النص المفهرس
صفحات 561-580
الجزء التاسع
٥٥٩
باب التعلیق
إنْ لم تجيئي بفلانٍ، أو إنْ لم تَرُدِّي ثوبي السَّاعةَ فأنتِ طالقٌ، فجاءَ فلانٌ من جانبٍ
آخرَ بنفسِهِ وأخَذَ الثَّوبَ قبل دَفْعِها لا يَحَنَثُ، كذا: إنْ لم أَدَفَعْ إليكِ الدِّينارَ الذي
عليَّ إلى رأسِ الشَّهر فكذا، فأبرَأَنْهُ قبلَ رأسٍ (١) الشَّهرِ بِطَلَ اليمينُ.
بقي ما يُكتَبُ في التِّعاليقِ متى نقَلَها أو تزوَّجَ عليها وأبرَأَتْهُ مِن كذا أو مِن
باقي صَدَاقِها،.
[١٤٠٥٣) (قولُهُ: إنْ لم تَجِي) بفعلِ المؤنّئَةِ المخاطبةِ ليُنَاسِبَ قولَهُ: ((فأنتِ طالقٌ))، "ح)(٢).
[١٤٠٥٤) (قولُهُ: السَّاعَةَ) راجعٌ إليهما، وقَّدَ بها؛ لأنَّ المُطْلَقَةَ لا يَحَنَثُ فيها إلاَّ باليأسِ بنحوٍ
موتِ الحالِفِ أو ضياعِ الثّوب، "ط)"(٣).
[١٤٠٥٥) (قولُهُ: لا يَحَنَثُ) لعدمٍ إمكانِ البِّ، وقيل: يَحْنَثُ فيهما، "ط)) (٤) عن "البحر "(٥).
قلت: وفي "الخانيّة"(٦): ((قال لامرأتِهِ: إنْ لم تَحِيئي بمتاعٍ كذا غداً فأنتِ طالقٌ، فَبَعَثَت المرأةُ
به على يدِ إنسانٍ فإنْ كان نَوَى وُصُولَ المتاعِ إليه غداً لا يَحَنَثُ؛ لأَنَّه نَوَى مُحتمَلَ لفظِهِ، وإِنْ
لم يَنْوِ شيئاً أو نَوَى حَمْلَها بنفسِها حَنِثَ، ولا يكونُ اليمينُ على الوصولِ إلاَّ بالنَّةِ)) اهـ.
[١٤٠٥٦) (قولُهُ: بِطَلَ اليمينُ) لأَنَّه بعدَ إبرائها منه لم يَبْقَ لها عليه، فلا يمكنُ دَفْعُهُ.
[١٤٠٥٧) (قولُهُ: ما يُكتَبُ في التِّعاليقِ) أي: ما يَكُتِبُّهُ الزَّوجُ على نفسِهِ عندَ خوفِ المرأةِ من
نَقْلِها أو تَزَوُّجِهِ عليها.
[١٤٠٥٨) (قولُهُ: مَتَّى نقَلَها إلخ) جوابُ ((متى)) محذوفٌ، أي: فهي طالقٌ، وقولُهُ:
((وأبرَأَتْهُ)) بالواو العاطفةِ على قولِهِ: ((نَقَلَها أو تَزَوَّجَ عليها)).
(١) ((رأس)) ساقطة من "د" و"و".
(٢) "ح": كتاب الطلاق - باب التعليق ق١٩٢/ب.
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب التعليق ١٦٤/٢.
(٤) "ط": كتاب الطلاق - باب التعليق ١٦٤/٢.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب التعليق ٢٠/٤.
(٦) "الخانية": كتاب الطلاق - باب التعليق ٤٨٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم الأحوال الشخصية
٥٦٠
حاشية ابن عابدين
فلو دفَعَ لها الكلَّ هل تَبَطُلُ؟ الظَّاهرُ لا؛ لتصريحِهم بصحَّةِ براءةِ الإسقاطِ والرُّجوعِ
بما دَفَعَهُ. حَلَفَ بالله أنَّه لم(١) يَدخُلْ هذه الدَّارَ اليومَ، ثُمَّ قال: عبدُهُ حرٌّ ولم يكن
دخَلَ لا كَفَّارَةَ، ولا يَعِقُ عبدُهُ إِمَّا لصدقِهِ، أو لأَنَّها غَموسٌ، ولا مدخلَ للقضاء
في اليمين بالله، حتّى لو كانَتْ يمينُهُ الأُولى بعتقِ أو طلاقٍ.
[١٤٠٥٩] (قولُهُ: فلو دفَعَ لها الكلَّ) أي: كُلَّ الدَّينِ الْمُعَّرِ عنه بقولِهِ: ((من كذا))، أو كلَّ
باقي الصَّداقِ.
[١٤٠٦٠] (قولُهُ: هل تَبطُلُ؟) أي: اليمينُ المذكورة(٢)، ووَجْهُ التَّقُّفِ: أنَّ الطَّلاقَ مُعلَّقٌ على
شرطين، وهما: النِّقْلُ والإبراءُ، أو التّوُّجُ والإِبراءُ، فإذا وُجِدَ أحدُهما فلا بدَّ من وجودِ الآخرِ
وهو الإبراءُ، مع أنَّ المُبْرَّأَ عنه قد دَفَعَهُ لها.
(١٤٠٦١) (قولُهُ: لتصريحِهم إِلخ) قال في "الأشباه"(٣): ((الإبراءُ بعدَ قضاءِ الدَّينِ صحيحٌ؛ لأنَّ
السَّاقِطَ بالقضاءِ المطالبةُ لا أصلُ الدَّين، فَيَرجِعُ المديونُ بما أدَّاهُ إذا أبرَأَهُ براءةَ إسقاطٍ، وإذا أبرَأَهُ
براءةً استيفاءِ فلا رُجُوعَ، واختلفوا فيما إذا أَطْلَقَها، وعلى هذا لو عَلَّقَ طلاقَها بابرائِها عن المهرِ ثمَّ
دَفَعَهُ لها لا يَبْطُلُ التّعليقُ، فإذا أبرَتْهُ براءةَ إسقاطٍ وقَعَ ورجَعَ عليها)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ الدَّينَ وصفٌ في ذِمَّةِ المديون، والدَّينُ يُقضَى بمثلِهِ، أي: إذا أَوْفَى ما عليه
الغريمِهِ ثَبَتَ له على غريِهِ مثلُ ما لغرِهِ عليه فَتَسقُطُ المطالبةُ، فإذا أبرَأَهُ غرِيمُهُ براءةَ إسقاطٍ سقَطَ ما
بذِمَّتِهِ لغرِهِ، فَتْبُتُ له مُطالَبةُ غرِهِ بما أوفاه، فقد صحَّت البراءةُ بعدَ الدَّفع، فلا تَبطُلُ اليمينُ، بل
يَتَوقّفُ الوقوعُ على البراءةِ، بخلافٍ ما إذا أبرَأَهُ براءةَ استيفاءِ؛ لأنّها بمعنى إقرارِهِ باستيفاءِ دَيْنِهِ وبأنّه
لا مُطالَبَةَ له عليه، فلا يَرجِعُ عليه المديونُ لعدمٍ سُقُوطٍ ما بذِمَّتِهِ بذلك، وأمّا لو أطلَقَ فينبغي في
زماننا حملُها على الاستيفاءِ لعدمٍ فَهْمِهِم غيرَها.
[١٤٠٦٢] (قولُهُ: حلَّفَ بالله أنّه لم يَدخُلْ) [٣/ق٢٩١/ب] كذا في بعض النَّسخ، وفي بعضِها:
(١) في "و": ((لا)).
(٢) في "ب" و"م": ((المذكور)).
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب المداينات صـ٣١٤ - بتصرف، نقلاً عن "الذخيرة" و"شرح
منظومة ابن وهبان".
الجزء التاسع
٥٦١
باب التعليق
حَنِثَ في اليمينين لدخولِها في القضاءِ. أَخَذَتْ من مالِهِ درهماً، فاشتَرَتْ به لحماً،
وخلَطَهُ اللَّخَّامُ بدراهمِهِ، وقال لها(١) زَوْجُها: إنْ لم تَرُدِّيهِ اليومَ فأنتِ كذا فحِيلْتُهُ
أنْ تأخذَ كيسَ اللَّحَّامِ وتُسلِّمَهُ للزَّوجِ قبل مُضيِّ اليوم، وإلاَّ حَنِثَ(٢)، ولو ضاعَ
من اللَّخَّامِ فما لم يُعلَمْ أَنَّ أُذِيبَ أو سقَطَ في البحرِ لا يَحْنَث.
((لا يَدخُلُ))، والصَّوابُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّه على الثّاني تكونُ اليمين مُنعقِدةٌ لكونِها على المستقبَلِ،
وفَرْضُ المسألةِ فيما إذا كانَتْ على الماضي لتناقُضِ اليمين الثّانية، ففي "البحر"(٣) عن "المحيط"
من باب الأيمان التي يُكذّبُ بعضُها بعضاً: ((حلَفَ بالله تعالى أنّه لم يَدخُلْ هذه الدَّارَ اليومَ،
ثمّ قال: عبدُهُ حُرٍّ إنْ لم يكن دخَلَها اليومَ لا كَفَّارَةَ ولا يَعْتِقُ عبدُهُ؛ لأَنْه إنْ كان صادقاً في
اليمين بالله تعالى لم يَحْنَثْ ولا كفَّارةً، وإنْ كان كاذباً فهي يمينُ الغَمُوسِ، فلا تُوجِبُ
الكفّارةَ، واليمينُ بالله تعالى لا مَدخَلَ لها في القضاء، فلم يَصِرْ فيها مُكذّباً شرعاً، فلم يَتَحقَّقْ
شرطُ الخِنْثِ في اليمين بالعتق وهو عدمُ الدُّخولِ، حتّى لو كانت اليمينُ الأُولى بعِثْقٍ أو طلاقٍ
حَنِثَ في اليمينين؛ لأنَّ لها مدخلاً في القضاء)) اهـ.
(١٤٠٦٣) (قولُهُ: حَنِثَ في اليمينَينِ) لأنّه بكلِّ زعَمَ الحِنْثَ في الأخرى كما يأتي (٤) في بابِ
عِثْقِ البعض. اهـ "ح"(٥).
[١٤٠٦٤) (قولُهُ: ولو ضاعَ من اللَّحَّامِ إلخ) هذا نقَلَهُ في "البحر"(٦) عن "الخانيّة"(٧) في اليمينِ
(١) ((لها)) ليست في "ب" و"و" و"ط".
(٢) ((قبل مُضيِّ اليوم، وإلا حنث)) ساقطة من "د" و"و".
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب التعليق ٢٤/٤.
(٤) المقولة [١٦٧٠١] قوله: ((عتق وطلقت)).
(٥) "ح": كتاب الطلاق - باب التعليق ق ١٩٣/أ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب التعليق ٢١/٤.
(٧) "الخانية": كتاب الطلاق - باب التعليق ٤٩٠/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم الأحوال الشخصية
٥٦٢
حاشية ابن عابدين
حَلَفَ إنْ لم أكن اليومَ في العالَمِ أو في هذه الدُّنيا فكذا يُحبَسُ ولو في بيتٍ حتّى
يمضيَ اليومُ، ولو حلَفَ إنْ لم يُخَرِّبْ بيتَ فلانِ غدً، فقُيِّدَ ومُنِعَ حتَّى مَضَى الغدُ
حَنِثَ، وكذا إن لم أَخرُجْ من هذا المنزلِ فكذا فقُيِّدَ، أو إنْ لم أذهبُ بِكِ إلى منزلي
فأخَذَها فِهَرَبَتْ منه، أو إنْ لم تَحضُري اللّيلةَ منزلي فكذا،.
المُطْلَقةِ عن ذكرِ اليوم، ثمَّ قال: ((ومفهومُهُ أَنَّه إذا لم يمكن رَدُّهُ فإنّه يَحِنَثُ، فَعُلِمَ به أنَّ قولَهم:
يُشترَطُ لبقاءِ اليمين إمكانُ البِّ إنما هو في المقيَّدةِ بالوقتِ، فعدمُهُ مُبطِلٌ لها، أمَّا الْمُطْلَقةُ فعدمُهُ
مُوجِبٌ للحِنْثِ)) اهـ
وحاصلُهُ: أَنَّه إذا كانت اليمينُ مُقيّدةً بالوقتِ يَحَنَثُ بُضِيِّهِ، إلاّ إذا عَجَرَتْ عن رَدِّهِ بأنْ ضاعَ
أو أُذِيبَ، أمَّا لو كانَتْ مُطْلَقَةً فلا يَحَنَثُ وإِنْ ضاعَ ما داما حَيَّينِ لإمكانٍ وِجْدَانِهِ، أمَّا لو ماتَ
أحدُهما أو عُلِمَ أنّه أُذِيبَ أو سقَطَ في البحر فإنّه يَحَنَثُ لتعذُّرِ الرَِّّ، وبه تَعَلَمُ ما في كلام "الشَّارِح".
[١٤٠٦٥) (قولُهُ: إنْ لم أَكُنْ إلخ) كذا في "البحر"(١) عن "الصَّيرفيّة"، وقد راجعتُ عبارةً
"الصَّيرِفَيَّة" ، فرأيتُ فيها: ((إنْ أَكُنْ)) بِدُونِ ((لَمْ))، وهو الصَّواب.
مطلبٌ: المحبوسُ لیس في الدُّنيا
[١٤٠٦٦) (قولُهُ: يُحبَسُ إِلخ) سواءٌ حَبَسَهُ القاضي أو الوالي؛ لأنَّ الحَبْسَ يُسمَّى نَفْياً، قال
تعالى: ﴿أَوْيُنْفَوْ مِنَ اُلْأَرْضِّ﴾ [المائدة - ٣٣]، "بحر "(٢) عن "الصَّيرفَيَّة"، أي: فإنَّ الآيةَ محمولةٌ
(قولُ "الشَّارِحِ": حَلَفَ: إنْ لم أكن اليومَ في العالَمِ أو في هذه الدُّنيا فكذا يُحبَسُ إلخ) الظَّاهرُ أنَّه
يَحنثُ في يمينهِ فِي عُرْفِنا الآن؛ لتحقُّقِ شَرْطِهِ، والأيمانُ مبنيَّةٌ على العُرْفِ.
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب التعليق ١٦/٤.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب التعليق ١٦/٤.
باب التعلیق
٥٦٣
الجزء التاسع
فمَنَعَها أبوها حَنِثَ في المختار، بخلاف: لا أسكنُ فَأُغلِقَ البابُ أو قُيِّدَ لا يَحَنَثُ في المختار.
عندنا على الحبسِ. ورأيتُ في بعض الكتب: أنَّ الوزير "ابن مُقْلَةً"(١) لَمَّا حَبَسَهُ "الرَّاضي بالله"(٢)
سنةً اثنتين(٣) وعشرين وثلثمائةٍ أنشَدَ قولَهُ: [طويل]
فَلَسْنا مِن الَوْتِى نُعَدُّ ولا الأَحيا
خَرَجْنا من الدُّنيا ونحنُ مِنَ اهِلِها
فَرِحنا وقلنا جاءَ هذا مِن الدُّنْيا
إذا جاءَنا السَّجَّانُ يوماً لِحاجةٍ
٥١٨/٢
[١٤٠٦٧] (قولُهُ: لا يَحْنَثُ في المختارِ) لأَنَّه مُسكّنٌ لا ساكنٌ، وشرطُ الحِنْثِ هو
السُّكنى، وإنما تكونُ السُّكنى بفعلِهِ إذا كان باختيارِهِ، بخلافٍ: [٣/ ق١/٢٩٢] إنْ لم أُخرُجْ
ونحوِهِ؛ لأنَّ شرطَ الحِنْثِ عدمُ الفعل، والعدمُ يتحقّقُ بُدُونِ الاختيارِ، أفادَهُ في "الذَّخيرة"، وأفاد
أيضاً: ((أنَّ الخلافَ فيما إذا أُغلِقَ البابُ لا فيما إذا مُنِعَ بِقَيْدٍ))، ومثلُهُ في "البحر"(٤)، وصرَّحَ
به في "البزَّازِيَّة"(٥).
وحاصلُهُ: أَنَّه لو كان المَنْعُ حِسِيّاً لا يَحَنَثُ بلا خلافٍ، ولو كان بغيرِهِ لا يَحَنَثُ أيضاً في
المختارِ، وقيل: يَحْنَثُ.
(قولُهُ: لا يحنثُ بلا خِلافٍ إِلخ) لا يظهَرُ فرقٌ بينَ السُّكَنَى وغيرِها في هذا التَّفصيل.
(١) أبو علي محمد بن علي بن حسن بن مُقلّة، الوزير (ت٣٣٨هـ). ("وفيات الأعيان" ١١٣/٥، "سير أعلام النبلاء"
٢٢٤/١٥، "الوافي بالوفيات" ١٠٩/٤).
(٢) أبو العباس - وقيل: أبو إسحاق - محمد - وقيل: أحمد - بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد، الراضي بالله
الهاشمي، الخليفة العباسيّ (ت٣٢٩هـ). ("سير أعلام النبلاء" ١٠٣/١٥، "الوافي بالوفيات" ٢٩٧/٢، "قوات
الوفيات" ٣٢١/٣).
(٣) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((اثنين))، والصواب ما أثبتناه من "م".
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب التعليق ٢١/٤.
(٥) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل الخامس عشر في المساكنة ٣١٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم الأحوال الشخصية
٥٦٤
حاشية ابن عابدين
قلت: قال "ابنُ الشِّحنة": ((والأصلُ أَنَّه متى عجَزَ عن شرطِ الحِنْثِ حَنِثَ(١)
في العدميِّ لا الوجوديِ))،
مطلبٌ: الأصلُ أنَّ شرطَ الحِنْثِ إنْ كان عدميّاً وعجَزَ لا يَحَنَثُ
[١٤٠٦٨] (قولُهُ: والأصلُ إلخ) عبارةُ "ابنِ الشِّحنة"(٢): ((والأصلُ أنَّ شرطَ الخِنْثِ إنْ كان
عدميّا وعجَزَ عن مباشرتِهِ فالمختارُ الحِنْثُ، وإنْ كان وجودياً وعجَزَ فالمختارُ عدمُ الحِنْثِ)) اهـ.
قلت: والظَاهرُ أنَّ الضَّمير في قولِهِ: ((مباشرتِهِ)) يَعُودُ إلى شرطِ البِرِّ لا شرطِ الحِنْثِ؛ لأنَّ
العجزَ عن الشَّيءٍ فَرْعٌ عن تَطَلُبِهِ، والحالفُ إنما يَطْلُبُ شرطَ البِّ فُيُحصِّلُهُ أو يَعجَزُ عنه، فكان على
"الشَّارح" أنْ يقول: متى عجَزَ عن شرطِ البِّ، فافهم.
هذا، وقد استشكَّلَ في "البحر"(٣) فرعين: أحدُهما مسألةُ العَسَسِ المارَّةُ. والثّاني ما في
"القنية"(٤): ((إنْ لم أَعمَلْ هذه السَّنةَ في المزارعةِ بتمامِها، فمَرِضَ ولم يُتِمَّ حَنِثَ، ولو حَبَسَهُ
السُّلطانُ لا يَحَنَثُ)) اهـ. قال: ((فإنَّ الشَّرطَ فيهما العدمُ وقد أَثَّرَ فيه الحبسُ)) اهـ.
قلت: أمَّا مسألةُ العَسَسِ فقد مَرَّ(٥) الجوابُ عنها، وأمَّا مسألةُ "القنية" فالظَّاهرُ أنّها مِبنِيَّةٌ
(قولُهُ: وأمَّ مسألةُ "القُنيةِ" فالظَّاهرُ أنّها مبنيّةٌ على خِلافِ المختارِ إلخ) لا يظهرُ، فإنّه إذا قيل بعدمٍ
الحِنثِ - فيما إذا كان المنعُ غيرَ حسِّيِّ - يلزمُ أنْ يُقالَ به أيضاً في الحسِّيِّ بالأولى كما لا يَخْفَى، والظَّاهرُ
أَنَّه إنّما قيل: بالحِنثِ في المرَضِ؛ لعدَمِ توسُّطِ العبدِ في هذا الشَّرط العدَميِّ، فقد تحقَّقَ بدونٍ وجودٍ ما
يقطَعُ نسبةَ عدَمِ الفعلِ عنه، وبحبسِ السُّلطانِ توسَّطَ العبدُ في تحقُّقِ هذا الشَّرطِ، فقطعَ نسبةَ عدَمِ الفعلِ
عن الحالفِ، فكأنّه لم يُوجَدْ، وعلى هذا يكونُ القيدُ مثلَ الحبسِ لا المرَضِ، تأمَّل.
(١) ((حَنِثَ)) ساقطة من "ب".
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الأيمان ق ١٢٠/أ.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب التعليق ٢١/٤.
(٤) "القنية": كتاب الأيمان - باب اليمين على فعلٍ فيُمنَعُ منه أو يَعْجِزَ ق٥٨/أ معزّاً إلى "المحيط ".
(٥) المقولة [١٤٠٤٩] قوله: ((لا يحنث)).
الجزء التاسع
٥٦٥
باب التعلیق
على خلافِ المختار، وهو عدمُ الحِنْثِ فيما إذا كان المَنْعُ غيرَ حسِّيٍّ، فلذا فَرَّقَ بين المنعِ بالمرض
والمنعِ بَحْسِ السُّلطان؛ لأنَّ الَحَيْسَ إغلاقٌ لبابِ الحَيْسِ، فهو منعٌ غيرُ حِسِّيٌّ بخلافِ المرض، فإِنَّه
كالقَيْدِ، فهو مَنْعٌ حِسِّيٍّ، لكنْ في أيمان "البزَّازِيَّة"(١) من الخامس عشر: ((إِنْ لم تَحضُرِينِي اللَّيلةَ
فكذا، فقُيِّدَتْ ومُنِعَتْ مَنْعاً حِسِّيّاً ذكَرَ "الفَضْلِيُّ": أَنَّه يَحَنَثُ، والأصحُّ أَنَّه لا يَحْنَثُ))، فقد
صحَّحَ عدمَ الحِنْثِ في المنْعِ الحسِّيِّ، لكنْ ذكّرَ في "الذَّخيرة": ((أَنَّ المختار الحِنْثُ)) ولم يُقِيِّدْ
بكونِها مُنِعَتْ مَنْعاً حِسّاً، فالظَّاهِرُ أنّه ترجيحٌ لقولِ "الفَضْلِيِّ"، وهو الموافقُ للأصلِ المارّ(٢)؛ لأنَّ
الشَّرطَ هنا عَدَمِيٌّ، ويكونُ التَّفصيلُ بين المنْعِ الحسِّيِّ وغيرِهِ خاصًّاً فيما إذا كان الشَّرطُ وُجُودِيّاً،
ويكونُ ما في "القنية" و"البزَّازِيَّة" مبنيّاً على إجرائِهِ في العَدَميِّ أيضاً، والله أعلم.
(تنبيةٌ)
اعلم أنّهم صرَّحُوا بأنَّ فَوَاتَ المحلِّ يُطِلُ اليمينَ، وبأنَّ العجزَ عن فعلِ المحلوفِ عليه يُبطِلُها
أيضاً لو مُوقّةً لا لو مُطْلَقةٌ، وبأنَّ إمكانَ تَصَوُّرِ البِرِّ شرطٌ لانعقادِها في الابتداءِ مطلقاً وشرطٌ
لبقائها لو مُوقّةً، وعلى هذا فقولُهم في: لَيَشْرَبَنَّ ماء هذا الكُوزِ اليومَ ولا ماءً فيه: لا يَحْنَثُ وجهُهُ
أنّها لم تَنَعقِدْ لعدمٍ إِمكانِ البِّ ابتداءً، وفيما لو كان فيه ماءٌ فصُبَّ: تَبَطُلُ لعدم إمكانِ البِرِّ بعدَ
انعقادِها، [٣/ق٢٩٢/ ب] والعجزُ فيه ناشئٌّ عن فَوَاتِ المحلِّ، وفي: إنْ لم أَخرُجْ ونحوِهِ فَقِيِّدَ ومُنِعَ:
يَحَنَثُ لأَنَّ العجزَ لم يَنشَأُ عنِ فَواتِ المحلّ؛ لأنَّ المحلَّ فيه هو الحالِفُ أو المرأةُ ونحوُ ذلك وهو
موجودٌ، بخلافِ الماء الذي صُبَّ، فإذا لم يَخرُجْ تحقَّقَ شرطُ الحِنْثِ لبقاءِ المحلِّ وإنْ عجَزَ حقيقةً
(قولُهُ: ويكونُ ما في "القُنيةِ" و"البزَّازِيَّةِ " مَبنّاً على إجرائِه في العدَميِّ أيضاً) فيه أنَّ ما في "القُنيةِ" فيهِ
شرطُ الجِنْثِ عِدَميٍّ، وقد فرَّقَ بينَ المنعِ الحسِّيِّ - وهو المرضُ - وغيرِهِ وهو الحبسُ، وما في "البرَّازِيَّة" شرطُ
الحِنْثِ فيه عدَمَيٌّ أيضاً، وذكّرًا الاختلافَ في الحِنثِ، ولم يتعرَّضا لِما إذا كانَ شرطُه وجودِيّاً، وأنّه هل يجري
فيه الّفصيلُ بينَ الحسِّيِّ وغيرِهِ أو لا؟
(١) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل الخامس عشر في المساكنة ٣١٧/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في المقولة نفسها.
قسم الأحوال الشخصية
٥٦٦
حاشية ابن عابدين
قال في "النّهر": ((ومُقَادُهُ الحِنْثُ(١) فيمَنْ حَلَفَ لْيُؤدِّيَنَّ اليومَ دَيْنَهُ فعجَزَ لفَقْرِهِ وَفَقْدٍ
مَن يُقْرِضُهُ خلافاً لِما بحَثَّهُ في "البحر"))، فتدبّرْ.
الإمكانِ البِّ عقلاً، بأن يُطلِقَهُ الحابسُ له، كما في قولهِ: إنْ لم أَمَسَّ السَّماءَ اليومَ فإنَّه يَحْنَثُ بُمُضِيِّهِ؟
لأَنَّه وإن استحالَ عادةً لكنَّه في نفسِهِ ممكنٌ؛ لأَنَّه وُجِدَ من بعضِ الأنبياء، بخلاف ما لو صُبَّ الماءُ؛
لأنَّ عَوْدَ الماءِ المحلوفِ عليه غيرُ ممكنٍ أصلاً، وفي: لا أسكنُ فَقَيِّدَ ومُنِعَ لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ شرطَ
الحِنْثِ وُجُودِيٌّ، وهو سُكْناهُ بنفسِهِ، والوُجُودِيُّ يمكن إعدامُهُ بالإكراهِ والمَّنْعِ، بِأَنْ يُنسَبَ لغيرِهِ
وهو المُكرِهُ بالكسر، بخلافٍ: لا يَخرُجُ؛ لأنَّ شرطَ الحِنْثِ عدميٌّ، وهو لا يمكنُ إعدامُهُ بالإكراهِ
لتحقُّقِهِ من المكرَهِ بالفتح، وهذا معنى قولِهِم: الإكراهُ يُؤثّرُ فِي الوُجُودِيِّ لا في العدميِّ.
فصار الحاصلُ: أَنَّ إذا كان شرطُ الخِنْثِ عدميّاً فإِنْ عجَزَ عن شرطِ البِرِّ بِفَوَاتٍ محلِّهِ
لا يَحْنَثُ، وإِنْ مع بقاءِ المحلِّ حَنِثَ سواءً كان المانعُ حسِّيّاً أوْ لا، وكذا لو كان المانعُ كونَهُ
مستحيلاً عادةٌ كمَسِّ السَّماءِ، وإنْ كان الشَّرطُ وُجُودّاً لا يَحَنَثُ مُطْلِقاً ولو كان المانعُ غيرَ
حِسِّيٍّ في المختار، هذا ما تحرَّرَ لي من كلامهم، والله تعالى أعلم، فافهم.
[١٤٠٦٩) (قولُ: ومُفَادُهُ إِلخ) أي: لأنَّ شرط الحِنْثِ فيه عَدَمَيٌّ وهو عدمُ الأداءِ، والمحلُّ - وهو
الحالِفُ - باق، وإذا كان يَحْنَثُ فِي حَلِفِهِ: لَيَمَسَّنَ السَّماءَ اليومَ مع كون شرطِ البِّ مستحيلاً عادةً
فحِئُهُ هنا بالأولى؛ لأنَّ شرط البِرِّ ممكنٌ، بأنْ يَغْصِبَ مالاً، أو يَحِدَ مَن يُقْرِضُهُ، أو يَرِثَ قريباً له
ونحوِ ذلك، فإنَّ ذلك ليس بأبعدَ مِن مَسِّ السَّماءِ، ولا يَرِدُ ما قيل: إنَّه يُستفادُ عدمُ الحِنْثِ من قولِهِ
في "المنح"(٢): ((حَلَفَ لَيَقضِيَنَّ فلاناً دَيْنَهُ غدً، ومات أحدُهما قبل مُضيِّ الغدِ، أو قَضَاهُ قبَلَهُ، أو
أبرَهُ لم تَتَعقِدْ)) اهـ؛ لأنَّ عدمَ الحِنْثِ فيه لْبُطْلانِ اليمينِ بِفَوْتِ المحلِّ كما لو صُبَّ ما في الكُوزِ،
فإنَّ شرطَ البِرِّ صار مستحيلاً عقلاً وعادةً بخلافٍ مَسِّ السَّماءِ، فإنّه ممكنٌ عقلاً وإن استحالَ عادةً،
(١) في "ط": ((أنَّ الحنث)).
(٢) "المنح": كتاب الأيمان - باب في بيان أحكام اليمين في الأكل إلخ ١/ق ٢٠٠/ب بتصرف.
الجزء التاسع
٥٦٧
باب التعليق
وكذا لا يَرِدُ ما في "الخانَيَّةَ"(١): ((إنْ لم آكُلْ هذا الرَّغيفَ اليومَ، فَأَكَلَهُ غيرُهُ قبلَ الغروب
لا يَحْنَثُ))؛ لأنّه من فروعٍ مسألةِ الكُوزِ كما صرَّحُوا به؛ لفَوَاتِ المحلِّ وهو الرَّغيفُ، وما
استشهَدَ به صاحبُ "البحر"(٢) حيث قال: ((إِنَّ قولَهُ في "القنية"(٣): متى عجَزَ عن المحلوفِ عليه
٥١٩/٢ واليمينُ مُوقّةٌ فإنّها تَبطُلُ يَقتضِي بُطْلانَها في الحادثةِ المذكورةِ)) اهـ فيه نظرٌ؛ لأنَّ مُرادَ "القنية"
العجزُ الحقيقيُّ كما في مسألةِ الكُوزِ، وإلاّ ناقَضَهُ ما [٣/ ق١/٢٩٣] أطبَقَ عليه أصحابُ المتونِ من عدمٍ
الْبُطْلانِ في: لِأَصْعَدَنَّ السَّماءَ، ثُمَّ رأيتُ "الرَّلِيَّ" نقَلَ عن "فتاوى صاحب البحر"(٤): (( أَنَّه أَفَتَى
بالخِنْثِ في مسألتنا مُستِداً إلى إمكانِ البِّ حقيقةً وعادةً مع الإعسارِ بهِنَةٍ أو تَصَدُّقٍ أو إِرْثٍ)) اهـ،
وهو عَيْنُ ما قلناه أوَّلًا، ولله الحمد.
(١) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل فيما يكون على الفور أو على الأبد ٣٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب التعليق ٢٢/٤.
(٣) "القنية": كتاب الأيمان - باب اليمين على فعل فيمنع منه أو يعجز ق٥٨/ب.
(٤) لم نعثر على المسألة في نسخة فتاوى صاحب "البحر" التي بين أيدينا.
قسم الأحوال الشخصية
٥٦٨
حاشية ابن عابدين
﴿بابُ طلاق المريض﴾
عنوَنَ به لأصالتِهِ، ويقال له: الفارُّ؛ لفِرارِهِ من إرثها، فُرَدُّ عليه قصدُهُ إلى تمامٍ عِدَّتِها،
﴿بابُ طلاق المريض﴾
لَمَّا كان المرضُ من العَوَارِضِ أَخْرَهُ.
[١٤٠٧٠) (قولُهُ: عَنْوَنَ به لأصالِهِ) أي: اقتصَرَ على ذكرِ المريض في الترجمة مع أنَّ قولَهُ:
((مَنْ غَالِبُ حالِهِ الهلاكُ بمرضٍ أو غيرِهِ)) صريحٌ في أنَّ الحكمَ في غيرِ المريض كذلك، ولكنَّ
الأصل في هذا الباب المريضُ، وغيرُهُ ممن كان في حكمِهِ مُلحَقٌ به، وقيل: المرادُ بالمريضِ مَن غالِبُ
حالِهِ الهلاكُ مجازاً، فَيَشْمَلُ غيرَهُ.
[١٤٠٧١) (قولُهُ: لِرارِهِ من إرثِها) أي: ظاهراً وإن اتّفَقَ أَنَّه لم يَقصِد الفِرارَ.
[١٤٠٧٢] (قولُهُ: فُرَدُّ عليه قَصْدُهُ) بيانٌ لوجهِ توريثها منه اعتباراً بقاتلٍ مُورِّتِهِ بجامعٍ كونِهِ
فعلاً مُحرَّماً لغرضٍ فاسدٍ، وتمامُ تقريرِهِ في "الفتح"(١). وعن هذا قال في "البحر"(٢): ((وقد عُلِمَ من
كلامِهم أنّه لا يجوزُ للزَّوجِ المريضِ التّطليقُ لتعلّقِ حقِّها بماِلِهِ إلاّ إذا رَضِيَتْ به)) اهـ.
قال في "النّهر"(٣): ((وفيه نظرّ؛ لأنَّ الشَّارعَ حيث رَدَّ عليه قصدَهُ لم يكن آتياً إلاّ بصورةٍ
الإبطال لا بحقيقتِهِ، فتدبَّر)) اهـ.
وقد يقال: لو لم يكن ذلك القَصْدُ محظوراً لم يَرُدَّهُ عليه الشَّارعُ كَقَتْلِ المُورِّثِ استعجالاً
لإرثِهِ، ثمَّ رأيتُ في "التَّاتر خانيَّة"(٤) عن "الملتقط": ((قال "محمَّدٌ": إذا مَرِضَ الرَّجُلُ وقد دخَلَ
بامرأتِهِ أَكْرَهُ له أنْ يُطلّقَها، ولو كان قبل الدُّخولِ لا يكرهُ)) اهـ.
[٤٠٧٣ ١) (قولُهُ: إلى تمامٍ عِدَّتِها) لأنَّ الميراثَ لا بدَّ أن يكونَ لنَسَبٍ أو سببٍ وهو الزَّوجِيَّةُ
(١) انظر "الفتح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٣/٤.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٦/٤.
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق ٢٢٨/أ.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الطلاق - الفصل العشرون في طلاق المريض ٥٧٧/٣.
الجزء التاسع
٥٦٩
باب طلاق المریض
وقد يكونُ الفِرارُ منها كما سيجيءُ.
(مَنْ غالِبُ حالِهِ الهلاكُ بمرضٍ أو غيرِهِ، بأنْ أَضناهُ مرضٌ عجَزَ به عن إقامةٍ
مصالحِهِ خارجَ البيت).
والعِثْقُ، والزَّوجِيَّةُ تَنقطِعُ بالبينونةِ، وهذا إشارةٌ إلى خلافٍ "مالكٍ" في قولِهِ يارثها وإِنْ مات بعدَ
تَزَوُّجِها كما يأتي(١).
[١٤٠٧٤) (قولُهُ: كما سيجيءُ(٢) أي: في قولِ "المصنّفِ": ((ولو باشَرَتْ سببَ الفُرقةِ وهي
مريضةٌ إِلخ))، "ط"(٣).
[١٤٠٧٥) (قولُهُ: بأَنْ أَضْنَاهُ مَرَضٌ) أي: لازَمَهُ حتَّى أشرَفَ على الموتِ، "مصباح (٤).
[١٤٠٧٦) (قولُهُ: عجَزَ به إلخ) فلو قَدَرَ على إقامةِ مَصالِحِهِ في البيتِ كالوضوءِ والقيامِ إلى
الخلاء لا يكونُ فارًا(٥)، وفسَّرَهُ في "الهداية" (٦): ((بأنْ يكونَ صاحبَ فراشٍ، وهو أنْ لا يقومَ
بجوائجِهِ كما يَعتادُهُ الأَصِحَّاءُ))، وهذا أضيقُ من الأوَّلِ؛ لأنَّ كونَهُ ذا فراشٍ يقتضي اعتبارَ العجزِ
عن مَصالِحِهِ في البيتِ، فلو قدَرَ عليها فيه لا يكونُ فارًاً، وصحَّحَهُ في "الفتح"(٧) حيث قال:
﴿بابُ طلاق المريض﴾
(قولُهُ: لا يكونُ فاراً) حقُّهُ: حذفُ ((لا)).
(١) المقولة [١٤١٠٥] قوله: ((وعند أحمد إلخ)).
(٢) صـ ٦٠٣ - "در".
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٥/٢.
(٤) "المصباح المنير": مادة ((ضني)).
(٥) في هامش "": ((قوله: (إلى الخلاءِ لا يكونُ فارًاً) لعلَّ الصواب إسقاطُ ((لا)) حيث كان مُفرَّعاً على كلامٍ
المصنّف، تأمَّل)) اهـ، وانظر "التقريرات".
(٦) "الهداية": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤/٢.
(٧) "الفتح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٨/٤.
قسم الأحوال الشخصية
٥٧٠
حاشية ابن عابدين
هو الأصحُّ كعجزِ الفقيهِ عن الإتيانِ إلى المسجدِ، وعجزِ السُّوقيِّ عن الإتيان إلى
دُكَّانِهِ، وفي حقّها أنْ تعجزَ عن مصالِحِها داخلَهُ كما في "البزَّازِيَّةِ"(١)، ومُفادُّهُ أنّها
لو قَدَرَتْ على نحوِ الطّبخ دون صُعُودِ السَّطحِ لم تكن مريضةً، ..
((فأمَّا [٣/ ق ٢٩٣/ ب] إذا أمكنَهُ القيامُ بها في البيتِ لا في خارجِهِ فالصَّحيحُ أنَّه صحيحٌ)) اهـ.
أقول: ومقتضى هذا كلّه أنّه لو كان مريضاً مرضاً يَغْلِبُ منه الهلاكُ لكنّه لم يُعجِزْهُ عن
مَصالِحِهِ كما يكونُ في ابتداءِ المرض لا يكونُ فارًاً، وفي "نور العين": ((قال "أبو اللّيث": كونُهُ
صاحبَ فراشٍ ليس بشرطٍ لكونِهِ مريضاً مرضَ الموت، بل العبرةُ للغَبَةِ، لو الغالبُ من هذا المرضِ
الموتُ فهو مرضُ الموت وإِنْ كان يَخرُجُ من البيت، وبه كان يُفِتِي "الصَّدرُ الشَّهيد"))، ثمَّ نقَلَ
عن صاحبِ "المحيط": ((أنّه ذكَرَ " محمَّدٌ" في "الأصل"(٢) مسائلَ تدلُّ على أنَّ الشَّرط خوفُ الهلاكِ
غالباً لا كونُهُ صاحبَ فراشٍ)) اهـ، ويأتي(٣) تمامُهُ.
[١٤٠٧٧) (قولُهُ: هو الأصحُّ) صحَّحَهُ "الزَّلِيُّ)(٤)، وقيل: مَن لا يُصلِّي قائماً، وقيل: مَن
لا يَمشِي، وقيل: مَن يَزدادُ مرضُهُ، "ط " (٥) عن "القهستانيّ"(٦).
[١٤٠٧٨] (قولُهُ: كعَجْزِ الفقيهِ إلخ) ينبغي أنْ يكونَ المرادُ العجزَ عن نحوِ ذلك من الإتيانِ إلى
المسجدِ أو الدُّكَّانِ لإقامةِ المصالِحِ القريبةِ في حقِّ الكلِّ؛ إذ لو كان محترفاً بحِرْفٍ شاقَّةٍ كما لو كان
(١) "البزازية": كتاب الطلاق - النوع الثامن في العدة - نوع في حدِّ المرض ٢٦٠/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في "د" زيادة: ((وفي "الجامع" ما يدلُّ على أنَّ الشَّرط خوفُ الهلاك على طريق الغلبة، فإنه قال - في المسلول
والمقعد والمفلوج -: ما دام يزداد ما به، فهو في حكم المريض، فإنْ صار قديماً لا يزداد فهو بمنزلة الصحيح.
"تتارخانية" عن "المحيط")). ق ١٩٦/أ.
(٣) المقولة [١٤٠٧٨] قوله: ((كعجز الفقيه إلخ)).
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب المريض ٢٤٨/٢.
(٥) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٥/٢.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطلاق - فصل طلاق المريض ٣١٨/١.
الجزء التاسع
٥٧١
باب طلاق المريض
مُكَارِياً أو حَمَّلاً على ظَهْرِهِ أو دَقَّقاً أو نَجَّاراً أو نحوَ ذلك مما لا يُمكِنُ إقامتُهُ مع أدنى مرضٍ،
وعجَزَ عنه مع قدرتِهِ على الخروجِ إلى المسجدِ أو السُّوقِ لا يكونُ مريضاً وإن كانت هذه
مَصالِحَهُ، وإلّ لَزِمَ أنْ يكونَ عدُ القدرة على الخروج إلى الدُّكَّانِ للبيعِ والشِراءِ مثلاً مرضاً وغيرً
مرضٍ بحسبِ اختلافِ المصالِحِ، فتأمَّل.
ثمَّ هذا إنما يَظهَرُ أيضاً في حقِّ مَن كان له قدرةٌ على الخروجِ قبلَ المرض، أمَّا لو كان غيرَ
قادرٍ عليه قبلَ المرض لكِيَرِ أو لعِلَّةٍ فِي رِجْلِيه فلا يَظهَرُ، فينبغي اعتبارُ غَلَبةِ الهلاكِ في حقِّهِ، وهو ما
مَّا) عن أبي اللَّيت"، وينبغي اعتمادُهُ لِما علمتَ من أَنَّه كان يُفتي به "الصَّدرُ الشَّهيد" وأنَّ كلام
"محمَّدٍ" يدلُّ عليه، ولاطْرَادِهِ فِيمَنْ كان عاجزاً قبلَ المرضِ، ويُؤْيِّدُهُ أنَّ مَن أُلْحِقَ بالمريضِ كمن
بارَزَ رَجُلاً ونحوَه إنما اعتُبرَ فيه غَلَبةُ الهلاكِ دون العجزِ عن الخروج، ولأنَّ بعضَ مَن يكونُ مطعوناً
أو به استسقاءٌ قبلَ غَلَبةِ المرض عليه قد يَخرُجُ لقضاءِ مَصالِحِه مع كونِهِ أقربَ إلى الهلاكِ من
مريضٍ ضَعُفَ عن الخروجِ لصُداعٍ أو هُزالٍ مثلاً.
وقد يُوفَّقُ بين القولين بأنَّه إِنْ عُلِمَ أنَّ به مرضاً مُهلِكاً غالباً وهو يَزدادُ إلى الموتِ فهو المُعتبَرُ،
وإنْ لم يُعَلَمْ أَنّه مُهلِكٌ يُعتَبَرُ العجزُ عن الخروجِ للمَصالِحِ، هذا ما ظهَرَ لي.
فإن قلت: إنَّ مرضَ الموت هو الذي يَتَّصِلُ به الموتُ، فما فائدةُ تعريفِهِ [٣/ق ٢٩٤/أ] ما ذُكِرَ؟
قلت: فائدتُهُ أَنَّه قد يَطُولُ سنةً فأكثرَ كما يأتي(٢)، فلا يُسمَّى مرضَ الموتِ وإن أَتَّصَلَ به
(قولُهُ: قلتُ: فائدتُهُ: أَنَّه قد يطولُ سنةً فأكثرَ إلخ) هذا الجوابُ غيرُ تامٍّ، فإنّه بطولِ المرَضِ سنةً مثلاً مع
اتّصالِ الموتِ لا يخرُجُ به عن كونِه مرضَ موتٍ، بل الأحسنُ في الجوابِ أَنَّه ليسَ المدارُ على مُجرَّدِ الاتّصالِ،
فإِنَّ مَنْ بِهِ صُداعٌ مثلاً لو ماتَ بهِ لا يُقالُ: إِنَّه يكونُ به فارًّاً، وإن أَتَّصلَ به الموتُ فلا بُدَّ مِن بيانِ المَرَضِ الذي
يكونُ به فارّاً مع اتّصالِهِ بالموتٍ، وما يأتي مِن أنَّ ما طالَ سنةً فأكثرَ لا يُسمَّى مرضَ موتٍ خاصٍّ بالمُقعَدِ
ونحوِهِ بشرطِ أنْ لا يُقْعِدَهُ في الفِراشِ، فغيرُ ما ذُكِرَ يُسمَّى مرضَ الموتِ وإنْ طالَ.
٥٢٠/٢
(١) في المقولة نفسها.
(٢) المقولة [١٤٠٨٤] قوله: ((وفي "القنية" إلخ)).
قسم الأحوال الشخصية
٥٧٢
حاشية ابن عابدین
قال في "النّهر": ((وهو الظَّاهر)).
قلت: وفي آخرِ وصايا "المجتبى": ((المرضُ المعتبرُ: الْمُضْني المبيحُ لصلاتِهِ قاعداً،
والمُقعَدُ والمفلوجُ والمسلولُ(١) إذا تطاوَلَ.
الموتُ، وأيضاً فقد يَمُوتُ المريضُ بسببٍ آخرَ كالقتلِ، فلا بدَّ من حَدِّ فاصلٍ تُبتَى عليه الأحكامُ.
[١٤٠٧٩] (قولُهُ: قال في "النّهر"(٢): وهو الظَّاهرُ رَدٌّ على قولِهِ في "الفتح"(٣): (( أمَّا المرأةُ فإِنْ
لم يُمكِنِها الصُّعودُ إلى السَّطحِ فهي مريضةٌ))، فإِنَّه يقتضي أنّها لو عَجَرَتْ عنه لا عمَّا دُونَهُ
كالطَّخِ تكونُ مريضةٌ، مع أنّه خلافُ ما في "الملتقى"(٤) وغيرِهِ من اعتبارِ عدم قُدرتِها على القيامِ
بمَصالِحٍ بيتها، تأمَّل.
[١٤٠٨٠] (قولُهُ: المرضُ) مبتدأً، و((المُعتَبَرُ)) صفتُهُ، و((المُضْني)) خَبَرُه، وقد علمتَ أنَّ هذا
القولَ مقابلُ الأصحِّ.
[١٤٠٨١] (قولُهُ: والمُقعَدُ) هو الذي لا حَرَاكَ به مِن داءٍ في جسدِهِ، كأنَّ الدَّاءَ أَقْعَدَهُ،
وعند الأَطِبَّاءِ هو الزَّمِنُ، وبعضُهم فرَّقَ وقال: المُقعَدُ: المتشنْجُ الأعضاءِ، والزَّمِنُ: الذي طالَ
مرضُهُ، "مغرب"(٥).
(قولُهُ: أمَّا المرأةُ فإنْ لم يُمكِنْها الصُّعودُ إلى السَّطحِ إلخ) وفَّقَ "الرَّحمِيُّ" بينَ القَولَينِ في هذه المسألةِ، فقالَ:
((إنْ كانَتْ تَستغني عن الصُّعودِ إلى السَّطحِ إلاّ نادراً كالشَّامِ والرُّومِ فهي صحيحةٌ وإنْ عجزَتْ عن الصُّعودِ إليه،
وإنْ كانَتْ لا تَستغني عنهُ ولا سِيَّما في الصَّفِ كالحرَمَينِ فهي مريضةٌ، وهذا له وجهٌ وجيةٌ؛ لأنَّ مَنْ كَثُرَ تردُّدُه
إلى السَّطحِ حَتّى صارَ عادةً له لا يُعجِزُهُ عنه أدنى مرَضٍ، وربَّما تعجزُ عنه مع الصِّحَّةِ فلا تكونُ مريضةٌ)) اهـ.
(١) في "ب": ((بلسلول))، وهو تحريف.
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٧/ب.
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٨/٤.
(٤) "ملتقى الأبحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٢٧٤/١.
(٥) "المغرب": مادة ((قعد)).
الجزء التاسع
٥٧٣
باب طلاق المریض
ولم يُقْعِدْهُ في الفراشِ كالصَّحيح))، ثمَّ رمَزَ "شح": ((حدُّ التّطاوُلِ سَنَةٌ)) انتهى.
وفي "القنية"(١): ((المفلوجُ والمسلولُ والمُقعَدُ ما دام يزدادُ كالمريض)).
[١٤٠٨٢) (قولُهُ: ولم يُقْعِدْهُ في الفراشِ) احترازٌ(٢) عمَّا إذا تطاوَلَ ثُمَّ تَغَيَّ حالُهُ، فإنَّه إذا ماتَ
من ذلك التَّغُّرِ يُعتبرُ تصرُّفُهُ من الثّلُثِ كما في "الخلاصة(٣).
[١٤٠٨٣) (قولُهُ: ثُمَّ رمَزَ: "شح") أي: شين وحاء، وهو رَمْزٌ لـ "شمسِ الأئمَّة الخَلْوانيّ"، وفي
"الهنديَّة"(٤) عن "الَّمُرْتاشيّ": ((وفسَّرَ أصحابنا التّطاوُلَ بالسَّنةِ، فإذا بقيَ على هذه العِلَّةِ سنةً
فَتَصَرُّفُه بعدَها كَتَصَرُّفِهِ في حالٍ صحَِّهِ)) اهـ، أي: ما لم يَتَغَيَّرْ حالُهُ كما علمتَ.
[١٤٠٨٤] (قولُهُ: وفي "القنية" إلخ) قال "ح"(٥) أخذاً مما تقدَّمَ(٦) عن "الهنديَّة": ((إنَّ هذا
لا يُنافي ما قبلَهُ؛ لأنَّ ازديادَهُ إلى السَّنَةِ فقط)) اهـ، ولا يخفى ما فيه.
وفي "الهنديَّةِ"(٧) أيضاً: ((المُفْعَدُ والمفلوجُ ما دام يَزدادُ ما به كالمريضِ، فإِنْ صار قديماً
ولم يَزِدْ فهو كالصَّحيحِ فِي الطَّلاق وغيرِهِ، كذا في "الكافي"(٨)، وبه أخَذَ بعضُ المشايخِ، وبه كان
يُقْتِيّ الصَّدرُ الشَّهِيدُ "حسامُ الأئمَّة"، والصَّدرُ الكبيرُ "برهان الأئمَّة". وفسَّرَ أصحابُنا)) إلخ ما مَرَّ(٩).
(قولُهُ: احِرازٌ عمَّا إذا تطاوَلَ ثُمَّ تغيَّر حالُهُ إِلخ) جعَلَه "السِّنديُّ": ((احترازاً عمَّا لو تطاوَلَ وأقعدَهُ، فهو
مريضٌ كذلك)) اهـ، وهو الظّهرُ، أمَّا إذا تطاوَلَ ثُمَّ تَعَّرَ حالُهُ فهو راجعٌ فِي الَعنِى لِمَا نقلَه عن "القُنيةِ".
(١) لم نعثر عليها في مخطوطة "القنية" التي بين أيدينا.
(٢) في "٢": ((احترازاً)).
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوصايا - الجنس الأول ق ٢٧٥/أ.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الباب الخامس في طلاق المريض ٤٦٣/١.
(٥) "ح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق ١٩٣/أ.
(٦) في المقولة السابقة.
(٧) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الباب الخامس في طلاق المريض ٤٦٣/١.
(٨) "كافي النسفي": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق١٤٨ /ب.
(٩) في المقولة السابقة.
قسم الأحوال الشخصية
٥٧٤
حاشية ابن عابدين
(أو بارَزَ رَجُلاً أقوى) منه (أو قُدِّمَ لِيُقْتَلَ.
قلت: وحاصلُهُ: أَنَّ إِنْ صار قديماً - بأنْ تطاوَلَ سنةً ولم يَحصُّل فيه ازديادٌ - فهو صحيحٌ، أمَّا
لو ماتَ حالةَ الازديادِ الواقعِ قبلَ التّطاوُلِ أو بعدَهُ فهو مريضٌ.
[١٤٠٨٥) (قولُهُ(١): أو بارَزَ رَجُلاً أقوى منه) بيانٌ لحكم الصَّحيحِ المُلحَقِ بالمريض هنا، وهو
مَن كان غالبُ حالِهِ الهلاكَ كما في "الّهاية" وغيرِها، والأولى أنْ يقال: مَن يُخافُ عليه الهلاكُ
غالباً على أنَّ غالباً مُتَعلّقٌ بالخوفِ وإنْ لم يكن الواقعُ غَلَبَةَ الهلاكِ، فإنَّ في المبارزةِ لا يكونُ الهلاكُ
غالباً إلاّ أنْ يَبْرُزَ لِمَن عُلِمَ أنّه ليس من أقرانِهِ، بخلافٍ غَلَبةِ خوفِ الهلاك، كذا في "البحر "(٢)،
ومثلُهُ في "الفتح"(٣). ومقتضاه أنَّ الأَولى [٣/ق /٢٩٤/ب] تركُ النَّقِيدِ بكونِهِ أقوى منه، ولذا لم يُقِّدْ به
في "الكنز"(٤) وغيرِهِ بناءً على أنَّ المُعتَبَرَ غَلَبةُ خوفِ الهلاكِ لا غَلَةُ الهلاكِ، فإنَّ مَنْ خَرَجَ عن صفٌ
القتالِ وبارَزَ رَجُلاً يَغْلِبُ عليه خوفُ الهلاك وإنْ لم يكن الرَّجلُ أقوى منه، ولا يَغِلِبُ عليه الهلاكُ
إلاّ إذا عُلِمَ أَنَّه أقوى منه، فما جَرَى عليه "المصنّفُ" مبنيٌّ على ما في "النهاية": ((من أنَّالمُعتَبَرَ غَلَبةُ
الهلاكِ))، وعليه جَرَى في "النّهر"(٥) وقال: ((ولذا فَّدَ بعضُهم المسألةَ بما إذا عُلِمَ أنَّ المبارِزَ ليس من
أقرانه بل أقوى منه)) اهـ.
وبما قرَّرناهُ عُلِمَ: أنَّ ما في المتن مخالفٌ لِما اختارَهُ في "البحر" تبعاً لـ "الفتح"، فافهم.
ويُؤْيِّدُ ما في "الفتح" ما ذكرَهُ في "معراج الدِّراية" من كتاب الوصايا: ((لو اختَلَطَت
الطَّائفتان للقتالِ وكلٌّ منهما مُكافِئَةٌ للأخرى أو مقهورةٌ فهو في حكمٍ مرضِ الموت، وإِنْ
لم يَخْتِطُوا فلا)) اهـ، فإنَّه يدلُّ على أنَّ المكافأةَ تكفي.
(١) ((قوله)) ليست في "م".
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٠/٤.
(٣) "الفتح": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٩/٤.
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطلاق - باب المريض ١٩٤/١.
(٥) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق ٢٢٩/أ.
الجزء التاسع
٥٧٥
باب طلاق المریض
من قِصاصٍ أو رَجْمٍ) أو بقي على لوحٍ من السَّفينة، أو افتَرَسَهُ سَبُعٌ وبقيَ في فيه
(فارِّ بالطّلَاقِ) حَبَرُ ((مَنْ)).
و (لا يصحُّ تَبُّعُهُ إلاَّ من الثُّلثِ،
[١٤٠٨٦] (قولُهُ: مِن قصاصٍ أو رَجْمٍ) وكذا لو قَدَّمَهُ ظالِمٌ لَيَقْتُلُ، "قُهُستاني) (١).
[١٤٠٨٧] (قولُهُ: أو بقيَ على لَوْحٍ من السَّفينةِ) يُوهِمُ أنَّ انكسارَ السَّفينةِ شرطٌ لكونِهِ فارًاً،
وليس كذلك، فقد قال في "المبسوط"(٢): ((فإنْ تَلَاطَمَت الأمواجُ وخِيْفَ الغَرَقُ فهو كالمريضِ))،
وكذا في "البدائع"(٣)، وقَّدَهُ " الإسبيجابيُّ": ((بأنْ يموتَ من ذلك الموجِ، أمَّا لو سكَنَ ثمَّ مات
لا تَرِثُ)) اهـ البحر "(٤).
قلت: وهذا شرطٌ في المبارزةِ وغيرِها أيضاً كما يأتي(*).
[١٤٠٨٨] (قولُهُ: وبقيَ في فيه) أمَّا لو ترَكَهُ فهو كالصَّحيحِ ما لم يَجرَحْهُ جُرْحاً يُخافُ منه
الهلاكُ غالباً كما يُفْهَمُ مما مَّ(٦).
[١٤٠٨٩] (قولُهُ: فَارِّ بالطَّلَاقِ) أي: هاربٌ من توريثها من مالِهِ بسببِ الطَّلاقِ في هذه الحالة.
[١٤٠٩٠) (قولُهُ: خَبَرُ: مَن) أي: خَبَرُ ((مَن)) الموصولةِ في قولِهِ: ((مَن غالِبُ حالِهِ الهلاكُ
[١٤٠٩١) (قولُهُ: ولا يصحُّ ◌َرُّعُه إلاَّ من النُّلث) أي: كوَقْفِهِ ومُحاباتِهِ وتزوُّجِهِ بأكثرَ من مهٍ
المثل، واستُفِيدَ من هذا أنَّ المرض في حقِّ الوصيّةِ والفِرارِ لا يَخْتِلِفُ، "ط"(٧). والمرادُ بقولِهِ:
(١) "جامع الرموز": كتاب الطلاق - فصل طلاق المريض ٣١٨/١.
(٢) "المبسوط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٨/٦.
(٣) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل في أحكام العدة ٢٢٤/٣.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥١/٤.
(٥) المقولة [١٤١٠٠] قوله: ((فلو صحّ)).
(٦) المقولة [١٤٠٨٥] قوله: ((أو بارز رجلاً أقوى منه)).
(٧) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٦/٢.
قسم الأحوال الشخصية
٥٧٦
حاشية ابن عابدين
فلو أبانَها) وهي من أهلِ الميراث عَلِمَ بأهلَّتِها أم لا، كأنْ أسلَمَتْ أو أُعْتِقَتْ ولم يَعلَمْ
(طائعاً) بلا رضاها، ..
((تبرّعُهُ)) أي: لأجنبيٌّ(١)، فلو لوارثٍ لم يصحَّ أصلاً.
[١٤٠٩٢) (قولُهُ: فلو أبانَها) أي: بواحدةٍ أو أكثرَ، ولم يقل: أو طَلِّقَها رجعيّاً كما قال في
"الكنز"(٢) لِما قال في "النّهر" (٣): ((وعندي أنّ كان ينبغي حذفُ الرَّجعيِّ من هذا البابِ؛ لأَنّها فيه
تَرِثُ ولو طَلَّقَها في الصِّحَّةِ ما بَقِيَت العِدَّةُ بخلافِ البائنِ، فإنّها لا تَرِثُهُ إلاّ إذا كان في المرضِ، وقد
أُحسَنَ "القدوريُّ"(٤) في اقتصارِهِ على البائنٍ، ولم أر مَن نَّهَ على هذا)) اهـ
قال "ط" (٥): ((والطَّلاقُ ليس بقيدٍ، بل كذلك [٣/ ق ٢٩٥/ أ] لو أبانَها بخيارِ بُلُوغِهِ أو تقبيلِهِ
أمَّها أو بنتَها أو رِدَّتِهِ كما في "البدائع"(٦)، وكأنّه كَنَى به عن كلِّ فُرقةٍ جَاءَتْ من قِبَلِهِ،
"حموي")) اهـ. لكنْ هذا في قول "الكنز": ((طَلِّقَها))، أمَّا قولُ "المصنّف": ((أبانَها)) لا يَحتاجُ
إلی دَعْوی الکنایةِ.
[١٤٠٩٣) (قولُهُ: وهي مِن أهلِ الميراثِ) أي: من وقتِ الطَّلاقِ إلى وقتِ الموت كما
٥٢١/٢ سيُوْضِحُهُ "الشَّارح"(٧).
[١٤٠٩٤) (قولُ: عَلِمَ بأهلَتِها أم لا إلخ) هذا كُلُّهُ سيأتي(٨) متناً وشرحاً، وأشار إلى أنَّه الأولى
ذ کرُهُ هنا.
(١) في "م": ((الأجنبي)).
(٢) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطلاق - باب المريض ١٩٣/١.
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٨/أ.
(٤) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الطلاق ٥٢/٣.
(٥) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٦/٢.
(٦) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل في أحكام العدة ٢٢٠/٣.
(٧) ص ٥٨٤- "در".
(٨) ص ٥٨٤- "در".
الجزء التاسع
٥٧٧
باب طلاق المريض
فلو أُكرِهَ.
[١٤٠٩٥) (قولُهُ: فلو أُكرِهَ) محترزُ قولِهِ: ((طائعاً))، أي: لو أُكرِهَ على طلاقِها البائنِ
لا تَرِثُ، وهذا لو كان الإكراهُ بوعيدٍ تَلَفٍ، فلو كان بحبسٍ أو قيدٍ يصيرُ فارًاً كما في
"الهنديَّةِ"(١) عن "العتَّيَّة".
ثمَّ اعلم أنَّه ذكَرَ في "جامع الفصولين"(٢): ((أنّه لا روايةَ لهذه المسألةِ في الكتب))، وذكَرَ
فيها عن المشايخ قولين: ((الأوَّلُ أَنَّها تَرِثُ؛ لأنَّ الإكراهَ لا يُؤثّرُ فِي الطَّلاقِ، بدليلٍ وقوع طلاق
المكرَهِ. والثّاني: أَنَّ ينبغي أنْ لا تَرِثَ للحَبْرِ؛ إذ لو أُكرِهَ على قتلٍ مُورِّهِ يَرِثُهُ، ولا يَرِثُهُ المُكرِهُ - أي:
بالكسرِ- لو وارثاً ولو لم يوجد منه القتلُ)) اهـ.
واستظهَرَ "الرَّحِمِيُّ" الأَوَّلَ؛ لتعلَّقِ حقُّها في إرثِهِ بمرضِهِ، ولم يوجد منها ما يُطِلُهُ، إلاّ إذا
كانَتْ هي التي أكرَهَتْهُ على الطَّلاقِ، وَيُؤْيِّدُهُ أَنَّه لو جامَعَها ابْنُهُ مُكرَهةً وَرِثَتْ مع أنَّ الفُرقةَ ليست
باختیارهما اهـ.
قلت: الظَّاهرُ ترجيحُ الثَّاني، ولذا جزَمَ به "الشَّارِحُ" تبعاً لـ "البحر"(٣)؛ لأنَّ إرثَ مَن أبانَها في
مرضِهِ لرَدِّ قَصْدِهِ عليه وهو فِرارُهُ من إرثِها، ومع الإكراهِ لم يَظهَرْ منه فِرارٌ، فَيَعمَلُ الطَّلاقُ عملَهُ فلا
تَرِثُهُ، كما أنَّ علَّة عدمٍ إرثِ القاتل لِمُورِِّ قَصْدُهُ تعجيلَ الميراثِ فُرَدُّ قصدُهُ عليه، وإذا كان مُكرَهاً
لم يَظهَرْ هذا القَصْدُ، فَيَرُِّهُ مع أنَّ القتل محظورٌ عليه بخلافِ الطَّلاقِ، فإنّه مع الإكراهِ غيرُ محظورٍ.
(قولُهُ: لأنَّ إرثَ مَنْ أبانَها في مَرَضِهِ إلخ) ولأنَّهُ في "الفُصولَينِ" بعدَ ما ذكَرَ الخِلافَ نقَلَ عن
صاحبِ "المحيطِ" القائلِ: بالإرثِ، وأَنَّه لا روايةَ لهذا في الكُتُبِ أَنَّه قالَ بعدَ ذلكَ: لا ترِثُ، وأَنَّه وجَدَ
مسألةٌ في الفرائضِ تدلُّ على عدَمِ الإرثِ.
(١) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الباب الخامس في طلاق المريض ٤٦٣/١.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الرابع والثلاثون - كتاب الطلاق ٢٤١/٢ بتصرف، نقلاً عن "فتاوى صاحب المحيط".
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٤٦/٤.
قسم الأحوال الشخصية
٥٧٨
حاشية ابن عابدين
أو رضيَتْ لم تَرِثْ، ولو أكرهتْ على رضاها أو جامَعَها ابنُهُ مكرهةً ورِئَتْ (وهو كذلك)
وقولُهُ: ((أو جامَعَها ابُهُ(١) مُكرَهَةً وَرِثَتْ)) صوابُهُ: لم تَرِثْ كما يأتي(٢) الَّبِيهُ عليه، فهو
مُؤيِّدٌ لِما قلنا(٣).
[١٤٠٩٦) (قولُهُ: أو رَضِيَتْ) محترزُ قولِهِ: ((بلا رِضاها))، أي: كـ: إِنْ خالَعَتْ، وفي حكمِهِ
كلُّ فُرقةٍ وَقَعَتْ من قِبَلِها كاختيارِ امرأةِ العِنِينِ نفسَها، "قهستاني(٤)، "ط)"(٥).
[١٤٠٩٧) (قولُهُ: ولو أُكرِهَتْ على رِضاها) أي: على مُفيدٍ رضاها كسؤالِها (٦) الطَّلاقَ، ولو
قال: على سؤالِها الطَّلاقَ كما قال غيرُهُ لكان أَولِى، "ط)"(٧).
[١٤٠٩٨) (قولُهُ: أو جامَعَها ابنُهُ مُكرَهةٌ) بحثٌ لصاحب "النّهر "(٨)، وأقرَّهُ "الحمويُّ" عليه،
ويُخالِفُهُ ما في "البحر"(٩) عن "البدائع"(١٠): ((الفُرقةُ [٣/ ق٢٩٥/ب] لو وَقَعَتْ بتقبيلِ ابنِ الزَّوَجِ
لا تَرِثُ مُطاوِعةً كانَتْ أو مُكرَهةً، أمَّ الأوَّلُ فرِضاها بإبطالِ حقِّها، وأمَّا الثّاني فلم يُوجَدْ من
الزَّوجِ إبطالُ حقّها المتعلّقِ بالإرثِ لوقوعِ الفُرقةِ بفعلٍ غيرِهِ)) اهـ. والجماعُ كالتّقبيلِ في حُرمةٍ
(قولُهُ: ولو قالَ على سؤالِها الطَّلاقَ: كما قالَ غيرُهُ لكانَ أَولِى) بل الظَّاهرُ أنَّ ما أتى به
"الشَّارِحُ" أَولِى؛ لِعُمومِه لِمَا إذا قالَتْ: أنا راضيةٌ بإبانِكَ لي، فإنّهُ لا ميراثَ لها مع أنّه لم يُوجَد سؤالٌ.
(١) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((لو جامعت ابنه))، وما أثبتناه من "م" هو الموافقُ لعبارة "الدر".
(٢) المقولة [١٤٠٩٨] قوله: ((أو جامعها ابنه مكرهة)).
(٣) في المقولة نفسها.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الطلاق - فصل طلاق المريض ٣١٨/١.
(٥) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٦/٢.
(٦) في "ب": ((كسؤالهما))، وهو خطأ.
(٧) "ط": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ١٦٦/٢.
(٨) "النهر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ق٢٢٨/أ.
(٩) "البحر": كتاب الطلاق - باب طلاق المريض ٥٣/٤.
(١٠) "البدائع": كتاب الطلاق - فصل في أحكام العدة ٢٢٠/٣.