النص المفهرس
صفحات 41-60
- ٤١ - وَإِنْ بَاعَ إناءَ فِضَّةٍ، أوْ قطْعَةَ نُقْرَةٍ، فَقَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ ثُمَّ افْتَرَفَا صَار شَرِكَةَ بْيَهُما، فانِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الإناءِ، فانْ شاءَ الْمُشْتَرِى أَخَذَ الباقىّ بحِصَّهِ، وَإنْ شاءَ رَدَّهُ، وَلَوِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ القِطْعَةِ أَخَذَ الباقىَ بحِصَّتِهِ وَلَا خِيارَ لَهُ؛ وَيَجُوزُ البَيْعُ بالفُلُوسِ، فان كانَتْ كاسِدَةً عَيّنها، وَإِنْ كانَتْ نافِقِيَةٌ لَمْ يُعَيِّتها، فانْ باعَ بِهَاُثُمَّ كَسَدَتْ بَطَلَ البَيْعُ (سم)؛ وَمَنْ أَعْطَى صَْرَفِيَّاً درْهَمَا وَقَالَ: أَعْطِى بِهِ فُلُوسا وَنِصْفا إلاَّ حَبَّةً جازَ. ولو اشتراه بعشرين درهما والحلية عشرة دراهم فقبض منها عشرة فهى حصة الحلية وإن لم يعينها حملا لتصرّفه على الصحة ، وكذا إذا قال خذها من ثمنهما لأن قصده الصحة ، وقد يراد بالاثنين أحدهما كقوله تعالى - يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان - وكذا إن اشتراه بعشرين عشرة نقدا وعشرة نسيئة، فالنقد حصة الحلية لما تقدّم ؛ فان افترقا لاعن قبض بطل البيع فيهما إن كانت الحلية لا تتخلص إلا بضرر كجذع فى سقف ، وإن كانت تتخلص جاز فى السيف وبطل فى الحلية كالطوق فى عنق الجارية ، وقس على هذا جميع أمثالها . قال ( وإن باع إناء فضة أو قطعة نقرة فقبض بعض الثمن ثم افترقا صار شركة بينهما) فيكون للمشترى فيه بقدر ما نقد من الثمن ، ولا خيار له ، لأن العيب جاء من قبله حيث لم ينقد جميع الثمن ( فان استحق بعض الإناء ، فإن شاء المشترى أخذ الباقى بحصته ، وإن شاء ردّه ) لأن الشركة عيب فى الإناء ( ولو استحقّ بعض القطعة أخذ الباقى بحصته ولا خيار له ) لأن التشقيص لا يضرّ القطعة فلم تكن الشركة فيه عيبا . قال ( ويجوز البيع بالفلوس ) لأنها معلومة ( فإن كانت كاسدة عينها ) لأنها عروض ( وإن كانت نافقة لم يعينها) لأنها من الأثمان كالذهب والفضة (فإن باع بها ثم كسدت بطل البيع ) خلافا لهما لأن البيع صحّ فلا يفسد لتعذر التسليم بالكساد ، كما إذا اشترى بشىء من الفواكه وانقطع فتجب قيمتها ، غير أن أبا يوسف يوجبها يوم البيع لأن الثمن مضمون به ، ومحمدا يوم الكساد لأن عنده تنتقل إلى القيمة . ولأنى حنيفة أن ثمنية الفلوس بالاصطلاح فيهلك بالكساد فيبقى المبيع بلا ثمن فيبطل ، فيرد المبيع أو قيمته إن كان هالكا . قال ( ومن أعطى صيرفيا درهما وقال أعطنى به فلوسا ونصفا إلا حبة جاز ) ويصرف النصف إلا حبة إلى مثله من الدرهم والباقى إلى الفلوس تصحيحا لتصرّفهما، وقد تقدّم جنسه، والله أعلم. - ٤٢ - كتاب الشفعة وَلَا شُفْعَةَ إِلاَّ فى العَقَارِ، وَتَجِبُ فى العَقَارِ سَوَاءٌ كَانَ يِمَّ يُفْسَمُ أَوْ عِمَّاً لايُقْسَمُ، وَتَجِبُ إذَا مَلَكَ العَقَارَ بِعِوَضٍ هُوَ مالٌ، كتاب الشفعة وهى الضمّ، ومنه الشفع فى الصلاة، وهو ضمّ ركعة إلى أخرى، والشفع: الزوج الذى هو ضدّ الفرد، والشفيع لانضمام رأيه إلى رأى المشفوع له فى طلب النجاح ، وشفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم المذنبين لأنها تضمهم إلى الصالحين ، والشفعة فى العقار لأنها ضمّ ملك البائع إلى ملك الشفيع ، وهى تثبت للشفيع بالثمن الذى بيع به رضى المتبايعان أو سخطا ، ولهذا المعنى كانت على خلاف القياس، إلا أنا استحسنا ثبوتها بالنصّ ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام (( الجار أحقّ بشفعته)) رواه جابر، وقال عليه الصلاة والسلام ((جار الدار أحقّ بشفعة الدار)) وكان أبو بكر الرازى ينكر هذا القول ويقول : وجوب الشفعة مجمع عليه أصل من الأصول المقطوع بها لا يقال إنه استحسان . قال ( ولا شفعة إلا فى العقار) لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا شفعة إلا فى ربع أو حائط)) ولأن الشفعة وجبت فى العقار لدفع ضرر الدخيل فيما هو متصل على الدوام على ما نبينه إن شاء الله تعالى والمنقول ليس كذلك ، لأنه لا يدوم دوام العقار فلا يلحق به ( وتجب فى العقار سواء كان مما يقسم ) كالدور والحوانيت والقرى ( أو مما لا يقسم ) كالبئر والرحى والطريق ، لأن النصوص الموجبة للشفعة لا تفصل وسببها الملك المتصل ، والمعنى الذى وجبت له دفع ضرر الدخيل ، وذلك لا يختلف فى النوعين. وقال عليه الصلاة والسلام (( الشفعة فى كلّ شرك ربع أو حائط)) ( وتجب إذا ملك العقار بعوض هو مال ) حتى لو ملكه بعوض ليس بمال كالنكاح والخلع والإجارة والصلح عن دم العمد لا تجب الشفعة ، وكذا لو ملكه لا بعوض كالهبة والوصية والصدقة والإرث ، لأن الشفيع إنما يأخذها بمثل ما أخذها به الدخيل أو بقيمته ، وهذه الأشياء لا مثل لها ولا قيمة ، أما الخالية عن الأعواض فظاهر . وأما المقابلة بالأعواض المذكورة ، أما عدم الممثالة فظاهر ، وأما القيمة فلأن قيمتها غير معلومة حقيقة، لأن القيمة ما تقوم مقام المقوّم فى المعنى ، وأنه لا يتحقق فى هذه الأشياء ، وإنما تقومت فى النكاح والإجارة بمهر المثل وأجرة المثل ضرورة صحة العقد فلا يتعدّاهما ، وتجب فى الموهوب بشرط العوض ابتداء لأنه بيع انتهاء على ما يأتيك فى الهبة ، وكذا تجب - ٤٣ - وَتَجِبُ بَعْدَ البَيْعِ، وَتَسْتَقِرْ بالإِشْهَادِ، وتَمْلَكُ بِالأَخْذِ، وَالْمُسْلِمُ وَالذَّمُى وَالمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ سَوَاءٌ، وَتَجِبُ لِلْخَلِيطِ فى نَفْسِ المَبيع "ثمَّ فى حَقّ المَبِيع، ثمَّ لِلْجَارِ، فى الصلح عن إقرار أو سكوت (١)، لأنه مقابلة المال بالمال على ما يأتى فى الصلح إن شاء الله تعالى . قال ( وتجب بعد البيع ) لأن بالرغبة عن الملك تجب الشفعة، وبالبيع يعرف ذلك ، ولهذا لو أقرّ المالك بالبيع أخذها الشفيع وإن كذبه المشترى ، وخيار البائع يمنع الشفعة لأنها لم تخرج عن ملكه ، وخيار المشترى لا يمنعه لخروجها عن ملك البائع، وخيار الرؤية والعيب لا يمنع . قال ( وتستقرّ بالإشهاد ) لأن بالإشهاد يعلم طلبه إذ لابدّ من طلب المواثبة على ما يأتى ، فيحتاج إلى إثباته عند القاضى وذلك بالإشهاد ، فاذا شهد به الشهود استقرّت . قال ( وتملك بالأخذ ) إذا أخذها من المشترى أو حكم له بها حاكم ، لأن بالعقد ثمّ الملك للمشترى فلا ينتقل عنه إلا برضاه أو بقضاء كالرجوع فى الهبة ، حتى لو باع الشفيع ما يشفع به قبل ذلك الطلب بعد الطلب بطلت شفعته، وكذا لومات فى هذه الحالة بطلت ولا تورث . قال ( والمسلم والذمى والمأذون والمكاتب ومعتق البعض سواء) لعموم النصوص، ولأن السبب موجود وهو الاتصال ، والمعنى يشملهم وهو دفع الضرر . قال ( وتجب للخليط فى نفس المبيع ، ثم فى حق المبيع ، ثم للجار ) أما الخليط فلقوله عليه الصلاة والسلام :((الشفعة لشريك لم يقاسم)) وأما فى حقّ المبيع فلقوله عليه الصلاة والسلام (٢) ((جار الدار أحقّ بشفعة الدار والأرض، وينتظر إن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا)) وأما الجار فلما تقدّم ، ولقوله عليه الصلاة والسلام ((الجار أحقّ بسقبه )) أى بسبب قربه . وروى أنه قيل: يا رسول الله ما سقبه؟ قال: ((شفعته)) ولأنها تثبت لدفع ضرر الجار من حيث إيقاد النار ، وإثارة الغبار ، وإعلاء الجدار ؛ وتجب على ما ذكرنا من الترتيب لقوله عليه الصلاة والسلام ((الشريك أحقّ من الخليط، والخليط أحقّ من غيره)) وفى رواية ((والخليط أحقّ من الجار)) فالشريك فى الرقبة، والخليط فى الحقوق، ولأن الشريك أخصّ بالضرر ، ثم الخليط ، ثم الجار ، لأن الشريك شاركهما فى المعنى وزاد ، وكذلك الخليط شارك الجار وزاد عليه فيترجح لقوّة السبب ، فان سلم الشريك فى الرقبة يصير كأن (١) أما فى الإقرار فظاهر سواء وقع الصلح عنها أو عليها . وأما فى السكوت فيحمل على ما إذا وقع الصلح عليها ، أما لو وقع عنها لاتجب الشفعة فيها كما صرّح به فى المجمع وغيره. (٢) قوله : فلقوله عليه الصلاة والسلام ، ذكر الإمام الزيلعى فى شرحه على الكنز هذا الحديث بلفظ آخر هذا نصه ((الجار أحقّ بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا )). - ٤٤ - وَتُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ الرءُوسِ، وَإِذَا عَلِمَّ الشَّفِيعُ بالْبَيْعِ يَنْبَغَى أنْ يُشْهِدَ فى ◌َجْلسٍ عِلْمِهِ عَلَى الطَّلَبِ، فانْ لَمْ يُشْهِدْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ بَطَلَتْ، ثمّ يُشْهِدُ عَلَى البائعِ إذَا كانَ المَبيعُ فِى يَدِهِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِى أَوْ عنْدَ العَقَارِ ، لم يكن فيأخذها الشريك فى الحقوق ، فان سلم أخذها الجار ؛ والمراد الجار الملاصق وإن كان بابه إلى سكة أخرى ، لأنه هو الذي يستضرّ بما ذكرنا من المعانى . وعن أبى يوسف لاحقّ لهما مع الشريك فى الرقبة وإن سلم ، لأنه حجبهما فلا حقّ لهما معه كالحجب فى الميراث ، ووجه الظاهر ما ذكرنا ، ولأنهم استووا فى السبب لكنه تقدم لما ذكرنا ، فاذا سلم عمل السبب فى حقهما لزوال المانع كالدين بالرهن وبغير رهن إذا أسقط المرتهن حقه وحقّ المبيع الطريق الخاصّ وهو ما لا يكون نافذا، والنهر الخاص" وهو ما لاتجرى فيه السفن . قال ( وتقسم على عدد الرءوس ) وصورته دار بين ثلاثة لأحدهم النصف وللآخر الثلث وللآخر السدس ، باع أحدهم نصيبه فالشفعة للباقين على السواء لأستوائهما فى السبب وهو الاتصال ، ألا ترى أنه لو انفرد أحدهم أخذ الجميع ، فدلَّ على استوائهم فى السبب ، وكذا المعنى يشملهم وهو لحوق الأذى فيستوون فى الاستحقاق ، وكذا لو كان لهما جاران أحدهما ملاصق من ثلاث جوانب والآخر من جانب واحد ، فهما سواء الاستوائهما فى لحوق الضرر والسبب . قال ( وإذا علم الشفيع بالبيع ينبغى أن يشهد فى مجلس علمه على الطلب) وهذا طلب المواثبة وهو على الفور. قال عليه الصلاق والسلام ((الشفعة لمن واثبها ، وقال عليه الصلاة والسلام ((إنما الشفعة كنشطة عقال، إن قيدتها ثبتت وإلا ذهبت)) وروى عن محمد أنه على المجلس لأنه تمليك فيحتاج إلى التروّى والنظر فلا يبطل خياره ما لم يوجد منه ما يدلّ على الإعراض كخيار القبول والمخيرة ( فان لم يشهد بعد التمكن منه بطلت ) لأنه دليل الإعراض، ولا تبطل إذا حمد الله أو سبحه أو سلم أو شمّت لأنه لايدلّ على الإعراض ؛ وكذا إذا سأل عن المشترى وكمية الثمن وماهيته لأنه دليل الطلب ، ولو كان فى الأربعة بعد الجمعة أو قبل الظهر فأتمها لم تبطل ، ولو زاد على ركعتين فى غيرها من السنن بطلت ، ثم هذا الطلب إنما يجب عليه إذا أخبره به رجل عدل ، أو رجلان مستوران ، أو رجل وامرأتان . وعندهما يكفى خبر الواحد رجلا كان أو امرأة أو صبيا ، حرّا أو عبدا إذا كان الخبر حقا، وتمامه يأتيك فى الوكالة إن شاء الله تعالى، والمعتبر الطلب دون الإشهاد، وإنما الإشهاد للإثبات حتى لوصدّقه المشترى على الطلب لايحتاج إلى الشهود . قال ( ثم يشهد على البائع إذا كان المبيع فى يده أو على المشترى أو عند العقار ) وهذا طلب التقرير لأنه قد لا يمكنه الإشهاد على طلب المواثبة لأنه على الفور فیحتاج إلى هذا الطلب الثانى للإثبات عند القاضى ، فان كان المبيع فی ید البائع لم يسلمه ، فإن شاء أشهد عليه ، وإن شاء على المشترى ، لأن كلّ واحد منهما خصم البائع باليد - ٤٥ - وَلا تَسْقُطُ بالتَّأْخِيرِ، وَإِذَا طَلَبَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ عِنْدَ الحاكِمِ سِأَلَ الحاكم المُدَّعَى عَلَيْهِ، فإنِ اعْتَرَفَ بِمِلْكِهِ الَّذِى يَشْفَعُ بِهِ، أَوْ قامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، أَوْ نَكَلَ عَنِ اليَمِينِ أَنَّهُ ما يَعْلَمُ بِهِ ثَبَتَ مِلْكُهُ، والمشترى بالملك، وإن شاء عند المبيع لتعلق الحقّ به وهو أن يقول: إن فلانا باع هذه الدار ويذكر حدودها الأربعة وأنا شفيعها طلبت شفعتها وأطلبها الآن فاشهدوا علىّ بذلك، وإن كان البائع قد سلمها لا يجوز الإشهاد عليه لأنه لم يبق خصما ، فإذا فعل ذلك لا يثبت ( ولا تسقط بالتأخير ) وعن أبى يوسف إن تركه مجلسا أو مجلسين من مجالس الحكم بطل . وعنه ثلاثة أيام لأنه دليل الإعراض . وقدّره محمد بشهر لأن المشترى يتضرّر بالتأخير لنقص تصرّفاته ، فقدّره بالشهر لأنه أقلّ الآجل وأكثر العاجل ، ومرادهما إذا ترك لغير عذر . ولأبى حنيفة أنه حقّ ثبت فلا يسقط بالتأخير كسائر الحقوق ، وضرر المشترى يمكن دفعه بالمرافعة إلى القاضى حتى يوقت له وقتاً يوفيه فيه الثمن وإلا يبطل حقه . قال فى الهداية والفتوى على قول أبى حنيفة . وقال فى المحيط : والفتوى على قولهما دفعا للضرر عن المشترى لأنه قد يختفى الشفيع فلا يقدر على إحضاره إلى القاضى فيدفع الضرر بقولهما . قال ( وإذا طلب الشفيع الشفعة عند الحاكم سأل الحاكم المدّعى عليه ، فان اعترف بملكه الذى يشفع به ، أو قامت عليه بينة ، أو نكل عن اليمين أنه ما يعلم به ثبت ملكه ) وينبغى أن يسأل المدّعى أوّلا عن موضع الدار وحدودها نفيا للاشتباه ، ثم يسأله عن سبب الاستحقاق لاختلاف الأسباب ، فاذا بين ذلك وقال أنا شفيعها بدار لى تلاصقها صحت دعواه ، وشرط بعضهم تحديد داره أيضا ، ثم بعد ذلك يسأل القاضى المدّعى عليه ، فان اعترف بملكه الذى يشفع به فلا حاجة إلى البينة ، وإن لم يعترف طلب من المدّعى البينة ؛ لأن اليد لاتكفى للاستحقاق ، فان أقامها يثبت وإلا استحلف المدعى عليه باللّه لا يعلم أنه مالك للدار التى ذكرها يشفع بها ، لأنه لو أقرّ بذلك لزمه ، فاذا أنكر عليه يحلف ويحلف على العلم لأنه فعل الغير ، فاذا نكل ثبت الملك ، ثم يسأله القاضى عن الشراء ، فان اعترف به أو قامت البينة عليه ثبت وإلا استحلف المشترى بالله ما ابتاع أو ما يستحقّ عليه شفعة من الوجه الذى ذكر ، ويستحلف على البتات لأنه فعله ، فإذا نكل قضى له بالشفعة ، وإن لم يحضر الثمن ذكره فى الأصل ، لأن الثمن إنما يجب بانتقال الملك إليه ، ولا ينتقل إلا بالقضاء فلا يجب عليه الإحضار قبله كما لا يجب على المشترى قبل البيع . وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه لايقضى ما لم يحضر الثمن ، لأنه قد يكون مفلسا فيتضرّر المشترى، وهو مروى عن محهد ، وإذا قضى له وأخذها من المشترى يثبت له فيها أحكام البيع من خيار رؤية وعيب وغيرهما لأنه بمنزلة الشراء لأنه مقابلة مال بمال ، ولا يثبت له خيار الشرط ولا الأجل - ٤٦ - وَلِلشَّفِيعِ أنْ يُخَاصِمَ البائعَ إذَا كانَ المَبيعُ فِى يَدِهِ، وَلا يَسْمَعُ القَاضِىِ الْبَيِّنَّةَ إلاَّ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرَى، ثُمَّ يَفْسَخُ البَيْعَ وَيَجْعَلُ العُهْدَةَ عَلى البائع، والشَّفِيع أنْ يُخَاصِمَ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرِ الثَّمَنَ، فإذَا قُضِىَ لَهُ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ، وَالوَكِيلُ بالشِّرَاءِ خَصْمٌ فى الثِيُّفْعَةِ حَّى يُسَلِّمَ إلى المُوَكِّلِ، وَعَلَى الشَّيعِ مِثْلُ الثَّمَنِ إنْ كانَ مِثْلِيًّا وَإلاَّ قِيمَتُهُ، وَإِنْ حَطَّ البائعُ عن الْمَشْتَرَى بَعْض الثَّمَنِ سَقَطَ عَنِ الشَّغَيعِ، فَإنْ حَطَّ النَّصْفَ ثُمَّ النَّصْفَ أَخَذَها بالنِّصْفِ الأخِيرِ، وَإِنْ زَادَ الْمُشْتَرِى فى الثَّمَنِ لايَلْزَمُ الشَّفْيعَ، وَإِنْ اخْتَلَهَا فى الثَّمَنِ فالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِى، والبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشفِيعِ. لعدم الشرط . قال ( والشفيع أن يخاصم البائع إذا كان المبيع فى يده ) لأنه خصم على ما بينا ( ولا يسمع القاضى البينة إلا بحضرة المشترى ، ثم يفسخ البيع ويجعل العهدة على البائع) لأن اليد للبائع والملك للمشترى والقاضى يقضى بها للشفيع فيشترط حضورهما ، بخلاف ما بعد القبض لأن البائع كالأجنبى ، فإذا أخذها من البائع تتحوّل الصفقة ويصير كأن الشفيع اشتراها من البائع ، فلهذا تكون العهدة عليه ، ولو أخذها من المشترى بعد القبض فالعهدة عليه لأنه تمّ ملكه بالقبض. قال ( وللشفيع أن يخاصم وإن لم يحضر الثمن ، فاذا قضى له لزمه إحضاره ) وقد تقدّم الكلام فيه. قال ( والوكيل بالشراء خصم فى الشفعة حتى يسلم إلى الموكل) لأن حقوق العقد ترجع إلى الوكيل على ما يأتى بيانه فى الوكالة إن شاء الله تعالى ، والشفعة من حقوق العقد، فإذا أسلمها إلى الموكل لم يبق له يد ولا ملك فيصير الموكل خصما . قال ( وعلى الشفيع مثل الثمن إن كان مثليا وإلا قيمته ) لأن القاضى حكم له بالملك بالعقد الأوّل ، فيجب عليه ما وجب بالعقد الأوّل ؛ وإن اشترى الذمى داراً بخمر أو خنزير والشفيع ذمى أخذها بمثل الخمر لأنه مثلى ، وقيمة الخنزير لأنه ليس بمثلى ، وإن كان مسلما أخذها بقيمة كلّ واحد منهما ، أما الخنزير فلما مرّ ، وأما الخمر فلأنه ممنوع من تمليكها وتملكها فاستحال المثل فى حقه فيصار إلى القيمة . قال ( وإن حطَّ البائع عن المشترى بعض الثمن سقط عن الشفيع ) لما تقدّم أن الحطّ يلتحق بأصل العقد ( فان حط" النصف ثم النصف أخذها بالنصف الأخير ) لأنه لما حطّ النصف الأوّل التحق بأصل العقد فوجب عليه نصف الثمن ، فلما حطّ النصف الآخر كان حطا للجميع فلا يسقط ، ألا ترى أنه لو حطّ الجميع ابتداء لا يسقط عن الشفيع ، لأنه لا يلتحق بأصل العقد بل يكون هبة فلا يسقط عن الشفيع ( وإن زاد المشترى فى الثمن لا يلزم الشنيع ) لاحتمال أنهما تواضعا على ذلك إضرارا بالشفيع ، بخلاف الحطّ لأنه نفع له . قال ( وإن اختلفا فى الثمر. فالقول قول المشترى ، والبينة بينة الشفيع ) لأن الشفيع يدعى استحقاق الدار عند أداء ١ - ٤٧ - فصل وَتَبْطَلُ الشُّفْعَةُ بِمَوْتِ الشَّفِيعِ وَتَسْلِيمِهِ الكُلَّ أوِ البَعْضَ، وَبَصُلْحِهِ عَنِ الشَّفْعَةِ بِعِوَضٍ، وَبَبَيْعِ الْمَشْفُوعِ بِهِ قَبْلَ القَضَاءِ بالشُّفْعَةِ، وَيَضْمَّانِ الدَّرَكِ عَنِ البائعِ، وَبِمُساوَعَتِهِ الْمُشْتَرِىَ بَيْعًا وَإِجارَةٌ، وَلا تَبْطُلُ بِمَوْتٍ الْمُشْتَرِى؛ وَلَا شُفْعَةَ لِوَكِيلِ البائعِ، وَلَوَكِيلِ الْمُشْتَرِى الشُّفْعَةُ، الأقلّ ، والبيئة بينة المدعى، والمشترى ينكر ذلك ، والقول قوله مع يمينه . فصل (وتبطل الشفعة بموت الشفيع وتسليمه الكلّ أو البعض، وبصلحه عن الشفعة بعوض. ويبيع المشفوع به قبل القضاء بالشفعة ، ويضمان الدرك عن البائع ، وبمساومته المشترى بيعاً وإجارة ) أما بطلانها بالموت فلأن ملكه زال بالموت وانتقل إلى الوارث ، وبعد ثبوته للوارث لم يوجد البيع فلا يثبت له حقّ الشفعة ، والمراد إذا مات بعد البيع قبل القضاء بالشفعة ، أما إذا مات بعد القضاء لزم وانتقلت إلى ورثته ولزمهم الثمن ؛ وأما تسليمه الكلّ فلأنه صريح فى الإسقاط ؛ وأما البعض فلأن حق الشفعة لا يتجزى ثبوتا لأنه يملكه كما ملكه المشترى ، والمشترى لا يملك البعض لأنه تفريق الصفقة فلا يتجزّى إسقاطا فيكون ذكر بعضه كذكر كله ؛ وأما الصلح عنها لأن الشفعة حق التملك وليس حقا متقرّرا ، فلا يصحّ الاعتياض عنه كالعنين إذا قال لامرأته : اختارى ترك الفسخ بألف ، أو قال، للمخيرة : اختارينى بألف فاختارت سقط الفسخ ولا شىء لهما ، ويجب عليه ردً العوض لأنه لم يقابله حق متقرّر فلا يكون تجارة عن تراض فلا يحلّ ؛ وأما بيع المشفوع به قبل القضاء بالشفعة لزوال سبب الاستحقاق قبل القضاء وهو نظير الموت ؛ وأما ضمان الدرك عن البائع فلأنه قد ضمن للمشترى بقاءها على ملكه وسلامتها له ، وذلك يتضمن تسليم الشفعة ؛ وأما مساومة المشترى بيعا وإجارة فلأنه دليل الرضا بثبوت الملك للمشترى وتصرّفه فيه بيعا وإجارة ، وذلك لا يكون إلا بعد إسقاط الشفعة ، وكذلك إذا طلبها منه تولية أو أخذها مزارعة أو معاملة ، وكل ذلك إذا كان بعد العلم بالشراء . قال ( ولا تبطل بموت المشترى ) لأن المستحق وهو الشفيع قائم ، وحقه مقدّم على حق المشترى حتى لا تنفذ وصيته فيه ، ولا يباع فى دينه فيكون مقدّمًا على حقّ الوارث. قال (ولا شفعة لوكيل البائع ) لأنه سعى فى نقض فعله وهو كالبيع ، وكذا إذا كان له الخيار فأمضاه ( ولوكيل المشترى الشفعة ) لأنه لاينقض فعله لأنه مثل الشراء ، لأنه سعى فى زوال ملك - ٤٨ وَإِذَا فِيلِ الشَّفْيعِ إِنَّ الْمُشْتَرِىَ فُلانٌ فَسَلَّمَّ ◌ُثُمَّ تَبَّنَ أنَّهُ غَيْرُهُ فَلَهُ الشُّفْعَةُ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَنْهَا بِيعَتْ بِأَلْفٍ فَسَلَّمَ ثْمَّ تَبَينَ أَ نْهَا بِيعَتْ بِأَقَلَّ أوْ بِمَكِيلٍ أوْ مَوْزُونٍ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَلا تُكْرَهُ (م) الحِيلَةَ فِى إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ وُجُوبِه، وَمَنْ بَاعَ سَهْمًا ◌َّّ باعَ الباقِىَ فالشُّفْعَةُ فى السَّهْمِ الْأُوَّل لاغَيْرُ، وَإِنِ اشْتَرَاها بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فالشَّفِيعُ إنْ شاءَ أَدَّاهُ حالاً، وَإنْ شاءَ بَعْدَ الأجَلِ ثُمَّ بَأْخُذُ الدَّارَ، البائع . قال ( وإذا قيل للشفيع إن المشترى فلان فسلم ثم تبين أنه غيره فله الشفعة ) لتفاوت الناس فى الجوار . فقد يرضى بفلان خيره ولم يرض بغيره فلم يوجد التسليم فى حقه ؛ وكذا لو ظهر أن المشترى اشتراها لغيره ؛ ولو قيل إن المشترى زيد فسلم فاذا هو زيد وعمرو فله أخذ نصيب عمرو ( وإذا قيل له إنها بيعت بألف فسلم ثم تبين أنها بيعت بأقلّ أو بمكيل أو موزون فهو على شفعته) أما الأوّل فلأن الرضا بالأكثر لايكون رضى بالأقلّ ؛ وأما الثانی فلاحتمال تعذر الدراهم عليه وتيسر مابيع به من المكيل والموزون ؛ وكذلك العددى المتقارب ، وسواء كانت قيمته ألفا أو أقل أو أكثر ، لأن الواجب المثل ، بخلاف ما إذا بيع بعيد أو أمة قيمتها ألف أو أكثر ، لأن الواجب ألف حتى لو كانت قيمته أقلّ من ألف لم تبطل شفعته لأن الواجد القيمة ، ولو قيل إنها بيعت بجارية فظهر أنها بيعت بعبد أو عرض آخر ، ننظر إن كانت قيمة العبد أو العرض مثل قيمة الجارية أو أكثر بطلت ، وإن كانت أقلّ لم تبطل لأن الواجب القيمة ؛ ولو قيل بيعت بألف درهم فظهر أنها بيعت بمائة دينار ، قال الكرخى : إن كانت قيمتها ألفا أو أكثر بطلت ؛ وإن كانت أقل لم تبطل ، وهو قول أبى يوسف لأنهما جعلا كجنس واحد فى الثمنية . وأشار محمد فى الأصل إلى بقاء الشفعة ، وهو قول أبى حنيفة وزفر لأنهما جنسان مختلفان حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا ، ولأنه ربما يسهل عليه أحدهما دون الآخر ؛ ولو قيل بيعت بألف ثم حطّ البائع عن المشترى فله الشفعة، لأن الحطّ يلتحق بأصل العقد فصار كأنه باعها بأقلّ . قال ( ولا تكره الحيلة فى إسقاط الشفعة قبل وجوبها ) عند أبى يوسف لأنه منع من وجوب الحقّ، ويكره عند محمد لأنها شرعت لدفع الضرر والحيلة تنافيه. والحيلة فى إسقاط الزكاة على هذا . قال ( ومن باع سهما ثم باع الباقى فالشفعة فى السهم الأوّل لاغير ) لأن الشفيع جار والمشترى شريك فى المبيع ثانيا ، فيقدّم عليه وهذه حيلة ، وهو أن يبيع الأوّل بثمن كثير والباقى بثمن قليل ؛ وإن اشتراها بثمن ودفع عنه ثوبا أخذها بالثمن الأوّل لأنه يستحقّ المبيع بما وقع العقد عليه لما مرّ ، وهذه أيضا حيلة ، وهو أن يعقد العقد بألف مثلا فيدفع عنها ثوبا يساوى مائة . قال ( وإن اشتراها بثمن مؤجل فالشفيع إن شاء أدّاه حالا ، وإن شاء بعد الأجل ثم يأخذ الدار ) لأن الرضا بالتأجيل على المشترى - ٤٩ - وَإِذَا قُضِىَ لِلشَّفِيعِ وَقَدْ بَى الْمُشَْرِى فِيها، فَإنْ شاءَ أخَذَها بِقِيمَةِ البِناءِ وَإِنْ شَاءَ كَلَّفَ الْمُشْتَرِى قَلْعَهُ، وَلَوْ بَنى الشّفيعُ ◌ٌثُمَّ اسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بالثَّمَنِ لاَ غْيرُ، وَإِذَا خَرِبَتِ الدَّارُ أوْ جَفَّ الشَّجَرُ فالشَّيعُ إنْ شاءَ أَخَذَ السَّاحَةَ بِجَميعِ الثَّمَنِ، وَإنْ شاءَ تَرَك؛ لا يكون رضا بالتأجيل على الشفيع لتفاوت الناس فى الملاءة والإعسار والوفاء والمطل ، ولأنه ليس من حقوق العقد ولم يشترطه الشفيع فلا يثبت له ، فان أدّاه حالا وأخذها من البائع سقط الثمن عن المشترى لوصوله إلى البائع ، وإن أخذها من المشترى فالثمن على حاله مؤجل للبائع على المشترى عملا بالشرط ، وصار كما إذا اشتراه مؤجلا وباعه حالا ، وإن أدّاه بعد الأجل فله ذلك ، لأن له أن لا يلتزم زيادة الضرر ، لكن لابد من طلبه على الوجه الذى بيتاه ، فاذا ثبت أخر أداء الثمن . قال ( وإذا قضى للشفيع وقد بنى المشترى فيها ، فان شاء أخذها بقيمة البناء ، وإن شاء كلف المشترى قلعه ) وهذا قول أبى حنيفة وزفر ومحمد ، وهو رواية عن أبى يوسف، وروى عنه ابن زياد أنه يأخذها بالثمن وقيمة البناء أو يترك ؛ والغرس مثل البناء لأنه بنى فى ملك نفسه ، لأن تصرّفه فيه صحيح حتى لو أجره طاب له الأجر والقلع من أحكام العدوان فلا يكلفه كالزرع وكالموهوب له . ولنا أنه تعدّى من حيث إنه بنى فى ملك تعلق به حقّ الغير من غير تسليط من ذلك الغير فينقض صيانة لحقه، وضرر القلع لحقّ المشترى بفعله فلا يعتبر، ولأن الشفيع استحقه بسبب سابق ، وهو مقدم على المشترى فينقضه كما فى الاستحقاق ، ولهذا تنتقص جميع تصرّفاته ، بخلاف الموهوب له لأن صاحب الحقّ سلطه. وأما الزرع فالقياس أن يقلعه ، لكن استحسنوا أن يبقى فى الأرض بالأجرة لأن له نهاية فلا ضرر فيه كالبناء . وذكر فى المحيط أن الزرع يترك بغير أجر ، وإن أخذه بالقيمة فقيمته مقلوعا ويعرف تمامه فى الغصب . قال ( ولو بنى الشفيع ثم استحقت رجع بالثمن لاغير ) ولا يرجع بقيمته على المشترى ولا على البائع ، لأن الرجوع إنما ثبت فى المسئلة الأولى ولأن البائع خدع المشترى وضمن له التمكن من التصرّف كيف شاء ، ولم يضمن للشفيع ذلك أحد ، لأنه أخذه بغير اختيار البائع ولا المشترى فلم يكن مغرورا ولا يرجع ، ولأنه لما استحقّ ثبت أنه أخذه بغير حقّ ، أما الثمن فإنه عوض عن المبيع فاذا لم يسلم المبيع يرجع بالثمن . قال (وإذا خربت الدار أو جفّ الشجر ، فالشفيع إن شاء أخذ الساحة بجميع الثمن ، وإن شاء ترك ) وكذلك لو حترقت أو غرقت، لأن البناء تبع ووصف للساحة حتى يدخل فى البيع بغير ذكر فلا يقابله شىء من الثمن ما لم يكن مقصودا كأطراف العبد، ولو باعهما مرابحة باعها بجميع الثمن . ٤ - الاختيار - ثان - ٥٠ - وَإِنْ نَقَضَ الْمُشْتَرِىِ البناءَ فالشَّفِيعُ إنْ شاءَ أَخَذَ العَرَصَّةِ بِحِصَّتها، وَإنْ شاءَ تَرَكَ، وَإِنِ اشْتَرَى نَخْلاً عَلَيْهِ ثُمَرٌ فَهُوَ لِلشَّيعِ، فاذَا جَذَّهُ الْمُشْتَرِى نَقْصَ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمْنِ. كتاب الإجارة وَهِىَ بَيْعُ المنَافِعِ، جُوَّزَتْ عَلَى خِلافِ القِياسٍ لِحَاجَةِ النَّاسِ، قال ( وإن نقض المشترى البناء فالشفيع إن شاء أخذ العرصة بحصتها ، وإن شاء ترك ) لأنه صار مقصودا بالإتلاف فيقابله شىء من الثمن كأطراف العبد ، وكذا إذا فعله أجنبى ، وكذا إذا نزع باب الدار وباعه ، وليس له أخذ النقض لأنه صار مفصولا فلم يبق تبعا ، أو صار نقليا فلا شفعة فيه . قال ( وإن اشترى نخلا عليه ثمر فهو للشفيع ) معناه إذا شرطه فى البيع لأنه لا يدخل بدون الشرط على ما مرّ فى البيوع، فاذا شرطه دخل فى البيع واستحقّ بالشفعة لأنه باعتبار الاتصال صار كالنخل ، وهذا استحسان ، والقياس أن لاشفعة فيه لعدم التبعية حتى لايدخل فى البيع بدون الشرط. وإذا دخل فى الشفعة ( فاذا جذّه المشترى نقص حصته من الثمن ) لأنه صار مقصودا بالذكر فقابله شىء من الثمن ، وليس له أن يأخذ الثمرة لأنها نفلية ، ولو لم يكن على النخل ثمر وقت البيع فأثمر فالشفيع أخذه بالثمرة ، لأن البيع سرى إليه فكان تبعا ، فاذا جذّها المشترى ، فالشفيع أن يأخذ النخل بجميع الثمن ، لأن الثمرة لم تكن موجودة وقت العقد فلم تكن مقصودة ، فلا يقابلها شىء من الثمن . كتاب الإجارة ( وهى بيع المنافع ، جوّزت على خلاف القياس لحاجة الناس ) اعلم أن التمليك نوعان : تمليك عين ، وتمليك منافع . وتمليك العين نوعان : بعوض وهو البيع وقد بيناه ، وبغير عوض وهو الهبة والصدقة والوصية، وسيأتيك أبوابها إن شاء الله تعالى. وتمليك المنافع نوعان : بغير عوض ، وهو العارية والوصية بالمنافع على مايأتيك ؛ وبعوض وهو الإجارة ، وسميت بيع المنافع لوجود معنى البيع وهو بذل الأعواض فى مقابلة المنفعة وهى على خلاف القياس ، لأن المنافع معدومة ، وبيع المعدوم لا يجوز ، إلا أنا جوّزناها لحاجة الناس إليها ، ومنع شمس الأئمة السرخسى هذا وقال : إنما يشترط الملك والوجود للقدرة على التسليم ، وهذا لا يتحقق فى المنافع ، لأنها عرض لاتبقى زمانين فلا معنى للاشترط ، فأقمنا العين - ٥١- وَلا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَنَافِعِ والأُجْرَةِ مَعْلَوَمَةً، وَمَا صَلَحَ ثْمَنَا صَلَحَ أُجْرَةً، وَتَفْسُدُبُالشُّرُوطِ . وَيَثْبُتُ فِيها خِيَارُ الرُّوْيَّةِ وَالشَّرْطِ وَالْعَيْبِ، وَتُقَالُ وَتُفْسَخُ وَالْمَنَافِعُ تُعْلَمُ بِذِكْرِ الْمُدَّةِ كَسْكِى الدَّارِ، وَزَّرْعِ الْأَرَضِينَ مُدَّةٌ مَعْلُومَةً أوْ بِالنَّسْمِيَةِ كَصَبْغِ الثَّوْبِ، وَخِيَاطَتِهِ ، وَإِجارَةِ الدَّابَّةِ لِحَمْلِ شَىْءٍ مَعْلُومٍ أوْ لِيَرْ كَبَها مَسَافَةً مَعْلُومَةً أَوْ بالإِشارَةِ كَحَمْلِ هَذا الطَّعامِ؛ وَإِنِ اسْتَأْجَرَ دارًا أوْ حانُونَا فَلَهُ أَنْ يَسْكُنَها وَيُسْكِّها مَنْ شَاءَ وَيَعْمَلَ فِيها ما شاء المنتفع بها مقام المنفعة فى حقّ إضافة العقد إليها ليترتب القبول على الإيجاب كقيام الذمة التى هى محل المسلم فيه مقام المعقود عليه فى حقّ جواز السلم ، وتنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة ليقترن الانعقاد بالاستيفاء ، فيتحقق بهذا الطريق التمكن من استيفاء المعقود عليه . والدليل على جوازها قوله تعالى - فان أرضعن لكم فاتوهنّ أجورهنّ - وقوله تعالى - ليتخذ بعضهم بعضا سخريا - أى بالعمل بالأجر. وقال عليه الصلاة والسلام ((من استأجر أجيرا فليعلمه أجره)). وبعث عليه الصلاة والسلام والناس يتعاملون بها فأقرّهم على ذلك وعليه الإجماع ، ولا تنعقد بلفظ البيع لأنه وضع تمليك الأعيان ، والإجارة تمليك منافع معدومة ؛ ويبدأ بتسليم المعقود عليه ليتمكن من الانتفاع ، لأن عين المنفعة لا يمكن تسليمها ، فأقمنا التمكين من الانتفاع مقامه . قال ( ولا بدّ من كون المنافع والأجرة معلومة ) قطعا للمنازعة ولما تقدم من الحديث . قال (وما صلح ثمنا صلح أجرة) لأنها ثمن أيضا ؛ فالمكيل والموزون والمزروع والمعدود والمتقارب يصلح أجرة على الوجه الذى يصلح ثمنا ، والحيوان يصلح إن كان عينا ، أما دينا فلا لأنه لايثبت فى الذمة ، والمنفعة تصلح أجرة فى الإجارة إذا اختلف جنساهما ، ولا تصلح ثمنا فى البيع لأن الثمن يملك بنفس العقد ، والمنفعة لا يمكن تمليكها بنفس العقد . قال (وتفسد بالشروط ، ويثبت فيها خيار الرؤية والشرط والعيب ، وتقال وتفسخ ) كما فى البيع. قال ( والمنافع تعلم بذكر المدّة كسكنى الدار وزرع الأرضين مدّة معلومة ) لأن المدّة إذا علمت تصير المنافع معلومة ( أو بالتسمية كصبغ الثوب ، وخياطته ، وإجارة الدابة لحمل شىء معلوم أو ليركبها مسافة معلومة ) لأنه إذا بين لون الصبغ وقدره وجنس الخياطة وقدر المحمول وجنسه والمسافة تصير المنافع معلومة ( أو بالإشارة كحمل هذا الطعام ) لأنه إذا عرف ما يحمله والموضع الذى يحمله إليه تصير المنفعة معلومة . قال ( وإن استأجر دارا أو حانوتا فله أن يسكنها ويسكنها من شاء ويعمل فيها ماشاء ) من وضع المتاع وربط الحيوان وغيره وإن لم يسمّ ذلك، لأن المقصود المتعارف من الدور والحوانيت ذلك ، ومنافع - ٥٢ - إلاَّ القِصَارَةَ وَالجِدَادَةَ والطَّحْنَ؛ وَإِنِ اسْتَأْ جَرَ أَرْضًا لِلزّرَاعَةِ بَّيْنَ ما يُزْرِعُ فِيها، أوْ يَقُولُ عَلَى أنْ يَزْرَعَها ما شاءَ، وَهَكَذَا رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَلُبْسُ الثَوبِ إلاّ أنه إذَا لَبِسَ أَوْ رَكِبَ وَاحِدٌ تَعَّنَ؛ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِلْبِناءِ وَالغَرْسِ فانْقَضَتِ الْمُدَّةُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُها فارِغَةٌ كما قَبَضَهَا، وَالرَّطْبَةُ كالشَّجَرِ، فَإِنْ كانَتِ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بالْقَلْعِ يَغْرَمُ لَهُ الْآجِرُ قِيمَةَ ذلكَ مَقْلُوعا وَيَتَمَلَكُهُ، وَإِنْ كانَتِ الأَرْضُ لا تَنْقُصُ، فانْ شاءَ صَاحِبُ الأرْضِ أنْ يَضْمَنَ لَهُ القِيمَةَ وَيَتَمْلَّكَهُ فَلَّهُ ذلكَ بِرِضَا صَاحِيِهِ، أَوْ يَتْرَاضَيَانِ فَتَكُونُ الأرْضُ لِهَذَا وَالْبِناءُ لِهَذَا، وَإِنْ تَّى ما يَحْمِلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ كَقَفِيزِ حِنْطَةٍ فَلَهُ أن يَحْمِلَ ما هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَخَفُّ كالشَّعِيرِ، وَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْمِلَ ما هَوَ أثْقَلُ كالمِلْحِ ، السكنى غير متفاوتة فى ذلك . قال ( إلا القصارة والحدادة والطحن ) لأنها توهن البناء وفيه ضرر فلا يقتضيه العقد إلا بالتسمية ، وإن كانت الدار ضيقة ليس له أن يربط الدابة فيها لعدم العادة . قال ( وإن استأجر أرضا للزراعة بين ما يزرع فيها أو يقول على أن يزرعها ما شاء ) لأن منافع الزراعة مختلفة وكذلك تضرّر الأرض بالزراعة مختلف باختلاف المزروعات فيفضى إلى المنازعة ، فاذا بين ما يزرع أو قال على أن يزرعها ماشاء انقطعت المنازعة ( وهكذا ركوب الدابة وليس الثوب ) وكل ما يختلف باختلاف المستعملين ، لأن الناس يختلفون فى الركوب واللبس فيفضى إلى المنازعة ، فإذا عين أو أطلق فلا منازعة ( إلا أنه إذا لبس أو ركب واحد تعين) فليس له أن يركب أو يلبس غيره كما إذا عينه فى الابتداء ويدخل فى إجارة الدور والأرضين الطريق والشرب ، لأن المقصود المنفعة ولا منفعة دونهما . قال ( وإذا استأجر أرضا للبناء والغرس فانقضت المدة يجب عليه تسليمها فارغة ؟! قبضها ) ليتمكن مالكها من الانتفاع بها فيقلع البناء والغرس لأنه لانهاية لهما ( والرطبة كالشجر ) لطول بقائه فى الأرض ؛ أما الزرع فله نهاية معلومة فيترك بأجر المثل إلى نهايته رعاية للجانبين ( فإن كانت الأرض تنقص بالقلع يغرم له الآجر قيمة ذلك مقلوعا ويتملكه) ترجيحا الجانب الأرض لأنها الأصل والبناء والغرس تبع ، وإنما يغرم قيمته مقلوعا لأنه مستحقّ" القلع، فتقوّم الأرض بدون البناء والشجر، وتقوّم وبها بناء أو شجر، ولصاحب الأرض أن يأمره بقلعه فيضمن فضل مابينهما (وإن كانت الأرض لاتنقص ، فان شاء صاحب الأرض أن يضمن له القيمة ) كما تقدم ( ويتملكه فله ذلك برضى صاحبه ، أو يتراضيان فتكون الأرض لهذا والبناء لهذا) لأن الحقّ لهما. قال (وإن سمى مايحمله على الدابة كقفيز حنطة فله أن يحمل ما هو مثله أو أخفّ كالشعير ، وليس له أن يحمل ما هو أثقل كالملح ، ١ - ٥٣ ج وَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُسَمَى فَغَطِبَتْ ضَمِنْ،َ بِقَدْرِ الزِّيادَةِ، وَإِنْ ◌َّى قَدْرًا مِنَّ القُطْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا، وَإنِ اسْتَأْ جَرَها لِيَرْكَبها فَأَرْدَفَ آخَرَ ضَمِنَ النَّصْفَ، فانْ ضَرَبها فَعَطِبَتْ ضَمِنْهَا (سم) . فصل الْأُجَرَاءُ: مُشْتَرَكٌ كالصَّبََّغِ وَالقَصَّارِ، وَلَامْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتى يَعْمَلَ، وَالمالُ أمانَةٌ فى يَدِهِ ، وإن زاد على المسمى فعطبت ضمن بقدر الزيادة ، وإن سمى قدرا من القطن فليس له أن يحمل مثل وزنه حديدا ) والأصل أن المستأجر إذا خالف إلى مثل المشروط أو أخف فلا شىء عليه ، لأن الرضا بأعلى الضررين رضى بالأدنى وبمثله دلالة ، وإن خلف إلى ما هو فوقه فى الضرر فعطبت الدابة ، فان كان من خلاف جنس المشروط ضمن الدابة ، لأنه متعدّ فى الجميع ولا أجر عليه ؛ وإن كان من جنسه ضمن بقدر الزيادة وعليه الأجر ، لأنها هلكت بفعل المأذون وغير ماذون ، فيقسم على قدرهما إلا إذا كان قدرا لا تطيقه فيضمن الكل لكونه غير معتاد فلا يكون مأذونا فيه ، والحديد أضرّ من القطن لأنه يجتمع فى موضع واحد من ظهر الدابة والقطن ينبسط . قال ( وإن استأجرها ليركبها فأردف آخر ضمن النصف ) وهی نظير الزیادة من الجنس تعلیلا وتفصيلا . قال ( فان ضربها فعطبت ضمنها ) وكذلك إن كبحها بلجامها إلا أن يكون أذن له فى ذلك ، وقالا : لا يضمن إلا أن يتجاوز المعتاد ، لأنه لابد من الضرب المعتاد فى السير ، فكان مأذونا فيه لأن المعتاد كالمشروط . ولأبى حنيفة أن السير يمكن بدون ذلك بتحريك الرجل والصيحة ، فلا يملك ذلك إلا بصريح الإذن ؛ وكذا لو استأجر حمارا بسرج فأوكفه ضمن عنده ، وقالا : لا يضمن إلا أن يكون أثقل من السرج فيضمن قدر الزيادة ، أو يكون لايوكف، بمثله الحمر فيضمن الكل ، لأنه إذا كان يوكف بمثله الحمر صار هو والسرج سواء فيكون مأذونا فيه دلالة . وله أن الإكاف للحمل والسرج للركوب فكان خلاف الجنس ، ولأنه ينبسط على ظهر الدابة أكثر من السرج فكان أضرّ فيضمن للمخالفة . فصل (الأجراء : مشترك كالصباغ والقصار ) لأن المعقود عليه إما العمل أو أثره ، والمنفعة غير مستحقة فله أن يعمل للغير فكان مشتركا ( ولا يستحقّ الأجرة حتى يعمل ) لأن الأجرة لا تستحقّ بالعقد على ما سنبينه إن شاء الله تعالى ( والمال أمانة فى يده ) لأنه قبضه - ٥٤ - إلاَّ أن يَتْلَفَ بِعَمَلِهِ، كَتَخْرِيقِ الثَّوْبِ مِنْ دَقِّهِ، وَزَلَقِ الْحَمَّالِ، وَانْقِطاع الجَبْل مِنْ شَدَّهِ وَتَحْوِ ذلكَ، إلاَّ أنَّهُ لا يَضْمَنُ الآدَمِىَّ إذَا غَرِقَ فى السَّفِينَةِ مِنْ مَدّهِ، أَوْ سَقَطَ مِنَ الدَّابَّةِ بِسَوْقِهِ وَقَوْدِهِ. وَلَا ضَانَ عَلى الفَصَّادِ وَالَبَزَّاغ إلاَّ أنْ يَتَجَاوَزَ الْمَوْضِعَ الْمُعْنَادَ، وَخاصٌّ كالمُسْتَأْجَرٍ شَهْرًاً لِلْخِدْمَةِ وَرَعْ الغَمْ وَنَحْوِهِ، وَيَسْتَحِقُّ الْأجْرَةَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ وَإِنْ كَمْ يَعْمَلْ، وَلا يَضْمَنُ ما تَلِفَ فى يَدِهِ وَلا بِعَمَلِهِ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدِ الفَسادَ، باذن المالك فلا يضمنه ( إلاأن يتلف بعمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الحمال وانقطاع الحبل من شدّه ونحو ذلك) لأنه مضاف إلى فعله وهو لم يؤمر إلا بعمل فيه صلاح ، فاذا أفسده فقد خالف فيضمن ( إلا أنه لا يضمن الآدمى إذا غرق فى السفينة من مدّه ، أو سقط من الدابة بسوق وقوده ) لأن الآدمى لا يضمن بالعقد وإنما يضمن بالجناية ، ولوغرقت من موج أو ريح أو صدم جبل أو زوحم الحمال فلا ضمان عليهم ، لأنه لا فعل لهم فى ذلك ، ولو تلف بفعل أجير القصار لا متعمدا فالضمان على الأستاذ ، لأن فعل الأجير مضاف إلى أستاذه . وقال أبو يوسف ومحمد : يضمن سواء هلك بفعله أو بغير فعله، إلامالا يمكن الاحتراز عنه كالموت والحريق والغرق الغالب والعدوّ المكابر، لأنه يجب عليه حفظه عما يمكن التحرّز عنه ، فاذا تركه ضمن كما إذا هلك بفعله ، وهو مروىّ عن عمر وعلىّ رضى الله عنهما ؛ ثم إن شاء ضمنه معمولا وأعطاه الأجر وغير معمول ولا أجر له . وقال زفر : لا يضمن فى الوجهين لأنه عمل بأمر المالك وصار كأجير الوحد ، وجوابه ما مرّ لأبى حنيفة. قال ( ولاضمان على الفصاد والبزاغ (١) إلا أن يتجاوز الموضع المعتاد ) لأنه إذا فعل المعتاد لا يمكنه الاحتراز عن السراية ، لأنه يبتنى على قوّة المزاج وضعفه وذلك غير معلوم فلا يتقيد به ، بخلاف دق الثوب لأن رقته وتخانته تعرف لأهل الخبرة به فتقيد بالصلاح ؛ ولو قال للخياط : إن كفانى هذا الثوب قميصا فاقطعه فقطعه فلم يكفه ضمن ، لأنه إنما أذن له فى القطع بشرط الكفاية ؛ ولو قال له : هل يكفينى ؟ فقال نعم ، قال فاقطع فلم يكفه لا يضمن لأنه أمره بالقطع مطلقا . قال ( وخاصّ كالمستأجر شهراً للخدمة ورعى الغنم ونحوه ) لأن منافعه صارت مستحقة للمستأجر طول المدّة فلا يمكنه صرفها إلى غيره فلهذا كان خاصا ، ويسمى أجير الوحد أيضا ( ويستحق الأجرة بتسليم نفسه وإن لم يعمل ( لأنها مقابلة بالمنافع ، وإنما ذكر العمل لصرف المنفعة المستحقة إلى تلك الجهة ، ومنافعه صارت مستوفاة بالتسليم تقديرا حيث فوّتها عليه فاستحق الأجرة . قال ( ولا يضمن ما تلف فى يده ) لما مرّ (ولا بعمله إذا لم يتعمد الفساد ) لأن المعقود عليه المنفعة وهى سليمة ، والمعيب العمل الذى هو (١) قوله البزاغ : البيطار الذى يسمى في عرفنا البيطرى اهـ مصححه . -٥٥ - وَمَنِ اسْتَأَجَرَ عَبْدًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إلاَّ أنْ يَشْرِطَهُ . وَالْأُجْرَةُ تُسْتَحَقّ باسْتِيفاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، أَوْ باشْتِرَاطِ التَّعْجِيلِ أَوْ بِتَعْجِيلِها، وَإذاَا تَسَلَّمَ الَعْيْنَ الْمُسْتَأُ جَرَةَ فَعَلَيْهِ الأجْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، فإنْ غُصِبَتْ مِنْهُ سَقَطَ الأجْرُ، وَلِرَبّ الدَّارِ أنْ يُطالِبَ بِأُجْرَةٍ كُلِّ يَوْمٍ ، تسليم المنفعة وهو غير معقود عليه ولا يكون مضمونا عليه ، ولأن المنافع إذا صارت ملكا للمستأجر فإذا أمره بالعمل انتقل عمله إليه ، لأنه يصير نائبا عنه فيصير كأنه فعله بنفسه ، وما تلف من عمله ضمانه على أستاذه لما أنه أجیر خاص . قال ( ومن استأجر عبدا فليس له أن يسافر به إلا أن يشرطه ) لأن خدمة السفر أشقّ فلا ينتظمها العقد إلا بشرط ، فإن استأجره للخدمة فعليه خدمته من السحر إلى أن ينام الناس بعد العشاء عملا بالعرف فى الخدمة وعليه خدمة البيت والضيف دون الخبز والطبخ والخياطة وعلف الدواب ونحو ذلك ، ولو آجر عبده سنة ثم أعتقه فى خلالها جاز العتق ؛ والعبد إن شاء مضى على الإجارة وإن شاء فسخ، وأجرة مامضى للسيد وما بقى للعبد ، لأن منفعته بعد العتق له فيكون له بدلها ، وإذا أجاز فليس له فسخها بعد ذلك، وليس للعبد قبض الأجرة إلا بإذن المولى . فصل ( والأجرة تستحق" باستيفاء المعقود عليه ، أو باشتراط التعجيل أو بتعجيلها ) لأن الأجرة لاتجب بنفس العقد لقوله عليه الصلاة والسلام ((أعطو الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقِه)) ولو وجبت بنفس العقد لما جاز تأخيره إلا برضاه ، والنصّ يقتضى الوجوب بعد الفراغ ، لأن العرق إنما يوجد بالعمل ، ولأن المنفعة لا يمكن استيفاؤها لذى العقد لأنها تحدث شيئا فشيئا ، وهى عقد معاوضة فتقتضى المساواة فلا تجب الأجرة بنفس العقد ، فاذا استوفى المعقود عليه استحقّ الأجرة عملا بالمساواة، وإذا اشترط التعجيل أو عجلها فقد رضى باسقاط حقه فى التأجيل فيسقط . قال ( وإذا تسلم العين المستأجرة فعليه الأجرة وإن لم ينتفع بها ) لأن تسليم المنفعة غير ممكن فأقيم تسليم العين مقامها ليتمكن من الانتفاع . قال ( فان غصبت منه سقط الأجر ) لأنه زال التمكن فبطلت لما بينا أنها تنعقد شيئا فشيئا ، ولو غصبها فى بعض المدة سقطت حصته لما بينا . قال (ولربّ الدار أن يطالب بأجرة كلّ يوم ) وكذا جميع العقار ، لأن أحد العوضين صار منتفعا به مدّة مقصودة ، فيجب أن يكون العوض الآخر كذلك تحقيقا للمساواة ؛ وقضية ما ذكرنا أن له المطالبة ساعة فساعة إلا أن فيه حرجا عظيما وضررا ظاهرا فقد رناه باليوم تيسيرا ، ولأنا لا نعرف - ٥٦ - وَالْجَمَّالِ بِأَجْرَةٍ كُلّ مَرْحَلَةٍ، وَتَحَامُ الْخْبِزِ إِخْرَاجُهُ مِنَ التَّنُّورِ، وَتَحَامٌ الطَّبْخِ غَرْفُهُ، وَتَحَامُ ضَرْبِ اللَّبِنِ إِقامَتُهُ (سم)، وَمَنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فى العَبْنِ كالصَّبَّاغِ وَالْحَيَّطِ وَالقَصَّارِ يَجْبِسُهَا حَّى يَسْتَوِفَ الْأجْرَ، فانْ حَبَسَهَا فَضَاعَتْ لا شَىءَ (سم) وَلا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ لاأثَرَ لِعَمَلِهِ كَالْحَمَّالِ وَالغَّسَّالِ تَيْسَ لَهُ ذلكَ، وَإِذَا شُرِطَ عَلى الصَّانِعِ العَمَلُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ لهُ أنْ يَسْتَعْمِلَ غيرَهُ ، حصة كلّ ساعة . قال ( والجمال بأجرة كل مرحلة ) لما بينا . وعن أبى يوسف إذا سار ثلث الطريق أو نصفه لزمه التسليم . وعن أبى حنيفة إذا انقضت المدّة وانهى السفر وهو قول زفر ، لأن المعقود عليه شىء واحد وهو قطع هذه المسافة أوسكنى هذه المدّة فلا ينقسم الأجر على أجزائها كالعمل ، وكأن أبا يوسف أقام الثلث أو النصف مقام الكل على أصله ، وجوابه ما بينا ، ثم رجع أبو حنيفة إلى ما ذكرنا أوّلا . قال ( وتمام الخبر إخراجه من التنور ) وكذلك الآجرّ لأنه لا ينتفع به قبل ذلك ، فلو اخترق أو سقط من يده قبل ذلك فلا أجر له بهلاكه قبل التسليم ، وإن هلك بعد الإخراج بغير فعله فلا ضمان عليه وله الأجر ، لأنه سلمه إليه حيث وضعه فى بيته ولم يهلك بفعله . قال ( وتمام الطبخ غرفه ) إن كان فى ولمة ، وإن طبخ قدر طعام لصاحبه فليس عليه الغرف للعرف. قال ( وتمام ضرب اللبن إقامته ) وقالا: تشريجه لأن بالتشريج يؤمن عليه الفساد ، وهو من عمله عرفا فيلزمه . ولأبى حنيفة أن العمل تم بالإقامة لأنه يمكنه الانتفاع به من غير خلل فلا يلزمه شىء آخر ، والتشريج فعل آخر فلا يلزمه إلا بالشرط ولو كان فى غير ملكه ، فما لم يشرجه ويسلمه إلى المستأجر فلا أجر له وهو فى ضمانه . قال ( ومن لعمله أثر فى العين كالصباغ والخياط والقصار يحبسها حتى يستوفى الأجر ) لأن له حبس صبغه وغيره بحبس المحل حتى يستوفى الثمن (١) كالمبيع ( فان حبسها فضاعت لا شىء عليه ) لأنه أمانة فییده ( ولا أجر له) وعندهما هو مضمون بعد الحبس کقبله ، فان ضمنه معمولا فله الأجر وغير معمول لا أجر له . قال ( ومن لا أثر لعمله كالحمال والغسال ليس له ذلك ) لأنه ليس له عين يحبسها والمعقود عليه نفس العمل فلا يتصوّر حبسه ، فان حبسه فهو غاصب ، بخلاف ردّ الآبق حيث له حبسه على الجعل ، وإن لم يكن لعمله أثر لأنه عرف نصا ، ولأنه كان على شرف الهلاك وقد أحياه بالردّ فكأنه باعه . قال (وإذا شرط على الصانع العمل بنفسه ليس له أن يستعمل غيره) لأن العمل يختلف باختلاف الصناع جودة ورداءة ، فكان الشرط مفيدا ، فيتعين كما تتعين المنفعة فى محل بعينه ، وإن أطلق له العمل فله أن يعمل بنفسه وبغيره ، لأن المستحقّ مطلق العمل، ويمكنه إيفاؤه بنفسه وبغيره فافترقا (١) قوله الثمن : أى حقه . ١ - ٥٧ - وَإِنْ قالَ: إِنْ سَكَّنْتَ هَذَا الجانُوَتَ عَطَّارًا فَبِدِرْهَمٍ، وَحَدَّادًا بِدِرْهَمْنٍ جازَ (سم)، وأىُّ العَمَّلْيْن عَمِلَ اسْتَحَقّ المُسَمَّى لَهُ فصل وَإِذَا فَسَدَتِ الإِجارَةُ يُحِبُ أَجْرُ المِثْلِ، قال ( وإن قال : إن سكنت هذا الحانوت عطارا فبدرهم ، وحدّادا بدرهمين جاز ، وأىّ العملين عمل استحقّ المسمى له) وقالا : الإجارة فاسدة ، وعلى هذا الخلاف إن استأجر دابة إلى الخيرة بدرهم وإلى القادسية بدرهمين ، أو إن حمل عليها كرّ شعير فيدرهم وكرّ حنطة بدرهمين . لهما أن المعقود عليه أحد الشيئين ، والأجر أحد الأجرين ، وتجب ؛ لتخلية والتسليم وأنه مجهول ، بخلاف الخياطة الرومية والفارسية ، لأن الأجرة تجب بالعمل ، وبه ترتفع الجهالة فافترقا . ولأبى حنيفة أنه خيره بين عقدين مختلفين صحيحين ، لأن سكنى العطار تحالف سكنى الحدّاد حتى لا تدخل فى مطلق العقد ، وكذا بقية المسائل والإجارة تعقد للمنفعة ، وعندهما ترتفع الجهالة فيصحّ كالفارسية والرومية ، وإن وجب الأجر بالتسليم يجب أقلهما للتيقن به ، ولو قال : إن خطت هذا الثوب فارسيا فبدرهم وروميا فبدر همين جاز، وأىّ العملين عمل استحقّ أجرته، وقد مرّ وجهه . وقال زفر : الإجارة فاسدة بجهالة البدل فى الحال ، وجوابه ما مرّ . فصل اعلم أن الإجارة تفسد بالشروط كما يفسد البيع ، وكلّ جهالة تفسد البيع فسد الإجارة من جهالة المعقود عليه أو الأجرة أو المدّة لما عرف أن الجهالة مفضية إلى المنازعة . والأصل قوله عليه الصلاة والسلام ((من استأجر أجيرا فليعلمه أجره )) شرط أن تكون الأجرة معلومة كما شرطه فى البيع ؛ ولو آجر الدار على أن يعمرها أو يطينها أو يضع فيها جذعا فهو فاسد لجهالة الأجرة لأن بعضها مجهول ، لأنه لا يدرى ما يحتاج إليه من العمارة ، ويعرف غيرها من الشروط المفسدة لمن يتأملها فتقاس عليها ( وإذا فسدت الإجارة يجب أجر المثل ) لأن التسمية إنما تجب بالعقود الصحيحة . أما الفاسدة فتجب فيها قيمة المعقود عليه كما فى البيع . وقال عليه الصلاة والسلام فى النكاح بغير مهر (( فإن دخل بها فلها مهر مثلها لاوكس ولا شطط (١))) فدلّ على وجوب القيمة فى العقد الفاسد . (١) قوله لاوكس ولا شطط، قال فى مختار الصحاح: الوكس : النقص ، وقد وكس الشىء من باب وعد. وفى الحديث ((لها مهر مثلها لاوكس ولا شطط)) أى لانقصان ولا زيادة اهـ مصححه . - ٥٨- وَلَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَِّ، وَإِذَا اسْتَأْ جَرُوا دَارًا كَلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ فى شَهْرٍ وَاحِدٍ وَفَسَدَ فى بَقِيَّةِ الشُّهُورِ إلاَّ أنْ يُسَمِّىَ شُهُورًا مَعْلُومَةً، فإذَا تَمَّ الشَّهْرُ فَلِكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُما نَقْضُ الإِجارَةِ، فإنْ سَكَنَ ساعَةً فى الشَّهْرِ الثَّانِى صَحّ العَقْدُ فِيهِ، وكذلكَ كُلُّ شَهْرِ سَكَنَ أوّلَهُ؛ وَمَنِ اسْتَأْجَرَ جَمَلاً لِيَحْمِلَ لَهُ مْمَلَاً إلى مَكَّةَ جازَ وَلَهُ الْمُعْتَادُ مِنْ ذلكَ، وَإنٍ اسْتَأْ جَرَهُ لِحَمْلِ الزَّاد فأكَلَ مِنْهُ فَلَهُ أنْ يَرُدَّ عِوَضَهُ ، ( ولا يزاد على المسمى ) لأن المنافع لاقيمة لها إلا بعقد أو شبهة عقد ضرورة لحاجة الناس ، وقد قوّماها فى العقد بما سميا ، فيكون ذلك إسقاطا للزيادة ، بخلاف البيع ، لأن الأعيان متقوّمة بنفسها ، فإذا بطل المسمى يصير كأنها تلفت بغير عقد فتجب القيمة . قال ( وإذا استأجر دارا كلّ شهر بدرهم صحّ فى شهر واحد ) لأنه معلوم ( وفسد فى بقية الشهور ) لأن كلّ كلمة للعموم وأنه مجهول ( إلا أن يسمى شهورا معلومة) فيكون صحيحا فى الكل لكونه معلوما . قال (فإذا تمَّ الشهر) فى المسئلة الأولى ( فلكلّ واحد منهما نقض الإجارة) لانتهاء المدّة ( فإن سكن ساعة فى الشهر الثانى صحّ العقد فيه ) أيضا ( وكذلك كلّ شهر سكن أوّله ) لتمام العقد بتراضيهما بالسكنى ، وقيل يبقى الخيار لهما فى أوّل ليلة فى الشهر ويومها دفعا للحرج عنهما ، لما فيه من اللزوم بغير التزامهما . قال ( ومن استأجر جملا ليحمل له محملا إلى مكة جاز وله المعتاد من ذلك ) والقياس أن لا يجوز لأنه مجهول إلا أن الأصل أن مالانص فيه يرجع فيه إلى المتعارف، والمقصود الراكب والمحمل تبع، والجهالة فيه ترتفع بالرجوع إلى المعتاد فلا تفضى إلى المنازعة ، وإن شاهد الجمل المحمل فهو أولى قطعا للمنازعة لدلالته على الرضى . قال ( وإن استأجره لحمل الزاد فأكل منه فله أن يرد عوضه ) لأنه يستحقّ عليه حمل قدر معلوم طول الطريق، فيرد" عوض ما أكل ، وهو معتاد عند الناس إذا نقص عليهم ، وهكذا غير الزاد إذا أكله يردّ مثله لما بينا ؛ ولو استأجر بعيرين ليحمل على أحدهما محملافيه رجلان وما لهما من الوطاء (١) والدثار (٢) ولم يعاين المكارى ذلك ، وعلى الآخر زاملة فيه قدر من الزاد وما يحتاج إليه من الخلّ والزيت ونحوهما ، وما يكفيه من الماء ولم يبين قدره ، وما يصلح من القربة وخيطها والميضأة (٣) والمطهرة ولم يبين وزنه ، أو شرط أن يحمل هدايا من مكة ما يحمله الناس، فهو جائز استحسانا ، لأن ذلك معلوم عرفا ، والمعلوم عرفا كالمشروط ، ويحمل قربتين من ماء . (١) قوله الوطاء : هو الفراش الذى يفرش تحت الركاب . (٢) والدثار: هو الذى يتغطى به الراكب . (٣) قوله الميضأة ، قال فى القاموس : والميضأة : الموضع يتوضأ فيه ومنه: - ٥٩ - وَيَجُورُ سْتِنْجَارُ الظِّْرِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَيَجُوزُ بِطَعامِها وَكَسَوَتِهَا (سم)، وَلَا يَمْنَعَ زَوْجَهَا مِنْ وَطَنْهَا، وَلا تَجُوزُ الإِجارَةُ عَلَى الطَّاعَاتِ كالحَجّ وَالأُذَانِ وَالإِمامَةِ وَتَعْلِيمِ القُرآنِ وَالْفِقْهِ، وَبَعْضُ أصْحابِنا الْمُتْخِّرِينَ قَالَ: يَجُوزُ وإداوتين من أعظم ما يكون ، وكذلك إذا اكترى عقبة للتعارف ، وكذلك إذا استأجر دابة ليتعاقبا فى الركوب ينزل أحدهما ويركب الآخر ، وإن لم يبين مقدار ما يركب كلّ واحد منهما لجريان التعارف بذلك . قال ( ويجوز استئجار الظئر بأجرة معلومة ) لقوله تعالى - فان أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ - ولأن التعامل بذلك جار بين الناس. قال ( ويجوز بطعامها وكسوتها ) وقالا : لا يجوز وهو القياس للجهالة ، فإن طعامها وكسوتها مجهول حتى لو شرط قدرا من الطعام كلّ يوم وكسوة ثوب موصوف الجنس والطول والعرض كلّ ستة أشهر جاز بالإجماع . ولأبى حنيفة أن هذه الجهالة لا تفضى إلى المنازعة ، لأن العادة جرت بالتوسعة على الأظار وعدم المماكسة معهنّ، وإعطائهنّ شهواتهنَ شفقة على الأولاد ، ويجب عليها القيام بأمر الصبىّ مما يصلحه من رضاعه وغسل ثيابه وإصلاح طعامه وما يداوى به ، لأن هذه الأعمال مشروطة عليها عرفا ، ولو أرضعته جاريتها أو استأجرت من أرضعته فلها الأجر لأنها بمنزلة الأجير المشترك لأن المعقود عليه العمل ، ولو شرط أن ترضعه بنفسها فأرضعته جاريتها فلا أجر لها للمخالفة فيما فيه تفاوت ، وقيل لها الأجر لأن المقصود من الإرضاع حياة الصبىّ وهما سواء فيه ، وما بينهما من التفاوت يسير لا يعتبر ؛ ولو أرضعته بلبن غنم أو بقر فلا أجر لها ، لأنه إيجار وليس بارضاع . قال ( ولا يمنع زوجها من وطنها) لأن حقه ثابت بالنكاح قبل الإجارة ، وهو قائم بعدها ، ولهم منعه من غشيانها فى منزلهم مخافة الحبل ، ولأنه ليس له ولاية الدخول إلى ملك الغير بغير أمره ، فان حبلت فلهم فسخ الإجارة ؛ وكذلك إن كان الصبىّ لايرضع لبنها أو يقذفه أو يتقايأه ، أو تكون سارقة أو فاجرة ، أو يريدون السفر ، لأن كل ذلك أعذار ، ولأن الصبىّ يستضرّ بلبنها، وكذلك إذا مرضت ، وكذا لو مات الصبىّ أو الطئر انتقضت الإجارة ولزوجها نقض الإجارة إذا لم يرض صيانة لحقه . قال ( ولا تجوز الإجارة على الطاعات كالحجّ والأذان والإمامة وتعليم القرآن والفقه) لما روى عن عثمان بن أبى العاص رضى الله عنه أنه قال : آخر ما عهد إلىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أتخذ مؤذنا يأخذ على الأذان أجرا ، ولأن القربة تقع من العامل . قال الله تعالى - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى - فلا يجوز له أخذ الأجرة من غيره كالصوم والصلاة"، وكذا لا يجوز على تعليم الصنائع ، لأن التعليم لا يقوم بالمعلم بل به وبالمتعلم وهو ذكاوَّه وفطنته فلا يكون مقدورا له ، أو نقول هما شريكان ، فلا تصحّ الإجارة من أحدهما ( وبعض أصحابنا المتأخرين قال : يجوز - ٦٠ - عَلَى التَّعْلِيمِ وَالإِمامَةِ فِى زَمَانِنا، وَعَلَيْهِ الفَتْوَى، وَلاَ تَجُوزُ عَلى المَعَاصِى كالغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَتَحْوِهِما، وَلا عَلى عَسْبِ التَّيْسِ، وَتَجُوزُ أُجْرَةُ الحَجَّامِ وَالْحَمَّامِ؛ وَمَنِ اسْتَأْجَرَ دابَّةٌ لِيَحْمِلَ عَلْها طَعامًا بِقَفِيزٍ مِنْهُ فَهُوَ فاسدٌ، وَلَوْ قالَ: أمَّرْتُكَ أنْ تخِيطَهُ قَبَاءَ، وَقَالَ الْخَيَّاطُ قَمِيصًا، فالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ وُيُحَلَّفُ، فَإِذَا حَلَفَ فالْحَيَّاظُ ضَامِنَّ؛ وَلَوْ قالَ: خِطْئَهُ بَغْيرِ أُجْرٍ، وَقَالَ الصَّانِعُ بِأَجْرٍ، فإنْ كانَ قَبْلَ العَمَلِ يَتَحَالَفَانِ وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِير، على التعليم والإمامة فى زماننا ، وعليه الفتوى ) لحاجة الناس إليه وظهور التوانى فى الأمور الدينية ، وكسل الناس فى الاحتساب ، فلو امتنع الجواز يضيع حفظ القرآن ؛ ولو استأجر مصحفا أو كتابا ليقرأ منه لم يجز ولا أجر له ، لأن القراءة والنظر منفعة تحدث من القارئ لامن الكتاب ، فصار كما لو استأجر شيئا لينظر إليه لا يجوز . قال ( ولاتجوز على المعاصى كالغناء والنوح ونحوهما ) لأنها لا تستحقّ بالعقد فلا تجوز. قال ( ولا على عسب التيس ) لهیه صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهو أن يستأجر التيس لينزو على غنمه ويدخل فيه كل فحل كالحصان والحمار وغيرهما . أما النزو بغير أجر لابأس به ، وأخذ الأجر عليه حرام . قال ( وتجوز أجرة الحجام) فقد صحّ أنه عليه الصلاة والسلام احتجم وأعطى الحجام أجره والنهى الوارد فيه للإشفاق لما فيه من الدناءة وباجماع المسلمين . قال ( والحمام) للتعامل ولا اعتبار للجهالة مع اصطلاح المسلمين . قال ( ومن استأجر دابة ليحمل عليها طعاما بقفيز منه فهو فاسد) لأنه جعل الأجر بعض ما يخرج من عمله فصار كقفيز الطحان، وقد نهى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن قفيز الطحان ، وهو أن يستأجر ثورا أو رحى ليطحن له حنطة بقفيز منها . وينبنى على هذا مسائل كثيرة تعرف بالتأمل : منها إذا دفع إلى حائك غزلا لينسجه بالنصف ، والمعنى فيه أن المستأجر عجز عن الأجرة وهو بعض المنسوج والمطحون ، لأن ذلك إنما يحصل بفعل الأجر فلا يكون قادرا بقدرة غيره . قال ( ولو قال أمرتك أن تخيطه قباء ، وقال الخياط قميصا فالقول لصاحب الثوب ) وكذا إذا اختلفا فى صبغ الثوب أصفر أو أحمر ، أو بزعفران أو بعصفر ؛ ووجهه أن الخياط والصباغ أقرّ بسبب الضمان وهو التصرّف فى ملك الغير ، ثم ادّعى ما يبرئه وصاحبه ينكر ، ولأن الإذن يستفاد من جهة ربّ الثوب فيكون القول قوله لأنه أخبر بذلك ( ويحلف ) لأنه لو أقرّ لزمه فيحلف لاحتمال النكول ( فإذا حلف فالخياط ضامن) معناه: إن شاء ضمنه الثوب ، وإن شاء أخذه وأعطاه أجر مثله ، أو ما زاد الصبغ فى رواية ( ولو قال خطته بغير جر، وقال الصانع بأجر ، فان كان قبل العمل يتحالفان ويبدأ بيمين المستأجر ( لأن كل واحد منهما يدّعى عقدا والآخر ينكره، لأن أحدهما يدّعى هبة العمل، والآخر يدّعى بيعه