النص المفهرس
صفحات 1-20
الاخْتِيَارِ تَعَلَيْل المختار تأليف عبد الله بن محمود بن مودود الموصلى الحنفی ,٦٨٣هـ وعليه تعليقات لفضيلة المرحوم الشيخ محمود أبو دقيقة من أكابر علماء الحنفية والمدرس بكلية أصول الدين سابقا الرُ الأَوْرُ مقرر تدريسه لطلبة السنة الأولى الثانوية بالجامعة الأزهرية دار الكتب العلمية بیروت - لبنان الاخْتِيَار ويطلبْ ن: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان هَاتف : ٣٦٦١٣٥ ضرب: ١١/٩٤٢٤ تلكس: Nasher 41245Le - ٤ - نسبه ومولده هو الإمام عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود ، أبو الفضل مجد الدين الموصلى . ولد بالموصل سنة تسع وتسعين وخمسمائة . مشايخه تلقى مبادىء العلوم على أبيه الشيخ محمود . ثم رحل إلى دمشق الشام . فتلقى العلوم عن جمال الدين الحصيرى . شأنه بين العلماء وكان منفردا فى عصره فى الفروع والأصول ، وكان عند الفتوى لايحتاج إلى مراجعة النصوص لحفظه لها ، ومعرفته التامة بكيفية التطبيق . مؤلفاته ومن تصانيفه (( المختار)) ألفه فى عنفوان شبابه، ثم صنف شرحا له وسماه ((بالاختيار » ومتنه هذا من المتون الأربعة التى كثر اعتماد المتأخرين عليها، وهى ((الوقاية ، ومجمع البحرين ، والمختار، وكنز الدقائق )). درجته فى العلوم وهو من طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين القوى والضعيف وبين الراجح والمرجوح. وظائفه ووفاته وتولى القضاء بالكوفة ، ثم عزل ودخل بغداد ، ورتب الدرس بمشهد أبى حنيفة ، ولم يزل يفتى ويدرّس إلى أن مات يوم السبت التاسع عشر من المحرَّم سنة ثلاث وثمانين وستمائة . رحمه الله تعالى ونفعنا بكتابه آمين. مَنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خْرًا يُفَقَّهْهُ فى الدِّينِ. [ حديث شريف ] الحَمْدُ لِّهِ عَلى جَزِيلِ نَعْمائِهِ، أحمَدُهُ عَلَى جَلِيلِ آلائِهِ، وأَشْكُرُهُ عَلى جَمِيلٍ بَلائِهِ، وأَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ هُوَ شَهَادَةً أُعِدُّها لِيَوْمِ لِقائِهِ، وأَشْهَدُ أنَّ ◌ُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ سَيِّدُ رُسُلِهِ، وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ، صَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ وأصْفِيَائِهِ، وَأَحْمَدُهُ عَلَى أنْ جَعَلِّنِى مِمَّنْ سَلَكَ سَيْنَ سُنَّتِهِ واقْتَفَاهُ، وَوَرَدَ شَرِيعَةَ شَرْعِهِ فَرَوَّاهُ، حَمْدَ مَنْ حَمَرَتْهُ نِعَمُهُ وَعَمَّنََّ عَطَايَاهُ . وَبَعْدُ: فَقَدْ رَغِبَ إلىَّ مَنْ وَجَبَ جَوَابُهُ عَلَىَّ أَنْ أَجْمَعَ لَهُ مُخْتَصَرًا فى الفِقْهِ عَلى مَذْهَبِ الإمامِ الأعْظَمِ أبى حَنِيفَةَ النُّعْمانِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، مُقْتَصِرًاً فِيهِ عَلَى مَذْهَبِهِ، مُعْتَمِدًا فِيهِ عَلَى فَتْوَاهُ، فجَمَعْتُ لهُ هَذَاَ المُخْتَصَرَ كَمَا طَلَبَهُ وَتَوَخَّاهُ، وَسَمَّيْتُهُ: بسم اللهالرحمن الرحيم الحمد لله الذى شرع لنا دينا قويما، وهدانا إليه صراطا مستقيما ، وجعلنا من أهله تعلما وتعليما ، حمد من عمته رحمته وإفضاله ، وغمرته أعطيته ونواله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، شهادة أستزيد بها وفور نعمه ، وأسترفد بها وفور كرمه ؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذى جمع بمبعثه شمل الحق بعد تفرقه ، وقمع برسالته حزب الباطل بعد تطوّقه ، صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه ، وأتباعهم الذين سلكوا منن سننه وصوابه. -٦ - المختار للفتوى لأَنَّهُ اخْتَارَهُ أكثرُ الفُقْتَهَاءِ وارْتَضَاهُ . وَّا حَقِظَهُ جماعةٌ مِنَ الفُقْتَهَاءِ واشْسَهَرَ، وَشاعَ ذِكْرُهُ بْيَنْهُمُ وَانْتَشَرَ ، طَلَبَ مِّى بَعْضُ أوْلادٍ بَنِى أخى النُّجَبَاءِ أنْ أَرْمِزَهُ رُمُوزًا يُعْرَفُ بها مَذاهِبُ بَقِيَّةِ الفُقتَهَاءِ، لِتَكْثُرَ فائِدَتُهُ، وَتَعُمَّ عائِدَتُهُ، فَأَجَبْتُهُ إِلى طَلَبِهِ، وَبَادَرْتُ إِلى تَحْصِيل بُغْيَتِهِ بَعْدَ أْنِ اسْتَعَنْتُ باللّهِ وَتَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ واسْتَخَرْتُهُ وَفَوَّضْتُ أَمْرِى إِلَيْهٍ، وَجَعَلْتُ لِكُلّ اسْمٍ مِنْ أَسَمَاءِ الفُقُهَاءِ حَرْفا يَدُّلُّ عَلَيْهِ مِنْ حُرُوفِ الهِجَاءِ وَهِىَ: لأبى يُوسُفَ (س) وَيَمُحَمَّدٍ (م) وَهُما (سم) وَلِزُفَرَ (ز) وَلِلشَّافِعِىّ (ف) واللّهَ سُبْحانَهُ وَتَعالى أسْألُ أنْ يُوَفِّقَِّ لإِتمامِهِ، وَيَخْيِمَ لى بالسَّعَادَةِ عِنْدَ اخْتِتامِهِ إِنَّهُ وَلِىُّ ذلكَ وَالقادِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَسْبٍِ وَنِعْمَ الوَكِيلُ. وبعد : فكنت جمعت فى عنفوان شبابى مختصرا فى الفقه لبعض المبتدئين من أصحابى . وسميته ((بالمختار للفتوى)) اخترت فيه قول الإمام أبى حنيفة رضى الله عنه، إذ كان هو الأوّل والأولى ؛ فلما تداولته أيدى العلماء ، واشتغل به بعض الفقهاء طلبوا منى أن أشرحه شرحا أشير فيه إلى علل مسائله ومعانيها ، وأبين صورها وأنبه على مبانيها ، وأذكر فروعا يحتاج إليها ويعتمد فى النقل عليها ، وأنقل فيه ما بين أصحابنا من الخلاف ، وأعلله متوخيا موجزا فيه الإنصاف ، فاستخرت الله تعالى ، وفوَّضت أمرى إليه ، وشرعت فيه ، مستعينا به ومتوكلا عليه ، وسميته : الاختيار لتعليل المختار وزدت فيه من المسائل ما تعم به البلوى ، ومن الروايات ما إناج إليه فى الفتوى ، يفتقر إليها المبتدى ، ولا يستغنى عنها المنتهى ، والله سبحانه وتعالى أسأله أن يوفقنى للإتمام والإصابة ، ويرزقنى المغفرة والإنابة، إنه قدير على ذلك وجدير بالإجابة ، وهو حسبى ، ونعم الوكيل ، لعم المولى ونعم النصير . كتاب الطهارة مَنْ أَرَادَ الصَّلاةَ وَهُوَ مُحْدِثُ فَلْيَتَوَضًا". وَفَرْضُهُ: غَسْلُ الوَجْهِ، وَغَسْلُ اليَدَيْنِ مَعَ المِرْفَفَسْنِ (ز)، وَمَسْحُ رُبُعِ (ف) الرَّأْسِ، وَغَسْلُ الرّجْلَسْنِ مَعَ الكَعْبَْنِ (ز). كتاب الطهارة وهى فى اللغة : مطلق النظافة ، وفى الشرع : النظافة عن النجاسات ؛ والوضوء فى اللغة من الوضاءة : وهو الحسن ، وفى الشرع : الغسل والمسح فى أعضاء مخصوصة ، وفيه المعنى اللغوى، لأنه يحسن به الأعضاء التى يقع فيها الغسل والمسح ؛ فالغسل : هو الإسالة ، والمسح : الإصابة . وسبب فرضية الوضوء إرادة الصلاة مع وجود الحدث ، لقوله تعالى: - إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا -. قال ابن عباس : معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأتم محدثون ( وفرضه : غسل الوجه ، وغسل اليدين مع المرفقين ، ومسح ربع الرأس ، وغسل الرجلين مع الكعبين ) لما تلونا ، فالوجه : ما يواجه به ، وهو من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن طولا ، وما بين شحمتى الأذنين عرضا ، وسقط غسل باطن العينين لما فيه من المشقة وخوف الضرر بهما ، وبه تسقط الطهارة ؛ ويجب غسل ما بين العذار والأذن لأنه من الوجه ، خلافا لأنى يوسف بعد نبات اللحية لسقوط غسل ما تحت العذار وهو أقرب منه . قلنا سقط ذلك للحائل ولا حائل هنا . وقال زفر : لا يدخل المرفقان والكعبان فى الغسل لأن إلى للغاية. قلنا وتستعمل بمعنى مع ، قال الله تعالى - ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم - فتكون مجملة، وقد وردت السنة مفسرة لها ، فقد صحَّ أنه صلى اللّه عليه وسلم ((أدار الماء على مرافقه ، ورأى رجلا توضأ ولم يوصل الماء إلى كعبيه فقال : ويل للأعقاب من النار وأمره بغسلهما )). وكذا الآية مجملة فى مسح الرأس ، تحتمل إرادة الجميع كما قال مالك ، وتحتمل إرادة ما تناوله اسم المسح كما قاله الشافعى ، وتحتمل إرادة بعضه كما ذهب إليه أصحابنا ؛ وقد صح أن النبى صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته ، فكان بيانا للآية وحجة عليهما ، والمختار فى مقدار الناصية ما ذكر فى الكتاب وهو الربع ، ولا يزيد على مرة واحدة ، لأن بالتكرار يصير غسلا ، والمأمور به المسح ، ٨٠٠ - وَسُبْنُ الوُضُوءِ: غَسْلُ اليَدَيْنِ إلى الرَّسْفَيْنِ ثَلاثَا قَبْلَ إِدْخالهِما فى الإِناءِ ◌ِمَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، وَتَسْمِيَةُ اللهِ تَعالى فى ابْتِدَائِهِ، والسُّوَاكُ، والمَضْمَضَةُ، والاسْتِنْشاقُ ثَلاثًا ثَلاثًا، وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأسِ والْأُذُنَسْنِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ (ف)، وتَخْلِيلُ اللُّحْيَةِ والأصَابِعِ، وَتَثْلِيثُ الغَسْلِ. قال ( وسنن الوضوء : غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثا قبل إدخالهما فى الإناء لمن استيقظ من نومه ) لحديث المستيقظ (١)؛ ثم قيل إن كان الإناء صغيرا يرفعه بيده اليسرى ويصب على اليمنى ، ثم باليمنى فيصبُّ على اليسرى ، لتقع البداءة باليمنى كما هو السنة ؛ وإن كان. الإناء كبيرا يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة دون الكفّ ، ويأخذ الماء فيغسل يديه لوقوع الكفاية بذلك ، ولا يكتفى بدون ذلك فى العادة . قال ( وتسمية الله تعالى فى ابتدائه) المواظبته صلى الله عليه وسلم عليها. وقال عليه الصلاة والسلام ((من توضأ وذكر اسم الله تعالى كان طهورا لجميع بدنه ، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لما أصاب الماء)). قال ( والسواك) لأنه صلى الله عليه وسلم واظب عليه وقال (( أوصانى خليلی جبريل بالسواك)). قالوا: والأصح أنه مستحب . قال (والمضمضة والاستنشاق ثلاثا ثلاثا ) يأخذ لكل مرة ماء جديدا لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك كذلك . قال ( ومسح جميع الرأس والأذنين بماء واحد) لما روى ((أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بجميع رأسه)) وقد تقدم أنه مسح بناصيته ، فيكون فرضا ، ويكون مسح الجميع سنة . وقال عليه الصلاة والسلام ((الأذنان من الرأس)) والمراد بيان الحكم دون الحلقة. قال ( وتخليل اللحية) لما روى («أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ شبك أصابعه فى لحيته كأنها أسنان المشط» وقيل هو سنة عند أبى يوسف جائز (٢) عندهما ، لأن السنة إ كمال الفرض فى محله وباطن اللحية لم يبق محملا الفرض . قال ( و) تخليل ( الأصابع ) لأنه إكمال الفرض فى محله ، ولقوله عليه الصلاة والسلام ((خلوا أصابعكم قبل أن تتخللها نار جهنم)). قال ( وتثليث الغسل ) فالواحدة فرض ، والثالثة سنة ، والثانية دونها فى الفضيلة ؛ وقيل : الثانية سنة ، والثالثة إكمال السنة، وأصله الحديث المشهور (٣) (( أنه عليه الصلاة والسلام توضأ ثلاثا (١) قوله لحديث المستيقظ، ولفظه ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنَّ يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا ، فانه لایدری أین باتت يده )» (٢) معنى الجواز : أن فاعله لا ينسب إلى البدعة . (٣) قوله الحديث المشهور. اقتصر الشارح فى لفظ الحديث المروى على ما يثبت مطلوبه وإلا فلفظ الحديث كما رواه الدار قطنى ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال : هذا وضوء من لا يقبل الله الصلاة إلا به ، وتوضأ مرتين مرتين وقال : هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين ، وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال: هذا وضوئى ووضوء الأنبياء من قبلى » . - ٩ - وَيُسْتَحَبُّ فِى الوُضُوءِ النِّيَّةُ (ف) وَالَّرْتِيبُ والتّيَامُنُ وَمَسْحُ الرَّقْبَةِ . فصل وَيَنْقُضُهُ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وَمِنْ غِيرِ (فْ) السَّبِيلْنِ إِنْ كان تَجِسا وَسَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ ثلاثا وقال: هذا وضوئى ووضوء الأنبياء من قبلى)). وما روى أن عثمان رضى الله عنه توضأ بالمقاعد (١) فغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ، ومسح برأسه مرة واحدة ، وغسل رجليه ثلاثا وقال : هكذا توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ( ويستحب فى الوضوء النية والترتيب ) ليقع قربة وليخرج عن عهدة الفرض بالإجماع ، وكذا يستحب الموالاة ، وهو أن لا يشتغل بين أفعال الوضوء بغيرها، وليس ذلك بفرض لقوله تعالى - إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا - الآية من غير اشتراطها ، ولأنه ذكر بحرف الواو ، وإنها للجمع باجماع أئمة النحو واللغة نقلا عن السيرافى ، والزيادة على النص نسخ ، ولا يجوز نسخ الكتاب بالخبر لأنه راجح ؛ وقيل إنهما سنتان وهو الأصح لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليهما ( والتيامن) لقوله عليه الصلاة والسلام ((إن الله يحب التيامن فى كل شىء حتى التنعل والترجل)) ( ومسح الرقبة ) قيل سنة ، وقيل مستحب ، ويكره أن يستعين فى وضوئه بغيره إلا عند العجز ليكون أعظم لثوابه وأخلص لعبادته ويصلى بوضوء ، أحد ما شاء من الفرائض. والنوافل ، لأنه صلى الله عليه وسلم صلى يوم الخندق أربع صلوات بوضوء واحد . فصل ( وينقضه كل ما خرج من السبيلين ومن غير السبيلين إن كان نجساوسال عن رأس الجرح). لقوله تعالى - أو جاء أحد منكم من الغائط -والغائط حقيقة المكان المطمئن، وليست حقيقته مرادة فيجعل مجازا عن الأمر المحوج إلى المكان المطمئن ، وهذه الأشياء تحوج إليه لتفعل فيه تسترا عن الناس على ما عليه العادة، حتى لوجاء من المكان المطمئن من غير حاجة لا يجب عليه الوضوء إجماعا، وقال عليه الصلاة والسلام (( الوضوء من كل دم سائل)) وقال عليه الصلاة والسلام ((من قاء أو رعف فى صلاته فلينصرف وليتوضأ)) الحديث (٢) ، وقال عليه الصلاة والسلام (( يعاد الوضوء من سبع)) وعد منها القىء ملء الفم ، والدم السائل.، والقهقهة ، والنوم . ويشترط السيلان فى الخارج من غير السبيلين ، لأن تحت كل جلدة دما ورطوبة ، فما لم يسلَ يكون باديا لاخارجا بخلاف السبيلين ، لأنه متى ظهر يكون (١) هى موضع قعود الناس . (٢) قوله الحديث، تتمته (( وليين على صلاته ما لم يتكلم)). - ١٠ - والقَىْءُ مِلْءَ (ز) الضّمِ، وإنْ قاءَ دَمَا أَوْ قَيْحا نَقَضَ وإنْ لَمْ يَمْلإِ الفَمَ (م)، وإذَا اخْتَلَطَ الدَّمُ بالبُصَاقِ إِنْ غَلَبَهُ نَقَضَ، وَيَنْقُضُهُ النَّوْمُ مُضْطَجِعا، وكذلكَ الْمُنَّكِئُ والْمُسْتَنِدُ والإِغْمَاءُ والْجُنُونُ، والنَّوْمُ قانما (ف) وَرَاكِعا (ف) وَسَاجِدًا (ف) وَقَاعِدًا(ف) وَمَسُّ المَرأة لا يَنْقُضُ الوَضُوءَ، وَكَذَا مَسُ الذَّكَرِ(ف) منتقلا فيكون خارجا . قال (والقىء ملء الفم ) لما تقدم وهو ما لا يمكنه إمساكه إلا بمشقة، وإن قاء قليلا قليلا ، ولو جمع كان ملء الفم ، فأبو يوسف اعتبر اتحاد المجلس ، لأنه جامع للمتفرقات على ما عرف كما فى سجدة التلاوة وغيرها ، ومحمد اعتبر اتحاد السبب وهو الغثيان لأنه دليل على اتحاده ، وعند زفر ينقض القليل أيضا كالخارج من السبيلين وقد مر جوابه ؛ ولا ينقض إذا قاء بلغما وإن ملأ الفم ، وقال أبو يوسف : إن كان من الجوف نقض لأنه محل النجاسة فأشبه الصفراء ، قلا البلغم طاهر ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان يأخذه بطرف ردائه وهو فى الصلاة ، ولهذا لاينقض النازل من الرأس بالإجماع ، وهو للزوجته لاتتداخله النجاسة ، وبقى ما يحاوره من النجاسة وهو قليل ، والقليل غير ناقض يخلاف الصفراء فانها تمازجها ( وإن قاء دما أو قيحا نقض وإن لم يملأ الفم ) وقال محمد : لا ينقض ما لم يملأم الفم كغيره من الأخلاط . قلنا المعدة ليست محلا للدم ، والقيح إنما يسيل إليها من قرحة أو جرح ، فاذا خرج فقد سال من موضعه فينقض حتى لو قاء علقا لاينقض ما لم يملأ الفم ، لأنه يكون فى المعدة ، هكذا روى الحسن عن أبى حنيفة رضى الله عنه ( وإذا اختلط الدم بالبصاق إن غلبه نقض ) حكما للغالب ، وكذا إذا تساويا احتياطا وإن غلب البصاق لا ، لأن القليل مستهلك فى الكثير فيصير عدما . قال ( وينقضه النوم مضطجعا لما روينا (١)، وكذلك المتكى والمستند) لأنه مثله فى المعنى. قال عليه الصلاة والسلام ((العين وكاء السه، فإذا نامت العين انحل الوكاء (٢) )). قال ( والإغماء والجنون ) لأنهما أبلغ فى إزالة المسكة من النوم ، لأن النائم يستيقظ بالانتباه ، والمجنون والمغمى عليه لا . قال ( والنوم قائما وراكما وساجدا وقاعدا ) لاينقض لقوله صلى اللّه عليه وسلم ((لاوضوء على من نام قائما أو راكعا أو ساجدا أو قاعدا ، إنما الوضوء على من نام مضطجعا)). قال ( ومس المرأة لا ينقض الوضوء) لرواية عائشة رضى الله عنها ((أن النبى صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ )) والآية متعارضة التأويل، فان ابن عباس رضى الله عنه قال: المراد باللمسر الجماع، وقد تأكد بفعل النبيّ صلى الله عليه وسلم ( وكذا مس الذكر) لقوله عليه الصلاة والسلام لطلق بن على حين سأله: هل فى مس (١) قوله لما روينا فى قوله عليه الصلاة والسلام ((يعاد الوضوء من سبع)) الحديث. (٢) الوكاء بكسر الواو : ما يشد به رأس الكيس ، والسه : حلقات الدبر . - ١١ - والقَهْقَهَةُ فى الصَّلاةِ تَنْقُضُ (ف). فصل فَرْضُ الغُسْلِ: الْمَضْمَضَةُ (ف) والاسْتِنْشَاقُ (ف) وَغَسْلُ جَمِيعِ البَدَنِ. الذكر وضوء؟ قال «لا، هل هو إلا بضعة منك (١))) نفى الوضوء، ونبه على العلة وما روى ((من مس" ذكره فليتوضأ)) طعن فيه يحيى بن معين وغيره من أئمة الحديث . قال ( والقهقهة (٢) فى الصلاة تنقض) لما روينا (٣)، ولقوله عليه الصلاة والسلام (( ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعا )) وأنه ورد فى صلاة كاملة فيقتصر عليها لوروده على خلاف القياس حتى لوضحك فى صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لا ينقض الوضوء والقهقهة أن يسعها جاره ، وحكمها انتقاض الوضوء والصلاة جميعا ، والضحك أن يسمعها هو لاغير ، قالوا : وتبطل الصلاة لا غير ؛ والتبسم ما لا يسمعه هو ولا غيره ولا حکم له ، وإن شك فى نقض وضو ئه ، فان كان أول شکه أعاده لأنه تیقن بالحدث وشك فى زواله ، وإن كان يحدث له كثيرا لم يعد دفعا للحرج ، ومن أيقن بالحدث وشك فى الطهارة أو بالعكس أخذ باليقين . فصل ( فرض الغسل : المضمضة ، والاستنشاق ، وغسل جميع البدن ) والفرق بينه وبين الوضوء أنه مأمور بغسل الوجه فى الوضوء ، والمواجهة لاتقع بباطن الأنف والفم ، وفى الغسل مأمور بتطهير جميع البدن . قال اللّه تعالى - وإن كنتم جنبا فاطهروا - فيجب غسل جميع ما يمكن غسله من البدن إلا باطن العين على ما مر بخلاف باطن الأنف والفم حيث يمكن غسلهما ، ولا ضرر فيه ، فيجب وقد تأكد ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام (٤) ((إن تحت كل شعرة جنابة ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة)) ويجب إيصال الماء إلى أصول الشعر وأثنائه فى اللحية والرأس لما تقدم إلا إذا كان ضفيرة فى رواية للحرج. (١) البضعة بالفتح : القطعة من اللحم وفد تكسر ، كذا فى النهاية . (٢) قوله والقهقهة الخ : إنما تنقض إذا كانت من بالغ يقظان ، فلا تنقض وضوء صبى ونائم ، بل صلاتهما ، به يفتى در ، ولوكان الوضوء فى ضمن الغسل على ما رجحه فى الحانية والفتح والنهر خلافا لما فى التنوير . (٣) فى حديث ((يعاد الوضوء من سبع)). (٤) هذا الحديث رواه صاحب بلوغ المرام باللفظ الآتى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ((إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة)). رواه أبو داود والترمذى فارجع إليه إن شئت . - ١٢ - وَسُفَنُهُ: أنْ يَغْسِلَ بَدَيْهِ وَفَرْجَهُ، وَيُزِيلَ النَّجَاسَةَ عَنْ بَدْنِهِ، ثم يَتَوَضَّأ الصَّلاةِ، ثُمَّ يُفِيضَ المَاءَ عَلى جميعِ بَدَتِهِ ثَلاثا. وَيُوجِبُهُ غَيْبُوبَة الحَشَفَةِ فِى قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ عَلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ، وإنْزَالُ المَيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ (ف) والشَّهْوَةِ، وانْقِطاعُ الحَيْضِ والنَّفَاسِ؛ وَمَنِ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَّ فى ثيابِهِ مَنِيًّاً أوْ مَذْيا (س) فَعَلَيْهِ الغُسْلُ، قال ( وسننه أن يغسل يديه وفرجه ، ويزيل النجاسة عن بدنه ، ثم يتوضأ للصلاة ثم يفيض الماء على جميع بدنه ثلاثا) هكذا حكى غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ميمونة (١) (( وضعت للنبى صلى الله عليه وسلم غسلا فاغتسل من الجنابة فأكفأ الإناء بشماله على يمينه فغسل كفيه ، ثم أفاض الماء على فرجه فغسله ، ثم مال بيده على الحائط أو على الأرض فدلكها ، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ، وأفاض الماء على رأسه ، ثم أفاض على سائر جسده ، ثم تنحی فغسل رجليه )) . ويستحب تأخير غسل رجليه إن كانتا فىمستنقع الماء لما روينا وتحرزا عن الماء المستعمل. قال ( ويوجبه غيبوبة الحشفة فى قبل أو دبر على الفاعل والمفعول به ) لقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة وجب الغسل أنزل أو لم ينزل ، قالت عائشة رضى الله عنها: فعلته أنا ورسول اللّه فاغتسلنا))، وكذا فى الدبر لأنه محل مشتهى مقصود بالوطء كالقبل ، ولقول على رضى الله عنه : توجبون فيه الحدّ ولا توجبون فيه صاعا من ماء ؟ . وفى الزيادات يجب على المفعول به احتياطا . قال ( وإنزال المنى على وجه الدفق والشهوة ) لأنه يوجب الجنابة إجماعا ، فيجب الغسل بالنص. (( وسألت أم سليم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى فى منامها أن زوجها يجامعها، قال: عليها الغسل إذا وجدت الماء)) ولو خرج لاعلى وجه الدفق والشهوة ، كما إذا ضرب على ظهره أو سقط من علو أو أصابه مرض يجب الوضوء دون الغسل كما فى المذى فإنه من أجزاء المنى ، لكن لما لم يخرج على وجه الدفق لم يجب الغسل ، ثم الشرط انفصاله عن موضعه عن شهوة لأن بذلك يعرف كونه منيا وهو الشرط ، وعند أبى يوسف خروجه عن العضو ، لأن حكمه إنما يثبت بعد الخروج فيعتبر وقتئذ . قال ( وانقطاع الحيض والنفاس ) أما الحيض فلقوله تعالى - حتى يطهرن - بالتشديد ، منع من قربانهن حتى يغتسلن ، ولولا وجوبه لما منع . وأما النفاس فبالإجماع ، وكذا يجب على المستحاضة إذا كملت أيام حيضها لأنها فى أحكام الحيض كالطاهرات . قال ( ومن استيقظ فوجد فى ثيابه منيا أو مذيا فعليه الغسل ) أما المنى فلقوله عليه الصلاة والسلام (( من ذكر حلما ولم ير بللا فلا غسل عليه ، ومن رأى بللا ولم يذكر حلما فعليه الغسل )). وأما المذى (١) روى هذا الحديث الكمال بن الهمام فى فتح القدير شرح الهداية بلفظ آخر ، فان أردت الوقوف عايه فارجع إليه . . - ١٣ - وَغُسْلُ الجُمُعَةِ والعِيدَيْنِ والإِحْرَامِ سُنَّةٌ، وَلاَ يُجُوزُ لِلْمُحْدِثِ والجُنُبِ مَسُ الْمُصْحَفِ إِلاَّ بِغِلافِهِ (ف) ، وَلا يجوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ القُرآنِ، وَيُجُوزُ لَهُ الذّكْرُ والتَّسْبِيحُ والدُّعَاءُ، وَلا يَدْخُلُ المَسْجِدَ إلاَّ لِضَرُورَةٍ، والحَائِضُ والنَّفَسَاءُ كالجُنُبِ . فصل تَجوزُ الطَّهَارَةُ بِالمَاءِ الطَّاهِرِ فِى نَفْسِهِ المُطَهِّرِهِ لِغَيْرِهِ كَالْمَطَرِ وَمَاءِ الْعُيُونِ والآبارِ، وإنْ تَغَّيْرَ ففيه خلاف أبى يوسف (١) ، لأن المذى لايوجب الغسل كما فى حالة اليقظة . ولنا أن الظاهر أنه منى قد رق فيجب الغسل احتياطا ، والمرأة إذا احتلمت ولم تر بللا إن استيقظت وهى على قفاها يجب الغسل لاحتمال خروجه ثم عوده ، لأن الظاهر فى الاحتلام الخروج ، بخلاف الرجل فانه لا يعود لضيق المحل ، وإن استيقظت وهى على جهة أخرى لا يجب قال ( وغسل الجمعة والعيدين والإحرام سنة ) وقيل مستحب فانه يوم ازدحام ، فيستحب لئلا . يتأذى البعض برائحة البعض ، وأدنى ما يكفى من الماء فى الغسل صاع وفى الوضوء مد ، والصاع ثمانية أرطال، والمدرطلان، لما روى (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد)). ثم اختلفوا هل المد من الصاع أم من غيره ؟ وهذا ليس بتقدير لازم حتى لو أسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك جاز ، ولو اغتسل بأكثر منه جاز مالم يسرف فهو المكروه . قال ( ولا يجوز للمحدث والجنب مس المصحف إلا بغلافه ) غير المشرز لقوله تعالى - لا يمسه إلا المطهرون - ولا بأس أن يمسه بكمه ، وكرهه بعضهم ( ولا يجوز للجنب قراءة القرآن ) لقوله عليه الصلاة والسلام (( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن (٢))) وعن الطحاوى أنه يجوز له بعض آية ، والحديث لايفصل ، ولا بأس بأن يقرأ شيئا منه لا يريد به القرآن كالبسملة والحمدلة ( ويجوز له الذكر والتسبيح والدعاء ) لأن المنع ورد عن القرآن خاصة ( ولا يدخل المسجد إلا لضرورة ) لقوله صلى الله عليه وسلم ((لاأحل المسجد لجنب ولا حائض)) فان احتاج إلى ذلك تيمم ودخل ، لأنه طهارة عند عدم الماء ، وإن نام فى المسجد فأجنب ، قيل لايباح له الخروج حتى يتيمم ، وقيل يباح ( والحائض والنفساء كالجنب ) فى جميع ذلك . صـل (تجوز الطهارة بالماء الطاهر فى نفسه المطهر لغيره ، كالمطر وماء العيون والآبار وإن تغير (١) والخلاف فيما إذا نام وذكره غير منتشر، أما إذا كان منتشرا وقت النوم فلا غسل اتفاقا (٢) رواه الترمذى وأبو داود . - ١٤ - بِطُولِ الْمُكْثِ، وَيُجُوزُ بِمَاءِ خالَطَهُ شَىْءٌ طَاهِرٌ فَغَّيْرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ كالزَّعفران والأُشْنانِ وَمَاءِ المَدّ، وَلا تَجُوزُ بِمَاءِ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأزَالَ عَنْهُ بِطَبْعَ المَاءِ، كالأَشْرِبَةِ والخَلّ وَمَاءِ الوَرْدِ وَتُعْتَبَرُ الغَلَةُ بالْأَجْزَاءِ، والمَاءُ الرَّاكِدُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ لاَ يُجُوزُ بِهِ الوُضُوءُ إلاَّ أنْ يَكُونَ عَشَرَةَ (ف) أَذْرُعِ فى عشرة ، بطول المكث ) والأصل فيه قوله تعالى - وأنزلنا من السماء ماء طهورا -. وتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من آبار المدينة وقال ((الماء طهور لاينجسه شىء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه » وطول المكث لا ينجسه فيبقى طاهرا . قال ( ويجوز بماء خالطه شىء طاهر فغير أحد أو صافه) ولم يزل رقته ( كالزعفران والأشنان وماء المد ) (١) وفى اللبن روايتان ( ولا تجوز بماء غلب عليه غيره فأزال عنه طبع الماء كالأشربة والخل وماء الورد ) وطبع الماء كونه سيالا مرطبا مسكنا للعطش ( وتعتبر الغلبة بالأجزاء ) والأصل فيه أن الماء الذى خالطه شىء من الطين يجوز الوضوء به إجماعا لبقاء اسم الماء المطلق ، ولا يجوز بالخل إجماعا لزوال الاسم عنه ، فكل ما غلب على الماء وأخرجه عن طبعه ألحقناه بالخل ، وما غلب عليه الماء وطبعه باق ألحقناه بالأول ، لأنه على حكم الإطلاق، وإضافته إليه كاضافته إلى العين والبئر ، وإن تغير بالطبخ لا يجوز كالمرق إلا ما يقصد به التنظيف كالسدر والحرض والصابون ما لم يثخن ، فانه يجوز لورود السنة بغسل الميت بذلك ( و) أما ( الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة لا يجوز الوضوء به) لقوله عليه الصلاة والسلام ((لايبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يتوضأ منه أو يشرب (٢))) قال ( إلا أن يكون عشرة أذرع فى عشرة) أذرع ؛ والأصل أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه والكثير لا ، لقوله عليه الصلاة والسلام فى البحر ((هو الطهور ماؤه)) واعتبرناه فوجدناه ما لا يخلص بعضه إلى بعض ، فنقول : كل ما لا يخلص بعضه إلى بعض لاينجس بوقوع النجاسة فيه ، وهذا معنى قولهم لا يتحرّك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر ، وامتحن المشايخ الخلوص بالمستحه فوجدوه عشرا فى عشر فقدروه بذلك تيسيرا . وقال أبو مطيع البلخى : إذا كان خمسة عشر فى خمسة عشر لايخلص ، أما عشرین فیعشرين لاأری فی نفسی شیئا ؛ وإن کان له طول ولا عرض له ، فالأصح أنه إن كان بحال لو ضم طوله إلى عرضه يصير عشرا فى عشر فهو كثير ؛ والمختار فى العمق ما لا ينحسر أسفله بالغرف ، ثم إن كانت النجاسة مرئية لايتوضأ من (١) قوله وماء المد فى القاموس ، المد : السيل . (٢) هذا الحديث رواه الكمال بن الهمام عن أبى داود بلفظ ((لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ولا يغتسلنَّ فيه من الجنابة)) ورواه عن الصحيحين بلفظ ((لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يغتسل منه أو فيه)) ثم تكلم بعد ذلك عن صلاحيته لإثبات المطلوب فراجعه إن شئت - ١٥ - وَالمَاءُ الْجَارِى إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ تَجَاسَةٌ وَلَمْ يُرّ لَهَا أَثَرُ جازَ الوُضُوءُ مِنْهُ، والأثَرُ طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ، وَمَا كانَ مانِىَّ المَوْلِدِ مِنَ الْحَيَوَانِ مَوْتُهُ فى المَاءِ لايُفْسِدُهُ (ف) وكَذَا ما لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ كالذَّابٍ وَالْبَعُوضِ والبَقّ ، وَمَا عَدَاهُما يُفْسِدُ المَاءَ القَلِيلَ، والمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لا يُطَهِّرُ الأحْداثَ، وَهُوَ ما أُزِيلَ (م) بِهِ حَدَثٌ، أوْ اسْتُعْمِلَ فِى البَدَنِ عَلَى وَجْهِ القُرْبَةِ وَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا موضع الوقوع للتيقن بالنجاسة برؤية عينها وإن كانت غير مرئية ، فلو توضأ منه جاز لعدم التيقن بالنجاسة لاحتمال انتقالها ؛ ومنهم من قال : لايجوز أيضا ، لأن الظاهر بقاوُها فى الحال . قال ( والماء الجارى إذا وقعت فيه نجاسة ولم ير لها أثر جاز الوضوء منه ) من أ. موضع شاء ( والأثر طعم أو لون أو ريح) لأنها لاتبقى مع الجريان ، والجارى : ما يعده الناس جاريا هو الأصح ، ولو وقعت جيفة فى نهر كبير لايتوضأ من أسفل الجانب الذى فيه الجيفة ويتوضأ من أسفل الجانب الآخر ؛ وإن کان النهر صغيرا إن كان يجرى أكثر الماء عليها لا يجوز ، وإن كان أقله يجوز ، وإن كان نصفه يجوز ، والأحوط الترك . وعن محمد فى ماء المطر إذا مر بالنجاسة ولا يوجد أثرها يتوضأ منه . لأنه كالجارى . قال (وما كان مائى المولد من الحيوان موته فى الماء لا يفسده) كالسمك والضفدع والسرطان لقوله عليه الصلاة والسلام ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) فاستفدنا به عدم تنجسه بالموت وإذا لم يكن نجسا لاينجس ما يجاوره ، ولأنه لادم فى هذه الأشياء وهو المنجس ، إذ الدموى لا يتوالد فى الماء ، وكذا لومات خارج الماء ثم وقع فيه لما بينا، ولو مات فى غير الماء كالخل واللبن روى عن محمد أنه لا يفسده ، وسواء فيه المنتفخ وغيره، وعنه أنه سوَّى بين الضفدع البرّی والمائی ؛ وقيل إن كان للبری دم سائل أفسده ، وهو الصحيح . قال ( وكذا ما ليس له نفس سائلة كالذباب والبعوض والبق ) إذا مات فى المائع لا يفسده ، لقوله عليه الصلاة والسلام (( إذا وقع الذباب فى طعام أحدكم فامقلوه (١) ثم انقلوه)) الحديث ، وأنه يموت بالمقل فى الطعام سيما الحار منه ، ولو كان موته ينجس الطعام لما أمر به . قال ( وما عداهما يفسد الماء القليل ) لأنه دموى ينجس بالموت فينجس ما يجاوره كالآدمى الميت إذا وقع فى الماء ينجسه ، لأنه تنجس بالموت . وإن وقع بعد الغسل فكذلك إن كان كافرا ، وإن كان مسلما لاينجسه ، لأنه لما حكم بجواز الصلاة على المسلم حكم بطهارته ولا كذلك الكافر فافترقا . قال ( والماء المستعمل لايطهر الأحداث ، وهو ما أزيل به حدث ، أو استعمل فى البدن على وجه القربة ) كالوضوء على الوضوء بنية العبادة ( ويصير مستعملا (١) قوله فامقلوه. قال فى مختار الصحاح: مقله فى الماء : غمسه ، وبابه نصر. - ١٦ - إِذَا انْفَصَلَ عَنِ العُضْرِ، وكُلّ إهابٍ (ف) دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ إلاَّ جِلْدَ الآدَمِى لِكَرَامَتِهِ، والْخِْزِيرِ لِنَجاسَةِ عَيْنِهِ، وَشَعْرُ المَيْئَةِ وَعَظْمُها طاهِرٌ، وَشَعْرُ الإنْسانِ وَعَظْمُهُ طاهِرٌ. إذا انفصل عن العضو ). وروى النسفى أنه لا يصير مستعملا حتى يستقر فى مكان ، والأول المختار . وقال محمد : لا يصير مستعملا إلا باقامة القربة لاغير ، وإنما يقع قربة بالنية ، وتظهر ثمرته فى الجنب المنغمس فى البئر لطلب الدلو فعندهما طاهران ، لأن النية عنده شرط فى صيرورة الماء مستعملا ، وليست بشرط فى إزالة الجنابة ؛ وعند أبى يوسف الرجل بحاله لعدم الصب ، والماء بحاله لعدم إزالة الحدث ؛ وعند أبى حنيفة هما نجسان : الماء لإزالته الجنابة عن البعض ، والرجل لبقاء الحدث فى باقى الأعضاء . وقيل يطهر من الجنابة ثم يتنجس بنجاسة الماء المستعمل حتى يجوز له قراءة القرآن ونحوه . وقيل هو طاهر لأن الماء لا يصير مستعملا إلا بعد الانفصال ، وعلى هذا لو توضأ محدث للتبرد يصير الماء مستعملا خلافا محمد ؛ ثم الماء المستعمل طاهر غیر طهور عند محمد ، وهو روايته عن أبى حنيفة، وهو اختيار أكثر المشايخ ، لأن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يتبادرون إلى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمسحون به وجوههم ولم يمنعهم، ولو كان نجسا لمنعهم كما منع الحجام من شرب دمه . وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه نجس نجاسة مغلظة لأنه أزال النجاسة الحكمية فصار كما إذا أزال الحقيقية ، بل أولى لأن النجاسة الحكمية أغلظ حتى لا يعفى عن القليل منها ؛ وعند أبى يوسف وهى روايته عن أبى حنيفة إن نجاسته خفيفة لمكان الاختلاف . وقال زفر : إن كان المستعمل محدثا فهو كما قال محمد ، وإن كان طاهرا فهو طهور ، لأنه لم يزل النجاسة فلم يتغير وصفه . قال ( وكل إهاب دبغ فقد طهر) لقوله عليه الصلاة والسلام ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)). قال ( إلا جلد الآدمى لكرامته ) فيحرم الانتفاع بشىء من أجزائه لما فيه من الإهانة ( و) إلا جلد ( الخنزير لنجاسة عينه ) قال الله تعالى - فانه رجس - وهو أقرب المذكورات فيصرف إليهم ؛ والفيل كالخنزير عند محمد ، وعندهما ينتفع به ويطهر بالذكاة ؛ وعن محمد: إذا أصلح مصارين ميتة أو دبغ المثانة طهرت حتى يتخذ منها الأوتار ، وما ظهر بالدباغ يطهر بالذكاة ، لأنها تزيل| الرطوبات كالدباغ ، والدباغ أن يخرجه من حد الفساد سواء كان بالتراب أو بالشمس أو غيرهما . قال (وشعر الميتة وعظمها طاهر ) لأن الحياة لاتحلهما حتى لا تتألم بقطعهما فلا يحلهما الموت وهو المنجس ، وكذلك العصب والحافر والخف والظلف والقرن والصوف والوبر والريش والسن والمنقار والمخلب لما ذكرنا ، ولقوله تعالى - ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها - امتنَّ بها علينا من غير فصل ( وشعر الإنسان وعظمه طاهر ) وهو الصحيح ، إلا أنه لا يجوز الانتفاع به لما بينا ؛ أما الخنزير فجميع أجزائه نجسة لما مر عن محمد أن - ١٧ - فصل إذَا وَقَعَتْ فى البِْرِ تجاسَةٌ فَأُخْرِجَتْ ثُمَّ نُزِحَتْ طَهُرَتْ، وإِذَا وَقَعَ فى آبارِ الفَلَوَاتِ مِنَ الْبَعْرِ والرَّوْثِ والأخْثاءِ لا يُنَجِّسُها مالَمْ يسْتَكِيُرْهُ النَّاظِرُ، وَخُرْءِ الحَمَامِ وَالعُصْفُورِ لا يُفْسِدُها (ف)، وإذَاَ ماتَ في البسْرِ فَأْرَةٌ أَوْ عُصفورةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا نُزِحَ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا إلى ثَلاثِينَ، وفى الحَمامَةِ والدّجاجة وَتَحْوِهِمَا مِنْ أَرْبَعِينَ إلى سِتِّينَ، وفى الآدَمِىّ والشَّةِ والكَلْبِ جَمِيعُ المَاءِ، وإنٍ انْتَفَخَ الحَيَوَانُ أوْ تَفَسَّخَ نُزِحَ جَمِيعُ المَاءِ ، شعره طاهر حتى يحل الانتفاع به ، وجوابه أنه رخص للخرازين للحاجة ضرورة . فصل ( إذا وقعت فى البئر نجاسة فأخرجت ثم نزحت طهرت ) والقياس أنه لا تطهر ، لأنه إذا تنجس الماء تنجس الطين ، فإذا نزح الماء بقى الطين نجسا ، فكلما نبع الماء نجسه لكنا خالفنا القياس باجماع السلف ، وما روى عنهم من الآثار غير معقول المعنى ، فالظاهر أنهم قالوه سماعا ( وإذا وقع فى آبار الفلوات من البعر والروث والأخثاء لاينجسها ما لم يستكثره الناظر ) لأن آبار الفلوات بغير حواجز ، والدواب تبعر حولها والرياح تلقيها فيها ، فكان فى القليل ضرورة دون الكثير . وحدُّه أن يأخذ ربع وجه الماء عن محمد ، وقيل ثلثه ، وقيل أن لا يخلو دلو من شىء منه ؛ والمختار ما ذكره فى الكتاب وهو أن يستكثره الناظر ، وهو المروى عن صاحب المذهب رضى الله عنه ، والرطب واليابس والصحيح والمنكسر سواء لعموم البلوى وآبار الأمصار كذلك ؛ وقيل يعتبر ما ذكرنا من الضرورة . قال ( وخرء الحمام والعصفور لا يفسدها ) لأنه ليس بنجنس على ما سيأتي إن شاء الله تعالى قال ( وإذا مات فى البئر فأرة أو عصفورة أو نحوهما نزح منها عشرون دلوا إلى الثلاثين) لما روى عن علىّ رضى الله عنه أنه ينزح منها دلاء، وعن أنس عشرون دلوا، وعن النخعى عشرون أو ثلاثون ، فالعشرون للإيجاب والثلاثون للاستحباب ؛ وعن محمد فى الفأرتين عشرون ، وفى الثلاث أربعون؛ وعن أبى يوسف فى الفأرة عشرون إلى أربع ، وفى الخمس أربعون إلى تسع ، وفى العشر جميع الماء . قال ( وفى الحمامة والدجاجة ونحوهما من أربعين إلى ستين ) هكذا روى عن أبى سعيد الخدرى ، ولأنها ضعف الفأرة فضعفنا الواجب ( وفى الآدمى والشاة والكلب جميع الماء ) هكذا حكم ابن عباس وابن الزبير فى بئر زمزم حين مات فيها الزنجى ، ولأنه لثقله ينزل إلى قعر البئر فيلاقى جميع الماء . قال ( وإن انتفخ الحيوان أو تفسخ نزح جميع الماء ) لأنه لايخلو عن بلة نجسة فتشيع ، فصار كما إذا وقعت ٢ - الاختيار -- أول - ١٨ - وَيُعْتَبَرُ فى كُلّ بِْرٍ دَلْوُها، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِخْوَاجُ جميعِ المَاءِ نُزِحَ مِّها مِائَتَا دَلْوٍ إلى ثَلاَثَمِائَةٍ . فصل سُؤْرُ الْآدَمِّ وَالفَرَسِ وَمَا يُؤْكَلُ ◌َحْمُهُ طاهِرٌ ، ابتداء ؛ ولو وقع الحيوان فى البئر ثم أخرج حيا فإن كان طاهرا كالآدمى وما يؤكل لحمه ، فإن لم يكن على بدنه نجاسة لم ينزح شىء ، وإن كان على مخرجه نجاسة نزح الجميع ، وكذلك سباع الطير والوحش وهو الصحيح ، وكذلك البغل والحمار لا يصير الماء مشكوكا فيه ، لأن بدن هذه الحيوانات طاهر ، وإن وصل الماء إلى لعابه أخذ حكمه . وذكر القدورى : إن كان الرجل محدثا نزح أربعون دلوا ، وإن كان جنبا فالجميع . وقال محمد : إن نوى الغسل أو الوضوء يصير مستعملا فيفسد وإلا فلا . وعن أبى حنيفة رضى الله عنه فى الكافر ينزح جميع الماء فانه لا يخلو بدنه من النجاسة غالبا . قال ( ويعتبر فى كل بثر دلوها ) لأن السلف أطلقوا فينصرف إلى المعتاد كما فى النقود ؛ وعن أبى حنيفة أنه قدره بالصاع ( وإذا لم يمكن إخراج جميع الماء نزح منها مائتا دلو إلى ثلثمائة) لأن غالب ماء الآبار لا يزيد على ذلك ، وهذا أيسر على الناس ، وهو المروى عن محمد . وقال أبو حنيفة: ينزح حتى يغلبهم الماء ولم يقدّر فيه شيئا، فيعمل بغلبة الظن ، فيرجع إلى قول رجلين لهما معرفة بذلك . وإذا نزح ما وجب نزحه وحكم بطهارة البئر طهر الدلو والرشا والبكرة ونواحيها ويد المستقى ، مروى ذلك عن أبى يوسف رحمه الله . فصل ( سور الآدمى والفرس وما يؤكل لحمه طاهر ) الأسار أربعة : طاهر غير مكروه ، وهو سؤر الآدمى جنبا كان أو حائضا أو مشركا ، لأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم شرب وأعطى فضل سوره أعرابيا عن يمينه فشرب ، ثم شرب أبو بكر سؤر الأعرابى ؛ وأراد صلى الله عليه وسلم أن يصافح أبا هريرة فقال: إنى جنب، فقال صلى الله عليه وسلم ((المؤمن لاينجس)) وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة رضى الله عنها ((ناولينى الخمرة (١) قالت إنى حائض ، قال : ليست حيضتك فى يدك )) إشارة إلى أن النجس موضع الحيض ، ولأن بدن الإنسان طاهر مسلما كان أو كافرا ، فان النبى صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف فى المسجد ، ولو كانت أبدانهم نجسة لم ينزلهم فيه تنزيها له وكذا سؤر ما يؤكل لحمه لأنه متولد من لحمه فيكون طاهرا كاللبن إلا الدجاجة المخلاة والإبل والبقر الجلالة فانه مكروه (١) الخمرة بضم الخاء : سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وترمَّل بالخيوط اهـ صحاح . - ١٩ - والثَّانِى مَكْرُوهٌ وَهُوَ سُؤْرُ الْهِرَّةِ والدَّجَاجَةِ المُخَلَأَّةِ، وَسَوَاكِنِ البُيُوتِ،، وَسِباعِ الطَّيْرِ. والثَّالِثُ نَجِسٌ وَهُوَسُؤْرُ الْخِْزِيرِ وَالكَلْبِ وَسِباعِ التبها ثمٍ (ف) والرّابِعُ مَشْكُوْكٌ فِيهِ، وَهُوَ سُؤْرُ البَغْلِ والحِمَارِ (ف)، وَعِنْدَ عَدَمِ المَاءِ يَتَوَضَّأُ وَيَنَمَّمُ. باب التيمم لاحتمال بقاء النجاسة على منقارها وفها ، وكذا سور الفرس، لأن كراهة لحمه عند أبى حنيفة لاحترامه لالنجاسته ، وعنه أنه مکروہ کلحمه . ( والثانی ) طاهر ( مكروه ، وهو سؤر الهرة والدجاجة المخلاة وسواكن البيوت ) كالحية والعقرب والفأرة ، لأن نجاسة لحمها توجب نجاسته ، إلا أنه لما لم يمكن الاحتراز عنه لكونها من الطوافات علينا كما أشار إليه النص فقلنا بالطهارة مع الكراهة ، (و) كذا سؤر (سباع الطير ) لأن الأصل طهارة المنقار إلا أنها تأكل الميتات فقلنا بالكراهة ، والماء المكروه إذا توضأ به مع وجود الماء المطلق كان مكروها ، وعند عدمه لا يكون مكروها . ( والثالث نجس ، وهو سؤر الخنزير والكلب وسباع البهائم ) أما الخنزير فلأنه نجس العين ولعابه يتولد من لحمه . وأما الكلب فلأن النبى عليه الصلاة والسلام أمر بغسل الإناء من ولوغه ثلاثا ، وفى رواية سبعا ، ولسانه يلاقى الماء دون الإناء فكان أولى بالنجاسة . وأما سباع البهائم فلأن فيه لعابها ، وأنه نجس لتولده من لحم نجس كاللبن بخلاف العرق فان فيه ضرورة لعموم البلوى . ( والرابع مشكوك فيه وهو سؤر البغل والحمار ) لتعارض الأدلة ، فان حرمة اللحم واللبن دليل النجاسة ، وطهارة العرق دليل الطهارة ، فان النبى صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار معروريا فى حرّ الحجاز ويصيب العرق ثوبه ، وكان يصلى فى ذلك الثوب . ومعنى الشك التوقف فيه فلا ينجس الطاهر ولا يطهر النجس ( وعند عدم الماء يتوضأ به ويتيمم ) احتياطا للخروج عن العهدة ، وأيهما قدم جاز ، لأن المطهر منهما غير متيقن فلا فائدة فى الترتيب . وقال زفر : يبدأ بالوضوء ليصير عادما للماء حقيقة . وجوابه إن كان طهورا فالتيمم ضائع قبله أو بعده ، وإن كان غير طهور فالتيمم معتبر سواء كان قبله أو بعده ، ولا معنى لاشتراط الترتيب ، ثم قيل الشك فى طهارته لتعارض الأدلة ؛ وعن محمد الشك فى طهوريته لأنا لانأمره بغسل الأعضاء إذا توضأ به بعد ما وجد الماء ، وعرق كل دابة مثل سورها . باب التيمم وهو فى اللغة مطلق القصد ، قال الشاعر : ولا أدرى إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يلينى - ٢٠ - مَنْلَمْ يَقْدِرْ عَى اسْتِعْمَالِ الماءِ لِبُعْدِهِ مِيلاً أَوْ لِمَرَضٍ (ف) أَوْ بَرْدٍ (ف) أوْ خَوْفٍ عَدُوّ أَوْ عَطَشٍ أوْ عَدَمَ آلَةٍ، يَتَيَمَّمُ بِمَا كانَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَرْضِ كاثُّرَابِ والرّمْلِ والخِصّ (فس) والكُّحْلِ (فس) وَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الطَّهَارَةِ والنِّيَّة (ز) ، وفى الشرع قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة ، وسبب وجوبه ما هو سبب وجوب الوضوء ، وشرط جوازه العجز عن استعمال الماء لأنه خلف الوضوء ، فلا يشرع معه ، والأصل فى جواز التيمم قوله تعالى - فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا - وقوله صلى الله عليه وسلم (( التيمم كافيك ولو إلى عشر حجج ما لم تجد الماء )). قال ( من لم يقدر على استعمال الماء لبعده ميلا أو لمرض أو برد أو خوف عدو أو عطش أو عدم آلة ) يستقى بها ( يتيمم بما كان من أجزاء الأرض كالتراب والرمل والجصّ والكحل ) أما بعد الماء فلقوله تعالى - فلم تجدوا ماء فتيمموا - ، وأما التقدير بالميل فلما يلحقه من الحرج بذهابه إليه وإيابه ، والميل : ثلث فرسخ ، وأما المرض فللآية ؛ وسواء خاف ازدياد المرض أو طوله ، أو خاف من برد الماء أو من التحريك للاستعمال ، لأن الآية لاتفصل ؛ وكذلك الصحيح إذا خاف المرض من استعمال الماء البارد لما فيه من الحرج ، ويستوى فيه المصر وخارجه ، وقالا: لا يجوز التيمم فى المصر ، لأن الغالب . قدرته على الماء المسخن . قلنا لا نسلم ذلك فى حق الغريب الفقير ، على أن الكلام عند عدم القدرة فيكون عاجزا فيتيمم بالنص ؛ وكذلك لو حال بينه وبين الماء عدو أو سبع لأنه عادم حقيقة ، وكذلك إن كان معه ماء ونخاف العطش لو استعمله فإنه يتيمم ، لأنه عادم حكما، إما لخوف الهلاك، أو لأنه مشغول بالأهم فصار عادما ، وكذلك إذا كان على بئر وليس معه ما يستقى به لأنه عادم أيضا حكما ، ويتيمم بما كان من أجزاء الأرض لقوله تعالى - صعيدا طيبا - والصعيد : ما يصعد على وجه الأرض لغة، والطيب: الطاهر، وحمله على ذلك أولى من حمله على المنبت ، لأن المراد من الآية التطهير لقوله تعالى - ولكن يريد ليطهركم - فكان إرادة الطاهر أليق ، وهو حجة على أبى يوسف فى التخصيص بالتراب والرمل ، وعلى الشافعى فى التخصيص بالتراب لاغير بناء على أن المراد بالطيب المنبت ، ولأن الطيب اسم مشترك بين الطاهر والمنبت والحلال . وإرادة ما ذكرنا أولى لما بينا، ثم كل ما لايلين ولا ينطبع بالنار فهو من جنس الأرض ، وكل ما يلين وينطبع أو يحترق فيصير رمادا ليس من جنس الأرض ، لأن من طبع الأرض أن لاتلين بالنار ( ولا بد فيه من الطهارة ) لما قدَّمنا (و) لابد من ( النية ) وهى أن ينوى رفع الحدث أو استباحة الصلاة . وقال زفر : لا تشترط النية كالوضوء . ولنا أنه مأمور بالتيمم وهو القصد ؛ والقصد : النية فلا بد منها ، بخلاف الوضوء فانه مأمور بغسل الأعضاء وقد وجد