِ، أَوْ بُلُوَعُ ثْمَانِىَ عَشَرَةَ سَنَّةُ (سم) . وَالْجَارِيَةِ بِالإِحْتِلْمِ، أوِ الحَيْضِ، أَوِ الحَلِ، أَوْ بُلُوغِ سَبْعَ عَشَرَةَ سَنّةً (سم) ؛ إلا طلاق الصبىّ والمعتوه)) والعتق تمحض ضررا ، ولأنه تبرّع وليسا من أهله ، وكذلك الإقرار لما فيه من الضرر ، وكذلك سائر العقود لرجحان جانب الضرر نظرا إلى سفههما وقلة مبالاتهما وعدم قصدهما المصالح . قال ( وإن أتلفا شيئا لزمهما ) إحياء لحقّ المتلف عليه ، والضمان يجب بغير قصد كجناية النائم والحائط المائل ، ولأن الإتلاف موجود حسا وهو سبب الضمان ، فلا يردّ إلا فى الحدود والقصاص ، فيجعل عدم القصد شبهة ، وينقلب القتل فى العمد إلى الدية على ما يعرف فى بابه إن شاء الله تعالى . قال ( وأقوال العبد نافذة فى حقّ نفسه) لأهليته ( فإن أقرّ بمال لزمه بعد عتقه) لعجزه فى الحال وصار كالمعسر (وإن أقرّ بحدّ أو قصاص أو طلاق لزمه فى الحال ) لأنه فى حقّ الدم مبقى على أصل الحرية ، ولهذا لا ينفذ إقرار المولى عليه بذلك ولا يستباح باباحته ؛ وأما الطلاق فلقوله عليه الصلاة والسلام ((لا يملك العبد إلا الطلاق)) ولأنه أهل ولا ضرر فيه على المولى فيقع . قال ( وبلوغ الغلام بالاحتلام أو الإحبال ، أو الإنزال ، أو بلوغ ثمانى عشرة سنة . والجارية بالاحتلام ، أو الحيض ، أو الحبل ، أو بلوغ سبعة عشرة سنة ) لأن حقيقة البلوغ بالاحتلام والإنزال. قال عليه الصلاة والسلام ((خذ من كلّ حالم وحالمة دينارا)) أى بالغ وبالغة ، والحبل والإحبال لا يكون إلا به ، والخيض علامة البلوغ أيضا ، قال عليه الصلاة والسلام (( لاصلاة لحائض إلا بخمار)) أى بالغ؛ وأما البلوغ بالسنّ فالمذكور مذهب أبى حنيفة ، وقالا : بلوغهما بتمام خمس عشرة سنة لأنه المعتاد الغالب . وعن ابن عمر رضى الله عنه قال ((عرضت على النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فردّنى، وعرضت عليه فى السنة الثانية فأجازنى)) وله قوله تعالى - ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتی هی أحسن حتى يبلغ أشدّه -. قال ابن عباس رضى الله عنه: ثمانى عشرة سنة، وهى أقلّ ما قيل فيه ، فأخذنا به احتياطا ، هذا أشدّ الصبيّ، فأما أشدّ الرجل فأربعون، قال الله تعالى - حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة - والأنثى أسرع بلوغا فنقصناها سنة؛ فأما الحديث فالنبىّ عليه الصلاة والسلام كان يجيز غير البالغ، فانه روى (( أن رجلا عرض على النبىّ عليه الصلاة والسلام ابنه فردّه ، فقال: يا رسول الله أتردّ ابنى وتجيز رافعا واننى يصرع رافعا؟ فأمرهما فاصطرعا فصرعه فأجازه)). وأدنى مدّة يصدق الغلام. - ٩٦ - وَإِذَا رَاهَقًا وَقالا بَلَغْنا صُدَّقَا، وَلاَ يُحْجَرُ عَلَى (سم) الحُرّ العاقِلِ الباِلِغِ وَإنْ كانَ" سَفِيها يُنْفِقُ مالَهُ فيما لامَصْلَحَةَ لَهُ فِيه، ثم إِذَا بَلَغَ غيرَ رَشِيدٍ لا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ ، فيها على البلوغ اثنا عشرة سنة ، والجارية تسع سنين ، وقيل غير ذلك ، وهذا هو المختار ( وإذا راهقا وقالا بلغنا صدقا ) لأن ذلك لايعرف إلا من جهتهما ، فيصدقان فيه إذا احتمل الصدق . قال ( ولا يحجر على الحرّ العاقل البالغ، وإن كان سفيها ينفق ماله فيما لامصلحة له فيه ) وقالا: نحجر عليه ويمنع من التصرّف فى ماله نظرا له ، لأنا حجرنا على الصبىّ لاحتمال التبذير ، فلأن نحجر على السفيه مع تيقنه كان أولى ، ولهذا يمنع عنه ماله ولا فائدة فيه بدون الحجر ، لأنه يمكنه التبذير بما يعقده من البياعات الظاهرة الخسران ، وقد روى ((أنه عليه الصلاة والسلام باع على معاذ ماله وقضى ديونه )) وباع عمر رضى الله عنه مال أسيفع جهينة لسفهه. ولأبى حنيفة ماروى (( أن حبان بن منقذ كان يغبن فى البياعات فطلب أولياؤه من النبىّ عليه الصلاة والسلام الحجر عليه ، فقال له : إذا ابتعت فقل لاخلابة ولى الخيار ثلاثة أيام ولم يحجر عليه )) ولأنه مخاطب فلا يحجر عليه كالرشيد ، ولأنه لا يدفع الضرر عنه بالحجر فانه يقدر على إتلاف أمواله بتزويج الأربع وتطليقهن قبل الدخول وبعده فى كل يوم ووقت ، ولا معنى للحجر عليه لدفع الضرر عنه ، ولا يندفع ، ولأن الحجر عليه إهدار الآدميته وإلحاق له بالبهائم ، وضرره بذلك أعظم من ضرره بالتبذير وإضاعة المال ، وهذا مما يعرفه ذو والعقول والنفوس الأبية ، ولا يجوز تحمل الضرر الأعلى لدفع الضرر الأدنى حتى لو كان فى الحجر عليه دفع الضرر العامّ جاز كالمفتى الماجن ، والطبيب الجاهل ، والمكارى المفلس لعموم الضرر من الأوّل فى الأديان ، ومن الثانى فى الأبدان ، ومن الثالث فى الأموال . وأما حديث معاذ قلنا : إنما باع ماله برضاه ، لأن معاذا لم يكن سفيها ، وكيف يظنّ به ذلك وقد اختاره صلى الله عليه وسلم للقضاء وفصل الحكم ، و کذلك بيع عمر رضى الله عنه ، وقیل کان بيع الدراهم بالدنانير وأنه جائز ، والحجر عليه أبلغ عقوبة من منع المال فلا يقاس عليه ، ومنع المال عنه مفيد لأن غالب السفه يكون فى الهبات والنفقات فيما لامصلحة فيها ، وذلك إنما يكون باليد ؛ وإذا حجر عليه القاضى ورفع إلى قاض آخر فأبطله جاز ، لأن القضاء الأوّل مختلف فيه ولا قضاء فى مختلف فيه، فلو أمضاه الثانى ثم رفع إلى ثالث لاينقضه، لأن الثانى قضى . فى مختلف فيه فلا ينقض ، ثم عند أبى يوسف : إن كان مبذّرا استحقّ الحجر فينفذ تصرّفه مالم يحجر عليه القاضى ، فاذا صلح لا ينطلق إلا باطلاقه . وقال محمد : تبذيره يحجره وإصلاحه يطلقه نظرا إلى الموجب وزواله . ولأبى يوسف : أنه فصل مجتهد فيه . فلا بدّ من القضاء ليترجح به ( ثم) عند أبى حنيفة ( إذا بلغ غير رشيد لا يسلم إليه ماله ) - ٩٧ - فاذَا بَلَغَ حَمْسَا وَعِشْرِينَ سَنَةٌ سُلُّمَ إِلَيْهِ مَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشُدُهُ (سم) وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ ذلكَ نَفَذَ ، لعدم شرطه ، وهو إيناس الرشد بالنصّ (فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة سلم إليه ماله ، وإن لم يؤنس رشده ، وإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ ) وقالا : لايدفع إليه ماله حتى يؤنس رشده بالنص"، ولا يجوز تصرّفه فيه لأن علة المنع السفه ، فيبقى ببقائه . ولأبى حنيفة قوله تعالى - ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا - وهذا إشارة إلى أنه لا يمنع عنه إذا كبر، وقدّره أبو حنيفة بهذه المدّة ، لأن الغالب إيناس الرشد فيها ، ألا ترى أنه يصلح أن يكون جدّاً. وعن عمر رضى الله عنه أنه قال : ينتهى لبّ الرجل إلى خمس وعشرين سنة،. وفسر الأشدّ بذلك فى قوله تعالى : حتى يبلغ أشدّه - وتصرّفه قبل ذلك نافذ، لأن المنع عنه للتأديب لاللحجر ، فلهذا نفذ تصرّفه فيه . ثم تفرّع المسائل على قولهما فنقول: إذا حجر القاضى عليه صار فى حكم الصبىّ ، إلا فى أشياء فانها تضحّ منه كالعاقل ، وهى : النكاح ، والطلاق ، والعتاق ، والاستيلاد ، والتدبير ، والوصية مثل وصايا الناس ، والإقرار بالحدود والقصاص ، لأنه من أهل التصرّفات لكونه مخاطبا، أما النكاح فهو من الحوائج الأصلية ، ويلزم بمثل مهر المثل لأنه لاغبن فيه ، ويبطل ما زاد عليه لأنه تصرّف فى المال وصار كالمريض المديون ، وإن كانت المرأة سفيهة فزوجت نفسها من كفء بأقلّ من مهر المثل جاز ، فإن كان أقلّ بما لايتغابن فيه الناس ولم يدخل بها يقال للزوج : إما أن تتمّ لها أو تفارقها ، لأن رضاها بالنقصان لم يصحّ ، ويخير الزوج لأنه مارضى بالزيادة ، وإن دخل بها لم يخير ووجب مهر المثل فلا فائدة فى التخيير . وأما الطلاق فلقوله عليه الصلاة والسلام (( كلّ طلاق واقع إلا طلاق الصبىّ والمعتوه)) ولأن كلّ من ملك النكاح وقع طلاقه والعتق لوجود الأهلية ، ويسعى العبد فى قيمته لمكان الحجر عن التبرّعات بالمال ، إلا أن العتق لا يقبل الفسخ فقلنا بنفاذه ، ووجوب السعاية نظرا للجانبين . وعن محمد أنه لا يسعى . وأما التدبير فلأنه يوجب حقّ العتق ، أو هو عتق من وجه ، فاعتبر بحقيقة العتق ، إلا أنه لا يسعى إلا بعد الموت ، فإذا مات ولم يؤنس رشده سعى فى قيمته مدبرا كأنه أعتقه بعد التدبير . وأما الاستيلاد فان وطئها فولدت وادّعاه ثبت نسبه لحاجته إلى بقاء النسل فلا تسعى إذا مات ، وكذلك إن أقرّ أنها أمّ ولده ومعها ولد ، وإن لم يكن معها ولد سعت فى قيمتها بعد الموت لأنه متهم فى ذلك فصار كالعتق . وأما الوصية فالقياسُ أن لاتصحّ لأنها تبرّع وهبة ، لكنا استحسنا ذلك إذا كانت مثل وصايا الناس، لأنها قربة يتقرب بها إلى الله تعالى وهو محتاج إليها سيما فى هذه الحالة . وأما الإقرار بالحدود والقصاص ، فلأن الحجر عن التصرّف فى المال لاغير وهو عاقل بالغ فيصحّ إقراره فيما لاحجر عليه فيه ، ويلزمه ٧° - الاختيار ـ- ثان - ١٨ - وَلَا يُحْجَرُ عَلَى الفَاسِقِ، وَلا عَلَى الْمَدْيُونِ، فانْ طَلَبَ غُرَمَاؤُهُ حَبْسَهُ، حَبَسَهُ حَتّى يَبِيعَ وَيُوَ فَّىَ الدَّيْنَ، فانْ كَان مالُهُ دَرَاهمَ أَوْ دَنانيرَ وَالدِيْنُ مِثْلُهُ قَضَاهُ القاضِى بَغْيْرِ أمْرِهٍ، وَإنْ كانَ أحَدُهُما دَرَاهمَ وَالآخَرُ دَنانيرٌ أوْ بالعَكْسِ باعَهُ القاضى فى الديْنِ، وَلا يَبِيعُ العُرُوضَ وَلَا العَقَارَ، وَقالا: يَبِيع وَعَلَيْهِ الفَتْوَى ، حقوق الله تعالى من الزكاة والكفارات والحجّ لأنه مخاطب، ولا حجر عن حقوق الله تعالى ، فتخرج عنه الزكاة بمحضر من القاضى أو أمينه احترازا من أن يصرفها فى غير مصرفها . وأما الكفارات فما للصوم فيه مدخل فيكفره بالصوم لاغير كابن السبيل المنقطع عن ماله ؛ ولو أعتق عن ظهاره نفذ العتق وسعى فى قيمته ، ولا يجزيه عن الظهار لأنه عتق ببدل كالمريض المديون إذا أعتق عن ظهاره ثم مات يسعى العبد للغرماء ولا يجزيه ، وكذا سائر الكفارات ؛ ولو كفر بالصوم ثم صلح قبل تمامه فعليه أن يكفر لزوال العجز . وأما الحجّ فان القاضى يسلم النفقة. إلى ثقة فى الحاجّ ينفقها عليه ، ولا يمنع من عمرة واحدة لوجوبها عند بعض العلماء ، ولا من القران لأنه أفضل وأثوب، ولأنه لا يمنع من كلّ واحدة منهما على الانفراد ، فكذا على الاجتماع وبل أولى لأنه أفضل ، وله أن يسوق البدنة لمكان الاختلاف ، فان عمر رضى الله عنه فسر الهدى بالبدنة ، ويلزمه حقوق العباد. "إذا تحققت أسبابها عملا بالسبب ، وكذلك النفقة على زوجته وولده وذوى أرحامه ، لأن السفه لا يبطل حقوق العباد ، ولأن نفقة الزوجة والأولاد من الحوائج الأصلية . قال ( ولا يحجر على الفاسق ) أما عنده فظاهر ، وأما عندهما إن كان مصلحا لماله ، لقوله تعالى - فان آنستم منهم رشدا - الآية ، وقد أونس منه نوع رشد وهو إصلاح المال فيتناوله النصّ، ولأن الحجر للفساد فى المال لافى الدين ؛ ألا ترى أنه لا يحجر على الذمىّ والكفرُ أعظم من الفسق . قال ( ولا) يحجر (على المديون) لما تقدّم فى الحجر على السفيه ( فان طلب غرماؤه حبسه حبسه حتى يبيع ويوفى الدين ) على الوجه الذى بيناه فى أدب القاضى ( فان كان ماله دراهم أو دنانير والدين مثله قضاه القاضى بغير أمره ) لأن ربّ الدين له أخذه بغير أمره ، فالقاضى يعينه عليه ( وإن كان أحدهما دراهم والآخر دنانير أو بالعكس باعه القاضى فى الدين ) والقياس أنه لا يبيعه كالعروض لأنه نوع حجر . وجه الاستحسان أنهما كجنس واحد نظرا إلى الثمنية والمالية وعدم التعيين ، بخلاف العروض لأنها مباينة للديون من كلّ وجه ، والغرض يتعلق بعين العروض دون الأثمان فافترقا ( ولا يبيع العروض ولا العقار) لأنه حجر عليه وهو تجارة لاعن تراض (وقالا : يبيع وعليه الفتوى ) وقال أبو يوسف ومحمد : إذا طلب الغرماء المفلس الحجر عليه حجر - ٩٩ - وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُفْلِسِ مالٌ فالحُكْمُ ما مَرَّ فى أدَبِ القاضِى، وَلا يَحُول بَيْنَهُ وَبْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الحَبْسِ يُلازِمُونَهُ، وَلا يَمْتَعُونَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ وَالسَّفَرِ، وَيَأْخُذُونَ فَضْلَ كَسْهِ يِقْتَسِمُونَهُ بَيَْنْهُمُ بالحِصَصِ القاضى عليه ومنعه من التصرّفات والإقرار حتى لايضرّ بالقرماء نظرا لهم ، لأنه ربما ألجأ ماله فيفوت حقهم ؛ ولا يمنع من البيع بمثل الثمن لأنه لا يبطل حقّ الغرماء، ويبيع ماله إن امتنع المديون من بيعه وقسمه بين الغزماء بالحصص ، لأن إيفاء الدين مستحق عليه ، فيستحقّ عليه البيع لإيفائه ، فإذا امتنع باع القاضى عليه نيابة كالجبّ والعنة ، ولأبى حنيفة ما مرّ ؛ وجوابهما أن التلجئة متوهمة فلا يبتنى عليها حكم متيقن وقضاء الدين مستحقّ عليه، لكن لانسلم تعيين البيع له ، بخلاف الجبّ والعنة ، وإنما يحبس ليوفى دينه بأىّ طريق شاء ، ثم التفريع على أصلهما أنه يباع فى الدين النقود ، ثم العروض ، ثم العقار لما فيه من المسارعة إلى قضاء الدين ومراعاة المدیون ، ويترك له ثیاب بدنه دستأو دستان، وإن أقرّ فى حال الحجر بمال لزمه بعد قضاء الديون ، لأن هذا المال تعلق به حقّ الأوّلين، ولأنه لو صحّ فى الحال لما كان فى الحجر فائدة حتى لو استفاد مالا بعد الحجر نفذ إقراره فيه لأنه لم يتعلق به حقهم ، ولو استهلك مالا لزمه فى الحال لأنه مشاهد لاراد له ، وينفق من ماله عليه وعلى زوجته وأولاده الصغار وذوى أرحامه ، لأنها من الحوائج الأصلية وأنها مقدّمة على حقهم ، ولو تزوّج امرأة فهى فى مهر مثلها أسوة بالغرماء . قال ( وإن لم يظهر للمفلس مال ، فالحكم ما مرّ فى أدب القاضى ) إلى أن قال خلى سبيله . قال ( ولا يحول بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس يلازمونه ولا يمنعونه من التصرّف والسفر ، ويأخذون فضل كسبه يقتسمونه بينهم بالحصص) قال عليه الصلاة والسلام (( لصاحب الحقّ اليد واللسان)) أى اليد بالملازمة، واللسان بالاقتضاء . وقال أبو يوسف ومحمد: إذا فلسه القاضى حال بينه وبين الغرماء ، إلا أن يقيموا البينة أنه قد حصل له مال ، وهذا بناء على صحة القضاء بالإفلاس فيصحّ عندهما فيستحقّ الإنظار، وعند أبى حنيفة لايصحّ لأن الإفلاس لا يتحقق ، فان المال غاد ورائح ، ولأن الشهادة شهادة على العدم حقيقة فلا تقبل ، ولأن الشهود لا يتحققون باطن أحوال الناس وأمورهم ، فربما له مال لا يطلع عليه أحد قد أخفاه خوفا من الظلمة واللصوص وهو يظهر الفقر والعسرة ، فإذا لازموه فربما أضجروه فأعطاهم ، والملازمة أن يدور معه حيث دار ، ويجلس على بابه إذا دخل بيته ، وإن كان المديون امرأة لايلازمها حذارا من الفتنة ويبعث امرأة أمينة تلازمها ، وبينة اليسار مقدّمة على بينة الإعسار لأنها مثبتة إذ الأصل الإعسار . - ١٠٠ - كتاب المأذون وَيَثْبُتُ بِالصَّرِيحِ وَبَالدَّلالَةِ (ز) كما لَوْ رَآهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِى فَسَكَتَ، وَسَوَاءٌ كَانَ البَيْعُ لِلْمَوْلى أَوْ لِيَغْرِهِ بِأَمْرِهٍ أوْ بِغَسْرِ أمْرِهِ صَحِيحًا أوْ فاسِدًا، وَيَصِيرُ مأذُونا بالإذْنِ العامّ والخَاصَ ، كتاب المأذون الإذن فى اللغة : الإعلام ، قال الله تعالى - وأذن فى الناس بالحجّ - أى أعلم ، ومنه الأذان ، لأنه إعلام بوقت الصلاة . وفى الشرع : فك الحجر وإطلاق التصرّف لمن كان ممنوعا عنه شرعا ، فكأنه أعلمه بفكّ الحجر عنه وإطلاق تصرّفه ، وأعلم التجار بذلك ليعاملوه ، وفاتدته اهتداء الصبىّ والعبد إلى إصدار التصرّفات واكتساب الأموال واستجلاب الأرباح ، وقد ندب اللّه تعالى إلى ذلك بقوله - وابتلوا اليتامى - أى اختبروهم بشىء تدفعونه إليهم ليتصرّفوا فيه فتنظروا فى تصرّفهم، والدليل على جوازه ما روى ((أن النبى عليه الصلاة والسلام كان يجيب دعوة المملوك)) ولا يجوز إجابة دعوة المحجور عليه ، فدل على جواز الإذن وعليه الإجماع ، ثم العبد بالإذن يصير كالأحرار فى التصرّفات لأنه كان مالكا للتصرّفات بأهليته بأصل الفطرة باعتبار عقله ونطقه الذى هو ملاك التكليف ، والحجر عليه إنما كان لحقّ المولى لاحتمال لحوق الضرر به بتعلق الدين برقبته أو بكسبه ، وكلّ ذلك ملك المولى ، فإذا أذن له فقد رضى بتصرّفه فيتصرّف باعتبار مالكيته الأصلية ، ولهذا قلنا إنه لا يتوقف ، لأن الإسقاطات لاتتوقف حتى لو أذن له يوما أو شهرا كان مأذونا مطلقا ما لم ينه ، وكذلك إذن القاضى والوصى لعبد اليتيم ، وكذلك للصبىّ الذى يعقل ، فان الحجر عليه إنما كان خوفا من سوء تصرّفه وعدم هدايته للأصلح ، فاذنهما لهما دليل صلاحية التصرّف فجاز تصرّفه . قال ( ويثبت بالصريح وبالدلالة كما لو رآه يبيع ويشترى فسكت ، وسواء كان البيع للمولى أو لغيره بأمره أو بغير أمره صحيحا أو فاسدا ) لأن سكوته عند هذه التصرّفات دليل رضاه ، كسكوت الشفيع عند تصرّف المشترى . وقال زفر: لايثبت بالدلالة لأن سكوته محتمل ، وصار كالوكيل. ولنا أن الناس إذا رأوه يتصرّف هذه التصرّفات والمولى ساكت يعتقدون رضاه بذلك ، وإلا لمنعه فيعاملونه معاملة المأذون ، فلو لم يعتبر سكوته رضى يفضى ذلك إلى الإضرار بهم ، فوجب أن يكون سكوته رضى دفعا للضرر عنهم . قال ( ويصير مأذونا بالإذن العام والخاصّ ) فالعامّ أن يقول لعبده: أذنت لك فى التجارة، وأذنت لك فى البيع والشراء،