النص المفهرس
صفحات 141-160
١٣٩
کتاب الطلاق
الجزء التاسع
إلاّ إذا قال(١): زَوَّجْتُها منكَ على أنَّ أمرَها بيدي أُطلّقُها كلَّما شئتُ، فقال العبدُ:
قَبَلْتُ، وكذا إذا قال العبدُ: إذا تَزَوَّجْتُها فأمرُها بيدكَ أبداً كان كذلك،
"خانيَّة" (٢).
[١٣٠٢٩] (قولُهُ: إلاّ إذا قالَ) أي: المَوَّلَى عندَ تزويجٍ أَمَتِهِ مِنْ عبدِهِ، وصَوَّرَها بِمَا إذا بَدَّأَ
المَوْلَى؛ لأَنَّهُ لو بدأَ العبدُ فقالَ: زَوِّجْنِي أَمَنَكَ هذِهِ على أنَّ أمرَهَا بيدِكَ، تُطَلّقُهَا كُلَّمَا شِئْتَ،
فَزَوَّجَهَا مِنْهُ يجوزُ النّكَاحُ، ولا يكونُ الأمرُ بيدِ المَوْلَى، كَمَا في "البحر"(٣) عن "الخانَةِ"، ولَمْ يذكُرْ
وَجْهَ الفَرْقِ، وذكرَهُ في "الخانَّةِ" في مسألةٍ قبلَهَا، وهي إذا تزوَّجَ امرأةً على أَنَّهَا طالِقٌ حازَ النِّكَاحُ
وبَطَلَ الطَّلاقُ، وقال "أبو اللَّثِ" [٣/ ق ١٩١/ أ]: ((هذا إذا بَدَأَ الزَّوجُّ وقالَ تزوَّجْتُكِ على أَنَّكِ
طالِقٌّ، وإنِ ابتدأَتِ المرأةُ فقالَتْ: زَوَّجْتُ نفسِي منك على أنّي طالِقٌ، أو على أنْ يكونَ الأمرُ بيدي
أُطَلْقُ نفسِي كُلِّمَا شِئْتُ، فقالَ الزَّوجُ: قبلْتُ جازَ النِّكَاحُ، ويقعُ الطَّلاقُ، ويكونُ الأمرُ بيدِها؛ لأنَّ
الْبُدَاءَةَ إذا كانَتْ مِنَ الزَّوجِ كانَ الطَّلاقُ والتَّفويضُ قبلَ النّكَاحِ فلا يَصِحُّ، أمّا إذا كانَتْ مِنَ المرأةِ
يصيرُ النَّفويضُ بعدَ النّكَاحِ؛ لأنَّ الزَّوجَ لَمَّا قَالَ بعدَ كلامِ المرأةِ: قَبِلْتُ، والجوابُ يتضمَّنُ إعادةَ ما
في السؤالِ صارَ كأَنَّهُ قالَ: قبلْتُ على أَنَّكِ طالِقٌ، أو على أنْ يكونَ الأمرُ بيدِكٍ، فيصيرُ مُفَوِّضًاً بعدَ
النّكَاحِ)) اهـ.
[١٣٠٣٠) (قولُهُ: وكَذَا إلخ) هذِهِ الصُّورَةُ حِيلَةٌ لصيرورةِ الأمرِ بيدِ المولَى بلا تَوَقُّفٍ على قبولِ
العبدِ؛ لأَنَّهُ في الأُوْلَى قد تَمَّ النّكَاحُ بقولِ المولَى: زوَّجْتُكَ أَمَتِي، فَيُمْكِنُ العبدَ أنْ لا يقبلَ، فلا
يصيرُ الأمرُ بيدِ المولَى، أفادَهُ في "البحر "(٤).
(١) في "د" و"و": ((إلا إذا شرط فقال)).
(٢) "الخانية": كتاب النكاح - الباب الأول فيما يتعلق به انعقاد النكاح - فصل في النكاح على الشرط ٣٣٠/١
باختصار (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٩/٣.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٩/٣.
قسم الأحوال الشخصية
١٤٠
حاشية ابن عابدين
(والمجنون) إلاّ إذا علّقَ عاقلاً، ثمَّ ◌ُنَّ فوُجدَ الشَّرطُ، أو كان عنّيناً، أو محبوباً،
أو أُسلَمَتْ وهو كافرٌ وأبى أبواه الإِسلامَ وقَعَ الطَّلاقُ، "أشباه"(١).
[١٣٠٣١] (قولُهُ: والمجنونِ) قالَ في "التَّلويحِ"(٢): ((الجُنُونُ اختلالُ القُوَّةِ المميِّزَةِ بينَ الأمورِ
الحَسَنَةِ والقبيحَةِ المُدْرِكَةِ للعواقِبِ؛ بأن لا تظهرَ آثارُهَا وتتعطّلَ أفعالُهَا، إِمَّا لنُقْصانِ جُبِلَ عليهِ
دماغُهُ في أصلِ الخِلْقَةِ، وإمَّا لخروجٍ مِزَاجِ الدِّمَاغِ عَنِ الاعتدالِ بسببِ خَلْطٍ أو آفَةٍ، وإِمَّا لاستيلاء
الشَّيطانِ عليهِ وإلقاءِ الخَيَالاتِ الفاسدَةِ إليهِ، بحيثُ يفرَحُ ويفزَعُ مِنْ غيرِ ما يَصْلُحُ سَباً)) اهـ.
وفي "البحرِ"(٣) عَنِ "الخانَّةِ"(٤): ((رجلٌ عُرِفَ أَنَّهُ كانَ مجنوناً، فقالَتْ لَهُ امرأْتُهُ: طَلَقْتَنِي
البارِحَةَ، فقال: أصابَتِي الجنونُ، ولا يُعْرَفُ ذلِكَ إِلاَّ بقولِهِ كانَ القولُ قولَهُ)) اهـ.
(١٣٠٣٢] (قولُهُ: إلاّ إذا عَلَّقَ عَاقِلاً إلخ) كقولِهِ: إِنْ دخلْتُ الدَّارَ، فدخَلَهَا مجنوناً، بخلافٍ: إِنْ
جُنْتُ فأنتِ طالِقٌ فَجُنَّ لَمْ يَقَعْ، كَذَا ذكَرَهُ(٥) "الشَّارِحُ" في بابِ نِكَاحِ الكافرِ، فالمرادُ إذا عَلَّقَ
على غیرِ جُنُونِهِ.
(١٣٠٣٣) (قولُهُ: أو كانَ عِنْناً) أي: وفَرَّقَ القاضي بينَهُ وبِينَ زوجتِهِ بِطَلَبِهَا بعدَ تأجيلِهِ سنةٌ؛
لأنَّ الجنونَ لا يَعْدِمُ الشَّهوةَ، كَمَا سيأتي(٦) في بابِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعَلَى.
[١٣٠٣٤] (قولُهُ: أو مَحْبُوباً) أي: وفَرَّقَ القاضي بينَهُمَا في الحالِ بِطَلِهَا.
[١٣٠٣٥) (قولُهُ: وَقَعَ الطَّلاقُ) جوابُ ((إذا))، ووقوعُهُ في المسائِلِ الأربعِ للحاجَةِ ودَفْعِ
الضَّرَرِ لا يُنَافِي عدمَ أهليتِ للطّلاقِ في غيرِهَا، كَمَا مَرَّ(٧) تحقيقُهُ في بابِ نِكَاحِ الكافِرِ.
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الطلاق صـ ٢٠٨ -.
(٢) "التلويح على التوضيح": فصل في الأمور المعترضة على الأهلية - منها الجنون ١٦٧/٢.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٨/٣.
(٤) "الخانية": كتاب الطلاق ٤٦١/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) ٦٣٤/٨ "در".
(٦) المقولة [١٥١١٠] قوله: ((ولو المجبوب صغيراً)).
(٧) المقولة [١٢٥٩٨] قوله: ((وقع)).
الجزء التاسع
١٤١
-
كتاب الطلاق
(والصَّيِّ) ولو مراهقاً أو أجازَهُ بعد البلوغ، أمَّا لو قال: أوقعتُهُ وقَعَ؛ لأنّه ابتداءُ
.....
إيقاعٍ، وجَوَّزَهُ الإِمام "أحمدُ" (والمعتوهِ) من العَتَهِ، وهو اختلالٌ في العقلِ ..
[١٣٠٣٦] (قولُهُ: والصَّبِيِّ) [٣/ق١٩١/ب] أي: إلاّ إذا كانَ مَحْبُوباً وفُرِّقَ بِينَهُمَا،
أو أسلمَتْ زوجتُهُ فِعُرِضَ الإِسلامُ عليهِ مُمَّيِّزاً فَأَبَى وَقَعَ الطَّلاقُ، "رمليّ". قال: ((وقد أفتْتُ
بعدمِ وقوعِهِ فيما إذا زَوَّجَهُ أبوهُ امرأةً، وعَلَّقَ عليهِ مَتَّى تَزَوَّجَ أو تَسَرَّى عليها فَكَذَا، فَكَبِرَ،
فتزوَّجَ عالِمَاً بالتّعليقِ أَوْلًا)) اهـ.
[١٣٠٣٧) (قولُهُ: أو أجازَهُ بعدَ الْبُلُوغِ) لأَنّهُ حينَ وقوعِهِ وَقَعَ بَاطِلاً، والباطِلُ لا يُحَازُ،
"ط" (١).
[١٣٠٣٨] (قولُهُ: لأَنَّهُ ابتداءُ إيقاعٍ) لأنَّ الصَّمِيرَ في (أوقعْتُهُ)) راجِعٌ إلى حِنْسِ الطَّلاقِ، ومثلُهُ
ما لو قالَ: أوقعْتُ ذِلِكَ الطَّلاقَ، بخلافٍ قولِهِ: أوقعْتُ الَّذِي تلفّظَهُ، فإنَّهُ إشارةٌ إلى المُعَيَّنِ الَّذي
حُكِمَ بُطْلاِهِ، فَأَشبَهَ ما إذاِ قالَ: أنتِ طالِقٌ أَلْفَاً، ثمَّ قال: ثلاثاً عليكِ والباقي على ضَرَّتِكِ، فإنَّ
الرَّائِدَ على الثَّلاثِ مُلْغَى، أفادَهُ في "البحر"(٢).
[١٣٠٣٩] (قولُهُ: وجَوَّزَهُ الإِمامُ "أحمدُ") أي: إذا كانَ مُمَيِّراً يعقِلُهُ؛ بأنْ يعلَمَ أنَّ زوجَتَهُ تَيْنُ
مِنْهُ، كَمَا هُوَ مقرَّرٌ فِي مُتُونِ مذهِهِ، فافْهَمْ.
[١٣٠٤٠] (قولُهُ: مِنَ العَنَّهِ) بالتّحريكِ مِنْ بابِ تَعِبَ، "مصباح"(٣).
[١٣٠٤١) (قولُهُ: وهو اخْتِلالٌ فِي العَقْلِ) هذا ذكرَهُ في "البحر"(٤) تعريفاً للحُنُونِ، وقالَ:
((ويدخُلُ فيهِ المعتوهُ، وأحسَنُ الأَقوالِ في الفَرْقِ بِينَهُمَا: أنَّ المعتوهَ هو القليلُ الفَهْمِ الْمُخْتَلِطُ الكلامِ
الفاسِدُ الَّذْبِيرِ، لكنْ لا يَضْرِبُ ولا يَشْتِمُ، بخلافِ المجنونِ)) اهـ.
(١) "ط": كتاب الطلاق ١٠٩/٢.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٨/٣.
(٣) "المصباح المنير": مادة ((عته)).
(٤) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٨/٣.
قسم الأحوال الشخصية
١٤٢
حاشية ابن عابدين
(والْمَرْسَمِ) من البِرْسامِ بالكسر: علَّةٌ كالجنونِ (والمُغمَى عليه) هو لغةً: المَغْشِيُّ
(والمدهوشِ) "فتح"(١). وفي "القاموس": ((دَهِشَ الرَّجُلُ: تحيّرَ، ودُهِشَ بالبناءِ
للمفعول (٢)، فهو مَدْهوشٌ، وأَدْهَشَهُ اللَّهُ)).
وصَرَّحَ الأصوليونَ بأنَّ حكمَهُ كالصَّبِيِّ، إلاَّ أنَّ "الدَّبُوسِيّ" قالَ: تَجِبُ عليهِ العباداتُ
احتياطاً، ورَدَّهُ "صدرُ الإِسلامِ" بأنَّ العَتَهَ نوعُ جُنُونٍ، فيمنَعُ وجوبَ أداءِ الحُقُوقِ جميعاً، كَمَا
بَسَطَهُ في "شرحِ التّحريرِ"(٣).
(١٣٠٤٢) (قولُهُ: بالكسرِ إلخ) أي: كسرِ الباءِ، قالَ في "البحر"(٤): ((وفي بعضِ كُبِ الطِّبِّ
أَنَّهُ وَرَمٌ حارٌّ يَعْرِضُ للحِجَابِ الَّذِي بِينَ الكَبِدِ والأمعاءِ ثُمَّ يَتَّصِلُ بِالدِّمَاغِ))، "ط" (٥).
[١٣٠٤٣) (قولُهُ: هو لغةً المَغْشِيُّ) قالَ في "التّحريرِ"(٦): ((الإغماءُ آفةٌ في القلبِ أو الدِّمَاغِ
تُعَطِّلُ الْقُوَى الْمُدْرِكَةَ وَالُحَرِّكَةَ عنْ أفعالِهَا مَعَ بِقَاءِ العَقْلِ مَغْلُوبً، وإلاَّ عُصِمَ مِنْهُ الأنبياءُ، وهو فوقَ
النّومِ، فَلَزِمَهُ مَا لَزِمَهُ وزيادةُ كونِهِ حَدَثَّاً ولو في جميعِ حالاتِ الصَّلاةِ، ومنعُ البِنَاءِ(٧)، بخلافِ الَّومِ
في الصَّلاةِ إذا اضْطَجَعَ حالةَ النّومِ لَهُ البَِّاءُ.
مطلبٌّ: في طلاقِ المَدْهُوشِ
[١٣٠٤٤) (قولُهُ: وفي "القاموسِ"(٨): دَهِشَ) أي: بالكسرِ كَفَرِحَ، ثمَّ إِنَّ اقتصارَهُ على ذِكْرِ
(١) "الفتح": كتاب الطلاق ٣٤٣/٣.
(٢) في "د" و"و": ((ببناء المفعول)).
(٣) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية في أحوال الموضوع - الباب الأول في الأحكام - الفصل الرابع في المحكوم عليه ١٧٦/٢.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٨/٣.
(٥) "ط": كتاب الطلاق ١١٠/٢.
(٦) "التحرير": المقالة الثانية في أحوال الموضوع - الباب الأول في الأحكام - الفصل الرابع في المحكوم عليه ص٢٧٤ -.
(٧) في "ب": ((البنا)).
(٨) "القاموس": مادة((دهش)).
الجزء التاسع
١٤٣
كتاب الطلاق
٤٢٦/٢ التّحُّرِ غيرُ صحيح؛ فإنَّهُ في "القاموس"(١) قالَ بعدَهُ: ((أو ذَهَبَ عقلُهُ مِنْ ذَهَلٍ أو وَلَهٍ)) اهـ.
بَلِ اقتصَرَ على هذا في "المصباحِ"(٢) [٣/ق ١٩٢ /أ] فقالَ: ((دَهِشَ دَهَشَاً مِنْ بابِ تَعِبَ: ذَهَبَ
عقلُهُ حَيَاءٌ أو حَوْقَاً)) اهـ.
وهذا هوَ المرادُ هنا؛ ولِذَا جعلَهُ في "البحرِ"(٣) داخِلاً في المجنونِ، وقالَ في "الخيريَّةِ"(٤): ((غَلِطَ
مَنْ فَسَّرَهُ هُنَا بِالَّحُّرِ؛ إذْ لا يلَمُ مِنَ الَّحُّرِ - وهو التَّدُّدُ في الأمرِ- ذَهَابُ العقلِ(٥))، وسُئِلَ نَظْمَاً
فِيمَنْ طَلَقَ زوجَتَهُ ثَلاثً في مجلسِ القاضِي وهو مُغْتَاظٌ مَدْهُوشٌ، فأجابَ نَظْمًا(٦) أيضاً بـ((أنَّ الدَّهَشَ
مِنْ أقسامِ الْجُنُونِ فلا يَقَعُ، وإذا كانَ يعتادُهُ - بِأَنْ عُرِفَ منهُ الدَّهَشُ مَرَّةً - يُصَدَّقُ بِلا بُرْهَانٍ)) اهـ.
قلتُ: وللحافظِ "ابنِ القَّيِّمِ الحنبليّ" رسالةٌ فِي طَلاق الغَضْبانِ(٧) قالَ فيها: ((إنَّهُ على ثلاثةٍ
أقسام:
(١) "القاموس": مادة ((دهش)).
(٢) "المصباح المنير": مادة ((دهش)).
(٣) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٨/٣.
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الطلاق ٤٠/١.
(٥) في "د" زيادة: ((قال في "القاموس": دهِش كفرِح، فهو دهش، تخيَّر أو ذهب عقله في ذَهَل أووَلَه، انتهى. فالمدهوش هنا:
الذَّاهب العقل بسبب أحدهما، فإذا علمت ذلك علمت التسوية في الحكم بين طلاق المجنون وبين طلاق من ذُكر.
والحكم في المجنون إذا عرف أنه جُنَّ مرّة فطلّقَ، وقال: عاودني الجنون فتكلمتُ بذلك وأنا مجنون، أنَّ القولَ قولُهُ بيمينه،
وإن لم يعرف بالجنون مرة لم يقبل قوله، كما في "الخانية" و"التاتر خانية" وغيرهما. فظهر لك من هذا أنَّ المدهوش إنْ
عُرِفَ منه الدهش مرةً فالقولُ له بيمينه، وإنْ لم يُعْرَفْ لم يُقبَلْ قولُهُ قضاءً إلا بِّنة؛ إذ الثابت بالبينة كالثابت عيانا أما
ديانة فيقبل؛ لأنَّه أخبر بنفسه. فاغتنم هذا التحرير فإنه مفرد، انتهى كلام الشيخ خير الدين في "فتاواه".
قلت: وليراجع أحكام المدهوش من كتب الحنابلة فإنَّ فيها تفصيلاً يتخرج بعضه على مذهبنا)). ق ١٧٧/أ.
(٦) انظر "الفتاوى الخيرية": كتاب الطلاق ٤١/١.
(٧) المسماة: "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان": صـ٣٢-، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر، شمس الدين
المعروف بابن قيم الجوزيَّة الحنبلي (ت ٧٥١ هـ) ("الدرر الكامنة" ٤٠٠/٣، "شذرات الذهب" ٢٨٧/٨، "هديَّة
العارفين" ١٥٨/٢).
قسم الأحوال الشخصية
١٤٤
حاشية ابن عابدين
أحدُهَا: أنْ يَحْصُلَ لَهُ مبادئُ الغَضَبِ بحيثُ لا يتغيّرُ عقلُهُ، وَيَعْلَمُ ما يَقُولُ ويقصِدُهُ، وهذا
لا إِشکالَ(١) فیهِ.
الثَّاني: أنْ يَبْلُغَ النَّهَايَةَ، فلا يعلَمَ مَا يقولُ ولا يُرِيْدَهُ، فهذا لا رَيْبَ أَنَّهُ لا ينفُذُ شيءٌ
مِنْ أقوالِهِ.
الثَّالثُ: مَنْ تَوَسَّطَ بينَ المرتبتينِ بحيثُ لَمْ يَصِرْ كالمجنونِ، فهذا مَحَلُّ النّظَرِ، والأدِلَّةُ تَدُلُّ على
عَدَمِ نُفُوذِ أقوالِهِ)) اهـ مُلَخَّصًا مِنْ "شرحِ الغايةِ الحنبليَّةِ "(٢)، لكنْ أشارَ في "الغايةِ" إلى مخالفتِهِ في
الثَّالِثِ؛ حيثُ قَالَ: ((وَيَقَعُ طلاقُ مَنْ غَضِبَ خِلافً لـ "ابنِ القَيِّمِ)) اهـ.
وهذا الموَافِقُ عندَنَا لِمَا مَرَّ(٣) في المَدْهُوشِ، لكنْ يَرِدُ عليهِ أَنَّ لَمْ نَعْتَبِرْ أقوالَ المعتوهِ مَعَ أَنّهُ
لا يلزَمُ فيهِ أنْ يَصِلَ إلى حالةٍ لا يعلَمُ فيها ما يقولُ ولا يريدُهُ، وقد يُحَابُ بأنَّ المعتوهَ لَمَّا كانَ
مُسْتَمِرًّا على حالةٍ واحدةٍ يُمْكِنُ ضبطُهَا اعْتُبِرَتْ فيهِ، واكْفِيَ فيهِ بمجرَّدٍ نَقْصِ العَقْلِ، بخلافٍ
الغَضَبِ؛ فإنّهُ عارِضٌ في بعضِ الأحوالِ، لكنْ يَرِدُ عليهِ الدَّهَشُ فَإِنَّهُ كذلِكَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لي أنَّ
كُلّ مِنَّ المدهُوشِ والغَضْبانِ لا يلزَمُ فِيهِ أنْ يكونَ بحيثُ لا يعلَمُ ما يقولُ، بل يُكْتَفَى فِيهِ بغلبةٍ
الَذَيَانِ واختلاطِ الجِدِّ بالَزْلِ كَمَا هُوَ المُفْتَى بِهِ فِي السَّكْرَانِ على ما مَرَّ(٤)، ولا ينافِيهِ تعريفُ
الدَّهَشِ بِذَهَابِ العقلِ؛ فإنَّ الْجُنُونَ قُولٌ؛ ولِذَا فَسَّرَهُ في "البحرِ)) (٥) باختلالِ العملِ، وأدخَلَ فِيهِ العَتَهَ
والبِرْسَامَ والإغماءَ والدَّهَشَ، وَيُؤَيِّدُ ما قُلْنا قولُ بعضِهِمْ: العاقِلُ مَنْ يستقيمُ كلامُهُ وأفعالُهُ إِلاَّ نادِرًا،
والمجنونُ ضِدُّهُ، وأيضاً فإنَّ بعضَ المجانينِ يَعْرِفُ ما يقولُ ويريدُهُ ويذكُرُ مَا يَشْهَدُ الجاهلُ بِهِ بِأَنَّهُ عاقِلٌ،
(١) في "ب": ((أشكال))، وهو خطأ.
(٢) المسمى "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى": لمصطفى بن سعد بن عبده السيوطيّ الحنبليّ (ت١٢٤٣ هـ).
و"غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى": لمرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرميّ الحنبليّ (ت١٠٣٣ هـ).
("إيضاح المكنون" ١٤٢/٢ و٤٩٥، "خلاصة الأثر" ٣٥٨/٤، و"منتخبات التواريخ لدمشق" ٦٧٨/٢، "هدية
العارفين" ٤٢٦/٢، "علماء دمشق في القرن الثالث عشر ٣٤٤/١).
(٣) في هذه المقولة.
(٤) المقولة [١٢٩٩٨] قوله: ((أو سكران)).
(٥) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٨/٣.
الجزء التاسع
١٤٥
کتاب الطلاق
ثمَّ يظهَرُ منهُ في مجلسِهِ ما يُنَافِيهِ، فإذا [٣/ق١٩٢ /ب] كانَ المجنونُ حقيقةً قد يَعْرِفُ ما يقولُ ويقصِدُهُ
فغيرُهُ بِالأَوَّلَى، فالَّذي ينبغي التّعويلُ عليهِ في الَدْهُوشِ ونحوِهِ إِناطَةُ الحكمِ بِغَلَبَةِ الْخَلَلِ في أقوالِهِ
وأفعالِهِ الخارجةِ عن عادتِهِ، وكَذَا يُقَالُ فيمَنْ اختلَّ عقلُهُ لِكِبرِ أو لِمَرَضٍ أو لِمُصِيبَةٍ فاجأتْهُ، فما دامَ
في حالٍ غَبَةِ الخَلَلِ في الأقوالِ والأفعالِ لا تعتبرُ أقوالُهُ وإنْ كانَ يعلَمُهَا ويريدُهَا؛ لأنَّ هذِهِ المعرفةَ
والإرادةَ غيرُ معتبرةٍ لِعَدَمٍ حُصُولِهَا عن إدراكٍ صحيحٍ، كَمَا لا تعتبرُ مِنَ الصَّبِيِّ العاقلِ، نَعَمْ يُشْكِلُ
عليهِ ما سيأتي(١) فِي التَّعليقِ عنِ "البحرِ"، وصَرَّحَ بِهِ في "الفتح"(٢) و"الخانَّةِ"(٢) وغيرِهِمَا، وهو:
((لو طَلّقَ فَشَهِدَ عندَهُ اثنانِ أَنَّكَ استثنيْتَ وهو غيرُ ذاكرٍ، إنْ كانَ بحيثُ إذا غَضِبَ لا يَدْرِي ما
يقولُ وَسِعَهُ الأخذُ بشهادِتِهِمَا، وإلاّ لا)) اهـ
فإنَّ مُقْتَضاهُ أَنَّهُ إذا كانَ لا يَدرِي ما يقولُ يَقَعُ طلاقُهُ، وإلاّ فلا حاجةَ إلى الأخذِ بقولِهِمَا
أَنَّكَ استثنيْتَ، وهذا مُشْكِلٌ جدًّاً إلاّ أنْ يُحَابَ: بأنَّ المرادَ بكونِهِ لا يَدرِي ما يقولُ أنَّهُ لقوَّةٍ غضبِهِ
قد يَنْسَى ما يقولُ ولا يتذكَّرُهُ بعدُ، وليسَ المرادُ أَنَّهُ صارَ يَحْرِي على لسانِهِ ما لا يفهَمُهُ
أو لا يقصِدُهُ؛ إذْ لا شَكَّ أَنَّهُ حينئذٍ يكونُ في أعلى مَرَاتِبِ الْجُنُونِ، وَيُؤَيِّدُ هذا الحملَ أنَّهُ في هذا
الفرعِ عالِمٌ بأنَّهُ طَلَّقَ وهو قاصِدٌ لَهُ، لكنّهُ لَمْ يتذكَّرِ الاستثناءَ لشدَّةٍ غضِبِهِ، هذا ما ظَهَرَ لِي في
تحريرِ هذا المقامِ، والله أعلمُ بحقيقةِ الَرَامِ.
ثمَّ رأيْتُ ما يُؤَيِّدُ ذلك الجوابَ، وهو أنَّهُ قالَ في "الولوالحيَّةِ"(٤): ((إنْ كانَ بحالٍ لو غَضِبَ
يجري على لسانِهِ ما لا يحفظُهُ بعدَهُ جازَ لَهُ الاعتمادُ على قولِ الشَّاهِدَيْنِ))، فقولُهُ: (لا يحفظُهُ
بعدَهُ) صريحٌ فيما قُلْنا، والله أعلمُ.
(١) صـ٥٢٥- "در".
(٢) "الفتح": كتاب الطلاق - فصل في الاستثناء ٤٦٤/٣.
(٣) "الخانية": كتاب الطلاق - باب التعليق ٥٠٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الولوالجية": كتاب الطلاق - الفصل الثالث في الاستثناء وغيره ١/ق ٧٠/ب.
قسم الأحوال الشخصية
١٤٦
حاشية ابن عابدين
(والنائمِ) لانتفاءِ الإرادةِ، ولذا لا يتّصِفُ بصدقٍ ولا كذبٍ ولا خَبَرٍ ولا إنشاءٍ،
ولو قال: أَجَرْتُهُ أو أوقعتُهُ لا يقعُ؛ لأنّه أعادَ الضَّمير إلى غيرِ مُعتبَرٍ، "جوهرة"(١).
ء
ولو قال: أوقعتُ ذلك الطَّلاقَ.
[١٣٠٤٥] (قولُهُ: لأَنَّهُ أَعادَ الضَّمِيرَ إلى غيرِ مُعْتَبَرِ) أشارَ بِهِ إلى أنَّ الفرقَ بينَ كلامِ الصَّبِيِّ وبينَ
كلامِ النّائِمِ هو: أنَّ كلامَ الصَّبِيِّ معتبرٌ فِي اللُّغَةِ والنّحْوِ، غايةُ الأمرِ أنَّ الشَّارِعَ ألغاهُ، بخلافِ كلامٍ.
النِّمِ؛ فَإِنَّهُ غيرُ معتبرٍ عندَ أَحَدٍ اه، "ح"(٢).
قلتُ: وهو مأخوذٌ مِنْ قولِ "الشَّارِحِ": ((ولِذَا لا يَتَّصِفُ بصدقٍ ولا كَذِبٍ ولا خَبَرِ
ولا إنشاءٍ))، وفي "التّحريِ"(٣): ((وتبطُلُ عباراتُهُ مِنَ الإِسلامِ والرِّدَّةِ والطَّلاقِ، ولَمْ تُوصَفْ بخبرٍ
وإنشاء وصدقٍ وكذبٍ كألحانِ الطُُّورِ)) اهـ.
ومثلُهُ في "التّلويحِ"(٤)، فهذا صريحٌ في أنَّ كلامَ النَّائِمِ لا يُسَمَّى [٣/ق١٩٣/ أ] كلاماً لغةً
ولا شرعاً بمنزلةِ الْمُهْمَلِ، وأمَّا إفسادُ(٥) صلاتِهِ بِهِ فلأنَّ إفسادَهَا لا يتوقّفُ على كونِ الكلامِ
مُعْتَبَراً في اللُّغَةِ أو الشَّرعِ؛ لأَنَّهَا تفسُدُ بالمهملِ أكثرَ مِنْ غيرِهِ، فَقَدِ اتَّضَحَ الفرقُ بينَ كلامِهِ
وكلامِ الصَِّيِّ، فافْهَمْ.
ثُمَّ لا يخفى أَنَّهُ لا حاجةَ إلى الفرقِ بينَهُمَا في قولِهِ: أجزتُهُ؛ لأَنَّهُ لا يَقَعُ فيهما؛ لأنَّ الإجازةَ
لِمَا يَنعقِدُ موقوفاً، وكُلٌّ مِنْ طلاقِ الصَّبِيِّ وَالنَّائِمِ وَقَعَ باطلاً لا موقوفاً، كَمَا هُوَ الحكمُ
في تصرُّفَاتِ الصَّبِيِّ الَّتي هي ضررٌ محضرٌ كالطَّلاقِ والعتقِ، بخلافِ الْتَدِّدِ بينَ النّفْعِ والضَّرَرِ كالبيعِ
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الطلاق ١٠٢/٢ بتصرف.
(٢) "ح": كتاب الطلاق ق١٧٦/ب.
(٣) "التحرير": المقالة الثانية في أحوال الموضوع - الباب الأول في الأحكام - الفصل الرابع في المحكوم عليه صـ٢٧٣ -.
(٤) "التلويح على التوضيح": باب المحكوم عليه - فصل في الأمور المعترضة على الأهلية - منها النوم ١٦٩/٢.
(٥) في "م": ((فساد)).
الجزء التاسع
١٤٧
كتاب الطلاق
أو جعلتُهُ طلاقاً وقَعَ، "بحر "(١).
(وإذا ملَكَ أحدُهما الآخرَ) كلَّهُ (أو بعضَهُ بطَلَ النِّكاحُ، ولو حَرَّرَتْهُ حين مَلَكَّتْهُ
فطلِّقَها في العِدَّةِ، أو خَرَجَتِ الحربَّةُ) إلينا (مسلمةً ثُمَّ خرَجَ زوجُها كذلك) مسلماً ..
٤٢٧/٢
والشِّرَاءِ والنّكَاحِ، فَإِنَّهُ يَنْعقِدُ موقوفاً، حتّى لو بَلَغَ فأجازَهُ صَحَّ كَمَا قَدَّمْناهُ(٢) قُبَيْلَ بابِ المهرِ،
وإِنَّمَا يحتاجُ إلى الفرقِ بينَهُمَا في قولِهِ: أوقعْتُهُ، فإِنَّهُ قَدَّمَ فِي الصَِّيِّ أنّهُ يَقَعُ؛ لأَنَّهُ ابتداءُ إيقاعٍ، ولَمْ
يُحْعَلْ فِي النَّائِمِ كذلك، وتوضيحُ الفرقِ أنَّ كلامَ الصَّبِيِّ لَهُ معنًى لُغَوِيٌّ وإِنْ لَمْ يُلْزِمْهُ الشَّرعُ
بموجَبِهِ، فَصَحَّ عودُ الضَّميرِ في: ((أوقعْتُهُ)) إلى جنسِ الطَّلاقِ الَّذي تضمَّنَهُ قولُهُ لزوجتِهِ: طلَّقْتُكِ،
بخلافِ النَّائِمِ؛ فإنَّ كلامَهُ لَّمَّا لَمْ يُعْتَبَرْ لغةً أيضاً كانَ مهملاً لَمْ يتضمَّنْ شيئاً، فقد عادَ الضَّميرُ على
غيرِ(٣) مذكورٍ أَصْلاً، فكأنَّهُ قالَ: أوقعْتُ، بدونِ ضميرٍ، فلم يَصِحَّ جعلُهُ ابتداءً إيقاعٍ.
(١٣٠٤٦)] (قولُ: أو جعلْتُهُ طَلاقاً) كَذَا عبارةُ "البحرِ"(٤)، والّذي رأيُهُ في "الّتر خانَّةِ"(٥):
((أو قالَ جعلْتُ ذلكَ الطَّلاقَ طَلاقاً)) باسمِ الإشارةِ كالَّيَ قبلَهَا.
قلتُ: ويُشْكِلُ الفرقُ، فإنَّ اسمَ الإشارةِ كالضَّمِيرِ فِي عَوْدِهِ إلى ما سَبَقَ، فينبغي عدمُ الوقوعِ
هُنَا أيضاً، وقد يُحَابُ بأنَّ اسمَ الإِشارةِ لَمَّ لَغَا مَرجِعُهُ اعْتُبِرَ لفظُ الطَّلاقِ المذكورِ بعدَهُ فصارَ كأَنَّهُ
قال: أوقعْتُ الطَّلاقَ أو جعلْتُ الطَّلاقَ طَلاقاً، فصَحَّ جعلُهُ ابتداءً إيقاعٍ، بخلافِ الضَّمير إذا لَغَا
مرجِعُهُ كَمَا قَرَّناهُ، وفي "الَّتر خانَّةِ"(٦): ((ولو قالَ: أوقعْتُ ما تلفّظْتُ بِهِ حالةَ الَّومِ لا يَقَعُ
شيءٌ)) اهـ. وهُوَ ظاهِرٌ كَمَا مَّ(٧) فِي طَلَاقِ الصَّبِيِّ.
[١٣٠٤٧] (قولُهُ: وإذا مَلَكَ أحدُهُمَا الآخَرَ) يعني: مِلْكاً حقيقيًّاً، فلا تَقَعُ الفُرْقَةُ بينَ الْمُكَانَبِ
1
(١) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٨/٣-٢٦٩.
(٢) المقولة [١١٨٥٣] قوله: ((إن لها مجيز)).
(٣) ((غير)) ساقطة من "الأصل".
(٤) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٨/٣ -٢٦٩.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطلاق - الفصل الثالث في بيان من يقع طلاقه ومن لا يقع ٢٥٦/٣.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الطلاق - الفصل الثالث في بيان من يقع طلاقه ومن لا يقع ٢٥٦/٣.
(٧) المقولة [١٣٠٣٨] قوله: ((لأنه ابتداء إيقاع)).
قسم الأحوال الشخصية
١٤٨
حاشية ابن عابدين
(فطلِّقَها في العِدَّةِ ألغاه "الثاني") في المسألتين (وأوقَعَهُ "الثالث") فيهما.
(واعتبارُ عددِهِ بالنّساءِ) وعند "الشَّافعيِّ" بالرِّجال (فطلاقُ حُرَّةٍ ثلاثٌ،
وطلاقُ أَمَةٍ ثنتان).
وزوجتِهِ إذا اشتراها؛ لقيامِ الرِّقِّ، والّابِتُ لَهُ حقٌّ الِلْكِ، وهو لا يمنَعُ بقاءَ النّكَّاحِ كَمَا في
"الفتحِ"(١)، "شرنبلالَيَّة"(٢).
[١٣٠٤٨] (قولُهُ: ألغاهُ "الثَّاني") أي: قالَ "أبو يوسف": لا يَقَعُ الطَّلاقُ في المسألتينِ، وأوقَعَهُ
"محمَّدٌ" فيهما؛ لأنَّ العِدَّةَ قائمةٌ، والمعتدَّةُ [٣/ ق١٩٣ / ب] مَحَلٌّ للطَّلَاقِ، ولـ"أبي يوسفَ" أَنَّ الفُرْقَةَ
وقعَتْ بِلْكِ أحدِ الزَّوجينِ صاحبَهُ، أو بِتَايُنِ الدَّارَيْنِ، فخرَجَتِ المرَأَةُ مِنْ مَحَلِيَّةِ الطَّلاقِ، وبالعِدَّةِ
لا تثبتُ المَحَلِيَّةُ كَمَا فِي النَّكَاحِ الفَاسِدِ، فَيَّدَ بالنّحَرِيرِ والمُهَاجَرَةِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ قبلَهُمَا لا يَقَعُ
اتفاقاً؛ لأنَّ العِدَّةَ لَمْ يَظْهَرْ أَثْرُهَا فِي حَقِّ الطَّلاقِ، وإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثْرُهَا فِي حَقِّ التَّزَوُّجِ بزوجٍ آخَرَ،
كذا في "المصفّى" اهـ. "ابن مَلَكٍ" على "المَجْمَعِ".
(تنبيه)
قالَ في "الشُّرُ بِلالَةِ" (٣): ((لَمْ يذكُرِ "المصنّفُ" عكسَ المسألةِ الأُوَّلَى، وهُوَ ما لو حَرَّرَها بعدَ
شرائِهِ، ثمَّ طَلَّقَهَا في العِدَّةِ، والحكمُ وقوعُ الطَّلاقِ في قولِ "محمَّدٍ" و"أبي يوسف" الأوَّلِ، وَرَجَعَ
أبو يوسف" عَنْ هَذَا، وقالَ: لا يَقَعُ، وهو قولُ الزُفَرَ"، وعليهِ الفتوى، قالَهُ "قاضي خان(٤)، فعليهِ
تكونُ الفَتْوى على ما مَشَى عليهِ "المُصَنَّفُ" تَبَعَاً لـ "المجمعِ" مِنْ عدمٍ وقوعِ الطَّلاقِ فيما لو حرَّرَتْهُ
هِيَ بعدَ شِرَائِها إِياهُ )) اهـ.
مطلبٌ: اعتبارُ عددِ الطَّلاق بالنِّسَاءِ
[١٣٠٤٩) (قولُهُ: واعتبارُ عَدَدِهِ بِالنِّسَاءِ) لقولِهِ مَّ: (طَلاقُ الأَمَةِ ثِنْتَانِ، وعِدَّتُهَا حيضتانٍ))
(١) "الفتح": كتاب الطلاق - فصل: ومن قال لامرأته أنا منك طالق إلخ ٣٨٢/٣.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق ٣٦٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق ٣٦١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "الخانية": كتاب الطلاق - باب الإيلاء - فصل في الفرقة بين الزوجين بملك أحدهما صاحبه وبالكفر ٥٤٦/١
(هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء التاسع
١٤٩
كتاب الطلاق
مطلقاً.
(ويَقَعُ الطَّلاقُ بلفظِ العتقِ) بنَّةٍ أو دلالةِ حالِ (لا عكسِهِ) لأنَّ إزالة الملك
أقوى من إزالةِ القيد.
..
رواهُ "أبو داود" و"التّرْمِذِيُّ" و"ابنُ ماجَهْ" و"الدَّارَقطيُّ" عن عائشةَ ترفَعُهُ، وقالَ "التِّرْمِذِيُّ":
حديثٌ غريبٌ، والعَمَلُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِّ وغيرِهِمْ، وفي
"الدَّار قطنيّ": قالَ "القاسِمُ" و"سَالِمْ": عَمِلَ بِهِ المسلمونَ(١)، وتمامُّهُ في "الفتح"(٢)، وحَقَّقَ أنَّهُ إِنْ لَمْ
يَكُنْ صَحِيحاً فَهُوَ حَسَنٌ.
[١٣٠٥٠] (قولُهُ: مُطْلَقًاً) راجعٌ إلى الحرَّةِ والأَمَةِ، أي: سواءٌ كانَتْ الحرَّةُ أو الأَمَةُ تحتَ حُرِّ
أو عبدٍ، "ط"(٣).
[١٣٠٥١) (قولُهُ: وَيَقَعُ الطَّلاقُ إِلخ) يعني: إذا قالَ لامرأتِهِ: أعتقْتُكِ تَطْلُقُ إذا نَوَى أو دَلَّ علیهِ
(١) أخرجه أبو داود (٢١٨٩) في الطلاق - باب سنة طلاق العبد، والترمذي (١١٨٢) في الطلاق - باب طلاق الأمة
تطليقتان، وابن ماجه (٢٠٨٠) في الطلاق - باب طلاق الأمة وعدتها، والدارقطني ٣٩/٤، والحاكم ٢٠٥/٢،
والبيهقي في "الكبرى" ٣٧٠/٧ وغيرهم من طرق عن أبي عاصم وابن جُريج وسليمان بن موسى وصُغديّ بن
سنان قيل: والثوري عن مُظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة فذكره مرفوعاً، قال الترمذي: غريب لا نعرفه
مرفوعاً إلاّ من حديث مُظاهر، وقال أبو داود: وهو حديث مجهول وحديثه منكر، ومع أنَّ الحاكم وابن حبان
صححاه له، ضعفه البخاريّ وأبو حاتم وابن معين واستنكره أبو عاصم وقال أبو بكر النيسابوريّ: والصحيح عن
القاسم خلاف هذا - أي: موقوفٌ عليه - ثم أخرج الدارقطني والبيهقي من حديث زيد بن أسلم قال: سئل
القاسم عن الأمة تطلق، قال: طلاقها اثنتان وعدتها حيضتان، ثم روياه عن القاسم وسالم وقالا: لا نعلم - لا نجد
- ذلك في كتاب الله ولا سنة رسوله، وأخرجه ابن ماجه (٢٠٧٩)، والدارقطني والبيهقي عن عمر بن شبيب عن
عبد الله بن عيسى عن عطية العوفي عن ابن عمر مرفوعاً، وصحح الدارقطني وَقَفَهُ، كما رواه سالم ونافع عن ابن
عمر قوله. أخرج عبد الرزاق (١٢٩٥٧)، وابن أبي شيبة ٦٤/٤، والدارقطني والبيهقي من طرق عن الزهري عن
سالم ونافع (ح) واسماعيل بن أمية وعبيد الله عن نافع كلاهما عن ابن عمر وأخرجه مالك صـ ٤٥٠- کتاب
الطلاق - باب طلاق العبد، عن نافع عن ابن عمر كذلك، قال الدارقطني: وهذا هو الصواب.
(٢) انظر "الفتح": كتاب الطلاق ٣٤٩/٣.
(٣) "ط": كتاب الطلاق ١١١/٢.
قسم الأحوال الشخصية
١٥٠
حاشية ابن عابدين
(فروعٌ) كَتَبَ الطلاقَ(١) إِنْ مُستِيناً على نحوٍ لَوْحٍ وقَعَ إِنْ نَوَى،
.......
الحالُ، وإذا قالَ لأمتِهِ: طلَقْتُكِ لا تَعْتِقُ؛ لأنَّ إزالةَ الِلْكِ أقوى مِنْ إزالةِ القَيْدِ، وليسَتِ الأُوْلَى لازمةً
الثّانيَةِ، فلا تَصِحُّ استعارةُ الثَّانِيةِ لِلأُوْلَى، وَيَصِحُّ العكسُ، "درر"(٢).
مطلبٌ في الطَّلاق بالكِتَابَةِ
[١٣٠٥٢) (قولُهُ: كَبَ الطَّلاقَ إلخ) قالَ في "الهنديَّةِ" (٣): ((الكتابةُ على نوعينِ: مرسومةٌ وغیرِ
مرسومةٍ، ونعني بالمرسومةِ: أنْ يكونَ مُصَدَّرَاً ومُعَنْوَنَاً مثلَ ما يُكْتَبُ إلى الغائبِ، وغيرُ المرسومةِ أنْ
لا يكونَ مُصَدَّرَاً ومُعَنْوَنَاً، وهو على وجهينِ:
مُسْتَِئَةٌ، وغيرُ مُسْتَبْنَةٍ، فالمستبِينَةُ: ما يُكْتَبُ على الصَّحيفةِ والحائطِ والأرضِ على وجهٍ
يُمْكِنُ فهمُهُ وقراءَتُهُ، وغيرُ المستبينَةِ: ما يُكْتَبُ على الهَوَاءِ والماءِ، وشيءٌ لا يُمْكِنُ فهمُهُ وقراءَتُهُ،
ففي غيرِ المستبينةِ لا يَقَعُ الطَّلاقُ وإِنْ نَوَى، وإنْ كانَتْ مستبينةً [٣/ق١٩٤/أ] لكنَّها غيرُ مرسومةٍ: إنْ
نَوَى الطَّلاقَ يَقَعُ، وإلاَّ لا، وإنْ كانَتْ مرسومةٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ نَوَى أو لَمْ يَنْوِ، ثُمَّ المرسومةُ لا تَخْلُو:
إِمَّا أنْ(٤) أرسَلَ الطَّلَاقَ بأنْ كَتَبَ: أمَّا بَعْدُ فأنتِ طالِقٌ، فَكَمَا كَبَ هَذَا يَقَعُ الطَّلاقُ وتلزمُهَا العِدَّةُ
مِنْ وقتِ الكِتَابَةِ، وإنْ عَلَّقَ طلاقَهَا بمجيئِ الكتابِ بأَنْ كَبَ: إذا جاءَكِ كتابِي فأنتِ طالِقٌ،
فجاءَهَا الكتابُ فقرأَتْهُ أو لَمْ تقرَأُ يَقَعُ الطَّلاقُ، كَذَا في "الخلاصَةِ"(٥)))، "ط"(٦).
[١٣٠٥٣] (قولُهُ: إنْ مُسْتَبِينَاً) أي: ولَمْ يَكُنْ مرسوماً، أي: مُعْنَاداً، وإِنَّمَا لَمْ يقيِّدْهُ بِهِ لفهمِهِ
(١) في "د" زيادة: ((رجلٌ حكى عن يمين رجلٍ فلما بلغ إلى ذكر الطلاق خطر بباله امرأته: إن نوى عند ذكر الطلاق
عدم الحكاية واستأنف الطلاق فكان الكلام موصولاً بحيث يصلح للإيقاع على امرأته يقع؛ لأنّه أوقع، وإنْ لم ينوِ
شيئاً لا يقع؛ لأنّه محمولٌ على الحكاية. "ولوالجيّة")). ق١٧٧/ب.
(٢) "الدرر": كتاب الطلاق ٣٦١/١.
(٣) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الفصل السادس في الطلاق بالكتابة ٣٧٨/١.
(٤) أي: إمَّا أنْ يكونَ أَرْسَلَ إلخ، وعبارةُ الفقهاءِ لاتخلو مِنَ التِّسَاهُلِ قَصْدًا للاختصارِ.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطلاق - الفصل الأول في صريح الطلاق - جنس آخر في التوكيل - وما يتصل بهذا
ق٩٦/ب بتصرف.
(٦) "ط": كتاب الطلاق ١١١/٢.
الجزء التاسع
١٥١
کتاب الطلاق
وقيل: مطلقاً، ولو على نحوِ الماءِ فلا مطلقاً، ولو كَتَبَ على وجهِ الرِّسالةِ والخطابِ - كأنْ
يكتب: يا فلانةُ، إذا أتاكِ كتابي هذا فأنتِ طالقٌ - طُلُقَتْ بوصولِ الكتاب، "جوهرة"(١).
مِنْ مُقَابِلِهِ، وهو قولُهُ: ((ولو كَتَبَ على وجهِ الرِّسَالةِ)) إِلخْ، فإنَّهُ المرادُ بالمرسومِ.
[١٣٠٥٤) (قولُهُ: مُطْلَقَاً) المرادُ بِهِ في الموضعينِ، نَوَى أو لَمْ يَنْوِ، وقولُهُ: ((ولو على نحوٍ
الماءِ)) مُقَابِلُ قولِهِ: ((إِنْ مُسْتَبِيْنَاً)).
(١٣٠٥٥] (قولُهُ: طَلُقَتْ بِوُصُولِ الكتابِ) أي: إليها، ولا يحتاجُ إلى النِّيّةِ فِي الْمُسْتَبِيْنِ
المرسومِ، ولا يُصَدَّقُ في القضاءِ أَنَّهُ عَنَى تجربةَ الَخَطّ، "بحر "(٢). ومفهومُهُ: أَنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةٌ في
المرسومِ، "رحمتي". ولو وَصَلَ إلى أبيها فَمَزَّقَهُ ولَمْ يدفَعْهُ إليها: فإنْ كانَ متصرِّفَاً في جميعِ
أمورِهَا، فَوَصَلَ إليهِ في بلدِهَا وَقَعَ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ كذلِكَ فلا ما لَمْ يَصِلْ إليها، وإنْ أخبرَهَا
بوصولِهِ إليهِ ودَفَعَهُ إليها مُمَرَّقَاً: إنْ أَمْكَنَ فهمُهُ وقراءَتُهُ وَقَعَ، وإلاَّ فلا، "ط"(٣) عَنِ
"الهنديَّةِ"(٤). وفي "النَّتر خانَّةِ"(٥): ((كَبَ في قِرْطَاسٍ: إذا أتاكِ كتابي هذا فأنتِ طالقٌ، ثمَّ
نَسَخَهُ فِي آخَرَ، أو أَمَرَ غيرَهُ بِنَسْخِهِ وَلَمْ يُمْلِهِ عليهِ، فأتاهَا الكتابانِ طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ قضاءً إِنْ أَقَرَّ
أَنَّهُمَا كِتَابَاهُ أو برهَنَتْ، وفِي الدِّيَانَةِ تَقَعُ واحدةٌ بأَبِّهِمَا أَتَاهَا، ويبطُلُ الآخَرُ، ولو قالَ للكاتبِ:
أُكْتُبْ طلاقَ امرأتي، كانَ إقراراً بالطّلاقِ وإِنْ لَمْ يَكْتُبْ، ولو استَكْتَبَ مِنْ آخَرَ كتاباً بِطَلاقِها،
وقرأَهُ على الزَّوجِ، فأخذَهُ الزَّوجُ وخَتَمَهُ وعَنْوَنَهُ وَبَعَثَ بِهِ إليها، فأتاها وَقَعَ إِنْ أَقَرَّ الزَّوجُ أَنَّهُ
كتابُهُ أو قالَ الرَّجُلِ: اِبْعَثْ بِهِ إليها، أو قالَ لَهُ: أُكْتُبْ نسخةً وابعَثْ بِهَا إليها، وإِنْ لَمْ يُقِرَّ
أَنَّهُ كَتَأْبُهُ وَلَمْ تَقُمْ بَِّةٌ لكنَّهُ وَصَفَ الأمرَ على وجهِهِ لا تَطْلُقُ قضاءً ولا ديانةً، وكذا كُلُّ كتابٍ
٤٢٨/٢
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الطلاق ١٠٩/٢ بتصرف يسير.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٧/٣.
(٣) "ط": كتاب الطلاق ١١١/٢ بتصرف.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الفصل السادس في الطلاق بالكتابة ٣٧٨/١ بتصرف نقلاً عن "الخانية".
(٥) "التاتر خانية": كتاب الطلاق - الفصل السادس في إيقاع الطلاق بالكتاب ٣٧٩/٣ نقلاً عن "المنتقى".
قسم الأحوال الشخصية
١٥٢
حاشية ابن عابدين
وفي "البحر"(١): ((كَتَبَ لامرأتِهِ: كلُّ امراةٍ لي غيرِكِ وغيرِ فلانةٍ طالقٌ، ثُمَّ مَحَا
اسمَ الأخيرة وبعَثَهُ لم تَطْلُقْ، وهذه حيلةٌ عجيبةٌ))، وسيجيءُ ما لو استثنى بالكتابةِ،
والله أعلم(٢).
لَمْ يكتبْهُ بخطّهِ، ولَمْ يُمْلِهِ بنفسِهِ لا يَقَعُ الطَّلاقُ مَا لَمْ يُقِرَّ أَنَّهُ كتَابُهُ)) اهـ مُلَخَّصَاً.
[١٣٠٥٦) (قولُهُ: كَتَبَ لامرأتِهِ إلخ) صورتُهُ: لَهُ امرأةٌ تُدْعَى زينبَ، ثُمَّ تزوَّجَ في بلدةٍ
أُخْرَى امرأةً تُدْعَى عائشةَ، فَبَلَغَ زينبَ فخافَ منها فكَتَبَ إليها: كُلُّ امرأةٍ لِي غيرِكِ وغيرِ
عائشةٍ طالِقٌ، ثمَّ مَحَا قولَهُ: وغيرِ عائشةٍ [٣/ ق١٩٤/ب] اهـ، "ح"(٣).
قلتُ: وينبغي أنْ يُشْهِدَ على كتابةٍ ما مَحَاهُ؛ لِئَلا يظهَرَ الحالُ فيحكمَ عليهِ القاضي
بطلاقِ عائِشَةَ، تأمَّلْ.
[١٣٠٥٧) (قولُهُ: عَجِيبَةٌ) وَجْهُ العَجَبِ: نَفْعُ الكِتَابَةِ بعدَ مَحْوِهَا، "ط)" (٤).
[١٣٠٥٨] (قولُهُ: وسَيَجِىُّ(٥) ما لَوِ اسْتَثْنَى بِالكِتَابَةِ) أي: في بابِ التَّعْلِيقِ عندَ قولِهِ: ((قالَ
لَهَا: أنتِ طالِقٌ إنْ شاءَ الله مُتْصِلاً)) اهـ، "ح"(٦). وفي "الهنديَّةِ"(٧): ((وإذا كَتَبَ الطَّلَاقَ
واستثنى بلسانِهِ، أو طَلَّقَ بلسانِهِ واستثنى بالكِتَابَةِ: هَلْ يَصِحُّ؟ لا رِوَايَةً لِهَذِهِ المسْأَلَةِ، وينبغي أنْ
يَصِحَّ، كَذَا في "الظَّهِيرِيَّةِ"(٨)) "ط)" (٩). والله سبحانَهُ أَعلَمُ.
(١) "البحر": كتاب الطلاق ٢٦٧/٣ بتصرف.
(٢) ((والله أعلم)) ليست في "د" و"ب" و"ط".
(٣) "ح": كتاب الطلاق ق١٧٦ /ب.
(٤) "ط": كتاب الطلاق ١١١/٢.
(٥) صـ٥١٦- وما بعدها "در".
(٦) "ح": كتاب الطلاق ق١٧٦/ب.
(٧) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الفصل السادس في الطلاق بالكتابة ٣٧٨/١ بتصرف.
(٨) "الظهيرية": كتاب الطلاق - الفصل الرابع في إيقاع الطلاق بالكتابة ق ٩٢/أ.
(٩) "ط": كتاب الطلاق ١١١/٢.
الجزء التاسع
١٥٣
باب الصريح
﴿بابُ الصَّرِيح﴾
(صريحُهُ ما لم يُستعمَلْ إلَّ فيه) ولو بالفارسيَّةِ (كـ: طلَّقْتُكِ وأنتِ طالقٌ ومُطلَّقةٌ)
﴿بابُ الصَّرِيحِ﴾
لَمَّا قَدَّمَ ذِكْرَ الطَّلاقِ نفسِهِ وأقسامِهِ الأَوََّّةِ السُّيِّ والبِدْعِيِّ وبعضَ أحكامِ تلكَ الكُلَُّّاتِ
ذَكَرَ أحكامَ بعضِ جُزْنِيَاتِهِ مُضَافَةً إلى المرأةِ، أو إلى بعضِها، وما هو صريحٌ مِنْهَا، أو كِنَايَةٌ، فصَارَ
كَفْصِيلٍ يَعْقُبُ إِحْمَالاً.
[١٣٠٥٩) (قولُهُ: مَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ إِلاَّ فِيهِ) أي: غَلِباً كَمَا يفيدُهُ كلامُ "البحرِ"(١)، وعَرَّفَهُ في
"الَّحريِ"(٢) بِمَا يَثْبُتُ حكمُهُ الشَّرعيُّ بِلانِيَّةٍ، وأرادَ ب(ما): اللَّفْظَ أو مَا يقومُ مَقَامَهُ(٣) مِنَ الكتابةِ
المُسْتَبِئَةِ أو الإشارةِ المفهومةِ، فلا يَقَعُ بإلقاءِ ثلاثَةٍ أحجارٍ إليها، أو بأمرِهَا بِحَلْقِ شَعْرِهَا وإِنِ اعتقَدَ
الإِلقاءَ والحَلْقَ طَلاقاً كَمَا قَدَّمْناهُ(٤)؛ لأنَّ ركنَ الطّلاقِ اللَّفْظُ أو مَا يقومُ مَقَامَهُ ثَمَا ذُكِرَ كَمَا مَرَّ(٥).
مطلبٌ: سن بوش(٦) يَقَعُ بِهِ الرَّجْعِيُّ
[١٣٠٦٠] (قولُهُ: ولو بالفارسيَّةِ) فَمَا لا يُسْتَعْمَلُ فيها إلاَّ في الطَّلاقِ فهو صريحٌ يَقَعُ بِلانِيَّةٍ،
وما استُعْمِلَ فيها استعمالَ الطَّلاقِ وغيرِهِ فحُكْمُهُ حُكْمُ كِنَايَاتِ العربيّةِ في جميعِ الأحكامِ،
"بحر "(٧). وفي "حاشيته" لـ "الخبرِ الرَّمْلِيِّ" عَنْ "جامعِ الفُصُولَيْنِ"(٨): ((أَنَّهُ ذَكَرَ كَلاماً بالفارسيَّةِ
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٦٩/٣.
(٢) "التحرير": الفصل الخامس: في تقسيم المفرد إلى حقيقة ومجاز - تتمة صـ ١٨٤ -.
(٣) في "د" زيادة: ((وقد أفتى بمثله الخير الرَّمليّ في "فتاواه"، منلا علي)). ق١٧٧ /ب.
(٤) المقولة [١٢٩٣١] قوله: ((وركنه لفظ مخصوص)).
(٥) المقولة [١٢٩٣١] قوله: ((وركنه لفظ مخصوص)).
(٦) كلمةٌ تركيّة معناها: أنت طالق.
(٧) "البحر": كتاب الطلاق - باب الكنايات في الطلاق ٣٢٣/٣ نقلاً عن "المعراج".
(٨) لم نعثر عليها في نسخة "جامع الفصولين" التي بين أيدينا.
قسم الأحوال الشخصية
١٥٤
حاشية ابن عابدين
معناهُ: إِنْ فَعَلَ كَذَا تَحْرِي كلمةُ الشَّرْعِ بيني وبينَكِ ينبغي أنْ يَصِحَّ اليمينُ على الطَّلاق؛ لأَنّهُ
مُتَعَارَفٌ بِينَهُمْ فِيه)) اهـ.
قلتُ: لكنْ قالَ في "نورِ العينِ"(١): ((الظَّاهِرُ أَنَّهُ لا يَصِحُّ اليمينُ لِمَا في "البِزَّازِيَّةِ"(٢) مِنْ
كتابِ ألفاظِ الكُفْرِ أَنَّهُ قدِ اشْتَهَرَ فِي رَسَاتيقِ شِرْوان(٣) أنَّ مَنْ قالَ: جَعَلْتُ كلما، أو عَلَيّ كلما؛
أَنَّهُ طلاقٌ ثلاثٌ معلَّقٌ، وهذا باطِلٌ ومِنْ هَذَيَانَاتِ العَوَامِّ)) اهـ، فتأمَّلْ.
( تنبيه)
قالَ في "الشُّرُ بلَالَّةِ"(٤): ((وَقَعَ السؤالُ عَنِ التَّطْلِيقِ بِلُغَةِ التِّرْكِ: هَلْ هوَ رَجْعِيٍّ باعتبارِ
القَصْدِ، أو بائِنٌ باعتبارِ مدلولِ (سن بوش) أو (بوش أول) ؛ لأنَّ معناهُ: خاليةٌ أو خَلِيَّةٌ،
﴿بَابُ الصَّريح﴾
(قولُهُ: لكنْ قال في "نورِ العَيْنِ": الظَّاهِرُ أَنَّهُ لا يَصِحُّ إلخ) ونصُّ عبارةِ "نورِ العَيْنِ": ((الظَّاهِرُ أنّه
لا يصِحُّ اليمينُ بقولِهِ بالتّركَيَّةِ: (كلما أولسون أو كلماي شرعي أولسون) بلانيَّةٍ؛ لأَنَّه ذكَرَ في "الخلاصةِ":
((أَنَّ مَنْ قال بالتّركَيَّةِ: (تلم أوجٍ) يقعُ ثلاثاً إذا نَوَى)) انتهى.
ثمَّإنّه ذكَرَ في كتابِ ألفاظِ الكُفْرِ من "الفتاوى البرَّازَّةِ": ((أَنّه قد اشتُهِرَ فِي رَسَائِيْقِ شَرْوَانَ: أَنَّ مَنْ
قال: (جعلْتُ كلما أو عليَّ كلما) أَنَّه طلاقٌ ثلاثٌ مُعَلّقٌ، وهذا باطلٌ ومِن هَذَياناتِ العَوَامِّ)) اهـ.
(١) "نور العين في إصلاح جامع الفصولين": للمولى محمد بن أحمد المعروف بـ: نَشانجي زاده، محيي الدين الرومي التوقيعي
(ت ١٠٣١ هـ)، و"جامع الفصولين" للقاضي بدر الدين محمود بن إسرائيل الشهير بابن سماونة (ت٨٢٣هـ).
("كشف الظنون" ٥٦٦/١، "العقد المنظوم" ص ٤٩١-، "هدية العارفين" ٢٧٢/٢).
(٢) "البزازية": الفصل الحادي عشر فيما يكون خطأ ٣٤٧/٦ باختصار (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) شَرْوان: مدينة من نواحي باب الأبواب الذي تسميه الفرس الدَّرْبَنْد، بناها أنوشَرْوان فسُمِّيت باسمه. ("معجم
البلدان" ٣٨٤/٣).
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق - باب إيقاع الطلاق ٣٦٨/١ (هامش "الدرر والغرر").
الجزء التاسع
١٥٥
باب الصريح
بالتَّشديدِ، فَيَّدَ بخطابها لأَنَّه لو قال: إنْ خرجتِ يقعُ الطَّلاقُ، أو لا تَخرُجي
إلاّ بإذني فإِنِّي حَلَفْتُ بِالطَّلاقِ، فخَرَجَتْ لم يقع؛ لتركِهِ الإضافةَ إليها.
فَلْيُنْظَرْ(١)) اهـ.
قلتُ: وَأَفَتَى "الرَّحِيمِيُّ" تلميذُ "الخيرِ الرَّمليّ" بأَنَّهُ رَحْعِيٌّ، وقالَ: كَمَا أَفَتَى بِهِ شيخُ الإسلامِ
"أبو السُّعُودِ"، ونَقَلَ مثلَهُ شيخُ مشايخِنَا "التّر كمانِيُّ" عَنْ "فَتَاوَى عَلِيِّ أفندي" مُفْتِي دَارِ السَّلْطَةِ
وعَنِ "الحامديَّةِ"(٢). [٣/ق١٩٥/أ]
[١٣٠٦١) (قولُهُ: بالتَّشْديدِ) أي: تشديدِ اللامِ في: ((مُطَلَّقَةٌ))، أمَّا بالتّخفيفِ فَيُلْحَقُ بالكِنَايَةِ،
"بحر "(٣). وسيذكُرُهُ في بابِهَا.
[١٣٠٦٢) (قولُهُ: لِتَرْكِهِ الإِضَافَةَ) أي: المعنويَّةَ، فإنَّهَا الشَّرْطُ، والخِطَابُ مِنَ الإضافةِ
المعنويَّةِ، وَكَذَا الإِشَارَةُ نحوَ: هذِهِ طالِقٌ، وكَذَا نحوُ: امرأتي طَالِقٌ وزينبُ طالِقٌ اهـ،
" ح "(٤).
ح
أقولُ: وما ذكَرَهُ "الشَّارِعُ" مِنَ التَّعليلِ أصلُهُ لِصَاحبِ "البحرِ"(٥) أَخْذَاً مِنْ
قول "البزَّازِيَّةِ"(٦) في الأيمانِ: ((قالَ لَهَا: لا تخرجِي مِنَ الدَّارِ إلَّ بإذني فإنّيْ حَلَفْتُ
بالطَّلَاقِ، فخَرَجَتْ لا يَقَعُ لَعَدَمِ ذِكْرٍ حلفِهِ بِطَلَاقِها، ويَحْتَمِلُ الحلفَ بطلاقِ غيرِهَا،
فالقولُ لَهُ)) اهـ.
(١) في "ب" و"م": ((فينظر))، وما أثبتناه هو الموافق لما في "الشرنبلالية".
(٢) انظر "العقود الدريّة في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب الطلاق ٤٣/١.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٦٩/٣.
(٤) "ح": كتاب الطلاق - باب الصريح ق١٧٦/ب.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٧٣/٣.
(٦) "البزازية": النوع الثاني في البراءة ٢٧٠/٤.
قسم الأحوال الشخصية
١٥٦
حاشية ابن عابدين
ومثلُهُ في "الخالنَّةِ"(١)، وفي هذا الأَخْذِ نَظَرّ؛ فإِنَّ مفهومَ كلامِ "البزَّازِيَّةِ" أَنَّهُ لو أرادَ الَحَلِفَ
بِطَلَاقِهَا يَقَعُ؛ لأَنّهُ جَعَلَ القولَ لَهُ فِي صَرْفِهِ إلى طلاقٍ غيرِها، والمفهومُ مِنْ تعليلِ "الشَّارِحِ" تَبَعَأْ
لـ "البحرِ"(٢) عَدَمُ الوقوعِ أصلاً؛ لِفَقْدِ شَرْطِ الإضافةِ مَعَ أَنَّهُ لو أرادَ طَلاقَها تكونُ الإضافةُ موجودةً،
ويكونُ المعنى: فإِنِّي حَلَفْتُ بِالطَّلاقِ مِنْكِ أو بطلاِكِ، ولا يَلْزَمُ كونُ الإِضافَةِ صريحةً في كلامِ؛ لِمَا
في "البحرِ"(٣): ((لو قالَ: طالِقٌ، فقيلَ لَهُ: مَنْ عَنَيْتَ؟ فقالَ: امرأتي، طَلّقَتِ امرأتُهُ)) اهـ، على أنَّهُ في
"القنيةِ"(٤) قالَ عازياً إلى "البرهانِ" صاحبِ "المحيطِ"(٥): ((رجلٌ دَعَتْهُ جماعةٌ إلى شُرْبِ الخمرِ، فقال:
إنّي حَلَفْتُ بالطَّلاقِ أَنّي لا أشرَبُ، وكانَ كَاذِيَاً فيهِ، ثمَّ شَرِبَ طُلُقَتْ))، وقالَ صاحبُ
"التّحْفَةِ» (٦): ((لا تَطْلُقُ دِيَانَةٌ)) اهـ.
وما في "التَّحْفَةِ" لا يُخَالِفُ ما قبلَهُ؛ لأنَّ المرادَ طَلُقَتْ قَضَاءً فَقَطْ لِمَا مَرَّ(٧) مِنْ أَنَّهُ لو
أَخْبُرَ بالطَّلاقِ كَاذِبَاً لا يَقَعُ دِينَةً، بخلافِ الهازِلِ، فَهَذَا يَدُلُّ على وقوعِهِ وإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إلى المرأةِ
صَرِيْحَاً، نَعَمْ يُمْكِنُ حملُهُ على ما إذا لَمْ يَقُلْ: إِنِّي أَرَدْتُ الْحَلِفَ بطلاقٍ غيرِهَا، فلا يُخالِفُ
٤٢٩/٢
(قولُهُ: نَعَمْ يُمكِنُ حَمْلُهُ إِلخ) أي: ما في "القنية"، وفيه أنّه بعدَ الحمل المذكورِ ما زالت المخالفةُ لِما في
"البَّازيَّةُ" موجودةٌ، فإِنَّ مقتضى ما فيها عدمُ وقوعِ الطَّلاقِ على الزَّوجةِ المعلومةِ لهُ إلَّ بإرادتِها منهُ، وأَنَّه إذا
لم يقُلْ: إِنّي أردتُ الحلِفَ بطلاقٍ غيرِها لا يقعُ على المُعَنَةِ، بل الأمرُ موقوفٌ، نعمْ إذا أرادَها وقعَ عليها.
(١) "الخانية": كتاب الطلاق - الفصل الأول في صريح الطلاق ٤٦٥/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٧٣/٣.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٧٣/٣.
(٤) "القنية": كتاب الطلاق - باب فيما يكون إيقاعاً وفيما لا يكون ق ٤٠/ب.
(٥) لم نعثر عليها في مخطوطة "المحيط البرهاني" التي بين أيدينا.
(٦) لم نعثر عليها في نسخة "تحفة الفقهاء" التي بين أيدينا.
(٧) المقولة [١٢٩٩٥] قوله: ((أو هازلاً)).
الجزء التاسع
١٥٧
باب الصريح
(ويَقَعُ بها) أي(١): بهذه الألفاظِ وما بمعناها من الصَّرِيحِ،.
مَا فِي "البزَّازِيَّةِ"، ويُؤَيِّدُهُ ما في "البحرِ "(٢): ((لو قالَ: امرأةٌ طالِقٌ، أو قالَ طَلَّقْتُ امرأةً ثلاثاً، وقالَ:
لَمْ أَعْنِ امرأتِي يُصَدَّقُ)) اهـ.
وَيُقْهَمُ مِنْهُ أنَّهُ لو لَمْ يَقُلْ ذِكَ تَطْلُقُ امرأْتُهُ؛ لأنَّ العادةَ أَنَّ مَنْ لَهُ امرأةٌ إِنَّمَا يَحْلِفُ بِطَلَاقِها
لا بطلاقٍ غيرِهَا، فقولُهُ: إِنِّي خَلَفْتُ بالطّلاقِ ينصرِفُ إليها ما لَمْ يُرِدْ غيرَهَا؛ لأَنَّهُ يُحْتَمِلُهُ كلامُهُ،
بخلافٍ ما لو ذَكَرَ اسَمَهَا أو اسمَ أبْهَا أو أمِّهَا أو ولدِهَا فقال: عَمْرَةُ طالِقٌ، أو بنتُ فُلانِ، أو بستُ(٣)
فلانةٍ، أو أمُّ فلانٍ، فقد صَرَّحُوا بأنَّهَا تَطْلُقُ، وأَنَّهُ لو قالَ: لَمْ أَعْنِ امرأتي لا يُصَدَّقُ [٣/ ق١٩٥ /ب]
قضاءً إذا كانَتِ امرأتُهُ كَمَا وَصَفَ كَمَا سيأتي(٤) قُبْلَ الكِنَاياتِ، وسيذْكُ(٥) قريباً أنَّ مِنَ الألفاظِ
المستعملةِ: الطَّلاقُ يلزَمُنِي، والحرامُ يلزَمُنِي، وعليَّ الطَّلاقُ، وعليَّ الحرامُ، فَيَقَعُ بِلانِّةٍ لِلعُرْفِ إِلَخْ،
فأوقَعُوا بِهِ الطَّلاقَ مَعَ أَنَّهُ ليسَ فِيهِ إضافةُ الطَّلاقِ إليها صَرِيِحاً، فَهَذَا مُؤَيٌِّ لِمَا في "القنيةِ"(٦)، وظاهِرُهُ
أنُّ لا يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ لَمْ يُرِدٍ امرأَتَهُ للعُرْفِ، والله أعلمُ.
[١٣٠٦٣] (قولُهُ: وَمَا بِمَعْنَاهَا مِنَ الصَّرِيحِ) أي: مثلٍ ما سيذكُرُهُ(٧) مِنْ نحوٍ: كُوْنِي طَالِقَاً،
واطّقِي، وَيَا مُطَلَّقَةُ بالتّشديدِ، وَكَذَا الْمُضَارِعُ إذا غَلَبَ في الحالِ مثلُ: أُطَلّقُكِ كَمَا في "البحرِ"(٨).
قلتُ: ومنهُ في عُرْفِ زمانِنَا: تَكُوْنِي طَالِقَاً، ومنهُ: خُذِيْ طَلَاقَكِ، فقالَتْ: أخذْتُ،
(١) ((أي)) ساقطة من "د" و"و".
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٧٣/٣.
(٣) في "م": ((بنث))، وهو تحريف.
(٤) المقولة [١٣٤٠٠] قوله: ((ولم يسم)).
(٥) صـ ١٦٨-١٦٩ - "در".
(٦) "القنية": كتاب الطلاق - باب فيما يكون إيقاعاً وفيما لا يكون ق ٤٠/أ.
(٧) صـ ١٧٧ - "در".
(٨) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٧٣/٣.
قسم الأحوال الشخصية
١٥٨
حاشية ابن عابدين
ويدخلُ نحو: طَلاغٍ (١)، وتَلاغٍ، وطَلاكٍ، وَتَلاكٍ).
فقد صُحِّحَ الوقوعُ بِهِ بِلا اشتراطِ نِّةٍ كَمَا في "الفتحِ"(٢)، وكَذَا لا يُشْتَرَطُ قولُهَا: أخذْتُ كَمَا في
"البحرِ"(٣)، وأمَّا ما في "البحرِ" - مِنْ أنَّ منهُ: شئْتُ طلاقَكِ، وَرَضِيْتُ طلاقَكِ - ففيهِ خِلافٌ،
وجَزَمَ "الزَّيْلِعِيُّ(٤) بِأنّهُ لا بُدَّ فيهما مِنَ النّةِ كَمَا ذكرَهُ "الخيرُ الرَّمْلِيُّ"، أي: فيكونُ كِنَايَةً؛ لأنَّ
الصَّرِيحَ لا يَحْتَاجُ إلى النِّيّةِ، وأَمَّا ما في "البحرِ"(٥) أيضاً - مِنْ أَنَّ منهُ: وهبْتُ لَكِ طَلاَقَكِ،
وأودعْتُكِ طَلاَقَكِ، وَرِهْتُكِ طَلَاقَكِ - فسيذْكُرُ(٦) "الشَّارِحُ" تصحيحَ عَدَمِ الوُقُوعِ بِهِ، وأمَّا أنتِ
الطَّلاقُ فليسَ بمعنى المذكوراتٍ؛ لأنَّالمرادَ بِهَا ما يَقَعُ بِهِ واحدةٌ رَجْعِيَّةٌ وإنْ نَوَى خلافَهَا كَمَا
صَرَّحَ(٧) بِهِ "المصنّفُ" ، وأنتِ الطَّلاقُ تَصِحُّ فِيهِ نَّةُ الثّلاثِ كَمَا ذكرَهُ عَقِبَهُ، وأمَّا أنتِ أَطْلَقُ مِنْ
فلانةٍ ففي "النّهرِ"(٨) عَنِ "الولوالجَّةِ"(٩) أَنَّهُ كِنَايةٌ، قالَ: ((فإنْ كانَ جَوَاباً لقولِهَا: إنَّ فلاناً طَلَّقَ
امرأَتَهُ وَقَعَ ولا يُدَّنُ، كَمَا في "الخلاصةِ"(١٠)؛ لأنَّ دَلالةَ الحالِ قائِمَةٌ مَقَامَ النّةِ، حتّى لو لَمْ تَكُنْ
قائمةٌ لَمْ يَقَعْ إِلاَّ بِالنّةِ)) اهـ، فافْهَمْ.
مطلبٌ: مِنَ الصَّرِيحِ الألفاظُ الْمُصَحَّفَةُ
[١٣٠٦٤) (قولُهُ: ويدخُلُ نحوُ طَلاغ وتَلاغ إلخ) أي: بالغينِ المُعْحَمَةِ، قالَ في "البحرِ"(١١):
(١) في "و": ((طلاع))، وهو تحريف.
(٢) "الفتح": كتاب الطلاق - باب إيقاع الطلاق ٣٥٤/٣.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٧٠/٣.
(٤) "تبیین الحقائق": کتاب الطلاق - باب الكنايات - فصل في المشيئة ٢٢٨/٢.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٧٣/٣.
(٦) صـ ١٧٩ - "در".
(٧) ص ١٦٧ - "در".
(٨) "النهر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ق٢٠٣/ب.
(٩) "الولوالجية": كتاب الطلاق ق ٦١/أ.
(١٠) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطلاق - جنس آخر في ألفاظ الطلاق ق ٩٣/أ.
(١١) "البحر": كتاب الطلاق - باب الطلاق الصريح ٢٧١/٣.