النص المفهرس
صفحات 21-40
الجزء الثامن
١٩
کتاب النكاح
فإِنْ تَيقَّنَ الرِّنا إلاَّ بِهِ فُرِضَ، "نهاية". وهذا إنْ مَلَكَ المهرَ والنَّفقةَ، وإلاَّ فلا إثمَ
بتركِهِ، "بدائع"(١) ..
بالكفِّ، فيجبُ التّروُّجُ وإنْ لم يَحَف الوقوعَ في الرِّنا.
[١١١١٣] (قولُهُ: فإنْ تيقّنَ الزِّنا إلاَّ به فُرِضَ) أي: بأنْ كان لا يمكنُهُ الاحترازُ عن الزِّنا
إلّ به؛ لأنَّ ما لا يُتوصَّلُ إلى ترك الحرام إلاَّ به يكونُ فرضاً، "بحر"(٢). وفيه نظرً؛ إذ التّركُ
قد يكونُ بغير النّكاح وهو التَّسَرِّي، وحينئذٍ فلا يلزمُ وجوبُهُ إلاَّ لو فرضنا المسألةَ بأنّه ليس قادراً
عليه، "نهر "(٣). لكنَّ قوله: ((لا يمكنُهُ الاحترازُ عنه إلاّ به)) ظاهرٌ في فرضِ المسألة في عدم قدرته
على النَّسَرِّي، وكذا في عدم قدرته على الصَّوم المانع من الوقوع في الزِّنا، فلو قدَرَ على شيءٍ مِن
ذلك لم يَبْقَ النّكاحُ فرضاً أو واجباً عيناً، بل هو أو غيرُهُ مما يَمنَعُهُ من الوقوع في المحرَّم.
[١١١١٤) (قولُهُ: وهذا إنْ مَلَكَ المهرَ والنّفقةَ) هذا الشَّرطُ راجعٌ إلى القسمين، أعني: الواجبَ
(قول "الشارح": وإلاّ فلا إِثْمَ بَتَرْكه إلخ) ذكر "السِّنْديُّ" - بعد قوله: وإلاَّ فلا إِثْمَ بَتَركه - ما نَصُّه:
((وأما ما ورد: (حقٌّ على الله عَونُ النَّاكِح الذي يُريدُ العَمَافَ)، ووردَ أيضاً: (( الْنَمِسُوا الرِّزْقَ بالنّكاح))
فإنّما ذلك في حقِّ المُتوكِّلين لا يُخاطَبُ به عامَّةُ النّاس؛ لأَنَّه قد يَخْتُلُّ معه شرطٌ فلا يحصلُ له المطلوبُ،
ألا ترى أنَّ الصَّحابةَ كانوا يَتَضرَّرون من العُزُوبة، وكانوا يَسْتَأْذِنُون في الاختِصَاءِ فلم يُؤْذن لهم، ومع ذلك
لم يأُمُرهم بالتزوَّج مع العَجْزِ عن المهر والنّفَقَة بل ما زَالَ يَأْمُرُهم بالصَّبْرِ وجِهادِ أَنفُسِهِم. وأمَّا قولُ "الشَّارح" -
فيما سيأتي -: ((إنَّه يُنْدِبُ له الاستدانةُ)) فلا يُرادُ من ذلك أنَّ يَستدينُ مع الفَقْر بل المقصودُ أنْ يَستدين مع
الاقتدارِ ليفوزَ بالإِعانة منه تعالى، ويكونَ طَلَّباً بالفعل فلا يُستدلُّ به على أنَّه يجبُ أو يُفترضُ مع العَجْزِ، ثم
قال بعضُهُم: إذا كانت الاستدانةُ مندوبةً عند أَمْنِهِ من الوقوع في الزِّنا ينبغي وجوبُها عند تَقَّنِ الرِّنا بل ينبغي
وجوبُها حينئذٍ وإنْ لم يَغْلب على ظنّه قُدْرةُ الوفاء اهـ)).
(١) "البدائع": كتاب النكاح ٢٢٨/٢.
(٢) "البحر": كتاب النكاح ٨٦/٣.
(٣) "النهر": كتاب النكاح ق ١٦١/ب، ١٦٢/أ.
قسم الأحوال الشخصية
٢٠
حاشية ابن عابدين
٢٦٠/٢١
والفرضَ، وزاد في "البحر"(١) شرطاً آخرَ فيهما، وهو عدمُ خوف الجَوْرِ، أي: الظُّلم، قال: ((فإنْ
تعارَضَ خوفُ الوقوع في الزِّنا لو لم يتزوَّجْ وخوفُ الجَوْرِ لو تزوَّجَ قُدِّمَ الثاني، فلا افتراضَ، بل
يكرهُ، أفاده "الكمال" في "الفتح"(٢)، ولعلَّه لأنَّ الجَوْرَ معصيةٌ متعلّقةٌ بالعباد، والمنعُ من الرِّنا من
حقوقِ الله تعالى، وحقُّ العبدِ مقدَّمٌ عند التَّعَارُض؛ لاحتياجِهِ وغِنى المولى تعالى)) اهـ.
قلت: ومقتضاهُ الكراهةُ أيضاً عند عدمٍ مِلْكِ المهرِ والنَّفقةِ؛ لأنَّهما حقُّ عبدٍ أيضاً
وإنْ خافَ الرِّنا، لكنْ يأتي أَنَّه يُندَبُ الاستدانةُ له، قال في "البحر"(٣): ((فإنَّ الله ضامنٌ له
الأداءَ، فلا يخافُ الفقرَ إذا كان مِن نَّتِهِ التَّحصينُ والتعفُّفُ)) اهـ.
ومقتضاه أنَّه يجبُ إذا خافَ الرِّنَا وإنْ لم يَملِك المهرَ إذا قدَرَ على استدانِهِ، وهذا
منافٍ للاشتراط المذكور، [٣/ق٤/أ) إلاَّ أنْ يقالَ: الشَّرطُ مِلْكُ كلِّ من(٤) المهرِ والنّفقةِ
ولو بالاستدانة، أو يقالَ: هذا في العاجزِ عن الكسب ومَن ليس له جهةُ وفاءٍ، وقدَّمَ
"الشارح"(٥) في أوَّلِ الحجِّ: ((أَنَّه لو لم يَحُجَّ حتَّى أَتَلَفَ مَالَهُ وَسِعَهُ أَنْ يستقرضَ ويَحُجّ
ولو غيرَ قادرٍ على وفائِهِ، ويُرجَى أنْ لا يُؤَاخِذَهُ الله تعالى بذلك، أي: لو ناوياً وفاءَهُ لو قدَرَ
كما قَّدَهُ في "الظهيرِيَّة"(٦))) اهـ.
وقدَّمنا(٧) أنَّ المراد عدمُ قدرتِهِ على الوفاء في الحال مع غلبةٍ ظنّه أَنَّه لو اجتهَدَ قدَرَ،
وإلاَّ فالأفضلُ عدمُهُ، وينبغي حملُ ما ذُكِرَ من نَذْبِ الاستدانة على ما ذكرنا من ظنّهِ القدرةَ
(١) "البحر": كتاب النكاح ٨٤/٣.
(٢) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٠/٣.
(٣) "البحر": كتاب النكاح ٨٦/٣ نقلاً عن "فتاوى العلاّمي".
(٤) ((كل من)) ليست في "٢".
(٥) "در" ٤٦١/٦.
(٦) "الظهيرية": كتاب النكاح - الفصل الأول فيمَنْ يجبُ عليه الحجُّ ومَنْ لا يجبُ ق٦٣/أ.
(٧) المقولة [٩٥٦٩] قوله: ((وسعهُ أن يستقرض إلخ)).
الجزء الثامن
٢١
کتاب النكاح
(و) يكونُ (سُنّةٌ) مؤكّدةً في الأصحِّ،
على الوفاء، وحينئذٍ فإذا كانت مندوبةً عند أَمْنِهِ من الوقوع في الرِّنا ينبغي وجوبُها عند تيقُّنِ
الرِّنا، بل ينبغي وجوبُها حينئذٍ وإنْ لم يَغْلِبْ على ظنّه قدرةُ الوفاء، تأمَّل.
مطلب: كثيراً ما يُتساهَلُ في إطلاقِ المستحبِّ على السُّنَّة
[١١١١٥] (قولُهُ: سنّةً مؤكّدةً في الأصحِّ) وهو محملُ القولِ بالاستحباب، وكثيراً ما يُتساهَلُ
في إطلاقِ المستحبِّ على السُّنَّة، وقيل: فرضُ كفايةٍ، وقيل: واجبُ كفايةٍ، وتمامُهُ في
"الفتح"(١)، وقيل: واجبٌ عيناً، ورجَّحَهُ في "النهر"(٢) كما يأتي(٣)، قال في "البحر "(٤).
((ودليلُ السُّنَّةِ حالةَ الاعتدال الاقتداءُ بحالِهِ ﴿ في نفسِهِ، ورَدُّهُ على مَن أرادَ من أُمَّتِهِ
التَّخلِّيَ للعبادة كما في "الصَّحيحين"(٥) ردّاً بليغاً بقوله: ((فمَن رَغِبَ عن سنّ فليس منّي))
(قولُهُ: ودليلُ السُّية حالةَ الاعتدال الاقتداءُ بحالِرَّ إلخ) ودليلُ كونه فرضَ كفايةٍ قوله تعالى:
﴿فَتَكِحُواْ مَاطَابَ﴾ الآية. وقوله عليه السلام: (تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا)) الحديث، فإنَّ المطلوبَ يحصلُ بفعل
البعض؛ وذلك أنَّ المقصودَ تكثيرُ المسلمين وعدمُ انقطاعهم، ولذا صرَّح في الحديث بالعلّة بقوله: (( فإنّي
مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُممَ )) وهذا يحصلُ بفعل البعض.
والقائلُ بكونه واجبَ كفايةٍ يقولُ: إنَّ الآيةَ لم تُسَق إلاَّ لبيان العدد المحلَّل فلم يَبْقَ إلاَّ خبرُ الواحد،
وهو إنَّما يفيدُ الوجوبَ كِفايةً لِما عَلِمتَ من حُصُول المقصود بفِعْل البعض.
(١) "الفتح": كتاب النكاح ١٠١/٣.
(٢) "النهر": كتاب النكاح ق ١٦١/ب.
(٣) "در" صـ٢٢ -.
(٤) "البحر": كتاب النكاح ٨٦/٣.
(٥) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) كتاب النكاح - باب الترغيب في النكاح، ومسلم (١٤٠١) كتاب النكاح - باب
استحباب النكاح لمن تاقَتْ نفسُهُ إليه، وأحمد ٢٤١/٣، والنسائي ٦٠/٦ كتاب النكاح باب النهي عن التبتّل، =
قسم الأحوال الشخصية
٢٢
حاشية ابن عابدين
فيأثمُ بتركِهِ، ويثابُ إنْ نَوَى تحصيناً وولداً (حالَ الاعتدالِ) أي: القدرةِ على وطءِ
ومَهْرِ ونفقةٍ، ورجَّحَ في "النهر"(١) وجوبَهُ.
١
۔
كما أوضحه في "الفتح"(٢))) اهـ. وهو أفضلُ من الاشتغال بتعلَّمٍ وتعليمٍ كما في "درر
البحار"(٣)، وقدَّمنا (٤) أنَّه أفضلُ من التَّخلِّي للنَّوافل.
[١١١١٦] (قولُهُ: فيأتمُ بتركِهِ) لأنَّ الصَّحيح أنَّ ترك المؤكَّدةِ مُؤْثِّمٌ كما عُلِمَ في الصَّلاة،
"بحر"(٥). وقدَّمنا(٦) في سنن الصَّلاة: أنَّ اللاحق بتركِها إثمٌ يُسيرٌ، وأنَّ المراد التّركُ مع
الإصرار، وبهذا فارَقَتِ المؤكَّدةُ الواجبَ وإنْ كان مقتضى كلامٍ "البدائع"(٧) في الإمامة أنّه
لا فرق بينهما إلاّ في العبارة.
[١١١١٧] (قولُهُ: ويُتابُ إِنْ نَوَى تحصيناً) أي: مَنْعَ نفسِهِ ونفسِها عن الحرامِ، وكذا
لو نَوَى مجرَّدَ الاتّباعِ وامتثالِ الأمرِ، بخلاف ما لو نوى مجرَّدَ قضاءِ الشَّهوة واللَّذّة.
[١١١١٨] (قولُهُ: أي: القدرة على وطءٍ) أي: الاعتدالُ في التَّوَقان أنْ لا يكون بالمعنى
= وابن حبان (١٤) المقدمة - باب الاعتصام بالسنة، و(٣١٧) كتاب البر والإحسان - باب ما جاء في الطاعات
وثوابها، والبغوي في "شرح السنة" (٩٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٧٧/٧ كتاب النكاح - باب الرغبة
في النكاح.
كلَّهم من حديث أنس مرفوعاً، وهو جزءٌ من حديث طويل أوَّلُهُ: ((ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا لكني أصوم وأفطر ... ))
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١٠٥/٩: المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والمراد: من ترك طريقتي وأخذ
بطريقة غيري فليس مني، ولَمح بذلك إلى طريق الرَّهْبانيةِ، فإنّهم الذين ابتدعوا التّشديدَ كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم
بأنّهم ما وفّوا بما التزموه، وطريقة النبي وَّ الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوَّى على الصوم، وينام ليتقوَّى على القيام، ويتزوَّج
لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل.
(١) "النهر": كتاب النكاح ق ١٦١/ب.
(٢) "الفتح": كتاب النكاح ١٠١/٣.
(٣) انظر "غرر الأذكار": كتاب النكاح ق١٨٩/ب.
(٤) بداية الكتاب ص٥ -.
(٥) "البحر": كتاب النكاح ٨٦/٣.
(٦) المقولة [٤٠٣٧] قوله: ((وقالوا إلخ)).
(٧) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل: وأمَّا بيان ما يجبُ على السامعين عند الأذان ١٥٥/١.
الجزء الثامن
٢٣
کتاب النكاح
للمواظبةِ عليه والإنكارِ على مَن رَغِبَ عنه.
(ومكروهاً لخوفِ الجَوْرِ) فإنْ تيقْنَهُ حَرُمَ ذلك(١).
المارِّ(٢) في الواجب والفرض، وهو شدَّةُ الاشتياق، وأنْ لا يكونَ في غايةِ الفتور كالعنِّين،
ولذا فسَّرَهُ في "شرحه" على "الملتقى"(٣): ((بأنْ يكونَ بين الفُتُورِ والشَّوقِ))، وزادَ المهرَ
والنَّفقة لأنَّ العجز عنهما يُسقِطُ الفرضَ، فيُسقِطُ السُّنّةَ بالأَولِى، وفي "البحر "(٤): ((والمرادُ
حالةُ القدرة [٣/ق٤/ب] على الوطءِ والمهرِ والنَّفقةِ مع عدم الخوفِ من الزِّنا والجَوْرِ وتركِ
الفرائض والسُّئن، فلو لم يَقدِرْ على واحدٍ من الثَّلاثةِ، أو خافَ واحداً من الثَّلاثةِ - أي:
الأخيرةِ - فليس معتدلاً، فلا يكونُ سنَّةً في حقِّهِ كما أفادَهُ في "البدائع"(٥))) اهـ.
[١١١١٩] (قولُهُ: للمواظبةِ عليه والإنكارِ إلخ) فإنَّ المواظبةَ المقترنةَ بالإنكار على التّركِ
دليلُ الوجوب، وأجاب "الرَّحمنُّ": ((بأنَّ الحديث ليس فيه الإنكارُ على التَّاركِ بل على
الرَّاغب عنه، ولا شكَّ أنَّ الرَّاغب عن السُّنّةِ محلُّ الإنكار)).
[١١١٢٠) (قولُهُ: ومكروهاً) أي: تحريماً، "بحر"(٦).
(١١١٢١) (قولُهُ: فإنْ تيقّنَهُ) أي: تيقَّنَ الْجَوْرَ ((حَرُمَ))؛ لأنَّ النّكاح إنما شُرِعَ لمصلحةِ
تحصينِ النَّفْس وتحصيلِ الثَّواب، وبالجَوْر يأثمُ ويرتكبُ المحرَّمات، فَتَنَعَدِمُ المصالِحُ لِرُجْحَانِ
هذه المفاسد، "بحر "(٧). وترَكَ "الشَّارحُ" قسماً سادساً ذكرَهُ في "البحر "(٨) عن "المجتبى"،
(١) ((ذلك)) ليست في "د" و"و".
(٢) المقولة [١١١١٢] قوله: ((عند التّوَقان)) وما بعدها.
(٣) "الدر المنتقى": كتاب النكاح ٣١٦/١.
(٤) "البحر": كتاب النكاح ٨٦/٣ بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله.
(٥) "البدائع": كتاب النكاح ٢٢٨/٢ -٢٢٩.
(٦) "البحر": كتاب النكاح ٨٤/٣.
(٧) "البحر": كتاب النكاح ٨٤/٣، وعبارته: ((لمصلحةٍ مِنْ تحصينٍ)).
(٨) "البحر": كتاب النكاح ٨٤/٣ - ٨٥ بتصرف يسير.
قسم الأحوال الشخصية
٢٤
حاشية ابن عابدين
. .
وهو ((الإباحةُ إنْ خافَ العجزَ عن الإيفاء بِمُوجَبِهِ(١))) اهـ. أي: خوفاً غيرَ راجحٍ، وإلاّ كان
مكروهاً تحريماً؛ لأنَّ عدم الجَوْرِ من مُوجَبِهِ.
1
والظَاهرُ: أَنَّه إذا لم يَقصِدْ إقامةَ السُنّةِ، بل قصَدَ مجرَّدَ التّوصُّلِ إلى قضاءِ الشَّهوة ولم يَخَفْ
شيئاً لم يُثَبْ عليه؛ إذ لا ثوابَ إلاَّ بالنيّة، فيكونُ مباحاً أيضاً كالوطء لقضاء الشَّهوة، لكنْ لَمَّا
قيل له وَّ: إِنَّ أحدنا يقضي شهوتَهُ فكيف يُتابُ؟! فقال:﴿ّ ما معناه: ((أرأيتَ لو وضَعَها في
محرَّمِ أما كان يُعاقَبُ؟))(٢) فيفيدُ(٣) الثّوابَ مطلقاً، إلاَّ أنْ يقال: المرادُ في الحديث قضاءُ الشَّهوة
لأجلٍ تحصينِ النّفْس، وقد صرَّحَ في "الأشباه"(٤): ((بأنَّ النّكاح سنّةٌ مؤكّدةٌ، فَيَحتاجُ إلى النَّةِ))،
(قولُهُ: لأنَّ عدمَ الجَوْرِ من مَواجبهِ(٥) إلخ) أي وقد قُلْنا: إنَّه إذا خاف الجَوْرَ يُكرهُ فيكونُ باقي
المواجبِ كذلك، لكن قد يقالُ: لا يُحكمُ على الأعمِّ بحكم الفَرْد الخاصِّ لاحتمال وُجُود فَرْقٍ بينه وبين
باقي الأفراد خصوصاً إذا كانت حُقوقَهُ تعالى، تأمَّل.
(١) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((بمواجبه))، وكذا نسختا "البحر" المخطوطة والمطبوعة، وما أثبتناه من "م" هو الصواب
الموافق لقواعد العربية.
(٢) أخرجه أحمد ١٦٧/٥- ١٧٨، ومسلم (١٠٠٦) كتاب الزكاة - باب الصدقة في كلِّ معروف، والبخاري في "الأدب"
(٢٢٧)، وأبو داود (١٢٨٦) كتاب الصلاة - باب الضحى، والنسائي في "الكبرى" (٩٠٢٨) كتاب عِشْرَة النساء،
وصححه ابن حبان (٨٣٨) كلهم من طريق يحيى بن يَعمَر عن أبي الأسود عن أبي ذر مرفوعاً، وقد أخرج أصل الحديث
غيرهم من الطريق نفسها، وأخرجه أحمد ١٥٤/٥، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٨٠/٦ من طريق أبي البختري عن
أبي ذر مرفوعاً، ولم يسمع منه.
وأخرجه أحمد ١٦٩/٥، والنسائي في "الكبرى" (٩٠٢٧) عن أبي سلام ممطور عن أبي ذر مرفوعاً، وفي هذه
الرواية تعليل إثابة الرجل في مباضعة أهله فلتراجع، وبقية الروايات عن أبي ذر ليس فيها ذكر هذه الزيادة.
(٣) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((يفيد)).
(٤) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القواعد الكلية - القاعدة الأولى: لا ثواب إلا بالنية صـ١٨- بتوضيح من ابن
عابدین رحمه الله.
(٥) انظر التعليق (١) من هذه الصحيفة.
الجزء الثامن
٢٥
كتاب النكاح
ويُندَبُ إعلانُهُ، وتقديمُ خُطْبةٍ، ..
وأشار بالفاء إلى توقُّفِ كونِهِ سنَّةً على النَّةِ، ثمَّ قال: ((وأمَّا المباحاتُ فتختلفُ صفتها باعتبار ما
قُصِدَتْ لأجلِهِ، فإذا قُصِدَ بها النَّقوِّي على الطَّاعات أو التَّوْصُّلُ إليها كانت عبادةٌ كالأكلِ
والنّومِ واكتسابِ المال والوطء)) اهـ.
ثُمَّ رأيتُ في "الفتح"(١) قال: ((وقد ذكرنا أنَّه إذا لم يَقْرِنْ بنيَّةٍ كان مباحاً؛ لأنَّ
المقصود منه حينئذٍ مجرَّدُ قضاءِ الشَّهوة، ومبنى العبادةِ على خلافِهِ، وأقولُ: بل فيه فضلٌ
من جهةٍ أَنَّه كان متمكِّناً من قضائها بغيرٍ (٢) الطَّريق المشروع، فالعدولُ إليه مع ما يَعْلَمُهُ من
أَنَّه قد يَستلزِمُ أثقالاً فيه قصدُ تَرْكِ المعصية)) اهـ.
[١١١٢٢] (قولُهُ: ويُندَبُ إعلانُهُ) أي: إظهارُهُ، والضَّميرُ راجعٌ إلى النّكاح بمعنى العَقْد؛
لحديث "التّرمذيّ"(٣): ((أَعْلِنُوا هذا النّكاح، واجعلوه(٤) في المساجد، واضربوا [٣/ ق٥/أ]
٢٦١/٢ عليه بالدُّفوف))، "فتح"(٥).
(١١١٢٣] (قولُهُ: وتقديمُ خُطبةٍ) بضمِّ الخاء: ما يُذكَرُ قبل إجراءِ العَقْد من الحمدِ
والتّشهُّد، وأمَّا بكسرِها فهي طلبُ التَّزوُّجِ، وأطلَقَ الخطبةَ فأفادَ أنَّها لا تتعيّنُ بألفاظٍ مخصوصةٍ،
(١) "الفتح": كتاب النكاح ١٠١/٣ - ١٠٢.
(٢) ((كان متمكناً من قضائها بغير)) ساقط من "آ".
(٣) أخرجه الترمذي (١٠٨٩) كتاب النكاح - باب إعلان النكاح، والبيهقي ٢٩٠/٥ من طريق عيسى بن ميمون عن
القاسم عن عائشة مرفوعاً، وقال الترمذي: غريب حسن، وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث. وقد
أنكر الحفاظ على عيسى هذا الحديث، قال البخاري: منكر الحديث.
وأخرجه ابن ماجه (١٨٩٥) كتاب النكاح - باب إعلان النكاح، وسعيد بن منصور (٦٣٥) نكاح السِّر، وأبو نعيم في
"الحلية" ٢٦٥/٣ وغيرهم. كلّهم من طريق خالد بن إلياس - متروك - عن ربيعة الرأي عن القاسم عن عائشة نحوه، وأخرجه
ابن أبي حاتم في "العلل" ٤٢٥/٢ عن القعنبي عن خالد عن القاسم، به، وقال: الصحيح هذا. وخالد اتفقوا على تضعيفه.
أما الأمر بإعلان النكاح فقد أخرجه أحمد ٥/٤، وصححه ابن حبان (٤٠٦٦)، وغيرهم عن عامر بن عبد الله بن
الزبير عن أبيه مرفوعاً، وله شاهد من حديث محمد بن حاطب سيأتي صـ ٣٠-، وآخر عند الطبراني عن السائب
بن يزيد وهبَّار بن الأسود فليراجع.
(٤) في "م": ((واجلوه))، وهو تحريف.
(٥) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٢/٣.
قسم الأحوال الشخصية
٢٦
حاشية ابن عابدين
و کونُهُ في مسجدٍ یومَ جمعةٍ،.
وإنْ خطَبَ بما ورَدَ فهو أحسنُ، ومنه ما ذكرَهُ "ط"(١) عن صاحب "الحصن الحصين"(٢)
من لفظِهِ عليه الصَّلاة والسَّلام(٣)، وهو: ((الحمدُ لله نحمدُهُ، ونستعينُ به ونستغفره، ونعوذُ
بالله من شُرُورِ أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهدي الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا
هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُهُ
ورسوله. ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ﴾ إلى ﴿رَقِيبًا﴾ [النساء- ١]، ﴿يَأَيُّها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقّ تُقَانِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّإِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ـ- ١٠٢]، ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْأَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواقَوْلًا سَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب - ٧١،٧٠])) اهـ.
[١١١٢٤] (قولُهُ: في مسجدٍ) للأمرِ به في الحديث (٤)، "ط"(٥).
[١١١٢٥] (قولُهُ: يومَ جمعةٍ) أي: وكونُهُ يومَ جمعةٍ، "فتح"(٦).
قال في "البزَّازِيَّة"(٧): ((والبناءُ(٨) والنّكاحُ بين العيدين جائزٌ، وكُرِهَ الزِّفافُ، والمختارُ
( تنبيةٌ)
(١) "ط": كتاب النكاح ٥/٢.
(٢) "الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين": صـ٢٠-، لأبي محمد محمد بن محمد بن علي، شمس الدين، الشهير بابن
الجزريِّ الدمشقيِّ، ثم الشيرازيِّ الشافعيِّ (ت٨٣٣هـ). ("كشف الظنون" ٦٦٩/١، "غاية النهاية" ٢٤٧/٢، "الضوء
اللامع" ٢٥٥/٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٢١١٨) كتاب النكاح - باب خُطبة النكاح، والترمذيّ (١١٠٥) كتاب النكاح - باب ما جاء
في خُطبة النكاح، وقال: حديث عبد الله حديث حسن، وابن ماجه (١٨٩٢) كتاب النكاح - باب خطبة النكاح،
والنسائي ٨٩/٦ کتاب النكاح - باب ما يستحب من الكلام عند النكاح، وفي "عمل اليوم والليلة" (٤٨٨ و٤٨٩
و٤٩٣). كلُّهم من حديث أبي إسحاق وأبي عبيدة وأبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضيبه مرفوعاً.
وأخرجه أبو داود (٢١١٩) عن أبي عياض - مجهول - عن ابن مسعود فذكره مرفوعاً.
(٤) تقدم تخريجه صـ٢٥ -.
(٥) "ط": كتاب النكاح ٥/٢.
(٦) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٢/٣.
(٧) "البزازية": كتاب النكاح - الفصل الثامن عشر في الحظر والإباحة - (نوع آخر) ١٥٥/٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) ((البناء)) ساقطة من "الأصل" و"آ"، وفي "ب": ((البنى)).
الجزء الثامن
٢٧
کتاب النكاح
بعاقدٍ رشيدٍ، وشُهُودٍ عُدُولِ، والاستدانةُ له،.
أَنَّه لا يكرهُ؛ لأَنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام تزوَّجَ بـ "الصِّدِّيقةِ" في شوَّالِ وبَنَى بها فيه (١)، وتأويلُ
قوله عليه السَّلام: ((لا نكاحَ بين العيدين))(٢) - إنْ صَحَّ - أنَّه عليه السَّلامُ(٣) كان رجَعَ
عن صلاة العيد في أقصرِ أَيَّام الشِّتاء يومَ الجمعة، فقاله حتَّى لا يفوتَهُ الرَّواحُ في الوقت
الأفضلِ إلى الجمعة)) اهـ.
[١١١٢٦] (قولُهُ: بعاقدٍ رشيدٍ وشُهُودٍ عُدُولٍ) فلا ينبغي أنْ يَعقِدَ مع المرأةِ بلا أَحَدٍ من
عَصَبَاتِها(٤)، ولا مع عَصَبَةٍ فاسقٍ، ولا عند شُهُودٍ غيرِ عُدُولٍ خروجاً من خلافِ الإِمام
"الشَّافعيّ".
[١١١٢٧] (قولُهُ: والاستدانةُ له) لأنَّ ضمان ذلك على الله تعالى، فقد رَوَى "التِّرمذيُّ"
و "النّسائيُّ" و"ابن ماجه": ((ثلاثٌ حَقٌّ على الله تعالى عَوْنُهم: المكاتبُ الذي يريدُ الأداءَ،
والنّاكحُ الذي يريدُ(٥) العفافَ، والمجاهدُ في سبيل الله تعالى))،(٦) ذكرَهُ بعضُ المحشِّين،
(قولُهُ: فلا ينبغي أن يَعقدَ مع المرأة بلا أحدٍ إلخ) هذه المسألة مماثلةٌ لِما ذكرهُ "الشارحُ" في الحكم
غیرُ داخلٍ فیه.
(١) أخرجه أحمد ٥٤/٦، ٢٠٦، ومسلم (١٤٢٣) كتاب النكاح - باب التّزوُّج في شوال، والترمذي (١٠٩٣) كتاب
النكاح - باب ما جاء في الأوقات التي يستحبُّ فيها النكاح، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٧٠/٦
کتاب النِّکاح - باب الترويج في شوال و١٣١/٦ باب البناء في شوال، وابن ماجه (١٩٩٠) کتاب النكاح - باب
متى يستحبُّ البناء بالنّساء؟ والدارمي (٢٢١٧) كتاب النكاح - باب البناء في شوال، وعبد بن حُميد (١٥٠٨)
وغيرهم. كلُّهم من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها.
(٢) لم نعثر على تخريجه فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية.
(٣) من ((لا نكاح)) إلى ((السلام)) ساقط من "الأصل".
(٤) في "ب" و"م": ((عصابتها)).
(٥) ((الأداء والناكح الذي يريد)) ساقط من "آ".
(٦) أخرجه أحمد ٢٥١/٢، والترمذي (١٦٥٥) كتاب الجهاد - باب ما جاء في المجاهد والنّاكح، وحسنه، والنسائي =
4
قسم الأحوال الشخصية
٢٨
حاشية ابن عابدين
والنّظَرُ إليها قبلَهُ، وكونُها دونَهُ سِنّاً وحَسَباً وعِزّاً ومالاً، وفوقَهُ خُلُقاً وأدباً ووَرَعاً وجمالاً، ...
وتقدَّمَ(١) تمامُ الكلام على ذلك.
[١١١٢٨] (قولُهُ: والنَّظَرُ إليها قبلَهُ) أي: وإِنْ خافَ الشَّهوةَ كما صرَّحُوا به في الحظر
والإِباحة، وهذا إذا عَلِمَ أنَّه يُجابُ في نكاحها.
[١١١٢٩] (قولُهُ: دونَهُ سِنّاً) لئلا يُسرِعَ عُقْمُها فلا تَلِدَ.
[١١١٣٠] (قولُهُ: وحَسَباً) هو ما تَعُدُّهُ من مَفَاخرٍ آبائك، "ح"(٢) عن "القاموس"(٣)،
أي: بأنْ يكون الأصولُ أصحابَ شرفٍ وكرمٍ وديانةٍ؛ لأنّها إذا كانت دونه في ذلك - وكذا في
العِزِّ، أي: الجاهِ والرِّفعةِ وفي المالِ - تَنْقَادُ له ولا تَحتَقِرُهُ، وإلاَّ ترفّعَتْ عليه، وفي "الفتح"(٤):
((رَوَى "الطَّبرانيُّ" [٣/ ق٥/ ب] عن "أنسٍ" عنه ﴿: ((مَن تَزَوَّجَ امرأةً لعِزِّها لم يَزِدْهُ الله
إلاَّ ذُلاًّ، ومَن تَزَوَّجَها لمالها لم يَزِدْهُ الله إلاَّ فَقْرً، ومَن تَزَوَّجَها لَحَسَبِها لم يَزِدْهُ الله إلاَّ دناءةً،
ومَنْ تَزَوَّجَ امرأةً لم يُرِدْ بها إلاَّ أنْ يَغُضَّ بصرَهُ ويُحصِّنَ فَرْجَهُ أو يَصِلَ رَحِمَهُ بارَكَ الله له فيها
وبارَكَ لها فيه))(٥))).
= ٦١/٦ كتاب الجهاد - باب معونة الله النّاكح يريد العفاف، وفي "الكبرى" (٤٣٢٨)، وابن ماجه (٢٥٨١) كتاب العتق -
باب المكاتب، وابن أبي عاصم في الجهاد (٨٣)، وعبد الرزاق (٩٥٤٢)، وأبو يعلى (٦٥٣٥) وصححه ابن حبان
(٤٠٣٠) والحاكم ٢١٧،١٦٠/٢ وقال على شرط مسلم، والبيهقي ٧٨/٧ كتاب النكاح - باب الرغبة فيه كلهم من
طريق محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً، وقد صرح ابن عجلان بسماعه من سعيد في رواية يحيى
القطان، وراه أبو معشر نجيح - ضعيف - عن سعيد به موقوفاً عند عبد الرزاق وقال الدارقطني في "العلل" ٣٥١/١٠: وقَفَه
خالد عن ابن عجلان ورفعُه صحيح.
(١) المقولة [١١١١٤] قوله: ((وهذا إن ملك المهر والنفقة)).
(٢) "ح": كتاب النكاح ق ١٥١/ب.
(٣) "القاموس": مادة ((حسب)).
(٤) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٢/٣.
(٥) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢٣٦٣)، وابن حبان في "الضعفاء" ١٥١/٢، وأبو نعيم في "الحلية" ٢٤٥/٥، وابن
الجوزي في "الموضوعات" ٢٥٨/٢، وذكره ابن طولون في "الشذرة في الأحاديث المشتهرة" (٩٣٨)، كلُّهم من
حديث عبد السلام ابن عبد القدوس عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أنس ظُه مرفوعاً، قال أبو نعيم: غريب من
حديث إبراهيم تفرد به عبد السلام، قال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات.
الجزء الثامن
٢٠٩
كتاب النكاح
(تتمَّةٌ)
زاد في "البحر"(١): ((ويختارُ أيسرَ النّساء خِطبةً ومُؤْنَةً، ونكاحُ البكرِ أحسنُ للحديث:
((عليكم بالأبكار، فإنَّهنَّ أعذبُ أفواهاً وأنقى أرحاماً وأرضى باليسير))(٢)، ولا يتزوَّجُ طويلةً
مهزولةٌ، ولا قصيرةً دميمةً، ولا مُكثِرةً، ولا سيِّةَ الخُلُق، ولا ذاتَ الولد، ولا مُسِنَّةً؛ للحديث:
((سوداءُ وَلُودٌ خيرٌ من حسناءَ عقيمٍ))(٣)، ولا يتزوَّجُ الأَمَةَ مع طَوْلِ الْحُرَّة، ولا زانيةً، والمرأةُ تختارُ
الزَّوجَ الدِّينَ، الَحَسَنَ الْخُلُق، الجوادَ، الموسِرَ، ولا تتزوَّجُ فاسقاً، ولا يُزوَّجُ ابنَتَهُ الشَّأَبَةَ شيخاً كبيراً،
ولا رَجُلاً دميماً، ويُزوّجُها كُفْنَا، فإنْ خطَها الكُفْءُ لا يُؤْخِرُها، وهو كلُّ مسلمٍ تقيٌّ، وتحليةُ البناتِ
بالحُلِيِّ والحُلَلِ لَيَرْغَبَ فيهن الرِّجالُ سنّةٌ، ولا يَخطُبُ مخطوبةَ غيرِهِ؛ لأَنَّه جفاءٌ وخيانةٌ)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب النكاح ٨٦/٣ - ٨٧.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٨٦١) كتاب النكاح - باب تزويج الأبكار، والطبراني في "المعجم الكبير" ١٤٠/١٧ - ١٤١
و"الأوسط" (٤٥٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٨٠/٧ كتاب النكاح - باب استحباب التزويج بالأبكار، عن
عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عويم بن عتبة بن عويم، عن أبيه، عن جده. وقد رجح ابن حجر في "التهذيب"
٣٤٠/٣ عود ضمير (أبيه) (جده) على سالم لا عبد الرحمن، والصحيح أنه من مسند عويم بن ساعدة. وأخرج الطبراني
(١٠٢٤٤) من طريق أبي بلال الأشعري عن حماد عن عاصم عن زر عن عبد الله مرفوعاً، فذكره، والأشعري ضعفه
الدارقطني والصحيح ما رواه ابن أبي شيبة ٤٦٥/٣ عن أبي أسامة عن حماد عن عاصم قال عمر فذكره. ثم أخرج حديث ابن
مسعود موقوفاً، وفيه مبهم، وله طرق واهية غيرها أعرضنا عنها، وقد أخرجه عبد الرزاق (١٠٣٤١)، وابن أبي شيبة عن مكحول
مرسلاً، وسعيد بن منصور (٥١٢) عن عمرو بن عثمان مرسلاً، وفي الصحيحين عن جابر: ((فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك)).
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" ٤١٦/١٩، وابن حبان في "الصعفاء" ١١١/٢، وتمام في "الفوائد" (٧٥٤) روض، من
طريق علي بن الربيع عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعاً، وقال ابن حبان: وهذا حديث منكر لا أصل له
عن بهز، وعلي يروي المناكير، قال العراقي في تخريج "الإحياء" ٤٢/٢: لا يصح.
وأخرجه ابن عدي ٣٧٢/٢، وأبو يعلى كما في "إتحاف المهرة" ق/٤٧ من طريق حسان بن سياه ثنا عاصم عن زر عن عبد الله
مرفوعاً ((دعوا الحسناء)) فذكر نحوه، قال ابن عدي: وحسان الضعف على رواياته بيّن، وعامتها لا يتابع عليه، ورواه مبارك بن
فضالة عن عاصم عمن حدثه عن أبي موسى نحوه معناه، والصحيح ما رواه معمر عن عبد الملك بن عمير وعاصم مرسلاً.
أخرجه عبد الرزاق (١٠٣٤٤) وعن محمد بن سيرين مرسلاً (١٠٣٤٣) وله شاهدٌ من حديث معقل بن يسار
مرفوعاً ((تزوجوا الولود الودود)) وفيه قصة أخرجه أبو داود (٢٠٥٠)، والنسائي ٦٥/٦، والبيهقي ٨١/٧ كلُّهم
في كتاب النكاح - باب كراهة تزوج العقيم، وروى البيهقي من طريق حفص عن أنس نحوه مرفوعاً.
٦
قسم الأحوال الشخصية
٣٠
حاشية ابن عابدين
وهل يكرهُ الزِّفافُ؟ المختارُ لا إذا لم يَشتمِلْ على مَفْسدةٍ دينيَّةٍ.
[١١١٣١] (قولُهُ: وهل يُكرَهُ الزِّفافُ؟) هو بالكسرِ ككِتَابٍ: إهداءُ المرأة إلى زَوْجها،
"قاموس"(١). والمرادُ به هنا اجتماعُ النّساء لذلك؛ لأَنَّه لازمٌ له عُرْفاً، أفادَهُ "الرَّحمنِيُّ".
[١١١٣٢) (قولُهُ: المختارُ لا إِلخ) كذا في "الفتح"(٢) مُستدلاً له بما مرَّ(٣) من حديثٍ
"الّرمذيِّ" وما رواه "البخاريُّ" عن "عائشة" رضي الله تعالى عنها قالت: زَقَفْنا امرأةً إلى رجلٍ
من الأنصار، فقال النبيُّ ◌َّ: ((أَمَا يكونُ معهم لَهْوٌ؟ فإنَّ الأنصارَ یُعجُهم اللّھوُ))(٤)، وروى
"الّمذيُّ" و"النَّسائِيُّ" عنهِرَّ: ((فَصْلُ ما بين الحلالِ والحرامِ الدُّفُّ والصَّوتُ))(٥)، وقال
الفقهاء: المرادُ بالدُّفِّ ما لا جَلاجِلَ له اهـ.
وفي "البحر"(٦) عن "الذَّخيرة": ((ضَرْبُ الدُّفِّ في العُرْس مُختَلَفٌ فيه، وكذا اختلفوا
(١) "القاموس": مادة (زفف) بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٢/٣.
(٣) المقولة [١١١٢٢] قوله: ((ويندب إعلانه)).
(٤) أخرجه البخاري (٥١٦٢) کتاب النكاح- باب النّسوة يُهْدیْنَ المرأة إلى زوجھا، والبيهقي ٢٨٨/٧ کتاب الصداق - باب
إظهار النكاح، والحاکم ١٨٤/٢، کلهم من حديث محمد بن سابق عن إسرائيل عن هشام عن أبيه عن عائشة، به، قال
الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ومع أن البخاري أخرجه لم يتعقبه الذهبي وكأن سبب توهم الحاكم أن الحديث
فرد، وتابعه شريك عن هشام، به، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣٢٧٧) بإسناد مسلسل بالضعفاء.
وأخرجه أحمد ٢٦٩/٦، وابن حبان في صحيحه (٥٨٧٥) عن سهل بن أبي حثمة عن عائشة نحوه مرفوعاً، وله شاهد أخرجه
أحمد ٣٩١/٣ وغيره من طرق عن الأجلح عن أبي الزبير عن جابر ومع تفرد الأجلح به فقد تردد فيه فرواه ابن ماجه
(١٩٠٠) في النكاح باب الغناء، عنه، عن أبي الزبير عن ابن عباس ولعل الوهم منه.
(٥) أخرجه أحمد ٤١٨/٣، والترمذي (١٠٨٨)، والنسائي ١٢٨/٦، وفي "الكبرى" (٥٥٦٢)، وابن ماجه (١٨٩٦)
وصححه الحاكم ١٨٤/٢ كلهم في كتاب النكاح - باب إعلان النكاح، وسعيد بن منصور (٦٢٩) باب نكاح السر،
والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٨٩/٧ وغيرهم.
من طرق عن أبي بلج يحيى بن سليم عن محمد بن حاطب الجمحي مرفوعاً، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وأخرجه
ابن أبي شيبة ٣٢١/٣٣ موقوفاً.
(٦) "البحر": كتاب النكاح ٨٦/٣ بتصرف.
الجزء الثامن
٣١
كتاب النكاح
(ويَنعقِدُ) مُلتبساً (بإيجابٍ)
في الغناء في العرس والوليمة، فمنهم مَن قال بعدم كراهتِهِ كضَرْبِ الدُّفِّ)).
[١١١٣٣] (قولُهُ: ويَنعقِدُ) قال في "شرح الوقاية"(١): ((العَقْدُ: ربطُ أجزاءِ النَّصرُّفِ،
أي: الإيجابُ والقبولُ شرعاً، لكنْ هنا أُرِيْدَ بالعَقْدِ الحاصلُ بالمصدر، وهو الارتباطُ، لكنَّ
النّكاح الإيجابُ والقبولُ مع [٣/ق٦/أ] ذلك الارتباط، وإنما قلنا هذا لأنَّ الشَّرع يَعتبرُ الإيجابَ
والقبولَ أركانَ عَقْدِ النّكاح، لا أموراً خارجيَّةً كالشَّرائط، وقد ذكرتُ في "شرح التَّنْقيح"(٢)
في فصل الَّهْي: أنَّ الشَّرع يَحكُمُ بأنَّ الإيجابَ والقبول الموجودين حِسّاً يَرْتَبطان ارتباطاً
حكميًّاً، فيحصُلُ معَنَّى شرعيّ يكونُ مِلْكُ المشتري أثراً له، فذلك المعنى هو البيعُ، فالمرادُ
بذلك المعنى المجموعُ المركّبُ من الإيجاب والقبول مع ذلك الارتباطِ للشَّيء، لا أنَّ البيع محرَّدُ
٢٦٢/٢ ذلك المعنى الشَّرعيِّ والإيجابَ والقبولَ آلهٌ له كما توهَّمَ البعضُ؛ لأنَّ كونهما أركاناً يُنافي
ذلك)) اهـ، أي: يُنافي(٣) كونَهما آلةً.
وأشار "الشارحُ" إلى ذلك، حيث جعَلَ الباءَ للملابسة كما في: بَنَّيْتُ البيتَ بالحَجَرِ،
لا للاستعانة كما في: كتبتُ بالقَلَم.
(قولَهُ: فذلك المعنى هو البيعُ) لا يناسبُ التفريعَ بل المناسبُ الإِتيانُ بالواو.
(قولُهُ: لأنَّ كونَهما أركاناً يُنافي إلخ) قد يقالُ: إنَّ جَعْلهما آلهً لا يُنافِي جَعْلَهما من الأركان؛ لأنَّ المرادَ
منها الأركانُ المجازيَّةُ، وذلك كما في "الدُّرر": ((أَنَّه لَمَّا كان بين اللَّفْظ الإنشائيِّ ومعناه علاقةٌ قويةٌ بحيث
لا يَتخلّفُ عنه المعنى؛ لأنَّ الإِنشاءَ إيجادٌ معنىٍّ بلفظٍ يُقارنَهُ في الوجود، سَمَّى الألفاظُ الإِنشائيَّةَ بأسامي
المعاني؛ حيث ذَكَرَ النّكاحَ وأريدَ به الإيجابُ والقَّبُولُ مع أنَّه المعنى الحاصلُ منهما، وحينئذٍ يكونُ العَقدُ وارداً
ومُفيداً لهذا المعنى المرتَّبِ عليه حِلُّ المِتْعة))، تأمَّل.
(١) "النقاية شرح مختصر الوقاية": كتاب النكاح ٥٤٦/١ بتصرف.
(٢) "شرح التوضيح على التنقيح": الباب الثاني في إفادة اللفظِ الحكمَ الشرعي - فصل: النهيُ إمَّا عن الحسَّيَّات وإمَّا عن
الشرعيات ٢١٥/١.
(٣) في "آ": ((لا ينافي))، وهو خطأ.
قسم الأحوال الشخصية
٣٢
حاشية ابن عابدين
من أحدِهما (وقَبُولٍ) من الآخرِ (وُضِعًا للمُضيِّ) لأنَّ الماضيَ أَدَلُّ على التَّحقيق ....
والحاصلُ: أنَّ النّكاح والبيع ونحوهما وإنْ كانت توجدُ حِسّاً بالإيجاب والقبول، لكنَّ
وصفَها بكونها عُقُوداً مخصوصةً بأركانٍ وشرائطَ يترتَّبُ عليها أحكامٌ وتنتفي تلك العقودُ
بانتفائها وجودٌ شرعيٌّ زائدٌ على الحَسِّيِّ، فليس العَقْدُ الشَّرعيُّ مجرَّدَ الإيجابِ والقبول
ولا الارتباطِ وحدَهُ، بل هو مجموعُ الثَّلاثة، وعليه فقولُهُ: ((وَيَنعقِد)) أي: النّكاحُ، أي: يَنْبُتُ
ويحصُلُ انعقادُهُ بالإِيجابِ والقبول.
[١١١٣٤] (قولُهُ: مِن أحدِهما) أشارَ إلى أنَّ المتقدِّم من كلام العاقدين إيجابٌ - سواءٌ كان
المتقدِّمُ كلامَ الرَّوج أو كلامَ الزَّوجة - والمتأخرَ قبولٌ، "ح"(١) عن "المنح"(٢). فلا يُتصوَّرُ تقديمُ
القبول، فقولُهُ: تزوَّجْتُ ابنَتَكَ إيجابٌ، وَقولُ الآخرِ: زَوَّ جُتُكَها قبولٌ خلافاً لِمَن قال: إنَّه من
تقديم القبول على الإيجاب، وتمامُ تحقيقِهِ في "الفتح"(٣).
[١١١٣٥] (قولُهُ: لأنَّ الماضيَ إلخ) قال في "البحر"(٤): ((وإنما اختِيْرَ لفظُ الماضي لأنَّ واضع
اللّغة لم يَضَعْ للإنشاءِ لفظاً خاصًّاً، وإنما عُرِفَ الإنشاءُ بالشَّرع، واختيارُ لفظِ الماضي لدلالِهِ على
الَّحقيق والُبوت دون المستقبل)) اهـ. وقولُهُ: ((على التَّحقيق)) أي: تحقيقِ وقوعِ الحَدَث.
(قولُهُ: فلا يُتصوَّر تقديمُ القُبُول إلخ) مُشكلٌ بما لو قال: قبلتُ نكاحَكِ، فقالت: زوَّجْتُكَ نفسي
فهل ينعقدُ بذلك أَمْ يحتاجُ إلى إعادة قولِهِ: قبلت مرّةً أخرى؟ يراجع. اهـ "سندي". وقال "المقدسيُّ":
((الإيجابُ: اللَّفظُ الصَّادرُ أوَّلاً ولو كان لفظُهُ يُشعِرُ بالتأخير، كـ: قبلتُ نكاحَكِ بكذا، فقالت:
تزوّجتَكَ به اهـ)).
(١) "ح": کتاب النكاح ق١٥١ /ب.
(٢) "المنح": كتاب النكاح ١/ق ١١٢/ب بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٢/٣ معزيًّاً إلى "الدراية" و"النهاية".
(٤) "البحر": كتاب النكاح ٨٧/٣.
الجزء الثامن
٣٣
کتاب النكاح
(كـ: زَوَّجْتُ) نَفْسي أو بِنْتِيّ أو مُوكِّلِيَ منكَ (و) يقولُ الآخرُ (تزوَّجْتُ).
(و) يَنعقِدُ أيضاً (بما) أي: بلفظَيْنِ (وُضِعَ أحدُهما له) للمضيِّ (والآخرُ للاستقبالِ)
أو للحالِ، فالأوَّلُ الأَمْرُ (١) (كـ: زَوِّجْني) أو زَوِّجيني نفسَكِ».
[١١١٣٦] (قولُهُ: كـ: زَوَّجْتُ نفسي إلخ) أشارَ إلى عدمِ الفرق بين أنْ يكونَ الموجبُ
أصيلاً أو وليّاً أو وكيلاً، وقولُهُ: ((مِنْكَ)) بفتحِ الكاف، وليس مرادُهُ استقصاءَ الألفاظ التي
تصلُحُ للإيجاب حتَّى يَرِدَ عليه أنَّ مثلَ بنتي ابني، ومثلَ موكِّلتي موكّلي، وأَنَّه (٣/ق٦/ب] كان عليه
أنْ يقولَ بعد قوله: ((منك)): بفتح الكاف وكسرها، أو ((مِن مَوْلِّتِكَ أو من مُوكّلِتِكَ)) بفتح
الكاف وكسرِها أيضاً لَيَعُمَّ الاحتمالاتِ، فافهم.
[١١١٣٧] (قولُهُ: ويقولُ الآخرُ: تَزَوَّجْتُ) أي: أو قَبِلْتُ لَنَفْسي، أو لموكِّلي، أو ابني،
أو موكِّلِيٍ، "ط)" (٢).
[١١١٣٨] (قولُهُ: فالأوَّلُ) أي: الموضوعُ للاستقبال.
[١١١٣٩] (قولُهُ: نفسَكِ) بكسرِ الكاف مفعولُ ((زَوِّجيني))، أو بفتحِها مفعولُ ((زَوِّجْني))،
ففيه حذفُ مفعولِ أحدِ الفعلين، ولو حذَفَهُ لشَمِلَ الوليَّ والوكيلَ أيضاً، أفادَهُ "ح"(٣).
(قولُهُ: ولو حذّفَه لشَمِلَ الوليَّ والوكيلَ إلخ) أي: إذا خاطبَهُ أو خاطبَ الوكيلَ، وكذا يشملُ
حينئذٍ ما إذا خاطبتِ المرأةُ ولِيَّ الزَّوج أو وكيلَهُ.
(١) في "د" زيادة: ((قوله: فالأول الأمر، أي: الاستقبال. أقول: وفيه كلام، وهو الأولى أن يُقَال، والمرادُ بالمستقبل أعمُّ
من الأمر؛ لأنّه صرَّح في النهاية بأنَّ النّكاح ينعقد بأن يقول الرجل للمرأة: أتزوجك على كذا، فتقول المرأة: قبلت.
وذِكْرُ الأمرِ للتمثيل ليس بحصر كما لا يخفى. يعقوب باشا، "ط")). ق ١٥٠/أ.
(٢) "ط": كتاب النكاح ٦/٢.
(٣) "ح": كتاب النكاح ق١٥١/ب.
قسم الأحوال الشخصية
٣٤
حاشية ابن عابدين
أو كُوْنِي امرأتي، فإنَّه ليس بإيجابٍ، بل هو توكيلٌ ضِمْيٌّ.
[١١١٤٠] (قولُهُ: أو كُوْنِي امرأتي) ومثلُهُ: كُوْنِي امرأةً ابني أو امرأةً مُوكِّلي، وكذا:
كُنْ زَوْجِي، أو كُنْ زوجَ بِنْتي، أو زَوْجَ مُوكِّلتي، أفادَهُ "ح"(١).
[١١١٤١) (قولُهُ: فإنّه ليس بإيجابٍ) الفاءُ فصيحةٌ، أي: إذا عرفتَ أنَّ قوله: ((بما وُضِعَ))
معطوفٌ على قوله: ((بإيجابٍ وقبولٍ))، وعرفتَ أيضاً أنَّ العطف يقتضي المغايرةَ عَرَفْتَ أنَّ
لفظ الأمرِ ليس بإيجابٍ، لكنَّ هذا يقتضي أنَّ قولَ الآخرِ: زَوَّجْتُ في هذه الصُّورة ليس
بقبولٍ، وهو كذلك، أي: ليس بقبولٍ محضٍ، بل هو لفظِ قامَ مَقامَ الإيجابِ والقبولِ كما ذكرَهُ
"الشَّارِح"، ويَرِدُ عليه أنَّ عطف الحالِ على الاستقبال يقتضي أنَّ نحوَ قوله: أَتَزَوَّجُكِ ليس
بإيجابٍ، وأنَّ قولها: قَبِلْتُ مُحيبةً له ليسَ بقبولٍ مع أنّهما إيجابٌ وقبولٌ قطعاً، "ح" (٢).
[١١١٤٢) (قولُهُ: بل هو توكيلٌ ضمنٍّ) أي: أنَّ قولَهُ: زَوِّجْنِي توكيلٌ بالنّكاح للمأمورِ
معَنَّى، ولو صرَّحَ بالَتَّوكيل وقال: وَكُلْتُكِ بأَنْ تُزَوِّجي نفسَكِ منّي، فقالت: زَوَّجْتُ صَحِّ
النّكاحُ، فكذا هنا، "غاية البيان". وأشار بقوله: ((ضمنيٌّ)) إلى الجوابِ عمَّا أُورِدَ عليه من
أَنَّه لو كان توكيلاً لَمَا اقتصَرَ على المجلسِ مع أَنَّه يَقتصِرُ، وتوضيحُ الجواب - كما أفادَهُ
"الرَّحِمِيُّ" -: ((أنَّ المتضمَّنَ بالفتحِ لا تُعتَبَرُ شروطُهُ، بل شروطُ المتضمِّنِ بالكسر، والأمرُ
طلبٌ للنِّكَاحِ، فَيُشْتَرَطُ فيه شروطُ النِّكاح من اتّحادِ المجلس في رُكَّنَه، لا شروطُ ما فِي ضمِنِهِ من
الوكالة كما في: أَعْتِقْ عبدَكَ عنّي بألفٍ، لَمَّا كان البيعُ فيه ضِمْنِيّاً لم يُشتَرَطْ فيه الإيجابُ والقبولُ
(قولُهُ: وتوضيحُ الجواب كما أفاده "الرَّحمنُّ" أنَّ المتضمِّن إلخ) يعني: أنَّ الأمرَ بظاهره إيجابٌ؛ لأَنّه ليس
إلاَّ اللَّظَ المفيدَ قُصِدَ تحقيقُ المعنى أو لا، وهو صادقٌ على الأمر، إلاّ أنّه لَمَّا كان مُتضمِّناً للتوكيل اشترطَ شُروطَ
المنضمِّن بالكسر، وهو الأمرُ الذي بظاهره إيجابٌ لا شروطَ المتضمَّن بالفتح، وهو الوكالةُ التي في ضِمْنه.
(١) "ح": كتاب النكاح ق١٥١/ب.
(٢) "ح": كتاب النكاح ق ١٥١/ب - ١٥٢/أ.
الجزء الثامن
٣٥
كتاب النكاح
(فإذا قال) في المجلسِ: (زَوَّجْتُ) أو قَبِّلْتُ أو بالسَّمْعِ والطَّاعةِ - "بزازية" - قامَ مَقَامَ الطََّفين،
لعدمِ اشتراطِهما في العتق؛ لأنَّ الِلْك في الإعتاق شَرْطٌ، وهو تَبَعٌ للمقتَضِي، وهو العتق؛ إذ
الشُّروطُ أَتْبَاعٌ، فلذا ثبَتَ البيعُ المقتضَى [٣/ ق٧/أ] بالفتح بشروطِ المقتضِي بالكسر - وهو
العِثْقُ - لا بشروطِ نفسِهِ إظهاراً للتَّبعيَّةِ، فسقَطَ القبولُ الذي هو ركنُ البيع، ولا يثُبُتُ فيه
خيارُ الرُّؤية والعيب، ولا يُشترَطُ كونُهُ مقدورَ التَّسليم كما ذكرَهُ في "المنح"(١) في آخرٍ
نكاح الرَّقيق.
[١١١٤٣] (قولُهُ: فإذا قال) أي: المأمورُ بالتّزويج.
[١١١٤٤] (قولُهُ: أو بالسَّمْعِ والطّاعةِ) متعلّقٌ بمحذوفٍ دَلَّ عليه المذكورُ، أي: زَوَّجْتُ
أو قَبِلْتُ مُلتبِساً بالسَّمِعِ والطَّعة لأمرِكَ، ولا يحصُلُ السَّمِعُ والطّاعةُ لأمرِهِ إلاّ بتقديرِ الجواب
ماضياً مُراداً به الإنشاءُ؛ لِيَتَّ شرطُ العَقْدِ بكونِ أحدِهما للمُضِيِّ.
[١١١٤٥] (قولُهُ: "برَّزيَّة"(٢)) نصُّ عبارتِها: ((قال: زَوِّجِي نفسَكِ مِنِّي، فقالت:
بالسَّمْعِ والطَّاعةِ صَحَّ)) اهـ.
(قولُهُ: لعدم اشتراطِهِما في العِنْقَ لأنَّ المِلكَ في الإعتاق شرطٌ إلخ) عبارة "السِّنْديّ": ((إلاَّ أنَّ إلخ
فانظر "المنح")). ثم رأيتُ "المنحَ" ذَكرَ ما نَصُّه: ((ولنا أنَّه أمكنَ تصحيحُهُ بتقديم المِلكِ بطريق الاقتضاءِ؟
إذ المِلكُ شَرْطٌ لصحَّة العِثْقِ عنه فيصيرُ قوله: أَعِْق طلبَ التمليك منه بالأَلْف، ثم أمَرَه بإعتاق عبدِ الآمِرِ
عنه وقولُهُ: أعتقتُ تمليكاً منه، ثم الإعتاقُ عنه فإذا ثبتَ للآمِرِ فسد النّكاحُ للّافي بين المِلكَيْن. فالحاصلُ:
أنَّ هذا من باب الاقتضاء وهو: دلالةُ اللَّفْظ على مسكوتٍ عنه يتوقّفُ صِدْقُه عليه أو صِحَّتُه، فالمقتضَى
بالفتح: ما استدعاه صِدْقُ الكلام، كرَفْع الخطأ والنّسْيان، أو: حكمٌ لَزِمَهُ شرعاً، كمسألة الكتاب،
فالملكُ فيه شرطٌ وهو تبعّ للمقتضَى وهو العِثْقُ؛ إذ الشُّروطُ إلخ)).
(١) "المنح": كتاب النكاح ١/ق ١٣٠/ب.
(٢) "البزازية": كتاب النكاح - الفصل الأول في الآلة ١٠٩/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم الأحوال الشخصية
٣٦
حاشية ابن عابدين
وقيل: هو إيجابٌ، ورجَّحَهُ في "البحر".
ونقَلَ هذا الفرعَ في "البحر"(١) عن "النوازل"، ونقلَهُ(٢) في موضعٍ آخرَ عن "الخلاصة"(٣)،
فافهم.
[١١١٤٦] (قولُهُ: وقيل: هو إيجابٌ) مقابلُ القولِ الأَوَّلِ بأَنَّه توكيلٌ، ومَشَى على الأوَّلِ
في "الهداية"(٤) و"المجمع"، ونسَبَهُ في "الفتح"(٥) إلى المحقّقين، وعلى الثَّاني ظاهرُ "الكنز "(٦)،
واعترضَهُ في "الدُّرر"(٧): ((بأنّه مخالفٌ لكلامِهم))، وأجاب في "البحر"(٨) و"النّهر"(٩): ((بأنّه
صرَّحَ به في "الخلاصة"(١٠) و"الخانَيَّةِ"(١١)))، قال في "الخانيّة": ((وَلَفْظُةُ(١٢) الأمرِ في النكاح
إيجابٌ، وكذا في الخُلْعِ والطَّلاقِ والكفالةِ والهبة)) اهـ.
قال في "الفتح"(١٣): ((وهو أحسنٌ؛ لأنَّ الإيجابَ ليس إلاَّ اللَّفظَ المفيدَ، قُصِدَ تحقَّقُ المعنى
أوْ لا، وهو صادقٌ على لفظِ الأمرِ))، ثمَّ قال: ((والظَّاهرُ أَنَّه لا بدَّ من اعتبارِ كونِهِ توكيلاً،
٢٦٣/١
(١) "البحر": كتاب النكاح ٨٩/٣.
(٢) "البحر": كتاب النكاح ٩٤/٣.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل الأول في جواز النكاح ق٧٤/ب معزياً إلى "النوازل".
(٤) "الهداية": كتاب النكاح ١٨٩/١.
(٥) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٤/٣.
(٦) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب النكاح ١٣٨/١.
(٧) "الدرر": كتاب النكاح ٣٢٧/١.
(٨) "البحر": كتاب النكاح ٨٧/٣.
(٩) "النهر": كتاب النكاح ق ١٦٢/أ.
(١٠) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل الحادي عشر في الوكالة في النكاح ق ٨١/أ.
(١١) "الخانية": كتاب النكاح - الفصل الأول في الألفاظ التي ينعقد بها النكاح ٣٢٥/١ - ٣٢٦ باختصار (هامش
"الفتاوى الهندية").
(١٢) في "م": ((ولفظ)).
(١٣) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٤/٣.
٣٧
الجزء الثامن
کتاب النكاح
وإلاّ بقي طلبُ الفَرْقِ بين النّكاح والبيع، حيث لا يَتِمُّ بقولِهِ: بِعْنيه بكذا، فيقولُ: بِعْتُ بلا
جوابٍ))، لكنْ ذَكَرَ في "البحر"(١) عن بيوع "الفتح"(٢) الفَرْقَ: ((بأنَّ النّكاح لا يَدْخُلُه
المساومةُ؛ لأَنَّه لا يكونُ إلاّ بعدَ مقدِّماتٍ ومراجعاتٍ، فكان للتَّحقيق بخلافِ البيع))، وأورَدَ
في "البحر"(٣) على كونه إيجاباً ما في "الخلاصة"(٤): ((لو قال الوكيل بالنّكاح: هَبِ ابنتَكَ
لفلان، فقال الأب: وهبتُ لا يَنعقِد النّكاح ما لم يَقُل الوكيل بعده: قَبِلْتُ؛ لأنَّ الوكيل لا يَملِكُ
التَّوكيل))، وما في "الظَّهيريَّة"(٥): ((لو قال: هَبِ ابنتَكَ لابني، فقال: وَهَبتُ لم يَصِحَّ ما لم يَقُلْ
أبو الصَّبِيِّ: قَبِلْتُ))، ثمَّ أجابَ(٦) بقولِهِ: ((إلاَّ أنْ يقال بأنَّه مُفرٌَّ على القول بأنّه توكيلٌ
لا إيجابٌ، وحينئذٍ تظهرُ ثمرةُ الاختلاف بين القولين، لكنَّه متوقّفٌ على النَّقْل، وصرَّحَ
في "الفتح"(٧): بأنَّه على القول بأنَّ الأمر توكيلٌ يكونُ تمامُ العَقْدِ بالمجيب، وعلى [٣/ق٧/ ب]
القولِ بأَنَّه إيجابٌ يكونُ تمامُ العَقْدِ قائماً بهما)) اهـ، أي: فلا يلزمُ على القولِ
بأنّه توكيلٌ قولُ الآمِرِ: قَبِلْتُ، فهذا مخالفٌ للجوابِ المذكور، وكذا يخالفُهُ تعليلُ "الخلاصة":
(قولُهُ: فهذا مُخالفٌ للجواب المذكور إلخ) يظهرُ أَنَّه لا يُخالفُ الجوابَ المذكورَ؛ لأنَّ الاحتياجَ إلى
القُبُول إنَّما كان بسبب عَدَم صحَّةٍ توكيلِ الوكيل، فخرجت المسألةُ من باب كَوْن تمامِ العَقْد بالُجيبِ،
(١) "البحر": كتاب النكاح ٨٩/٣ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب البيوع ٤٥٨/٥ - ٤٥٩.
(٣) "البحر": كتاب النكاح ٨٨/٣ بتصرف.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل الحادي عشر في الوكالة في النكاح ق ٨١/أ بتصرف.
(٥) "الظهيرية": كتاب النكاح ق٧٤/أ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب النكاح ٨٨/٣ بتصرف.
(٧) "الفتح": كتاب النكاح ١٠٣/٣ بتصرف.
قسم الأحوال الشخصية
٣٨
حاشية ابن عابدين
((بأنَّه ليس للوكيل أنْ يُوَكِّلَ))، نَعَمْ ما في "الظَّهيريَّة" مُؤيِّدٌ للجواب، لكنْ قال في "النّهرِ "(١).
((إنَّ ما في "الظَّهيريَّة" مشكلٌ؛ إذ لا يصحُّ تفريعُهُ على أنَّ الأمر إيجابٌ كما هو ظاهرٌ،
ولا على أنَّه توكيلٌ لِما أَنَّه يجوزُ للأبِ أنْ يُوكِّلَ بنكاحِ ابنِهِ الصَّغير؛ إذ بتقديرِهِ يكونُ تمامُ
العَقْدِ بالمجيب غيرَ متوقّفٍ على قبولِ الأب، وبه اندفَعَ ما في "البحر"(٢) من أنَّ مُفرٌَّ على أنَّه
توكيلٌ)) اهـ. لكنْ قال العلاَّمةُ "المقدسيُّ" في "شرحه": ((إنما توقَّفَ الانعقادُ على القبول
في قول الأبِ أو الوكيلِ: هَبِ ابنتَكَ لفلانٍ أو لابني، أو أَعْطِها مثلاً لأَنَّه ظاهرٌ في الطَّلب،
وأَنَّه مستقبلٌ لم يُرَدْ به الحالُ والتَّحقُّقُ، فلم يَتِمَّ به العَقْدُ بخلاف: زَوِّجْنِي بِنتَكَ بكذا بعد الخِطْبة
ونحوها، فإنَّه ظاهرٌ في النَّحقُّقِ والإثباتِ الذي هو معنى الإيجاب)) اهـ، فتأمَّل.
هذا، وفي "البحر"(٣): (( أَنَّه يَبتني على القولِ بأَنَّه توكيلٌ أَنَّه لا يُشْتَرَطُ سماعُ الشَّاهِدين للأَمْرِ؛
١
بل هو قائمٌ باثنين ولا يخالفُهُ أيضاً تعليلُ "الخلاصة"، بل كاد أن يكون صريحاً فيه؛ إِذْ قد بَنَى عدمَ
الصِّحة على أنَّ الوكيلَ ليس له أنْ يُوَكِّلَ وما هذا إلاَّ لاعتباره أنَّ الأمرَ توكيلٌ، وما أجاب به "المقدسيُّ"
صحيحٌ بالنسبة لعبارة "الظهيريَّة" لا لفرع "الخلاصة"؛ لبنائه على التَّوكيلَ.
وفي "المقدسيّ": ((يُشْكِلُ عليه أَنَّه لو كان الوكيلُ حاضراً عند مُباشَرة وكيله صَحَّ فعلُهُ وهو هنا حاضرٌ).
وفي "السِّنْديّ": ((أَنَّ مباشرةً وكيلٍ الوكيل بحضرة الوكيل في النّكاح لا تكونُ كمباشرة الوكيل
بنفسه، بخلافه في البيع، كما في "الأصل")).
ونقل "عصامٌ" في "مختصره": ((أَنَّه جعلَهُ كالبيع فلا يحتاجُ لقبوله))، تأمَّل. وقد يَدْفَعُ إشكالَ "النّهر" -
لِمَا في "الظهيريَّة": بأنَّه جارٍ على أنَّ الأمرَ توكيلٌ، ويحملُ الابنُ على البالغ فساوت ما في "الخلاصة" -
أنَّ ما قاله "المَقدِسيُّ" يُبعدُهُ تعليلُ "الخلاصة": بأنَّ الوكيلَ لا يَملِكُ التَّوكيلَ.
(١) "النهر": كتاب النكاح ق١٦٢/ب.
(٢) "البحر": كتاب النكاح ٨٨/٣.
(٣) "البحر": كتاب النكاح ٨٨/٣ بتصرف.