النص المفهرس

صفحات 41-60

- ٤١ -
إِلاَّ عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ الغُرُوبِ، وَلا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعُ
الشّمْسُ، وَلا بَعْدَ (ف) العَصْرِ حَّى تَغْرُبَ، وَلا بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ بِأَكْثَرَ
مِنْ رَكْعَتِىِ الفَجْرِ، وَلَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَا قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ (ف)، وَلا إِذَا
خَرَجَ الإمامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَلَا يُجْمَعُ بْنَ صَلاَتْنٍ فِى وَقْتٍ وَاحِدٍ فى حَضرٍ
وَلَا سَفَرٍ (ف)
لحديث عقبة بن عامر الجهنى قال (( ثلاثة أوقات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
نصلى فيها وأن نقبر فيها موتانا : عند طلوع الشمس حتى ترتفع ، وعند زوالها حتى تزول،
وحين تضيف للغروب حتى تغرب)) والمراد بقوله أن نقبر : صلاة الجنازة . وعن عمرو
ابن عنبسة (١) قال «قلت يا رسول الله هل من الساعات ساعات أفضل من الأخرى ؟ قال:
جوف الليل الأخير أفضل فانها متقبلة حتى يطلع الفجر ، ثم انته حتى تطلع الشمس ، وما
دامت كالحجفة فأمسك حتى تشرق ، فانها تطلع بين قرنى الشيطان ويسجد لها الكفار ،
ثم صلّ فانها مشهودة متقبلة حتى يقوم العمود على ظله ثم انته فانها ساعة يسجر فيها الجحيم
ثم صلّ إذا زالت إلى العصر ثم انته فانها تغيب بين قرنى شيطان ويسجد لها الكفار)) .
قال ( إلا عصر يومه عند الغروب ) لأن السبب هو الجزء القائم من الوقت كما بينا فقد
أُدَّاها كما وجبت . قال عليه الصلاة والسلام ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب
الشمس فقد أدركها)). وقال ( ولا يتنفل بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، ولا بعد العصر
حتى تغرب ) لحديث أبى سعيد الخدرى ((أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة
فى هذين الوقتين )) ويجوز أن يصلى فى هذين الوقتين الفوائت ويسجد للتلاوة ولا يصلى
ركعتى الطواف ، لأن النهى لمعنى فى غيره ، وهو شغل جميع الوقت بالفراض ، إذ ثواب
الفرض أعظم ، فلا يظهر النهى فى حق فرض مثله ، وظهر فى ركعتى الطواف لأنه دونه ،
قال ( ولا بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتى الفجر ، ولا قبل المغرب ، ولا قبل صلاة
العيد ) لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك مع حرصه على الصلاة ، وفى الثانى تأخير
المغرب وهو مكروه ( ولا إذا خرج الإمام يوم الجمعة ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا
خرج الإمام فلا صلاة ولا کلام )). قال ( ولا يجمع بين صلاتین فى وقت واحد فى حضر
ولا سفر) لقوله تعالى - إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا - أى مؤقتا ، وفى
الجمع تغيير الوقت ، ويجوز الجمع فعلا لاوقتا، وهو تأويل ما روى ((أنه صلى الله عليه وسلم
(١) قوله وعن عمرو بن عنبسة ، لم أظفر بتخريج لهذا الحديث ، وقوله فانها متقبلة :
أى مقبولة الحاجة ، والحجفة بفتح الحاء والجيم : الترس ، وقوله يسجر فيها الجحيم ، قال
فى مختار الصحاح : سجر التنور : أحماه .

- ٤٢ -
إلاَّ بعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلفَةٍ .
باب الأذان
وَصِفَتُهُ مَعْرُوفَةٌ وَلا تَرْجِيعَ فيهِ، والإِقامَةُ مثْلُهُ (ف) ، وَيَزِيدُ فيها بَعْدَ
جمع بين صلاتين)) وتفسيره أنه يؤخر الظهر إلى آخر وقتها ، ويقدم العصر فى أول وقتها .
قال ( إلا بعرفة ) بين الظهر والعصر (والمزدلفة) بين المغرب والعشاء ، وسيأتيك فى المناسك
إن شاء الله تعالى.
باب الأذان
وهو فى اللغة : مطلق الإعلام ، قال تعالى - وأذان من اللّه ورسوله - ؛ وفى الشرع :
الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ معلومة مأثورة على صفة مخصوصة ، وهو سنة محكمة . قال
أبو حنيفة فى قومٍ صلوا فى المصر بجماعة بغير أذان وإقامة : خالفوا السنة وأثموا ، وقيل
هو واجب لقول محمد : لو اجتمع أهل بلد على ترك الأذان لقاتلتهم، وذلك إنما يكون
على الواجب ، والجمع بين القولين أن السنة المؤكدة كالواجب فى الإثم بتركها ، وإنما
يقاتل على تركه لأنه من خصائص الإسلام وشعائره .
(وصفته معروفة) وهى: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا
الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول اللّه، حىَّ
على الصلاة حىَّ على الصلاة، حىَّ على الفلاح حىّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر ،
لا إله إلا الله. هكذا حكى عبد الله بن زيد بن عبد ربه (١) أذان النازل من السماء، ووافقه
عمر وجماعة من الصحابة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ((علمه بلالا فإنه
أندى (٢) منك صوتا)) وعلمه فكان يؤذن به . قال ( ولا ترجيع فيه ) لأن الجماعة الذين
رووا أذان النازل من السماء الذى هو أصل الأذان لم يرووا الترجيع ، وأيضا فإنهم قالوا :
ثم صبر هنيهة (٣) ثم قال مثل ذلك ، وزاد فيه : قد قامت الصلاة مرتين ، ولا ترجيع
فى الإقامة إجماعا ، وما روى أنه عليه الصلاة والسلام لقن أبا محذورة الأذان وأمره بالترجيع
فإنه كان تعليما ، والتعليم غالبا يرجع فيه للحفظ فظنه من الأذان ، والترجيع أن يخفض
صوته بالشهادتين أولا ، ثم يرفع بهما صوته . قال ( والإقامة مثله ، ويزيد فيها بعد
(١) وجد بهامش بعض النسخ المخطوطة نقلا عن شرح مسلم أنه لم يصح لعبد الله المذكور
عن النبى صلى الله عليه وسلم سوى حديث الأذان .
(٢) أى أرفع ، وقيل أطيب .
(٣) أى ساعة يسيرة .

- ٤٣ -
الفَلاحِ قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ مَرَّتَسْينِ، وَهُمَا سُنَّتَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ والجُمُعَةِ،
يَزِيدُ فِى أَذَانِ الفَجْرِ بَعْدَ الفَلَاحِ الصَّلاةُ خَسْرٌّ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ، وَيُرَتِّلُ
الأَذَانَ، ويَحْدُرُ الإِقامَةَ، وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا القِبْلَةَ، وَيَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِى أذُنَيْهِ
وَيُحَوّلُ وَجْهَهُ يَمِينا وَثِيمالاً بالصَّلاةِ وَالفَلاحِ، وَيَجْلِسُ بْنَ الأذَانِ والإقامَةِ
إلاَّ فى المَغْرِبِ ،
الفلاح قد قامت الصلاة مرتين) لما روينا، ولما روى عن أبى محذورة أنه قال ((علمنى
رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان خمس عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة))
قال أئمة الحديث : أصحُّ ما روى فى ذلك حديث أبى محذورة . قال ( وهما سنتان للصلوات
الخمس والجمعة ) لأنه عليه الصلاة والسلام واظب عليهما فيها ، ولأن لها أوقاتا معلومة ،
وتؤدّى فى الجماعات فتحتاج إلى الإعلام ولا كذلك غيرها . قال محمد : ومن صلى فى بيته
بغير أذان ولا إقامة جاز ، وإن فعل فحسن . أما الجواز فروى عن ابن عمر ذلك . وعن
ابن مسعود أنه كان يصلى فى داره بغير أذان ولا إقامة ويقول : يجزينا أذان المقيمين حولنا وفعله
أفضل لأنهما أذكار تتعلق بالصلاة كغيره من الأذكار . قال ( ويزيد فى أذان الفجر بعد
الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين ) لما روى (( أن بلالا أتى باب حجرة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليعلمه بصلاة الفجر وهو راقد، فقال : الصلاة خير من النوم الصلاة
خير من النوم ، فقال صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا، اجعله فى أذانك)) وتوارثته الأمة
من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، ولا تثريب فى غير أذان الفجر لقول
بلال : قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا بلال ثوّب بالفجر ولا تثوّب فى غيرها )»
ولأن الفجر وقت نوم وغفلة ولا كذلك غيرها. وعن أبى يوسف : لا بأس بذلك للأمراء ،
لأن عمر لما ولى الخلافة نصب من يعلمه بأوقات الصلوات ؛ قيل وكذلك القاضى والمفتى
وكل من يشتغل بأمور المسلمين ؛ وقيل فى زماننا يثوِّب فى الصلوات كلها لظهور التوانى
فى الأمور الدينية ، والتثويب : زيادة الإعلام بين الأذان والإقامة بما يتعارفه أهل كل
بلدة . قال ( ويرتل الأذان ويحدر الإقامة (١) ) بذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
بلالا ( ويستقبل بهما القبلة ) لحديث النازل من السماء فانه استقبل بهما القبلة ( ويجعل
أصبعيه فى أذنيه) بذلك أمر رسول الله بلالا وقال ((إنه أندى لصوتك)) ( ويحوّل وجهه
يمينا وشمالا بالصلاة والفلاح) وقدماه مكانهما هكذا نقل من فعل بلال ، ولأنه خطاب للناس
فيواجههم به ، وما عدا ذلك تكبير وتهليل . قال ( ويجلس بين الأذان والإقامة إلا فى المغرب)
(١) قوله ويرتل الأذان ويحدر الإقامة : أى يتمهل فى الأذان ويسرع فى الإقامة بأن
يفصل بين كلمتى الأذان بسكتة بخلاف الإقامة .

- ٤٤ -
وَيُكْرَهُ التَّلْحِينُ فى الأذانِ، وَإِذَا قالَ حَىَّ عَلَى الصَّلاةِ قامَ الإمامُ والجَمَاعَةُ،
وَإِذَا قالَ قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ كَّرُوا، وَإذَا كانَ الإمامُ غائِبا أوْ هُوَ الْمُؤَذّنُ
لا يَقُومُونَ حَّى يَحْضُرَ، وَيُؤَذّنُ لِلْفَائِتَةِ ويُقِيمُ، وَلا يُؤذّنُ لِصَلاةٍ قَبْلَ
وَقْبِهَا ، وَلا يَتَكلَّمُ فى الأذَانِ والإِقامَةِ، وَيُؤَذّنُ وَيُقِيمُ عَلَى طَهَارَةٍ .
وقالا يجلس فى المغرب جلسة خفيفة ، لأن الفصل بينهما سنة فى سائر الصلوات ، إلا أنه
يكتفى فى المغرب بالجلسة الخفيفة تحرزا عن التأخير . ولأبى حنيفة أن المستحب المبادرة
وفى الجلسة التأخير ، والفصل يحصل بالسكوت بينهما مقدار ثلاث آيات ، وهو رواية
الحسن عنه ، وكذلك يحصل باختلاف الموقف والنغمة ( ويكره التلحين فى الأذان ) لأنه
بدعة ( وإذا قال حىّ على الصلاة قام الإمام والجماعة) إجابة للدعاء ( وإذا قال قد قامت
الصلاة كبروا ) تصديقا له ، إذ هو أمين الشرع . وعن أبى يوسف : لايكبروا حتى
يفرغ ليدرك المؤذن تكبيرة الإحرام ( وإذا كان الإمام غائبا أو هو المؤذن لايقومون حتى
يحضر) لقوله عليه الصلاة والسلام ((لاتقوموا حتى ترونى قمت مقامى)) ولأنه لافائدة
فى القيام ( ورذن للفائنة ويقيم ) هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فاتته صلاة
الصبح ليلة التعريس . قال ( ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها ) لأنه شرع للإعلام بالوقت
وفى ذلك تضليل ، وإن أذن أعاد . وقال أبو يوسف : لا يعيد فى الفجر خاصة ، لأن بلالا
كان يؤذن بليل . ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لبلال ((لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر
هكذا ومد يده عرضا)) وأذان بلال لم يكن للصلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام ((إن بلالا
يؤذن بليل ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم، ويتسحر صائمكم )) والكلام فى الأذان للصلاة .
قال ( ولا يتكلم فى الأذان والإقامة ) ولا يرد السلام لأنه يخل بالتعظيم ويغير النظم (ويؤذن
ويقيم على طهارة ) لأنه ذكر ، فتستحب فيه الطهارة كالقرآن ، فإذا أذن على غير وضوء
جاز لحصول المقصود ويكره ، وقيل لايكره ، وقيل لاتكره الإقامة أيضا ؛ والصحيح
أنها تكره لئلا يفصل بين الإقامة والصلاة ، وإن أذن وأقام على غير وضوء لا يعيد ،
ويستحب إعادة أذان الجنب والصبى الذى لايعقل والمجنون والسكران والمرأة ليقع على
الوجه المسنون ، ولا تعاد الإقامة لأن تكرارها غير مشروع ، ويكره الأذان قاعدا لأنه
خلاف المتوارث ، وكره أبو حنيفة أن يكون المؤذن فاجرا ، أو يأخذ على الأذان أجرا ،
ويستحب أن يكون المؤذن صالحا تقيا عالما بالسنة وأوقات الصلوات ، مواظبا على ذلك ،
والله أعلم .
١

- ٤٥ -
باب ما يفعل قبل الصلاة
وَهِىَ سِتُّ فَرَائِضَ : طَهَارَةُ البَدَنِ مِنَ النَّجَاسَتَينِ، وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ ،
وَطَهَارَةُ المَكانِ، وَسَْرُ العَوْرَةِ، واسْتِقْبَالُ القِيْلَةِ، والنِّيَّةُ، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ
ما تَحْتَ سُرَّتِهِ إلى تَحْتِ رُكْبَتِهِ، وكذلكَ الأمَةُ وَبَطْسُهَا وَظَهْرُها عَوْرَةٌ،
باپ ما يفعل قبل الصلاة
( وهى ست فرائض : طهارة البدن من النجاستين ، وطهارة الثوب ، وطهارة المكان
وستر العورة ، واستقبال القبلة ، والنية ) أما طهارة البدن فلقوله عليه الصلاة والسلام
(( لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه)) الحديث، وأنه يوجب الطهارة من
النجاسة الحكمية ، وقوله عليه الصلاة والسلام ((اغسلى عنك الدم وصلى)) يوجب الطهارة
عن النجاسة الحقيقية. وأما طهارة الثوب فلقوله تعالى ((وثيابك فطهر)). وأما المكان
فلقوله تعالى - وطهر بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود -. وأما ستر العورة فلقوله
تعالى - يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد - قال أئمة التفسير : هو ما يوارى العورة ،
والمستحب أن يصلى فى ثلاثة أثواب : قميص وإزار وعمامة ، ولو صلى فى ثوب واحد
يتوشح به جاز. قال عليه الصلاة والسلام ((أو كلكم يجد ثوبين؟)) حين سئل عن الصلاة
فى ثوب واحد. وقال أبو الدرداء ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ثوب واحد
متوشحا به قد خالف بين طرفيه )) . ولا يجوز للمرأة إلا أن تستر بالثوب الواحد رأسها
وجميع بدنها. ويكره أن يصلى فى السراويل وحده لما روى (( أنه عليه الصلاة والسلام نهى
أن يصلى الرجل فى ثوب ليس على عاتقه منه شىء )) قال أبو حنيفة : الصلاة فى السراويل
يشبه فعل أهل الجفاء ، وفى الثوب يتوشح به أبعد من الجفاء ، وفى قميص ورداء عادة
الناس . قال ( وعورة الرجل ما تحت سرته إلى تحت ركبته ) لقوله عليه الصلاة والسلام
((عورة الرجل ما دون سرته حتى يجاوز ركبتيه)) وقوله عليه الصلاة والسلام (( الركبة من
العورة)) ولأن الركبة ملتقى عظم الساق والفخذ ، فقلنا بكونها عورة احتياطا . قال (وكذلك
الأمة ) بل أولى ( وبطنها وظهرها (١) عورة) لأنه موضع مشتهى ، فأشبه ما بين السرة
(١) وجد بهامش نسخة خطية ما نصه :
الظهر : هو ما قابل البطن من تحت الصدر إلى السرَّة حدادى . وقال فى القنية : الجنب
تبع البطن مت ، والأوجه أن ما يلى البطن تبع له وما يلى الظهر تبع له اهـ .

-٤٦ -
وَجَميعُ بَدَنِ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّْها؛ وفى القَدَمِ رِوَايَتَانٍ، وَمَنْ
كمْ يَجِدْ ما يُزِيلُ بِهِ النَّجاسَةَ صَلَّى مَعَهَا وَلَمْ يُعِدْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَعَّى
عُرْيانا قاعدًا مُوميا، وَهُوَ أَفْضَلُ منَ القيامِ، وَمَنْ كانَ يِحَضْرَةِ الكَتَعْبَةِ
يَتَوَجَّهُ إلى عَيْها، وإنْ كانَ نائيا عَنْهَا يَتَوَجَّهُ إلى جهَتها، وإنْ كانَ خائفا
يُصَلِّى إلى أىّ جهَةٍ قَدَرَ ،
والركبة ، والمكاتبة والمدبرة وأم الولد كالأمة . قال ( وجميع بدن الحرّة عورة ) قال عليه
الصلاة والسلام ((الحرّة عورة مستورة)). قال. ( إلا وجهها وكفيها ) لقوله تعالى - ولا
يبدين زينتهنّ إلا ما ظهر منها - قال ابن عباس: الكحل والخاتم . ومن ضرورة إبداء
الزينة إبداء موضعها ، فالكحل زينة الوجه ، والخاتم زينة الكف ، ولأنها تحتاج إلى
كشف ذلك فى المعاملات فكان فيه ضرورة (وفى القدم روايتان ) الصحيح أنها ليست
بعورة فى الصلاة وعورة خارج الصلاة ، ولو انكشف ذراعها جازت صلاتها ، لأنها من
الزينة الظاهرة وهو السوار ، وتحتاج إلى كشفه فى الخدمة كالطبخ والخبز ، وستره أفضل.
والعورة عورتان : غليظة وهى السوأتان ، وخفيفة وهى ما سواهما ، فالمانع من الغليظة
ما تبدو زيادة على قدر الدرهم ، وفى الخفيفة ربع العضو كما فى النجاسات ، والذكر عضو
بانفراده، وكذلك الأنثيان . قال (ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يعد ) لأن
التكليف بقدر الوسع ، فان كان الطاهر ربع الثوب أو أكثر صلى فيه ولا يصلى عريانا ،
لأن الربع قائم مقام الكل شرعا على ما عرف ، وإن كان دون الربع فكذلك عند محمد ،
لأنه ترك فرضا واحدا (١) ، والعريان يترك فروضا . وقالا يتخير ، والصلاة فيه أفضل
لأن كل واحد من الصلاة عريانا ومع النجاسة مانع عند الاختيار، إلا أنه إذا صلى فى الثوب
النجس يستر عورته ، وأنه واجب فى الصلاة وخارجها فكان أولى . قال ( ومن لم يجد
ثوبا صلى عريانا قاعدا موميا ، وهو أفضل من القيام ) لأنه ابتلى بليتين فيختار أيهما شاء ،
إلا أن القعود أولى ، لأن الإيماء خلف عن الأركان ولا خلف عن ستر العورة ، وقد روى
أن الصحابة صلوا كذلك . (و) أما استقبال القبلة فلقوله تعالى - فولوا وجوهكم شطره -
فكل ( من كان بحضرة الكعبة يتوجه إلى عينها ، وإن كان نائيا عنها يتوجه إلى جهتها )
لقيام الجهة عند العجز مقام عينها ، لأن التكليف بقدر الطاقة . قال ( وإن كان خائفا يصلى
إلى أى جهة قدر ) لقوله تعالى - فأينما تولوا فثمَّ وجه الله - ويستوى فيه الخوف من العدو
والسبع ، أو أن يكون على خشبة فى البحر يخاف إن توجه إلى القبلة غرق لتحقق العجز
(١) قوله ترك فرضا واحدا هو إزالة النجاسة ، وقوله يترك فروضا هو ستر العورة
والقيام والركوع والسجود .

- ٤٧ -
وَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ القَبْلَةُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَسْألُهُ أَجْسَهَدَ وَصَلَّى وَلا يُعيدُ(ف)
وَإِنْ أَخْطأَ، فانْ عَلَمَ بالْخَطَأِ وَدُوَ فِى الصَّلاةِ اسْتَدَارَ وَبَنِى، وَإِنْ صَلَّى
بغَسْرِ اجْتهادٍ فأخْطأَ أعادَ، وَيَنْوِى الصَّلاةَ الَّى يدْخُلُ فيها نِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ
بالتَّحْرِيِمَّةِ، وَهِىَ أنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أىَّ صَلاةٍ هىَ، وَلَا مُعْتَبَرَ باللِّسَانِ ،
بالعذر ، والقبلة موضع الكعبة ، والهواء من هناك إلى عنان السماء ، ولا اعتبار بالبناء لأنه
ينقل ، ولا تجوز الصلاة إلى حجارته ، ولو صلى على جبل أعلا من الكعبة جاز ، فدلّ
أنه لااعتبار بالبناء . قال ( وإن اشتبهت عليه القبلة وليس له من يسأل اجتهد وصلى ، ولا
يعيد وإن أخطأ) لما روى (( أن جماعة من الصحابة اشتبهت عليهم القبلة فى ليلة مظلمة ،
فصلى كل واحد منهم إلى جهة وخط بين يديه خطا ، فلما أصبحوا وجدوا الخطوط إلى
غير القبلة، فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تمت صلاتكم )) وفى رواية
((لا إعادة عليكم)) ولأن الواجب عليهم التوجه إلى جهة التحرى إذ التكليف بقدر الوسع.
قال ( فان علم بالخطأ وهو فى الصلاة استدار وبنى) لما روى (( أن أهل قباء (١) لما بلغهم
نسخ القبلة وهم فى صلاة الفجر استداروا إليها)) وهذا لأنه لما علم بالقبلة صار فرضه التوجه
إليها فيستدير ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم استحسن فعل أهل قباء ولم يأمرهم بالإعادة .
قال ( وإن صلى بغير اجتهاد فأخطأ أعاد ) وكذلك إن كان عنده من يسأله فلم يسأله ، لأنه
ترك واجب الاستدلال بالتحرّى والسؤال ، فإن علم أنه أصاب فلا إعادة عليه لوجود
التوجه إلى القبلة ، ولو شرع لا بالتحرى ثم على فى الصلاة أنه أصاب يستأنف التحريمة .
وقال أبو يوسف: يمضى فيها ، لأنه لو قطعها يستأنف إلى هذه الجهة فلا فائدة فيه . ولهما
أن حاله بعد العلم أقوى لتيقنه بجهة القبلة ، وبناء القوى على الضعيف لايجوز ، ولهذا قلنا
المومى إذا قدر على الركوع والسجود لايبنى ، لأنه بناء القوى على الضعيف كذا هنا ، ومن
أدَّاه اجتهاده إلى جهة فصلى إلى غيرها فسدت وإن علم أنه أصاب القبلة . وقال أبو يوسف:
هى جائزة لحصول المقصود وهو إصابة القبلة . ولهما أنه ترك فرضا لزمه عند الافتتاح
وهو الصلاة إلى جهة التحرّى ، فصار كما إذا ترك النية ونحوها . وأما النية فلقوله عليه
الصلاة والسلام ((إنما الأعمال بالنية)) ولأنه لا إخلاص إلا بالنية، وقد أمرنا بالإخلاص.
قال تعالى - وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين - قال ( وينوى الصلاة التى يدخل
فيها نية متصلة بالتحريمة ، وهى أن يعلم بقلبه أىّ صلاة هى، ولا معتبر باللسان ) لأن النية
(١) قباء بالضم والمد : من قرى المدينة، ينوّن ولا ينوّن، كذا فى المغرب . وفى
التهذيب أنه مذكر منوّن مصروف ، وهو اللغة المشهورة ، وحكى فيها لغة أخرى وهى
القصر عن الخليل ، ولغة أخرى وهى التأنيث ومنع الصرف ، كذا بها مش نسخة مخطوطة :

- ٤٨ -
وَإِنْ كانَ مَأْمُوُما يَنْوِى فَرْضَ الوَقْتِ والمُتَابَعَةَ.
باب الأفعال فى الصلاة
وَيَذْبَغِى لِلْمُصَلَّى أَنْ يَخْشَعَ فى صَلَاتِهِ وَيَكُونَ نَظَرُهُ إلى مَوْضِعٍ ◌ُجُودِهِ،
وَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فى الصَّلاةِ كَسَّرَ ،
عمل القلب . قال محمد بن الحسن : النية بالقلب فرض ، وذكرها باللسان سنة ، والجمع
بينهما أفضل ؛ والأحوط أن ينوى مقارنا للشروع : أى مخالطا للتكبير كما قاله الطحاوى .
وعن محمد فيمن خرج من منزله يريد الفرض فى جماعة ، فلما انتهى إلى الإمام كبر ولم
تحضره النية يجوز لأنه باق على نيته بالإقبال على تحقيق ما نوى ، ثم إن كان يريد التطوع
يكفيه نية أصل الصلاة ، وفى القضاء بعين الفرض ، وفى الوقتية ينوى فرض الوقت
أو ظهر الوقت (وإن كان مأموما ينوى فرض الوقت والمتابعة ) أو ينوى الشروع فى صلاة
الإمام ، أو ينوى الاقتداء بالإمام فى صلاته .
باب الأفعال فى الصلاة
قال ( وينبغى للمصلى أن يخشع فى صلاته ) لقوله تعالى - قد أفلح المؤمنون الذين هم
فى صلاتهم خاشعون اـ ((وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى كان الجوفه أزيز كأزيز المرجل))
( ويكون نظره إلى موضع سجوده ) لما روى ((أنه عليه الصلاة والسلام كان لايجاوز
بصره فى صلاته موضع سجوده تخشعا لله تعالى)) وهو أقرب إلى التعظيم من إرسال الطرف
يمينا وشمالا . قال ( ومن أراد الدخول فى الصلاة كبر ) لقوله تعالى - وذكر اسم ربه
فصلى - وقال عليه الصلاة والسلام ((لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه))
ويستقبل القبلة ويقول : الله أكبر ، وإن افتتح بلفظ آخر يشتمل على الثناء والتعظيم
كالتهليل والتسبيح أو باسم آخر كقوله الرحمن أكبر أجزأه . وقال أبو يوسف : لا يجوز
إلا بلفظ التكبير وهو قوله: الله أكبر، الله الأكبر، اللّه الكبير، الله كبير، إلا أن
لا يحسنه ، لأن المتوارث الله أكبر، وأفعل وفعيل سواء فى صفاته تعالى . ولهما قوله تعالى
- وذكر اسم ربه فصلى - نزلت فى تكبيره الافتتاح فقد اعتبر مطلق الذكر ، وتقیید الکتاب
بخبر الواحد لا يجوز . ولو افتتح بقوله الله أو الرحمن جاز عند أبى حنيفة لوجود الذكر.
وقال محمد: لا يجوز إلا أن يضم إليه الصفة كقوله أجلُّ أو أعظم ، ولوقال اللهم الأصح
أنه يجوز ومعناه : يا ألله، والميم المشددة خلف عن النداء؛ ولو قال اللهم اغفر لى لا يجوز
لأنه ليس بتعظيم خالص ، ولو افتتح الأخرس والأمى بالنية جاز ، والأفضل أن يكبر

- ٤٩ -
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ لِيُحاذِىَ أْبِهَمَاهُ شَحْمَتَىْ (ف) أُذُنَيْهِ، وَلا يَرْفَعُهُما (ف)
فى تَكْبِيرَةٍ سوَها، ثُمَّ يَعْتَمِدُ بِيَمِينِهِ عَلَى رُسْخِ يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ (ف)
وَيَقُولُ: سُبْحانَكَ (سف) اللَّهُمَّ إلى آخِرِهٍ، وَيَتَعَوَّذُ ،
المأموم مقارنا لتكبير الإمام وعندهما بعده ، وفى السلام بعده بالاتفاق ؛ والفرق لأبى حنيفة
أن التكبير شروع فى العبادة ، فالمسارعة إليه أفضل ، والسلام خروج منها ، فالإبطاء
أفضل ، ويحذف (١) التكبير وهو السنة، ولأن المد فى أوله كفر لكونه استفهاما ، وفى
آخره لحن من حيث العربية . قال ( ويرفع يديه ليحاذى إبهاماه شحمتى أذنيه ) لقوله صلى
الله عليه وسلم لوائل بن حجر ((إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك حذاء أذنيك)) وهو أن
يرفعهما منصوبتين حتى تكون الأصابع مع الكف نحو القبلة ولا يفرج بين الأصابع ،
وهكذا تكبيرة القنوت وصلاة العيدين ( ولا يرفعهما فى تكبيرة سواها ) لقوله صلى الله
عليه وسلم (( لا ترفع الأيدى إلا فى سبع مواطن)) وذكر هذه الثلاثة ، وأربعا فى الحج نذكرها
إن شاء الله تعالى . قال ( ثم يعتمد بيمينه على رسغ يساره تحت سرَّتَه ) لقوله صلى اللّه عليه
وسلم (( ثلاث من أخلاق الأنبياء: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على
الشمال تحت السرَّة)) والمرأة تضع يدها على صدرها لأنه أستر لها ويقبض بكفه اليمنى رسغ
اليسرى كما فرغ من التكبير فهو أبلغ فى التعظيم ، وهكذا فى تكبيرة القنوت والجنازة لأنه
قيام ممتد كالقراءة . وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله الإرسال فيهما ، وهو قول محمد
وهو اختيار مشايخنا رحمهم الله، لأنها قومة لاقراءة فيها كما بين الركوع والسجود ، وبين
تكبيرات العيدين يرسلهما لأن الوضع لا يفيد لتتابع التكبيرات . قال ( ويقول : سبحانك
اللهم إلى آخره ) وزاد محمد وجلّ ثناؤك ولا يزيد عليه . وقال أبو يوسف : يجمع بينه
وبين قوله - وجهت وجهى - إلى آخره ، لأن الأخبار وردت بهما فيجمع بينهما . ولهما
ما روى ابن مسعود وأنس رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنه كان
إذا كبر لافتتاح الصلاة قرأ سبحانك اللهم )) إلى آخره ، وهكذا روى عن أبى بكر وعمر
رضى الله عنهما. وما روى من حديث التوجه كان فى ابتداء الإسلام ، فلما شرع التسبيح
نسخ كما روى أنه كان يقول فى الركوع : ركع لك ظهرى، وفى السجود : سجد لك وجهى ،
فلما نزل - فسبح باسم ربك العظيم - جعلوه فى الركوع ونزل - سبح اسم ربك الأعلى -
فجعلوه فى السجود ونسخ ما كانوا يقولونه قبله ، فكذلك فيما نحن فيه توفيقا بين الحديثين.
قال (ويتعوّذ) إن كان إماما أو منفردا لقوله تعالى - فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان
الرجيم - أىٍ إذا أردت قراءة القرآن ، وإن كان مأموما لا يتعوَّذ . وقال أبو يوسف يتعوّذ
لأن التعوذ تبع للثناء وهو للصلاة عنده فان التعوُّذ ورد به النص صيانة للعبادة عن الخلل
(١) قوله ويحذف ، المراد بالحذف أن لا يأتى بالمد فى همزة الله أكبر ولا فى باء أكبر.
٤ - الاختيار - أول

- ٥٠ -
وَيَقْأُ بِسْمِ اللهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِوُ يُحْفِيها (ف)، ◌ُثُمَّ إِنْ كانَ إِمَامًا جَهَرَ بالقِرَاءَةِ
فى الفّجْرِ والأُولَيَسْيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ والعِشاءِ وفى الجُمُعَةِ والعِيدَيْنِ، وَإنْ كانَ
مُنْفَرِدًا إنْ شاءَ جَهَرَ وَإنْ شاءَ خافَتَ، وإنْ كانَ مَأْ مُوما لايَقْأُ (ف)، وَإِذَا
قالَ الإِمامُ وَلا الضَّالِّينَ، قالَ: آمِينَ، وَيَقُوُلهَا المَأْمُومُ وُيُحْفِيها (ف) ،
الواقع فيها بسبب وسوسة الشيطان ، والصلاة تشتمل على القراءة والأذكار والأفعال فكانت
أولى . وعندهما الافتتاح القراءة بالنص ولا قراءة على المأموم ، وعلى هذا إذا قام المسبوق
للقضاء يتعوَّذ عندهما لحاجته إلى القراءة ؛ وعنده لا لأنه تعوَّذ بعد الثناء . وفى صلاة العيد
يتعوَّذ الإمام عنده قبل التكبير وعندهما بعده ؛ ويخفى التعوذ لحديث ابن مسعود رضى الله
عنه ((خمس يخفيهن الإمام: التعوَّذ، والتسمية، والتأمين، وربنا لك الحمد، والتشهد)).
قال (ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) لأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها .
قال (ويخفيها) لحديث أنس قال ((صليت خلف النبى صلى الله عليه وسلم وخلف أبى بكر
وعمر وعثمان وكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)) وفى رواية ((كانوا يخفون
بسم الله الرحمن الرحميم)). وعن عبد الله بن مغفل رضى الله عنه ((أنه سمع ابنه يجهربها فقال:
يا بنى إياك والحدث فى الإسلام ، صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف
أبى بكر وعمر وكانوا لا يجهرون بالتسمية ، فإذا أردت القراءة فقل: الحمد لله رب العالمين)
قال ( ثم إن كان إماما جهر بالقراءة فى الفجر والأوليين من المغرب والعشاء وفى الجمعة
والعيدين ) هذا هو المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمتوارث من لدن الصدر
الأول إلى يومنا هذا . ويخفى فى الظهر والعصر لقوله صلى الله عليه وسلم : صلاة اننهار
عجماء)) ولأنه المأثور المتوارث (وإن كان منفردا إن شاء جهر ) لأنه إمام نفسه ( وإن
شاء خافت ) لأنه ليس عليه أن يسمع غيره ، والجهر أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم (( من
صلى وحده على هيئة الجماعة صلى خلفه صفوف من الملائكة )). قال ( وإن كان مأموما
لايقرأ) لقوله تعالى - وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا .. قال ابن عباس وأبو هريرة
رضى الله عنهما وجماعة من المفسرين : نزلت فى الصلاة خاصة حين كانوا يقرءون خلفه
عليه الصلاة والسلام . وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ((إنما جعل الإمام ليؤْتمَّ به، فاذا قرأ فأنصتوا)). وقال صلى الله عليه وسلم ((من كان
مأموما فقراءة الإمام له قراءة)). وروى الشعبى عن النبى صلى الله عليه وسلم ((لاقراءة خلف
الإمام)) ( وإذا قال الإمام : ولا الضالين، قال: آمين ، ويقولها المأموم ويخفيها ) قال
صلى الله عليه وسلم ((إذا قال الإمام ولا الضالين - فقولوا آمين، فإن الإمام يقولها)).
وروى وائل بن حجر عن النبى صلى الله عليه وسلم الإخفاء ، ولما روينا من حديث

- ٥١ -
فَاذَا أَرَادَ الرُّكُوعُ كَسَّرَ وَرَكَعَ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرْجُ أُصَابِعَهَ
وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ، وَلا يَرْفَعُ رأسَهُ وَلا يُنَكِّسُهُ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَّبِىّ
العَظِيمِ ثَلاثا، ◌ُثُمَّ يَرْفَعُ رأسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمُؤْسَمُّ
رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (سمف)، ثُمَّ يُكَِّرُ، وَيَسْجُدُ عَلَى أنْفِهِ وَجَسْهَتِهِ.
ابن مسعود رضى الله عنه . قال ( فاذا أراد الركوع كبر ) لأنه صلى الله عليه وسلم كان
يكبر عند كل خفض ورفع ، قال ( وركع ) لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابى حين علمه
الصلاة (( ثم اقرأ ما تيسر من القران ثم اركع)) والركوع يتحقق بما ينطلق عليه الاسم، لأنه
عبارة عن الانحناء ، وقيل إن كان إلى حال القيام أقرب لا يجوز، وإن كان إلى حال الركوع
أقرب جاز. قال ( ووضع يديه على ركبتيه ، ويفرّج أصابعه ) لقوله صلى الله عليه وسلم
لأنس رضى الله عنه ((إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك وفرّق بين أصابعك)) ولأنه
أمكن فى أخذ الركبة ( ويبسط ظهره) لأنه صلى الله عليه وسلم ((كان إذا ركع لو وضع
على ظهره قدح ماء لاستقرّ )) ( ولا يرفع رأسه ولا ينكسه) كما فعل صلى الله عليه وسلم،
ولنهيه عن تدبيح (١) كتدبيح الحمار ( ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثا) لقوله صلى الله
عليه وسلم (( إذا ركع أحدكم وقال فى ركوعه : سبحان ربي العظيم ثلاثا فقد تمّ ركوعه))
وذلك أدناه ، وإن زاد فهو أفضل إلا أنه يكره للإمام التطويل لما فيه من تنفير الجماعة
( ثم يرفع رأسه ويقول : سمع الله لمن حمده ، ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد ) أو اللهم ربنا
لك الحمد ، وبهما ورد الأثر، ولا يجمع الإمام بينهما ، وقالا يجمع ، وهو رواية الحسن
عنه لئلا يكون تاركا ما حضّ عليه غيره ، وليس لنا ذكر يختصّ به المأموم. ولأبى حنيفة
قوله صلى الله عليه وسلم ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، قولوا : ربنا لك الحمد))
قسم الذكرين بينهما فينافى الشركة ، ولأن الإمام لو أتى بالتحميد يتأخر عن قول المأموم
فيصير الإمام تبعا ولا يجوز ، والمنفرد يجمع بينهما فى رواية الحسن ، وفى رواية : يأتى
بالتسميع لاغير ، وفى رواية أبى يوسف : بالتحميد لاغير ، وعليه أكثر المشايخ ( ثم
يكبر) كما تقدم (٢) ( ويسجد على أنفه وجبهته) لأن النبى صلى الله عليه وسلم واظب على
ذلك، فإن اقتصر على الأنف جاز وقد أساء . وقالا : لا يجوز إلا من عذر ، وإن اقتصر
على الجبهة جاز بالإجماع ولا إساءة. والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم ((أمرت أن
(١) قال فى مختار الصحاح فى مادة دبح بالحاء المهملة: دبح الرجل تدبيحا: إذا بسط
ظهره وطأطأ رأسه ، فيكون رأسه أشد انحطاطا من أليتيه . وفى الحديث أنه نهى أن يدبح
الرجل فى الركوع كما يدبح الحمار اهـ مصححه .
(٢) وهو أنه عليه الصلاة والسلام كان يكبر عند كل خفض ورفع .

- ٥٢ -
وَيَضَعُ رُكْبَتْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حذَّاءَ أُذُنَيْهِ (زف)، ويُبْدِى
ضَّبُعَيْهِ، وَيُحافى بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهٍ، وَلا يَفَرِشُ ذِرَاعَيْهِ، وَيَقولُ:
سُبْحانَ رَ ◌ّبِىَ الأَعْلَى ثَلاثا، وَلَوْ تَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتَهِ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ جازَ،
ثُّ يُكَبِرُ وَيَرْفَعُ رأسَهُ وَيَجْلِسُ، فَاذَا جَنَسَ كتَبَرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ يُكَبُرُ
ويَنْهَضُ (ف) قائما وَيَفْعَلُ كذلكَ فى الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ إلاَّ الاسْتِفْتَاحَ وَالتَّعَوُّذَ،
أسجد على سبعة أعظم: الوجه، والكفين، والركبتين، والقدمين (( ولهما قوله صلى الله
عليه وسلم ((مكن جبهتك وأنفك من الأرض )) وله أن الأنف محل السجود ، بدلیل جواز
السجود عليه عند العذر ، ولو لم يكن محلا لما جاز كالخدّ والذقن ، فإذا سجد على الأنف
يكون ساجدا ، فيخرج عن عهدة السجود فى قوله تعالى - واسجدوا - ولأن الجبهة والأنف
عظم واحد ، ثم السجود على أحد طر فيه يجوز فكذا الآخر . قال ( ويضع ركبتيه قبل يديه
ويضع يديه حذاء أذنيه ) هكذا نقل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ويبدى ضبعيه ،
ويجافى بطنه عن فخذيه) لما روى ((أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يجافى فى سجوده حتى
إن بهمة (١) لو أرادت أن تمر لمرّت)) (ولا يفترش ذراعيه) لنهيه صلى الله عليه وسلم عن
افتراش الثعلب ( ويقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا ) لأنه لما نزل قوله تعالى - سبح اسم ربك
الأعلى - قال صلى الله عليه وسلم ((اجعلوه فى سجود كم (ولو سجد على كور عمامته أو فاضل
ثوبه جاز ) قال ابن عباس : رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يسجد على كور عمامته . وقال
أيضا : إنه عليه الصلاة والسلام صلى فى ثوب واحد يتقى بفضوله حر الأرض وبردها ؛ ولو سجد
على السرير والعرزال (٢) جاز، ولو سجد على الحشيش والقطن إن وجد حجمه يجبهته
كالطنفسة والبد والحصير جاز ( ثم يكبر ) لما بينا ( ويرفع رأسه ويجلس) والواجب من
الرفع ما يتناوله الاسم ، لأن الواجب الفصل بين السجدتين وأنه يتحقق بما ذكرنا ؛ وقيل
إن كان أقرب إلى القعود جاز وإلا فلا ( فإذا جلس كبر وسجد ) لقوله صلى الله عليه وسلم
(( ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تستوى جالسا)) ( ثم يكبر وينهض قائما )
لحديث أبى هريرة رضى الله عنه : أن النبى صلى الله عليه وسلم كان ينهض على صدور قدميه
قال ( ويفعل كذلك فى الركعة الثانية) لقوله صلى الله عليه وسلم لرفاعة ((ثم افعل ذلك
فى كل ركعة)) قال (إلا الاستفتاح) لأن محله ابتداء الصلاة ( والتعوُّذ) لأنه لا بتداء القراءة
ولم يشرعا إلا مرَّة واحدة، ثم تعديل الأركان ليس بفرض . وقال أبو يوسف فرض ،
وهو الطمأنينة فى الركوع والسجود ، وإتمام القيام من الركوع، والقعدة بين السجدتين .
(٢) العرزال : موضع يتخذه الناس فوق الشجر فرارا
من الأسد ، كذا بهامش بعض النسخ .
(١) البهمة : ولد الشاة .

- ٥٣ -
فاذَا رَفَعَ رأسَهُ فى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَش رِجْلَهُ
اليُسْرَى فَجَلَس عَلْها وَنَصَبَ اليُمَْنِى، وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِْلَةِ، وَوَضّعَ
يَدَيْهِ عَلَى فَخِذِيْهِ، وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ .
والتَّشَهُّدُ. التَّحِيَّاتُ للهِ (ف) وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أُيُهَا
النّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَ كَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ
أنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللّهُ وأشْهَدُ أنَّ ◌ُمُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (ف)، وَلا يَزِيدُ عَلى
التَّشَهُّدِ فى القَعْدَةِ الأُولى، ثمَّ يَنْهَضُ مُكتَبِّرًا
له قوله صلى الله عليه وسلم لأعرابى حين أخفّ صلاته ((أعد صلاتك فانك لم تصل)) ولهما
أنه أتى بما ينطلق عليه اسم الركوع والسجود وهو انحناء الظهر ووضع الجبهة فدخل تحت
قوله - اركعوا واسجدوا - والطمأنينة دوام عليه ، والأمر بالفعل لايقتضى الدوام عليه ،
ولا تجوز الزيادة على الكتاب بخبر الواحد ، وما رواه يقتضى الوجوب ، وهى واجبة عندنا
حتى يجب سجود السهو بتركها ساهيا ؛ وقيل هى سنة قال ( فاذا رفع رأسه فى الركعة الثانية
من السجدة الثانية افترش رجله اليسرى فجلس عليها ونصب اليمنى ، ووجه أصابعه نحو
القبلة ، ووضع يديه على فخذيه ، وبسط أصابعه وتشهد ) هكذا حكى وائل بن حجر
و عائشة قعود رسول الله صلى الله عليه وسلم فی التشهد .
( والتشهد : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمدا
عبده ورسوله) وهو تشهد عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، لما روى (( أن حمادا أخذ
بيد أبى حنيفة وعلمه التشهد ، وقال : أخذ إبراهيم النخعى بيدى وعلمنى ، وأخذ علقمة
بيد إبراهيم وعلمه ، وأخذ عبد الله بن مسعود بيد علقمة وعلمه، وأخذ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بيد عبد الله وعلمه التشهد، فقال: قل التجيات الله)) إلى آخر ما ذكرنا ،
والأخذ به أولى من رواية غيره ، لأن أخذه بيده وأمره يدلُّ على زيادة التأكيد . واتفق
أئمة الحديث أنه لم ينقل فى التشهد أحسن من إسناد عبد الله بن مسعود ، ولأن فيه زيادة
واو العطف ، وأنه يوجب تعدد الثناء لأن المعطوف غير المعطوف عليه . وتشهد ابن عباس
رضى الله عنهما ثناء واحد بعضه صفة لبعض ، وهذه القعدة سنة عند الطحاوى والكرخى؛
وقيل هى واجبة حتى يجب بتركها ساهيا سجود السهو ، وقراءة التشهد فيها سنة ؛ وقيل
واجب وهو الأصح ، لأن محمدا أوجب سجود السهو بتركه ، ولا يجب الواجب إلا بترك
الواجب. قال (ولا يزيد على التشهد فى القعدة الأولى ) لما روت عائشة رضى الله عنها
((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد على التشهد فى الركعتين (ثم ((ينهض مكبرا ) لأنه

- ٥٤ -
ويَتْأُ فِيهِما فاتِحَةَ الكِتابِ، وَيَجْلِسُ فى آخِرِ الصَّلاةِ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُصَلِّى عَلَى
النَّبِيّ صَلَى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وَيَدْعُو بما شاءَ مِمَّا يُشْبِهُ ألْفَاظَ القُرآنِ والأدْعِيَّةِ
المأثُورَةِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ،
وَعَنْ يَسَارِهِ كذلكَ .
فصل
الوَتْرُ وَاجِبٌ (سم ف) ،
أتمّ الشفع الأول وبقى عليه الشفع الثانى فينتقل إليه (ويقرأ فيهما فاتحة الكتاب ) وهى سنة
به ورد الأثر، وإن شاء سبح لأنها ليست بواجبة . وروى الحسن عن أبى حنيفة أن القراءة
فى الأخريين واجبة ، ولو تركها ساهيا يلزمه سجود السهو . وفى ظاهر الرواية لو سكت
فيهما عامدا كان مسيئا ، وإن كان ساهيا لاسهو عليه ( ويجلس فى آخر الصلاة ) كما بينا
فى الأولى لما روينا ( ويتشهد) كما قلنا ( ويصلى على النبى صلى الله عليه وسلم) وهو سنة
لقوله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود حين علمه التشهد ((إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد
تمت صلاتك)) علق التمام بأحد الأمرين فيتم عند وجود أحدهما، فدلَّ على أن الصلاة على
النبى صلى الله عليه وسلم ليست بفرض ، وهى واجبة عندنا خارج الصلاة عملا بالأمر
الوارد بها فى القرآن فلا يلزمنا العمل به فى الصلاة . قال ( ويدعو بما شاء مما يشبه ألفاظ
القرآن والأدعية المأثورة) لقوله صلى الله عليه وسلم ((ثم اختر من الدعاء أطيبه)) والقعدة
الأخيرة فرض والتشهد فيها واجب لقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث الأعرابى ((إذا
رفعت رأسك من آخر سجدة وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك )) علق التمام بالقعدة
دون التشهد ، ومقدار الفرض فى القعود مقدار التشهد . قال ( ثم يسلم عن يمينه فيقول :
السلام عليكم ورحمة الله ، وعن يساره كذلك ) لرواية ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم
((كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن ، وعن شماله حتى يرى بياض خده
الأيسر )) وينوى بالأولى من عن يمينه من الملائكة والناس ، وبالأخرى كذلك لأنه خطاب
الحاضرين ، وينوى الإمام فى الجهة التى هو فيها ، وإن كان حذاءه ينويه فيهما ، وقيل
فى اليمين ، والمنفرد ينوى الحفظة لاغير . والخروج بلفظ السلام ليس بفرض لما روينا من
حديث ابن مسعود وأنه ينافى الفرضية. وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((تحليلها التسليم))
يدل على الوجوب أو السنة ، ونحن نقول به .
فصل
( الوتر واجب ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((إن الله تعالى زادكم صلاة إلى صلاتكم

وَهِىَ ثَلاَثُ (ف) رَكَعَاتٍ كَالْمَغْرِبِ لايُسَلُّمُ بَيْهُنَّ، وَيَقْرأُ فى جميعِها،
وَيَقْنُتُ فِى الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ (ف)، وَيَرْفُعُ بَدَيْهٍوَيُكتَبِرُ، ثُمَّ يَقْئُتُ،
وَلا قُنُوتَ فى غْرِها (ف).
الخمس ألا وهى الوتر فحافظوا عليها ، والزيادة تكون من جنس المزيد عليه ، وقضيته
الفرضية إلا أنه ليس مقطوعا به فقلنا بالوجوب . وقال أبو يوسف ومحمد : هى سنة
لقوله عليه الصلاة والسلام (( ثلاث كتبت علىَّ ولم تكتب عليكم)) وفى رواية ((وهى لكم
سنة: الوتر، والضحى، والأضحى)) قلنا الكتابة هى الفرض. قال الله تعالى - إن الصلاة
كانت على المؤمنين كتابا موقوتا - أى فرضا موقتا ، ويقال للفرائض المكتوبات ، فكان
تفى الكتابة نفى الفرضية ، ونحن لانقول بالفرضية بل بالوجوب. وأما قوله ((وهى لكم
سنة)) أى ثبت وجوبها بالسنة ، لأنه صلى الله عليه وسلم هو الذى أمر بها والأمر للوجوب،
وهى عندهما أعلى رتبة من جميع السنن حتى لا تجوز قاعدا مع القدرة على القيام ، ولا على
راحلته من غير عذر وتقضى ذكره فى المحيط . قال (وهى ثلاث ركعات كالمغرب لا يسلم
بينهن ) لما روى ابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب وعائشة وأم سلمة ((أن النبي صلي
الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن)). قال (ويقرأ فى جميعها) والمستحبّ
أن يقرأ فى الأولى بفاتحة الكتاب وسبح اسم ربك الأعلى ، وفى الثانية بالفاتحة وقل يا أيها
الكافرون ، وفى الثالثة بها وقل هو الله أحد، هكذا نقل قراءة رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيها ، ولأنه لما اختلف فى وجوبها وجبت القراءة فى جميعها احتياطا . قال ( ويقنت
فى الثالثة قبل الركوع ويرفع يديه) لما روينا ( ويكبر ) لما مرَّ (ثم يقنت) لما روى على
وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب (( أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت فى الثالثة قبل
الركوع وليس فيه دعاء مؤقت (( وعن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه كان يقرأ: اللهم إنا
نستعينك واللهم اهدنا )) قالوا : ومعنى قول محمد ليس فيه دعاء مؤقت غير ذلك . ومن
لا يحسن الدعاء يقول : اللهم اغفر لنا مرارا - ربنا آتنا فى الدنيا حسنة - الآية . واختار
أبو الليث الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم بعده ، وهو مروى عن النخعى ، وكرهه
بعضهم لعدم ورود السنة به. قال (ولا قنوت فى غيرها) لقول ابن مسعود: ((ماقنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صلاة الصبح إلا شهرا لم يقنت قبله ولا بعده)). وروت
أم سلمة ((أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن القنوت فى صلاة الفجر)). وما روى
أنس (( أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت فى صلاة الصبح)) معارض بحديث ابن مسعود .
وبما روى قتادة عن أنس أنه قال (( قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الصبح بعد
الركوع يدعو على أحياء من العرب ثم تركه )) فدل على أنه نسخ ، فلو صلى الفجر خلف
إمام يقنت يتابعه عند أبى يوسف لئلا يخالف إمامه . وعندهما لايتابعه لأنه حكم منسوخ ،

- ٥٦ -
فصل
القِرَاءَةُ فَرْضٌّ فى رَكْعَتَيْنِ سُنَّةٌ (ف) فى الأُخْرَيْنِ، وَإِنْ سَبِّحَ فِيهِما
أجزأهُ (ف)، وَمِقْدَارُ الفَرْضِ آيَةٌ فِى كُلّ رَكْعَةٍ (سم ف)، والوَاجبُ الفاتِحَةُ
والسُّورَةُ أَوْ ثَلاثُ آياتٍ. والسُّنَّةُ أنْ يَقْرأ فى الفَجْرِ والظُّهْرِ طِوَالَ الْمُفَصَّلِ،
وفى العَصْرِ والعِشاءِ أوْساطَهُ، وفى المغْرِبِ قِصَارَهُ، وفى حالةِ الضَّرُورَةِ والسَّفَرِّ
يَقْأُ بِقَدْرِ الحَالِ،
وصار كالتكبيرة الخامسة فى صلاة الجنازة ، والمختار أنه يسكت قائما ، ولو سها عن القنوت
فركع ثم ذكر لايعود ، وعن أبى حنيفة أنه يعود إلى القنوت ثم يركع .
فصل
( القراءة فرض فى ركعتين ) لقوله تعالى - فاقرءوا ما تيسر من القرآن - ولا يفترض
فى غير الصلاة فتعين فى الصلاة. وقال عليه الصلاة والسلام ((القراءة فى الأوليين قراءة
فى الأخريين)) أى تنوب عنها كقولهم : لسان الوزير لسان الأمير ( سنة فى الأخريين ،
وإن سبح فيهما أجزأه ) وقد بيناه . قال ( ومقدار الفرض آية فى كل ركعة ) وقالا : ثلاث
آيات قصار أو آية طويلة تعدلها ، لأن القرآن اسم للمعجز ولا معجز دون ذلك . وله قوله.
تعالى - فاقرءوا ما تيسر منه - من غير تقييد ، وما دون الآية خارج فبقى ما وراءه ، ولا
يفترض قراءة الفاتحة فى الصلاة لإطلاق ما تلونا ، وقوله عليه الصلاة والسلام (( لاصلاة
إلا بفاتحة الكتاب )) إلى غيره من الأحاديث أخبار آحاد لا يجوز نسخ إطلاق الكتاب بها
فيحمل على الوجوب دون الفرضية كما قلنا ( والواجب الفاتحة والسورة أو ثلاث آيات )
لأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب على ذلك من غير ترك ، ولذلك وجب سجود السهو
بتركه ساهيا ( والسنة أن يقرأ فى الفجر والظهر طوال المفصل ، وفى العصر والعشاء أوساطه ،
وفى المغرب قصاره ) هكذا كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى ولا يعرف إلا
توقيفا ؛ وقيل المستحب أن يقرأ فى الفجر أربعين أو خمسين ؛ وقيل من أربعين إلى ستين .
وروى ابن زياد : من ستين إلى مائة بكل ذلك وردت الآثار ؛ وقيل المائة للزهاد والستون
فى الجماعات المعهودة ، والأربعون فى مساجد الشوارع ، وفى الظهر ثلاثون ، وفى العصر
والعشاء عشرون . والأصل أن الإمام يقرأ على وجه لا يؤدى إلى تقليل الجماعة ، وإن كان
منفردا فالأولى أن يقرأ فى حالة الحضر الأكثر تحصيلا للثواب ( وفى حالة الضرورة والسفر
يقرأ بقدر الحال ) دفعا للحرج . والسنة أن يقرأ فى كل ركعة سورة تامة مع الفاتحة، ويستحب
أن لا يجمع بين سورتین فی ر کعة لأنه لم ينقل ، وإن فعل لا بأس ، وكذلك سورة فی ر کعتين
F

- ٥٧ -
وَلا يَتَعَّيْنُ شَىْءٌ مِنَ القُرآنِ لِشَىْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَيُكْرَهُ تَعْبِينُهُ.
فصل
الجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وأَوْلِى النَّاسِ بالإمامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ
أَقْرَؤُهُمْ، ثُمَّ أَوْرَعُهُمْ، ثُمَّ أَسَسُّهُمْ، ثُمَّ أَحْسَسُهُمْ خُلُقًا، ثُمَّ أَحْسَمُهُمْ
وَجْهَا،، وَلا يُطوِّلُ بِهِمُ الصَّلاةَ،
قال ( ولا يتعين شىء من القرآن لشىء من الصلوات ) لإطلاق النصوص ( ويكره تعيينه )
لما فيه من هجران الباقى إلا أن يكون أيسر عليه ، أو تبركا بقراءة النبى صلى الله عليه وسلم
مع علمه أن الكل سواء ، ويطوّل الأولى من الفجر على الثانية إعانة للناس على الجماعات ،
ويكره فى سائر الصوات . وقال محمد : يستحب ذلك فى جميع الصلوات، كذا نقل عن
النبى صلى الله عليه وسلم . قلنا الركعتان استوتا فى استحقاق القراءة فلا وجه إلى التفضيل
بخلاف الصبح فانه وقت نوم وغفلة ، وما رواه محمول على التطويل من حيث الاستفتاح
والتعوذ ، ولا اعتبار فى ذلك بما دون ثلاث آيات لعدم إمكان التحرز عنه .
فصل
( الجماعة سنة مؤكدة) قال عليه الصلاة والسلام (( الجماعة من سنن الهدى)) وقال عليه
الصلاة والسلام ((لقد هممت أن آمر رجلا يصلى بالناس ثم أنطلق إلى قوم يتخلفون عن
الجماعة فأحرّق عليهم بيوتهم )) وهذا أمارة التأكيد ، وقد واظب عليها صلى اللّه عليه وسلم
فلا يسع تركها إلا لعذر ، ولو تركها أهل مصر يوَمرون بها ، فان قبلوا وإلا يقاتلون
عليها لأنها من شعائر الإسلام . قال ( وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة ) إذا كان يحسن
من القراءة ما تجوز به الصلاة ، ويجتنب الفواحش الظاهرة . وعن أبى يوسف أقرؤهم لقوله
عليه الصلاة والسلام (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)) قلنا الحاجة إلى العلم أكثر فكان أولى
وفى زمن النبى صلى الله عليه وسلم كانوا يتلقون القرآن بأحكامه فكان أقرؤهم أعلمهم
( ثم أقرؤهم) للحديث (ثم أورعهم) لقوله عليه الصلاة والسلام (( من صلى خلف عالم
تقى فكأنما صلى خلف نبى)) (ثم أسنهم) لقوله عليه الصلاة والسلام ((وإذا سافرتما فأذنا
وأقما وليؤْمكما أكبر كما سنا)) (ثم أحسنهم خلقا ، ثم أحسنهم وجها ). والأصل أن من كان
وصفه يحرض الناس على الاقتداء به ويدعوهم إلى الجماعة كان تقديمه أولى ، لأن الجماعة
كلما كثرت كان أفضل حتى قالوا يكره لمن يكثر التنحنح فى القراءة أن يؤم ، وكذلك
من يقف فى غير مواضع الوقف ، ولا يقف فى مواضعه لما فيه من تقليل الجماعة . قال
( ولا يطوّل بهم الصلاةٍ) على وجه يؤدى إلى التنفير ، بل يخفف تخفيفا عن تمام لحديث

- ٥٨ -
وَيُكْرَهُ إِمامَةُ العَبْدِ (ف) والأعْرابىِّ. وَالأَعْمَى (ف) والفاسِقِ وَوَلدِ الزّنا (ف)
والمُبْتَدِعِ، وَلَوْ تَقَدَّمُوا وَصَلَّوْا جازَ، وَلا تَجُوزُ إمامَةُ النِّساءِ والصّبْيَانِ (ف)
لِلرّجَالِ، وَمَنْ صَلَّى بِوَاحِدٍ أقامَهُ عَنْ يَمِينِهِ، فانْ صَلَّى بِاثْسَْيْنِ أوْ أَكْتَثْرَ
تَقَدَّمَ عَلْهِمْ، وَيَصُفُّ الرّجَالُثُمَّ الصّبْيَانُثُمَّ الحَنائىُ ثُمَّ النِّساءُ، وَلا تَدْخُلُ
المَرَأَةُ فِى صَلاةِ الرَّجُلِ إلاَّ أنْ يَنْوِيِهَا (ف) الإمامُ،
معاذ فانه كان يطول بهم القراءة فى الصلاة ، فقال عليه الصلاة والسلام (( أفتان أنت يامعاذ
صلّ بالقوم صلاة أضعفهم فان فيهم الصغير والكبير وذا الحاجة )). قال ( ويكره إمامة
العبد والأعرابى والأعمى والفاسق وولد الزنا والمبتدع ) لأن إمامتهم تقلل الجماعات ،
لسقوط منزلة العبد عند الناس ، ولأن الغالب على الأعرابى الجهل . قال تعالى - وأجدر
أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله - والفاسق لفسقه، والأعمى لا يجتنب النجاسات،
وولد الزنا يستخف به عادة ، وليس له من يعلمه فيغلب عليه الجهل ( ولو تقدموا وصلوا
جاز) قال عليه الصلاة والسلام ((صلوا خلف كل بر وفاجر)) والكراهة فى حقهم لما ذكر
من النقائص ، ولوعدمت بأن كان العربى أفضل من الحضرى ، والعبد من الحر ، وولد
الزنا من ولد الرشدة (١) ، والأعمى من البصير فالحكم بالضد . وأما المبتدع فكان
أبو حنيفة لايرى الصلاة خلف المبتدع . قال أبو يوسف : أكره أن يكون إمام القوم
صاحب بدعة أو هوى . وعن محمد : لاتجوز الصلاة خلف الرافضة والجهمية والقدرية .
قال ( ولا تجوز إمامة النساء والصبيان للرجال ) أما النساء فلقوله عليه الصلاة والسلام
(((أخروهن من حيث أخرهن اللّه)) وإنه نهى عن التقديم . وأما الصبى فلأن صلاته تقع
نفلا فلا يجوز الاقتداء به ؛ وقيل يجوز فى التراويح لأنها ليست بفرض ؛ والصحيح الأول
لأن نفله أضعف من نفل البالغ فلا يبتنى عليه . قال ( ومن صلى بواحد أقامه عن يمينه )
لحديث ابن عباس قال ((وقفت عن يسار النبى صلى الله عليه وسلم ، فأخذ بذوابتى فأدارنى
إلى يمينه)) فدل على أن اليمين أولى، وأن القيام عن يساره لا يفسد الصلاة ، وأن الفعل
اليسير لا يفسد الصلاة . قال ( فان صلى باثنين أو أكثر تقدم عليهم ) لحديث أنس قال :
((أقامنى رسول الله صلى الله عليه وسلم واليتيم وراءه، وأم سليم وراءنا)) ولقوله عليه الصلاة
والسلام ((الاثنان فما فوقهما جماعة)) قال ( ويصف الرجال ثم الصبيان ثم الخنائى ثم النساء)
أما الرجال فلقوله عليه الصلاة والسلام (( ليلنى أولو الأحلام منكم)) وأما الصبيان فلحديث
أنس ، وأما الخنائى فلاحمال كونهم إناثا ، وأما تقديمهم على النساء فلاحتمال كونهم
ذكورا . قال ( ولا تدخل المرأة فى صلاة الرجل إلا أن ينويها الإمام ) وقال زفر : تدخل
بغير نية كالرجل . ولنا أنه يلحقه من جهتها ضرر على سبيل الاحتمال بأن تقف فى جنبه
(١) ولد الرشدة ، هو الولد الذى جاء من النكاح اهـ .

- ٥٩ -
وَإِذَا قَامَتْ إلى جانِبِ رَجُلٍ فى صَلاةِ مُشْسَتْرَكَةٍ فَسَدَت (ف) صَلَاتُهُ،
وَيُكْرَهُ لِلنَّساءِ حُضُورُ الجَمَاعاتِ، وَأنْ يُصَلِّينَ جَماعَةٌ (ف)، فانْفَعَلْنَ
وَقَفَتِ الإِمامِ وَسْطَهُنَّ، وَلا يَقْتَدِى الطَّاهِرُ بِصَاحِبٍ عُذْرٍ (ف)، وَلاَ الَقَارِئُ
بِالأُمّىّ، وَلَا المُكْنَسِى (ف) بالعُرْيانِ، وَلَامَنْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ (ف) بالمُومِى
وَلَا الْمُفْتِرِضُ (ف) بالمُشْتَقِّلِ،
فتفسد صلاته ، فكان له أن يحترز عن ذلك بترك النية . قال ( وإذا قامت إلى جانب رجل
فى صلاة مشتركة فسدت صلاته ) والقياس أن لاتفسد كما لاتفسد صلاتها . وجه قولنا أنه
ترك فرض المقام لأنه مأمور بتأخيرها وهو المختص بالأمر دونها فتفسد صلاته ، وإن قامت
فى الصف أفسدت صلاة من عن يمينها ويسارها وخلفها بحذائها ، والثنتان تفسدان صلاة
أربعة من عن يمين إحداهما ويسار الأخرى واثنين خلفهما ، والثلاث يفسدن صلاة خمسة .
وعن محمد : يفسدن صلاة ثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف ، وهو الصحيح المختار على قول
أبى حنيفة ، وكذا عن أبى يوسف فى المرأتين ، ولو کان النساء صفا تاما فسدت صلاة من
خلفهن من الصفوف (١) وشرط المحاذاة أن تكون الصلاة مشتركة وأن تكون مطلقة ،
والاستواء فى البقعة ، وأن تكون من أهل الشهوة ، ولا یکون بينهما حائل ، وأدناه مثل
مؤخرة الرجل . قال ( ويكره للنساء حضور الجماعات ) لقوله عليه الصلاة والسلام
(( بيوتهن خير لهن)) ولما فيه من خوف الفتنة وهذا فى الشوابّ بالإجماع . أما العجائز فيخرجن
فى الفجر والمغرب والعشاء . وقال يخرجن فى الصلوات كلها لوقوع الأمن من الفتنة
فى حقهن . وله أن الفساق ينتشرون فى الظهر والعصر وفى المغرب يشتغلون بالعشاء ، وفى
الفجر والعشاء يكونون نياما ، ولكل ساقطة لاقطة ؛ والمختار فى زماننا أن لا يجوز شىء من
ذلك لفساد الزمان والتظاهر بالفواحش . قال ( وأن يصلين جماعة ) لأنها لاتخلو عن نقص
واجب أو مندوب ، فانه يكره لهنّ الأذان والإقامة وتقدم الإمام عليهن (٢) ( فان فعلن
وقفت الإمام وسطهن (٣) ) هكذا روى عن عائشة، وهو محمول على الابتداء . قال
( ولا يقتدى الطاهر بصاحب عذر ، ولا القارئ بالأمى ، ولا المكتسى بالعريان ، ولا من
يركع ويسجد بالمومى ، ولا المفترض بالمتنفل ) وأصله أن صلاة المقتدى تنبنى على صلاة
(١) وجد بهامش نسخة ما نصه: لقول عمر : من كان بينه وبين الإمام طريق أو نهر
أو صف نساء فليس هو مع الإمام .
(٢) قوله يكره لهنَّ الأذان والإقامة ، إشارة إلى نقص المندوب ، وقوله : وتقدم
الإمام عليهن ، إشارة إلى نقص الواجب .
(٣) وسطهن بالسكون ، لأن وسط إذا صلح موقعه بين كان ظرفا وكان بسكون السین,،
وإن لم يصلح موقعه كان اسما وكان بالتحريك .

- ٦٠ -
وَلَا الْمُفَْرِضُ بِمَنْ يُصَلِّى فَرْضًا آخَرَ (ف). وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضَىْ (م)
بالُنَيَمِّمِ، والغاسِلِ بالمَاسِح، والقائمِ (م) بالقاعِدٍ، والمُتْنَفِّلِ بالمُفْتَرِضِ.
وَمَنْ عَلِمَّ أَنَّ إِمامَهُ عَلَى غَيرِ طَهَارَةٍ أَعادَ (ف) وَيَجُوز أنْ يَفْتَحَ عَلى إمامِهِ
الإمام صحة وفسادا لقوله عليه الصلاة والسلام ((الإمام ضامن)) أى ضامن بصلاته صلاة
المؤْتم ، وبناء الناقص على الكامل يجوز ، والكامل على الناقص لا يجوز ، لأن الضعيف
لايصلح أساسا للقوىّ، لأنه بقدر النقصان يكون بناء على المعدوم وإنه محال .
إذا عرف هذا فنقول : حال الطاهر أقوى من حال صاحب العذر ، وحال القارئ
أقوى من حال الأمى ، وحال المكتسى أقوى من حال العريان ، وحال الذى يركع ويسجد
أقوى من حال المومى ، وحال المفترض أقوى من المتنفل ، فلا تجوز صلاتهم خلفهم .
قال ( ولا المفترض بمن يصلى فرضا آخر ) لأن المقتدى مشارك للإمام فلا بد من الاتحاد ،
فان أمَّ أمى قارئين وأميين فسدت صلا، الكل ؛ وقالا : تجوز صلاة الإمام ومن بحاله
الاستوائهم كما إذا انفردوا . ولأبى حنيفة أن الجميع قادرون على القراءة بتقديم القارئ ، إذ
قراءة الإمام قراءة لهم بالحديث ، فقد تركوا القراءة مع القدرة عليها فتبطل صلاتهم ، وعلى
هذا العاجز عن الإتيان ببعض الحروف ، قالوا : ينبغى أن لا يؤمّ غيره لما بينا ولما فيه
من تقليل الجماعة ؛ فلوصلى وحده إن كان لا يجد آيات تخلو عن تلك الحروف جاز
بالإجماع ، وإن وجد وقرأ بما فيه تلك الحروف قیل یجوز کالأخرس یصلى وحده ، وقيل
لا يجوز كالقارئ إذا صلى بغير قراءة ، بخلاف الأخرس لأنه قد لا يجد إماما . قال ( ويجوز
اقتداء المتوضئ بالمتيمم ) وقال محمد . لا يجوز لأن التيمم طهارة ضرورية كطهارة صاحب.
العذر. ولنا ماروى (( أن عمرو بن العاص أجنب فى ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه ، ثم
أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأمره بالإعادة)). وقد تقدم أن التيمم طهارة
عند عدم الماء ، فكان اقتداء طاهر بطاهر . قال ( والغاسل بالماسح ) لأن الخف يمنع
وصول الحدث إلى الرجل ، وإنما يحل الحدث بالخف وقد ارتفع بالمسح . قال ( والقائم
بالقاعد ) خلافا لمحمد وهو القياس ، لأن القائم أقوى حالا . ولنا أنه صلى الله عليه وسلم
صلى آخر صلاة صلاها قاعدا والناس خلفه قيام ، وبمثله يترك القياس . قال ( والمتنفل
بالمفترض ) لأنه أضعف حالا وبناء الأضعف على الأقوى جائز ، ولأنه يحتاج إلى نية
أصل الصلاة وهو موجود بخلاف العكس ، لأن المفترض يحتاج إلى نية أصل الصلاة وإلى
نية الفرضية وإنه معدوم فى المتنفل .
قال ( ومن علم أن إمامه على غير طهارة أعاد ) لما بينا أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة
الإمام صحة وفسادا ، ولهذا المعنى يلزم المأموم سهو الإمام ، ويكتفى بقراءته لو أدركه
فى الركوع ؛ وإذا كانت متعلقة بصلاته يفسد بفسادها . قال ( ويجوز أن يفتح على إمامه )
1