النص المفهرس
صفحات 401-420
الجزء الثامن
٣٩٩
باب المھر
كفرضِهِ ونفلُها كنفِلِهِ))، وقال في "البحر"(١): ((لا شكَّ أنَّ إفساد الصَّلاة لغير عذرِ حرامٌ فرضاً
كانت أو نفلاً، فينبغي أنْ تَمنَعَ مطلقاً مع أنّهم قالوا: إنَّ الصَّلاةَ الواجبةَ لا تَمنَعُ كالنَّعْل(٢) مع
أَنَّه يَأْتُمُ بتركِها، وأغربُ منه ما في "المحيط": أنَّ صلاة التّطوُّعِ لا تَمنَعُ إِلَّ الأربعُ قبل الظُّهر؛
لأَنّها سنّةٌ مؤكّدةٌ، فلا يجوزُ تركُها بمثلِ هذا العذرِ اهـ. فإنَّه يقتضي عدمَ [٣/ق٩٣/ب] الفَرْقِ بين
السُّنْنِ المؤكَّدةِ، وأنَّ الواجبةَ تَمنَعُ بالأَولى)) اهـ.
قلت: والحاصلُ أنّهم لم يُفرِّقُوا في إحرامِ الحجِّ بين فرضِهِ ونفلِهِ؛ لاشتراكهما في ◌ُزُومٍ
القضاءِ والدَّمِ، وفرَّقُوا بينهما في الصَّوم والصَّلاة، أمَّ الصَّومُ فظاهرٌ؛ لِلُزُومِ القضاءِ والكفّارة في
فرضه بخلاف نفلِهِ وما أُلحِقَ به؛ لأنَّ الضَّرر فيه بالفطرِ يسيرٌ؛ لأَنَّه لا يَلَمُ إلَّ القضاءُ لا غيرُ كما
في "الجوهرة"(٣)، وأمَّا في الصَّلاة فالفَرْقُ بينهما مُشكِلٌ؛ إذ ليس في فرضِها ضررٌ زائدٌ على الإثمِ
وُلُزُومِ القضاء، وهذا موجودٌ في نفلِها وواجبها، نعم الإِثمُ في الفرض أعظمُ، وفي كونِهِ مَناطاً لمنعِ
صحَّةِ الخلوة خفاءٌ، وإلاَّ لَزِمَ أنْ لا يكون قضاءُ رمضان والكفَّاراتُ كالنَّفل، ولعلَّ هذا وجهُ
اختيار "الكنز"(٤) إطلاقَ فرض الصَّوم كما قدَّمناه(٥)، فكذا الصَّلاةُ ينبغي أنْ يكونَ فرضُها
ونقلُها كفرضِ الصَّوم بخلاف نفلِهِ؛ لأنّه أوسعُ بدليلٍ أَنَّه يجوزُ إفطارُهُ بلا عذرٍ في روايةٍ، ونفلُ
الصَّلاةِ لا يجوزُ قطعُهُ بلا عذرٍ في جميعِ الرِّواياتِ، فكان كفرضها، ولعلَّ المجتهِدَ قام عنده فَرْقٌ
بينهما لم يَظهَرْ لنا، والله تعالى أعلم.
(١) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٤/٣.
(٢) ذكره في البحر نقلاً عن "شرح النقاية".
(٣) "الجوهرة النيرة": كتاب النكاح - أبحاث المهر ٨١/٢.
(٤) انظر "شرح العين على الكنز": كتاب النكاح - باب المهر ١٥٢/١.
(٥) المقولة [١١٩٩٦] قوله: ((في الأصح)).
قسم الأحوال الشخصية
٤٠٠
حاشية ابن عابدين
فيما يجيءُ (ولو) كان الزَّوجُ (محبوباً أو عنّيناً أو خَصِيّاً) أو خنثى إنْ ظهَرَ حالُهُ،
وإلاَّ فنكاحُهُ موقوفٌ، وما في "البحر" و"الأشباه" ليس على ظاهرٍهٍ،.
[١٢٠٠٠) (قولُهُ: فيما يجيءُ) أي: من الأحكامِ، "ط "(١).
[١٢٠٠١] (قولُهُ: ولو محبوباً) أي: مقطوعَ الذَّكَر والخُصْيتين، من الجَبِّ وهو القطعُ، قال في
"الغاية": ((والظَّاهرُ أنَّ قطع الحُصْيتين ليس بشرطٍ في المجبوب))؛ ولذا اقتصَرَ "الإسبيجابيُّ" على
قَطْعِ الذِّكَرِ، "ح"(٢) عن "النّهر"(٣).
[١٢٠٠٢] (قولُهُ: أَو خَصِيّاً) بفتح الخاء المعجمة: فَعِيْلٌ بمعنى مفعولٍ، وهو مَن سُلَّتْ
خُصْيْنَاه وبقيَ ذَكَرُهُ، "ح"(٤).
[١٢٠٠٣] (قولُهُ: إِنْ ظهَرَ حالُهُ) أي: إنْ ظهَرَ قبل الخلوة أنَّ هذا الزَّوجَ الخنثى رجلٌ،
وظهَرَ (٥) أنَّ نكاحَهُ صحيحٌ فإنَّ وطأَهُ حينئذٍ جائزٌ، فتكونُ الخلوةُ كالوطءِ، وإنْ لم يَظهَر
فالنّكاحُ موقوفٌ لا يُبيِحُ الوطءَ، فلا تكونُ خلوتُهُ كالوطءٍ، فافهم.
[١٢٠٠٤) (قولُهُ: وما في "البحر "(٦)) حيث أطلَقَ صحَّةً خلوتِهِ، ولم يُقِيِّد بظُهُورِ حالِهِ،
(قولُهُ: والظَّاهرُ أنَّ قَطْعَ الْخُصْيتين ليس بشرْطٍ في المحبوب إلخ) أي: ليس بشرطٍ في تسميته
مَجْبوباً وإنْ كان تفسيرُه هنا بمقطوع الذِّكَر، والخُصْيتين هو المناسب هنا؛ إذ يُعلمُ منه حُكْمُ ما إذا كان
مقطوعَ الذّكَر فقط بالأَّوْلى.
(١) "ط": كتاب النكاح - باب المهر ٥٤/٢.
(٢) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٣/ب.
(٣) "النھر" کتاب النكاح - باب المھر ق ١٨٠/ب.
(٤) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٣/ب.
(٥) ((وظهر)) ساقطٌ من "الأصل".
(٦) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٦/٣.
الجزء الثامن
٤٠١
باب المھر
"نهر"(١). وفيه: عن "شرح الوهبائَّة"(٢): ((أَنَّ العُنّة قد تكونُ.
وما في "الأشباه" ستَعرِفُهُ(٣).
٣٤٠/٢
[١٢٠٠٥] (قولُهُ: "نهر "(٤)) عبارتُهُ: ((ويجبُ أنْ يُرادَ به مَن ظهَرَ حالُهُ (٥)، أمَّا الْمُشكِّلُ
فنكاحُهُ موقوفٌ إلى أنْ يتبيَّنَ حالُهُ، ولهذا لا يُزوِّجُهُ ولِيُّهُ مَن تَخِثُهُ(٦)؛ لأنَّ النّكاحَ الموقوفَ لايُفيدُ
إباحةَ النّظر، كذا في "النّهاية")) اهـ، أي: فلا يُبيحُ الوطءَ بالأَولى، فلا تصحُّ خلوتُهُ كالخلوةِ
بالحائض بل أَولِى؛ لأَنَّه قبل الّبين بمنزلةِ الأجنبيِّ، ثمَّ قال في "النّهر)(٧): ((وأفاد في "المبسوط )(٨).
أنَّ حَالَهُ يَتَبَّنُ بالبلوغ، فإِنْ ظَهَرَتْ فيه علامةُ الرَّجُل وقد زَوَّحَهُ أبوه [٣/ق٩٤/ ١] امرأةً حُكِمَ بصحَّةٍ
نكاحِهِ من حينٍ عَقْدِ الأب(٩)، فإنْ لم يَصِلْ إليها أُجِّلَ كالِيْن، وإِنْ زُوِّجَ رَجُلاً تبيّنَ بطلانُهُ،
وهذا صريحٌ في عدم صحَّةٍ خلويِهِ قبل ذلك. وبهذا التَّقريرٍ عَلِمْتَ أنَّ ما نقلَهُ في "الأشباه"(١٠)
عن "الأصل": لو زَوَّجَهُ أبوه رَجُلاً فوصَلَ إليه جازَ، وإلاّ فلا عِلْمَ لي بذلك، أو امرأةً فبلَغَ فوصَلَ
(قولُ "الشَّارح": وفيه عن "شرح الوهبانيَّة" أنَّ العُنَّةَ إلخ) جوابٌ عمَّا يَرِدُ عن "النّهر" حيثُ قال:
((إِنّه لو لم يَعِلْ إليها بعد بُلُوغه يُجعلُ كالعِين))، وتقريرُ السُّؤال أنَّ العُّنَةَ في كِبَرِ السِّنِّ، وأنَّ حالةَ
وقتِ الْبُلُوغِ شِدَّةُ شَهْوةٍ، فكيف يكون عِنِيناً؟ فأجاب بأنَّ العِنَّةَ قد تكونُ لَرَضٍ الخ "رحمّ".
(١) عبارة "ب" و"و" و"ط": ((كما بسطه في "النهر")).
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الطلاق ق ٩٤/أ.
(٣) في المقولة الآتية.
(٤) "النهر": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٨١/أ.
(٥) في "ب": ((من حاله))، وهو خطأ.
(٦) في "ب": ((تحتنه)).
(٧) "النهر": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٨١/أ.
(٨) "المبسوط": كتاب الخنثى - حكم تزويجه ١٠٦/٣٠.
(٩) ((عقد الأب)) سقط من "الأصل".
(١٠) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث الجمع والفرق. أحكام الخنثى المشكل صـ٣٨٢-٣٨٣ -.
،
قسم الأحوال الشخصية
٤٠٢
حاشية ابن عابدين
لمرضٍ، أو ضَعْفِ خِلْقةٍ، أو كِبَرِ سِنِّ)) (فِي تُبُوتِ النَّسبِ)
إليها جازَ، وإلاَّ أُجِّلَ كالعِنِّينِ ليس على ظاهرِهِ، والله الموفّق)) اهـ، أي: أنَّ ظاهر ما في
"الأشباه" أنّه بمجرَّدٍ وُصُولِ الرَّجُلِ إليه -أي: وطئِهِ له - أو بوصولِهِ إلى المرأة يصحُّ النكاح ولو
قبلَ البلوغِ وظُهُورِ علامةٍ فيه، وأنَّ الوطءَ يَحِلُّ قبل التَّبيُّنِ، وأنَّ الخلوة به صحيحةٌ، وأنّه بعد
البلوغ قد يتبيَّنُ حالُهُ وقد لا يتبيَّنُ، مع أنَّه في "المبسوط"(١) جزَمَ بتبُّنِ حالِهِ بالبلوغ، وأَنَّه قبل
التَّنِ يكونُ نكاحُهُ موقوفً، فهو صريحٌ في عدمٍ صحَّةِ الخلوة قبل التُّّنِ لعدم حِلِّ الوطءِ. وفيه
نظرٌ، فإنَّ قوله: ((جاز)) معناه: جازَ العَقْدُ لتبيّنِ حالِهِ بذلك، فقد صرَّحُوا بأنَّ ذلك رافعٌ
الإشكالِهِ، ولا يَلزَمُ منه حِلُّ الوطءِ. وقولُهُ: ((وإِلاَّ فلا عِلْمَ لي بذلك)) أي: إنْ لم تَظهَرْ فيه هذه
العلامةُ لا أَحكُمُ بِصِحَّةِ العَقْدِ ولا بعدمِهَا، بل يتوقَّفُ ذلك على ظُهُورِ علامةٍ أخرى، وقولُ
"المبسوط": ((إِنَّ حالَهُ يتبيّنُ بالبلوغ)) مبنيٌّ على الغالبِ، وإلاَّ فقد صرَّحُوا بأنَّه قد يَبقَى حالُهُ
مُشكِلاً بعده، كما إذا حاضَ مِن فَرْجِ النّساء وأَمْنَى من فَرْجِ الرِّجال، وقد يتبيَّنُ حالُهُ قبل
البلوغ: كأنْ يُولَ من أحدِ الفرجين دون الآخرِ فتصحُّ خلوتُهُ.
والحاصلُ: أنَّ تقييد صحَّةِ الخلوةِ بتبُّنِ حالِهِ ظاهرٌ لعدم حِلِّ الوطءِ قبله.
[١٢٠٠٦) (قولُهُ: لمرضٍ إِلخ) وكذا السِّحرُ، ويُسمَّى(٢) المعقودَ كما سيأتي(٣) في بابِهِ عن
"الوهبانيَّة".
[١٢٠٠٧] (قولُهُ: فِي تُبُوتِ النَّسَبِ إِلخ) الذي حقَّقَهُ في "البحر "(٤) بحثاً ثمَّ رآه منقولاً عن
"الخصَّاف" (٥): (( أنَّ الخلوة لم تَقُمْ مَقامَ الوطءِ إلَّ في حقِّ تكميلِ المهر ووجوبِ العِدَّة))،
(١) "المبسوط": كتاب الخنثى - حكم تزويجه ١٠٦/٣٠.
(٢) أي: المسحور.
(٣) المقولة [١٢٩١٩] قوله: ((ولو فات الإمساك بالمعروف)).
(٤) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٥/٣، نقلاً عن "جامع الفصولين" عن "أدب القاضي" للخصاف.
(٥) "أدب القاضي": الباب الثامن والثمانون في المجبوب ١٩٣/٤ بتصرف.
الجزء الثامن
٤٠٣
باب المھر
ولو من المجبوبِ (و) في (تأكَّدِ المهرِ) المسمَّى ومهرِ المثلِ بلا تسميةٍ (والنفقةِ
والسُّكنى والعِدَّةِ وحرمةِ نكاحٍ أختِها وأربعٍ سواها).
قال: ((وما سواه فهو من أحكامِ العَقْدِ كالنَّسَب))، أي: فإِنَّه يَتْبُتُ وإنْ لم توجد خلوةٌ أصلاً
كما في تزوُّجٍ مشرقيِّ مغربيَّةً، أو من أحكام العِدَّةِ كالبقيَّةِ، والعجبُ من صاحب "النّهرِ"(١)
حيث تَابَعَ أخاه في هذا التَّحقيق، ثمَّ خالَفَهُ فِي النَّظْم الآتي(٢)، وما ذكرَهُ في "البحر" سبَقَهُ إليه
"ابن الشِّحنة" في "عقد الفرائد"(٣)، لكنّ أفادَ: (( أنَّ المُطلَّقةَ قبل الدُّخولِ لو وَلَدَتْ لأَقلَّ من ستّةٍ
أشهرٍ من حينِ الطَّلاق ثبَتَ نَسَبُهُ للَّقُّنِ بأنَّ العُلُوقَ قبل الطَّلاق، وأنَّ الطَّلاقَ بعد الدُّخول، ولو
وَلَدَتْهُ لأكثرَ [٣/ق٩٤/ب] لا يَثْبُتُ لعدمِ العِدَّة، ولو اختَلَى بها فطَلّقَها يثبتُ وإِنْ جاءَتْ به لأكثرَ
من سنّةِ أشهرٍ))، قال: ((ففي هذه الصُّورةِ تكونُ الخصوصيّةُ للخلوة)).
[١٢٠٠٨] (قولُهُ: ولو من المجبوبِ) لإمكانِ إنزالِهِ بالسِّحاق، وسيأتي(٤) في باب العّين أنّه .
يُثُبُتُ نَسَبُهُ إذا خلا بها، ثمَّ فُرِّقَ بينهما ولو جاءت به لسنتين.
[١٢٠٠٩) (قولُهُ: وفي تأكُّدِ المهرِ) أي: في خلوةِ النّكاحِ الصَّحيحِ، أمَّا الفاسدُ فيجبُ فيه
مهرُ المثل بالوطءِ لا بالخلوةِ كما سيذكرُهُ(٥) "المصنّف" في هذا البابِ لحرمةِ الوطءِ فيه، فكان
کالخلوة بالحائض.
[١٢٠١٠] (قولُهُ: والعِدَّةِ) وجوبُها من أحكامِ الخلوة سواءٌ كانَتْ صحيحةً أم لا، "ط" (٦)،
أي: إذا كانَتْ في نكاحٍ صحيحٍ، أمَّا الفاسدُ فتجبُ فيه العدَّةُ بالوطءِ كما سيأتي(٧).
(١) "النهر": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٨٠/أ.
(٢) "در" صـ ٤٠٧- وما بعدها.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب النكاح - مسائل الخلوة ق٨٤/أ معزياً إلى "المبسوط".
(٤) المقولة [١٥١١٤] قوله: ((ثبت نسبه)).
(٥) "در" صـ ٤٤١- وما بعدها.
(٦) "ط": كتاب النكاح - باب المهر ٥٥/٢.
(٧) المقولة [١٥٣٧٩] قوله: ((لا توجب العدة)) وما بعدها.
ء
قسم الأحوال الشخصية
٤٠٤
حاشية ابن عابدين
في عِدَّتِها (وحرمةِ نكاحِ الأَمَةِ ومراعاةٍ وقتِ الطَّلاقِ في حقّها) وكذا في وقوعِ
طلاقٍ بائنٍ آخرَ على المختارِ (لا) تكونُ كالوطءِ (في حقِّ) بقيَّةِ الأحكامِ.
[١٢٠١١] (قولُهُ: في عِدَّتِها) متعلّقٌ بـ ((نكاحٍ))، والأَولى تأخيرُهُ بعدَ قوله: ((وحُرمةِ نكاحٍ
الأَمَةِ))، "ط"(١).
[١٢٠١٢) (قولُهُ: وحُرمةِ نكاحِ الأَمَةِ) أي: لو طَلَّقَ الحرَّةَ بعد الخلوةِ بها لا يصحُّ تزوُّجُهُ أَمَةً
ما دامت الحرَّةُ في العِدَّة ولو الطَّلاقُ بائناً.
[١٢٠١٣] (قولُهُ: ومُراعاةٍ وقتِ الطَّلاقِ في حقّها) بيانُهُ: أنَّ الموطوءة طلاقُها في الحيض بِدْعيٌّ
فلا يَحِلُّ، بل يُطلِقُها واحدةً في طُهْرِ لا وطِءَ فيه - وهو أحسنُ - أو ثلاثاً مُتُفرِّقةً في ثلاثةِ أطهارِ
لا وطءَ فيها - وهو حسنٌ - بخلافٍ غيرِ الموطوءة، فإِنَّ طلاقَها واحدةٌ - ولو في الحيضِ - حَسَنّ،
وإذا كانت المختلَى بها كالموطوءةِ تَوَقَّتَ طلاقُها بالطُّهرِ، فلا يَحِلُّ في مُدَّةِ الحيض، فافهم.
[١٢٠١٤) (قولُهُ: وكذا في وقوعِ طلاقٍ بائنٍ آخَرَ إلخ) في "البزَّازِيَّةُ(٢): ((والمختارُ أَنَّه يقعُ
عليها طلاقٌ آخرُ فِي عِدَّةِ الخلوةِ، وقيل: لا)) اهـ.
وفي "الذَّخيرة": ((وأمَّا وقوعُ طلاقٍ آخرَ في هذه العِدَّةِ فقد قيل: لا يقعُ، وقيل: يقعُ، وهو
أقربُ إلى الصَّواب؛ لأنَّ الأحكام لَمَّا اخْتَفَتْ يجبُ القولُ بالوقوع احتياطاً. ثمَّ هذا الطَّلَاقُ
يكونُ رجعيّاً أو بائناً؟ ذكَرَ "شيخُ الإسلام": أَنَّه يكونُ بائناً)) اهـ، ومثلُهُ في "الوهبائيّة"
و"شرحها"(٣).
والحاصلُ: أَنّه إذا خلا بها خلوةً صحيحةً ثمَّ طَلّقَها طلقةً واحدةً فلا شبهةَ في وقوعِها،
فإِذا طَلّقَها في العِدَّةِ طلقةً أخرى فمقتضى كونِها مُطلَّقةً قبل الدُّخولِ أنْ لا تقعَ عليها النَّانية،
(١) "ط": كتاب النكاح - باب المهر ٥٥/٢.
(٢) "البزازية": كتاب النكاح - مسائل الخلوة ١٤٢/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب النكاح - مسائل الخلوة ق ٨٥/ب، معزياً إلى "المحيط" و"الذخيرة".
الجزء الثامن
٤٠٥
باب المھر
كالغُسْلِ.
لكنْ لَمَّ اختلفت الأحكامُ في الخلوة في أنَّها تارةً تكونُ كالوطءٍ وتارةً لا تكونُ جعلناها
كالوطء في هذا، فقلنا بوقوعِ الثّانيةِ احتياطاً لوجودِها في العِدَّةِ، والمطلّقةُ قبل الدُّخولِ لا يَلحَقُها
طلاقٌ آخر إذا لم تكن مُعتدَّةً بخلاف هذه.
٣٤١/٢
والظاهر: أنَّ وجهَ كون الطَّلاقِ الثَّاني بائناً هو الاحتياطُ أيضاً، [٣/ ق ٢٩٥/] ولم يتعرَّضُوا
للطّلاقِ الأَوَّلِ، وأفادَ "الرَّحمنُّ": ((أَنَّه بائنٌ أيضاً؛ لأَنَّه طلاقٌ قبل الدُّخولِ غيرُ مُوجِبٍ للعِدَّة؛
لأنَّ العِدَّة إنما وَجَبَتْ لِجَعْلِنا الخلوةَ كالوطِ احتياطاً، فإِنَّ الظَّاهر وجودُ الوطءِ في الخلوةِ
الصَّحيحةِ، ولأنَّ الرَّجعة حقُّ الرَّوجِ، وإقرارُهُ بَأَنَّه طَلَّقَ قبل الوطءِ يَنفُذُ عليه فيقعُ بائناً وإذا كان
الأوَّل لا تَعقُبُه الرَّجِعَةُ يَزَمُ كونُ النَّانِي مِثْلَهُ)) اهـ.
ويشيرُ إلى هذا قولُ "الشَّارح": ((طلاقٍ بائنٍ آخرَ))، فإِنَّه يفيدُ أنَّ الأوَّلَ بائنٌ أيضاً، ويدلُّ
عليه ما يأتي(١) قريباً من أنّه لا رجعةَ بعدَهُ، وسيأتي(٢) التَّصريحُ به في باب الرَّجعة، وقد علمتَ
مما قرَّرناه أنَّ المذكور في "الذَّخيرة" هو الطَّلاقُ الثَّاني دون الأوَّلِ، فافهم.
ثُمَّ ظاهرُ إطلاقِهِم وقوعُ البائن أوَّلاً وثانياً وإنْ كان بصريحِ الطَّلاق، وطلاقُ الموطوءة
ليس كذلك، فُخالِفُ الخلوةَ الوطءُ في ذلك، وأجاب "ح"(٣): ((بأنَّ المراد التّشبيهُ من بعضِ
الوجوهِ، وهو أنَّ في كلِّ منهما وقوع طلاقٍ بعد آخرَ)) اهـ.
وأمَّا الجوابُ - بأنَّ البائن قد يَلحَقُ البائنَ في الموطوءة - فلا يَدِفَعُ المخالفةَ المذكورةَ، فافهم.
[١٢٠١٥) (قولُهُ: كالغُسلِ) أي: لا يجبُ الغُسلُ على واحدٍ منهما بمجرَّدٍ الخلوةِ بخلاف
الوطء.
(١) المقولة [١٢٠١٩] قوله: ((والرجعة)).
(٢) المقولة [١٤٢٢٥] قوله: ((إن لم يطلق بائناً)).
(٣) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤/أ.
4
قسم الأحوال الشخصية
٤٠٦
حاشية ابن عابدين
و(الإحصان، وحرمةِ البناتٍ، وحِلِّها للأوَّل،.
[١٢٠١٦] (قولُهُ: والإحصانِ) فلو زَنَى بعد الخلوةِ الصَّحيحةِ لا يَلزَمُهُ الرَّجْمُ لفَقْدٍ شرطٍ
الإحصان وهو الوطءُ، قال في "عقد الفرائد"(١): ((وهذا إنْ لم يُفهَمْ أَنَّه خاصٌّ بالرَّجُل))، فهو
ساكتٌ عن ثُبُوتِ الإحصانِ لها بذلك، والذي يظهرُ لي: أَنَّه لا فرقَ بينه وبينها فيه، ولم أَقِفْ
على نقلٍ فيه صريحٍ، والله أعلم.
قلت: في "البحر"(٢): ((ولم يُقيموها مُقَامَ الوطءِ في حقِّ الإحصانِ إِنْ تصادَقًا على عدمِ
الدُّخول، وإِنْ أقَرَّ به لَزِمَهما حكمُهُ، وإِنْ أقرَّ به أحدُهما صُدِّقَ في حقِّ نفسِهِ دون صاحبِهِ كما
في "المبسوط"(٣))) اهـ.
[١٢٠١٧) (قولُهُ: وحرمةِ البناتِ) أي: لم يُقيموا الخلوةَ مُقَامَ الوطءِ في ذلك، فلو خلا
بزوجتِهِ بدونٍ وطءٍ ولا مَسٌّ بشهوةٍ لم تَحرُم عليه بناتُها بخلافِ الوطء، والكلامُ في الخلوةِ
الصَّحيحة كما صرَّحَ به في "الَّبِينَ"(٤) و"الفتح"(٥) وغيرهما، فما حرَّرَهُ في "عقد الفرائد"(٦) مما
حاصلُهُ: ((أنَّ حرمة البناتِ بالخلوةِ الصَّحيحةِ لا خلافَ فيها بين "الصَّاحبين" والخلافُ في
الفاسدة، قال "الثّاني": تُحرِّمُ، وقال "محمَّدٌ": لا تُحرِّمُ))، فهو ضعيفٌ، وما ادَّعاهُ من عدمِ
الخلاف ممنوعٌ كما بسَطَهُ في "النّهر"(٧).
[١٢٠١٨] (قولُهُ: وحَلّها للأوَّلِ) أي: لا تَحِلُّ مُطلِّقةُ الثّلاثِ للَّوجِ الأوَّلِ مجرَّدٍ خلوةٍ
الثّاني، بل لا [٣/ ق٩٥/ب] بدَّ من وطئِهِ لحديثِ العُسَيلة(٨).
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب النكاح - مسائل الخلوة ق ٨٥/ب.
(٢) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٥/٣.
(٣) "المبسوط": كتاب النكاح - باب الإحصان ١٥٠/٥.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب النكاح - باب المهر ١٤٤/٢.
(٥) "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢١٩/٣.
(٦) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب النكاح - مسائل الخلوة ق ٨٥/أ - ب.
(٧) "النھر": کتاب النكاح ۔ باب المھر ق ١٨٠/ب.
(٨) تقدم تخريجه ص١٧ -.
:
الجزء الثامن
٤٠٧
باب المھر
والرَّجعةِ، والميراثِ) وتزويجِها كالأبكارِ على المختارِ وغيرِ ذلك، كما نظَمَهُ
صاحب "النَّهر"(١) فقال: [بسيط]
[١٢٠١٩) (قولُهُ: والرَّجعةِ) أي: لا يصيرُ مُراجعاً بالخلوةِ، ولا رجعةً له بعدَ الطَّلاقِ الصَّرِيحِ
بعد الخلوة، "بحر"(٢)، أي: لوقوعِ الطَّلاقِ بائناً كما قدَّمناه(٣).
[١٢٠٢٠] (قولُهُ: والميراثِ) أي: لو طَلَّقَها وماتَ وهي في عِدَّةِ الخلوةِ لا تَرِثُ، "بَّازِيَّةَ"(٤).
ومثلُهُ في "البحر"(٥) عن "المجتبى"، وحكى "ابنُ الشّحنة" في "عقد الفرائد"(٦) قولاً آخرَ: ((أَنَّها تَرِثُ
وإِنْ تصادقًا على عدمِ الدُّخولِ بعد الخلوة))، قال "الرَّحمنُّ": ((وعلى هذا - أي: ما في "الشَّرح"
- لو طَلَّقَها في مرضِهِ بعد الخلوةِ الصَّحيحةِ قبل الوطءِ ومات في عِدَّتِها لا تَرِثُ، وبه جزَمَ
"الطّواقِيُّ)(٧) فيما كتَبَهُ على هذا "الشَّرح"، وأقرَّهُ عليه تلميذُهُ "حامد أفندي" العماديُّ(٨) مُفتيّ
دمشق)) اهـ.
[١٢٠٢١] (قولُهُ: وتزويجها كالأبكارِ) كان عليه أنْ يقول: كالنِِّّاتِ لْيُوافِقَ ما قبلَهُ من
المعطوفاتِ، فإنّها من خواصِّ الوطءِ دونَ الخلوة، فالمعنى: أنّها ليست كالوطءٍ في تزويجِها
كالِيِّات، بل تُزوَّجُ كالأبكارِ، أفادَهُ "ط)" (٩).
[١٢٠٢٢] (قولُهُ: على المختارِ) وما في "المجتبى": ((من أنَّها تُزوَّجُ كما تُزوَّجُ الْغِيبُ))
ضعيفٌ كما في "البحر"(١٠).
[١٢٠٢٣] (قولُهُ: وغيرِ ذلك) أي: غيرِ السَّبعةِ المذكورةِ من زيادةٍ أربعةٍ أُخَرَ في النّظم
(١) "النھر": كتاب النكاح - باب المھر ق ١٨٠/أ - ب.
(٢) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٦/٣.
(٣) المقولة [١٢٠١٤] قوله: ((وكذا في وقوع طلاق بائن آخر إلخ)).
(٤) "البزازية": كتاب النكاح - الفصل الثاني عشر في المهر ١٤٢/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٦/٣.
(٦) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب النكاح - مسائل الخلوة ق ٨٥/ب، معزياً إلى "الجمع والتفاريق".
(٧) تقدمت ترجمته ١٤١/١.
(٨) حامد بن علي بن إبراهيم المعروف بالعمادي الدمشقي (ت١١٧١هـ). ("سلك الدرر" ١١/٢، "هدية العارفين" ٢٦١/١).
(٩) "ط": كتاب النكاح - باب المهر ٥٥/٢.
(١٠) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٦/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٤٠٨
حاشية ابن عابدين
وغيرُهُ وبهذا العِقْدِ تحصيلُ
وخلوة الزَّوجِ مثلُ الوطءِ فِي صُوَرٍ
إنفاقُ سُكْنى ومَنْعُ الأختِ مقبولُ
تكميلُ مهرٍ وإعدادٌ كذا نَسَبٌ
وأربعٍ وكذا قالوا الإما ولقد
راعَوْا زمانَ.
المذكور، وهي: ((سقوطُ الوطءِ، والفَيْءُ، والتّكفيرُ، وعدمُ فساد العبادة))، وبقي مسألتان أيضاً
لم يَذْكُرُهما لعدم تسليمِهما، وهما أنَّ الخلوة لا تكونُ إجازةً للنّكاحِ الموقوفِ عند بعضهم، وأنَّ المرأة
لا تَمنَعُ نفسَها للمهر بعدها عندهما، أمَّا عند "أبي حنيفة" فلها المنعُ بعد حقيقةِ الوطء كما أفادَهُ في
"البحر"(١)، وزاد في "الوهبانيَّة"(٢) أيضاً بقاءَ عُنّةِ العِين، ويمكنُ دخولُها في النَّظْم كما يأتي(٣).
[١٢٠٢٤] (قولُهُ: وغيرُهُ) بالرَّفع عطفاً على ((مثلُ))، والضَّميرُ للوطءِ، "ح"(٤)، أي:
ومُغايرةٌ للوطءِ في إحدى عشرةَ مسألةً.
[١٢٠٢٥] (قولُهُ: وبهذا العِقْدِ تحصيلُ) جملةٌ مِن مبتدٍ وخبرٍ، و((العِقْدِ)) بكسرِ العين، شَبَّهَ
الشِّعرَ المنظومَ بِعِقْدِ الدُّرِّ المنظوم.
[١٢٠٢٦] (قولُهُ: تكميلُ مهرِ إلخ) بيانٌ لصُوَرِ المماثلة.
[١٢٠٢٧] (قولُهُ: وإعدادٍ) بالكسرِ، والمرادُ به العِدَّة.
[١٢٠٢٨] (قولُهُ: وأربعٍ) بالجرِّ عطفاً على ((الأختٍ)).
[١٢٠٢٩] (قولُهُ: الإِما) جمعُ أَمَةٍ، وَقَصَرَهُ الضَّرورة، ولو أسقَطَ لامَ ((ولقد)) استغنى عن
قَصْرِهِ.
(قولُهُ: وأنَّ المرأةَ لا تَمنعُ نفْسَها إلخ) الأصوبُ حذْفُ ((لا))(٥) النّافية حتّى يستقيمَ الكلامُ، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٦/٣.
(٢) انظر "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب النكاح ق٨٤ /ب.
(٣) المقولة [١٢٠٣٨] قوله: ((ما فسدت عبادة)).
(٤) "ح": کتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤ /أ.
(٥) نقول: بل الصواب إثبات (لا) لا حذفها؛ لأنَّ قول الصاحبين صريحٌ في أنّه ليس للمرأة أن تمنع نفسها للمهرِ بعدما خلا بها
برضاها، وهي كبيرة خلافاً لأبي حنيفة القائل: بأن لها أن تمنع نفسها. انظر "البحر": ١٦٦/٣ و١٩١، وانظر المقولة: [١٢١٩٤].
٤٠٩
الجزء الثامن
باب المھر
فِراق فيه ترحيلُ
...
...
وقيل: لا، والصَّوابُ الأوَّلُ القِيْلُ
وأوقَعُوا فيه تطليقاً إذا لَحِقَا
ورَجْعَةٌ وكذا التّورِيثُ معقولُ(١)
أمَّا الْمُغايرُ فالإِحصادُ يا أَمَلِي
تحريمُ بنتٍ نكاحُ البِكْر مبذولُ
سقوطُ وطءٍ وإحلالٌ لها وكذا
[١٢٠٣٠] (قولُهُ: فِراقٍ فيه تَرْحيلُ) المرادُ به الطَّلاق. اهـ "ح"(٢). وأمَّا التّرحيلُ فهو مِن
تَرَجَّلَ القومُ عن المكانِ: انْتَقُّلُوا، أي: طلاقٍ فيه نَقْلُ الزَّوجةِ من بيتِهِ أو مِن عِصْمِتِهِ، فافهم.
[١٢٠٣١] (قولُهُ: وَأَوقَعُوا فيه) أي: في الإعدادِ بمعنى العِدَّة. اهـ "ح"(٣). فالضَّميرُ عائدٌ على
مذكورٍ، وهو الإعدادُ [٣/ ق٩٦/أ] المذكورُ في البيت الثّاني، فافهم.
[١٢٠٣٢] (قولُهُ: إذا لَحِقَا) الضَّمِيرُ للتَّطليقِ والألفُ للإطلاق. اهـ "ح"(٤). والمرادُ بلَحاقِهِ
وقوعُهُ في العِدَّةِ بعدَ طلاقٍ سابقٍ عليه.
[١٢٠٣٣] (قولُهُ: القِيَّلُ) بدلٌ من ((الأوَّلُ))، "ح"(٥).
٣٤٢/٢
[١٢٠٣٤] (قولُهُ: وَرَجْعٌ) أي: في صورتين كما قدَّمناه(٦) في قولهِ: ((والرَّجعةِ)).
[١٢٠٣٥] (قولُهُ: سُقُوطُ وطءٍ) أي: ما يَلزَمُهُ فيه الوطءُ لا يَسقُطُ بالخلوةِ، فحقُّ الرَّوجةِ
في القضاء الوطءُ مرَّةً واحدةً، ولا يسقُطُ عنه بالخلوةِ، وكذا العِينُ إذا اختَلَى بها لا يَسقُطُ
عنه الوطءُ بها، فللزَّوجةِ طلبُ النَّرِيقِ، وعلى هذا الحَلِّ يُستغَنَى عن ذكرٍ بقاءِ العُنَّةِ المذكورِ
في "الوهبائيّة"، لكنْ يُستغَنَى به أيضاً عن ذكرِ الفَيْءِ الآتي، فكان الأولى ذكرهما معاً أو
إسقاطَهما معاً، تأمَّل.
(١) عبارة "النهر": ((مقبول)) بدل((معقول)).
(٢) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤/أ.
(٣) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤/أ.
(٤) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤/أ.
(٥) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤/أ.
(٦) المقولة [١٢٠١٩] قوله: ((والرجعة)).
قسم الأحوال الشخصية
٤١٠
حاشية ابن عابدين
كذلك الفَيُّْ والتِّكفيرُ ما فَسَدَتْ
عبادةٌ وكذا بالغُسلِ تكميلُ
[١٢٠٣٦] (قولُهُ: كذلك الفيءٌ) يعني: إنْ آلى منها ثمَّ وَطِئَها في المدَّةِ كان فيئاً، وإنْ خلا
بها لا. اهـ "ح"(١).
[١٢٠٣٧] (قولُهُ: التِّكفيرُ) يعني: إنْ وَطِئَ في نهارِ رمضانَ فعليه الكفّارةُ، وإنْ خلا بها لا.
اهـ "ح"(٢).
وفي "النّهر"(٣): ((وعَدُّ التِّكفيرِ هنا مما لا ينبغي؛ إذ الكلامُ في الخلوةِ الصَّحيحةِ، وصومُ
الأداءِ يُفسِدُها كما مَرَّ)، "ط "(٤).
[١٢٠٣٨] (قولُهُ: ما فَسَدَتْ عِبادةٌ) ((ما)) نافيةٌ، يعني: إِنْ وَطِئَها في عبادةٍ يُفسِدُها الوطءُ
فسَدَتْ، وإِنْ خلا بها لا. اهـ "ح"(٥).
ويَرِدُ عليه ما ورَدَ على سابقِهِ، فإنَّ ما يَفسُدُ بالوطءِ كالإحرامِ وَالصَّومِ والصَّلاةِ
والاعتكافِ المنذور يُفسِدُ الخلوةَ، والكلامُ في الصَّحيحة، إلاّ أنْ يُمثَّلَ بما لا يُفسِدُ الخلوةَ على
أحدِ القولين كصومٍ غيرِ الأداء وصلاةِ النَّافلة، تأمَّل.
والحاصلُ: أَنَّه ينبغي إسقاطُ التّكفيرِ وفسادِ العبادة، وزيادةُ فَقْدِ الغِنَّةِ، فتصيرُ الأحكام التي
خالَفَتِ الخلوةُ فيها الوطءَ عَشَرةً، وقد نظمتُها في بيتين مُقتصِراً عليها للعِلْم بأنَّ ما سواها
لا يُخالِفُ فيها الخلوةُ الوطءَ، فقلت: [طويل]
مُطالبةٍ بالوطءِ إحصانِ تَحْلِيلٍ
وخلوتُهُ كالوطءٍ في غيرِ عَشْرةٍ
وتحريمٍ بنتٍ عَقْدٍ بِكْرٍ وتغسيلٍ
وفَيْءٍ وإرثٍ رَجْعَةٍ فَقْدٍ عُنَّةٍ
(١) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤/أ.
(٢) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤/أ.
(٣) "النھر": كتاب النكاح - باب المھر ق ١٨٠/ب.
(٤) "ط": كتاب النكاح - باب المهر ٥٦/٢.
(٥) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤/أ.
الجزء الثامن
٤١١
باب المھر
(ولو افتَرَقا فقالت: بعد الدُّخول، وقال الزَّوجُ: قبل الدُّخول فالقولُ لها) لإنكارِها
سقوطَ نصفِ المھر.
[١٢٠٣٩] (قولُهُ: فقالَتْ: بعدَ الدُّخولِ) يُطلَقُ الدُّخولُ على الوطءِ وعلى الخلوةِ المجرّدةِ،
والمتبادِرُ منه الأوَّلُ، والمرادُ هنا الاختلافُ في الخلوةِ مع الوطء، أو في الخلوةِ المجرّدةِ لا في الوطءِ
مع الاتّفاقِ على الخلوة؛ لأنَّ الخلوة مُؤكِّدةٌ لتمامِ المهر، فلو كان الاختلافُ بينهما في الوطءِ مع
الاتّفاقِ على الخلوةِ لم تَظهَر ثمرةٌ للاختلاف.
[١٢٠٤٠) (قولُهُ: فالقولُ لها لإنكارِها سقوطَ نصفِ المهرِ) كذا في "القنية"(١) [٣/ق٩٦/ب]
لـ "الرَّاهديِّ"، ونظَمَهُ "ابنُ وهبان"(٢)، وقال في "شرحِهِ": ((إنّه تَّعَ هذا الفرعَ فما ظَفِرَ به،
ولا وجَدَ ما يُناقِضُهُ، ووجهُهُ ماشٍ على القواعدِ؛ لأنَّ القولَ للمُنكِرِ)) اهـ.
قلت: رأيُهُ في "حاوي الرَّاهديِّ" أيضاً، وحَكَى فيه قولين، فذكَرَ مَا مَرَّ( ٣) معزّاً إلى "المحيط)"(٤)
وكتابٍ آخر، ثمَّ عزا إلى "الأسرار": ((أنَّ القول قولُهُ؛ لأَنَّه يُنكِرُ وجوبَ الرِّيادةِ على النّصف)) اهـ.
ويظهرُ لي أرجحيَّةُ القولِ الأوَّلِ، ولذا جزَمَ به "المصنّف"، وذلك أنَّ المهر يجبُ بنفسِ
العَقْدِ، والدُّخولُ أو الموتُ مُؤكِّدٌ له، والطّلاقُ قبلَهما مُنصِّفٌ له، فسببُ وجوبِ الكُلِّ مُتحقّقٌ،
والمُنصِّفُ له عارضٌ، والمرأةُ تُنكِرُ ذلك العارضَ وتتمسَّكُ بالسَّبِ المحقَّقِ الْمُوجِبِ للكلِّ، ولذا
تَنْبُتُ لها المطالبةُ بتمامِ المهر قبل الدُّخول، ولا يعودُ نصفُ المهرِ المقبوضِ إلى ملكِهِ بالطّلاق قبل
الدُّخول إلاّ بالقضاءِ أو الرِّضا، ولا يَنْفُذُ تصرُّفُه فيه قبلَ ذلك، ويَنْفُذُ تصرُّفُ المرأةِ فيه، والزَّوَجُ
وإنْ أنكَرَ الرِّيادةَ على النّصفِ لكنَّه مُقِرّ بسبِها، كما لو أقَرَّ بالغَصْب وادَّعى الرَّدَّ وكذَّبَهُ المالكُ،
فِدَعْواهُ الرََّّ إنكارٌ للضَّمان بعدَ الإقرارِ بسبِهِ فلا يُقبَلُ، تأمَّل.
(١) "القنية": كتاب النكاح - باب في المهور ق ٣٥/أ.
(٢) "الوهبانية": فصل من كتاب النكاح صـ٢٣ - (هامش "المنظومة المحبية").
(٣) في المقولة نفسها.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب النكاح - الفصل العشرون في الخصومات الواقعة بين الزوجين ١/ق ٢١٧/ب بتصرف.
قسم الأحوال الشخصية
٤١٢
حاشية ابن عابدين
وإِنْ أَنكَرَ(١) الوطءَ، ولو لم تُمكّنّهُ في الخلوةِ فإنْ بِكْراً صحَّتْ وإلاَّ لا؛ لأنَّ البَكْرَ
إنما تُوطَأُ كَرْهاً كما بَحَثَهُ "الطَّرَسوسيُّ"، وأقرَّهُ "المصنّفُ" (٢).
(ولو قال: إنْ خَلَوتُ بكِ فأنتِ طالقٌ فخلا بها طَلُقَتْ)
[١٢٠٤١) (قولُهُ: وإنْ أنكَرَ الوطءَ) كذا في كثيرٍ من النُسخِ، وكان المناسبُ أنْ يقول: ((وإِنْ
أنكَرَ الدُّخولَ))؛ لِما قرَّرناهُ من أنَّ الاختلاف بينهما ليس في الوطءِ مع الاتّفاقِ على الخلوةِ،
وليكونَ إشارةً إلى رَدِّ ما قالَهُ في "الأسرار"، أي: أنَّ إنكارَهُ لا يُعتبرُّ؛ لأنّه في الحقيقةِ مُدَّعٍ لسقوطٍ
النّصفِ بالعارِضِ على السَّبِ المُوجِبِ للكلِّ، فكان إنكارُها هو المعتبرَ، وفي بعض النسخ: ((وإِنْ
أَنْكَرَتْ)) بالتاء، والمعنى: أنَّ القول لها وإِنْ أنكَرَتْ أَنَّه لم يَطَأُها في هذا الدُّخول الذي ادَّعَتْهُ، لكنَّ
الأَولى أنْ يقول: ((وإن اعتَرَفَتْ بعدمِ الوطء))؛ لأنهً لم يَدَّعِ الوطءَ حتّى يُقَابَلَ بإنكارِها له.
[١٢٠٤٢] (قولُهُ: إنما تُوطَأُ كَرْهاً) لأَنْها تستحي بالطّع، فلم تكن بالامتناع مُختارةً لعدم
تأكّدِ المهرِ بخلاف النَّيِّب؛ لأنَّ امتناعَها يدلُّ على اختيارِها لعدمٍ تأكّدِ المهر.
(١٢٠٤٣] (قولُهُ: كما بحَثَهُ "الطَّرسوسيُّ") أي: في "أنتفع الوسائل"، والبحثُ في النَّفصيلِ
المذكورِ، فإِنَّ "الطَّسوسيّ" نقَلَ أوَّلاً عن "الذَّخيرة": ((إذا خلا بها ولم تُمكّهُ من نفسِها اختَلَفَ
المتأخّرون فيه))، قال: ((وفي طلاقِ "النّوازل": عليه نصفُ المهر))، ثمَّ ذكَرَ هذا النَّفصيلَ وقال:
((قلتُّهُ على وجهِ النّفقُّهِ، ولم أَطْفَرْ فيه بنقلٍ))، والظَّاهرُ: أَنَّه أرادَ به النَّفِيقَ بين القولين، وذكَرَ
أيضاً: ((أنَّ هذا إذا صدَّقَتْهُ في ذلك، فلو كَذَّبَتْهُ فالقولُ(٣) قولها [٣/ ق٩٧/أ) بَيَمِينِها؛ لأَنَّها مُنكِرةٌ)).
[١٢٠٤٤] (قولُهُ: وأقرَّهُ "المصنّفُ") أي: تَبَعاً لشيخِهِ صاحبِ "البحر "(٤).
[١٢٠٤٥] (قولُهُ: فخلا بها) أي: خلوةً صحيحةً؛ لأنّها المتبادِرُ من لفظِ الخلوةِ. اهـ "ح"(٥)،
(١) في "د": ((أنكرت)).
(٢) "المنح": كتاب النكاح - باب في بيان أحكام المهر ١/ق ١٢٥/أ.
(٣) ((فالقول)) ساقطة من "الأصل".
(٤) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٥/٣.
(٥) "ح": کتاب النکاح - باب المهر ق ١٦٤/أ.
الجزء الثامن
٤١٣
باب المھر
بائناً؛ لوجودِ الشَّرطِ (ووجَبَ نصفُ المهرِ) ولا عِدَّةَ عليها، "بزَّازِيَّة".
أي: في قولِ الحالف: ((إِنْ حَلَوتُ بكٍ))، فُيُرادُ بها: الخاليةُ عمَّا يَمنَعُها أو يُفسِدُها مما مَرَّ(١)،
والمرادُ ما يُفسِدُها من غيرِ الَّعليق؛ لِمَا مَرَّ (٢) عن "البحر": ((من أنَّ هذا التَّعليقَ مُفسِدٌ لها))، فهو
نظيرُ قولِهِم: الخلوةُ الصَّحيحةُ في النّكاحِ الفاسدِ كالخلوةِ الفاسدة في النكاحِ الصَّحيح، مع أنَّها
٣٤٣/٢ في النّكاحِ الفاسدِ فاسدةٌ كما ذكرَهُ في "البحر"(٣)، فالمرادُ بالصَّحيحةِ فيه: الخاليةُ عمَّا يُفسِدُها
سوی فساد النكاح، فافهم.
[١٢٠٤٦] (قولُهُ: بائناً) لتصريحهم بأنَّ الطَّلاقَ الواقعَ بعد الخلوةِ الصَّحيحةِ يكونُ بائناً،
"منح"(٤)، أي: فهنا أَولى لعدم صحَّتِها، فإنّها لا تُماثِلُ الوطءَ إلاَّ في وجوب العِدَّة، "ط " (٥).
[١٢٠٤٧] (قولُهُ: لوجودِ الشَّرطِ) علَّةٌ لـ ((طَلْقَتْ))، وأمَّا علَّهُ كونِهِ بائناً فهي ما قدَّمناه(٦)
عن "المنح"، أفادَهُ " ح"(٧).
[١٢٠٤٨] (قولُهُ: ووجَبَ نصفُ المهرِ) في بعضِ النسخ بعد هذا زيادةٌ، وهي: ((لعدمِ الخلوةِ
الْمُمكِّنّةِ من الوطء)) اهـ، أي: لأَنَّها بانَتْ بمجرَّدِ الخلوةِ، فكان غيرَ مُتُمكِّنٍ من الوطءِ شرعاً.
[١٢٠٤٩) (قولُهُ: ولا عِدَّةَ عليها) قال في "البحر "(٨): ((وسيأتي وجوبُها في الخلوةِ الفاسدة
على الصَّحيح، فتجبُ العِدَّةُ في هذه الصُّورةِ احتياطاً)) اهـ.
واعترضَهُ "الخيرُ الرَّملِيُّ" بقوله: ((كيف القطعُ بوجوبِها مع مُصادَمتِهِ للنَّقلِ؟! على أنَّ هذه
(١) "در" صـ٣٨٧ - وما بعدها.
(٢) المقولة [١١٩٨٩] قوله: ((وبقي إلخ)).
(٣) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٨١/٣ نقلاً عن "الجوهرة".
(٤) "المنح": كتاب النكاح - باب المهر ١/ق ١٢٥/أ بتصرف.
(٥) "ط": كتاب النكاح - باب المهر ٥٦/٢.
(٦) في المقولة السابقة.
(٧) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤/أ.
(٨) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٤/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٤١٤
حاشية ابن عابدين
(وتجبُ العِدَّةُ.
مُطلَقَةٌ قبلَ الدُّخولِ، فهي أجنبيّةٌ، والخلوةُ بالأجنبيّةِ لا تُوجِبُ العِدَّةَ، فليست من قِسْمِ الخلوةِ
الصَّحيحةِ ولا الفاسدةِ، فتأمَّل، وانظر إلى قولهم: إنما تُقامُ مُقَامَ الوطءِ إذا تحقَّقَ الَّسليمُ)) اهـ.
أقول: الّسليمُ منها موجودٌ، ولكنْ عاقّهُ مانعٌ من جِهَتِهِ وهو التَّعليقُ كالعِين، وكما
لو دخَلَ عليها فأحرَمَ بالحجِّ أو بالصَّلاةِ، وكونُها خلوةٌ بأجنبيّةٍ منوعٌ؛ لأنَّ الخلوة شرطُ الطَّلاق،
وإِنما يقعُ بعد وجودٍ شرطِهِ كما لو قال لأجنبيّةٍ: إنْ تَزَوَّجُنُكِ فأنتِ طالقٌ، فوقوعُ الطَّلاقِ دليلٌ
تحقَّقِ الخلوةِ؛ إذ لولاها لم يقع، غير أنَّ وُجِدَ بعد تحتُّقِها مانعٌ من جِهَتِهِ كما ذكرنا، وتصريحُهم
بوجوبِ العِدَّةِ بالخلوةِ الفاسدةِ على الصَّحيحِ شاملٌ لهذه الصُّورة، فقولُ "البزَّازِيَّة"(١): ((لا عِدَّةً
عليها)) مبنيّ على خلافِ الصَّحيح، فهو مُصادَمةُ نقلٍ بنقلٍ أُصحَّ منه، فافهم.
[١٢٠٥٠] (قولُهُ: وتحبُ العِدَّةُ) ظاهرُهُ الوجوبُ قضاءً وديانةً، وفي "الفتح"(٢): ((قال
"العَتَّابِيُّ": تكلّمَ (٣/ق٩٧/ب] مشائُنًا في العِدَّةِ الواجبةِ بالخلوة الصَّحيحة أنَّها واجبةٌ ظاهراً أو
حقيقةٌ؟ فقيل: لو تَزَوَّجَتْ وهي مُتيقّةٌ بعدم الدُّخولِ حَلَّ لها ديانةً لاقضاءٌ)).
(قولُهُ: وتصريحُهُم بِوُجُوب العِدَّةِ بِالْخَلْوة إلخ) فيه: أنَّ تصريحَهُم بِما ذُكِرَ لا يُنَافِي فِرْعَ "البَزَّازِيَّةُ" لعدم
شُمُولِهِ له؛ فإنّه في خَلْوةٍ لم تَتَّصِفْ بالصِّحَّة أصلاً بل اتَّصفتْ بالفساد من ابتداءٍ وُجُودِها، وفَرْعُ "البَّازِيَّة":
وُجدت الخَلْوةُ فيه صحيحةٌ ثُمَّ فَسَدَتْ، ومعنى قوْلِ "البحر": ((أَنَّ هذا النَّعليقَ مُفسِدٌ لها)) أَنَّه مُفسِدٌ لها بقاءً بعد
تحقَّق صحَّتِها وإلاَّ لم يقع الطَّلاقُ، فلم يُوجَد ما يُصادِمُ نقَلَها فعلينا أتباعُه حيثُ لم يُوجَد ما يُخالِفُهُ، تأمَّل.
(قولُهُ: فقيل: لو تزوَّجتْ وهي مُتيقّةٌ إلخ) قال "سعدي جلَي" في "حواشي البيضاويِّ": ((ينبغي
أن يكونَ التّعويلُ على هذا القَوْل، ثمَّ لا يَخْفِى أنَّ عدمَ وُجُوبِ العِدَّةِ في الطَّلاق بعد الخَلْوة مما يُعدُّ
مَنْطُوقً صريحاً في الآية إذا فُسِّرَ الَسُّ بالجماعِ، وليس من باب المَفْهوم حتَّى يقالُ: إنّا لا نقولُ به كما
يُتوقَّمُ فلابُدَّ لإثبات وُجُوبِ العِدَّةِ من دليلٍ، قال في "روح المعاني" - من سورة الأحزاب بعدما تقدَّم -:
((وبالجملة القَوْلُ: بأنَّ ظاهرَ الآية يقتضي عدمَ وُجُوبِ العِدَّة ◌ُمجرَّد الخَلْوةِ قولٌ متينٌ، وحقٌّ مبينٌ)) اهـ.
(١) "البزازية": كتاب النكاح - مسائل الخلوة ١٤٢/٤.
(٢) "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢١٩/٣.
الجزء الثامن
٤١٥
باب المھر
في الكلِّ أي: كلِّ أنواعِ الخلوةِ ولو فاسدةً (احتياطاً) أي: استحساناً لتوهُّمِ الشُّغْل
(وقيل) - قائلُهُ "القدوريُّ"، واختارَهُ "التمرتاشيُّ" و"قاضي خان"(١) -: (إنْ كان
المانعُ شرعيّاً) كصومٍ (تحبُ) العِدَّةُ (وإنْ) كان (حسِّاً(٢)) كصِغَرٍ ومَرَضٍ مُدْنِفٍ
(لا) تجبُ، والمذهبُ الأوَّلُ؛
[١٢٠٥١] (قولُهُ: في الكلِّ إلخ) هذا في النّكاح الصَّحيح، أمَّ النّكاحُ الفاسدُ لا تَجبُ العِدَّةُ في
الخلوةِ فيه بل بحقيقةِ الدُّخول، "فتح"(٣).
(١٢٠٥٢] (قولُهُ: لَتَوَهُّمِ الشُّغْلِ) أي: شُغْلِ الرَّحِمِ نظراً إلى التَّمَكُّنِ الحقيقيِّ، وكذا في
المجبوبِ لقيام احتمالِ الشُّغْلِ بالسَّحْقِ، وهي حقُّ الشَّرع وحقُّ الولد، ولذا لا تَسقُطُ لو أسقطاها،
ولا يَحِلُّ لها الخروجُ ولو أَذِنَ لها الزَّوجُ، وتتداخلُ العِدَّتان، ولا يَتَدَاخَلُ حقُّ العبدِ، "فتح"(٤)،
وتمامُهُ في "المعراج".
[١٢٠٥٣) (قولُهُ: واختارَهُ "التمرتاشيُّ" إِلَخ) وحزَمَ به في "البدائع"(٥)، قال في "الفتح"(٦):
((وَيُؤَيِّدُهُ ما ذكرَهُ "العَتَّابِيُّ)).
[١٢٠٥٤] (قولُهُ: تَحِبُ العِدَّةُ) لُبُوتِ التَّمكُّنِ حقيقةً، "فتح"(٧).
[١٢٠٥٥] (قولُهُ: كصِغَرٍ ومَرَضٍ مُدنِفٍ) قال في "الفتح"(٨): ((الأوجهُ على هذا القول
أنْ يُخَصَّ الصِّغَرُ بغيرِ القادر والمرضُ بِالُدنِفِ؛ لُبُوتِ التَّمكُّنِ حقيقةً في غيرِهما)) اهـ.
(١) "الخانية": كتاب الطلاق - باب العدة ٥٤٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في "د": ((حقيقياً)).
(٣) "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢١٩/٣.
(٤) "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢١٩/٣.
(٥) "البدائع": كتاب النكاح - فصل: وأما بيان ما يتأكد به المهر ٢٩٤/٢.
(٦) "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢١٩/٣.
(٧) "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢١٩/٣.
(٨) "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢١٩/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٤١٦
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه نَصُّ "محمَّدٍ"، قاله "المصنّفُ". وفي "المجتبى": ((الموتُ أيضاً كالوطءٍ في حقِّ
....
العِدَّةِ والمهرِ فقط، حتّى لو ماتت الأمُّ قبل دخولِهِ(١) بها حلَّتْ بِنْتُها))
قلت: ونَصَّ على النِّقييدِ بالمُدنِفِ في "جامع الفصولين"(٢)، وفي " القاموس"(٢): ((دنِفَ
المريضُ كَفَرِحَ: تَقُلَ)).
[١٢٠٥٦] (قولُهُ: لأَنَّ نَصُّ "محمَّدٍ") أي: في كتابِهِ "الجامع الصَّغير"(٤) الذي رَوَى مسائلَهُ
عن "أبي يوسف" عن "الإمام" صاحبِ المذهب.
[١٢٠٥٧) (قولُهُ: قَالَهُ "المصنّفُ " (٥) أي: تبعاً لشيخِهِ في "البحر"(٦)، وأقرَّهُ في "النَّهر)"(٧)
و "الشُّرِ نِبلاليّة"(٨).
[١٢٠٥٨] (قولُهُ: الموتُ أيضاً) أي: كما أنَّ الخلوةَ كالوطءِ فيهما، والمرادُ الموتُ قبل
الدُّخول، أي: موتُ الرَّجُلِ بالنّسبةِ للعِدَّةِ، وموتُ أَيِّهما كان بالنسبةِ للمهر كما أفادَهُ "ح"(٩).
[١٢٠٥٩) (قولُهُ: في حقِّ العِدَّةِ والمهرِ) أي: إذا ماتَ عنها لَزِمَها عِدَّةُ الوفاةِ، واستَحَقَّتْ
جميعَ المهرِ كالموطوءة.
[١٢٠٦٠) (قولُهُ: فقط) هو معنى قول "المجتبى": ((وفيما سواهما كالعَدَمِ)).
قلت: ولا يقالُ: إِنَّه يُعطَى حكمَهُ أيضاً في الإرث؛ لأنَّ الإرث من أحكامِ العَقْدِ، فلذا
تحقَّقَ قبلَ الخلوةِ التي هي دونَ الوطء، فافهم.
[١٢٠٦١] (قولُهُ: حَلَّتْ بنتُها) أي: كما تَحِلُّ بعد الخلوةِ الصَّحيحةِ، فلا تَحرُمُ إلاَّ بحقيقةٍ
(١) في "و": ((دخولٍ)).
(٢) "جامع الفصولين": الفصل العشرون في دعوى النكاح والمهر والنفقة ودعوى الجهاز وما يتعلق به ٢٧٠/١.
(٣) "القاموس": مادة ((دنف)).
(٤ ) "الجامع الصغير": کتاب النكاح - باب في المهور صـ١٨٦-١٨٧ -.
(٥) "المنح": كتاب النكاح - باب المهر ١/ق ١٢٥/أ.
(٦) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٦٦/٣.
(٧) "النهر": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٨١/أ.
(٨) "الشرنبلالية": كتاب النكاح - باب المهر ٣٤٤/١.
(٩) "ح": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٦٤/ب.
الجزء الثامن
٤١٧
باب المھر
(قَبَضَتْ ألفَ المهرِ، فوَهَبَتْهُ له وطُلَّقَتْ قبل وطءِ رجَعَ) عليها (بنصفِهِ) لعدمِ
تعُّنِ النّقودِ في العقود (وإنْ لم تقبضْهُ.
الوطءِ على ما مَرَّ(١).
[١٢٠٦٢] (قولُهُ: فوَهَبَتْهُ له) ذكَّرَ الضَّمِيرَ لأنَّ ((الألْفَ)) مُذكَّرٌ لا يجوزُ تأنيثُهُ كما في
"ط"(٢) عن "المصباح"(٣)، وكذا لو وَهَبَتْ نصفَهُ، "فتح"(٤).
(١٢٠٦٣] (قولُهُ: قبلَ وطٍ) أي: وخلوةٍّ، "نهر"(٥). وهي وطءٌ حكماً كما مَرَّ(١).
:[١٢٠٦٤) (قولُهُ: لعدمٍ تَعُّنِ النّقودِ في العُقُودِ) ولذا لو أشارَ في النّكاح إلى دراهمَ كان له أنْ
يُمسِكَها وَيَدِفَعَ مثلَها جنساً ونوعاً وقَدْراً وصفةً، ولو لم تَهَبْ شيئاً وطُلْقَتْ قبل الدُّخول
[٣/ق١/٩٨] كان لها إمساكُ المقبوضِ ودفعُ غيره، ولذا تُزَكِّي الكلَّ، وتمامُّهُ في "النّهر"(٧).
والحاصلُ: أَنَّه لم يَصِلْ إليه بالهبةِ عَينُ ما يَستحِقُّهُ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ وهو نصفُ المهر،
"منح"(٨).
(قولُ "الشَّارح": لعدم تعيّن النِّقُودِ في العُقُود) قال "الزَّيلعيُّ": ((لأنَّ الدَّراهم قد لا تتعَّنُ في العَقْد
فكذا في الفَسْخ؛ لأنَّ الفَسْخَ يَرِدُ على عينِ ما وَرَدَ عليه العَقْدُ، وكذا إذا كان المهْرُ مَكِيلاً أو مَوزُوناً آخَرَ
في الذمّة؛ لعدم تمُنھا)) اهـ.
(١) المقولة [١١٢٦٣] قوله: ((بنت زوجته الموطوءة)).
(٢) "ط": كتاب النكاح - باب المهر ٥٧/٢.
(٣) "المصباح": مادة ((أَلِفَ)).
(٤) "الفتح": كتاب النكاح - باب المهر ٢٢٦/٣.
(٥) "النهر": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٨١/ب.
(٦) المقولة [١١٩٣٩] قوله: ((أنه وطئ الزوج)).
(٧) انظر "النهر": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٨١/ب.
(٨) "المنح": كتاب النكاح - باب المهر ١/ق ١٢٥/أ بتصرف.
ء
قسم الأحوال الشخصية
٤١٨
حاشية ابن عابدين
أو قَبَضَتْ نصفَهُ فَوَهَبَتْهُ(١) الكلَّ) في الصُّورةِ الأولى (أو ما بقي) وهو النّصفُ في
الثانيةِ (أو) وَهَبَتْ(٢) (عَرْضَ المهرِ) كثوبٍ معَيَّنٍ أو في الذَّمَّةِ (قبلَ القبضِ أو بعدَهُ
لا) رجوعَ ..
[١٢٠٦٥] (قولُهُ: أو قَبَضَتْ نصفَهُ) احترازٌ عمَّا لو قَبَضَتْ أكثرَ من النّصفِ، فإِنَّها(٣) تَرُدُّ
عليه ما زادَ على النّصف، بخلاف ما لو قَبَضَتِ الأَقلَّ ووَهَبَتْهُ الباقيَ، فهو معلومٌ بالأَولى،
"بحر "(٤)، أي: لا يَرجِعُ عليها بشيءٍ.
[١٢٠٦٦) (قولُهُ: في الصُّورةِ الأُولى) الأنسبُ أن يقول: في الصُّورتين، فيكونُ قولُهُ: ((أو
الباقيَ)) إشارةً إلى أنَّ هِبَةَ الألفِ ليس بقيدٍ في الثّانيةِ كما نَصَّ عليه في "البحر"(٥)، قال في
"الَّهر"(٦): ((ومعنى هِيَةِ الألفِ بعدَ قبضِ النّصف أنَّها وَهَبَتْ له المقبوضَ وغيرَهُ)).
[١٢٠٦٧) (قولُهُ: أو وَهَبَتْ عَرْضَ المهرِ) أشار إلى أنَّه لم يَتَعَّبْ؛ إذ لو وَهَبَتْهُ بعدما تعَيّبَ
٣٤٤/٢ فاحشاً يَرجِعُ بنصفٍ قيمتِهِ يومَ قَبَضَتْ؛ لأَنَّه صار كأنّها وَهَبَتْهُ عَيناً أخرى، أمَّا العيبُ اليسيرُ
فكالعدمٍ لِما سيأتي أنَّه في المهرِ مُتحمَّلٌ. وقَّدَ بالهبةِ لأَنّها لو باعَتْهُ منه يَرجِعُ بالنّصف، أي:
نصفٍ قيمتِهِ لا نصفِ الثَّمنِ المدفوع فيما يَظهَرُ، ولو وَهَبَتْهُ أقلَّ من نصفِهِ تَرُدُّ ما زادَ على
النّصف، ولو وَهَبَتْهُ الأكثرَ أو النّصفَ فلا رجوعَ له، "بحر "(٧).
[١٢٠٦٨] (قولُهُ: أو في الذّمَّةِ) أشار إلى أنَّه لا فَرْقَ بين العَرْضِ المعَيَّنِ وغيرِهِ، وهو
من خصوصِ النِّكاح، فإِنَّ العَرْضَ فيه يَتْبُتُ في الذِّمَّة؛ لأنَّ المال فيه ليس بمقصودٍ، فُتسامَحُ
(١) في "د" و"و": ((فوهبت)).
(٢) في "ب": ((وهب)).
(٣) في "ب" و"م": ((فإنه)).
(٤) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٧٠/٣ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٧٠/٣.
(٦) "النهر": كتاب النكاح - باب المهر ق ١٨٢/أ.
(٧) "البحر": كتاب النكاح - باب المهر ١٧١/٣ بتصرف.