النص المفهرس

صفحات 61-80

- ٦١ -
وإنْ كانَ بَعْدَ العَمَلِ فالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ، وَإذَا خَرَبَتِ الدَّارُ أَوْ
انْقَطَعَ شِرْبُ الضَّيْعَةِ أوْ ماءُ الرَّحَى انْفَسَخَ العَقْدُ، وَلَوْماتَ أحَدُهُمَا وَقَدْ
عَقَدَهَا لِنَفْسِهِ انْفَسَخَتْ، وَإِنْ عَقَدَهَا لِغْرِهِ لَمْ تَنْفَسِخْ.
وَتُفْسَخُ الإِجارَةُ بَالعُدْرِ ،
( وإن كان بعد العمل فالقول لصاحب الثوب ) لأنه منكر ، لأنه لاقيمة للعمل بدون
العقد ، وهذا قول أبى حنيفة . وذكر أبو الليت عنه فى العيون إن كانت الخياطة حرفته
فله أجر مثله عملا بالعرف ، وإلا فلا أجر له ويكون متبرّعا لما بينا . وقال أبو يوسف :
لاأجر له إلا أن يكون معاملة فيكون له الأجر جريا على عادتهما . وقال محمد : إن اتخذ
حانوتا وانتصب لهذه الصناعة فله الأجرة وإلا فلا ، وعليه الفتوى ، لأنه دليل على العمل
بالأجرة عرفا ، والمعروف كالمشروط . قال محمد : لو أمره أن ينقش اسمه على فصه
فنقش اسم غيره ضمنه ، لأنه فوّت غرضه وهو الختم فصار كالاستهلاك ؛ ولو استأجره
ليحفر له بثرا بأجر مسمى وسمى طولها وعرضها جاز ؛ وفى القبور يجوز وإن لم يبين
ذلك لأنه معلوم عرفا ، فإن وجد باطن الأرض أشدّ فليس بعذر ، وإن تعذّر الحفر
فهو عذر ولا يستحق" الأجر حتى يفرغ ، لأنه عمل واحد لا ينتفع به قبل التمام . قال (وإذا
خربت الدار ، أو انقطع شرب الضيعة أو ماء الرحى ، انفسخ العقد ) لفوات المعقود عليه
وهى المنفعة قبل القبض لما بينا أنها تحدث شيئا فشيئا ، وصار كموت العبد المستأجر ، وقيل
لاينفسخ لكن له الفسخ . قالوا : وهو الأصحّ فانه روى عن محمد نصا: لو انهدم البيت
المستأجر فبناه الآجر ليس للمستأجر أن يمتنع ، وذلك لأن أصل المعقود عليه لايفوت ،
لأن الانتفاع بالعرصة ممكن بدون البناء ، إلا أنه ناقص فصار كالعيب فيستحقّ الفسخ،
ولو وجد بها عيبا يخلّ بالمنافع كمرض العبد والدَّابة وندبها وانهدام بعض البناء فله الخيار ،
إن شاء استوفى المنفعة مع العيب ، ويلزمه جميع البدل لأنه رضى بالعيب ، وإن شاء فسخ
لأنه وجد العيب قبل القبض ، لأن المنفعة توجد شيئا فشيئا فكان له فسخه ، فان زال
العيب أو أزاله المؤجر فلا خيار له ( ولو مات أحدهما وقد عقدها لنفسه انفسخت ) لما مرّ
أنها تنعقد شيئا فشيئا فلا تبقى بدون العاقد (وإن عقدها لغيره لم تنفسخ ) كالوصىّ والولى
وقيم الوقف والوكيل لأنه نائب عنهم فكأنه معبر .
فصل
( وتفسخ الإجارة بالعذر ) والأصل فيه أنه متى تحقق عجز العاقد عن المضىّ فى مؤجب
العقد إلا بضرر يلحقه ، وهو لم يرض به يكون عذرا تفسخ به الإجارة دفعا للضرر .

- ٦٢ -
كَمَنِ اسْتَأْجَرَ حَانُوا لِيَتَّجِرَ فَأفْلَسَ، أوْ آَجَرَ شَيْئًا، ◌ُثْمَّ لَزِمَهُ دَيْنٌ وَلا
مالَ لَهُ سِوَاهُ؛ وكذلكَ إِنِ اسْتَأْجَرَ دابَّةٌ لِلسَّفَرِ فَبَدَا لَهُ تُفْسَخُ الإجارَةُ،
وَإِنْ بَدَا لِلْمُكَارِى فَلَيْسَ بِعُدْرٍ .
كتاب الرهن
وهل يشترط للفسخ قضاء القاضى ؟ ذكر فى الزيادات إن كان عذرا فيه شبهة كالدين
يشترط له القضاء ، وإن كان واضحا لا . وذكر فى المبسوط والجامع الصغير أنه ليس
بشرط ، وينفرد العاقد به وهو الصحيح ، لأنه فى معنى العيب قبل القبض على ما بيناه ،
وذلك كمن استأجر إنسانا ليقلع ضرسه فسكن وجعه ، أو ليقطع يده لأكلة فسقطت
الآ كلة فانه تفسخ الإجارة ، وهذا حجة على من يقول إنها لا تفسخ بالعذر ، و ( كمن
استأجر حانوتا ليتجر فأفلس ، أو آجر شيئا ثم لزمه دين ولا مال له سواه ) فان القاضى
يفسخها ويبيعه فى الدين ، لأن على تقدير عدم الفسخ يلزمه ضرر لم يلتزمه بالعقد ، وهو
حبسه على الدين والإجارة على تقدير الإفلاس فيفسخ دفعا للضرر ( وكذلك إن استأجر
دابة للسفر فبدا له (١) تفسخ الإجارة ) لأنه يلزمه الضرر بالمضىّ على العقد ، لأنه ربما أراد
التجارة فأفلس ، أو لطلب غريم فحضر ( وإن بدا للمكارى فليس بعذر ) لأنه يمكنه إنفاذ
الدوابّ مع أجيره فلا يتضرّر. وعن الكرخى : إن مرض المكارى فهو عذر ، لأنه لا يخلو
عن نوع ضرر فيعذر حالة الاضطرار لاحالة الاختيار ، وعلى ربّ الدار عمارتها وإصلاح
ميازيبها وبئر الماء وتنظيف البالوعة الممتلئة من أفعال المستأجر ، وكلّ ما يكون مضرًا
بالسكنى ، فإن لم يفعل فللمستأجر أن يخرج؛ وإن رأى هذه العيوب وقت الإجارة فلا خيار
له لأنه رضى بالعيب ، وعلى المستأجر رمى التراب والرماد المجتمع فى الدار من كنسه لأنه
ليس من باب السكنى ، كرى نهر رحا الماء على الآجر إلا أن يكون شرطه على المستأجر
کتاب الرهن
وهو فى اللغة: مطلق الحبس، قال الله تعالى - كل نفس بما كسبت رهينه -. وفى
الشرع : الحبس بمال مخصوص بصفة مخصوصة ، شرع وثيقة للاستيفاء ليضجر الراهن
بحبس عينه فيسارع إلى إيفاء الدين ليفتكها فينتفع بها ويصل المرتهن إلى حقه : ثبتت شرعيته.
بالكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب فقوله تعالى - فرهان مقبوضة - وأنه أمر بصيغة.
الإخبار نقلا عن المفسرين ، معناه : وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتبا فارتهنوا رهاذ
(١) قوله فبدا له: أى ظهر للمستأجر رأى غير الأوّل منعه من السفر اهمصححه.

- ٦٣ -
وَهُوَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ بِمَالِ مَضْمُون بِنَفْسِهِ يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُهُ مِنْهُ، وَلاَ يِمَّ
إلاَّ بالقَبْضِ أوْ بالتَّخْلِيَّةِ، وَقَبْلَ ذلكَ إنْ شاءَ سَلَّمَ وَإنْ شاءَ لا ،
مقبوضة وثيقة بأموالكم. والسنة ماروى (( أنه عليه الصلاة والسلام رهن درعه عند
أبى الشحم اليهودى بالمدينة)) وبعث صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملون فأقرّهم عليه ،
وعليه الإجماع . قال ( وهو عقد وثيقة ) لابدّ فيه من الإيجاب والقبول كسائر العقود .
قال ( بمال مضمون بنفسه ) أى بمثله ( يمكن استيفاؤه منه) على ما نبينه إن شاء الله تعالى
( ولا يتمّ إلا بالقبض ) قال الله تعالى - فرهان مقبوضة - وصفها بكونها مقبوضة فلا تكون
إلا بهذه الصفة ، ولأنه عقد تبرّع ، ألا ترى أنه لا يجبر عليه ، فيكون تمامه بالقبض كالهبة
( أو بالتخلية ) لقيامها مقامه كما فى البيع والهبة ( وقبل ذلك إن شاء سلم وإن شاء لا )
لما بينا أنه تبرّع ؛ ثم الرهن لا يخلو ، إما إن كان بدين وهو المثلى ، أو بعين وهو غير
المثلى ؛ فان كان بدين جاز على كلّ حال بأىّ وجه ثبت ، سواء كان من الأثمان أو من
غيرها ؛ وإن كان بعين فالأعيان على وجهين : مضمونة ، وغير مضمونة . فالمضمونة على
وجهين : مضمونة بنفسها ، ومضمونة بغيرها ؛ فالمضمون بنفسه : ما يجب عند هلاكه
مثله أو قيمته كالمغصوب والمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ، فيجوز الرهن بها
لأنها مضمونة ضمانا صحيحا يمكن استيفاء الدين منه ؛ والمضمون بغيرها كالمبيع فى يد البائع
فلا يجوز الرهن بها ، لأنه لا يجب بهلاكه حتى يستوفى من الرهن ، لأنه إذا هلك المبيع
يبطل البيع ويسقط الثمن فصار كما ليس بمضمون . والأعيان الغير المضمونة : وهى
الأمانات كالوديعة والعارية ومال المضاربة والشركة والمستأجر ونحوها لا يجوز الرهن بها ،
لأن الرهن مقتضاه الضمان على ما نبينه إن شاء الله تعالى ، وما ليس بمضمون لا يوجد فيه
معنى الرهن ، وقوله فى المختصر يمكن استيفاؤها منه احترازا عن هذا ، ولا يجوز بالشفعة
ولا بالدرك ولا بدين سيجب ، لأنه وثيقة بمعدوم ، ولا بالقصاص فى النفس وما دونها
لعدم التمكن من الاستيفاء ، ويجوز بجناية الخطأ ويكون رهنا بالأرش لأنه يمكن استيفاؤه ،
ولا يجوز بالكفالة بالنفس لتعذّر الاستيفاء ، ولا بأجرة النائحة والمغنية لأنه غير مضمون ،
ويجوز شرط الخيار للراهن لأنه لا يملك الفسخ فيفيد الشرط ، ولا يجوز للمرتهن لأنه يملك
الفسخ بغير شرط فلا يفيد ، ولا يجوز رهن ما لا يجوز بيعه كالحرّ والمدبر وأمّ الولد
والمكاتب والميتة والدم لأنه يمكن الاستيفاء منها فلا يحصل التوثق ، وكذا جذع فى سقف
وذراع من ثوب وأشباهه لما مرّ ، ولا يجوز للمسلم رهن الخمر والخنزير ، ويجوز للذمىّ ،
لأن الرهن والارتهان للوفاء والاستيفاء ، ولا يجوز للمسلم ذلك من الخمر ويجوز للذمىّ ،
ثم الرهن على ثلاثة أضرب : جائز ، وباطل وقد ذكرناهما . وفاسد وهو رهن المبيع
ورهن المشاع والمشغول بحقّ الغير، أو اشترى عبدا أو خلا ورهن بالثمن رهنا ثم ظهر

- ٦٤ -
وَلا يَصِحُّ إِلاَّ مُحُوزًا مُفْرَغا مُتَمَيِّزًا، فإذَا قَبَضَهُ الْمُرَّْهِنُ دَخَلَ فى ضَانِهِ:
العبد حرا والخلّ خمرا ، أو قتل عبدا فأعطاه بقيمته رهنا ثم ظهر حرا . قال القدورى
فى شرحه: يهلك بغير شيء ، لأن المبيع غير مضمون بنفسه ، والقبض لم يتمّ فى المشاع
والمشغول ، ولم يصحّ فى الحرّ والخمر كما لو رهنه ابتداء. ونصّ محمد فى المبسرط والجامع
أن المقبوض بحكم رهنّ فاسد مضمون بالأقلّ من قيمته ومن الدين ، لأن الرهن انعقد
المقابلة المال بالمال حقيقة فى البعض ، وفى البعض فى ظنهما لكنه فسد لنقصان فيه ، لأنه
لا يمكن استيفاؤه من الرهن فيكون مضمونا بالأقلّ منهما ، كالمقبوض فى البيع الكاسد
مضمون بقيمته فكذا هذا، إلا أنه يضمن الأقلّ منهما هنا؛ أما إذا كانت القيمة أقلّ
فظاهر ؛ وأما إذا كان الدين أقلّ فلأنه إنما قبضه ليكون مضمونا بالدين ، والمختار قول
محمد . قال ( ولا يصحّ إلا محوزا مفرغا متميزا ) فالمحوز المعلوم الذى يمكن حيازته ،
والمفرغ الذى لا يكون مشغولا بحقّ الغير ، والمتميز المقسوم الذى قد تميز عن بقية
الأنصباء ، لأن قبض الجزء الشائع لا يتصور بانفراده وقبض الكلّ لا يقتضيه العقد،
وكذا كونه مشغولا بحقّ الغير يخلّ بقبضه وحبسه ، وكذا المجهول لا يمكن قبضه ،
ومقصود الرهن وهو الاستيثاق لا يحصل إلا بالحبس الدّائم ، والحبس لا يتصوّر بدون
القبض، والقبض لا يمكن بدون هذا الأوصاف ، فلا يصحّ الرهن بدونها . قال ( فإذا
قبضه المرتهن دخل فى ضمانه) لما روى (( أن رجلا رهن فرسا له بدين فنفق ، فاختصما
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام للمرتهن: ذهب حقك))
وقال عليه الصلاة والسلام ((إذا عمى الرهن فهو بما فيه)) قالوا: معناه - والله أعلم - إذا
هلك فاشتبهت قيمته ؛ وقد نقل أصحابنا إجماع الأمة على أنه مضمون على اختلافهم فى كيفية
الضمان ، ولأنه لما ملك حبسه صار مستوفيا حقه من وجه لأنه الاستيفاء ليتوسل به إلى
حقه مخافة الجحود ، وقد تأكد هذا الاستيفاء بالهلاك ، فلو وفاه ثانيا يؤدى إلى الربا ،
ولا يمكنه المطالبة بحقه إلا أن ينقض القبض والحبس ويردّه إلى الراهن وأنه عاجز عنه
ففات شرط المطالبة فبطلت ؛ ومن ادعى أنه أمانة فقد خالف الإجماع وتعلقه بقوله عليه
الصلاة والسلام (( لا يغلق الرهن هو لصاحبه له غنمه وعليه غرمه )) لا حجة له فيه لأن معناه
لا يصير الرهن للمرتهن بدينه ولا يحبسه بحيث لا ينفك ، هذا معناه ، ويشهد له بيت
ابن زهير :
وفارقتك برهن لافكاك له يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا
أى محبوسا لافكاك له ، وكذا كانت عادتهم فى الجاهلية ، فقال عليه الصلاة والسلام
ذلك قلعا لهم عن العوائد الجاهلية ، لمافيه من تملك مال الغير بغير أمره وقوله (( له غنمه
وعليه غرمه)) أى إذا بيع ففضل من الثمن شىء فهوله ، وإن نقص فعليه أو له غنمه
١

- ٦٥ -
وَيَهْلِكُ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ حَتّى يُكَفِّنَّهُ، وَيَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيا مِن
مالِيَّتِهِ قَدْرَ دَيْنِهِ حُكْمًا وَالفاضِلُ أمانَةٌ، وَإنْ كانَ أَقَلَّ سَقَطَ مِنَ الدَّيْنِ
بِقَدْرِهِ، وَتُعْتبرَ القِيمَةُ يَوْمَ القَبْضِ، فَانْ أَوْدَعَهُ أَوْ تَصَرَفَ فِيهِ بِبَيْعِ
أوْ إجارَةٍ أوْ إعارَةٍ أَوْ رَهْنٍ وَتَحْوِهٍ ضَمِنَهُ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ، وَنَفَقَةُ الرَّهْنِ
وأُجْرَةُ الراعِىِ عَلَى الراهِنِ وَتَمَاؤُهُ لَهُ، وَيَصِيرُ رَهْنا مَعَ الْأصْلِ،
لسقوط الدين عنه بهلاكه وعليه غرمه ، وهو قضاء ما بقى من الدين إن لم يف به . وعن
علىّ رضى الله عنه فى مثله قال يترادّان الفضل. قال (ويهلك على ملك الراهن حتى يكفنه)
لأنه ملكه حقيقة ، وهو أمانة فى يد المرتهن حتى لو اشتراه لاينوب قبض الرهن عن قبض
الشراء ، لأنه قبض أمانة فلا ينوب عن قبض الضمان ، وإذا كان ملگه فمات کان عليه
كفنه. قال ( ويصير المرتهن مستوفيا من ماليته قدر دينه حكما والفاضل أمانة ، وإن كان
أقلّ سقط من الدين بقدره ) لأن المضمون قدر ما يستوفيه من الدين ، فعند زيادة قيمته
الزيادة أمانة ، لأنها فاضلة عن الدين وقد قبضها بإذن المالك ، وعند النقصان قد استوفى
قيمته فبقى الباقى عليه كما كان . قال ( وتعتبر القيمة يوم القبض ) لأنه يومئذ دخل فى ضمانه
وفيه يثبت الاستيفاء يدا ثم يتقرر بالهلاك ، ولو اختلفا فى القيمة فالقول للمرتهن لأنه ينكر
الزيادة ، والبينة للراهن لأنه يثبتها . قال (فإن أودعه أو تصرّف فيه ببيع أو إجارة أو إعارة
أو رهن ونحوه ضمنه بجميع قيمته) وكذا إذا تعدّى فيه كاللبس والركوب والسكنى
والاستخدام لأنه متعدّ فى ذلك إذ هو غير مأمور به من جهة المسالك والزائد على قدر الدين
أمانة ، والأمانات تضمن بالتعدى ، ولا ينفسخ عقد الرهن بالتعدّى ، ولأنه ما رضى
إلا بحفظه والناس يختلفون فيه فكان مخالفا ، بخلاف زوجته وولده وخادمه الذين فى عياله ،
لأن الإنسان إنما يحفظ ماله غالبا بهؤلاء ، فيكون الرضى بحفظه رضى بحفظهم ، ولأنه لابد
له من ذلك ، لأنه لا يمكنه ملازمة البيت ولا استصحاب الرهن ، فصار الحفظ بهؤلاء
معلومًا له فلا يضمن ؛ ولبس الخاتم فى خنصره تعدّ وفى غيرها حفظ ، والتقلد بالسيف
والسيفبن تعدّ للعادة وبالثلاث لا ؛ ووضع العمامة والطيلسان على الرأس كما جرت به العادة
تعد" ، ووضعهما على العاتق أو الكتف لا؛ والتعمم بالقميص ليس بتعدّ ؛ ووضع
الخلخال موضع السوار وبالعكس ليس بتعدّ ، ولبسهما موضعهما تعدّ. قال (ونفقة
الرهن وأجرة الراعى على الراهن ) وكذلك كل ما يحتاج إليه لبقاء الرهن ومصلحته ، لأنه
باق على ملكه وذلك مئونة الملك، والرعى من النفقة لأنه علف الحيوان والكسوة والظهر
وإصلاح شجر البستان وسقيها ، وجذاذ الثمرة من النفقة. قال ( ونماؤهُ لهُ ) لبقائه على
ملكه كالولد واللبن والسمن والثمرة ( ويصير رهنا مع الأصل ) لأن الرهن حقّ لارم
٥ - الاختیار - ثان

-٦٦ -
إلاَّ أنَّهُ إِنْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِغْيرِ شَىْءٍ، وَإِنْ بِىَ الَّمَاءُ وَهَلَكَ الْأصْلُ افْتَكُهُ
بحِصَّتِهِ، يُقَسَمُ الديْنُ عَلَى قِيمَنِهِ يَوْمَ الفَكَاكِ وَقِيمَةِ الْأصْلِ يَوْمَ القَبْضِ
وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَصْلِ، وتَجُوزُ الزّيَادَةُ فى الرَّهْنِ (ز) وَلا تَجُوزُ فى الدَّيْنِ (س)
وَلا يَصِيرُ الرَّهْنُ رَهْنا بِهِما، وأُجْرَةُ مَكانِ الِحِفْظِ عَلَى الْمُرْسِنِ، وَلَهُ أَنْ
يَحْفَظَهُ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِى فِى عِيالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أنْ
يَنْتَفِعَ بالرَّمْنِ،
فيسرى إلى التبع ( إلا أنه إن هلك يهلك بغير شىء ) لأنه لم يدخل تحت العقد مقصودا فلا
يكون له قسط من الدين ، ولأن المرتهن لم يقبضها بجهة الاستيفاء ولا التزم ضمانها فلا يلزمه
كولد المبيعة قبل القبض مبيع وليس بمضمون على البائع ، ولا معتبر بنقصان القيمة وزيادتها
لأن ذلك يختلف باختلاف رغبات الناس ، أما العين فلم تتغير ، والقبض ورد على العين
دون القيمة ، وغلة العقار وكسب الرهن ليس برهن لأنه غير متولد منه ولا بدل عنه
ككسب المبيع وغلته. قال ( وإن بقى النماء وهلك الأصل افتكه بحصته ) لأن الرهن مضمونه
بالقبض والزيادة مقصودة بالفكاك ، ومتى صار التبع مقصودا قابله شىء من البدل كو
المبيع . قال ( يقسم الدين على قيمته يوم الفكاك ، وقيمة الأصل يوم القبض ) لما بنا
( وتسقط حصة الأصل ) لما مرّ. قال (وتجوز الزيادة فى الرهن ولا تجوز فى الدين، والا
يصير الرهن رهنا بهما ) وقال أبو يوسف : تجوز الزيادة فى الدين أيضا ، لأن الدين والرعن
كالثمن والمبيع فتجوز الزيادة فيهما بجامع دفع الحاجة ، بدليل إقدامهما وصحة تصرّفهما .
ولنا أن الزيادة فى الرهن توجب شيوع الدين ، وذلك غير مانع من صحة الرهن ،
والزيادة فى الدين توجب شيوع الرهن لأنه لابد أن يقابله شىء من الرهن وشيوع
الرهن مانع من صحته على ما بينا . وقال زفر : لا يجوز فيهما ، أما فى الدين فلما قالا ، وأما
فى الرهن فلأنه جعله رهنا ببعض الدين فلا يجوز كما إذا جعله رهنا نكله ، فانه لو جعله
رهنا بكله لا يجوز حتى يردّ المرتهن الرهن الأوّل، وجوابه أن الزيادة تلحق بأصل العقد كما
مرّ فى البيع فيصير كأنه رهنهما من الابتداء. قال (وأجرة مكان الحفظ على المرتهن ) لأن
الحفظ عليه ليردّه إلى الراهن ليسلم له حقه فيكون عليه بدله أيضا ، وكذلك أجرة الحافظ
وجُعل الآبق ، لأنه يحتاج إلى إعادة يده ليردّه على مالكه فكان من مئونة الردّ فيجب عليه،
وإن كانت قيمته أكثر من الدين فعلى الراهن قدر الزيادة لأنها أمانة فتكون يده يد المالك
فتكون المئونة على المالك ، وهذا فى جعل الآبق ظاهر ، لأنه لأجل الضمان فيتقدّر بقدر
المضمون ؛ أما أجرة البيت فالجميع على المرتهن لأنه بسبب الاحتباس ، والحاس ثابت له
فى الكلّ، والخراج على الراهن لأنه مئونة ملكه . قال ( وله أن يحفظه بنفسه وزوجته وولده
وخادمه الذى فى عياله ) وقد تقدم . قال ( وليس له أن ينتفع بالرهن ) لأنه غير مأذون له

- ٦٧ -
فَإنْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فَهَلَكَ حالمَةَ الإِسْتِعْمالِ هَلَكَ أمانَةً.
وَيَصِحَّ رَهْنُ الدرَاهِمِ وَالدنانيرِ، فانْ رُهنَتْ بِجِنْسِها فَهَلَكَتْ سَقَطَ
مثْلُها مِنَ الديْنِ، وكذلكَ كُلُّ مَكيلٍ وَمَوْزُونٍ ، وَإِنِ اخْتَلَفا فى الجَوْدَةِ
وَالرَّدَاءَةٍ؛ وَيَصِحِ برأسِ مالِ السَّلَمِ وَبَدَلِ الصَّرْفِ، فانْ هَلَكَّ قَبْلَّ
الإِفْتَرَاقِ تَم الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ وَصَارَ مُسْتَوْفيا، وَإِنِ افْسَتَرَقَا وَالرِهْنُ قائمٌ
بَطَلًا؛ وَيَصِحُّ بالدَّيْنِ المَوْعُودِ، فإنْ هَلَكَ هَذَكَ بِمَا سَمَّى. وَمَنِ اشْتَرَى
شَيْئًا عَلَى أنْ يَرْهَنَ بِالثَّمَنِ شَيْئًا بعَيْنِهِ فَامْتَنَعَ لَمْ يُحْبَرْ، وَالبائعُ إِنْ شاءَ
تَرَكَ الرَّهْنَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ البَيْعَ. إلاَّ أنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ حالاً ،
فى ذلك ، وإنما له ولاية الحبس لاغير ( فإن أذن له الراهن فهلك حالة الاستعمال هلك
أمانة ) لأنه عارية على ما يأتى فى بابها ، وإن هلك قبل الاستعمال هلك مضمونا لبقاء يد
الراهن ، وكذا بعد الاستعمال لزوال يد العارية وعود يد الراهن
فصل
(ويصحّ رهن الدراهم والدنانير) لتحقق الاستيفاء منها فكانت محلا للرهن ( فإن رهنت
يجنسها فهلكت سقط مثلها من الدين ) لأن الاستيفاء حصل ، ولا فائدة فى تضمينه بالمثل
لأنه مثلى ثم يدفعه إليه قضاء ( وكذلك كلّ مكيل وموزون ، وإن اختلفا فى الجودة
والرداءة ) لأن الشرع أسقط اعتبار الجودة عند المقابلة بالجنس على ما مرّ فى البيوع. قال
( ويصحّ برأس مال السلم وبدل الصرف ) لتحقق الاستيفاء والمجانسة ثابتة فى المالية فلا يكون
استبدالا ( فان هلك قبل الافتراق تمَّ الصرف والسلم وصار مستوفيا ) لتحقق القبض حكما
(وإن افترقا والرهن قائم بطلا) لوجود الافتراق لاعن قبض وأنه شرط فيهما على ما عرف .
قال ( ويصحّ بالدين الموعود ، فإن هلك هلك بما سمى ) لأنه مقبوض على جهة الرهن ،
فيكون كالمقبوض على سوم الشراء . وصورته أن يرهنه شيئا على أن يقرضه درهما فيهلك
قبل القرض فعليه أن يعطيه درهما ، ولو قال على أن يقرضه شيئا ولم يسمّ فهلك أعطاه
ما شاء والبيان إليه ، لأن بالهلاك صار مستوفيا شيئا فيصير كأنه قال عند الهلاك : وجب
لفلان علىّ شىء، ولو قال بدراهم يلزمه ثلاثة لأنها أقلّ الجمع . وعن أبى يوسف لو
قال أقرضنى وخذ هذا الرهن ، ولم يسمّ فأخذه وضاع ولم يقرضه قال : عليه قيمة
الرهن . قال ( ومن اشترى شيئا على أن يرهن بالثمن شيئا بعينه فامتنع لم يجبر ) لما بينا
أنه عقد تبرّع ( والبائع إن شاء ترك الرهن ، وإن شاء ردّ البيع ) لأنه وصف
مرغوب فيه ، وقد فاته فيتخير . قال ( إلا أن يعطيه الثمن حالا ) لحصول المقصود

- ٦٨ -
أَوْ يُعْطِيَهُ رَهْنا مِثْلَ الأوَّلِ، وَإِنْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ بِدَيْنِ فَقَضَى حِصَّةَ
أُحَدِ هِما فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ حَّى يَقْضِىَ باقىَ الدَّيْنِ، وَإِنْ رَهَنَ عَيْنَا عِنْدَ
رجُلَيْنِ جازَ، وَالْمَضْمُونُ عَلَى كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّةُ دَيْنِهِ، فَإِنْ أَوْ فى
أحَدُهُمَا فَجَمِيعُها رَهْنٌ عِنْدَ الآخَرِ، وَلِلْمُرْ تَهِنِ مُطالَبَةُ الرَّاهِنِ وَحَبْسُهُ
بِدَيَنِهِ وَإنْ كانَ الرَّمْنُ فِى بَدِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُرْسَيِنِ أنْ يُمَكِّنَّهُ مِنْ بَيْعِهِ
لِقَضَاءِ الدَّيْنِ.
( أو يعطيه رهنا مثل الأول ) لحصول المعنى ، وهو الاستيثاق بمثله فى القيمة ، والقياس
أن لا يجوز هذا البيع لأنه صفقة فى صفقة ، وهو منهىّ عنه ، ولأنه شرط لا يقتضيه العقد
وفيه نفع لأحدهما ، وأنه يفسد البيع لما مرّ. ووجه الاستحسان أنه شرط يلائم العقد ، لأن
الرهن للاستيثاق ، وهو ملائم للوجوب فلا يفسده . قال ( وإن رهن عبدين بدين فقضى
حصة أحدهما فليس له أخذه حتى يقضى باقى الدين ) لأنه ثبت له حقّ الحبس فى الكلّ
للاستيثاق بالدين وبكلّ جزء منه ليكون أدعى إلى قضاء الدين ، فصار كالمبيع فى يد البائع،
وكذلك إن سمى لكل واحد منهما شيئا من الدين فى رواية الأصل . وذكر فى الزيادات :
له قبضه إذا أدّى ما سمّى له ، وهو قول محمد لأنه محبوس بالقدر الذى سماه له ، ولهذا
لو هلك هلك به . ووجه الأوّل أن الصفقة واحدة ، وإن عين لكلّ واحد منهما شيئا ،
ولهذا لو قبل العقد فى البعض دون البعض لا يجوز كما فى البيع . قال ( وإن رهن عينا عند
رجلين جاز ) لأنه أضاف الرهن إلى جميعها صفقة واحدة ، فيكون محتبسا بما رهنها به وهو
مما لا يقبل التجزئ فيكون محبوسا بكلّ واحد منهما ، فان تهايآ فكل واحد منهما فى حقّ
صاحبه كالعدل . قال ( والمضمون على كلّ واحد منهما حصة دينه ) لأنه بصير مستوفيا
حصته بالهلاك ( فإن أوفى أحدهما فجميعها رهن عند الآخر ) لأن جميعها رهن عند كلّ
واحد منهما من غير تفريق لما بينا وصار كحبس المبيع إذا أدّى أحد المشتريين حصته .
قال ( وللمرتهن مطالبة الراهن وحبسه بدينه وإن كان الرهن فى يده ) لبقاء حقه فى الدين
والرهن للاستيثاق فلا يمنع المطالبة ، فإذا طالبه ومطله فقد ظلمه ، فيحبسه القاضى جزاء
على الظلم ( وليس على المرتهن أن يمكنه من بيعه لقضاء الدين ) لأن حقه ثابت فى الحبس
حتى يستوفى دينه فلا يجب عليه إبطاله بالبيع ، إلا أنه يُؤْمَرُ باحضارِهِ لما بينا أن قبضه
قبض استيفاء ، فلو قبض دينه مع ذلك يتكرّر الاستيفاء على تقدير محتمل ، وهو الهلاك
فى يده ، وإذا أحضره قيل للراهن سلم الدين أوّلا ليتعين وهو نظير بيع السلعة بالثمن .
1

- ٦٩ -
فصل
فإذَا باعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجازَةِ الْمُرْ تَهِنِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ،
وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ الرَّهْنَ نَفَذَ عِشْقُهُ، فَهُطالَبُ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ إِنْ كَانْ حالاً ،
وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاَ رَهَنَ قِيمَةَ العَبْدِ، وَإِنْ كان مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فى الأقَلَ
مِنْ قِيمَتِهِ وَالدَّيْنِ،
فصل
( فإذا باع الراهن الرهن فهو موقوف على إجازة المرتهن أو قضاء دينه ) لتعلق حقه بحبسه
على ما بينا فيتوقف إبطاله على رضاه أو زوال حقه ، فاذا أجاز فقد رضى بزوال حقه
فى الحبس ، وإذا قضى دينه فقد زال حقه فى الحبس فعمل المقتضى عمله ، وهو صدور
الركن من الأهل مضافا إلى المحلّ ، ثم إذا أجاز البيع ونفذ انتقل حقه إلى بدله ، لأن له حكم
المبدل كالعبد المديون إذا بيع برضا الغرماء انتقل حقهم إلى بدله ، والفقه فيه أنه إنما رضى
بالانتقال دون السقوط ، وإن لم يجز البيع قيل ينفسخ كعقد الفضولى حتى لو استفكه الراهن
لاسبيل للمشترى عليه ، وقيل لاينفسخ. قالوا: وهو الأصحّ لأن التوقف إنما كان صيانة
لحقّ المرتهن عن البطلان وحقه فى الحبس، وذلك لا يمنع الانعقاد فيبقى موقوفا إن شاء
المشترى صبر حتى يستفكه الراهن ، وإن شاء فسخ القاضى لعجزه عن التسليم وصار كاباق
العبد بعد البيع قبل القبض ، فان المشترى يتخير كما ذكرنا . قال ( وإن أعتق العبد الرهن
نفذ عتقه ) لصدور ركن الإعتاق من الأهل مضافا إلى المحلّ ، ولا خفاء فيهما عن ولاية
وهى ملك الرقبة، فيعتق كما إذا أعتق المشترى قبل القبض والآبق والمغصوب . وإذا زال
ملكه عن الرقبة بالإعتاق زال ملك المرتهن فى اليد بناء عليه كالعبد المشترك وثم يزول ملك
الرقبة فلأن يزول هنا ملك اليد أولى ، بخلاف البيع والهبة فانه إنما يوقف لعدم القدرة
على التسليم ، ولأن فى نفاذ العتق تحصيل منفعة العبد والمولى وهو ظاهر من غير فوات مصلحة
المرتهن لأنه يجب له إما سعاية العبد ، أو رهنية قيمته ، أو أداء الدين حالا، ولو لم ينفذ العتق
بطلت مصلحة المعتق والمعتق لا إلى جابر، فكان نفاذه أتمّ مصلحة وأعمّ فائدة فكان أولى ،
وإذا نفذ العتق بطل الرهن لفوات محله ( فيطالب بأداء الدين إن كان حالا ) إذ هو الواجب
فى الديون الحالة ، ولافائدة فى طلب القيمة فانه متى قبضها والدين حالّ وقعت المقاصة (وإن
كان مؤجلا رهن قيمة العبد ) لقيامها مقام العبد ، فاذا حلّ الدين وهو من جنس حقه
اقتصّ منه بقدره ورد" الفضل (وإن كان معسرا سعى العبد فى الأقل" من قيمته والدين )

- ٧٠ -
وَيَرْجِيعُ عَلَى الْمَوْلَى إِذَا أَيْسَرَ، وَإِنِ اسَتَهْلَكَهُ أَجْنَىّ فالْمُرْتِهِنُ يُضَمَّنُه
قيمَّهُ يَوْمَ هَلَكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ (ف) بالرَّهْنِ، فانْ أعارَهُ الْمُرّتهنُ
فَقَبَضَهُ الرَّاهِنُ خَرَجَ مِنْ ضَانِهِ، فَلَوْ هَلَكَ فِى يَدِ الرَّاهنِ هَلَكَ بَغْرِ
شَىْءٍ، وَإِنْ وَضَعَاهُ عَلَى يَدٍ عَدْلِ جازَ، وَإِنْ شَرَطا ذلكَ فى العَقْدِ فَلَيْسَ
◌ُحَدِ هما أخْذُهُ، وَيَهْلكُ منْ ضَانِ المُرّْتهنِ ،
لأنه تعذر أخذ الحقّ من جهة المعتق، فيؤخذ ممن حصلت له فائدة العتق وهو العبد ،
لأن الخراج بالضمان ، ويسعى فى الأقلّ منهما، لأن الدين إن كان أقلّ فالحاجة تندفع
به ، وإن كانت القيمة أقلّ فهو إنما حصل له هذا القدر فلا تجب عليه الزيادة ( ويرجع
على المولى إذا أيسر ) لأنه اضطر إلى قضاء دينه بحكم الشرع فيرجع عليه ، خلاف
المستسعى ، لأنه يسعى لتحصيل العتق عند أبى حنيفة، ولتكميله عندهما، وههنا تمّ عتقه،
وإنما يسعى فى ضمان على غيره فيرجع كمعير الرهن ؛ ولو دبر الراهن الرهن أو كانت
أمة فاستولدها صح ؛ أما التدبير فلما مر ، وأما الاستيلاد فلأن حقه أقوى من حق الأب
فى جارية الابن وقد صح ثم فهنا أولى ، وحق المرتهن مجبور بالسعاية أو التضمين ، فإن
كان المولى موسرا فحكمه ما مرّ فى العتق ، وإن كان معسرا سعيا فى جميع الدين ،
لأن كسبهما للمولى ولهذا لا يرجعان عليه ، وإذا استهلك الراهن الرهن فهو كالعتق .
قال (وإن استهلكه أجنبى فالمرتهن يضمنه قيمته يوم هلك) فيكون رهنا مكانه
لأن حقه ثابت فى حبس العين ، فكذا فى بدله ، فان كانت قيمته يوم القبض
ألفا وضمنه خمسمائة سقط من الدين خمسمائة كأنها هلكت بآ فة سماوية . قال ( وليس له أن
ينتفع بالرهن ) لما فيه من تفويت حق المرتهن وهو الحبس الدائم الذى يقتضيه العقد
كما بينا . قال ( فإن أعاره المرتهن فقبضه الراهن خرج من ضمانه ، فلو هلك فى يد الراهن
هلك بغير شيء ) لزوال الحبس المضمون ووصوله إلى يد الراهن ، وله أن يسترجعه لبقاء
عقد الزاهن ؛ ولهذا لو مات الراهن قبل ردّه فالمرتهن أحقّ به من سائر الغرماء ، وإذا
أخذه عاد الضمان بعود القبض فى عقد الرهن فتعود صفته . قال ( وإن وضعاه على يد عدل
جاز ) لأنه نائب عن الراهن فى الحفظ وعن المرتهن فى الحبس ، ويجوز أن تكون اليد
الواحدة فى حكم يدين وشخص واحد بمنزلة شخصين ، كمن عجل الزكاة كان الساعى
كالمالك حتى لو هلك النصاب قبل الحول أخذه من يده ، وفى منزلة الفقير حتى او
هلكت فى يده سقطت كما لو دفعها إلى الفقير ( وإن شرطا ذلك فى العقد فليس لأحدهما
أخذه) لتعلق حقهما به الراهن فى الحفظ والمرتهن فى الاستيفاء ، ولا يملك أحدهما إبطال
حقّ الآخر. قال ( ويهلك من ضمان المرتهن). لأن يده يد المرتّن وهى مضمونة فى حق

- ٧١ -
وَيَحُزُ أنْ يُوَكَّلَ الْمُرْتَهِنَ وَغْيْرَهُ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ، فإنْ شَرَطَهَا فِى عَقْد
الرَّهْنِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَلا بِعَزْلِهِ؛ وَإِذَاَ ماتَ الرَّاهِنُ باعَ وَصِيُّهُ
الرَّمْنَ وَقَضَى الدَّيْنَ، فانْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيِّ نَصَبَ القَاضِى مَنْ يَفْعَلُ ذلكَ؛
وَمَنِ اسْتَعَارَ شَيْئا لِيَرْهَنَهُ جازَ، وَإِنْ لَم يُسَمّ ما يَرْهَنُهُ بِهِ، فانْ عَّيْنَ
ما يَرْهَنُهُ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ وَلا يَنْقُصَ.
المالية ، ولو دفعه إلى أحدهما ضمن لأنه مودع الراهن فى العين ، والمرتهن فى المالية
وكلّ واحد منهما أجنبى عن الآخر فيضمن كالمودع إذا دفعه إلى أجنبى ، والعدل يبيع
ولد المرهونة ويجبر على البيع عند طلب المرتهن ، ولا ينعزل بعزل الموكل وموته ، ويملك
مصارفة الثمن إذا خالف جنس الدين ، والوكيل المفرد لا يملك شيئا من ذلك . قال ( ويجوز
أن يوكل المرتهن وغيره على بيع الرهن) لأنه أهل للتوكيل وقد وكل ببيع ماله ( فإن
شرطها فى عقد الرهن لم ينعزل بموت الراهن ولا بعزله ) لأن الوكالة صارت وصفا للرهن
بالشرط فتبقى ببقاء أصله وقد تغلق به حقّ المرتهن ، وليس للراهن إبطاله ولا للورثة
لتقدّم حقه على حقهم وبقاء الرهن بعد موته ، ولو شرط البيع بعد الرهن ، قال الكرخى
ينعزل بالعزل والموت لعدم اشتراطه فى العقد . وعن أبى يوسف أنه لا ينعزل ، واختاره
بعض المشايخ . قال ( وإذا مات الراهن باع وصيه الرهن وقضى الدين ) لأن الدين
حلّ بموته والوصى قائم مقامه ، ولو كان الراهن حيا كان له بيعه لإيفاء الدين بأمر
المرتهن فكذا هذا. ( فإن لم يكن له وصى نصب القاضى من يفعل ذلك ) لأنه نصب لصالح
المسلمين والنظر لهم عند عجزهم والنظر فيما ذكرنا ، لأنه يحتاج إلى قضاء ما عليه من
الديون الحائلة بينه وبين الجنة . قال ( ومن استعار شيئا ليرهنه جاز ، وإن لم يسمّ ما يرهنه
به ) لأن الإطلاق فى العارية معتبر لأنه لا يفضى إلى المنازعة ، وله أن يرهنه بأى قدر شاء
وأىّ نوع شاء ممن شاء عملا بالإطلاق ( فإن عين ما يرهنه به ، فليس له أن يزيد عليه
ولا ينقص ) أما الزيادة فلأنه ربما احتاج المعير إلى فكاك الرهن فيؤدى قدر الدين وما
رضى بأداء القدر الزائد على ما عينه ، أو لأنه يتعسر عليه ذلك فيتضرّر به ؛ وأما النقصان
فلأن الزائد على قدر الدين يكون أمانة وما رضى إلا أن يكون مضمونا كله ، فكان التعيين
مفيدا فيتقيد به ، وإن رهنه بجنس آخر ضمن لأنه لم يرض به ؛ وكذا لو عين رجلا فرهن
عند غيره لتفاوت الناس فى الحفظ والملاءة والقضاء ؛ وكذلك لو قیده ببلدة فر مه بأخرى
ضمن ، والمعير إن شاء ضمن الراهن لتعدّيه حيث خالف ، وإن شاء المرتهن لأنه قبض
ماله بغير أمره ، فان ضمن الراهن ملك الرهن فصار كأنه رهن ملكه فتترتب عليه أحكامه
وإن ضمن المرتهن رجع بدينه وبما ضمن على الراهن لأنه بسببه وغروره ، ولو رهنه بما

- ٧٢ -
كتاب القسمة
عين فهلك فى يد المرتهن صار مستوفيا دينه لما تقدّم ، وعلى الراهن للمعير مثله ، لأنه.
صار قاضیا دينه فيرجع بمثله : ولو دخله عيب نقص من الدين بحسابه ويضمنه لرب
العارية ؛ ولو كانت قيمته أقل من الدين ضمن الراهن للمعين قيمته ، لأنه صار قاضيا
من دينه بقدرها ؛ ولو هلك عند المستعير قبل الرهن أو بعد الفكاك لا يضمن ، لأنه
قبضه باذن المالك ولم يقض دينه منه ؛ وإذا أعطى المعير الدين ليأخذ الرهن أجبر المرتهن
على دفعه إليه ، ورجع بذلك على الراهن لأنه غير متبرع فى ذلك حاجته إلى خلاص ملكه
ولو اختلفا فى مقدار ما أمره به فالقول للمعبر ، لأنه منه يستفاد ، ألا يرى أن له إنكار
الأصل فكذا الوصف .
فصل
جناية الراهن على الرهن مضمونة ، لأنه كالأجنبى فى المالية حيث تعلق بها حقّ الغير
حبسا واستيفاء ، وجناية المرتهن يسقط من الدين بقدرها ، لأنه لو نقص لا بفعله يسقط
فبفعله أولى ، وجناية الرهن على الراهن وماله هدر ؛ والمراد جناية توجب المال لأنها جناية
المملوك على مالكه ، وكذلك جنايته على المرتهن ، لأنها لو اعتبرت كان عليه تطهيره منها
لحدوثها فى ضمانه ، ولا يجب له الضمان ، وعليه الخلاص لعدم الفائدة . وقال أبو يوسف
ومحمد : هى معتبرة لأنها على غير المالك ، وفى اعتبارها فائدة وهى دفعه إلى الجناية ،
ويبطل الرهن ، وإن لم يطلب المرتهن الجناية بقى رهنا على حاله ، وإن جنى على ماله
وقيمته والدين سواء لا يعتبر بالإجماع لعدم الفائدة ، وإن كانت القيمة أكثر فكذا عند
أبى حنيفة ، وعنه أنه يعتبر بقدر الأمانة الجناية الوديعة على المستودع .
كتاب القسمة
وهى فى الأصل : رفع الشيوع وقطع الشركة ، قال الله تعالى - ونبهم أن الماء قسمة
بينهم - أى غير شائع ولا مشترك ، بل لهم يوم والناقة يوم ؛ ومعنى قسمة رسول الله صلى
الله عليه وسلم الغنائم أنه أفرزها وقطع الشركة فيها ، وهذا المعنى مرعىّ فى التبرّع ، إلا أنه
تارة يقع إفرزا وتمييزا للأنصباء ، وتارة مبادلة ومعاوضة على ما نبينه إن شاء الله تعالى ،
وهى مشروعة بالكتاب وهو قوله تعالى - واعلموا أنما غنمتم من شىء - الآية ، بين
الأنصباء وهو معنى القسمة . والسنة وهو أنه عليه الصلاة والسلام قسمَ الغنائم والمواريث ،
وقسم خيبر بين أصحابه، وعلىّ رضى الله عنه نصّب عبد الله بن يحيى ليقسم الدور والأرضين
ويأخذ عليه الأجر ، وعليه إجماع المسلمين ، ولأن المشترك قد لا يمكنهما الانتفاع به ؛
١

- ٧٣ -
مَْعَى الإِفْرَازِ فيما لا يَتَفَاوَتُ أَظْهَرُ كالمَكِيلِ وَالمَوْزُونِ، وَمْعَنِى المُبادَلَةِ
فِيمَا يَتَفَاوَتُ أَظْهَرُ كالحَيَوَانِ وَالعَقَارِ، إلاَّ أنَّهُ يُجَْبرُ المُمْتَنِعُ مِنْهُمَا عَلَى
القِسْمَةِ إِذَا أَتَحَدَ الجِنْسُ، وَلاَ يُجَْبَرُ عِنْدَ اخْتِلافِ الجَنْسِ، وَلَوِ اقْتَسَمُوا
بِأَنْفُسِهِمْ جازَ، وَيَقْسِمُ عَلَى الصَِّّ وَصِيُّهُ أَوْ وَلَيُّهُ؛ وَيَنْبَغِى لِلْقَاضِى
أنْ يَنْصِبَ قاسياً عَدْلاً مَأْمُونا عاِمَاً بالقِسْمَةِ يَرْزُقُهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، أَوْ
يُقَدَّرُ لَهُ أجْرًا بَأْخُذُهُ مِنَ الْمُتَقَاسِينَ، وَهُوَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ (سم) ،
فمست الحاجة إلى القسمة ليصل كلّ واحد إلى المنفعة بملكه ، أو لأنه لا يمكنه الانتفاع إلا
بالتهايو فيبطل عليه الانتفاع فى بعض الأزمان ، فكانت القسمة متممة للمنفعة ، وقد ذكرنا
أن القسمة تكون إفرازا وتكون مبادلة فنقول ( معنى الإفراز فيما لايتفاوت أظهر كالمكيل
والموزون ) وسائر المثليات حتى كان لكلّ واحد أن يأخذ نصيبه بغير رضى صاحبه ومع
غيبته ، ويبيعه مرابحة وتولية على نصف الثمن ، ولا يخلو عن معنى المبادلة أيضا ، لأن
ما حصل له كان له بعضه وبعضه لشريكه ، إلا أنه جعل وصول مثل حقه إليه كوصول
عين حقه لعدم التفاوت ( ومعنى المبادلة أظهر فيما يتفاوت كالحيوان والعقار ) وكل
ما ليس بمثلى حتى لايكون لأحدهما أخذ نصيبه مع غيبة الآخر ، ولو اقتسما فليس
له بيعه مرابحة ، لأن ما أخذ ليس بمثل لما ترك على صاحبه ( إلا أنه يجبر الممتنع منهما على
القسمة إذا اتحد الجنس ) كالإبل والبقر والغنم تتميما للمنفعة وتكميلا ثمرة الملك ، فان الطالب
يسأل القاضى أن يخصه بنصيبه ويمنع غيره من الانتفاع به فيجيبه القاضى إلى ذلك ، لأنه
نصب للمصالح ودفع المظالم ، والإجبار على المبادلة جائز إذا تعلق بها حقّ الغير كالمشترى
مع الشفيع والمديون يجبر على بيع ملكه لإيفاء الدين ( ولا يجبر عند اختلاف الجنس )
كالحيوان مع العقار ، أو البقر مع الخيل ونحو ذلك ، لتعذّر المعادلة فيه للتفاوت الفاحش
بينهما فى المقصود ، وكذلك الثياب إذا اختلفت أجناسها ، والثوبان إذا اختلفت قيمتهما
( ولو اقتسموا بأنفسهم جاز) لأنه بيع ولهما ذلك . قال ( ويقسم على الصبىّ وصيه أو وليه)
كالبيع وسائر التصرّفات ، فإن لم يكن نصب له القاضى من يقسم . قال ( وينبغى للقاضى
أن ينصب قاسما عدلا مأمونا عالما بالقسمة ) لأنه لاقدرة له على العمل إلا بالعلم به ، ولا
اعتماد على قوله إلا بالعدالة ، ولا وثوق إلى فعله إلا بالأمانة ، ولأنه يحكم عليهم بفعله فأشبه
القاضى ، فينبغى أن يكون بهذه الصفات . قال ( يرزقه من بيت المال ) لأن فعله يقطع
المنازعة كالقضاء ، فينبغى أن يكون رزقه من بيت المال كالقاضى ، ولأنه أنفى للتهمة فكان
أفضل ، ولأنه أرفق بالعامة . قال ( أو يقدّر له أجرا يأخذه من المتقاسمين ) لأنه يعمل لهم
وإنما يقدره لئلا يطلب زيادة ويشتطّ عليهم فى الأجر . قال ( وهو على عدد رءوسهم )

- ٧٤ -
وَلا يُحْسَبَرُ النّاسُ عَلَى قاسمٍ وَاحِدٍ، وَلا يَتْرُكُ القُسَّمَ يَشْتَرِكُونَ. جَمَاعَةٌ
فى أَيْدِ يهِمْ عَقَارٌ طَلَبُوا مِنَ القاضِى قِسْمَتَهُ، وَادَّعُوا أنَّهُ مِيرَاثٌ لَمْ يَقْسِمْهُ
حَتّى يُقِيمُوا الْبَيِّنَّةَ (ف) عَلَى (سم) الوَفَاةِ وَعَدَدِ الوَرَثَةِ، فانْ حَضَرَ وَارِثانِ
فأقاما البَيِّنَةَ عَلَى الوَفَاةِ وَعَدَدِ الوَرَثَّةِ وَمَعَهَّمَا وَارِثَّ غَائِبٌ فَسَمَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ أنْ
وقالا: على الأنصباء لأنها مئونة الملك فيتقدّر بقدره ، فصار كحافر بئر مشتركة ونفقة
المملوك المشترك . ولأبى حنيفة أنه جزاء عمله وهو التمييز والإفراز ، ويستوى فيه القليل
والكثير . بيانه أنه لا يأخذ الأجر على المساحة والمشى على الحدود ، حتى لو استعان فى ذلك
بأرباب الملك فله الأجر إذا قسم وميز، وربما يكثر عمله فى القليل لأن الحساب إنما يدقّ
ويصعب عند تفاوت الأنصباء لا عند استوائهما ، بخلاف حفر البئر فإن الأجرة مقابلة
بالعمل وهو نقل التراب ، ونفقة المملوك لإبقاء الملك وحاجة صاحب الكثير أكثر ،
وبخلاف الكيلى والوزنى لأنه أجر عمله ، ولهذا لو استعان فى ذلك بأرباب الملك لا أجر
له، وكيل الكثير أكثر من كيل القليل قطعا . وروى عن أبى حنيفة أن الأجر على الطالب
لأنه هو المنتفع به دون الممتنع لتضرّره به . قال ( ولا يجبر الناس على قاسم واحد) معناه
إذا لم يقدّر أجره لأنه يتعدى أجر مثله ويتحكم فى طلب الزيادة وأنه ضرر . قال ( ولا
يترك القسام يشتركون ) لأن عند الاشتراك لا يخافون الفوت فيتغالون فى الأجر ، وعند
عدم الاشتراك يخاف الفوت بسبق غيره فيبادر إلى العمل فيرخص الأجر . قال ( جماعة
فى أيديهم عقار طلبوا من القاضى قسمته ، وادّعوا أنه ميراث لم يقسمه حتى يقيمو!
البينة على الوفاة وعدد الورثة ) وقالا : يقسمه باعترافهم ، ويذكر فى كتاب القسمة أنه قسمه
بقولهم ، ولا يحتاج إلى بينة لأن اليد دليل الملك ، والظاهر صدقهم ولا منازع لهم كما
فى غير العقار ؛ وكما إذا ادعوا فى العقار الشراء أو مطلق الملك ، فإنه يقسمه فى هذه الصور
بالإجماع ؛ وكذا لو كان فى الورثة كبير غائب أو صغير والدار فى أيدى الكبار الحضور
يقسمها بقولهم ، ويعزل نصيب الصغير والغائب إلا أن يكون العقار فى يد الغائب أو
الصبى ، فلا بدّ من حضورهما لئلا يكون قضاء على الغائب والصبى ، وإنما يذكر أنه
قسمها بقولهم لئلا يتعدّاهم الحكم . ولأبى حنيفة أن التركة قبل القسمة مبقاة على
حكم ملك الميت ، لأن الزوائد المتولدة منها تحدث على ملكه حتى يقضى منه ديونه وتنفذ
وصاياه ، فلا يجوز للقاضى قطع حكم ملكه إلا ببينة ، بخلاف المنقول لأنه يحتاج إلى
الحفظ ، فكانت قسمته للحفظ والعقار محفوظ بنفسه ، وبخلاف المشترى لأن ملك البائع
انقطع عن المبيع فلم تكن القسمة قضاء على الغير ، وكذا إذا أطلقوا الملك لأنهم ما اعترفوا
به لغيرهم . وفى الجامع الصغير شرط إقامة البينة عند الإطلاق ، لأن قسمة الحفظ
لا يحتاج إليها فى العقار، وقسمة الملك تفتقر إلى ثبوته فاحتاج إلى البينة . قال ( فإن حضر
وارثان فأقاما البينة على الوفاة وعدد الورثة ومعهما وارث غائب قسمه بينهم إلا أن

- ٧٥ -
يَكُونَ العَقَارُ فى يَدِ الغائِبِ، وفى الشِّرَاءِ لايَقْسِمُهُ إِلاَّ بِحَضْرَةِ الجَميعِ، وَإِنْ
حَضَرَ وَارِثٌ وَاحِدٌ لَمْ يَقْسِمْ وَإِنْ أقامَ البَيِّنَة .
وَإِذَا طَبَ أحَدَ الشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةَ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِنَصِيِبِهِ قَسَ
بَيَْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا يَسْتَضِيرُونَ لايَقْسِمُ، وَإنْ كانَ أحَدُهُما يَنْتَفِعُ
بِنَصِيبِهِ وَالْآخَرُ يَسْتَضِرُّ قَسَمَ بِطَلَبِ الْمُنْتَفِعِ، وَلا يُقْسَمُ الجَوْهَرُ
وَالرَّقِيقُ (ف سم)، وَالحَمَّامُ والحائِطُ وَالبِتْرُ بْنَ دارَيْنِ وَالرَّحَى إِلاَّ بِتَرَاضِيهِمْ،
يكون العقار فى يد الغائب) لما مرّ (وفى الشراء لا يقسمه إلا بحضرة الجميع ) والفرق
أن ملك الوارث ملك خلافة حتى ينتقل إليه خيار العيب والتعيين فيما اشتراه المورث أو باعه
فيكون أحدهما خصما عن الميت فيما فى يده والآخر عن نفسه ، وفى الشراء ملك؛ مبتدأ
حتى ليس له الردّ بالعيب على بائع بائعه ، ولا يصلح الحاضر خضما عن الغائب فافترقا .
قال ( وإن حضر وارث واحد لم يقسم وإن أقام البينة ) لأن الواحد لا يكون خصما
ومقاسما من جهتين ولا بدّ من حضور خصمين .
فصل
( وإذا طلب أحد الشركاء القسمة وكلّ منهم ينتفع بنصيبه قسم بينهم ) لما بينا (وإن
كانوا يستضرون لا يقسم) اعلم أن القسمة على ضربين : قسمة يتولاها الشركاء بأنفسهم
فتجوز وإن كان فيها ضرر ، لأن الحق لهم والإنسان مخير فى استيفاء حقه وإبطاله ما لم
يتعلق به حق الغير ، وقسمة يتولاها الحاكم أو أمينه فتجوز فیما فيه مصلحة لا فيما فيه ضرر
عليهم ولا فيما لا فائدة فيه كالحائط والبئر ، لأن القاضى نصب لإقامة المصالح ودفع
المضارّ ، فلا يجوز له فعل الضرر والاشتغال بمالا يفيد من قبيل الهزل ، ومنصبه منزه عن
ذلك ، ولأن مالا فائدة فيه ليس فى حكم الملك ، فليس على القاضى أن يجيبه إليه ، فان طلبا
القسمة من القاضى فى رواية لا يقسم لما بينا ، وفى رواية يقسم لاحتمال أن يكون لهما منفعة
لا تظهر لنا فانما يحكم بالظاهر ( وإن كان أحدهما ينتفع بنصيبه والآخر يستضرّ قسم
بطلب المنتفع ) لأنه ينفعه فاعتبر بطلبه ، وإن طلب الآخر ذكر الكرخى أنه لا يقسم لأنه
متعنت لا منظلم . وذكر الحاكم فى مختصره أنه يقسم أيهما طلب وهو الأصحّ ، لأن
الامتناع إنما كان للضررولااعتبار للضرر مع الرضى كما إذا اقتسما بأنفسهما . قال ( ولا
يقسم الجوهر والرقيق والحمام والحائط والبئر بين دارين والرحى إلا بتراضيهم) وكذا كل
مافى قسمته ضرر كالبيت الصغير والباب والخشبة والقميص، وقد تقدّم ما فيه من التفصيل
والروايات والتعليل ، ولأنه لابدّ فى القسمة من التعديل ولا يمكن فى البعض كالجوهر والرقيق

- ٧٦ -
وَيُقْمُ كُلُ وَاحِدٍ مِنَ الدُّورِ والأَرَاضِى وَالْحَبَوَانِيتِ وَحْدَهُ، وَنُفْسَمُ الْبُيُوتُ
قِسْمَةً وَاحِدَةً ،
لتفاوتهما ، وقالا : يقسم الرقيق لأنه جنس واحد كغيره من الحيوان وكرقيق المغنم ..
ولأبى حنيفة أنهم بمنزلة أجناس مختلفة لتفاوتهم فى المعانى الباطنة المطلوبة من الذكاء والعقل
والهداية إلى تعليم الحرف تفاوتا فاحشا ، وغيرهم من الحيوان يقلّ التفاوت بينهما عند
اتحاد الجنس ، ألا ترى أن الذكر والأنثى جنس واحد فى سائر الحيوانات ، وهما جنسان
فى بنى آدم ؟ ولأن المقصود من غيرهم من الحيوانات وما بينهما من التفاوت يعرف بالظاهر
والجسّ والركوب والاختبار فى يوم واحد بل فى ساعة واحدة ، ولا كذلك بنو آدم ؛
وأما رقيق المغنم فان حقّ الغانمين فى المالية ، ولهذا جاز للإمام بيعها وقسمة ثمنها ، وهنا
الحقّ تعلق بالعين والمال فافترقا. قال (ويقسم كلّ واحد من الدور والأراضى والحوانيت
وحده ) لأنها أجناس مختلفة نظرا إلى اختلاف المقاصد ، وإن كانت دور مشتركة فى مصر
واحد أو أرض متفرّقة قسم كل دار وأرض على حدتها عند أبى حنيفة وقالا : يقسم بعضها
وفى بعض إن كان أصلح لأنها جنس واحد صورة ومعنى نظرا إلى المقصود وهو أصل
السكنى والزرع ، وهى أجناس معنى نظرا إلى وجوه السكنى واختلاف الزرع ، فكان
مفوّضا إلى نظر القاضى يعمل ما يترجح عنده . وله أنه لا يمكن التعديل فيها لكونها مختلفة
باختلاف البلدان والجوار والقرب من المسجد والماء والشرب وصلاحيتها للزراعة اختلافا
بينا ، ولو كانت داران فى مصر قسم كلّ واحدة وحدها بالإجماع . وعن محمد لو كانت
إحداهما بالرقة والأخرى بالبصرة قسمت إحداهما فى الأخرى . قال ( وتقسم البيوت قسمة
واحدة ) أما إذا كانت فى دار واحدة فلأن قسمة كل بيت بانفراده ضرر ، وإن كانت
فی محلة أو محالّ فالتفاوت بينهما یسیر لأنه لاتفاوت فى السكنی ؛ والمنازل إن کانت فى دار
واحدة متلازقة كالبيوت وإن كانت متفرّقة تقسم كالدور سواء كانت فى دار أو محالّ
لأنها تتفاوت فى السكنى ، لكن دون الدور فكان لها شبه بكل واحد منهما ، فاذا كانت
ملتزقة ألحقناها بالبيوت ، وإن كانت متباينة بالدور؛ وإذا قسم الدار تقسم العرضة بالذراع
والبناء بالقيمة ؛ ويجوز أن يفضل بعضها على بعض تحقيقا للمعادلة فى الصورة والمعنى
أو فى المعنى عند تعذّر الصورة ؛ ولواختلفا فقال بعضهم : نجعل قيمة البناء بذراع من
الأرض وقال الآخر بالدراهم ، فالأوّل أولى لأنه إنما يقسم الميراث والدراهم ليست من
الميراث ، إلا إذا تعذّر بأن تكون قيمة البناء أضعاف قيمة الأرض ، أو يقع لأحدهما جميع
البناء فيجعل القسمة فى البناء على الدراهم لأنه ثبتت له القسمة فيتعدّى إلى ما لا يتأتى إلا به
كالأخ ولايته على النكاح دون المال ، وله تسمية الصداق لما قلنا ، وهذا مروىّ عن
محمد . وعن أبى يوسف يقسم الكلّ باعتبار القيمة لتعذّر التعديل إلا بالقيمة . وعن

- ٧٧ -
وَيَقْسِمُ سَهْسَيْنٍ مِنَ الغُلْوِ بِسَهْمٍ مِنَ السُّفْلِ (سم)، وَلا تَدْخُلُ الدَّرَاهِمُ
فى القِسْمَةِ إلاَّ بتراضيهِمْ.
أبى حنيفة أنه تقسم الأرض بالمساحة على الأصل فى المسوحات ، فمن كان نصيبه أجود
أو وقع له البناء يردّ على الآخر دراهم حتى يساويه فتدخل الدراهم فى القسمة ضرورة
كولاية الأخ ، وقول محمد أحسن وأوفق للأصول ؛ ولو اختلفوا فى الطريق فقال بعضهم
ترفع طريقا بيننا وامتنع الآخر ، فإن كان يستقيم لكل واحد طريق فى نصيبه قسم بينهم
بغير طريق ، وإن كان لا يستقيم رفع بينهم طريق ولا يلتفت إلى الممتنع لأنه تكميل المنفعة
وتوفيرها ، ويجعل الطريق على عرض باب الدار ، لأن الحاجة تندفع به ، وهو على ما كان
عليه من الشركة ، وطريق الأرض قدر ما تمرّ فيه البقر للحراثة ، لأنه لابدّ من الزرع ،
ولو وقعت شجرة فى نصيب أحدهما أغصانها متدلية فى نصيب الآخر ، روى ابن رستم
عن محمد له أن يجبره على قطعها ، وروى ابن سماعة لا يجبره لأنه استحقّ الشجرة بأغصانها
وعليه الفتوى . ولأحد الشريكين أن يجعل فى نصيبه بئرا وبالوعة وتنورا وحماما وإن كان
يضرّ بحائط جاره، وله أن يسدّ كوّة الآخر لأنه يتصرّف فى خالص ملكه فلا يكون
متعدّيًا ، وضرر الجار حصل ضمنا فلا يضمن ، وكذلك لصاحب الحائط أن يفتح فيه
بابا وإن تأذى جاره لما ذكرنا ، والكفّ عما يؤذى الجار أحسن . قال ( ويقسم سهمين
من العلو بسهم من السفل ) وعند أبي يوسف سهم بسهم . وعند محمد بالقيمة ، وعليه
الفتوى لأنهما أجناس بالنظر إلى اختلاف المنافع ، فان السفل يصلح إصطبلا ولحفر البئر
والسرداب ، ولا كذلك العلو ؛ وكذلك تختلف قيمتاهما باختلاف البلدان فلا يمكن التعديل
إلا بالقيمة . ولهما أن الأصل فى المزروع أن يقسم بالزرع ، والمقصود الأصلى السكنى ،
إلا أن أبا يوسف قال: ذراع بذراع نظرا إلى ما هو المقصود وهو السكنى ، وهما يستويان
فيها ، ولكلّ واحد منهما أن يفعل فى نصيبه ما لايضرّ بالآخر، والمنفعتان متما ثلتان، فكما
أن لصاحب السفل حفر البئر والسرداب ، لصاحب العلو أن يبنى فوق علوه ما لم يضرّ
بالسفل على أصله . ولأبى حنيفة أن منفعة السفل ضعف منفعة العلو لأنها تبقى بعد فوات
العلو ، وفى السفل منفعة البناء والسكنى ، وفى العلو السكنى لاغير ، وليس له التعلى إلا
بأمر صاحبه على أصله ، فيعتبر ذراعين بذراع نظرا إلى اختلاف المنفعة ، ثم قيل: أبو حنيفة
بنى على أصله أنه ليس لصاحب العلو أن يبنى على علوه إلا برضى صاحبه ، وعندهما
يجوز . وقيل أجاب على عادة أهل الكوفة فى اختيارهم السفل على العلو . قال ( ولا تدخل
الدراهم فى القسمة إلا بتراضيهم ) لأن القسمة فى المشترك ولا شركة فى الدراهم ، فاذا رضيا
جاز لما بينا .

- ٧٨ -
فصل
يَنْبَغِى لِلْقَاسِ أَنْ يُفْرِعَ بْيّهُمْ، فَنْ خَرَجَ اسْمُهُ عَلَى سَهْمٍ أَخَذَّهُ،
وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمُ الرجُوعُ إِذَا قَسَمَ القاضِى أَوْ نائِبُهُ، فإنْ كانَ فى نَصببٍ
أَحَدِ هِمْ مَسيلٌ أَوْ طَرِيقٌ لِغْيرهِ كَمْ يُشْرَطْ، فإنْ أَمْكَنَ صَرْفُهُ عَنْهُ صَرَفَهُ
وَإِلَا فُسِخَتِ القِسْمَةُ، وَإِذَا شَهِدُوا عَلَيْهِمْ ثُمَّ ادَعَى أَحَدُهُمْ أَنَّ مِنْ
نَصِيهِ شَيْئًا فى يَدِ صَاحبهِ كَمْ تُقْبَلْ إِلاَّ ببَيِّنَةٍ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ القاسمِينَ (م ف)
عَلى ذلكَ ،
فصل
( ینبغی للقاسم أن يقرع بیهم ، فمن خرج اسمه على سهم أخذه ) وذلك بعد ما يصوّر
ما يقسمه ويعدله على سهام القسمة ، ويذرع الساحة ويقوّم البناء لحاجته إلى معرفة ذلك ،
ويفرز كل نصيب بحقوقه عن بقية الأنصباء ليتحقق معنى القسمة ، ويلقب الأنصباء بالأوّل
والثانى والثالث ، ثم يخرج القرعة كما تقدم ، ويقسم على أقلّ الأنصباء ، فإن كان سدسا
جعلها أسداسا ، أوثمنا فأثمانا، لأنه إذا خرج أقلّ الأنصباء خرج الأكثر ، ولا كذلك
بالعكس ، ولوعين لكلّ واحد نصيبا جاز من غير قرعة لأنه فى معنى القضاء فيصحّ إلزامه
أما القرعة لتطبيب النفوس ونفى التهمة والميل. قال (وليس لأحدهم الرجوع إذا قسم القاضى
أو نائبه ) لأنها صدرت عن ولاية تامّة فلزمت كالقضاء ، وكذلك ليس له ذلك إذا خرج
بعض السهام ، فكما لايلتفت إلى إبائه قبل القسمة لايلتفت إلى رجوعه بعدها ، وكذلك إذا
حصل التراضى وبينت الحدود ، لأن المؤمنين عند شروطهم . وقيل يصحّ رجوعه إذا خرج
بعض السهام إلا إذا بقی سهم واحد لتعينه للباقی. قال ( فان کان فی نصیب أحدهم مسیل
أو طريق لغيره لم يشرط، فان أمكن صرفه عنه صرفه ) تحقيقا لمعنى القسمة وهو قطع الاشتراك
( وإلا فسخت القسمة ) لاختلالها ، وتستأنف لأن المقصود تكميل المنفعة ، ولا يتأتى ذلك
إلا بالطريق والمسيل . قال ( وإذا شهدوا عليهم ثم ادّعى أحدهم أن من نصيبه شيئا فى يد
صاحبه لم تقبل إلا ببينة ) لأنه مدّع، فإن لم تكن له بينة استحلف شركاؤه ، فمن نكل جمع
نصيبه ونصيب المدعى فيقسم بينهما على قدر نصيبهما ، لأن النكول حجة على ما عرف ،
وقيل لاتقبل دعواه للتناقض. قال ( وتقبل شهادة القاسمين على ذلك ) وقال محمد :
لا تقبل لأنها شهادة على فعلهما . ولهما أنهما شهدا بالاستيفاء وهو فعل الغير وبه تلزم القسمة
فتقبل ، أما فعلهما الإفراز وهو غير ملزم ولاحاجة إلى الشهادة عليه . وعن محمد مثل

- ٧٩ -
وَإِنْ قالَ: قَبَضْتُهُ ◌ُلُّ أَخَذَهُ مِّى فَبَيِّنَتُهُ أَوْ يَمِينُ خَصْمِهِ، وَإِنْ قالَ ذلك
قَبْلَ الإِشْهادِ تحالفا وَفُسخَتِ القِسْمَةُ، وَإِنْ اسْتُحِقَّ بَعْضُ نَصِيبٍ أَحَدِ هِمْ
رَجَعَ فِى نَصِيبٍ صَاحِبِهِ بِقِسْطِهِ (س).
فصل
المُهايأةُ جَائِزَةٌ اسْتِحْسانا ،!
قولهما . ومنهم من قال: إن كانت القسمة بأجر لاتقبل لأنها دعوى إيفاء عمل استؤجرا
عليه . وجوابه أن أجرتهما وجبت باتفاق الخصوم على إيفاء العمل وهو التمييز فلم تجرّ لهما
مغنما فلا تهمة ( وإن قال قبضته ثم أخذه منی فبينته أو يمين خصمه ) كسائر الدعاوى ( وإن
قال ذلك قبل الإشهاد تحالفا وفسخت القسمة ) وكذلك إذا قال: لم يسلم إلىّ بعض نصيبى
وهو نظير الاختلاف فى قدر المبيع ، وسنبين التحالف وأحكامه فى كتاب الدعوى إن شاء
الله تعالى . قال ( وإن استحقّ بعض نصيب أحدهم رجع فى نصيب صاحبه بقسطه ) كما
فى البيع ، هذا عند أبى حنيفة ؛ وقال أبو يوسف : تفسخ القسمة ، وهو قول محمد فى رواية
أبى سليمان . وروى أبو حفص لأنه مع أبى حنيفة . وقيل الخلاف فى بعض شائع فى نصيب
أحدهما ، أما المعين لا يفسخ بالإجماع؛ ولو استحقّ نصيب شائع فى الكلّ انفسخت
بالإجماع ؛ لأبى يوسف أن بالاستحقاق ظهر شريك ثالث ولا قسمة بدون رضاه ؛ والفقه
فيه أن باستحقاق الجزء الشائع يبطل معنى القسمة ، وهو التمييز والإفراز لأنه يرجع بجزء
شائع فى نصيب الآخر بخلاف المعين ، وصار كاستحقاق الشائع فى الكلّ ؛ ولأبى حنيفة
أن القسمة على هذا الوجه تجوز ابتداء بأن يكون نصف الدار المقدّم بينهما وبين ثالث ،
والمؤخر بينهما على الخصوص ، فاقتسما على أن لأحدهما نصيبهما من المقدّم وربع المؤخر ،
وللآخر ثلاثة أرباع المؤخر فانه يجوز ، وإذا جاز ذلك ابتداء جاز انتهاء ، فمعنى القسمة
موجود وصار كالجزء المعين ، بخلاف الشائع فى الكلّ، لأن القسمة لو بقيت يتفرّق
نصيب المستحقّ فى الكلّ فيتضرّر ولا ضرر هنا فافترقا.
فصل
( المهايأة جائزة استحسانا ) والقياس يأبى جوازها لأنها مبادلة المنفعة بجنسها نسيئة لتأخر
حق أحدهما ، إلا أنا استحسنا الجواز لقوله تعالى - لها شرب ولكم شرب يوم معاوم -
ولأن المنافع تستحقّ بعوض وغير عوض كالأعيان ، والقسمة تجوز فى الأعيان فتجوز
فى المنافع وهى مبادلة معنى إفراز صورة حتى تجرى فى الأعيان المتفاوتة كالدور والعبيد

- ٨٠ -
وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِهِما وَلا بِمَوْتِ أحدِهِما، وَلَوْ طَلَبَ أحَدُهُما القِسْمَةَ بَطَلَتْ،
وَتَجُوزُ فِى دَارٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ يَسْكُنَ كُلٌّ مِنْهُما طائِفَةً أَوْ أحَدُهُما عُلْوَهَا
وَالآخَرُ سُفْلَهَا، وَلِكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِجارَةُ ما أصَابَهُ وأخْذُ غَلَّتِهِ، وَنَجُوزُ
فِى عَبْدٍ وَاحِدٍ يَخْدُمُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا، وَكَذا فى البَيْتِ الصَّغِيرِ ، وفى
عَبْدَيْنِ يَخْدُمُ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، فانْ شَرَطَا طَعَامَ العَبْدِ عَلَى مَنْ يَخْدُمُهُ
جازَ ، وفِىِ الكِسْوَةِ لاَ يُجُوزُ ،
دون المثليات ، ويجبر الممتنع إذا لم يكن الطالب متعنتا وليست كالإجارة لأن المنفعة تستحقّ
هنا بالملك ، ومعنى المعاوضة تبع ، ولهذا لا تشترط فيها المدّة ، وفى الإجارة بالعقد ، ولهذا
يشترط ذكر المدّة ، لأنه لا يعلم قدر ما يستحقه من المنفعة إلا بذكرها ، وليست كالعارية
لما بينا . قال ( ولا تبطل بموتهما ولا بموت أحدهما) لأنا نحتاج إلى إعادتهما بطلب الوارثين
أو أحدهما ، بخلاف الإجارة والعارية . قال (ولو طلب أحدهما القسمة بطلت ) المهايأة ،
معناه فيما يحتمل القسمة ، لأن القسمة أقوى فى استعمال المنفعة ؛ ولو طلب أحدهما القسمة
والآخر المهايأة قسم لما بينا وبل أولى . قال ( وتجوز فى دار واحدة بأن يسكن كلّ منهما
طائفة ، أو أحدهما علوها والآخر سفلها ) لأن القسمة على هذا الوجه جائزة ، فكذا المهايأة
لأن المنفعة غير مختلفة ، وبيان المكان يقطع المنازعة ، وهذه إفراز للنصيب، وليست مبادلة
( ولكلّ واحد منهما إجارة ما أصابه وأخذ غلته) لأنها قسمة المنافع وقد مذّكها فله استغلالها
وشرط بعضهم فى جواز الاستغلال أن يشرطه فى العقد كالعارية وليس بشى ، وجوابه
ما مرّ ، ولو تهايئا فى دارين على أن يسكن كلّ واحد دارا جاز جبرا واختيارا ، وهذا
عندهما ظاهر اعتبارا بقسمة الأصل ، أما عنده قين لا يجبر كما فى القسمة ، وقيل لايجوز
أصلا لأنه بيع السكنى بالسكنى ، بخلاف القسمة لأنه بيع بعض أحدهما ببعض الأخرى
وأنه جائز ؛ وقيل يجوز مطلقا لقلة التفاوت فى المنافع ويكون إفرازا . قال ( وتجوز فى عبد
واحد يخدم هذا يوما وهذا يومًا ، وكذا فى البيت الصغير ) لأن المهايأة تكون فى الزمان
والمكان استيفاء للمنفعة بقدر الإمكان ، وقد تعذّر المكان فيتعين الزمان . قال ( وفى عبدين
يخدم كل واحد واحد ) ولا إشكال على أصلهما ، لأن عندهما تجوز قسمة الرقيق جبرا
واختيارا فكذا منفعتهم . وأما عند أبى حنيفة فالقياس على عدم جواز القسمة يمنع الجواز ،
لكن الصحيح الجواز لقلة التفاوت فى الخدمة، ولا كذلك فى الأعيان لما مرّ. قال ( فان
شرطا طعام العبد على من يخدمه جز، وفى الكسوة لا يجوز ) لأن العادة جرت بالمسامحة
فى الطعام دون الكسوة ، ولقلة التفاوت فى الطعام وكثرتها فى الكسوة ، فان وقتا شيئا من