النص المفهرس
صفحات 581-600
الجزء التاسع
٥٧٩
باب طلاق المريض
بذلك الحالِ (ومات) فيه، فلو صَحَّ ثُمَّ ماتَ في عِدَّتِها لم تَرِثْ.
المُصاهَرةِ، وليس لنا إلاَّ اتّباعُ النَّصِّ، "ط)(١).
قلت: وفي "جامع الفصولين"(٢) أيضاً: ((جامَعَها ابنُ مريضٍ مُكرَهةً لم تَرِثْهُ إِلاَّ إِنْ أمَرَهُ
الأَبُ بذلك، فَيَتَقِلُ فعلُ الابنِ إلى الأبِ في حقِّ الفُرقةِ، فَيَصيرُ فارًّ)) اهـ، ومثلُهُ في "الذَّخيرة"
معزّاً لـ "الأصل"، وكذا في "الولوالحيَّة(٣) و"الهنديَّةِ"(٤)، ولـ "الرَّحمِّ" هنا كلامٌ مُصادِمٌ للمنقولِ،
فهو غيرُ مقبول.
[١٤٠٩٩] (قولُهُ: بذلك الحالِ) بدلٌ من قولِهِ: ((كذلك))، والمرادُ به حالُ غَلَبَةِ الهلاكِ من
مرضٍ ونحوِهِ، واحترَزَ به عمَّا إذا طَلَّقَ في الصِّحَّةِ، ثمَّ مَرِضَ وماتَ وهي في العِدَّةِ لا تَرِثُ منه،
"بحر "(٥)، أي: إلاّ(٦) إذا كان الطَّلاقُ رجعياً، فإنّها تَرِثُ، وكذا يَرِثُها لو ماتَتْ في العِدَّةِ، "جامع
الفصولين(٧). وفيه(٨): ((قال في مرضِهِ: قد كنتُ أَبْتُكِ في صحَّتْ، أو تَزَوَّجُتُكِ بلا شهودٍ، أو
بيننا رَضاعٌ قبلَ النّكاح، أو تَزَوَّجْتُكِ في العِدَّةِ وأنكَرَت المرأةُ ذلك بأنَتْ منه وتَرِثُهُ لا لو صَدَّقَتْهُ)).
[١٤١٠٠] (قولُهُ: فلو صَحَّ) الأولى: فلو زالَ ذلك الحالُ. اهـ "ح"(٩)، أي: لَيَعُمَّ ما لو عاد
الُبارِزُ إلى الصَّفِّ، أو أُعِيدَ الْمُخرَجُ للقتلِ إلى الحَبْسِ، أو سكْنَ الموجُ ثمَّ مات، فهو كالمريض إذا
بَرِكَ من مرضِهِ كما في "البدائع"(١٠)، وعزاه إليها في "الفتاوى الهنديَّةِ"(١١)، وَيُؤْيِّدُهُ ما قدَّمناه(١٢)
(١) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٦/٤.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون - كتاب الطلاق ٢٤٠/٢ نقلاً عن "الأصل".
(٣) "الولوالجية": كتاب الطلاق - الفصل الثالث في الاستثناء وطلاق المريض ق ٧١/ب.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الباب الخامس في طلاق المريض ٤٦٢/١.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٦/٤.
(٦) ((إلا)) ساقطة من "م".
(٧) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون - كتاب الطلاق ٢٣٨/٢ بتصرف، نقلاً عن "محيط الديناري".
(٨) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون - كتاب الطلاق ٢٤٠/٢ باختصار، نقلاً عن "الفتاوى الصغرى".
(٩) "ح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق ١٩٣/أ.
(١٠) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل في أحكام العدة ٢٢٤/٣.
(١١) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الباب الخامس في طلاق المريض ٤٦٣/١.
(١٢) المقولة [١٤٠٨٧] قوله: ((أو بقي على لوح على السفينة)).
حاشية ابن عابدين
قسم الأحوال الشخصية
٥٨٠
(بذلك السَّبَبِ) موتِهِ (١) (أو بغيرِهِ) كأنْ يُقْتَلَ المريضُ أو يموتَ بجهةٍ أخرى (في العِدَّةِ) ...
عن "الإسبيجابيّ" من التّصريح: ((بأَنَّه لو سكّنَ الموجُّ ثمَّ مات لا تَرِثُ))، لكنْ في "الفتح"(٢):
((ولو قُرِّبَ للقتلِ فِطَلَقَ، ثمَّ خُلِّيَ سبيلُهُ أو حُبِسَ، ثمَّقُتِلَ أو مات فهو كالمريضِ تَرِثُهُ؛ لأنّه ظهَرَ
فرارُهُ بذلك الطَّلاقِ ثُمَّ ترتّبَ موتُهُ، فلا يُبالَى بكونِهِ بغيرِهِ)) اهـ، ومثلُهُ في "معراج الدِّراية" بدُونِ
تعليلٍ، وتَبِعَهُ في "البحر"(٣) و"الّهر" (٤).
وهو مُشكِلٌ لأَنَّه يَلزَمُ عليه أنَّ المريضَ لو صَحَّ ثمَّ مات أنْ تَرِثَّهُ لصدقِ التَّعليلِ المذكورِ عليه،
مع أَنَّه خلافُ ما أَطِبَقُوا عليه من اشتراطِهِم موتَهُ في ذلك الوجهِ، أي: الوجهِ الذي هو حالةُ غَلَبَةٍ
الهلاكِ، ولا شَكَّ أَنَّه بعدَما خُلِّيَ سبيلُهُ أو أُعِيدَ للحَبْسِ ثمَّ مات لم يَمُتْ في ذلك الوجهِ، بل ماتَ
في غيرِهِ في حالةٍ لا يَغْلِبُ فيها الهلاكُ، ولذا لو طَلّقَ وهو في الحَبْسِ قبل إخراجِهِ للقتلِ لم يكن فارًا،
فكذا بعدَ إِعادتِهِ إليه، نعم [٣/ ق ٢٩٦/أ] ما ذَكَرَ من التّعليل إنما يصحُّ لموتِهِ في ذلك الوجهِ بسببٍ آخرَ
كموتِ المريض بقتلٍ وموتٍ مَن أُخرِجَ للقتلِ بافتراسِ سَبْعٍ ونحوِهِ.
والظّاهرُ: أنَّ في عبارةِ "الفتح" سَقْطاً من قَلَمِ النَّاسخ، والأصلُ في العبارة: فهو كالمريضِ إذا
بَرِكاً، بخلافٍ موتِهِ بسببٍ غيرِهِ، فإنّها تَرِثُهُ؛ لأَنَّه ظهَرَ فرارُهُ إِلَخْ، فليُتأمَّل.
[١٤١٠١] (قولُهُ: بذلك السَّببِ) متعلّقٌ بقولِهِ: ((ومات))، لكنَّ زيادةَ "الشَّارح" قولَهُ:
((موتُهُ)) اقْتَضَتْ إعرابَهُ خَبَراً مُقدَّمً، و((موتُهُ)) مبتدأً مُؤخّراً، ولا حاجةَ إلى هذه الزِّيادةِ، وقد
سَقَطَتْ من بعض النُّسخِ.
[١٤١٠٢) (قولُهُ: في العِدَّةِ) والقولُ لها في أَنَّه مات قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ مع اليمين، فإنْ نَكَّلَتْ
فلا إرثَ لها، ولو تَزَوَّجَتْ قبلَ موته ثمَّ قالت: لم تَنْقَضِ عِدَّتي لا يُقبَلُ قولُها، ولو كانَتْ أَمَةٌ
(١) ((موته)) ساقطة من "و".
(٢) "الفتح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤ /٨ - ٩.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥١/٤.
(٤) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٩/أ.
الجزء التاسع
٥٨١
باب طلاق المریض
للمدخولةِ (وَرِثَتْ) هي منه لا هو منها؛ لرِضاهُ بإسقاطِهِ حقَّهُ، وعند "أحمدَ" تَرِثُ
بعد العِدَّةِ ما لم تتزوَّجْ بآخرَ.
(وكذا) تَرِثُ (طالبةُ رجعيَّةٍ).
قد عَتَقَتْ وماتَ الزَّوجُ، فَادَّعَت العِثْقَ في حياتِهِ، وادَّعَت الورثةُ أَنَّه بعدَ موتِهِ فالقولُ لهم، ولا يُعْتَبَرُ
٥٢٢/٢ قولُ المولى، كما إذا ادَّعَتْ أَنَّهَا أَسلَمَتْ في حياتِهِ وقالت الورثةُ: بعدَ موتِهِ فالقولُ لهم، وتمامُهُ
في "البحر"(١) عن "الخانيَّة"(٢).
[١٤١٠٣] (قولُهُ: للمدخولةِ) أي: المدخول بها حقيقةً، أعني: الموطوءةَ؛ ليَخرُجَ المُختَلَى بها،
فإِنّها وإنْ وَحَبَتْ عليها العِدَّةُ لكنّها لا تَرِثُ كما مَرَّ(٣) في بابِ المهر في الفَرْقِ بين الخلوةِ
والدُّخول، أفادَهُ "ط" (٤)، فافهم.
[٤١٠٤) (قولُهُ: لا هو منها) أي: لو أبانَها في مرضِهِ فماتَتْ هي قبلَ انقضاءٍ عِدَّتِها لا يَرِثُ
منها، بخلاف ما لو طَلَّقَها رجعيّاً كما يأتي(٥).
[١٤١٠٥] (قولُهُ: وعند "أحمد" إلخ) وعن "مالكٍ": وإِنْ تَزَوَّجَتْ بأزواجٍ، وعند "الشَّافعيِّ"
لا تَرِثُ الْمُختَلَعَةُ والمطلّقةُ ثلاثً، وغيرُهما تَرِثُ؛ لأنَّ الكناياتِ عنده رَوَاجِعُ، "در منتقى)"(٦).
[١٤١٠٦) (قولُهُ: وكذا تَرِثُ طالبةُ رجعيَّةٍ) أي: في مرضِهِ كما هو الموضوعُ، واحترَزَ
بالرَّجعيَّة عمَّا لو أبانَها بأمرِها كما يَذكرُهُ.
(قولُهُ: فادَّعَتِ العِقَ في حياتِهِ إلخ) أي: قبلَ الطَّلاقِ وهو مريضٌ، أو قبلَ مرضِهِ حتَّى تتحقَّقَ
أهلَُّها للميراثِ وقتَ الطَّلاقِ؛ إذ الشَّرطُ أهلَيُّنُها للميراثِ وقتَ الطَّلاقِ أيضاً.
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٧/٤.
(٢) "الخانية": كتاب الطلاق - باب العدة - فصل في المعتدة التي ترث ٥٥٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [١٢٠٢٠] قوله: ((والميراث)).
(٤) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٦/٢.
(٥) المقولة [١٤١١٠] قوله: ((ويتوارثان في العدّة مطلقاً)).
(٦) "الدر المنتقى": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٢٨/١ (هامش "مجمع الأنهر").
قسم الأحوال الشخصية
٥٨٢
حاشية ابن عابدين
أو طلاقٍ فقط (طُلِّقَتْ) بائناً أو (ثلاثاً) لأنَّ الرَّجعيَّ لا يُزِيلُ النِّكَاحَ، حتّى حَلَّ(١)
وطؤها، ويتوارثان في العِدَّةِ مطلقاً، وتكفي أهليَّتُها للإرثِ وقتَ الموتِ ...
.....
[١٤١٠٧] (قولُ: أو طلاقٍ فقط) أي: بأنْ قالت له في مرضِهِ: طَلّقني، فطَلِّقَها ثلاثاً فماتَ في
العِدَّةِ تَرِثُهُ؛ إذ صار مُبتدِئاً، فلا يَبطُلُ حَقُّها في الإرثِ كقولها: طَلّقْني رجعيّةً فأبَنَها، "جامع
الفصولين"(٢).
[١٤١٠٨) (قولُهُ: لأنَّ الرَّجعيَّ لا يُزِيلُ النّكاحَ) أي: قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ، أي: فلم تكن راضيةً
بإسقاطِ حقّها بخلافٍ ما لو طَلَبت البائنَ.
[١٤١٠٩) (قولُهُ: حَتَّى حَلَّ وَطْؤها) أي: بُدُونِ تجديدٍ عَقْدٍ، لكنْ إذا كان الوطءُ قبلَ المراجعةِ
بالقول كان هو مُراجعةً مكروهةً.
[١٤١١٠) (قولُ: ويَتَوارثانِ في العِدَّةِ مطلقاً) أي: سواءٌ كان طلاقُهُ لها في صحَّتِهِ أو مرضِهِ،
برضاها أو بدُونِهِ [٣/ق٢٩٦/ ب] كما في "البدائع"(٣)، فَأَيُّهما مات وهي في العِدَّةُ تَرِثُهُ الآخرُ بخلاف
ما بعد العدَّةِ؛ لأَنّه زالَ النّكاحُ، وقدَّمنا (٤) قريباً أنَّ القول لها في أنَّه ماتَ قبل انقضاءِ العدَّة.
بقي هنا مسألةٌ هي واقعةُ الفتوى، سُئِلِتُ عنها ولم أَرَها صريحةٌ: فِي رَجُلٍ طَلَّقَ زوجَتَهُ المريضةَ
طلاقاً رجعيّاً ثمَّ مَتَتْ بعدَ شهرين، فادَّعَى عدمَ انقضاءِ العِدَّةِ لِيَرِثَ منها، وادَّعَى وَرَتُها انقضاءِها،
وهي لم تُقِرَّ قبل موتها بانقضائها ولم تَبْلُغْ سِنَّ اليأسِ فهل القولُ له أو لهم؟ والذي يَظهَرُ لي أنَّ القولَ
للزَّوجِ؛ لأنَّ سببَ الإرثِ - وهو الزَّوجِيَّةُ - كان مُتحقّقً؛ لأنَّ الرَّجعيَّ لا يُزِيلُهُ، فلا يَزُولُ بالاحتمالِ،
وهي لو ادَّعَتْ قبل موتِها انقضاءَها في مُدَّةٍ تَحَتَمِلُهُ يكونُ القولُ لها؛ لأَنّه لا يُعلَمُ إلاَّ من جِهَتِها
بخلاف وَرَتِتِها، فتأمَّل.
(١) في "و": ((يحل)).
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون - كتاب الطلاق ٢٤٠/٢ نقلاً عن "قاضي خان".
(٣) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل في أحكام العدة ٢١٨/٣.
(٤) المقولة [١٤١٠٢] قوله: ((في العدة)).
الجزء التاسع
٥٨٣
باب طلاق المريض
بخلاف البائن.
(وكذا) تَرِثُ (مُبانةٌ قَبَّلَتْ) أو طاوَعَت (ابنَ زوجِها) لمجيءِ الحرمةِ يبينونِهِ.
(ومَن لاعَنَها في مرضِهِ أو آلى منها مريضاً كذلك) أي: تَرِثُهُ لِما مرَّ (وإنْ آلى
في صحَّتِهِ وبانَتْ به) بالإِيلاءِ (في مرضِهِ، أو أبانَها في مرضِهِ فصَحَّ.
[١٤١١١) (قولُهُ: بخلافِ البائنِ) فإنَّ فيه لا بدَّ من استمرارِ الأهليّةِ من وقتِ الطّلاقِ إلى وقتٍ
الموت كما يَذْكرُ(١) قريباً.
[١٤١١٢) (قولُهُ: وكذا تَرِثُ مُبانةٌ إلخ) أي: مَنْ طَلَّقَها بائناً، فَّدَ بها لأنها لو كانَتْ مُطلَّقةٌ
رجعيَّةٌ لا تَرِثُ كما يَذكرُهُ(٢) "المصنّفُ"، وكذا لو بانَتْ بتقبيلِ ابن الزَّوجِ ولو مُكرَهةٌ كما مَرَّ(٣).
(١٤١١٣) (قولُهُ: لمجيءِ الحُرْمةِ بَسْئُونِهِ) أي: فكانَ الفِرارُ منه.
[١٤١١٤) (قولُهُ: ومَن لاعَنَها في مرضِهِ) أطلَقَهُ فشَمِلَ ما إذا كان القَذْفُ في الصِّحَّةِ أو في
المرض، وقال "محمَّدٌ": إنْ كان القذفُ في الصِّحَّةِ وَاللّعانُ في المرضِ لم تَرِثْ، "نهر "(٤).
[١٤١١٥) (قولُهُ: أو آلَى منها مريضاً) أرادَ به أنْ يكونَ مُضيُّ المدَّةِ في المرضِ أيضاً، "بحر"(٥).
[١٤١١٦) (قولُهُ: لِمَا مَرَّ(٦)) أي: من أنَّ الفُرقةَ جاءَتْ بسببٍ منه، قال في "الهداية"(٧):
((وهذا مُلحَقٌّ بالتّعليقِ بفعلٍ لا بدَّ منه؛ إذ هي مُلحِئةٌ إلى الخصومةِ لدَفْعِ العارِ عنها)).
[١٤١١٧] (قولُهُ: وإِنْ أَلَى في صحَّتِهِ إلخ) وجهُ عدمِ الإرثِ فيها أنَّ الإِيلاءَ في معنى تعليقِ
(١) ص ٥٨٤- "در".
(٢) ص ٥٨٤- "در".
(٣) المقولة [١٤٠٩٨] قوله: ((أو جامعها ابنه مكرهة)).
(٤) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٩/ب.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٣/٤.
(٦) انظر "الدر" من نفس الصحيفة.
(٧) "الهداية": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٦/٢.
قسم الأحوال الشخصية
٥٨٤
حاشية ابن عابدين
فماتَ، أو أبانَها فارتَدَّتْ فأسلَمَتْ) فماتَ (لا) تَرِثُّهُ؛ لأَنَّه لا بدَّ أنْ يكونَ المرضُ الذي
طلِّقَها فيه مرَضَ الموتِ، فإذا صَحَّ تَبَيَّنَ أنَّه لم يكن مرضَ الموت، ولا بدَّ في البائنِ
أنْ تَستمِرَّ أهليّتُها للإرثِ مِن وقتِ الطَّلاقِ إلى وقتِ الموت، حتَّى لو كانت كتابَّةً
أو مملوكةً وقتَ الطَّلاقِ، ثمَّ أسلَمَتْ أو أُعْتِقَتْ لم تَرِثْ (كما) لا تَرِثُ (لو طلِّقَها
رجعيًّ) أو لم يُطلِّقْها (فطاوَعَتْ) أو قَبَّلَتِ (ابنَهُ) ..
الطَّلاقِ بمضيِّ أربعة أشهرٍ خاليةٍ عن الوِقاعِ، ولا بدَّ أنْ يكون التعليقُ والشَّرطُ في مرضِهِ، وهنا وإنْ
تَمَكَّنَ من إبطالِهِ بالفَيْءٍ لكنْ بِضَرَرٍ يَلزَمُهُ وهو وجوبُ الكفّارةِ عليه، فلم يكن مُتمكّناً، البحر"(١).
[١٤١١٨] (قولُهُ: فمات) أي: في عِدَّتِها كما مَرَّ(٢).
[١٤١١٩) (قولُهُ: لأَنَّه لا بدَّ إلخ) تعليلٌ للمسألةِ الثَّانيةِ، "ط" (٣).
[١٤١٢٠) (قولُهُ: ولا بدَّ في البائنِ إلخ) تعليلٌ للمسألةِ الثّالثةِ، أي: والرِّدَّةُ تَقْطَعُ أهلَيَّةِ الإرثِ،
"ط " (٤).
[١٤١٢١) (قولُهُ: أو لم يُطلّقْها) أي: لا فَرْقَ بين الطَّلاقِ الرَّجعيِّ وعدمِ الطَّلاقِ أصلاً.
[٤١٣٢ ١) (قولُهُ: فطاوَعَتْ) المُطاوَعةُ ليست [٣/ق٢٩٧/أ] بقَيْدٍ؛ إذ لو كانت مُكرَهةٌ لا تَرِثُ
أيضاً؛ لأنّه لم يُوجَدْ من الزَّوجِ إبطالُ حقِّها كما في "البحر"(٥) عن "البدائع"(٦)، لكنْ لو أمَرَهُ أبوه
بذلك وَرِثَتْ كما قدَّناه(٧).
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٣/٤.
(٢) صـ ٥٧٩- "در".
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٦/٢.
(٤) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٧/٢.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٣/٤.
(٦) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل في أحكام العدة ٢٢٠/٣.
(٧) المقولة [١٤٠٩٨] قوله: ((أو جامعها ابنه مكرهة)).
الجزء التاسع
٥٨٥
باب طلاق المريض
لمجيءِ الفُرقةِ منها (أو أبانَها بأَمْرِها) قَّدَ به لأنّها لو أبانَتْ نفسَها فأجازَ وَرِثَتْ
عملاً بإجازتِهِ، "قنية"(١). (أو اختَلَعَتْ منه أو اختارَتْ نفسَها).
(١٤١٢٣] (قولُهُ: لمجيءِ الفُرقةِ منها) أي: فكانَتْ راضيةً بإسقاطٍ حَقِّها.
[١٤١٢٤] (قولُهُ: أو أبانَها بأَمْرِها) يَصدُقُ بما إذا سألَنْهُ واحدةً بائنةٌ فطَلّقَها ثلاثاً، فقولُهُ في
"البحر"(٢): ((لم أرَ حكمَهُ)) أي: صريحاً، ثمَّ قال - كما يوجدُ في بعضِ نسخ "البحر ": ((وينبغي أنْ
لا ميراثَ لها؛ لرضاها بالبائنٍ)) اهـ.
[١٤١٢٥] (قولُهُ: عَمَلاً بإجازتِهِ) لأنّها هي المُبطِلةُ للإرثِ، واعترضَهُ في "النّهر"(٣): ((بأنَّ هذا
لا يُحدِي نفعاً فيما إذا كان الطَّلاقُ في مرضِهِ؛ إذ دليلُ الرِّضا فيه قائمٌ)) اهـ.
قلت: فيه نظرّ؛ لأَنّهَا رَضِيَتْ بطلاقٍ موقوفٍ غيرِ مُبْطِلٍ لحقّها، ولا يَلَمُ منه رضاها بما
يُطِلُهُ، وعبارةُ " جامع الفصولين "(٤): ((وليس هذا كطلاقٍ بسؤالِها؛ إذ لم تَرْضَ بِعَمَلِ الُبطِلِ؛ إذ
قولُها: طَلَّقْتُ نفسي لم يكن مُبطِلاً، بل يَتَوقّفُ على إجازتِهِ، فإذا أجازَ في مرضِهِ فكأنّه أنشَأَ
الطَّلاقَ، فكان فارّاً)) اهـ، فافهم.
[١٤١٢٦] (قولُهُ: أو اختَلَعَتْ منه) فَيَّدَ به لأَنّه لو خَلَعَها أجنبيٌّ من زوجِها المريضِ فلها الإرثُ
لو مات في العِدَّةِ؛ لأَنَّها لم تَرْضَ بهذا الطَّلاقِ، فيصيرُ الزَّوجُ فارًّاً، "بحر "(٥) عن "جامع
الفصولين"(٦).
(١) لم نعثر عليها في مظانها من "القنية" بعد طول بحث.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٩/٤.
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٨/ب.
(٤) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون - كتاب الطلاق ٢٤١/٢، نقلاً عن "فتاوى صاحب المحيط".
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٨/٤.
(٦) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون - كتاب الطلاق ٢٣٨/٢ بتصرف.
قسم الأحوال الشخصية
٥٨٦
حاشية ابن عابدين
ولو ببلوغٍ وعتقٍ وجَبٌّ وعِنَّةٍ لم تَرِثْ لرضاها.
(ولو) كان الزَّوجُ (محصوراً) بحبسٍ (أو في صفِّ القتالِ)
قلت: ومُفادُ التّعليلِ أنَّ الأجنبيَّ لو خَلَعَها من زوجِها على مهرِها وأجازَتْ فعلَهُ تَرِثُ أيضاً؛
٥٢٣/٢ لأنَّ إجازتَها حَصَلَتْ بعد البيئونةِ، فلم تُؤثّرْ فيها بل أثَّرَتْ فِي سُقُوطِ مهرِها، فقد ثبَتَ الفِرَارُ قبلَ
الإِجازة، فلا يَرتفِعُ بها، فلا يصحُّ أنْ يقال: إنَّها لا تَرِثُ؛ لأنَّ دليل الرِّضا قائمٌ؛ لأنَّ(١) المُعتبَرَ قيامُهُ
قبلَ البينونة لا بعدها، فافهم.
[١٤١٢٧) (قولُهُ: ولو بُوخِ إلخ) أفادَ أنَّه غيرُ مقصورٍ على اختيارِ بتفويضِ الطَّلاقِ، لا يقال:
إِنَّ الفُرقةَ في خيارِ الْبُلُوغِ تتوقّفُ على فسخِ القاضي فلم تكن بفعلها، فصار كما لو أبانَتْ نفسَها
فأجازَهُ الزَّوجُ؛ لأنَّ فسخَ القاضي موقوفٌ(٢) على طَلِها ذلك منه، فصار كطَلِها البائنَ من
زوجها، وذلك رضا، هذا ما ظهَرَ لي.
[١٤١٢٨) (قولُهُ: لرِضاها) أي: لأنَّ الفُرقةَ وَقَعَتْ باختيارِها؛ لأنّها تَقدِرُ على الصَّبْرِ عليه،
"بدائع"(٢).
[١٤١٢٩) (قولُهُ: محصوراً بحبسٍ) عبارتُهُ في "الدُّرِّ المنتقى" (٤): ((في حِصْنٍ))، وكذا عبارةٌ
غيرِهِ، والحَصْرُ وإن كان بمعنى المَنْعِ وَيَشْمَلُ الَخَيْسَ والحِصْنَ لكنَّ مسألةَ الَحَيْسِ ذَكَرَها بعدُ، وقولُهُ:
(( أو في صفِ القتالِ)) احترازٌ عمَّا إذا خرَجَ عن الصَّفِّ [٣/ق٢٩٧ /ب] للمُبارَزَةِ، فإنَّه يكونُ فارّاً
(قولُهُ: ومغادُ التّعليلِ أنَّ الأجنبيَّ لو خَلَعَها مِنْ زَوجِها على مهرِها إلخ) لكنَّ مُقْتضى قولِهِم: ((الإجازةُ
اللّحقةُ كالوكالةِ السَّابقةِ)). أنْ لا ميراثَ لها، وهكذا كلُّهُ على أنَّ الطَّلاقَ واقِعٌ بدونِ إجازةٍ، وعلى أنَّه غيرُ
واقعٍ إلاّ بالإجازةِ منها فلا ميراثَ لها، ويأتي في الخلعِ الخِلافُ في الوقوعِ.
(١) في "ب": ((لا)) بدل ((لأن)).
(٢) في "ب": ((موقوفاً))، وهو خطأ.
(٣) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل في أحكام العدة ٢٢٢/٣.
(٤) "الدر المنتقى": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٢٩/١ (هامش "مجمع الأنهر").
الجزء التاسع
٥٨٧
باب طلاق المریض
ومثلُهُ حالُ فُشُوِّ الطَّاعون، "أشباه". (أو قائماً بمصالحِهِ خارجَ البيت مُشتكِياً) من أَلَمٍ ..
كما مَرَّ(١)، وكذا لو النَحَمَ القتالُ واختلَطَ الصَّفَّانِ كما قدَّمناه(٢) عن "المعراج"، وإنما لم يكن فارًا هنا
لِما قالوا من أنَّ الِحِصْنَ لدَفْعِ بأسِ العدوِّ، وكذا المنعةُ، أي: بِمَن معه من المقاتلين، قال في "النّهر"(٣).
((وإطلاقُهُ يُفيدُ أَنَّه لا فَرْقَ بين أنْ تكونَ فئةً قليلةً بالنّسبةِ إلى الأخرى أوْ لا، ولم أرَهُ لهم)) اهـ.
قلت: الظَّاهِرُ أَنَّه ما دامَ في الصَّفِّ لا فَرْقَ، أمَّا لو اختَلَطُوا فقد عَلِمْتَ مما قدَّمناه(٤) عن
"المعراج" أنَّه في حكمِ المرضِ إلاّ إذا كانَتْ إحداهما غالبةً.
( تنبيةٌ)
مِثْلُ مَنْ فِي الصَّفِّ مَن كان راكبَ سفينةٍ قبلَ خوفِ الغَرَقِ، أو نزَلَ بِمَسْبَعَةٍ أو مَخِيْفٍ(٥)
من عَدُوِّ، "بحر "(٦).
مطلبٌ: حالَ فُشُوِّ الطّعونِ هل للصَّحِيحِ حكمُ المريض؟
[١٤١٣٠] (قولُهُ: ومثلُهُ حالُ فُشُوِّ الطَّاعونِ) نقَلَ في "الفتح"(٧) عن الشَّافِعِيَّةِ: ((أَنَّه في حكمٍ
المرض))، وقال: ((ولم أَرَهُ لمشايخنا)) اهـ. وقواعدُ الحنفيّةِ تَقْتَضِي أَنَّه كالصَّحيحِ، قال الحافظُ
"العسقلانيُّ" في كتابه "بذل الماعون"(٨): ((وهو الذي ذكرَهُ لي جماعةٌ من علمائهم))، وفي
"الأشباه"(٩): ((غايتُهُ أنْ يكونَ كمَن في صفِّ القتالِ، فلا يكونُ فارًاً)) اهـ.
(١) المقولة [١٤٠٨٥] قوله: ((أو بارز رجلاً أقوى منه)).
(٢) المقولة [١٤٠٨٥] قوله: ((أو بارز رجلاً أقوى منه)).
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٩/أ.
(٤) المقولة [١٤٠٨٥] قوله: ((أو بارز رجلاً أقوى منه)).
(٥) المقصود بالمَخِيْفِ هنا: موضع الخوف من العدو، ويصير التقدير: نزل بمسبعةٍ أو مكان يخاف فيه من العدو.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥١/٤.
(٧) "الفتح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٩/٤.
(٨) "بذل الماعون في فضل الطاعون": لأبي الفضل أحمد بن علي، شهاب الدين المعروف بابن حجر العسقلاني
الشافعي (ت٨٥٢هـ). ("كشف الظنون" ١٢٨/٥، "الضوء اللامع" ٣٦/٢، "البدر الطالع" ٨٧/١).
(٩) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث الجمع والفرق - قاعدة صـ٤٥٦- بتصرف.
قسم الأحوال الشخصية
٥٨٨
حاشية ابن عابدين
(أو محموماً أو محبوساً بقصاصٍ أو رَجْمٍ لا) تَرِثُ.
وهو الصَّحيحُ عند "مالكٍ" كما في "الدُّرِّ المنتقى"(١)، قال في "الشُّرنبلالَيَّة"(٢): ((وليس
مُسلّمَاً؛ إذ لا مماثلةَ بين مَن هو مع قومٍ يَدِفَعُون عنه في الصَّفِّ وبين مَن هو مع قومٍ هم مثلُهُ، ليس
لهم قوَّةُ الدَّعِ عن أحدٍ حالَ فُشُرِّ الطَّعون)) اهـ.
قلت: إذا دخَلَ الطَّاعونُ مَحَلّةٌ أو داراً يَغْلِبُ على أهلِها خوفُ الهلاك كما في حالِ التِحامِ
القتال، بخلافِ المَحَلَّةِ أو الدَّارِ التي لم يَدخُلْها، فينبغي الجَرْيُ على هذا النَّفصيلِ؛ لِما علمتَ من أنَّ
العِيْرَةَ لِغَلَبةِ خوفِ الهلاك، ثمَّ لا يخفى أنَّ هذا كلَّهُ فيمَن لم يُطعَنْ.
[١٤١٣١) (قولُ: أو مَحْموماً) عطفٌ على ((مُشتكِياً))، وقولُهُ: ((أو محبوساً)) عطفٌ على
((قائماً))، ولا يصحُّ عطفُ ((محموماً)) على ((قائماً))؛ لأَنَّه يَلزَمُ عليه أنْ لا تَرِثَ(٣) منه وإِنْ
لم يَقُمْ مصالِحِه خارج البيت؛ لأنَّ العطفَ يقتضي المغايرةَ.
والحاصلُ: أنَّ المحمومَ إذا كان يَقدِرُ على القيامِ بمصالِحِه لا يكونُ مريضاً، وإلاَّ فهو مريضٌ
كما يُعلَمُ من عبارة "الملتقى"(٤)، وأمَّا ما في "الدِّراية" من التّصريحِ: ((بأنَّ المحمومَ مريضٌ)) فهو
محمولٌ على ما إذا عجَزَ عن القيامِ بمصالِحِه، فلا يُخالِفُ ما في "الملتقى"، وأمَّا ما في "النَّهر"(٥) من
دَعْوى المخالفةِ والتَّفيقِ بَحَمْلٍ ما في "الدِّراية" على ما إذا جاءَتْ نَوْبَةُ الْحُمَّى ففيه نظرٌ؛ لأنّها إذا
جَاءَتْ نَوْتُها ولم يَعجَزْ عن القيامِ بمصالِحِه لم يكن مريضاً بمنزلةٍ الحاملِ التي يأخُذُها الطَّلْقُ ثمَّ
يَسكُنُ كما يأتي(٦) قريباً.
(١) "الدر المنتقى": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٢٨/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق - باب طلاق الفار ٣٨٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((أن ترث))، وما أثبتناه من "م" هو الموافق لسياق الكلام.
(٤) "ملتقى الأبحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٧٢/١.
(٥) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٩/ب.
(٦) المقولة [١٤١٣٣] قوله: ((وهو الطلق)).
الجزء التاسع
٥٨٩
باب طلاق المريض
لغلبةِ السَّلامةِ.
(والحاملُ لا تكونُ فارَّةً إِلاَّ بِتَلَّسِها بالمخاضِ) وهو الطّلْقُ؛ لأنّها حينئذٍ كالمريضةِ،
وعند "مالكٍ" إذا تَمَّ لها ستّةُ أشهرٍ.
(إذا عَلَّقَ) المريضُ (طلاقَها) البائنَ (بفعلٍ أجنبي).
[١٤١٣٢] (قولُهُ: لِغَلَبةِ السَّلامةِ) لأنَّ الحِصْنَ لدفعِ بأسِ العدوّ(١)، وقد يَتَخَلَّصُ من الْمَسْبَعِةِ
والحَيْسِ بنوعٍ [٣/ ق١/٢٩٨] من الحِيَلِ، "ط)(٢) عن "الهنديَّةِ"(٣).
[١٤١٣٣) (قولُهُ: وهو الطّلْقُ) اختُلِفَ في تفسيرِ الطّلْقِ، فقيل: الوَجَعُ الذي لا يَسكُنُ حتَّى
تموتَ أو تَلِدَ، وقيل: وإِنْ سكَنَ؛ لأنَّ الوَجَعَ يَسكُنُ تارةً ويَهِيجُ أخرى، والأوَّلُ أوجهُ، "بحر " (٤)
عن "المجتبى".
[١٤١٣٤] (قولُهُ: إذا عَلَّقَ المريضُ) أي: مَن كان مريضاً عند التعليقِ والشَّرطِ أو عندَ أحدِهما
احترازاً عمَّا إذا كان صحيحاً عند كلٍّ من التَّعليقِ والشَّرطِ، فليس من صُورِ المسألة، فافهم.
[١٤١٣٥) (قولُهُ: البائنَ) قَّدَ به لأنَّ حكمَ الفِرارِ لا يَثْبُتُ إلاَّ به، "بحر"(٥)؛ لأنَّ الرَّجعيَّ لا فِرارَ
فيه ولو نَجَّزَهُ في المرضِ بُدُونِ رضاها كما مَرَّ(٦).
[١٤١٣٦) (قولُهُ: بفعلٍ أجنبيٍّ) سواءٌ كان له منه بُدٌّ أم لا، "بحر "(٧). والمرادُ بالفعلِ ما يَعُمُّ
التّرْكَ كما في "إيضاح الإصلاح"، "ط (٨).
(١) ((بأس)) ساقطة من "ب" و"م"، وما أثبتناه من "الأصل" و"آ" هو الموافق لعبارة "ط".
(٢) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٧/٢.
(٣) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الباب الخامس في طلاق المريض ٤٦٣/١.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥١/٤.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٢/٤.
(٦) المقولة [١٤١١٠] قوله: ((ويتوارثان في العدة مطلقاً)).
(٧) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٢/٤.
(٨) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٧/٢.
قسم الأحوال الشخصية
٥٩٠
حاشية ابن عابدين
أي: غيرِ الرَّوجين ولو ولدُها منه (أو بمجيءٍ الوقتِ و) الحالُ أنَّ (التعليقَ والشَّرطَ في مرضِهِ،
أو) عَلِّقَ طلاقَها (بفعلِ نفسِهِ وهما في المرضِ أو الشَّرطُ فقط) فيه (أو) عَلَّقَ (بفعلِها
ولا بدَّ لها منه) طبعاً أو شرعاً كأكلٍ وكلامٍ أبوين (وهما في المرضِ أو الشَّرطُ) فيه فقط
[١٤١٣٧] (قولُهُ: أي: غيرِ الزَّوجين) دفَعَ به ما يُتُوهَّمُ من إرادةِ حقيقةِ الأجنبيِّ، وهو مَن
لا قرابةً له، "ط"(١).
[١٤١٣٨) (قولُهُ: أو بمجيءٍ الوقتِ) المرادُ به التَّعليقُ بأمرٍ سماويٍّ، أي: ما لا صُنعَ فيه للعبدِ،
وجعَلَهُ من التَّعليقِ لأنَّ المضافَ في معنى الشَّرِطِ من حيث إنَّ الحكمَ يَتَوقّفُ عليه كما حقَّقَهُ في
"البحر" من باب التّعليق(٢)، فافهم.
[١٤١٣٩) (قولُهُ: بفعلِ نفسِهِ) أي: سواءٌ كان له منه بُدُّ أوْ لا.
[١٤١٤٠) (قولُهُ: أو الشَّرطُ فقط) أي: المُعلّقُ عليه كدُخُولِ الدَّارِ مثلاً في: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ.
[١٤١٤١) (قولُهُ: كأكلٍ وكلامٍ أبوينٍ) لفٍّ ونشرٌ مُرتَّبٌ، وكالأبوين كلُّ ذي رَحِمٍ مَحرٍَ
كما في "الحمويّ" عن "البِرْجنديّ"، "ط " (٣). ومثلُهُ الصَّومُ، والصَّلاةُ، وقضاءُ الدَّينِ، واستيفاؤُهُ،
"نهر"(٤). وفي "النَّتر خانيَّةٌ"(٥): ((لو عَلّقَهُ على الخروجِ إلى منزلِ والديها فخَرَجَتْ تَرِثُ؛ لأنّه مما
لابُدَّ لها منه)) اهـ. وينبغي تقييدُهُ بما إذا خَرَجَتْ على وجهٍ ليس له مَنْعُها منه.
[١٤١٤٢] (قولُهُ: أو الشَّرطُ فيه فقط) فيه خلافُ "محمَّدٍ"، فعنده إذا كان التَّعليقُ في الصِّحَّةِ
(قولُهُ: فيهِ خلافُ "محمَّدٍ" إلخ) وجهُ قولِ "محمَّدٍ" أنّهُ لم يُوجَدْ مِنَ الزَّوجِ صنعٌ بعدَ تعلُّقِ حقّها
بمالِهِ، وإنّما المرأةُ أبطلَتْ حقَّها بإتيانِها بذلكَ الفعلِ، ووجهُ قولِهما أنَّها مُضطرَّةٌ في تحصيلِ الشَّرطِ مِن
قِبَلِ الزَّوجِ، فَيَنتقِلُ فِعلُها إليه كما يَنتقِلُ إلى المكرَهِ. اهـ مِن "الزَّيلعيِّ".
(١) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٧/٢.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق ٦/٤.
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٧/٢.
(٤) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٩/أ.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطلاق - الفصل العشرون في طلاق المريض ٥٨٣/٣.
الجزء التاسع
٥٩١
باب طلاق المريض
(وَرِثَّتْ) لفرارِهِ، ومنه ما في "البدائع": ((إنْ لم أُطلّقْكِ أو إنْ لم أتزوَّجْ عليكِ
فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، فلم يَفعَلْ حَتَّى ماتَ وَرِثَتْهُ، ولو ماتَتْ هي لم يَرِثْها)). (وفي
غيرِها لا) تَرِثُ، وهو ما إذا كانا في الصِّحَّةِ،.
٥٢٤/٢ فلا ميراثَ لها مطلقاً، قال في "البحر"(١): ((وصَحَّحُوا قولَ "محمَّدٍ"))، ونقَلَ في "النَّهر"(٢)
تصحيحَهُ عن "فخر الإسلام".
(١٤١٤٣) (قولُهُ: وَرِئَتْ لفرارِهِ) أمّا إذا كان التعليقُ بفعلٍ أجنبيٍّ أو بمجيءٍ الوقتِ ووُجِدا
في المرضِ فلأنَّ القَصْدَ إلى الفرارِ قد تحقَّقَ بمباشرةِ النَّعليقِ في حالٍ تَعُلُّقِ حقّها بمالِهِ، ولذا لو كان
الموجودُ في المرضِ الشَّرطَ فقط لم تَرِثْ عندنا خلافاً لـ "زفر"، وأمَّا إذا كان بفعلِ نفسِهِ وكانا في
المرضِ أو الشَّرطُ فيه فقط فلأَنْه قَصَدَ إبطالَ حقّها بالتعليقِ والشَّرطِ أو بالشَّرطِ وحده، واضطرارُهُ
لا يُطِلُ حقَّ غيرِهِ كإِتِلافٍ مالِ الغيرِ حالةَ الاضطرار، وأمَّا إذا كان بفعلِها الذي لا بُدَّ لها منه وكان
الشَّرِطُ في المرضِ فلأَنْهَا مُضطرَّةٌ في المباشرةِ لخوفِ الهلاك في الدُّنيا أو في المُقْبِى، "نهر"(٣) ملحِّصاً.
[١٤١٤٤) (قولُهُ: ومنه) [٣/ ٢٩٨٢/ب] أي: من الفرارِ، وهو من قسمِ التّعليقِ بفعلِ نفسِهِ، وإنّما
وَرِثْهُ لأَنّهَ وُجِدَ الشَّرطُ، وهو عدمُ التّطليق أو عدمُ الّزُوُّجِ قُبيلَ موتِهِ وهو وقتُ مرضٍ، فكان فارًاً
وإنْ كان التّعليقُ في الصِّحَّة، وإنما لم يَرِثْها لرضاهُ بإسقاطِ حقِّهِ حيث أَخْرَ الشَّرطَ إلى موتِها، وذكَرَ
في "البدائع"(٤) أيضاً: ((أَنّ لو قال: إنْ لم آتِ البصرةَ فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، فلم يأتِها حتّى ماتَ وَرِثْهُ
لِما قلنا، أمَّا إذا ماتَتْ هي يَرِثُها؛ لأَنّها مَتَتْ وهي زوجتُهُ لعدمِ شرطِ الوقوع؛ لجوازٍ أنْ يأتيَ
البصرةَ بعد موتها)) اهـ، أي: بخلافٍ تطليقِها وتَزَوُّجِهِ عليها، فإِنَّه لا يمكنُ بعدَ موتها.
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٢/٤.
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المریض ق٢٢٩/ب.
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٩/ب.
(٤) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل في أحكام العدة ٢٢٣/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٥٩٢
حاشية ابن عابدين
أو التَّعليقُ فقط، أو بفعلِها ولها منه بُدٌّ.
وحاصلُها ستّةَ عشرَ؛ لأنَّ التّعليق إِمَّ بمجيءٍ وقتٍ، أو بفعلٍ أجنبي، أو بفعلِهِ،
أو بفعلِها، وكلُّ وجهٍ على أربعةٍ؛ لأنَّ التّعليقَ والشَّرطَ إِمَّا في الصِّحَّةِ أو المرضِ (١) ...
(تنبيةٌ)
تقييدُ "الشَّارح" الطَّلاقَ بكونِهِ ثلاثاً غيرُ لازمٍ في مسألةٍ موتها؛ لأَنَّه لو كان رجعيّاً وحَكَمْنا
بالوقوعِ في آخرِ جزءٍ من أجزاءٍ حياتها - وهو الجزءُ الذي يَعْقُبُه الموتُ - يكونُ الواقعُ به بائناً لعدم
إمكانِ العِدَّة، كمَن لم يَدخُل بها كما قدَّمْناهُ(٢) عن "الفتح" في باب الصَّرِيح عند قولِهِ: ((إِنْ
لم أُطَلّقَّكِ فأنتِ طالقٌ)).
[١٤١٤٥) (قولُهُ: أو النَّعليقُ فقط) أي: التَّعليقُ بفعلٍ أجنبيٍّ أو مجيءٍ الوقت كما في
"البحر"(٣)، وهو المفهومُ من المتن فيما مَرَّ(٤)، فالتَّعليقُ هنا لا يُحمَلُ على عُمومِهِ حتّى يَشْمَلَ فعلَ
نفسِهِ؛ لأنَّ التَّعليقَ به إذا وُجِدَ في الصِّحَّةِ فقط - أي: ووُجِدَ الشَّرطُ في المرضِ - وَرِثَتْ منه، وقد
صرَّحَ به المتنُ، فلا يصحُّ دخولُهُ فِي العُمُومِ، كذا بخطٌ "السَّائحانيِّ"، فافهم.
[١٤١٤٦) (قولُ: أو بفعلِها ولها منه بُدٌّ) أي: مطلقاً سواءٌ كان التَّعليقُ والشَّرطُ في المرضِ أو
أحدُهما أوْ لا ولا، قال في "النَّبِين"(٥): ((وفي غيرِها - أي: في غيرِ هذه الصُّورِ التي ذكرناها -
لا تَرِثُ، وهو ما إذا كان التعليقُ والشَّرِطُ فِي الصِّحَّةِ فِي الوُجُوهِ كلّها، أو كان الَّعليقُ في الصِّحَّةِ
فيما إذا عَلَقَهُ بفعلِ الأجنبيِّ أو بمجيءٍ الوقت، أو كيفما كان إذا عَلَّقَهُ بفعلها الذي لها منه بُدٌّ، فإنّها
لا تَرِثُ في هذه الصُّورِ كلِّها. اهـ "ح"(٦).
[١٤١٤٧] (قولُهُ: وحاصلُها ستّةَ عشرَ) يمكنُ بَسْطُها إلى ثمانيةٍ وعشرين؛ لأَنَّه إذا عَلَّقَهُ
(١) في "و": ((في المرض)).
(٢) المقولة [١٣٢٤٠] قوله: ((لتحقق الشرط)). وانظر صـ٢٢٥ - "در".
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٢/٤.
(٤) المقولة [١٤١٣٦] قوله: ((بفعل أجنبي)).
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب المريض ٢٥٠/٢.
(٦) "ح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق ١٩٣/أ - ب.
الجزء التاسع
٥٩٣
باب طلاق المریض
أو أحدِهما، وقد عُلِمَ حكمُها.
(قال لها في صحَّتِهِ: إنْ شئتُ) أنا (وفلانٌ فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، ثمَّ مَرِضَ فشاءَ
الزَّوجُ والأجنبيُّ الطَّلاقَ معاً، أو شاءَ الزَّوجُ ثُمَّ الأحبيُّ، ثمَّ مات الزَّوجُ لا تَرِثُ،
وإِنْ شاء الأجنبيُّ أوَّلاً ثُمَّ الزَّوجُ وَرِثَتْ) كذا في "الخانَيَّة"(١)، والفرقُ لا يخفى؛
إذ بمشيئةِ الأجنِيِّ أوَّلاً صار الطَّلاقُ مُعلّقاً على فعلِهِ فقط.
على فعلِهِ أو فعلِها أو فعلٍ أجنبيٌّ فالفعلُ إمّا منه بُدٌّ أوْ لا، فهذه سنّةٌ تُضرَبُ في أَوجُهِ الشَّرطِ
والتّعليقِ الأربعةِ فتَبْلُغُ أربعةً وعشرين، وفي تعليقِهِ على الوقتِ أربعُ صورٍ، فَتَبلُغُ ثمانيةٌ وعشرين،
لكنْ (٢) في فعلِهِ أو فعلِ الأجنبيِّ لا فَرْقَ بين ما منه بدٌّ أوْ لا بخلاف فعلِها كما علمت. ثمَّ لا يخفى
أنَّ كون كلٍّ من [٣/ ق ٢٩٩/أ] الَّعليقِ والشَّرطِ في الصِّحَّةِ لا دَخْلَ له في طلاقِ المريض، ولذا
لم يَذْكُرْه في "البحر"، فالمناسبُ إسقاطُهُ، وتكونُ الصُّورُ إحدى وعشرين.
[١٤١٤٨] (قولُهُ: أو أحدَهما) بالنّصبِ أو الرَّفْعِ عطفاً على اسمٍ ((إنَّ))، أي: أو أحدَهما في
أحدِ المذكورَينٍ، بأنْ يكونَ الَّعليقُ في الصِّحَّةِ وَالشَّرطُ في المرضِ أو بالعكس.
[١٤١٤٩) (قولُهُ: قال لها في صِحَّتِهِ) أمَّا إذا كان هذا التعليقُ في المرضِ وَرِثَتْ في جميعِ الصُّورِ؛
لأَنّه من التّعليقِ بفعلِ الأجنبيِّ وفعلِهِ، وقد تقدَّمَ ما يدلُّ عليه من الصُّورِ السَّابِقة، "ط)(٣).
[١٤١٥٠) (قولُهُ: والفَرْقُ لا يخفى) قال في "البحر "(٤): ((وحاصلُهُ أنَّ الطَّلاقَ تعلَّقَ على
مشيئِهما، فإذا شاءا معاً لم يكن الزَّوجُ تمامَ العِلَّةِ، فلا يكونُ فارّاً، بخلاف ما إذا تأخّرَتْ مشيئةٌ
الزَّوجِ؛ لأَنْه حينئذٍ تَمَّت العِلّةُ به)) اهـ، أي: فيكونُ من التَّعليقِ بفعلِهِ، فيكفي فيه كونُ الشَّرطِ
فقط في المرضِ بخلاف الوجهينِ الأوَّلينِ، فإِنَّهما من قَبيلِ التِّعليقِ بفعلِ الأجنبيِّ، فلا بدَّ فيه من كونٍ
التعليقِ والشّرطِ في المرض، والفَرْضُ أنَّ التعليقَ في الصِّحَّة.
(١) "الخانية": كتاب الطلاق - باب العدة - فصل في المعتدة التي ترث ٥٥٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في "ب": ((كن))، وهو خطأ.
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٨/٢.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٢/٤.
قسم الأحوال الشخصية
٥٩٤
حاشية ابن عابدين
(تصادَقَاً) أي: المريضُ مرضَ الموتِ والزَّوجةُ (على ثلاثٍ في الصِّحَّةِ و) على
(مُضِيِّ العِدَّةِ، ثُمَّ أَفَرَّ لها بدَيْنٍ) أو عَيْنٍ (أو أوصى لها بشيءٍ فلها الأقلُّ منه) أي: ثمّا
أَفَرَّ أو (١) أوصى (ومن الميراثِ) للتُّهَمَةِ،
[١٤١٥١] (قولُهُ: وعلى مُضيِّ العِدَّة) قَّدَ به لَيَظهَرَ خلافُ "الصَّاحبين"، حيث قالا بجوازٍ
إِقِرارِهِ ووصَّتِهِ لانتفاءِ التَّهَمَةِ بانتفاءِ العِدَّة كما في "النَّبِينَ"(٢)، فيُفهَمُ منه أنَّه لو تصادقا على الثَّلاثِ
في الصِّحَّةِ، ولم يَتَصادَقا على انقضاءِ العِدَّةِ يكونُ لها الأقلُّ اتفاقاً. اهـ "ح"(٣).
[١٤١٥٢] (قولُهُ: فلها الأقلُّ منه ومن الميراثِ) ((مِن)) في الموضعين بيانٌ للأقلِّ، والواوُ بمعنى
أو، وصِلَّةُ ((الأقلُّ)) محذوفةٌ تقديرُها: من الآخرِ، والمعنى: فلها الموصَى به الذي هو أقلُّ من الميراثِ،
أو الميراثُ الذي هو أقلُّ من الموصَى به، ولا يجوزُ أنْ تكون الواوُ للجمع؛ إذ يصيرُ المعنى حينئذٍ: فلها
الميراثُ والمُوصَى به اللَّذانِ هما الأقلُّ، وهو فاسدٌ، كما لا يجوزُ أنْ تكونَ في الموضعين صِلَةً
((الأقلُّ)) سواءٌ كانت الواوُ للجمع أو بمعنى أو؛ إذ يصيرُ المعنى على الأوَّلِ: فلها الأقلُّ من كلِّ
٥٢٥/٢ واحدٍ منهما، وعلى الثّاني: فلها الأقلُّ من أحدِهما، وكلاهما فاسدٌ. اهـ "ح(٤)، أي: لأَنَّه يصيرُ
الأقلُّ شيئاً خارجاً عن الميراثِ والموصَى به، مع أنَّ المرادَ بالأقلِّ واحدٌ منهما هو أقلُّ من الآخر.
[١٤١٥٣) (قولُهُ: للتُّهَمَةِ) أي: تُهَمَةٍ مُواضَعَةِ الزَّوجين على الإقرارِ بالفُرقةِ وانقضاءِ العِدَّةِ
لُيُعطيَها الزَّوجُ زيادةٌ على ميراثها، وهذه التُّهَمَةُ في الزِّيادة فقط فرَدَدْناها، وقالا بجوازِ الإقرارِ
والوصيّةِ؛ لأَنّها صارَتْ أجنبيّةً عنه لعدمِ العِدَّةِ، بدليلٍ قَبُولِ شهادتِهِ ها، وَفْعِ [٣/ق٢٩٩/ب] ز کاتِهِ
لها، وتَزَوَّجِها بآخرَ، والجوابُ: أَنَّه لا مُواضَعَةَ عادةً في حقِّ الزَّكَاةِ والشَّهادةِ والتّزُوُّجِ، فلا تُهَمَةً،
"بحر "(٥) ملخّصاً عن "الهداية"(٦) وشروحها.
(١) في "د" و"ط": ((وأوصى)).
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب المريض ٢٤٧/٢ - ٢٤٨.
(٣) "ح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق١٩٣/ب.
(٤) "ح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق ١٩٣/ب.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٩/٤.
(٦) "الهداية": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤/٢.
الجزء التاسع
٥٩٥
باب طلاق المريض
وتَعَتَدُّ مِن وقتِ إقرارِهِ، به يُفتَى، ..
[١٤١٥٤] (قولُهُ: وَتَعَتَدُّ مِن وقتِ إقرارِهِ إلخ) كذا ذكَرَ في "الهداية"(١) و"الخانَّة"(٢) في باب
العِدَّة: ((أنَّ الفتوى عليه))، وحينئذٍ فلا يَتْبُتُ شيءٌ من هذه الأحكامِ المذكورة آنفاً، ولا تَزَوَّجُهُ
بأخيّها وأربعٍ سواها، وهو خلافُ ما صرَّحُوا به هنا، وبه اندفَعَ ما في "غاية السُّرُوجِيِّ": ((من أَنَّه
ينبغي تحكيمُ الحالِ، فإنْ كان جَرَى بينهما خُصُومَةٌ وَتَرَكَتْ خِدمتَهُ في مرضِهِ فهو دليلٌ عدمٍ
المواضَعَةِ فلا تُهَمَةَ، وإلاّ فلا تصحُّ للتُّهَمَةِ))، "بحر"(٣) ملخَّصاً، وأقرَّهُ فِي "النّهر "(٤).
وحاصلُهُ: أنَّ ما قرَّروه هنا من قَبُولِ شهادتِهِ لها ونحوِهِ من الأحكام يَقتضِي أنَّ ابتداءَ العِدَّةِ
يَسْتِدُ إلى وقتِ الطَّلاق، وما صحَّحُوه في بابِ العِدَّةِ من وجوبها من وقتِ الإقرار يَقتضِي انتفاءَ
هذه الأحكام.
أقول: لا يخفى أنَّ العِدَّةَ إنما تحبُ من وقتِ الطَّلاقِ، وإذا أَقَرَّ الزَّوجان بِمُضيِّها صُلِّقًا فيما
لاتُهَمَةَ فيه، ولذا صرَّحُوا بأنَّه لا تجبُ لها نفقةٌ ولا سُكْنى عملاً بتصديقِها له، والشَّهادةُ ونحوُها ◌َّا
مَرَّ(٥) لا تُهَمَةَ فيها؛ إذ لا مُواضَعَةَ عادةً فيها كما تقدّمَ(٦) بخلافِ الوصيّةِ بما زادَ على قَدْرِ الميراث،
فلم يُصدَّقًا في حقِّها عند "أبي حنيفة"، وقدَّرَ أنَّ العِدَّةً لم تُنْقَضِ لإبطالِ الرِّيادة؛ لأنّها موضحُ تُهَمَّةٍ،
فليس المرادُ عدمَ انقضاءِ العِدَّةِ في سائرِ الأحكام، بل في مَوضِعِ الَّهَمَةِ فقط، وبه عُلِمَ أنَّ كُلاَّ من
القولِ باعتبارها من وقتِ الطَّلاق والقولِ باعتبارها (٧) من وقتِ الإقرار ليس على عُمُومِهِ، ولذا قال
(قولُهُ: وإلاّ فلا تصِحُّ للتُّهمَةِ، "بحر") عبارةُ "البحرِ": ((فلا يصِحُّ)) بالياءِ، أي: الإقرارُ.
(١) "الهداية": كتاب الطلاق - باب العدة ٣٠/٢.
(٢) "الخانية": كتاب الطلاق - باب العدة - فصل في انتقال العدة ٥٥٢/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٩/٤.
(٤) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٨/ب.
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) في المقولة السابقة.
(٧) ((من وقت الطلاق والقول باعتبارها)) ساقط من "الأصل".
قسم الأحوال الشخصية
٥٩٦
حاشية ابن عابدين
في "فتح القدير" في باب العِدَّة (١): ((إنَّ فتوى المتأخّرين -أي: بوُجُوبِها من وقتِ الإقرار - مُخالِفةٌ
للأئمَّةِ الأربعةِ وجمهورِ الصَّحابة والتابعين، وحيث كانت مخالفتُهم للَّهَمَةِ فينبغي أنْ يُنَحرَّى به
مَحالُّها والنّاسُ الذين هم مَظُنُّها، ولهذا فَصَّلَ الإِمامُ "السُّغديُّ" بَحَمْلِ كلام "محمَّدٍ" في "المبسوط":
من أنَّ ابتداءَ العِدَّةِ من وقتِ الطَّلاقِ على ما إذا كانا مُتُفرِّقين من الوقتِ الذي أُسنَدَ الطَّلاقَ إليه،
أمَّا إذا كانا مُجتمِعَينِ فالكذبُ في كلامِهما ظاهرٌ، فلا يُصدَّقَان في الإسناد))، قال في "البحر" (٢)
هناك: ((وهذا هو الّوفيقُ)) اهـ، أي: بين كلامٍ المتقدِّمين والمتأخّرِين.
وبه ظهَرَ صحَّةُ ما قاله "السُّرُوجِيُّ": ((من أنّ ينبغي تحكيمُ الحالِ))، لكنَّ ما قاله: ((من أنَّ
الخصومةَ وتَرْكَ الخدمةِ دليلٌ عدمِ المواضَعَةِ)) رَدَّهُ في "الفتح"(٣): ((بأنّه غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ [٣/ق١/٣٠٠]
وَصِيََّهُ لها بأكثرَ من الميراثِ ظاهرةٌ في أنَّ تلك الخصومةَ حِيْلةٌ ليست على حقيقتِها)) اهـ.
نعم ما ذكرَهُ الإِمامُ "السُّغْديُّ" من التَّفُرُّقِ ظاهرٌ في عدمِ المواضَعَةِ لتصحَّ وصيّئُهُ لها وتزوّجُهُ
أختَها وأربعاً سواها، والله سبحانه أعلم.
( تنبيةٌ)
اعلم أنَّ ما تأخذُهُ له شَبَةٌ بالميراثِ، فلو تَوِيَ شيءٌ من الّرِكةِ قبلَ القسمةِ كان على الكلِّ،
ولو طَلَبَتْ أخذَ الدَّراهمِ والتّرِكةُ عُرُوضٌ لم يكن لها ذلك، وشَبَةٌ بالدَّينِ، حتّى كان للورثةِ
أنْ يُعطُوها من غيرِ التَّرِكَةِ مُؤَاخَذَةٌ لها برَعْمِها أنَّ ما تأخذُهُ دَيْنٌ، كذا أفادَهُ في "فتح القدير "(٤)
و"البحر"(٥) وغيرهما.
(١) "الفتح": كتاب الطلاق ١٥٥/٤.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب العدة ١٥٨/٤.
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٧/٤ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٧/٤ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٠/٤.
٥٩٧
باب طلاق المریض
الجزء التاسع
ولو ماتَ بعد مُضِّها فلها جميعُ ما أقَرَّ أو أوصى، "عمادِيَّة". ولو لم يكن بمرضِ موتِهِ
صَحَّ إقرارُهُ ووصيُّهُ، ولو كذّبَتْهُ لم يصحَّ إقرارُهُ، "شرح المجمع". وفي "الفصول":
((ادَّعَتْ عليه مريضاً أنّه أبانَها، فحَحَدَ وحلَّفَهُ القاضي فحلَفَ، ثمَّ صدَّقَتْهُ وماتَ تَرِثُهُ
لو صدَّقَتْهُ قبل موتِهِ.
[١٤١٥٥) (قولُهُ: بعدَ مُضِّها) أي: مُضيِّ العِدَّةِ من وقتِ الإقرار.
[١٤١٥٦] (قولُهُ: فلها جميعُ ما أَقَرَّ أو أوصَى) لأَنّها صارَتْ أجنبيّةً فانْتَفَت التُّهَمَةُ، ومقتضاه
أنَّ ما تأخذُهُ لم يَبْقَ لِهِ شَبَةٌ بالميراثِ أصلاً، فلا يأتي فيه ما مَرَّ(١) آنفاً؛ لأنّها قبلَ مُضيِّ العِدَّةِ لم تُعْطَ
الرَّائدَ على الميراثِ لُّهَمَةِ، فكان ما تأخذُهُ إرثاً نظراً للورثةِ ووصيّةٌ نظراً لرَعْمِها، فاعتُرَ فيه
الشَّبهان، وبعدَ مُضيِّ العِدَّةِ لم تَبْقَ الَتُّهَمَةُ، فلذا استَحَقْتْ جميعَ ما أَقَرَّ أو أوصَى به، وَتَمَخَّضَ كونُهُ
دَيْناً أو وصيّةً، وبه عُلِمَ أنَّ مَن ذكَرَ الشَّهين هنا تبعاً لظاهر عبارةِ "النّهر"(٢) لم يُصِبْ، فافهم.
[١٤١٥٧] (قولُهُ: ولو لم يكن بِمَرَضِ موتِهِ) الباءُ بمعنى: في، أي: ولو لم يكن هذا التَّصادقُ
في مرضٍ موتِهِ، بأنْ صَحَّ منه أو كان غيرَ مريضٍ أصلاً، ثمَّ ماتَ فِي عِدَّتِهَا صَحَّ إقرارُهُ ووصيُّهُ
لعدمِ النَّهَمَةِ.
[١٤١٥٨) (قولُهُ: ولو كَذِّبْهُ) محترزُ قولِهِ: (تَصادَقا))، "ط) (٣).
[١٤١٥٩] (قولُهُ: لم يصحَّ إقرارُهُ) أي: ولا وصيُّهُ معاملةً لها برَعْمِها أنّها زوجةٌ، وهي وارثةٌ،
ولا وصيَّةً للوارثِ ولا إقرارَ له، "ط"(٤). وينبغي تقييدُهُ بما إذا ماتَ في مرضِهِ قبل مُضيِّ عِدَّتِها من
وقتِ الإقرار؛ لأَنَّ لَمَّا أَقَرَّ بطلاقِها ثلاثاً بأنَتْ منه عملاً بإقرارِهِ وإنْ كَذَِّتْهُ، وصار فارًاً، فإذا صَحَّ
(١) المقولة [١٤١٥٣] قوله: ((للتَّهَمَة)).
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٨/ب.
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٨/٢.
(٤) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٨/٢.
قسم الأحوال الشخصية
٥٩٨
حاشية ابن عابدين
لا لو بعدَهُ)). (كمَنْ طُلّقَتْ ثلاثاً بأمرِها في مرضِهِ ثُمَّ أوصى لها أو أَقَرَّ).
مِن مرضِهِ ثُمَّ مات في العِدَّةِ، أو لم يصحَّ ومات بعدَ العِدَّةِ لم تَرِثْ منه، فتصحُّ وصيُّهُ وإِقرارُهُ لها
بالمالِ، وليس تكذيُها له في الطّلاقِ السَّابقِ رضًا بالطّلاقِ الواقعِ الآنَ كما لا يخفى، هذا ما ظهَرَ لي.
٥٢٦/٢
[١٤١٦٠) (قولُهُ: لا لو بعدَهُ) أقول: هذا إنما يَظهَرُ لو ادَّعَتْ أنَّ الإِبانةَ كانَتْ في الصِّحَّةِ؛ لأنَّ
دَعْواها تتضمَّنُ اعترافَها بأنّها لا تَرِثُ منه (١) لكونِهِ غيرَ فارٌّ، أمَّا لو ادَّعَتْ أنَّ الإِبانةَ كانَتْ في ذلك
المرضِ الذي ماتَ فيه فلا؛ لأَنّها ادَّعَتْ عليه [٣/ ق٣٠٠/ب] طلاقاً تَرِثُ معه، غيرَ أنَّها لَمَّا زَعَمَتْ
أَنَّها بأَنَتْ منه وجَبَ عليها مفارقتُهُ، فإذا ادَّعَتْ عليه ذلك الواجبَ لا يَلزَمُ منه أنْ تكونَ راضيةً
بطلاقها كما لا يخفى، فيجبُ أنْ تَرِثَ سواءٌ أَصَرَّتْ على دَعْواها أو صَدَّقَتْهُ قبل موتِهِ أو بعدَهُ كما
لو أَقَرَّ لها بما ادَّعَتْ عليه، ولم أر مَن تعرَّضَ لذلك، وكأنّهم سَكْتُوا عنه لظُهُورِهِ، فافهم.
[١٤١٦١] (قولُهُ: كمَنْ طُلّقَتْ إِلخ) جعَلَ حكمَ المسألةِ الأُولى مُشبَّهاً بهذه؛ لأنّه لا خلافَ
فيها بخلافِ الأُولى كما علمت.
[١٤١٦٢] (قولُهُ: بأَمْرِها) الأولى: برضاها؛ لِيَشْمَلَ اختيارَها نفسَها في التَّفويض، أفادَهُ
"الحمويُّ" عن "البِرْجنديّ)، "ط)"(٢).
(قولُهُ: وليسَ تكذيبُها له في الطَّلاقِ السَّابقِ رضا إلخ) ليس في ذِکرِ هذهِ کبیرُ فائدةٍ.
(قولُهُ: هذا إنَّما يظهَرُ لو ادَّعَتْ أنَّ الإِبانةَ كانَتْ في الصِّحَّةِ إلخ) ما قالَهُ ظاهرٌ، إلاَّ أنّه يَقتضي فيما إذا
صدَّقَتْه في حياتِهِ أَنَّها ادَّعَت الإبانةَ في صحَّتِهِ، وكيفَ يكونُ لها ميراثٌ مع أنَّ دعواها تتضمَّنُ أنَّها لا ميراثَ
لها؟ فللورثةِ أنْ يُؤَاخِذوها بزعمِها، ويجابُ: بأنَّ بتصديقِها له في حياتِهِ على جحودِهِ ارتفَعَ تناقُضُها قبلَ انتقالِ
التّركةِ للورثةِ، بخلافٍ ما لو صدَّقَتْه بعدَ موتِهِ لانتقالِها لهم، وذكروا في الرَّضاعِ أنّها إذا قالَتْ: هذا ابن رضاعاً
وأصرَّتْ عليهِ له أنْ يتزوَّجَها؛ لأنَّ الحُرمةَ ليسَتْ إليها، قالوا: وبِهِ يُفْتَى، قالَ في "الخُلاصَةِ": ((وفيهِ دليلٌ على
أنّها لو ادَّعَتِ الطَّقاتِ الثَّلاثَ وأنكَرَ الزَّوجُ حَلَّ أنْ تُزَوِّجَ نفسَها منه))، وعلَّلَهُ في "النّهرِ" بأنَّ الطَّلاقَ في
حقّها مِمَّا يَخِفَى؛ لاستقلالِ الزَّوجِ به، فصحَّ رجوعُها.
(١) في "م": ((معه))، وهو تحريف.
(٢) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٩/٢.