النص المفهرس
صفحات 1-20
الاخْتَارِ تعليْل المختار تأليف عبد الله بن محمود بن مودود الموصلى الحنفى وعليه تعليقات لفضيلة المرحوم الشيخ محمود أبو دقيقة من أكابر علماء الحنفية والمدرس بكلية أصول الدين سابقا المُالثَّانِىُ مقرر تدريسه لطلبة السنة الثانية الثانوية بالجامعة الأزهرية دار الكتب العلمية بیروت - لبنان يطلب من: دار الكتب العلمية بيروت لبنان هاتف : ٣٦٦١٣٥ ضَربَ: ١١/٩٤٢٤ تلكس : Nasher 41245Le مَنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقَهْهُ فى الديِنِ ( حديث شريف ) بيع الصَّ الرحمن الرحيم كتاب البيوع بسم اللهالرحمن الرحيم كتاب البيوع البيع فى اللغة : مطلق المبادلة ، وكذلك الشراء ، سواء كانت فى مال أو غيره . قال الله تبارك وتعالى - إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم - وقال تعالى - ألئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة - . وفى الشرع: مبادلة المال المتقوّم بالمال المتقوّم تمليكا وتملكا (١) ، فان وجد تمليك المسال بالمنافع فهو إجارة أو نكاح ، وإن وجد مجانا فهو هبة ، وهو عقد مشروع ثبتت شرعيته بالكتاب والسنة والمعقول . أما الكتاب فقوله تعالى - وأحل الله البيع - وقال - إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم . - وأما السنة فلأنه صلى الله عليه وسلم بعث والناس يتبايعون فأقرّهم عليه ، وقد باع عليه الصلاة والسلام واشترى مباشرة وتوكيلا ، وعلى شرعيته الإجماع . والمعقول وهو أن الحاجة ماسة إلى شرعيته ، فان الناس محتاجون إلى الأعواص والسلع والطعام والشراب الذى فى أيدى بعضهم ولا طريق لهم إلا البيع والشراء ، فان ما جبلت عليه الطباع من الشحّ والضنة وحبّ المال يمنعهم من إخراجه بغير عوض ، فاحتاجوا إلى المعاوضة فوجب أن يشرع دفعا لحاجته . (١) ولم يذكر المصنف بتراض ليشمل التعريف ما لا يكون بتراض كبيع المكره فانه ينعقد ، ويمكن الجمع بين قول من ترك هذا القيد ومن ذكره ، بأن من ذكره أراد تعريف البيع النافذ ، ومن تركه أراد تعريف البيع مطلقا . -٤- البَيْعُ يَنْعَقِدِ بالإِيجَابِ وَالقَبُولِ بِلَفْظَى المَاضِى كَبَقَوْلِهِ: بِعْتُ وَاشْتَرَبْتُ وَبِكُلَّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُمَا وَبَالتَّعَاطِى (ف). وَإِذَا أَوْجَبَ أَحَدُهُما البَيْعَ فالآخَرُ إنْ شاءَ قَبِلَ وَإنْ شاءَ رَدَّ، وأُّيُهُما قامَ قَبْلَ القَبُولِ بَطَلَ الإيجابُ، وركنه الإيجاب والقبول لأنهما يدلان على الرضا الذى تعلق به الحكم ، وكذا ما كان فى معناهما. وشرطه : أهلية المتعاقدين حتى لا ينعقد من غير أهل. ومحله: المال لأنه ينبئْ عنه شرعا . وحكمه : ثبوت الملك للمشترى فى المبيع والبائع فى الثمن إذا كان باتا ، وعند الإجازة إذا كان موقوفا . قال ( البيع ينعقد بالإيجاب (١) والقبول بلفظى الماضى كقوله : بعت واشتريت ) لأنه إنشاء ، والشرغ قد اعتبر الإخبار إنشاء فى جميع العقود فينعقد به ، ولأن الماضى إيجاب وقطع ، والمستقبل عدة أو أمر وتوکیل ، فلهذا انعقد بالماضى . قال ( وبكل لفظ يدل على معناهما ) كقوله أعطيتك بكذا ، أوخذه بكذا ، أو ملكتك بكذا ، فقال : أخذت ، أو قبلت ، أو رضيت ، أو أمضيت ، لأنه يدلّ على معنى القبول والرضى ، والعبرة للمعانى . وكذلك لو قال المشترى : اشتريت بكذا ، فقال البائع : رضيت، أو أمضيت ، أو أجزت لما ذكرنا . قال ( وبالتعاطى ) فى الأشياء الخسيسة والنفيسة ، نص عليه محمد لأنه يدلّ على الرضا المقصود من الإيجاب والقبول. وذكر الكرخى أنه ينعقد بالتعاطى فى الأشياء الخسيسة فيما جرت به العادة ، ولا ينعقد فيما لم تجربه العادة ؛ ولو قال بعنى ، فقال بعت ، أو قال اشتر منى ، فقال اشتريت ، لا ينعقد حتى يقول اشتريت أو بعت ، لأن قوله بعنى واشتر ليس بايجاب وإنما هو أمر، فاذا قال بعت أو اشتريت. فقد وجد شطر العقد ، فلا بد من وجود الآخر ليتم . وقيل إذا نوى الإيجاب فى الحال انعقد البيع وإلا فلا، وعلى هذا أبيعك هذا العبد أو أعطيكه، فيقول الآخر أشتريه أو أقبله أو آخذه إن نوی الأصح وإلا فلا. قال ( وإذا أو جب أحدهما البيع فالآخر إن شاء قبل وإن شاء ردّ ) لأنه مخير غير مجبر فيختار أيهما شاء، وهذا خيار القبول، ويمتدّ فى المجلس للحاجة إلى التفكر والتروى والمجلس جامع للمتفرّقات ، ويبطل بما يبطل به خيار المخيرة لأنه يدل على الإعراض ، وللموجب الرجوع لعدم إبطال حق الغير، وليس للمشترى القبول فى البعض ، لأنه تفريق الصفقة وأنه ضرر بالبائع، فان من عادة التجار ضم الردىء إلى الجيد فى البيع لتر ويج الردىء ، فلو صحّ التفريق يزول الجيد عن ملكه فيبقى الردىء فيتضرّر بذلك ، وكذلك المشترى يرغب فى الجميع، فاذا فرق البائع الصفقة عليه يتضرّر ( وأيهما قام قبل القبول بطل الإيجاب ) لأنه يدلّ على الإعراض وعدم الرضا وله ذلك (١) وهو فى اللغة: الإثبات، وفى الفقه: ما يذكر أوّلا من كلام المتعاقدين لأنه يثبت خيار القبول للآخر ، ذكره الشمنى . والقبول : ما يذكر آخرا . - ٥ - فاذًّا وُجِدَ الإِيجَابُ وَالْقَبُوُلُ لَزِمَهُما البَيْعُ بِلا خِيَارٍ مَجْلسٍ (ف)، وَلا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ المَبِيعِ مَعْرِفَةٌ نافيةٌ للجهالةِ، وَلا بُدَّ منْ مَعْرِفَةٍ مقْدَارِ الثَّمَن وَصِفَتِهِ إذَا كانَ فى الذَّّةَ، وَمَنْ أَطْلَقَ الثَّمَنَ فَهُوَ عَلَى غالبِ نَقْدِ البَلَدِ . وَيَجُوزُ بَيْعُ الكَيْلِىّ وَالوَزْنِىّ كَيْلاً وَوَزْنا وُجَازَفَةٌ؛ وَمَنْ بَاعَ صُْرَةَ طَعامٍ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ جازَ فِى قَفِيزٍ وَاحِدٍ (سم) ، وشطر العقد لا يتوقف على قبول الغائب كمن قال : بعت من فلان الغائب فبلغه فقبل لا ينعقد إلا إذا كان بكتابة أو رسالة ، فيعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة ، وعلى هذا الإجارة والهبة والكتابة والنكاح ؛ ولو تبايعا وهما يمشيان أو يسيران إن لم يفصلا بين كلاميهما بسكتة انعقد البيع ، وإن فصلا لم ينعقد ؛ وقال بعضهم : ينعقد ما لم يتفرقا بالأبدان ، والأول أصح . قال ( فإذا وجد الإيجاب والقبول لزمهما البيع بلا خيار مجلس) لأن العقد تمّ بالايجاب والقبول لوجود ركنه وشرائطه ، فخيار أحدهما الفسخ إضرارا بالآخر لما فيه من إبطال حقه ، والنص ينفيه ؛ وما روى من الحديث محمول على خيار القبول ، هكذا قاله النخعى لأن قوله المتبايعان يقتضى حالة المباشرة ، وقوله مالم يتفرقا : أى بالأقوال لأنه يحتمله فيحمل عليه توفيقا . قال (ولا بدّ من معرفة المبيع معرفة نافية للجهالة ) قطعا للمنازعة ، فإن كان حاضرا فيكتفى بالمباشرة ، لأنها موجبة للتعريف قاطعة للمنازعة . وإن كان غائبا ، فان كان مما يعرف بالأنموذج كالكيلى والوزنى والعددی المتقارب فرو یة الأنموذج کرو یة الجميع، إلا أن يختلف فیکون له خیار العيب ،فان كان مما لا يعرف بالأنموذج كالثياب والحيوان فيذكر له جميع الأوصاف قطعا للمنازعة ويكون له خيار الرؤية . قال (ولا بدّ من معرفة مقدار الثمن وصفته إذا كان فى الذمة ) قطعا للمنازعة إلا إذا لم يكن فى البلد نقود لتعينه ( ومن أطلق الثمن فهو على غالب نقد البلد ) للتعارف . ولو قال : اشتريت هذا الدار بعشرة ، أو هذا الثوب بعشرة ، أو هذا البطيخ بعشرة وهو فىبلد یتعامل الناس بالدنانیر والدراهم والفلوس ، انصرف فىالدار إلى الدنانير ، وفى الثوب إلى الدراهم ، وفى البطيخ إلى الفلوس بدلالة العرف ، وإن لم يتعاملوا بها ينصرف إلى المعتاد عندهم. قال ( ويجوز بيع الكيلى والوزنى كيلا ووزنا ومجازفة ) ومراده عند اختلاف الجنس ، لقوله عليه الصلاة والسلام (( فاذا اختلف الجنسان فيعوا كيف شئتم)) ولأنه لا ربا إلا عند المقابلة بالجنس ، لأنه لا تتحقق الزيادة إلا فيه . قال ( ومن باع صبرة طعام كل قفيز بدرهم جاز فى فقير واحد ) عند أبى حنينة إلا أن يعرف جملة قفزانها ، إما بالتسمية أو بالكيل فى المجلس . وقالا : يجوز فى الكلّ لأن زوال الجهالة بيدها ولاتفضى إلى المنازعة . وله أنه تعذر الصرف إلى الجميع للجهالة فى المبيع والثمن فيصرف إلى الأقلّ. - ٦ - وَمَنْ بَاعَ قَطِيعَ غَيٍْ كُلَّ شاةٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ فِى شَىْءٍ مِنْها (سم ف)، وَالثَّيابُ كالغَّمِ، فإنْ سَّى جُمْلَةَ القُفْزَانِ وَالذُّرْعانِ وَالغَمِ جازَ فى الجَمِيعِ؛ وَمَنْ باع دَارًا دَخَلَ نَفاتِيحُهَا وَبِناؤُها فى البَيْعِ، وكذلكَ الشَّجَرُ فِى بَيْعِ الأرْضِ وَيَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَة قَبْلَ صَلاحِها ، وهو الواحد لأنه معلوم. فإذا زالت الجهالة جاز فى الجميع لزوال المانع ، وإذا جاز البيع فى الواحد يثبت للمشترى الخيار لتفرق الصفقة . قال ( ومن باع قطيع غنم كل شاة بدرهم لم يجز فى شىء منها والثياب ) والمعدود التفاوت ( كالغنم ) وعندهما يجوز فى الكل لما مرّ. وله أن قضية ما ذكرنا الجواز فى واحد، غير أن الواحد فى هذه الأشياء يتفاوت فيؤدى إلى المنازعة فصار كالمجهول فلا يجوز. قال ( فإن سمى جملة القفزان والذرعان والغنم جاز فى الجميع ) لانتفاء الجهالة وزوال المانع . قال ( ومن باع دارا دخل مفاتيحها وبناؤها فى البيع ) لأن المفاتيح تبع للأبواب ، والأبواب متصلة بالبناء للبقاء ، والبناء متصل بالعرصة اتصال قرار ، فصارت كالجزء منها فتدخل فى البيع ، ولأن الدار اسم للعرصة والبناء فيدخل فى بيع الدار ( وكذلك الشجر فى بيع الأرض ) لأن اتصاله كاتصال البناء بخلاف الزرع والثمرة ، لأن اتصالهما ليس للقرار فصار كالمتاع ، ويقال للبائع : اقطع الثمرة واقلع الزرع وسلم المبيع ، لأنه يجب عليه تسليم المبيع إلى المشترى عملا بمقتضى البيع ، ولا يمكن ذلك إلا بالتفريق فيجب عليه ذلك ، ولو شرطهما دخلا فى البيع عملا بالشرط . قال عليه الصلاة والسلام ((من اشترى نخلا أو شجرا فيه ثمر فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع)) ولو اشترى دارا وذكر حدودها دخل السفل والعلو والاصطبل والكنيف والأشجار ، لأن الدار اسم لما أدير عليه الحدود ، وأنه يدور على جميع ما ذكرنا ؛ والبستان إذا كان خارج الدار إن كان أصغر منها دخل لأنه من توابع الدار عرفا ، وإن كان مثلها أو أكبر لا يدخل إلا بالشرط لخروجه عن الحدود ؛ وتدخل الظلة عندهما إذا كان مفتحها إليها ، لأنها تعد من الدار عرفا . وعند أبى حنيفة لا تدخل ، لأن أحد طرفيها على حائط الدار فيتبعها ، والطرف الآخر على دار أخرى أو على أسطوانة فلا تتبعها ، فلا تدخل بالشك حتى تذكر الحقوق ، والظلة : هى التى على ظهر الطريق وهو الساباط ، ويدخل الطريق إلى السكة لأنه لابد منه . ولو اشترى منزلا فوقه منزل لا يدخل إلا أن تذكر الحقوق وكل قليل وكثير، لأن المنزل اسم لما يشتمل عليه مرافق السكنى . لأنه من النزول وهو السكنى ، والعلوّ مثل السفل فى السكنی من وجه دون وجه ، فيكون تبعا من وجه أصلا من وجه ، فان ذكر الحقوق دخل وإلا فلا . ولو اشترى بيتا لا يدخل العلوّ وإن ذكر الحقوق حتى ينصّ عليه ، لأن البيت ما يبات فيه، وعلوّه مثله فى البيتوتة فلا يدخل فيه إلا بالشرط. قال ( ويجوز بيع الثمرة قبل صلاحها ) والمراد إذا كانت ينتفع - ٧ - وَ يَجِبْ قَطْغُها لِلْحالِ، وَإِنْ شَرَطَ تَرْكَهَا عَلى الشَّجَرِ فَسَدَ البَيْعُ. وَلا يجوز أنْ يَبَبِيعَ ثُمَرَةً، وَيَسْتَفْسِىِ مِنْهَا أَرْطالاً مَعْلُومَةً. وَيَجُوزُ بَيْعُ الحِنْطَةِ فى سُنْبُلِها، وَالباقِلاءِ فى قِشْرِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ الطَّرِيقِ وَهِبَتُهُ، وَلا يَجُوزُ ذلكَ فى المَسِيلِ. بها للأكل أو العلف لأنه مال متقوّم منتفع به ؛ أما إذا لم يكن منتفعا بها لا يجوز لأنه ليس بمال متقوّم ( ويجب قطعها للحال ) ليتفرغ ملك البائع ( وإن شرط تركها على [الشجر فسد البيع ) لأنه إعارة أو إجارة فى البيع ، فيكون صفقتين فى صفقة وأنه منهى عنه ، وكذا الزرع فى الأرض ؛ وإن تركها بأمره بغير شرط جاز وطاب الفضل ، وإن كان بغير أمره تصدق بالفضل لحصوله بأمر محظور ؛ وإن استأجر الشجر طاب له الفضل لوجود الإذن ، وبطلت الإجارة لأنه غير معتاد ؛ وكذا إذا اشتراها بعد ما تناهى عظمها يجب القطع للحال لما قلنا ، فان تركها طاب الفضل ولم يتصدّق بشىء بكل حال لأنه لا زيادة وإنما هو تغير وصف ؛ فان شرط بقاءها على الشجر جاز عند محمد استحسانا للعرف ، بخلاف ما إذا لم تتناه فى العظم لأنه يزداد بعد ذلك فقد اشترط الجزء المعدوم فلا يجوز ؛ فان خرج بعض الثمرة أو خرج الكل لكن بعضه منتفع به لا يجوز البيع للجمع بين الموجود والمعلوم والمتقوّم وغير المتقوّم فتبقى حصة الموجود مجهولة ؛ وكان شمس الأئمة الحلوانى والإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخارى يفتيان بجوازه فى الثمار والباذنجان ونحوهما ، جعلا المعدوم تبعا للموجود للتعامل دفعا للحرج بالخروج عن العادة ، وعن محمد الجواز فى بيع الورد لأنه متلاحق. قال شمس الأئمة السرخسى: والأوّل أصحّ إذ لا ضرورة فى ذلك لأنه يمكنه أنه يشترى أصولها أو يشترى الموجود بجميع الثمن ويحلّ له البائع ما يحدث ، ولو اشتراها مطلقا وأثمر ثمرا آخر قبل القبض فسد البيع لتعذر التمييز قبل التسليم ، وإن أثمرت بعد القبض يشتركان ، والقول للمشترى فى قدره لأنه فى يده وهو منكر . قال ( ولا يجوز أن يبيع ثمرة ويستثنى منها أرطالا معلومة ) لجهالة الباقى ، وقيل يجوز لجواز بيعه ابتداء ؛ والأصل أن ما جاز بيعه ابتداء يجوز استثناؤه كبيع صبرة إلا قفيزا وقفيز من صبرة ، بخلاف الحمل وأطراف الحيوان حيث لايجوز استثناؤه لأنه لا يجوز بيعه ابتداء . قال ( ويجوز بيع الحنطة فى سنبلها والباقلاء فى قشره ) وكذا السمسم والأرز والجوز واللوز لما روى أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة ، ولأنه مال منتفع به فيجوز بيعه وعلى البائع تخليصه بالدياس والتذرية ، وكذا قطن فى فراش وعلى البائع فتقه لأن عليه تسليمه . أما جذاذ الثمرة وقطع الرطبة وقلع الجذور والبصل وأمثاله على المشترى لأنه يعمل فى ملكه ولاعرف . قال ( ويجوز بيع الطريق وهبته ، ولا يجوز ذلك فى المسيل ) لأن الطريق موضع من الأرض معلوم - ٨ - وَمَنْ باعَ سِلْعَةَ بِثَمَنِ سَلَّمَهُ أوَلاَ، إلاَّ أنْ يَكُونَ مُؤَجَّلاً؛ وَإنْ باعَ سِلْعَةٌ بِسِلْعَةٍ أَوْ ثَمَّنَا بِثَمَنِ سَلَّمَا مَعَا، وَلاَ يَجُوزُ بَبْعُ المَنْقُولِ قَبْلَ القَبْضِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ (م)، وَيَجُوزُ التَّصَرِفُ فى الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وتَجُوزُ الزيادَةُ فى الثَّمَنِ (ز) وَالسَّلْعَةِ (ز) وَالحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ، وَيَلْتَحِقُ (ز) بِأَصْلِ العَقْدِ؛ وَمَنْ بَاعَ بِثَمَنٍ حالّ ◌ُثُمَّ أَجَّلَهُ صَحِّ، الطول والعرض فيجوز ؛ والمسيل : موضع جريان الماء وهو مجهول لأنه يقلّ ويكثر . قال ( ومن باع سلعة بثمن سلمه أوّلا ) تحقيقا للمساواة بين المتعاقدين ، لأن البيع يتعين بالتعيين ، والثمن لا يتعين إلا بالقبض ، فلهذا اشترط تسليمه ( إلا أن يكون مؤجلا ) لأنه أسقط حقه بالتأجيل ولا يسقط حق الآخر ( وإن باع سلعة بسلعة أو ثمنا بثمن سلما معا ) تسوية بينهما . قال ( ولا يجوز بيع المنقول قبل القبض ) لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع ما لم يقبض ، ولأنه عساه يهلك فينفسخ البيع فيكون غررا ، وكذا كل ما ينفسخ العقد بهلاكه كبدل الصلح والإجارة لما ذكرنا ، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه يجوز التصرّف فيه قبل القبض كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد لأنه لاغرر فيه . قال ( ويجوز بيع العقار قبل القبض ) وقال محمد : لا يجوز لإطلاق ما روينا وقياسا على المنقول . ولهما أن المبيع هو العرصة ، وهى مأمونة الهلاك غالبا فلا يتعلق به غرر الانفساخ حتى لو كانت على شاطئ البحر ، أو كان المبيع علوًا لا يجوز بيعه قبل القبض ؛ والمراد بالحديث النقلى ، لأن القبض الحقيقى إنما يتصوّر فيه وعملا بدلائل الجواز ، ثم إن كان نقد الثمن فى البيع الأوّل فالثانى نافذ وإلا فوقوف كبيع المرهون والإجارة على هذا الاختلاف . وقيل لا يجوز بالاتفاق لأن المعقود عليه المنافع ، وهلاكها غير نادر بهلاك البناء . قال ( ويجوز التصرّف فى الثمن قبل قبضه ) لقيام الملك، ولا يتعين بالتعيين ولا يكون فيه غرر الانفساخ . قال ( وتجوز الزيادة فى الثمن والسلعة، والحط من الثمن ويلتحق بأصل العقد ) وقال زفر : هى مبتدأة لأنه لا يمكن جعله ثمنا ومثمنا ، لأنه يصير ملكه عوض ملكه فجعلناه هبة مبتدأة . ولنا أن بالزيادة والحط غيرا وصف العقد من الربح إلى الخسران أو بالعكس ، وهما يملكان إبطاله فيملكان تغييره ، ولا بد فى الزيادة من القبول فى المجلس لأنها تمليك ، ولا بد أن يكون المعقود عليه قائما. قابلا للتصرّف ابتداء حتى لاتصحّ الزيادة فى الثمن بعد هلاكه ، ويصحّ الحطّ بعد هلاك المبيع لأنه إسقاط محض والزيادة إثبات، ولو حطّ بعض الثمن والمبيع قائم التحق بأصل العقد ، وإن حطّ الجميع لم يلتحق لأنه يصير الثمن كأن لم يكن فيبطل الحظّ ، وإذا صحت الزيادة يصير لها حصة من الثمن فيظهر ذلك فى المرابحة والتولية : ولو هلكت قبل القبض سقط حصتها من الثمن . قال (ومن باع بثمن حالّ ثم أجله صحّ ) ٠ - ٩ - وَمَنْ مَلَكَ جارِيَةٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُها وَدَوَاعِيهِ حَّى يَسْتَبْرِ بها بِحَيْضَةٍ أوْ شَهْرٍ أوْ وَضْعِ حَمْلٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الكَلْبِ وَالفَهْدِ وَالسِّبَاعِ مُعَلِّمَا كانَ أوَّ غْرَ مُعَلَّمٍ ، لأنه حقه ؛ ألا ترى أنه يملك إسقاطه فيملك تأجيله ؟ و کل دین حال یصحّ تأجیله لما ذكرنا إلا القرض لأنه صلة ابتداء حتى لايجوز ممن لا يملك التبرعات ، والتأجيل فى التبرعات غير لازم كالإعارة معاوضة انتهاء ، ولا يجوز التأجيل فيه لأنه يصير بيع الدرهم بالدرهم نسيئة وأنه حرام . قال ( ومن ملك جارية يحرم عليه وطوُها ودواعيه حتى يستبرتها بحيضة أو شهر أو وضع حمل) وأصله قوله عليه الصلاة والسلام فى سبايا أوطاس ((ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ، ولا الحبالى حتى يستبرئن بحيضة)) نهى عن وطء المملوكات بالسبى إلى غاية الاستبراء ، فيتعلق الحكم به عند تجدد الملك بأىّ سبب كان كالشراء والهبة والوصية والميراث ونحوها ، والشهر كالحيضة عند عدمها لما عرف ؛ وإن حاضت فى أثناء الشهر انتقل إلى الحيضة كما فى العدة ؛ والمعتبر ما يوجد بعد القبض حتى لو حاضت أو وضعت قبل القبض يجب الاستبراء ، وكما يحرم الوطء يحرم دواعيه احترازا عن الوقوع فيه كما فى العدة ، بخلاف الحيض لأن الحرمة للأذى ولا أذى فى الدواعى ؛ ومن وطئ جاريته ثم أراد أن يبيعها أو يزوّجها يستحبّ له أن يستبرتها ، وإن لم يستبرتها فالأحسن للزوج أن يستبربها . وأما ممتدّة الطهر ، قال أبو حنيفة : لا يطؤها حتى تتيقن بعدم الحمل ، وروى عنه سنتان وهو الأحوط وهو قول زفر ، لأن الولد لا يبقى أكثر من سنتين على ما عرف . وعنه أربعة أشهر وعشرة أيام ، وهو قول محمد لأنها عدّة الوفاة للحرّة تعرف بها براءة الرحم . وعن محمد شهران وخمسة أيام لأنه عدّة الأمة ، وعن أبى حنيفة ، وهو قول أبى يوسف ثلاثة أشهر لأنها تعرف براءة الرحم فى حقّ الآيسة والصغيرة . وعند الشافعى أربع سنين لأنه أكثر مدّة الحمل عنده . وقال أبو مطيع البلخى (١): تسعة أشهر لأنه المعتاد فى مدّة الحمل ؛ ويجب الاستبراء إذا حدث له ملك الاستمتاع بملك اليمين ، سواء وطنها البائع أولا ، أو كان بائعها ممن لايطأ كالمرأة والصغير والأخ من الرضاع ، وكذا إن كانت بكرا . وعن أبى يوسف أنه لا استبراء فى هذه الصورة ، وهو قول مالك ، وعلى هذا الخلاف إذا حاضت فى يد البائع بعد البيع قبل القبض لأن الاستبراء للتعرّف على براءة الرحم وهى ثابتة فى هذه الصور ظاهرا. وجه الأوّل أن سبب الاستبراء الإقدام على الوطء فى ملك متجدّد بملك اليمين ، وحكمته التعرّف عن براءة الرحم ، والحكم يدار على السبب لاعلى الحكمة ؛ ولو اشترى امرأته فلا استبراء لأنه لا يجب صيانة مائه عن مائه . قال ( ويجوز بيع الكلب والفهد والسباع معلما كان أو غير معلم ) لأنه حيوان منتفع به حراسة واصطيادا (١) هو من أصحاب الإمام أبى حنيفة ، وروى عنه الفقه الأكبر . - ١٠ - وأهْلُ الذَّمَّةِ فى البَيْعِ كالمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ الْخَمْرِ والخِتْزِيرِ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأخْرَسِ، وَسَائِرُ عُقُودِهِ بالإِشارَةِ المَفْهُومَةِ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأعْمَى وَشِرَاؤُهُ، وَيَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَيَسْقُطُ خيارُهُ يَجَسَّ المَبِيعِ أوْ بِشَمَّهِ أوْ بذَوْقَهِ ، وفى العَقَارِ بوَصْفُهِ . فيجوز ولهذا ينتقل إلى ملك الموصى له والوارث ، بخلاف الحشرات كالحية والعقرب والضبّ والقنفذ ونحوها، لأنه لا ينتفع بها . وعن أبى يوسف أنه لا يجوز بيع الكلب العقور لأنه ممنوع عن إمساكه مأمور بقتله ؛ ويجوز بيع الفيل . وفى بيع القرد روايتان عن أبى حنيفة، والأصحّ الجواز لأنه ينتفع بجلده . وعن أبى حنيفة جواز بيع الحىّ من السرطان والسلحفاة والضفدع دون الميت منه ؛ ويجوز بيع العلق لحاجة الناس إليه . قال ( وأهل الذمة فى البيع كالمسلمين) لقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا قبلوا الجزية فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين)) (ويجوز لهم بيع الخمر والخنزير) لأنه من أعزّ الأموال عندهم، وقد أمرنا أن نتركهم وما يدينون ، يؤيده قول عمر رضى الله عنه: ولو همّ بيعها . قال ( ويجوز بيع الأخرس ، وسائر عقوده بالإشارة المفهومة ) ويقتصّ منه وله ، ولا يحدّ للقذف ولا يحدّ له، وكذلك إذا كان يكتب ، لأن الكتابة من الغائب كالخطاب من الحاضر والنبىّ عليه الصلاة والسلام أمر بتبليغ الرسالة، وقد بلغ البعض بالكتاب ، وإنما جاز ذلك لمكان العجز، والعجز فى الأخرس أظهر ، ولا يجوز ذلك فيمن اعتقل لسانه أو صمت يوما ، لأن الإشارة إنما تعتبر إذا صارت معهودة ومعلومة ، فمن كان كذلك فهو بمنزلة الأخرس بخلاف الحدود لأنها تندرى بالشبهات . قال ( ويجوز بيع الأعمى وشراؤه ) لأن الناس تعاهدوا ذلك من لدن الصدر الأوّل إلى يومنا هذا ، ومن الصحابة من عمى وكان يتولى ذلك من غير نكير . والأصل فيه حدیث حبان بن منقذ ، وهو ما رواه عمر رضى اللّه عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال (( إذا ابتعت فقل لاخلابة (١) ولى الخيار ثلاثة أيام)) وكان أعمى ذكره الدار قطنى. ولأن من جاز له التوكيل جاز له المباشرة كالبصير ( ويثبت له خيار الرؤية ) لأنه اشترى مالم يره على ما يأتى إن شاء الله تعالى ( ويسقط خياره يجس المبيع أو بشمه أو بذوقه ، وفى العقار بوصفه ) وفى الثوب بذكر طوله وعرضه لأنه يحصل له بذلك العلم بالمشترى كالنظر من البصير وبل أكثر ؛ ولو وصف له العقار ثم أبصر لاخيار له ؛ ولو اشترى البصير مالم يره ثم عمى فهو كالأعمى عند العقد . (١) قوله لاخلابة : أى لاخديعة . - ١١ - فصل الإقالَةُ جَائِزَةٌ، وَتَتَوَقَّفُ عَلَى القَبُولِ فى الْمَجْلِسِ، وَهِىَ فَسْخٌ فِى حَقّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ: (سم) بَيْعٌ جَدِيدٌ فِى حَقّ ثالِثٍ (ز)، فصل ( الإقالة جائزة) لقوله عليه الصلاة والسلام ((من أقالنادما بيعته أقال اللّه عثرته يوم القيامة)) ولأن الناس حاجة إليها كحاجتهم إلى البيع فتشرع، ولأنها ترفع العقد فصارت كالطلاق مع النكاح (وتتوقف على القبول فى المجلس) لأنها بمنزلة البيع لما فيها من معنى التمليك ، وتصحّ بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل لأنها لا يحضرها السوم غالبا كالنكاح . وقال محمد : لابد من لفظين ماضيين لأنها تمليك بعوض كالبيع ، وجوابه ما مرّ ، ولا تصحّ إلا بلفظ الإقالة ، فلو تقايلا بلفظ البيع كان بيعا بالإجماع ، لأن الإقالة تنبئ عن الرفع والبيع عن الإثبات فتتنافيا ؛ ولا تبطل بالشروط الفاسدة عند أبى حنيفة ، وتبطل عند أبى يوسف . قال ( وهى فسخ فى حقّ المتعاقدين بيع جديد فى حقّ ثالث) عند أبى حنيفة ، فإن تعذر جعلها فسخا بطلت . وقال أبو يوسف : بيع جديد فى حقّ الكل، فإن تعذر ففسخ ، فان لم يمكن بطل. وقال محمد: فسخ ، فإن تعذر فبيع ، فان لم يمكن بطل . وقال زفر : فسخ فى حقّ المتعاقدين وغيرهما، وصورته : لو تقايلا قبل القبض فهو فسخ بالإجماع ، ويبطل شرط الزيادة والنقصان ، أما عندهما فظاهر ، وكذا عند أبى يوسف لأنه تعذّر جعله بيعا إلا فى العقار حيث يجوز بيعه قبل القبض عنده . ولو تقايلا بعد القبض فهو فسخ عند أبى حنيفة ، ويلزمه الثمن الأوّل جنسا ووصفا وقدرا ، ويبطل ما شرطه من الزيادة والنقصان والتأجيل والتغيير ، لأن الإقالة رفع فيقتضى رفع الموجود ، والزيادة لم تكن فلا ترفع إلا إذا حدث بالمبيع عيب ، فيجوز بأقلّ من الثمن الأوّل ، لأن النقصان فى مقابلة العيب ، ولو حدثت الزيادة فى المبيع كالولد ونحوه بعد القبض بطلت الإقالة عنده لتعذر الفسخ بسبب الزيادة ، وعند أبى يوسف الإقالة جائزة بما سميا كالبيع الجديد ، وحدوث الزيادة بعد القبض لا يمنع ذلك. وعند محمد إن سكت أو سمى الثمن الأوّل أو أقلّ أو دخله عيب فهو فسخ ، أما إذا سمى الأقلّ فلأنه سكوت عن البعض ، ولو سكت عن الكلّ كان فسخا فكذا عن البعض ، وأما إذا ذكر الثمن الأوّل فظاهر، وأما إذا دخله عيب فلما مرّ ، وإن سميا أكثر أو خلاف الجنس أو حدثت الزيادة فهو بيع جديد لتعذر الفسخ . وجه قول محمد أنه فسخ بصيغته ، لأن الإقالة تنبئ عن الرفع، ومنه : أقلنى عثرتى بمعنى الرفع والإزالة ، وفيه معنى البيع لكونه مبادلة المال بالمال ، فإذا أمكن العمل بالصيغة يعمل بها - ١٢ - وَهَلَاكُ المَبِيعِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الإِقالَةِ، وَهَلاكُ بَعْضِهِ يَمْنَعُ بِقَدْرِهِ، وَهَلَاكُ الثَّمَنِ لاَ يَمْنَعُ . باب الخيارات خِيارُ الشَّرْطِ جَائِزٌ لِلْمُتْبَادَعِينِ وَلِأَحَدِ هِمِما ثَلاثَةَ أيَّامِ فَمَا دُوَنها وَلا يُجُوزُ أكْثُرَ مَنْ ذلكَ (سم) ، وإلا يعمل بالمعنى ، فاذا سكت أو سمى الثمن الأوّل أو أقلّ منه أو دخاه عيب فقد أمكن العمل بالصيغة لما بينا . ولأبى يوسف أنه بيع لأنه مبادلة المال بالمال عن تراض فيعمل به إلا إذا تعذر فيعمل بالصيغة ، وإنما يتعذر عنده فى الإقالة فى المنقول قبل القبض على ما تقدّم . ولأبى حنيفة أن الإقالة تنبئ عن الفسخ والإزالة لما بينا ، فلا تحتمل معنى آخر نفيا للاشتراك ، والأصل العمل بحقيقة اللفظ ، فاذا تعذر لا يجعل بيعا مبتدأ لأنه ضد الرفع فيبطل. وأما كونه بيعا فى حقّ ثالث وهو الشفيع ، فصورته : باع دارا فسلم الشفيع الشفعة ثم تقابل البائع والمشترى ، فالشفيع الشفعة خلافا لزفر ، لأن ما هو فسخ فى حقهما فهو فسخ فى حقّ غيرهما كالرد" بخيار الشرط. وجوابه أن الإقالة نقل ملك بايجاب وقبول بعوض مالى وهو سبب وجوب الشفعة ، وهما عبرا عنه بالإقالة لإسقاط حقه ، ولا يملكان ذلك ، وكذا لو وهبه شيئا وقبضه فباعه الموهوب له ثم تقايلا ، ليس للواهب الرجوع ويصير الموهوب له كالمشترى . قال ( وهلاك المبيع يمنع صحة الإقالة ) لأن الفسخ يقتضى قيام البيع وهو بيقاء المبيع ( وهلاك بعضه يمنع بقدره ) لقيام البيع فى الباقى ( وهلاك الثمن لا يمنع ) لقيام البيع بدونه ، وإن تقايضا فهلاك أحدهما لا يمنع الإقالة ، لأن كل واحد منهما مبيع ، فيكون البيع قائما ، ويرد قيمة الهالك أو مثله ، لأنه إذا انفسخ فى الباقى ينفسخ فى الهالك ضرورة ، وقد عجز عن ردّه فيردّ عوضه، ولو هلك العوضان لاتصحّ الإقالة وتصحّ لو هلك البدلان فى الصرف ، والفرق أن العقد يتعلق بالعين فى العروض دون الأثمان فكذا فى الإقالة ، والله أعلم . باب الخيارات ( خيار الشرط جائز للمتبايعين ، ولأحدهما ثلاثة أيام فما دونها ) والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام لحبان بن منقذ وكان يخدع فى البياعات ((إذا ابتعت فقل لاخلابة ، ولى الخيار ثلاثة أيام )) ( ولا يجوز أكثر من ذلك) وهو قول زفر، وقالا : يجوز إذا ذكر مدّة معلومة ، لأن الخيار شرع نظرا للمتعاقدين للاحتراز عن الغبن والظلامة ، وقد لا يحصل ذلك فى الثلاث فيكون مفوّضا إلى رأيه، ومذهبهما منقول عن ابن عمر. ولأبى حنيفة أن - ١٣ - وَمَنْلَهُ الْخِيَارُ لا يَفْسَخُ إِلاَّ بِحَضْرَةٍ صَاحِبِهِ (س)، وَلَهُ أنْ يُجيزَ بِحَضْرَتِهِ وَغَيْبَتِهِ، وَخيارُ الشَّرْطِ لا يُورَثُ؛ وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ خَبَّازٌ فَكان بِخِلافِهِ، فإنْ شاءَ أخَذَهُ بِحَمِيعِ الثَّمِنِ، وَإنْ شاءَ رَدَّهُ؛ وَخِيَارُ البائِعِ لأُيُخْرِجُ المَبِيعَ عَن مِلْكِهِ، وَخيارُ الْمُشْتَرِىُ يُخْرِجُهُ وَلايُدْخِلُهُ فى مِلْكِهِ(سم) الأصل ينفى جواز الشرط لما فيه من نفى ثبوت الملك الذى هو موجب العقد فلا يصحّ كسائر موجبات العقد ، وكذلك النصّ ينفيه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام لعتاب ابن أسيد حين بعثه إلى مكة ((انههم عن بيع وشرط، وبيع وسلف)). وروى أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع وشرط ، إلا أنا عدلنا عن هذه الأصول وقلنا يجوازه ثلاثة أيام لما روينا من حديث حبان ، والحاجة إلى دفع الغبن تندفع بالثلاث فبقى ما وراءه على الأصل والحاجة البائع والمشترى فثبت فى حقهما ؛ ولو شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام أو لم يبين وقتا ، أو ذكر وقتا مجهولا فأجاز فى الثلاث أو أسقطه ، أو سقط بموته أو بموت العبد ، أو أعتقه المشترى ، أو أحدث فيه ما يوجب لزوم العقد ينقلب جائزا خلافا لزفر لأنه انعقد فاسدا فلا ينقلب جائزا . ولأبى حنيفة أن المفسد لم يتصل بالعقد ، لأن الفساد باليوم الرابع ، حتى إن العقد إنما يفسد بمضىّ جزء من اليوم الرابع فيكون العقد صحيحا قبله ، ولأنها مدّة ملحقة بالعقد مانعة من انبرامه فجاز أن ينبرم باسقاطه كالخيار الصحيح ، وشرط خيار الأبد باطل بالإجماع . قال ( ومن له الخيار لا يفسخ إلا بحضرة صاحبه ) أى بعلمه ( وله أن يجيز بحضرته وغيبته ) وقال أبو يوسف : يفسخ بغيبته أيضا ، لأن الخيار أثبت له حقّ الإجازة والفسخ، فكما تجوز الإجازة مع غيبته فكذا الفسخ. ولهما أنه فسخ عقد فلا يصحّ من أحدهما كالإقالة ، بخلاف الإجازة لأنها إبقاء حقّ الآخر فلا يحتاج إلى علمه ، والفسخ إسقاط حقه فاحتاج إليه ، فاذا فسخ بغيبته فعلم به فى المدّة تمّ الفسخ ، وإن لم يعلم حتى مضت المدّة تمّ العقد. قال (وخيار الشرط لايورث ) لأنه مشيئة وتروّ ، وذلك لا يتصوّر فيه الإرث لأنه لايقبل الانتقال . أما خيار العيب فلأن المشترى استحقّ المبيع سليما فينتقل إلى وارثه كذلك . وأما خيار التعيين فانه ثبت له ابتداء لاختلاط ملك المورث بملك الغير. قال ( ومن اشترى عبدا على أنه خباز فكان بخلافه ، فإن شاء أخذه يجميع الثمن وإن شاء ردّه ) لأن هذا وصف والأوصاف لايقابلها شىء من الثمن فيأخذه بجميع الثمن ، إلا أنه فاته وصف مرغوب فيه مستحقّ بالعقد ، فبفواته یثبت له اخيار لأنه ما رضى بدونه كوصف السلامة ، وعلى هذا اشتراط سائر الحرف . قال ( وخيار البائع لايخرج المبيع عن ملكه ، وخيار المشترى يخرجه ولا يدخله فى ملكه ) اعلم أن البيع بشرط الخيار لا ينعقد فى حقّ حكمه وهو ثبوت الملك، بل يتوقف ثيوت حكمه على سقوط - ١٤ - وَمَنَ شرط الحِيارَ لِغَيْرِهِ جازَ (ز) وَيَثْبُتُ لَهُما، وأيهما أجازَ جازَ وأيِهُما فَسَخَ انْفَسْخَ ، الخيار ، لأنه بالخيار استثنى مباشرة العقد فى حقّ الحكم فامتنع حكمه إلى أن يسقط الخيار ، ثم الخيار إما أن يكون للبائع أو للمشترى أو لهما ، فان كان للبائع فلا يخرج المبيع عن ملكه لأنه إنما يخرج بالمراضاة ، ولا رضا مع الخيار حتى نفذ إعتاق البائع، وليس للمشترى التصرّف فيه ، ولو قبضه المشترى وهلك فى يده فى مدة الخيار فعليه قيمته لأنه لم ينفذ البيع ، ولا نفاذ للتصرّف بدون الملك ، فصار كالمقبوض على سوم الشراء وفيه القيمة ، ولو هلك فى يد البائع لاشىء على المشترى كالصحيح ، ويخرج الثمن من ملك المشترى بالإجماع ، ولا يدخل فى ملك البائع عند أبى حنيفة خلافا لهما ، وإن كان الخيار للمشترى يخرج المبيع عن ملك البائع ، لأن البيع لزم من جانبه ، ولا يدخل فى ملك المشترى عند أبى حنيفة ، وعندهما يدخل ، والثمن لا يخرج من ملك المشترى بالإجماع ، ولا يملك البائع مطالبته قبل الثلاث . وجه قولهما فى الخلافيات أنه لما خرج المبيع عن ملك البائع وجب أن يدخل فى ملك المشترى لئلا يصير سائبة بغير مالك ولا نظير له فى الشرع . ولأبى حنيفة أن الخيار شرع للتروّى ، فلو دخل فى ملكه ربما فات ذلك بأن كان قريبا له فيعتق عليه ، ولأن الثمن لم يخرج عن ملكه ، فلو دخل المبيع فى ملكه اجتمع البدلان فى ملك واحد ولا نظير له فى الشرع ، وقضية المعاوضة المساواة ، ودخوله فى ملكه ينفيها ، وإن هلك فى يد المشترى هلك بالثمن ، وكذلك إن دخلها عيب لأن بالعيب يمتنع الردّ ، والهلاك لا يخلو عن مقدمة عيب ، فيهلك بعد انبرام العقد فيلزمه الثمن ، ويعرف من هذين الفصلين الحكم فيما إذا كان الخيار لهما لمن يتأمله إن شاء الله تعالى . وثمرة الخلاف تظهر فى مسائل: منها لو كان المشترى قريبا له لم يعتق عنده ، ولو كانت زوجته لم ينفسخ النكاح خلافا لهما فيهما ، وإن وطها لا يبطل خياره ، لأنه وطئها بحكم النكاح ، إلا أن تكون بكرا أو نقصها الوطء ، وعندهما يبطل النكاح ، لأنه وطها بملك اليمين ، ولو كانت جارية قد ولدت منه لا تصير أمّ ولد له عنده خلافا لهما ، ولو حاضت عنده فى مدّة الخيار ثم أجاز البيع لا يجتزئ بتلك الحيضة عن الاستبراء عنده ، ولو ردّها لا يجب على البائع الاستبراء عنده خلافا لهما فيهما ، ويبتنى على هذا الأصل مسائل كثيرة يعرفها من أتقن هذه الأصول . قال ( ومن شرط الخيار لغيره جاز ويثبت لهما ) والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر لأنه موجب العقد ، فلا يجوز اشتراطه لغير العاقد كالثمن . وجه الاستحسان أنه يثبت له ابتداء ثم للغير نيابة تصحيحا لتصرّفه ( وأيهما أجاز جاز، وأيهما فسخ انفسخ ) فان أجاز أحدهما وفسخ الآخر فالحكم للأسبق ، وإن تكلما معا فالحكم للفسخ ، لأن الخيار شرع للفسخ فهو تصرّف، فيما شرع - ١٥ - وَيَسْقُطُ الخيارُ بِمُضِىّ الْمُدَّةِ، وَبِكُلّ ما يَدُل عَلَى الرّضَّا كالر كُوبٍ وَالوَطْءٍ وَالعِثْقِ وَتَحْوِهِ. فصل وَمَنِ اشْتَرَى مَالَمْ يَرَهُ جازَ، وَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ؛ لأجله فكان أولى ، وقيل تصرف المالك أولى كالموكل . قال ( ويسقط الخيار بمضىّ المدّة وبكلّ ما يدلّ على الرضا كالركوب والوطء والعتق ونحوه ) . اعلم أن الخيار يسقط بثلاثة أشياء : أحدها الإسقاط صريحا كقوله : أسقطت الخيار أو أبطلته ، أو أجزت البيع ، أو رضيت به وما شابهه لأنه تصريح بالرضى فيبطل الخيار . الثانى الإسقاط دلالة، وهو كل فعل يوجد ممن له الخيار لا يحلّ لغير المالك لأنه رضى بالملك ، وذلك مثل الوطء واللمس والقبلة والنظر إلى الفرج بشهوة ، وإن فعله بغير شهوة لا يكون رضى ، وكذلك النظر إلى سائر أعضائها ، لأنه يحتاج إليه للمعالجة وليعرف لينها وخشونتها ، ولوفعل البائع ذلك فهو فسخ لأنه لايحتاج إلى ذلك ، وكذلك الركوب لايجوز لغير المالك ، فان ركيها ليردّها أو ليسقيها أو ليشترى لها علفا فهو على خياره ، وكذلك. إذا سكن الدار أو أسكنها لدليل الرضى ، ولو ركب أو لبس أو استخدم فهو على خياره. لحاجته إلى ذلك للاختبار، ولو أعاد ذلك بطل خياره لعدم حاجته إليه إلا فى العبد إذا استخدمه فى حاجة أخرى لما بينا ، وكذلك كل فعل لا يثبت حكمه فى غير اللك كالعتق والتدبير والكتابة والبيع والإجارة والهبة مع القبض والرهن ، والعرض على البيع من هذا القبيل ، لأن كل ذلك يدلّ على الرضا بالملك . والثالث سقوط الخيار بطريق الضرورة كمضىّ مدة الخيار وموت من له الخيار ، فإن الخيار كان لهما فماتا تمّ العقد ، وإن مات أحدهما فالآخر على خياره ، ولو أعمى عليه أوجنّ أو نام أو سكر بحيث لا يعلم حتى مضت المدة الصحيح أنه يسقط الخيار ، ولو داوى العبد أو عالج الدابة أو عمر فى الساحة أو رمّ شعث الدار أو لقح النخيل أو حلب البقرة بطل ، لأن هذه التصرفات من خصائص الملك . فصل (ومن اشترى ما لم يره جاز، وله خيار الرؤية ) معناه: إن شاء أخذه وإن شاء ردّه ، وكذا إن كان الثمن عينا ولم يره البائع. والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام (( من اشترى ما لم يره فله الخيار إذا رآه)) ولأنه أحد العوضين فلا تشترط رؤيته للانعقاد كالثمن ، ولأنه لا يفضى إلى المنازعة، لأنه إذا لم يرض به عند الرؤية يردّه لعدم اللزوم ، وإذا جاز العقد ثبت له الخيار بالحديث ، وإنما يثبت الخيار عند الرؤية حتى لو أجاز البيع قبلها لا يلزم - ١٦ - وَمَنْ بَاعَ مَالَمْ يَرَهٍ فَلا خِيارَ لَهُ، وَيَسْقُطُ بِرُؤْيَةٍ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالْمَقْصُودِ كَوَجْهِ الآدَمِىّ وَوَجْهِ الدَّابَّةِ وكَفَلِها، وَرُؤْيَةِ الثَّوْبِ مَطْوِيًا وَنَحْوِهِ، فإنّ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لازِما، أَوْ تَعَيِّبَ فى بَدِهِ، أوْ تَعذَّرَ رَدُّ بَعْضِهِ، أوْ ماتَ بَطَلَ الخِيْرُ، ولا يسقط خياره بصريح الإسقاط قبلها لأنه خيار ثبت شرعا فلا يسقط باسقاطهما ، بخلاف خيارى الشرط والعيب لأنهما ثبتا بقصدهما وشرطهما ، ويملك فسخه قبل الرؤية لأن الخيار له ، ولا يمنع ثبوت الملك فى البدلين ، لكن يمنع اللزوم حتى لو باعه مطلقا أو بشرط الخيار للمشترى أو أعتقه أو دبره أو كاتبه أو رهنه أو وهبه وسلم قبل الرؤية لزم البيع ، ولو شرط الخيار للبائع أو عرضه على البيع لا يلزم قبل الرؤية ويلزم بعدها لأنه لم يتعلق به حق الغير لكن رضى ، والرضى قبل الرؤية لا يسقط الخيار . قال ( ومن باع ما لم يره فلا خيار له) وذكر الطحاوى أن أبا حنيفة كان يقول أوّلا له الخيار ، لأن اللزوم بالرضى ، والرضى بالعلم بأوصاف المبيع ، والعلم بالرؤية ؛ ثم رجع وقال : لاخيار له ، لأن النصّ أثبته للمشترى خوفا من تغير المبيع عما يظنه ودفعا للغبن عنه ، فلو ثبت للبائع لثبت خوفا من الزيادة على ما يظنه من الأوصاف وذلك لايوجب الخيار ، ألا ترى أنه لو باع عبدا على أنه مريض فاذا هو صحيح لزمه ولا خيار له ؟ . وقد روى أن عثمان بن عفان رضى الله عنه باع أرضا بالكوفة من طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه ، فقيل لعثمان غبنت ؟ قال : لى الخيار فانى بعت ما لم أره ، وقيل لطلحة غبنت ؟ فقال : لى الخيار لأنى اشتريت مالم أره ، فاحتكما إلى جبير بن مطعم ، فحكم بالخيار لطلحة وذلك بمحضر من الصحابة فحكم جبير، ورجوعهما إلىحكمه وعدم وجود النكير من أحد من الصحابة دل على أنه إجماع منهم . قال ( ويسقط برؤية ما يوجب العلم بالمقصود كوجه الآدمى ووجه الدابة وكفلها ، ورؤية الثوب مطويا ونحوه ) لأن رؤية الجميع غير شرط ، لأنه قد يتعذّر فاكتفى برؤية ما هو المقصود ، والوجه فى الآدمى هو المقصود ، ألا ترى أن الثمن يزداد وينقص بالوجه ، وكذلك انوجه والكفل فى الدابة ؛ وأما الثوب فالمراد الثياب التى لا يخالف باطنها الظاهر ، أما إذا اختلفا فلا بد من رؤية الباطن ، وكذلك لابد من رؤية العلم لأنه مقصود ؛ وفى الدار لابد من رؤية الأبنية ، فان لم يمكن يكتفى برؤية الظاهر ؛ ولا بد فى شاة اللحم من الحسّ وشاة الدرّ والنسل من النظر إلى الضرع مع جميع جسدها ، واعتبر بهذا جميع المبيعات . قال ( فان تصرّف فيه تصرّفا لازما أو تعيب فى يده ، أو تعذّر رد بعضه، أو مات بطل الخيار ) وقد بيناه ، ولأنه إذا تعذّر ردّ البعض فرد الباقى إضرارا بالبائع ، وكذلك ردّ المعيب ؛ وأما الموت فلما ذكرنا أنه دخل فىملکه وبقی له خيار - ١٧ - وَلَوْ رَأَى بَعْضَهُ فَلَهُ الخِيَارُ إذَا رَ أى باقِيَهُ، وَمَا يُعْرَضُ بالأُ نموذَجِ رُؤْيَةُ بَعْضِهِ كَرُؤْيَةِ كُلِّهِ؛ وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غيرِهِ فالمَالِكُ إنْ شاءَ رَدَّهُ وَإِنْ شاءَ أجازَ إذَا كانَ المَبيعُ والْمُتْبَايِعانِ بِحَالِمْ. الرؤية ، وخيار الرؤية لايورث . قال ( ولو رأى بعضه فله الخيار إذا رآى باقيه ) لأنه لو لزمه يكون إلزاما للبيع فيما لم يره وأنه خلاف النصّ، وكذلك الإجازة فى البعض لاتكون إجازة فى الكلّ لما مرّ، ولا تصحّ الإجازة فى البعض وردّ الباقى لما بينا . قال ( وما يعرض بالأنموذج رؤية بعضه كرؤية كله ) والأصل أن المبيع إذا كان أشياء إن كان من العدديات المتفاوتة كالثياب والنواب والبطيخ والسفرجل والرمان ونحوه لا يسقط الخيار إلا برؤية الكل لأنها تتفاوت ، وإن كان مكيلا أو موزونا وهو الذى يعرض بالأنموذج أو معدودا متقاربا كالجوز والبيض فرؤية بعضه تبطل الخيار فى كله ، لأن المقصود معرفة الصفة وقد حصلت وعليه التعارف ، إلا أن يجده أردأ من الأنموذج فيكون له الخيار ، وإن كان المبيعَ مغيبا تحت الأرض كالجزر والشلجم (١) والبصل والثوم والفجل بعد النبات إن علم وجوده تحت الأرض جاز وإلا فلا ، فإذا باعه ثم قلع منه أنموذجا ورضى به ، فان كان مما يباع كيلا كالبصل ، أو وزنا کالثوم والجزر بطل خياره عندهما ، وعليه الفتوى للحاجة وجريان التعامل به . وعند أبى حنيفة لايبطل ، وإن كان مما يباع عددا كالفجل ونحوه ، فرؤية بعضه لايسقط خياره لما تقدّم ، ولو اختلفا فى الرؤية فالأول للمشترى لأنه منكر ؛ وكذلك أو اختلفا فى المردود فقال البائع : ليس هذا المبيع ، وكذلك فى خيار الشرط وفى الردّ بالعيب القول قول البائع . قال ( ومن باع ملك غيره فالمالك إن شاء ردّه وإن شاء أجاز إذا كان المبيع والمتبايعان بحالهم). اعلم أن تصرّفات الفضولى منعقدة موقوفة على إجازة المالك لصدورها من الأهل وهو الحرّ العاقل البالغ ، مضافة إلى المحلّ لأن الكلام فيه، ولا ضرر فيه على المالك لأنه غير ملزم له ، وتحتمل المنفعة فينعقد تصحيحا لتصرّف العاقد العاقل وتحصيلا للمنفعة المحتملة ، ولما روى أنه عليه الصلاة والسلام دفع دينارا إلى حكيم بن حزام ليشترى به أضحية ، فاشترى شاة ثم باعها بدينارين ، واشترى بأحد الدينارين شاة ، وجاء إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالشاة والدينار ، فأجاز صنيعه ولم ينكر عليه وديما له بالبركة ، وكان فضوليا لأنه باع الشاة واشترى الأخرى بغير أمره ، وكلّ عقد له مجيز حال وقوعه يتوقف على إجازته ، وما لا فلا ، حتى إن طلاق الفضولى وعتاقه ونكاحه وهبته لا ينعقد فى حقّ الصبى والمجنون، وينعقد فى حقّ العاقل البالغ، لأن عند الإجازة يصير الفضولى كالوكيل حتى (١) قوله والشلجم بالشين المعجمة: نبت معروف اهـ صحاح . وفى منهاج البيان : هو اللفت ، ويقال بالسين أيضا . ٢ - الاختیار - ثان - ١٨ - فصل مُطْلَقُ البَيْعِ بَقْتَضِ سَلامَةَ المَبِيعِ، وكُلُّ مَا أَوْجَبَ نُقْصَانَ الثَّمَنِ فى عادَةِ التُّجَّارِ فَهُوَ عَيْبٌ، وَإِذَا الطَّلَعَ الْمُشْتَرِى عَلَى عَيْبٍ فإنْ شاءَ أَخَذَ المَبِيعَ بِجَمِيعِ الثَّمْنِ، وَإنْ شاءَ رَدَّهُ ، ترجع الحقوق إليه ، فان الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة ، والصبىّ والمجنون ليسا من أهل الوكالة ولا المباشرة ؛ وللفضولى الفسخ قبل الإجازة لئلا ترجع الحقوق إليه ، وليس ئه ذلك فی النكاح ، لأن الحقوق لا ترجع فیه إلیه لما عرف أنه سفیر فیه ، ولا بد من وجود المبيع والمتبايعين عند الإجازة، إذ لابقاء للعقد بدونهم . والإجازة : إنفاذ العقد الموقوف، ولو كان العقد مقايضة يشترط بقاء العوضين والمتعاقدين لما بينا . فصل ( مطلق البيع يقتضى سلامة المبيع ) لأن الأصل هو السلامة ، وهو وصف مطلوب مرغوب عادة ، والمطلوب عرفا كالمشروط نصا . قال ( وكل ما أوجب نقصان الثمن فى عادة التجار فهو عيب ) لأن الضرر بنقصان المالية وهم يعرفون ذلك ، وهذا يغنى عن ذكر العيوب وتعدادها ، وإذا علم المشترى يالعيب عند الشراء أو عند القبض وسكت فقد رضى به . قال ( وإذا اطلع المشترى على عيب فان شاء أخذ المبيع بجميع الثمن وإن شاء ردّه) لأنه لم يرض به ، وليس له أخذه وأخذ النقصان إلا برضى البائع، لأن الأوصاف لا يقابلها شىء من الثمن بالعقد ، وكذلك لوكان المبيع مكيلا أو موزونا ، فوجد ببعضه عيبا ليس له أن يمسك الجيد ويردّ المعيب، والأصل فى هذا أن المشترى لايملك تفريق الصفقة على البائع قبل التمام لما بينا ويملك بعده ، وخيار الشرط والرؤية وعدم القبض يمنع تمام الصفقة ، وبالقبض تتمّ الصفقة ، والمراد قبض الجميع حتى لو قبض أحدهما ثم وجد بأحدهما عيبا إما أن يردّهما أو يمسكهما ؛ والمكيل والموزون كالشىء الواحد ، ولا يملك ردّ البعض دون البعض لاقبل القبض ولا بعده ، لأن تمييز المعيب زيادة فى العيب ، فكأنه عيب حادث حتى قيل لو كان فى وعاءين له ردّ المعيب منهما بعد القبض لأنه لاضرر، وكذا لو اشترى زوجى خفّ أو مصراعى باب فوجد بأحدهما عيبا قبل القبض أو بعده يردّهما أو يمسكهما ، وكذا كل مافى تفريقه ضرر ، وما لاضرر فى تفريقه كالعبدين والثوبين إذا وجد بأحدهما عيبا إن كان قبل القبض ليس له ردّ أحدهما لأنه تفريق الصفقة بل تمامها ، وإن كان بعد القبض يجوز لأنه لاضرر فى تفريقها ، لأن الصفقة قد تمت بالقبض ، فجاز ١ - ١٩ - وَالإِباقُ وَالسَّرِقَةُ وَالبَوْلُ فى الفِرَاشِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فى الصَّغِيرِ الَّذِى لايَعْقِلُ، وَعَيْبٌ فِى الَّذِى تَعْقِلُ، وَيُرَدُّ بِهِ إِلاَّ أنْ يُوجَدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِى بَعْدَ البُلوغِ وَانْقِطاعُ الحَيْضِ عَيْبٌ، وَالاِسْتِحاضَةُ عَيْبٌ، وَالبَخَرُ وَالدَّفَرُ وَالزّنَا عَيْبٌ فى الجارِيَّةِ دُونَ الغُلامِ، وَالشَّيْبُ والكُفْرُ والْجُنُونُ عَيْبٌ فِيهِما، وَإِنْ وَجَد الْمُشْتَرِى عَيْبًا وَحَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ آخَرُ رَجَعَ بِنُقْصَانِ العَيْبِ وَلا يَرُدُّه إلاَّ بِرِضًا البائعِ. رد البعض كما لو اشترى من اثنين ، واستحقاق البعض على هذا التفصيل ما يضرّه التبعيض فهو عيب ، ومالا فلا . قال (والإباق والسرقة والبول فى الفراش ليس بعيب فى الصغير الذى لايعقل ) لأنه لايقدر على الامتناع من هذه الأشياء وهو ضالّ لا آبق (وعيب فى الذى يعقل ) لأنه تعده التجار عيبا ( ويرد به إلا أن يوجد عند المشترى بعد البلوغ ) . اعلم أن جواز الردّ إنما يثبت عند اتحاد الحال بأن فعل هذه الأشياء عند البائع والمشترى حالة الصغر أو حالة الكبر ، أما إذا فعله عند البائع حالة الصغر ، وعند المشترى حالة الكبر فليس له الردّ ، لأن شرط ثبوت الردّ اتحاد سبب العيب، وأنه يختلف بالصغر والكبر، لأن الإباق والسرقة من الصغير لقلة مبالاته وقصور عقله ، ومن الكبير لحبث طبيعته ، والبول فى الفراش من الصغير لضعف المثانة ، ومن الكبير لداء فى بطنه ، فقد اختلف السببان ، فكان العيب الثانى غير الأوّل فلا يجب الردّ ، بخلاف الجنون حيث له الرد لوجنّ عند البائع فى الصغر، وعند المشترى بعد البلوغ لأن السبب متحد، وهو آفة تحلّ الدماغ فى الحالتين . قال ( وانقطاع الحيض عيب ) لأنه من داء ، ومعناه إذا كانت ممن يحيض مثلها ، وإنما يعرف ذلك بمضىّ المدة وأدناه شهران، وقيل لا يردّها إلا إذا ادّعت ارتفاعه بالحبل ، ولو اشترى جارية على أنها تحيض وهى لا تحيض للإياس فهو عيب ، لأنه اشتراها للحبل والآيسة لاتحبل . قال (والاستحاضة عيب) لأن استمرار الدم مرض ، وعدم الختان عيب فى الجارية والغلام إذا كانا كبيرين مولدين ، أما إذا كانا صغيرين أو جلبين فليس بعيب . قال ( وَالبخر والدفر والزنا عيب فى الجارية دون الغلام ) لأن ذلك يخلّ بالمقصود منها وهو الاستفراش والوثوق بكون الولد منه ، والمراد من الغلام الاستخدام ، ولا يخلّ ذلك به إلا أن يكون من داء فهو عيب فيه أيضا ، وكذا إذا كان كثير الزنا يتبع الزوانى لأنه يشتغل به عن الخدمة . قال (والشيب والكفر والجنون عيب فيهما ) أما الشيب والجنون فلأنهما ينقصان المالية ، والكافر تنفر الطباع من استخدامه ويقلّ الوثوق به لعداوة الدين ، ولذا لا يجوز عتقه فى بعض الكفارات وكل ذلك عيب ، والنكاح والدین عيب فيهما لأنه نقص فيهما ، والحبل عيب فى الجارية دون بها ئم بالعرف . قال (وإن وجد المشترى عيبا وحدث عنده عيب آخر رجع بنقصان العيب ، ولايردّه إلا برضا البائع ) - ٢٠ - وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ أوْ خاطَهُ، أَوْ لَتَّ السَِّيِقَ بِسَمْنٍ ثُمَّ الطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَجَعَ بِنُقْصَانِهِ، وَإِنْ ماتَ العَبْدُ أوْ أَعْتَقَهُ رَجَعَ بِنُقْصَاكِ العَيْبِ، فانْ قَتْلَهُ أو أكَلَ الطَّعام (سم) لمْ يَرْجِعْ، لأن مز شرط الردّ أن يردّه کما قبضه دفعا للضرر عن البائع ،فاذا تعذر ذلكبأن عجز عن استيفاء حقه فى الجزء الفائت وعن الوصول إلى رأس ماله يثبت له حقّ الرجوع ببدل الفائت دفعا للضرر عنه ، ونقصان العيب أن يقوّم صحيحا ويقوم معيبا ، فما نقص فهو حصة العيب فيرجع بها من الثمن . قال (وإن صبغ الثوب أو خاطه أو لتّ السويق بسمن ثم اطلع علی عیب رجع بنقصانه) لأن الرد قد تعذّر لأنه لا يمكن الفسخ بدون الزيادة وهی لم تكن فى العقد فيرجع بالنقصان ، وليس للبائع أخذه لما فيه من الضرر بالمشترى ، والزيادة المنفصلة الحادثة قبل القبض لاتمنع الردّ بالعيب وبعده تمنع، وذلك مثل الولد والعقر والأرش والثمرة لأنها مبيعة ملكت بالبيع وهى غير مقصودة ليقابلها الثمن ، لأن الأصل بجميع الثمن ، فلا يمكن ردّها فتبقى سالمة للمشترى بغير عوض وأنه ربا ، ولهذا لا يملك ردّها برضا البائع، ولو مات الولد يردّ الأمّ، ولو استهلكه هو أوغيره لاتردّ ، والكسب والغلة لا يمنع الردّ بجميع الثمن فكذا سلامة بدلها . قال (وإن مات العبد أو أعتقه رجع بنقصان العيب ) وكذلك التدبير والاستيلاد؛ أما الموت فلأنه إنهاء للملك والامتناع من جهة الشرع ؛ وأما العتق فهو إنهاء أيضا ، لأن الملك إنما يثبت فى الآدمى موقتا إلى وقت العتق ، والمنتهى متقرّر فصار كالموت فقد تعذّر الردّ وهذا استحسان ؛ والقياس أن لا يرجع فى العتق ، لأن الامتناع من جهته كالقتل ، ولو أعتقه على مال أو كاتبه لا يرجع لأن خبس البدل كحبس المبدل . قال ( فان قتله أو أكل الطعام لم يرجع ) أما القتل فلأنه وصل إليه عوضه معنى وهو سقوط الضمان عنه . وعن أبى يوسف أنه يرجع ، لأن قتل المولى عبده لا يتعلق به ضمان؛ وأما الأكل فلأنه تعذّر الردّ بفعل مضمون منه فصار كالقتل ، وقالا : يرجع استحسانا لأنه عمل بالمبيع ما هو المقصود منه بالشراء والمعتاد فيه فصار كالإعتاق . قلنا : لا اعتبار بكون الفعل مقصودا ، فان المبيع مقصود بالشراء ومع ذلك يمنع الرجوع ، وعلى هذا الخلاف إذا لبس الثوب حتى تخرّق ، ولو أكل بعض الطعام فكذا الجواب عنده . وعندهما أنه يرجع بنقصان العيب فى الجميع . وعنهما يرد ما بقى ويرجع بنقصان ما أكل لأنه لايضرّه التبعيض وعليه الفتوى ، وفى كل موضع كان للبائع أخذه كالعيب الحادث ونحوه فباعه المشترى أو أعتقه لم يرجع بالنقصان ، وفى كل موضع ليس له أخذه بسبب الزيادة فباعه أو أعتقه المشترى رجع بالنقصان ؛ ومن اشترى بطيخا أو خيارا أو بیضا أو نحوه فكسره فوجده فاسدا ، فان کان بحال لاينتفع به رجع بكل الثمن لأنه ليس بمال ، وإن كان ينتفع به مع الفساد رجع بالنقصان لأنه تعذّر الرد ، لأن