النص المفهرس

صفحات 161-180

- ١٦١ -
وَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِها، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ العُمْرَةِ .
باب الجنايات
إذا طَيَّبَ المُحْرِمُ عُضْوًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإنْ لَبِسَ المَخِيطَ أوْ غَطَّ رَأْسَه
يَوْمَا فَعَلَيْهِ شاةٌ ،
النسكين ( وعليه دم لرفضها ) لأنه رفض إحرامه قبل أداء أفعال المتعة (وعليه قضاء العمرة )
لشروعه فيها .
باب الجنايات
( إذا طيب المحرم عضوا فعليه شاة ) لأن الطيب من محظورات الإحرام لا يعرف فيه
خلاف، قال عليه الصلاة والسلام ((الحاج الشعث التفل)) وهو الذى ترك الطيب من التفل
وهو الرائحة الكريهة. وروى ((المحرم أشعث أغبر)) وقد نهى عليه الصلاة والسلام أن
يلبس المحرم من الثياب ما مسه ورس (١) أو زعفران ، فما ظنك بما فوقه من الطيب ؟.
وقال عليه الصلاة والسلام فى حديث المعتدة ((الحناء طيب)) فاذا تطيب فقد جنى على
إحرامه فتلزمه الكفارة ، فإن طيب عضوا كاملا كالرأس والساق ونحوه؛ فقد حصل الارتفاق
الكامل فتجب شاة ، وما دون العضو الجناية قاصرة فتجب صدقة وهى مقدرة بنصف صاع
بر لأنه أقل صدقة وجبت شرعا كالفداء والكفارة وصدقة الفطر ونحوها ، وكل ما له رائحة
طيبة مستلذة ، فهو طيب كالمسك والكافور والحناء والورس والزعفران والعود والغالية .
والخيرى (٢) والبنفسج ونحوها ، وكذا الدهن المطيب ، وهو ما طبخ فيه الرياحين كالبنفسج
والورد ، والوسمة (٣) ليست بطيب ، وأما الزيت والشيرج فطيب عند أبى حنيفة وفيه دم،
لأنه أصل الطيب وفيهما إزالة الشعث ، وعندهما فيه صدقة لأنه ليس له رائحة مستلذة إلا
أن فيه إزالة بعض الشعث فتجب صدقة . قال ( وإن لبس المخيط أو غطى رأسه يوما فعليه
شاة) أيضا لأنهما من محظورات الإحرام أيضا لما بينا ، فان كان يوما كاملا فهو ارتفاق
كامل ، لأن المعتاد أن يلبس الثوب يوما ثم ينزع فتجب شاة ، وفيما دون ذلك صدقة
(١) الورس : نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الغمرة للوجه ، والغمرة : طلاء يتخذ
من الورس اهـ صحاح .
(٢) الغالية : قال فى مختار الصحاح من الطيب ، قيل أول من سماها بذلك سليمان بن
عبد الملك اهـ. والخيرى : الخطمى .
(٣) الوسمة الوا و وكسر السين فى لغة الحجاز، وهى أفصح من السكون ، وأنكر
الأزهرى السكون . وقال كلام العرب بالكسر، وهى تبت يصبغ به يقال له العظلم اه مصباح.
١١ - الاختيار - أول

- ١٦٢ -
وَإِنْ حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ شاةٌ، وكذلكَ مَوْضِعُ الْمَحاجِمِ (سم) ، وفى
حَلْقِ الإِبْطَيْنِ أَوْ أَحَدِهِما أوِ الرَّقَبَةِ أوِ العانَةِ شاةٌ، ولَوْ قَصَّ أظافِرَ بَدَيْهِ
وَرِجْدَيْهِ أوْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ. وَلَوْ طافَ لِلْقُدُومِ أوْ لِلصَّدَرِ جُنُبا
أوْ لِلزيارَةِ ◌ُحْدِثا فَعَلَهٍ شاةً، وَإنْ أفاضَ مِنْ عَرَفَةٌ قَبْلَ الإمامِ فَعَلَيْهِ شاةٌ
فانْ عادَ إلى عَرَفَةَ قَبْلَ الغُرُوبِ وَإفاضَةِ الإِمامِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ، وَإِنْ عَادَ
قَبْلَ الغُرُوبِ بَعْدَ ما أفاضَ الإِمامُ أَوْ بَعْدَ الغُرُوبِ لَمْ يَسْقُطْ،
لقصور الجناية وقد مر . وعن أبى يوسف أنه اعتبر أكثر اليوم إقامة الأكثر مقام الكل".
وعن أبى حنيفة : إذا غطى ربع رأسه فعليه شاة كالخلق ، وأنه معتاد بعض الناس . وعن
أبى يوسف الأكثر لما تقدم. قال ( وإن حلق ربع رأسه فعليه شاة ) لأن فيه إزالة الشعث
والتفل فكان جناية على الإحرام ، ثم الربع قائم مقام الكلّ فى الرأس وهو عادة بعض الناس
فكان ارتفاقا كاملا فتجب شاة ( وكذلك موضع المحاجم ) لأنه مقصود بالحلق وفيه إزالة
الشعث فيجب الدم ، وقالا فيه صدقة لأنه حلق لغيره وهى الحجامة وليست من المحظورات
فكذا هذا إلا أن فيه إزالة شيء من الشعث فتجب صدقة ، قال ( وفى حلق الإبطين أو أحدهما
أو الرقبة أو العانة شاة ) أيضا لأن كل ذلك ارتفاق كامل مقصود بالحلق ، وهو عضو
كامل فتجب شاة . قال ( ولو قصّ أظافر يديه ورجليه أو واحدة منها فعليه شاة ) أما
الجميع فلأنه ارتفاق تام مقصود ، وفيه إزالة الشعث فكان محظورا إحرامه فتجب شاة ،
وكذا أحد الأعضاء الأربعة لأنه ارتفاق كامل ، وإنما يجب فى الكل دم واحد لاتحاد
الجنس ، وهذا إذا قصها فى مجلس واحد ، فأما إذا كان فى مجالس يجب بكل عضو دم .
وقال محمد : يجب فى الكلّ دم واحد لأنه عقوبة فتتداخل . ولنا أن فيه معنى العبادة
فلا تتداخل إلا عند اتحاد المجلس كسجدة التلاوة . قال ( ولو طاف للقدوم أو للصدر جنبا
أو للزيارة محدثا فعليه شاة ) لأنه أدخل النقص فى الركن وهو طواف الزيارة فتجب الشاة ،
وفى الطوافين وجبت الشاة فى الجنابة إظها را للتفاوت ، وطواف القدوم وإن كان سنة فانه
يصير بالشروع واجبا ، ولوطاف للعمرة جنبا أو محدثا فعليه شاة ، لأنه ركن فيها ، وإنما
لاتجب البدنة لعدم الفرضية؛ والحائض كالجنب لاستوائهما فى الحكم ، ولو أعاد هذه
الأطوفة على طهارة سقط الدم لأنه أتى بها على وجه المشروع فصارت جنايته متداركة
فسقط الدم . قال ( وإن أفاض من عرفة قبل الإمام فعليه شاة ) إما لأن امتداد الوقوف إلى
الغروب واجب لما تقدم ، أو لأن متابعة الإمام واجبة وقد تركهما فتجب شاة ( فان عاد
إلى عرفة قبل الغروب وإفاضة الإمام سقط عنه الدم ) لأنه استدرك ما فاته ( وإن عاد قبل
الغروب بعد ما أفاض الإمام أو بعد الغروب لم يسقط ) لأنه لم يستدرك ما فاته .

- ١٦٣ -
وَإِنْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الزّيارَةِ ثَلاثَةَ أَشْوَاطِ فَمَا دُوّها، أوْ طَوَافَ الصَّدَرِ أَوْ
أَرْبَعَةٌ مِنْهُ، أوِ السَّعْىَ أَوِ الوُقُوفَ بالمُزْدَ لِفَةٍ فَعَلَيْهِ شاةٌ، وَإِنْ طافَ للزّيارَةِ
وَعَوْرَتُهُ مَكْشُوْفَةٌ أَعادَ مَا دَامَ يِمَكَّةَ، وَإِنْ كَمْ يُعِدْ فَعَلَيْهِ دَمٌّ، وَلَوْ
تَرَكَ رَمْىَ الجِمار كُلُّها أوْ يَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ جَمْرَةِ العَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ
شاةٌ، وَإِنْ تَرَكَ أَقَلَّها تَتَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةِ نِصْفَ صَاعٍ بُرّ، وَإِنْ حَلَقَ أَقَلّ
مِنْ رُبْعِ رَأْسِهِ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ صَاعٍ بُرّ، وَكَذَا إِنْ قَصَّ أقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ
أظافرَ، وكذلكَ إِنْ قَصَّخَمْسَةً مُتْفَرَقَةٌ (م)، وَلَوْ طافَ لِلْقُدُومِ أَوْ لِلصَّدَرِ
◌ُحْدَثَا فَكَذَلكَ، وَإِنْ طَافَ للِزِّيارَةِ جُنُبًا فَعَلَيْهِ بَدَّنَةٌ
قال ( وإن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها ، أو طواف الصدر أو أربعة
منه ، أو السعى أو الوقوف بالمزدلفة فعليه شاة ) أما الثلاثة من طواف الزيارة فلأنه قليل
بالنسبة إلى الباقى فصار كالحدث بالنسبة إلى الجنابة ( وإن طاف للزيارة وعورته مكشوفة
أعاد ما دام بمكة، وإن لم يعد فعليه دم ) قال عليه الصلاة والسلام ((لا يطوفنَّ بالبيت
عريان )) وإن كان على ثوبه نجاسة لاشىء عليه ويكره . وأما ترك طواف الصدر أو أربعة
منه فلتركه الواجب ، وللأكثر حكم الكل ، ويؤمر بالإعادة ما دام بمكة ويسقط الدم ،
وكذا السعى والوقوف بالمزدلفة لأنهما واجبان . قال ( ولو ترك رمى الجمار كلها أو يوم
واحد ، أو جمرة العقبة يوم النحر فعليه شاة ) معناه أنه تركها حتى غربت الشمس من
آخر أيام التشريق ، لأنه ترك واجبا من جنس واحد ، وإن لم تغرب الشمس يرميها على
الترتيب ، لكن يجب الدم لتأخيرها عنده ، خلافا لهما على ما بينا ، وترك رمى يوم واحد
عبادة مقصودة ، وكذا جمرة العقبة يوم النحر فتجب شاة ( وإن ترك أقلها تصدّق لكلّ
حصاة نصف صاع برّ ) إلا أن يبلغ قيمته شاة فينقصه ما شاء . قال ( وإن حلق أقلّ من
ربع رأسه تصدّق بنصف صاع برّ ) لأن الربع مقصود معتاد عند بعض الناس كالسواد
والبادية ، فكان ارتفاقا كاملا ، وما دونه ليس فى معناه ، فتجب الصدقة ( وكذا إن قصّ
أقلّ من خمسة أظافر ) لأنه لا يحصل بذلك الزينة بل يشينه ويؤذيه إذا حكّ جسده ، ويجب
فى كلّ ظفر نصف صاع برّ، إلا أن يبلغ قيمة دم فينقص ما شاء (وكذلك إن قصّ
خمسة متفرّقة) وقال محمد : عليه دم كما إذا كانت من يد واحدة . ولنا أن الجناية تتكامل
بالارتفاق الكامل وبالزينة ، وهذا القصّ يشينه ويؤذيه كما بينا ، والجناية إذا نقصت
تجب الصدقة . قال ( ولو طاف للقدوم أو للصدر محدثا فكذلك ) إظهارا للتفاوت بين
الحدث والجنابة ، وذلك بايجاب الصدقة ، فكذا لو ترك ثلاثة أشواط من الصدر لنقضانه
فى كونه جناية عن الكلّ فتجب الصدقة . قال (وإن طاف للزيارة جنبا فعليه بدنة ،

- ١٦٤ -
وكذَلَكَ الحَائِضُ، وَإِنْ تَطَيِّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ لِعُدْرٍ إِنْ شَاءَ ذَبَحَ شاةً،
وَإِنْ شاءَ تَصَدَّقَ بِثَلاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ طَعامٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَإنْ شاءَ
صَامَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَمَنْ جامَعَ فى أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ
حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَمْضِى فى حَجِّهِ وَيَقْضِيهِ، وَلا يُفَارِقُ امْرَأتَهُ إذَا قَضَى
الحَجَّ، وَإِنْ جامَعَ بَعْدَ الوُقُوفِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَّنَةٌ ،
وكذلك الحائض ) لأنه لما وجب جبر نقصان الحدث بالشاة وجب جبر نقصان الجنابة
بالبدنة ، لأنها أعظم فتعظم العقوبة ، وهو مروى عن ابن عباس ، والأولى أن يعيده
ليأتى به على أكمل الوجوه ، فان أعاد فلاشىء عليه ، لأنه استدرك ما فاته فى وقته . قال
( وإن تطيب أو لبس أو حلق لعذر إن شاء ذبح شاة ، وإن شاء تصدق بثلاثة أصوع
من طعام على ستة مساكين ، وإن شاء صام ثلاثة أيام ) لقوله تعالى - ولا تحلقوا رءوسكم
حتى يبلغ الهدى محله، فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة
أو نسك - تقديره فحلق فقدية ، وقد فسرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما ذكرناه ،
ثم الصدقة والصوم يجزئ فى أىّ مكان شاء لأنهما قربة فى جميع الأماكن على جميع الفقراء .
وأما الذبح فلا يجوز إلا بالحرم، لأنه لم يعرف قربة إلا فى زمان مخصوص أو مكان مخصوص
وكذا كل دم وجب فى الحجّ جناية أو نسكا . قال ( ومن جامع فى أحد السبيلين قبل
الوقوف بعرفة فسد حجه وعليه شاة ، ويمضى فى حجه ويقضيه ) وكذلك المرأة إن كانت
محرمة . أما فساد الحج فلوجود المنافى ، قال تعالى - فلا رفث - وهو الجماع . وقال ابن
عباس : المحرم إذا جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه وعليه شاة ، ومثله لا يعرف إلا
توقيفا، ولأن الوطء صادف إحراما غير متأكد حتى لا يلحقه الفوات فيفسد ، بخلاف
ما بعد الوقوف لأنه تأكدحتى لا يلحقه الفوات . أما وجوب الشاة والمضىّ والقضاء فلما
تقدّم من حديث ابن عباس. (( وسئل صلى اللّه عليه وسلم عمن جامع امرأته وهما محرمان ؟
قال: يريقان دما ويمضيان فى حجتهما ويحجان من قابل)) (ولا يفارق امرأته إذا قضى
الحج ) لأنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر المفارقة لما سئل عنها ، ولو وجب لذكره كغيره
تنبيها على الحكم ، ولأن النكاح قائم، ولا موجب للمفارقة؛ أما قبل الإحرام فلأنه يحلّ
له جماعها فلا معنى للمفارقة ؛ وأما بعده فلأنهما إذا ذكرا ما وجدا من التعب وزيادة النفقة
يحترزان عن ذلك أكثر من غيرهما ، وكذا فى موضع الجماع حتى لو خاذا العود يستحبّ
لهما المفارقة . قال ( وإن جامع بعد الوقوف لم يفسد حجه ) لقوله عليه الصلاة والسلام
((الحجّ عرفة، فمن وقف بعرفة فقد تمّ حجه)). قال ( وعليه بدنة ) منقول عن ابن عباس
؛لأنه لما لم يجب القضاء علمنا أنه شرع لجبر نقص تمكن فى الحجّ، والمتصاد فى الجماع

- ١٦٥ -
وَإنْ جامَعَ بَعْدَ الحَلْقِ، أَوْ قَبَّلَ، أَوَْلَسَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ شاةٌ؛ وَمَنْ جامَعَ
فى العُمْرَةِ قَبْل طَوَافٍ أَرْبَعَةِ أشْوَاطٍ فَسَدَتْ، وَيَمْضِى فِيهَا وَيَقْضِيِها وَعَلَيْهِ
شاةٌ؛ وَإِنْ جامَعَ فِيها بَعْدَ أَرْبَعَةٍ أَشْوَاطٍ لَمْ تَفْسُدْ وَعَلَيْهِ شاةٌ. والعامِدُ
وَالنَّاسِى سَوَاءٌ.
فصل
إِذَا قَتَلَ المُحْرِمُ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ،
فاحش وجناية غليظة ، فتغلظ الكفارة فتجب بدنة ، بخلاف ما قبل الوقوف لأن الجابر
ثم هو القضاء ، وإنما وجبت الشاة لرفضه الإحرام قبل أوانه فافترقا ، وإن جامع ثانيا بعد
الوقوف عليه شاة ، لأن الأول صادف إحراما متأكدا محترما ، والثانى صادف إحراما
منخرما منهتكا بالوطء فخفت الجناية . قال ( وإن جامع بعد الحلق ، أو قبل ، أو لمس
بشهوة فعليه شاة ) لبقاء الإحرام فى حقّ النساء، وسواء أنزل أو لم ينزل؛ وكذا إذا جامع
فيما دون الفرج ، وكذا إذا جامع بهيمة فأنزل ، أو عبث بذكره فأنزل ، لأنه قضاء الشهوة
باللمس ، ولا شىء عليه بالنظر وإن أنزل لأنه ليس فى معنى الجماع . قال ( ومن جامع
فى العمرة قبل طواف أربعة أشواط فسدت ) لوجود المنافى (ويمضى فيها ويقضيها) لأنها
لزمت بالإحرام كالحجّ (وعليه شاة ) لوجود الجناية، وهو الارتفاق الكامل على إحرامه
( وإن جامع فيها بعد أربعة أشواط لم تفسد) لوجود الأكثر ( وعليه شاة ) لأنها سنة :
فتكون الجناية أنقص ، فيظهر التفاوت فى الكفارة ؛ ولو جامع القارن قبل طواف العمرة
فسدت عمرته وحجته لما تقدم ، وعليه شاتان الجنايته على إحرامين ؛ ولو جامع بعد طواف
العمرة أو أكثره قبل الوقوف تمت عمرته وفسد حجه لما بينا ؛ ولو جامع بعد الوقوف قبل
الحلق فعليه بدنة للحج وشاة للعمرة كما لو انفردا . قال ( والعامد والناسى سواء ) لأن
حالات الإحرام مذكرة كحالات الصلاة فلا يعذر بالنسيان ، وكذلك إذا جومعت النائمة
والمكرهة لوجود الارتفاق بالجماع .
فصل
( إذا قتل المحرم صيدا أو دلّ عليه من قتله فعليه الجزاء) والأصل فى ذلك قوله تعالى
- يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم - الآية ، وقوله تعالى - وحرّم عليكم صيد
البرّ ما دمتم حرما - والصيد : هو الحيوان المتوحش فى أصل الخلقة ، الممتنع بجناحيه
أو بقوائمه ، إلا الخمس الفواسق المستثناة بالحديث فانها تبدأ بالأذى ، وقد تقدّم الكلام

- ١٦٦ -
وَالْمُبْتَدِئُ وَالعَائِدُ وَالنَّاسِى وَالعامِدِ سَوَاءٌ. وَالْجَزَاءُ أنْ يُقَوَمَ الصَّيْدَ عَدْلانٍ
فى مكانِ الصَّيْدِ، أوْ فى أقْرَبِ المَوَاضِعِ منْهُ، ثُمَّ إنْ شاءَ اشْتَرَى بالقِيمَةِ
هَدْيَا فَذَبحَهُ، وَإنْ شاءَ طَعامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى كُلّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ
مِنْ بُرّ ، وَإنْ شاءَ صَامَ عَنْ كُلّ نِصِفِ صَاعٍ يَوْما، فانْ فَضَلَ أَقَلُّ مِن
نِصْفِ صَاعٍ إِنْ شاءَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإنْ شاءَ صَامَ يَوْمًا .
فيها ، وصيد البرّ ما كان توالده فى البرّ . أما الجزاء على القاتل فلقوله تعالى - فجزاء مثل
ما قتل من النعم - أوجب الجزاء على القاتل . وأما الدالّ فلأنه فوّت على الصيد الأمن
لأن بقاء حياة الصيد بأمنه ، فانه استحقّ الأمن إما بالإحرام لقوله تعالى - وأنتم حرم -
أو بدخوله الحرم لقوله تعالى - ومن دخله كان آمنا - فاذا دلّ عليه فقد فوّت الأمن
المستحقّ عليه فيجب الجزاء كالمباشر، ولما روينا من حديث أبى قتادة. والدلالة أن
لا يكون المدلول عالما به ، ويصدّقه حتى لو كان عالما به ، أو كذبه ودله آخر فصدقه
فالجزاء على الثانى ، ولو أعاره سكينا ليقتل الصيد إن كان معه سكين لاشىء عليه ، لأنه
يتمكن من قتله لا بالإعارة ، وإن لم يكن معه سكين فعلى المعير الجزاء ، لأنه إنما تمكن من
قتله باعارته ( والمبتدئ والعائد والناسى والعامد سواء) لوجود الجناية منهم وهو الموجب .
قال ( والجزاء أن يقوّم الصيد عدلان فى مكان الصيد ، أو فى أقرب المواسع منه ، ثم إن
شاء اشترى بالقيمة هديا فذبحه ، وإن شاء طعاما فتصدّق به على كلّ مسكين نصف صاع
من برّ ، وإن شاء صام عن كلّ نصف صاع يوما ، فان فضل أقل من نصف صاع ،
إن شاء تصدق به ، وإن شاء صام يوما ) والأصل فيه قوله تعالى - فجزاء مثل ما قتل من
النعم - إلى قوله - أو عدل ذلك صياما -. والأصل فى المثل أن يكون مماثلا صورة ومعنى،
وأنه غير معتبر بالإجماع، ولا اعتبار للمثل صورة ، لأن بعضه خرج عن الإرادة بالإجماع
كالعصفور ونحوه، فلا يبقى الباقى مرادا لئلا يؤدى إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز فى لفظ
واحد ، فتعين أن يعتبر المثل معنى وهو القيمة كما فيما لانظير له ، وكما فى حقوق العباد ،
وإذا كان المراد بالجزاء القيمة يقوّم العدلان اللحم لا الحیوان فی مکان الصید إن کان مما يباع
فيه الصيود ، وإن لم يكن مما يباع فيه كالبرية ففى أقرب المواضع منه ، ثم الخيار للقاتل إن
شاء اشترى بالقيمة هديا، وهو ما تجوز به الأضحية إن بلغت قيمته ذلك ، ويذبحه بمكة
لما تقدم ، وإن لم تبلغ ما تجوز به الأضحية لا يذبحه ويتصدّق به؛ وقالا: يذبحه لإطلاق
قوله تعالى - هديا بالغ الكعبة - ولأنه يتقرّب به فى الجملة إذا ولدته الأضحية والهدى فانه
يذبح مع أمه . ولأبى حنيفة أن القياس يأبى التقرّب بالإرافة لكونه إيلام البرىّ على ما عرف
وإنما خالفناه فى موارد النص وهى الأضحية والمتعة ، ولا يجوز فيهما هذا فيبقى على الأصل

- ١٦٧ -
وَمَنْ جَرَحَ صَيْدًا، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ، أَوْقَطَعَ عُضْوَا مِنْهُ ضَمِنَ ما نَقَصَه،
وَإِنْ نَتَفَ رِيشَ طائِرٍ، أَوْ قَطَعَ قَوَائْمَ صَيْدٍ فَعَلَيْهُ قِيمَتُهُ، وَإِنْ كَسْرِ
بَيْضَّتَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَُها ؛
وحیث جاز إنما جاز تبعا والكلام فی جوازه أصلا ، وإن شاء اشتری طعاما فأطعم كما ذكرنا
كما فى الفداء والكفارات ، وإن شاء صام على ما وصفنا كما فى الفداء ، وإنما يتخير بين
هذه الأشياء الثلاثة كما فى كفارة اليمين ، وهو مذهب ابن عباس ، وإنما يتخير القاتل لأن
الخيار شرع رفقا به ، وذلك إنما يحصل إذا كان التعيين إليه والخيار له ، فإن فضل أقلّ
من نصف صاع أوكان الواجب ذلك ، إن شاء تصدّق به لأنه كل الواجب ، وإن شاء
صام عنه يوما لعدم تجزى الصوم. وقال محمد: الواجب المثل من حيث الصورة والجثة ،
ففى الظبى والضبع شاة ، وفى الأرنب عناق ، وفى اليريوع جفرة (١) ، وفى النعامة بدنة ،
وفى حمار الوحش بقرة ، وما لانظير له كالحمام والعصفور تجب القيمة كما قالا ، له قوله
تعالى - فجزاء مثل ما قتل من النعم - . والمثلية من حيث الصورة أولى، لأن القيمة ليست
مثلا للنعم . وعن جماعة من الصحابة إيجاب النظير من حيث الخلقة، وعنده الخيار إلى
تالحكمين ، فإن حكما بالهدى يجب النظير، وإن حكما بالطعام أو بالصيام فكما قالا ، لقوله
تعالى - يحكم به ذوا عدل منكم هديا - نصب مفعول يحكم ، وجوابه ما قلنا ، ولأن الكفارة
رفع عطف على الجزاء، وكذلك قوله - أو عدل - رفع، وإنما الحكمان يحكمان بالقيمة
لأن الواجب لو كان النظير لما احتاج إلى تقويمها ، فعلم أن الحكمين إنما يحكمان بالقيمة
ثم الخيار إليه رفقا به كما بينا . وإن قتل ما لا يؤكل من السباع ففيه الجزاء لأنه صيد فيتناوله
إطلاق النص" ، ولا يتجاوز بقيمته شاة ، لأن السبع وإن كبر لايتجاوز قيمة لحمه قيمة
لحم شاة ، لأنه غير منتفع به شرعا . قال ( ومن جرح صيدا أو نتف شعره ، أو قطع عضوا
منه ضمن ما نقصه ) اعتبارا للبعض بالكلّ (وإن نتف ريش طائر أو قطع قوائم صيد
فعليه قيمته) لأنه خرج به عن حيز الامتناع فقد فوت عليه الأمن فصار كما إذاقتله ،
وكذلك كل فعل يخرج به عن حيز الامتناع (وإن كسر بيضته فعليه قيمتها ) لما روى أن
النبى عليه الصلاة والسلام قضى بذلك ، وكذا روى عن علىّ وابن عباس ، ولو خرج منها
فرخ ميت فعليه قيمته حيا، لأنه كان بعرضية الحياة وقد فوّتها فتجب قيمته احتياطا ؛
وكذلك لو ضرب بطن ظبية فألقت جنينا ميتا فعليه قيمته لما بينا . وشجر الحرم لا يحل
قطعه لمحرم ولا حلال. قال عليه الصلاة والسلام (( لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها))
فصار كالصيد ، وشجر الحرم ما ينبت بنفسه ، أما إذا أنبته الناس أو كان من جنس ما ينبته
الناس فلا بأس بقطعه وقلعه، لأن الناس اعتادوا الزراعة والحصد من لدن رسول الله
(١) الجفرة : الأنثى من ولد المعز إذا بلغت أربعة أشهر.

- ١٦٨ -
وَمَنْ فَلَ قَمْلَةً أَوْ جَرَادَةٌ تَصَدَّقَ بِمَا شاءَ، وَإِنْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَهُوَ
صَيْئَةٌ: وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَاصْطادَهُ حَلالٌ إِذَا لَمْ يُعِنْهُ. وكُلُّ ما عَلَى الْمُفْرِدِ
فِيهِ دَمٌ عَلَى القارِنِ فِيهِ دَمَانٍ .
باب الإحصار
المُحْرِمُ إذَا أُحْصِرَ بِعَدُوْ أَوْ مَرَضٍ أوْ عَدَمِ مْرَمٍ أَوْ ضَيَاعِ نَفَقَةٍ يَبْعَثُ
شماةً تُلْبَحُ عَنْهُ فى الحَرَمِ أوْ ثَمَّهَا لِيُشْتَرَى بِهَا ثُمَّ يَتَحَلَّلُ،
صلى الله عليه وسلم إلى يومنا من غير نكير . وعن أبى يوسف : لا بأس برعيه ، لأن منع
الدوابّ متعذّر، وجوابه الحديث ، ولأن القطع بالمشافر كالقطع بالمناجل . قال ( ومن
قتل قملة أو جرادة تصدق بما شاء) قال عمر رضى الله عنه: تمرة خير من جرادة ، ولأن
القملة من التفث حتى لو قتل قملة وجدها على الأرض لاشىء عليه ، وكذلك القملتين
والثلاث ، وإن كثر أطعم نصف صاع لكثرة الارتفاق . وعن أبى يوسف فى القملة
يتصدّق بكفّ من طعام ، وعن محمد بكسرة من خبز . قال ( وإن ذبح المحرم صيدا فهو
ميتة) لأنه فعل حرام فلا يكون ذكاة ( وله أن يأكل ما اصطاده حلال إذا لم يعنه ) لما مرّ
من حديث أبى قتادة ( وكل ما على المفرد فيه دم على القارن فيه دمان ) لأنه جناية على
إحرامين .
پاپ الإحصار
هو المنع والحبس ، ومنه حصار الحصون والمعاقل إذا منعوا عن التصرّف فى مقاصدهم
وأمورهم ، والحصور : الممنوع عن النساء . وفى الشرع : المنع عن المضى فى أفعال الحجّ
بموانع نذكرها إن شاء الله تعالى ( المحرم إذا أحصر بعدوّ أو مرض أو عدم محرم أو ضياع
نفقة ، يبعث شاة تذبح عنه فى الحرم ، أو ثمنها ليشترى بها ثم يتحلل ) والأصل فى ذلك
قوله تعالى - فإن أحصر تم فما استيسر من الهدى - والنبى عليه الصلاة والسلام أحصر هو
وأصحابه عام الحديبية حين أحرموا معتمرين فصدّهم المشركون عن البيت ، فصالحهم عليه
الصلاة والسلام وذبح الهدى وتحلل ثم قضى العمرة من قابل . قالوا : وفيهم نزلت الآية ،
فكل من أحرم بحجة أو عمرة ثم منع من الوصول إلى البيت فهو محصر ، ويستوى فى ذلك
جميع ما ذكرنا من الموانع ، لأن التحلل قبل أوانه إنما شرع دفعا للحرج الناشىء من بقائه
محرما ، وهذا المعنى يعمّ جميع ما ذكرنا من الموانع، وكذلك ما فى معناها كغلال الراحلة
ومنع الزوج والسيد إذا وقع الإحرام بغير أمرهما ؛ ومن قال إن الإحصار يختص بالعدوّ

- ١٦٩ -
وَيَجُوزُ ذَّبِجُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ (سم). وَالقارِنُ يَبْعَثُ شاتَيْنِ، وَإذَا تَحَكَل
المُحْصَرُ بالحَجّ فَعَلَيْهِ أحَجَّةٌ وُعُمْرَةٌ، وَعَلَى القارِنِ حَجَّةٌ وُعُمْرَتَانٍ، وَعَلَى
المُعْتَمِرِ ◌ُمْرَةٌ، فإنْ بَعَثَ ◌ُثُمَّ زَالَ الإِحْصَارُ، فإنْ قَدَرَ عَلَى إدرّاكِ الهَدْيِ
والحَجّ لَمْ يَتَحَلَّلْ وَلَزِمَهُ المُضِىُّ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِ هِمَا دُونَ الآخَرِ تَحَلَّلَ،
فهو مردود بالكتاب . قال الكسائى وأبو عبيدة : ما كان من مرض أو ذهاب نفقة يقال
منه أحصر فهو محصر ؛ وما كان من حبس عدو أو سجن يقال حصر فهو محصور ؛
ونقل بعضهم إجماع أئمة اللغة على هذا ، والنبى عليه الصلاة والسلام حصر بالعدوّ ، فعلمنا
أن المراد ما يمنع من المضىّ والوصول إلى البيت ، وقوله: فى الحرم إشارة إلى أنه لا يجوز
خارج الحرم لقوله تعالى - ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله - ومحله الحرم ، لأن
الهدى ما عرف قربة إلا بمكان مخصوص أو زمان مخصوص ، والزمان قد انتفى فتعين
المکان ، ولأنه لو جاز ذبحه حيث أحصر لکان محله فلا تبقى فائدة فى قوله حتى يبلغ . وما
روى أنه عليه الصلاة والسلام ذبح بالحديبية حين أحصر بها ، فالحديبية بعضها من الحرم ،
فيحمل ذبحه عليه الصلاة والسلام فيه توقيفا بين الكتاب والسنة . قال ( ويجوز ذبحه قبل
يوم النحر ) وقالا: لا كدم المتعة والقران . وجوابه أنه دم جناية لتحلله قبل أو انه والجنايات
لا تتوقف بخلاف المتعة والقران فإنهما دم نسك ، ولأن التأقيت بالزمان زيادة على النصّ ،
فلا يجوز ؛ ولو عجز عن الذبح لايتحلل بالصوم ويبقى محرما حتى يذبح عنه أو يزول
المانع فيأتى مكة ويتحلل بأفعال العمرة ، ولو صبر حتى زال المانع ومضى إلى سكة
وتحلل بالأفعال لاهدى عليه . قال ( والقارن يبعث شاتين ) لأنه يتحلل عن إحرامين ،
وقد أدخل النقص على كل واحد منهما . قال ( وإذا تحلل المحصر بالحج فعليه حجة وعمرة )
روى ذلك عن عمر وابن مسعود ، ولأن الحجة تجب بالشروع فيها ؛ وأما العمرة فلأنه
فى معنى فائت الحجّ ، فيتحلل بأفعال العمرة ، وقد عجز فيجب قضاؤها ( وعلى القارن
حجة وعمرتان ) حجة وعمرة لما ذكرنا ، وعمرة لصحة الشروع فيها ( وعلى المعتمر عمرة )
لأن النبى عليه الصلاة والسلام وأصحابه لما أحصروا بالحديبية عن المضىّ فى العمرة وتحللوا
قضوها حتى سميت عمرة القضاء . قال ( فإن بعث ثم زال الإحصار فإن قدر على إدراك الهدى
والحجّ لم يتحلل ولزمه المضىّ) لأنه قدر على الأصل قبل تمام الخلف (وإن قدر على أحدهما
دون الآخر تحلل ) أما إذا قدر على الهدى دون الحجّ فلا فائدة فى المضىّ ؛ وأما بالعكس،
القياس أن لا يتحلل لقدرته على الأصل ، والأفضل أن لايتحلل ويمضى ويأتى بأفعال
الحجّ ليأتى به على الوجه الأكمل ، لكن استحسنوا وجوّزوا له التحلل لأنه لمنا عجز عن

- ١٧٠ -
وَمَنْ أُخْصِرَ بِمَّكَّةَ عَنِ الوُقُوفِ وَطَوَافِ الزّيارَةِ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَإِنْ قَدَر
على أحَدِ هِما فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ.
باب الحج عن الغير
وَلَا يَجُوزُ إلاَّ عَنِ الْمَيِّتِ أَوْ عَنِ العاجِزِ بِنَفْسِهِ عَجْزًا مسْتَمِرًّاً إلى المَوْتِ،
وَمَنْ حَجَّ عَنْ غْرِهِ بَنْوِى الْحَجَّ عَنْهُ.
إدراك الهدى على وجه لا يضمنه الذابح صار كأنه قد ذبح فيتحلل ، ولأن الخوف على المال.
كالخوف على النفس ، واو خاف على النفس تحلل ، فكذا على المال . قال ( ومن أحصر
بمكة عن الوقوف وطواف الزيارة فهو محصر ) لما بينا ( وإن قدر على أحدهما فليس
بمحصر ) لأنه إن قدر على الوقوف فقد أمن فوات الحجّ ، وإن قدر على الطواف يصبر
حتى يفوته الحجّ ، ثم يتحلل بأفعال العمرة ولا دم عليه . وعن أبى حنيفة أنه ليس لأهل مكة
إحصار ، لأن الدار دار الإسلام ، بخلاف عام الحديبية حين أحصر عليه الصلاة والسلام.
باب الحج عن الغير
الأصل فيه حديث الخثعمية ، وهو ما روى (( أن امرأة من خثعم جاءت إلى النبى صلى
اللّه عليه وسلم فقالت: يارسول الله إن فريضة الحجّ أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن
يستمسك على الراحلة أفيجزينى أن أحجّ عنه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أرأيت لوكان على
أبيك دين فقضيتيه أما كان يقبل منك ؟ قالت نعم ، قال: فالله أحقّ أن يقبل)) فدل"
ذلك على جواز الحجّ عن الغير عند العجز ، وأنه يقع عن المحجوج عنه . قال ( ولا يجوز
إلا عن الميت ، أو عن العاجز بنفسه عجزا مستمرا إلى الموت ) ولا يجوز عن القادر ، لأن
الحجّ عبادة بدنية وجبت الابتلاء ، فلاتجرى فيها النيابة ، لأن الابتلاء بإتعاب البدن وتحمل
المشقة ، فيقع الفعل عن الفاعل إلا أنه يسقط الحجّ عن الآمر فيما ذكرنا ، لأنه سبب
لحصول الحجّ بالاتفاق، فأقام الشرع السبب مقام المباشرة فى حقّ المأيوس نظرا له
كالفدية فى باب الصوم فى حقّ الشيخ الفانى، ويشترط دوام العجز إلى الموت كالفدية
أيضا ، لأنه متى قدر وجب عليه بنفسه . وعن محمد يقع عن الحاج لأنها عبادة بدنية ،
وللآمر ثواب النفقة. وقال فى المحيط : يسقط عن الآمر حجه ويقع عن المأمور تطوّعا ،
والمذهب المعتمد عليه وقوعه عن المحجوج عنه لما روينا . قال ( ومن حجّ عن غيره بنوى
الحجّ عنه) لأن الأعمال بالنيات ، والأصل أن كل عامل يعمل لنفسه ، فلا بد من النية
لامتثال الأمر ، ولأنه عبادة تجرى فيها النيابة وهى غير موقتة ، فجاز أن تقع عن غير من
١
.

- ١٧١ -
وَيَقُولُ: لَّيْكَ بِحَجَّةٍ عَنْ فُلانٍ، وَيَجُوزُ حَجُّ الصَّرُورَةِ والمَرأةِ وَالعَبْدِ،
وَدَمُ الْمُشْعَةِ وَالقِرَانِ وَالجِناياتِ عَلى المِأْمُورِ، وَدَمُ الإِحْصَارِ عَلى الآمِرِ، وَإن
جامَعَ قَبْلَ الوُقُوفِ ضَمِنَ النَّفْتَقَةَ وَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَمَا فَضَلَ مِنَ النَّفَقَةِ يَرُدُّه
إلى الوَصِيّ أوِ الوَرَنَةِ أوِ الآمِرِ، وَمَنْ أَوْصَى أنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى الوَسَطِ وَهُوَ
رُكُوبُ الزَّامِلَةِ ،
وجب عليه فينوى عنه ليقع عن الآمر ( ويقول : لبيك بحجة عن فلان ) ولو لم ينو جاز
لأنه تعالى مطلع على السرائر . قال ( ويجوز حجّ الصرورة والمرأة والعبد ) لوجود أفعال
الحجّ والنية عن الآمر كغيرهم، والصرورة (١): الذى لم يحجّ عن نفسه ، والنبى عليه
الصلاة والسلام جوّز حجّ الخثعمية عن أبيها من غير أن يسألها هل حجت عن نفسها أم لا ،
ولو كان لسأله تعليما وبيانا ؛ والأولى أن يختار رجلا حرا عاقلاً بالغا قد حجّ ، عالما بطريق
الحجّ وأفعاله، ليقع حجه على أكمل الوجوه ويخرج به عن الخلاف . قال (ودم المتعة
والقران والجنايات على المأمور ) أما دم المتعة والقران فلأنه وجب شكرا حيث وفق لأداء
النسكين ، وهو الذى حصلت له هذه النعمة ؛ وأما دم الجنايات فلأنه هو الجانى ( ودم
الإحصار على الآمر ) لأنه هو الذى ورّطه فيه فيجب عليه خلاصه منه ، وإن حج عن ميت
ففى مال! الميت . ويعتبر من جميع المال لأنه يجب عليه خلاصه فصار دينا عليه . وعن
أبى يوسف أنه على الحاج لأنه وجب ليتحلل فيخلص عن ضرر امتداد الإحرام . وجوابه
ما ذكرنا من أنه هو الذى أوقعه فيه . قال (وإن جامع قبل الوقوف ضمن النفقة ) لأنه
مأمور بالحج الصحيح ، وهذا فاسد فقد خالف الأمر ( وعليه الدم ) لأن الجماع فعله ،
وإن فاته الحجّ لمرض أو حبس أو هرب المكارى أو ماتت الدابة ، فله أن ينفق من مال
الميت حتی یرجع إلى أهله . وعن محمد فی نوادر ابن سماعة أن له نفقة ذهابه دون إیابه ،
وفى قاضيخان : لو قطع الطريق على المأمور وقد أنفق بعض المال فمضى فى الحجّ وأنفق
من مال نفسه وقع الجج عن نفسه ، وإن بقى فى يده شىء من مال الميت فأنفق منه وقع
عن الميت ، وإن رجع وأنفق على نفسه من مال الميت لم يضمن إذا رجع الناس . قال
( وما فضل من النفقة يردّه إلى الوصىّ أو الورثة أو الآمر) لأنه لم يملكه ذلك وإنما أعطاه
ليقضى الحجّ فما فضّل يردّه إلى مالكه، ولأنه لم يستأجره على ذلك يملك الأجرة لأنه لا يصحّ
الإجارة عليه ، وسيأتيك فى الإجارات إن شاء اللّه تعالى. قال (ومن أوصى أن يحجّ عنه
فهو على الوسط وهو ركوب الزاملة ) لأنه أعدل الأمور ؛ ومن مات وعليه حجة الإسلام
ولم يوصّ لا يجب على الوارث أن يحجّ عنه، لأن الحجّ عبادة فلا تتأدّى إلا بنفسه حقيقة
(١) سمى من لم يحجّ عن نفسه صرورة كأنه أصرّ على تركه .

- ١٧٢ -
وَحُمُّونَ عَنِ الْمَيِّتِ مِنْ مَْزِلِهِ، فإنْ لَمْ تُبَلْغُ النَّفَقَةُ فمِنْ حَيْثُ تُبَلَغُ.
باب اهدی
وَهُوَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالْغَيْمِ، وَلا يُجْزِئُ ما دُونَ الثَِّىِّ
أو حكما بالاستخلاف ، وقضية هذا أنه لا يسقط عنه لو حجّ عنه غيره بغير أمره ، إلا أنا
قلنا لو حجّ الوارث عنه أو أحجّ سقط عنه استحسانا لحديث الخثعمية. ولما روى ((أن
رجلا قال : يا رسول الله إن أمى ماتت ولم تحجّ أفأحجّ عنها؟ قال نعم)) قال ( ويحجون عن
الميت من منزله) لأنه المتعارف ، وكما لو كان حيا فحجّ ، وكذلك إذا مات فى طريق الحجّ
فأوصى . وقالا : يحج عنه من حيث مات ، وكذلك لو مات المأمور يحجّ عنه من منزله
وعندهما حيث بلغ . لهما أن خروجه من بلده معتدّ به غير ساقط بالاعتبار ، قال تعالى
- ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله -
وقال عليه الصلاة والسلام ((من مات فى طريق الحجّ كتبت له حجة مبرورة فى كل سنة))
ولأبى حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث))
الحديث ، ولأن الحجّ لما لم يتصل بالخروج لم يبق وسيلة إليه فلا يعتدّ به عن حجته ،
وإن حصل الثواب بوعد الله ورسوله ( فإن لم تبلغ النفقة فمن حيث تبلغ ) استحسانا ، لأن
قصده سقوط الفرض ، فإذا لم يمكن على الكمال فبقدر الإمكان ، وإذا بلغت الوصية أن
يحجّ راكبا فليس لهم أن يحجوا مشاة ، وإن بلغت ماشيا من بلده وراكبا من الطريق
قال محمد : يحجّ راكبا من حيث تبلغ، لأن الله تعالى إنما أوجب الحجّ راكبا. وروى
الحسن عن أبى حنيفة : أيهما شاء فعل ، لأن فى كل واحد منهما قصورا من وجه فيتخير ،
فإن رجع المأمور وقال منعت ، وقد أنفق فى رجوعه من مال الميت وكذبه الورثة
أوالوصى ضمن ، إلا أن يشهد له الظاهر بأن يكون مشهوراً ، وإن ادّعى الحجّ وكذباه
فالقول قوله ، وإن أقاما البيئة أنه كان يوم النحر بالكوفة لم تقبل ، فإن قامت على إقراره
أنه لم يحجّ قبلت ؛ وإن كان للميت غريم فأمر أن يحجّ عن الميت بماله عليه ، فادّعى أنه
حجّ لم تقبل إلا ببينة .
بابالهدى
وهو اسم لما يهدى إلى الحرم ويذبح فيه ( وهو من الإبل والبقر والغنم ) اعتبارا
بالضحايا (( وسئل عليه الصلاة والسلام عن الهدى فقال ((أدناه شاة)) وأهدى عليه الصلاة
والسلام مائة بدنة ، والبقرة كالبدنة ولا خلاف فى ذلك . قال (ولا يجزئ مادون الثنىّ

- ١٧٣ -
إلاَّ الجَدَعُ مِنَ الضَّانِ، وَلا يَذْبَحُ هَدْىَ التَّطَوَّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالقِرَانِ إِلاَّ يَوْمَ
النَّحْرِ وَيَأْ كُلُ مِنْهَا، وَيَذْبَحُ بَقِيَّةَ الهَدَّايا مَتى شاءَ وَلا يأْكُلُ مِنْهَا ، وَلا
يَذْبَحُ الجَمِيعَ إلاَّ فى الحَرَمِ، وَالْأَوْلى أنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ إذَا كانَ يُحْسِنُ
الذَّبْحَ، وَيَتَصَدَّقُ بِجَلَاِنَا وَخِطامِها، وَلا يُعْطِ أُجْرَةَ القَصَّابِ مِنْهَا، وَلا
تَجْزِىٌ العَوْرَاءُ وَلَا العَرْجَاءُ الَّتِى لاَ تَمْشِى إلى المَنْسِكِ، وَلا العَجْفَاءُ الَِّى لا تنقى
وَلا مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ وَلَا العَمْيَاءُ ، وَلَا الَِّى خُلِقَتْ بِغَيرٍ أُذُنٍ، وَلا تَقْطُوعَة
الذَّبِ،، وَإِنْ ذَهَبَ البَعْضُ إنْ كانَ ثُلُثا فما زادَ لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ نَقَصَ عَن
إلا الجذع من الضّأن ) لأنها قربة تتعلق بإراقة الدم فيعتبر بالضحايا ، قال عليه الصلاة
والسلام ((ضحوا بالثنايا إلا أن يعسر عليكم، فاذبحوا الجذع من الضأن)). قال ( ولا
يذبح هدى التطوّع والمتعة والقران إلا يوم النحر ويأكل منها ) لقوله تعالى - فكلوا منها -
ثم قال - ليقضوا تفهم - وذلك يكون فى أيام النحر ، وقد صحّ أنه عليه الصلاة والسلام
ساق مائة بدنة فى حجة الوداع ذبح منها ثلاثا وستين بيده ، وذبح علىّ رضى الله عنه الباقى
ثم أمر أن يؤخذ بضعة من كل بدنة فوضعت فى قدر ثم أكلا من لحمها وحسوا من
مرقها . وروى أنس أنه كان قارنا . قال ( ويذبح بقية الهدايا متى شاء ، ولا يأكل منها )
لأنها جنايات وكفارات فلا تتوقت بوقت ومصرفها الفقراء ، والأولى تعجيلها لينجبر
ما حصل من النقص فى أفعاله. قال (ولا يذبح الجميع إلا فى الحرم ) قال تعالى فى جزاء
الصيد - هديا بالغ الكعبة - وفى دم الإحصار - حتى يبلغ الهدى محله - ولأن الهدى ما عرف
قربة إلا فى مكان معلوم وهو الحرم. قال عليه الصلاة والسلام (( منى كلها منحر ، وفجاج
مكة كلها منحر )). قال ( والأولى أن يذبح بنفسه إن كان يحسن الذبح ) لما روينا من
فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولأنها قربة ، فالأولى أن يفعلها بنفسه إلا أن لا يحسن فيوليها
غيره ، وينبغى أن يشهدها إن لم يذبحها بنفسه. قال عليه الصلاة والسلام (( يافاطمة قومى
فاشهدى ضحيتك ، فإنه يغفر لك بأوّل قطرة تقطر من دمها)). قال (ويتصدّق بجلالها
وخطامها ، ولا يعطى أجرة القصاب منها ) بذلك أمر عليه الصلاة والسلام عليا رضى الله
عنه . قال (ولا تجزئُ العوراء ولا العرجاء التى لا تمشى إلى المنسك، ولا العجفاء التى
لا تنقى) قل عليه الصلاة والسلام ((لا تجزئُ فى الضحايا أربعة: العوراء البين عورها،
والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التى لاتنقى)) أى لا نقى لها وهو
المخ . قال ( ولا مقطوعة الأذن، ولا العمياء) قال عليه الصلاة والسلام ((استشرفوا العين
والأذن)) أى تأملوا سلامتهما (ولا التى خلقت بغير أذن) لفوات عضو كامل (ولا
مقطوعة الذنب) لما بينا ( وإن ذهب البعض إن كان ثلثا فما زاد لا يجوز، وإن نقص عن

- ١٧٤ -
الثُّلُثِ يُجُوزُ (سم)، وَتَجُوزُ الجَمَّاءُ وَالْخَصِىِّ وَالثَّوْلَاءُ وَالْجَرْبَاءُ، وَلَا يَرْكَبُ
الهَدْىَ إلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فإنْ نَقَصَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَهُ وَتَصَدَّقَّ بِهِ، وَإِنْ
كانَ لَهَنَا لَنٌّ لَم يَحْلِيْبها، وَإِنْ سَاقَ هَدْيًا فَعَتَطِبَ فى الطَّرِيقِ فإنْ كانَ تَطَوُّعا
فَلَيْسَ عَلَيْهِ غْرُهُ، وَإنْ كانَ وَاجِبًا صَنَعَ بِهِ ما شاءَ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ،
الثلث يجوز ) لأن الثالث كثير بالنصّ، وفى رواية الربع لقيامه مقام الكل" كما فى مسح
الرأس . وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان أقلّ من النصف يجوز، لأن الحكم للغالب.
وفى النصف عن أبى يوسف روايتان . قال ( وتجوز الجماء والخصى والثولاء والجرباء )
أما الجماء فلأن القرن لا يتعلق به مقصود ؛ وأما الخصىّ فلأنه عليه الصلاة والسلام ضحى
بكبشين أملحين موجوعين (١) ، ولأن لحمه يكون أطيب؛ وأما الثولاء فالمراد التى
تعتلف حتى لو كانت لاتعتلف لا يجوز لأنه يخلّ بالمقصود ؛ وأما الجرباء فلأن الجرب
فى الجلد ؛ أما اللحم الذى هو مقصود لانقصان فيه حتى لو هزلت بأن وصل الجرب إلى
اللحم لا يجوز. قال (ولا يركب الهدى إلا عند الضرورة ) لأن فى ركوبها استهانة بها
وتعظيمها واجب . قال تعالى - ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب - والتقوى
واجب فيكون التعظيم واجبا وحالة الضرورة مستثناة لما روى (( أنه عليه الصلاة والسلام
رأى رجلا يسوق بدنة فقال : اركبها ويلك ، قال : يا رسول الله إنها بدنة ، قال : اركبها
ويلك)) قالوا : كان مجهودا فأمره بالركوب للضرورة ( فإن نقصت بركوبه ضمنه
وتصدّق به ) لأنه بدل جزئها، وكذلك إذا نقصت من الحمل عليها لما بينا. قال (وإن
كان لها لبن لم يحلبها ) لأنه جزء منها، ولا يتصدّق به قبل بلوغ المحلّ، وينضح ضرعها
بالماء البارد ليذهب اللبن ؛ قالوا : وهذا إذا قرب من وقت الذبح، فأما إذا كان بعيدا
حلبها دفعا للضرر عنها ، ويتصدّق به لأنه جزء من الهدى ، وإن استهلكه تصدّق بقيمته،
، إن اشترى هديا فولد عنده ذبح الولد معه ، وإن شاء تصدَّق به ، لأن للولد حكم الأم
على ما عرف . قال ( وإن ساق هديا فعطب فى الطريق ، فإن كان تطوّعا فليس عليه غيره )
لتعينه بالنية وقد فات ، وينبغى أن يذبحها ويصبغ نعلها: أى قلادتها بدمها ويضرب به
صفحة سنامها ، ولا يأكل منها هو ولا الأغنياء، بذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
ناجية الأسلمى ، وليعلم الناس أنه للفقراء دون الأغنياء ( وإن كان واجبا صنع به ما شاء )
لأنه لما خرج عما عينه عاد ملكا له فيصنع به ماشاء ( وعليه بدله) لأن الواجب باق فى ذمته.
(١) موجوعين، قال فى مختار الصحاح: الوجاء بالكسر والمدّ: ردّ عروق البيضتين
حتى تنفضخ فيكون شبيها بالخصاء. وفى الحديث ((أنه ضحى بكبشين موجوعين)).

- ١٧٥ -
وَيُقْلُِّ هَدْىَ التَّطَوَّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالقِرَانِ دُونَ غْرِها .
قال ( ويقلد هدى التطوع والمتعة والقران دون غيرها ) لأن النبى عليه الصلاة والسلام قدد
هداياه وكانت تطوّعا ، ولأنه نسك فيليق به الإظهار ، والمراد بالهدى هنا البدن ؛ أما الغنم
فلا يقلدها لعدم جريان العادة ؛ وأما بقية الهدايا فلأنها جنايات ، واللائق فيها الستر ، ودم
الإحصار وجب للتحلل قبل أوانه فكان جناية .
فصل
فى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم
ولما جرى الرسم أن الحاجّ إذا فرغوا من مناسكهم وقفلوا عن المسجد الحرام قصدوا
المدينة زائرين قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، إذ هى من أفضل المندوبات والمستحبات ،
بل تقرب من درجة الواجبات ، فإنه صلى الله عليه وسلم حرّض عليها وبالغ فى الندب إليها
فقال (( من وجد سعة ولم يزرنى فقد جفانى)) وقال عليه الصلاة والسلام ((من زار قبرى
وجبت له شفاعتى)) وقال عليه الصلاة والسلام (( من زارنی بعد مماتیفكأنما زارنى فى حياتى))
إلى غير ذلك من الأحاديث ، ثم رأيت أكثر الناس غافلين عن آدابها ومستحباتها جاهلين
بفروعها وجزئياتها ، أحببت أن أذكر فيها فصلا عقيب المناسك من هذا الكتاب أذكر
نبذا من الآداب فأقول :
ينبغى لمن قصد زيارة قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يكثر الصلاة عليه، فقد جاء
فى الحديث أنه يبلغه ويصل إليه ، فاذا عاين حيطان المدينة يصلى عليه ويقول : اللهم"
هذا حرم نبيك ، فاجعله وقاية لى من النار ، وأمانا من العذاب وسوء الحساب ، ويغتسل
قبل الدخول أو بعده إن أمكنه ، ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه فهو أقرب إلى التعظيم ،
ويدخلها متواضعا عليه السكينة والوقار ويقول : بسم اللّه، وعلى ملة رسول اللّه ، ربّ
أدخلنى مدخل صدق إلى آخر الآية، اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد واغفر لى
ذنوبى ، وافتح لى أبواب رحمتك وفضلك ؛ ثم يدخل المسجد فيصلى عند منبره صلى الله
عليه وسلم ركعتين ، يقف بحيث يكون عمود المنبر بحذاء منكبه الأيمن ، فهو موقفه صلى
الله عليه وسلم ، وهو بين قبره ومنبره. قال عليه الصلاة والسلام (( بین قبری ومنبرى
روضة من رياض الجنة ، ومنبرى على حوضى)) ثم يسجد شكرا لله تعالى على ماوفقه
ويدعو بما أحبّ ؛ ثم ينهض فيتوجه إلى قبره صلى الله عليه وسلم ، فيقف عند رأسه صلى
اللّه عليه وسلم مستقبلا للقبلة (١) ، يدنو منه قدر ثلاثة أذرع أو أربعة ، ولا يدنو منه
(١) قوله مستقبلا للقبلة ، ينظر ذلك بفتح القدير.

- ١٧٦ -
أكثر من ذلك ، ولا يضع يده على جدار التربة فهو أهيب وأعظم للحرمة ، ويقف كما
يقف فى الصلاة ، ويمثل صورته الكريمة البهية صلى الله عليه وسلم كأنه نائم فى لحده عالم به
يسمع كلامه، قال صلى الله عليه وسلم ((من صلى علىّ عند قبرى سمعته)) وفى الخبر ((أنه
وكل بقبره ملك يبلغه سلام من سلم عليه من أمَّته)) ، ويقول : السلام عليك يا رسول الله
السلام عليك يا نبى الله، السلام عليك يا صنىّ اللّه، السلام عليك يا حبيب الله، السلام
عليك يا نبيّ الرحمة ، السلام عليك يا شفيع الأمة ، السلام عليك يا سيد المرسلين ، السلام
عليك يا خاتم النبيين ، السلام عليك يا مزمِّل ، السلام عليك يا مدّرٍ ، السلام عليك
يا محمد ، السلام عليك يا أحمد ، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين الذين
أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، جزاك الله عنا أفضل ما جزى نبيا عن قومه ،
ورسولا عن أمته ؛ أشهد أنك قد بلغت الرسالة ، وأدّيت الأمانة ، ونصحت الأمة ،
وأوضحت الحجة ، وجاهدت فى سبيل الله، وقاتلت على دين الله حتى أتاك اليقين،
فصلى الله على روحك وجسدك وقبرك صلاة دائمة إلى يوم الدين ؛ يا رسول الله نحن
وفدك وزوّار قبرك ، جئناك من بلاد شاسعة ، ونواح بعيدة ، قاصدين قضاء حقك والنظر
إلى مآ ثرك ، والتيامن بزيارتك ، والاستشفاع بك إلى ربنا ، فإن الخطايا قد قصمت
ظهورنا ، والأوزار قد أثقلت كواهلنا ، وأنت الشافع المشفع ، الموعود بالشفاعة والمقام
المحمود، وقد قال اللّه تعالى - ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر
لهم الرسول لوجدوا اللّه توّابا رحيما - وقد جئناك ظالمين لأنفسنا ، مستغفرين لذنوبنا ،
فاشفع لنا إلى ربك ، واسأله أن يميتنا على سنتك ، وأن يحشرنا فى زمرتك ، وأن يوردنا
حوضك ، وأن يسقينا كأسك غير خزايا ولا نادمين ، الشفاعة الشفاعة يا رسول اللّه ،
يقولها ثلاثا - ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان - الآية ، ويبلغه سلام من أو صاه
فيقول : السلام عليك يا رسول اللّه من فلان ابن فلان ، يستشفع بك إلى ربك فاشفع له
ولجميع المسلمين ؛ ثم يقف عند وجهه مستدبر القبلة ، ويصلى عليه ما شاء ، ويتحوّل قدر
ذراع حتى يحاذى رأس الصديق رضى الله عنه ويقول : السلام عليك يا خليفة رسول الله،
السلام عليك يا صاحب رسول اللّه فى الغار ، السلام عليك يا رفيقه فى الأسفار ، السلام
عليك يا أمينه على الأسرار ، جزاك الله عنا أفضل ما جازى إماما عن أمَّةً نبيه ، ولقد
خلفته بأحسن خلف ، وسلكت طريقه ومنهاجه خير مسلك ، وقاتلت أهل الردّة والبدع ،
ومهدت الإسلام، ووصلت الأرحام، ولم تزل قائلا الحقّ، ناصرا لأهله حتى أتاك
اليقين ، فالسلام عليك ورحمة الله وبركاته ؛ اللهمّ أمتنا على حبه ، ولا تخيب سعينا فى زيارته

-١٧٧ -
برحمتك يا كريم ، ثم يتحوّل حتى يحاذى قبر عمر رضى الله عنه، فيقول: السلام عليك
يا أمير المؤمنين ، السلام عليك يامظهر الإسلام ، السلام عليك يا مكسر الأصنام ،
جزاك الله عنا أفضل الجزاء ، ورضى عمن استخلفك ، فلقد نصرت الإسلام والمسلمين حيا
وميتا ، فكفلت الأيتام، ووصلت الأرحام ، وقوى بك الإسلام ، وكنت للمسلمين إماما
مرضيا ، وهاديا مهديا ، جمعت شملهم ، وأغنيت فقيرهم ، وجبرت كسرهم ، فالسلام
عليك ورحمة الله وبركاته ؛ ثم يرجع قدر نصف ذراع فيقول : السلام عليكما يا ضجيعى
رسول الله ورفيقيه ووزيريه ومشيريه والمعاونين له على القيام فى الدين ، والقائمين بعده
بمصالح المسلمين ، جزاكما الله أحسن جزاء، جئنا كما نتوسل بكما إلى رسول اللّه ليشفع لنا
ويسأل ربنا أن يقبل سعينا ، ويحيينا على ملته ، ويميتنا عليها ، ويحشرنا فى زمرته ؛ ثم يدعو
لنفسه ولوالديه ولمن أوصاه بالدعاء ولجميع المسلمين ؛ ثم يقف عند رأسه صلى الله عليه
وسلم كالأوّل ويقول: اللهم إنك قلت وقولك الحقّ- ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك
الآية ، وقد جئناك سامعين قولك طائعين أمرك ، مستشفعين بنبيك إليك ، ربنا اغفر لنا
ولآبائنا ولأمّهاتنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان - الآية - ربنا آتنا في الدنيا حسنة - الآية
- سبحان ربك ربّ العزّة عما يصفون - إلى آخر السورة ، ويزيد فى ذلك ما شاء وينقص
ما شاء ، ويدعو بما يحضره من الدعاء ويوفق له إن شاء الله تعالى؛ ثم يأتى أسطوانة أبى لبابة
التى ربط نفسه فيها حتى تاب الله عليه وهى بين القبر والمنبر ، ويصلى ركعتين ويتوب إلى
اللّه تعالى ويدعو بما شاء ؛ ثم يأتى الروضة وهى كالحوض المربع ، وفيها يصلى أمام الموضع
اليوم ، فيصلى فيها ما تيسر له ، ويدعو ويكثر من التسبيح والثناء على الله تعالى والاستغفار؛
ثم يأتى المنبر فيضع يده على الرمانة التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده عليها
إذا خطب ليناله بركة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويصلى عليه ويسأل الله ما شاء،
ويتعوّذ برحمته من سخطه وغضبه ؛ ثم يأتى الاسطوانة الحنانة ، وهى التى فيها بقية الجذع
الذى حنّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حين تركه وخطب على المنبر، فنزل صلى اللّه عليه
وسلم فاحتضنه فسكن ، ويجتهد أن يحيى ليله مدّة مقامه بقراءة القرآن ، وذكر الله تعالى .
والدعاء عند المنبر والقبر وبينهما سرا وجهرا ؛ ويستحبّ أن يخرج بعد زيارته صلى اللّه عليه
وسلم إلى البقيع ، فيأتى المشاهد والمزارات ، خصوصا قبر سيد الشهداء حمزة رضى الله
عنه : ويزور فى البقيع قبة العباس وفيها معه الحسن بن علىّ وزين العابدين وابنه محمد
الباقر وابنه جعفر الصادق، وفيه أمير المؤمنين عثمان، وفيه إبراهيم بن النبيّ صلى الله عليه
وسلم، وجماعة من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم وعمته صفية وكثير من الصحابة والتابعين
١٢ - الاختيار - أول

-١٧٨ -
.
رضى الله عنهم، ويصلى فى مسجد فاطمة رضى الله عنها بالبقيع ؛ ويستحبّ أن يزور
شهداء أحد يوم الخميس ، ويقول : سلام عليكم بما صبر تم فنعم عقبى الدار ، سلام
عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، ويقرأ آية الكرسى وسورة
الإخلاص . ويستحبّ أن يأتى مسجد قباء يوم السبت ، كذا ورد عنه عليه الصلاة والسلام
ويدعو : يا صريخ المستصرخين ، يا غياث المستغيثين ، يا مفرّج كرب المكروبين ،
يا مجيب دعوة المضطرّين، صلّ على محمد وآله، واكشف كربى وحزنى كما كشفت
عن رسولك حزنه وكربه فى هذا المقام ، يا حنان يا منان ، يا كثير المعروف ، يا دائم
الإحسان ، يا أرحم الراحمين .
ثمّ الجزء الأوّل من ((الاختيار لتعليل المختار))
ويليه :
الجزء الثانى ، وأوّله : كتاب البيوع

فهرس
الجزء الأول من الاختيار لتعليل المختار
صحیفة
٣ ترجمة المؤلف
خطبة الكتاب
٥
كتاب الطهارة
٧
فروض الوضوء وسننه
٨
٩ فصل فى نواقض الوضوء
١١ فصل فى فرض الغسل
١٢ سنن الغسل وما يوجبه
١٣ ما يحرم على المحدث وعلى الجنب
والحائض
فصل فى الماء الذى يجوز التطهير به
١٤ حكم الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة
١٦ طهارة جلود الميتة
١٧ فصل فى حكم وقوع النجاسة فى البئر
١٨ فصل فى الأسار وأحكامها
١٩ باب التيمم
٢٣ باب المسح على الخفين
٢٦ باب الحيض
٢٩ فصل فى المستحاضة ومن أشبهها
٣٠ فصل فى النفاس
٣١ باب الأنجاس وتطهيرها
٣٥ فصل فيما يجوز به إزالة النجاسة
وما لا يجوز
٣٦ فصل فى الاستنجاء وحكمه
٣٧ / كتاب الصلاة
٣٨ أوقات الصلوات الخمس
٣٩ فصل فيما يستحبّ من الأوقات
صحيفة
٤٠ فصل فى الأوقات التى لاتجوز فيها
الصلاة
٤٢ باب الأذان والإقامة
٤٥ باب ما يفعل قبل الصلاة
٤٨ باب الأفعال فى الصلاة
٥٤ فصل فى الوتر وحكمه
٥٦ فصل فى القراءة فى الصلاة
٥٧ فصل فى صلاة الجماعة
٦١ فصل فيما يكره للمصلى أن يفعله
٦٣٠ فصل فى حكم من سبقه الحدث وهو
فى الصلاة
فصل فى قضاء الفوائت وسقوط
الترتيب
٦٥ باب النوافل
٦٨ فصل فى التراويح
٧٠ فصل فى صلاة الكسوف والخسوف
٧١ فصل فى الاستسقاء
٧٢ باب سجود السهو
٧٥ باب سجود التلاوة
٧٦ باب صلاة المريض
٧٩ باب صلاة المسافر
٨١ باب صلاة الجمعة
٨٥ پاب صلاة العیدین
٨٧ فصل فيما يستحبّ فى يوم الأضحى
ويوم الفطر

- ١٨٠ -
صيفة
٨٧ فصل فى تكبير التشريق
باب صلاة الخوف
٨٨
باب الصلاة فى الكعبة
٩٠
باب الجنائز
ما يفعل بمن دنا من الموت
٩١
فصل فى غسل الميت
فصل فی تکفینه
٩٢
فصل فى الصلاة عليه
٩٣
فصل فى حمله والسير به ودفنه
٩٥
٦٧ باب الشهيد وأحكامه
٩٩ كتاب الزكاة
١٠٤ فصل فى حكم من امتنع من أداء
الزكاة
١٠٥ باب زكاة السوائم
فصل فى نصاب الإبل
١٠٧ فصل فی نصاب البقر
١٠٨ فصل فى بيان نصاب الغنم
فصل فى زكاة الخيل
١٠٩ بيان ما لازكاة فيه
١١٠ باب زكاة الذهب والفضة
١١٣ باب زكاة الزروع والثمار
١١٥ باب العاشر
١١٧ باب المعدن
١١٨ باب مصارف الزكاة
حصيفة
١٢٣ باب صدقة الفطر
١٢٥ كتاب الصوم
١٢٨ ما یثبت به هلال رمضان وغيره
١٣١ فصل فى وجوب الكفارة والقضاء
على من جامع أو جومع
١٣٤ فصل فى حكم المريض والمسافر
وذوى الأعذار
١٣٦ باب الاعتكاف
١٣٩ كتاب الحج
١٤٣ فصل فى بيان ما يستحبّ فعله لمن
أراد أن يحرم
١٤٦ فصل فى دخول مكة ليلا أو نهارا
١٥٧ فصل فى العمرة و بيان أركانها
١٥٨ باب التمتع
١٦٠ باب القران
١٦١ باب الجنايات على الإحرام
١٦٥ فصل إذا قتل المحرم صيدا أو دل"
عليه من قتله فعليه الجزاء
١٦٨ باب الإحصار
١٧٠ باب الحجّ عن الغير
١٧٢ باب الهدى
١٧٥ فصل فى زيارة قبر النبي صلى الله
عليه وسلم