النص المفهرس
صفحات 201-220
الجزء السابع
١٩٧
باب التمتع
قال في "النهر"(١): ((وفيه تصريحٌ باحتياجٍ دم المتعة إلى النَّة))، قال في "البحر"(٢): ((وقد
[٢/ق٤١٧ /أ] يقال: إنَّه ليس فوقَ طواف الرُّكن ولا مثلَهُ، وقد مرَّ أَنَّه لو نوى به التطوُّعَ أجزأَهُ،
فينبغي أنْ يكون الدَّمُ كذلك، بل أَولى)) اهـ.
وأجابَ في "الشرنبلاليّة" (٣): ((بأنَّ الطواف ◌َمَّا كان متعيّناً في أيَّامِ النَّحر وجوباً كان النظرُ
الإيقاعِ ما طاقَهُ عنه، وتلغو نيَّةُ غيره، وأمَّا الأضحيةُ فهي متعيِّنةٌ في ذلك الزَّمن كالمتعةِ، فلا تقعُ
الأضحيةُ مع تعُّنها عن غيرها)) اهـ.
والمرادُ بتعُّنِها تعيّنُ زمنِها لا وجوبُها حتَّى يَرِدَ عليه أنَّها لا تجبُ على المسافر، يعني:
أنَّ الأضحية لا تُسمَّى أضحيةً إلاَّ إذا وقَعَتْ في أيَّامِ النَّحر، وكذا دمُ المتعة، فلمَّا كان زمنُها
متعيِّناً وقد نواها أضحيةً فلا تقعُ عن دمِ المتعة بخلاف الطواف، فإنَّ التطوُّعَ به غيرُ مؤقّتٍ،
فإذا كان عليه طوافٌ مؤقّتٌ ونوى به غيرَهُ ينصرفُ إلى الواجبِ المؤقّت؛ لأَنَّه يمكنُهُ التطوُّعُ
بعده، وكذا لو نوى طوافاً آخرَ واجباً ينصرفُ إلى الذي حضَرَ وقتُهُ ووجب فيه، ويلغو الآخرُ
مراعاةً للترتيب كما لو نوى القارنُ بطوافه الأوَّلِ القدومَ يقعُ عن العمرة كما مرَّ(٤)، فافهم.
وأجاب "الرَّحمتيُّ": ((بأنَّ الدَّمَ ليس من أفعالِ الحجِّ والعمرة، ولذا لم يجب على المفرِدِ
بأحدهما، بل وجَبَ شكراً على المتمتّع بهما، فلم يكن داخلاً تحت نيَّةِ الحجِّ والعمرة، فلا بدَّ
له من النَّة والتعيين، فلو نوى غيرَهُ لا يُحزي كما لو أطلَقَ النَّةَ بخلاف الأطوفةِ، فإنَّها من
أعمالِهما داخلةٌ تحتَ إحرامهما، فُتحزِئُ بمطلق النَّة)).
(١) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق ١٤٥/ب .
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب التمتع ٣٩٨/٢.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب القران والتمتع ٢٣٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) المقولة [١٠٢٤٠] قوله: ((فلو طاف إلخ)).
قسم العبادات
١٩٨
حاشية ابن عابدين
أي: العمرةٍ، لكنْ في أشهرِ الحجِّ (لا قبلَهُ) أي: الإحرامِ (وتأخيرُهُ أفضلُ) رجاءً
وجودِ الهدي كما مرّ.
(وإنْ أرادَ) المتمتّعُ (السَّوْقَ) للهَدْيِ (وهو أفضلُ أحرَمَ ثُمَّ ساقَ هديَهُ معه، وهو أولى
مِن قَوْدِهِ إلَّ إذا كانَتْ لا تَنْساقُ) فَيقودُها (وقلَّدَ بدنَتَهُ، وهو أَولِى من التّحليلِ،
[١٠٣٦٤] (قولُهُ: أي: العمرةِ) لأَنّه صيامٌ بعد وجوبِ سببه وهو التمتّعُ، فإنّه يحصلُ بالعمرة
على نَّةِ المتعة، وعند "الشافعيّ": لا يجوزُ حتَّى يُحرِمَ بالحجِّ، وتمامُهُ في "المحيط".
[١٠٣٦٥) (قولُهُ: لكنْ في أشهرِ الحِّ) مرتبطٌ بالصوم والإحرام، فلو أحرَمَ قبلها وصامَ فيها
لم يصحَّ؛ لأنَّه لا يلزمُ من صحَّةِ الإحرام بالعمرة قبل الأشهر صحَّةُ الصوم، أفادَهُ
في "الشرنبلاليَّة"(١).
[١٠٣٦٦] (قولُهُ: وتأخيرُه(٢) أي: إلى السابع والثامن والتاسع كما مرَّ(٣) في القِران.
[١٠٣٦٧] (قولُهُ: وإنْ أرادَ إلخ) هذا هو القسمُ الثاني من التمتّع، وقولُهُ: ((وهو أفضلُ))
١٩٦/٢ أي: من القسمِ الأوَّلِ الذي لا سوقَ هدىٍ معه؛ لِما في هذا من الموافقةِ لفعل رسول الله وَ لاث(٤)،
"ط "(٥).
[١٠٣٢٨) (قولُهُ: أحرَمَ ثُمَّ ساقَ إلخ) أتى بــ (ثمَّ) إشارةً إلى أنّه يُحرِمُ أوّلاً بالنَّةِ
مع التلبية، [٢/ق٤١٧/ب] فإنَّه أفضلُ من النَّةِ مع السَّوقِ وإِنْ صَحَّ بشروطٍ وتفصيلٍ قدَّمناه(٦)
(قولُهُ: لأنّه صيامٌ بعد وجوبِ سيِهِ إلخ) لعلَّه: وجود.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب القران والتمتع ٢٣٦/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) في "الأصل" و"ب" و"م": (( وتأخيرُها))، وما أثبتناه من "آ" هو الموافق لـ"الدر".
(٣) المقولة [١٠٣٢٣] قوله: ((آخرها يوم عرفة)).
(٤) تقدَّم تخريجه ص١٤ -.
(٥) "ط": كتاب الحج - باب التمتع ٥١٧/١ .
(٦) المقولة [٩٨٥٤] قوله: ((أو ساق الهدي إلخ)).
الجزء السابع
١٩٩
باب التمتع
وكُرَةَ الإِشعارُ(١)، وهو شَقُّ سَنامِها من الأيسرِ) أو الأيمن؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ لا يُحسِنُهُ،
فأمَّا مَن أحسَنَهُ - بأنْ قطَعَ الجلدَ فقط - فلا بأس به ..
في باب الإحرام.
[١٠٣٦٩] (قولُهُ: وهو شَقُّ سَنامِها) بأنْ يُطعَنَ بالرُّمح أسفلَهُ حتَّى يَخرُجَ الدَّمُ، ثمَّ يُلطّخَ
بذلك الدَّمِ سَنامُها ليكونَ ذلك علامةَ كونِها هدياً كالتقليد، "لباب" و"شرحه"(٢).
[١٠٣٧٠] (قولُهُ: أو الأيمنِ) اختارَهُ "القدوريُ))(٣)، لكنَّ الأشبهَ الأوَّلُ كما في "الهداية(٤).
[١٠٣٧١) (قولُهُ: لأنَّ كلَّ أحدٍ لا يُحسِنُهُ) حَرَى على ما قالَهُ "الطحاويُّ"(٥) والشيخ
"أبو منصور الماتريديُّ": ((من أنَّ "أبا حنيفة" لم يَكْرَه أصلَ الإشعار، وكيف يكرهُهُ مع ما اشتُهِرَ
فيه من الأخبار؟! وإنما كَرِهَ إشعار أهلِ زمانه الذي يُخافُ منه الهلاكُ خصوصاً في حرِّ الحجاز،
فرأى الصوابَ حينئذٍ سَدَّ هذا البابِ على العامَّة، فأمَّا من وقَفَ على الحدِّ، بأنْ قطَعَ الجلدَ دون
اللحمِ فلا بأس بذلك))، قال "الكرمانيُّ": ((وهذا هو الأصحُّ، وهو اختيارُ "قوام الدين"
و"ابن الهمام"(٦)، فهو مستحبٌّ لِمَن أحسنَهُ))، "شرح اللباب"(٧). قال في "النهر "(٨):
(١) في "د" زيادة: ((قوله: (وكره الإشعار إلخ) أي: لأنّه مثلةٌ - وهي بضمِّ الميم وسكون الثاء - : العقوبةُ، وهي منهيَّةٌ
في حديث عمران عليه: « ما قام رسول اللهَ﴿ فينا خطيباً إلاَّ حَثِّنا على الصدقة ونهانا عن المُثْلة))، وهي حرامٌ فيمن
وجَبَ قتُلُهُ كالمرتدِّ والحربيِّ، فلأَنْ تَحرُمَ في القربان الذي لا تحلُّ عقوبتُهُ أَولى، كذا في بعض الحواشي)).
وفي "الهداية": لأبي حنيفة رحمه الله تعالى أنّه مثلةٌ وأنّه منهيٌّ عنه، ولو وقع التعارُضُ فالترجيحُ للمحرَّم انتهى.
أقول: قد ردَّهُ بعضُ أهل الكمال بأنّه ليس منها؛ لأنّها ما تكونُ تسويتها كقطع الأنف والأذنين، فليس كلُّ جرحٍ
مُثْلَةً، ولأنّه نُهِيَ في أوَّلِ الإِسلام، وفعَلَ الإشعارُ في حجَّةِ الوداع، فلو كان منهيّاً لم يفعله)).
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب التمتع - فصل: المتمتعُ على نوعين صـ ١٩٢ -.
(٣) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الحج - باب التمتع ٢٠٠/١ .
(٤) "الهداية": كتاب الحج - باب التمتع ١٥٧/١ .
(٥) "مختصر الطحاوي": كتاب الحج - باب الإشعار صـ٧٣ -.
(٦) "الفتح": كتاب الحج - باب التمتع ٤٢٦/٢. وفي "د" زيادة: ((كذا في "المنح"، وقيل: إنما كُرِهَ لإِيثارِهِ على التقليد،
كذا في "الدرر")).
(٧) انظر "إرشاد الساري": باب التمتع - فصل: المتمتعُ على نوعين صـ١٩٢ -.
(٨) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق١٤٤/أ، وقوله: ((بأنه حسن)) ليس في "النهر".
قسم العبادات
٢٠٠
حاشية ابن عابدين
(واعتَمَرَ، ولا يتحلَّلُ منها) حتّى يَنْحَرَ (ثُمَّ أحرَمَ للحجِّ كما مرَّ) في مَن لم يَسُقْ
(وحلَقَ يومَ النَّحْرِ، و) إذا حَلَقَ (حَلَّ من إحراميه) على الظَّاهرِ ...
((وبه يُستغَنَى عن كونِ العمل على قولِهما بأنَّه حسنٌ)).
[١٠٣٧٢) (قولُهُ: واعتمَرَ) أي: طاف وسعى، والشَّرطُ أكثرُ طوافها كما مرَّ( ١).
[١٠٣٧٣) (قولُهُ: ولا يتحلَّلُ منها حتَّى ينحرَ) لأنَّ سوق الهدى مانعٌ من إحلاله قبل يوم
النَّحر، فلو حلَقَ لم يتحلَّلْ من إحرامه، ولَزِمَهُ دمٌّ، أي: إلاَّ أنْ يرجع إلى أهلِهِ بعد ذبحِ هديه
وحلقِهِ، "لباب" و"شرحه"(٢)، وتمامُّهُ فيه. قال في "البحر"(٣): ((ومقتضاه - أي: مقتضى لزومِ الدَّم
بالحلق - أنَّه يلزمُهُ كلُّ جنايةٍ على الإحرام كأنَّه مُحرٌِّ)) اهـ.
قلت: بل مقتضى قول "اللباب": ((لم يتحلَّلْ)) أنّه محرمٌ حقيقةً، ويدلُّ له قولهم: إذا كان
السَوْقِ الهدي تأثيرٌ في إثبات الإِحرام ابتداءً يكونُ له تأثيرٌ في استدامتِهِ بقاءً بالأولى؛ لأَنَّه أسهلُ
من الابتداء.
[١٠٣٧٤] (قولُهُ: ثمَّ أحرَمَ للحجِّ(٤)) اعلم أنَّ المتمتّع إذا أحرَمَ بالحجِّ فإنْ كان ساقَ الهدي،
أو لم يَسُقْ ولكنْ أحرَمَ به قبل التحلُّلِ من العمرةِ صار كالقارن، فيلزمُهُ بالجناية
ما يلزمُ القارنَ، وإِنْ لم يَسُقْهُ وأحرَمَ بعد الحلق صارَ كالمفرد بالحجِّ إلَّ في وجوبِ دم المتعة
وما يتعلَّقُ به، "شرح اللباب"(٥).
[١٠٣٧٥) (قولُهُ: على الظاهرِ) أي: ظاهرِ الرِّواية من بقاءِ إحرامِ العمرة إلى الحلق، ويَحِلُّ منه
في كلِّ شيءٍ حتّى في النساء؛ لأنَّ المانع له من التحلُّلِ سوقُهُ الهديَ، وقد زال بذبحِهِ،
(١) المقولة [١٠٣٤٧] قوله: ((وشرعاً: أن يفعل العمرة)).
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب التمتع - فصل: المتمتعُ على نوعين صـ١٩٢ -.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب التمتع ٣٩١/٢.
(٤) في "ب": ((بالحج)).
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب التمتع ــ فصل: المتمتع على نوعين صـ١٩٤ -.
الجزء السابع
٢٠١
باب التمتع
(والمكِيُّ ومَن في حكمِهِ يُفرِدُ فقط)
وفي القارن [٢/ق٤١٨/أ] يَحِلُّ منه في كلِّ شيءٍ إلاّ في النساء كإحرامِ الحجِّ، وهذا هو الفرقُ بين
المتمتّع الذي ساقَ الهدي وبين القارن، وإِلاَّ فلا فرقَ بينهما بعد الإحرام بالحجِّ على الصحيح
كما ذكرنا، "بحر"(١). وعليه فإذا حَلَقَ ثمَّ جسامَعَ قبل الطواف لَزِمَهُ دٌ واحدٌ لو متمتّعاً ودمان
لو قارناً، وفي هذا رةٌّ لِما قيل مِن أنَّ إحرام العمرةِ ينتهي بالوقوف كما أوضحَهُ في "البحر" (٢)
وغيره.
[١٠٣٧٦) (قولُهُ: ومَن في حكمِهِ) أي: مِن أهلِ داخلِ المواقيت.
[١٠٣٧٧) (قولُهُ: يُفرِدُ فقط) هذا ما دام مقيماً، فإذا خرَجَ إلى الكوفةِ وقرَنَ صحَّ
بلا كراهةٍ؛ لأنَّ عمرتَهُ وحََّهُ ميقاتَّتان(٣)، فصار بمنزلةِ الآفاقِيِّ، قال "المحبوبيُّ": ((هذا إذا خرَجَ
إلى الكوفةِ قبل أشهرِ الحجِّ، وأمَّا إذا خرَجَ بعدها فقد مُنِعَ من القِران، فلا يتغيَّرُ بخروجه
من الميقات))، كذا في "العناية"(٤)، وقول "المحبوبيِّ" هو الصحيحُ، نقلَهُ الشيخُ "الشلبيُّ)) (٥)
عن "الكرمانيّ"، "شرنبلاليّة"(٦). وإنما فقَّدَ بالقِرانِ لِأَنَّه لو اعتمَرَ هذا المكِّيُّ في أشهرِ الحجِّ من عامه
لا يكونُ متمتّعً؛ لأَنَّه مُلِمٌّ بأهلِهِ بين النسكين حلالاً إن لم يَسُق الهديّ، وكذلك(٧) إنْ ساقَ
الهدي لا يكونُ متمتّعاً بخلاف الآفاقيِّ إذا ساقَ الهدي ثمَّ أَلَمَّ بأهلِهِ محرماً كان متمتّعاً؛
لأنَّ العَوْدَ مُستحَقٌّ عليه، فَيَمنَعُ صحَّةَ إِمامِهِ، وأمَّا المكِيُّ فالعَوْدُ غيرُ مُستحَقِّ عليه وإنْ ساقَ الهدي،
فكان إلمامُهُ صحيحاً، فلذلك لم يكن متمتّعاً، كذا في "النهاية" عن "المبسوط "(٨).
(١) "البحر": كتاب الحج - باب التمتع ٣٩٢/٢ بتصرف يسير.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب التمتع ٣٩٢/٢.
(٣) في "ب" و"م": ((ميقاتَّان)).
(٤) "العناية": كتاب الحج - باب التمتع ٤٣١/٢ (هامش "فتح القدير").
(٥) انظر "حاشية الشلبي على تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب التمتع ٤٨/٢.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب القران والتمتع ٢٣٧/١ بتصرف يسير (هامش "الدرر والغرر").
(٧) في "ب" و"م": ((وكذا)).
(٨) "المبسوط": كتاب المناسك - باب المواقيت ١٦٩/٤ - ١٧٠ باختصار.
قسم العبادات
٢٠٢
حاشية ابن عابدين
ولو قرَنَ أو تمتّعَ جازَ وأساء، وعليه دمُ جبرِ،
[١٠٣٧٨] (قولُهُ: ولو قرَنَ أو تمتّعَ جاز وأساءَ إلخ) أي: صحَّ مع الكراهةِ للَنَّهي عنه، وهذا
ما مشى عليه في "التحفة"(١) و"غاية البيان" و"العناية"(٢) و"السِّراج" و"شرح الإسبيجابيِّ"
على "مختصر الطحاويّ".
واعلم أنَّه في "الفتح"(٣) ذكَرَ: ((أَنَّ قولهم: لا تمتُّعَ ولا قرانَ لِكِيٌّ يَحتمِلُ نفيَ الوجود،
ويؤيِّدُهُ أَنْهم جعلوا الإلمامَ الصحيحَ من الآفاقِيِّ مُبطِلاً تُتُّعَه، والمكِيُّ مُلِمٌّ بأهلِهِ فِيطُلُ تمتّعه، ويَحتمِلُ
تفيَ الحلِّ، بمعنى أَنَّه يصحُّ لكنّه يَأْتُمُ به النَّهي عنه، وعليه فاشتراطُهم عدمَ الإلمام لصحَّةِ التمتُّع بمعنى
أَنَّه شرطٌ لوجوده على الوجهِ المشروع الموجب شرعاً للشُّكر))، وأطال الكلامَ في ذلك،
والذي حَطَّ عليه كلامُهُ اختيارُ الاحتمالِ الأوَّلِ؛ لأنَّه مقتضى كلامِ أئمَّة المذهب، وهو أولى
بالاعتبارِ من كلام بعض المشايخ، يعني صاحب "التحفة" [٢/ق٤١٨/ب] وغيرَهُ، بل اختارَ
أيضاً منع المكِّيِّ من العمرةِ المجرّدة في أشهر الحجِّ وإنْ لم يَحُجَّ، وهو ظاهرُ عبارة
"البدائع"(٤)، وخالَفَهُ مَن بعده كصاحب "البحر"(٥) و"النهر"(٦) و"المنح"(٧) و"الشرنبلاليّ)(٨)
و "القاري" (٩)، واختاروا الاحتمالَ الثانيَ؛ لأنَّ إيجابَ دمِ الجبر فرعُ الصحَّة، ولِما في المتون
في باب إضافة الإحرام إلى الإِحرام من أنَّ المكِّيَّ إذا طافَ شوطاً للعمرة فأحرَمَ بحجِّ رفَضَهُ،
(١) "تحفة الفقهاء": كتاب الحج - باب الإحرام ٤١٢/١ .
(٢) "العناية": كتاب الحج - باب التمتع ٤٢٨/٢ (هامش "فتح القدير").
(٣) "الفتح": كتاب الحج - باب التمتع ٤٢٨/٢ .
(٤) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما بيان ما يحرم به ١٦٩/٢ .
(٥) "البحر": كتاب الحج - باب التمتع ٣٩٣/٢.
(٦) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق ١٤٤/ب - ١٤٥/أ.
(٧) "المنح": كتاب الحج - باب التمتع ق١٠٤ /ب.
(٨) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب القران والتمتع ٢٣٧/١ - ٢٣٨ (هامش "الدرر والغرر").
(٩) انظر "إرشاد الساري": باب التمتع - فصل في تمتع المكّي صـ١٨٢ - وما بعدها .
الجزء السابع
٢٠٣
باب التمتع
فإنْ لم يَرفِضْ شيئاً أجزأَهُ، قال في "الفتح"(١) وغيره: ((لأَنَّه أدَّى أفعالَهما كما التزَمَهما،
إلَّ أَنَّه منهيٌّ، والنَّهيُّ عن فعلٍ شرعيِّ لا يَمنَعُ تحقُقَ الفعلِ على وجهِ مشروعيَّةِ الأصل، غيرَ
١٩٧/٢ أنَّه يتحمَّلُ إِثْمَهُ كصيامٍ يوم النّحر بعد نذره)) اهـ. فهذا يُناقِضُ ما اختارَهُ في "الفتح"
أوَّلاً، أي: فإنَّ هذا تصريحٌ بأنّه يُتصوَّرُ قِرانُ المكْيِّ لكنْ مع الكراهةِ، وتمامُهُ
في "الشرنبلاليّة"(٢).
أقولُ: وقد كنتُ كتبتُ على هامشها بحثاً حاصلُهُ: ((أَنَّهم صرَّحُوا بأنَّ عدم الإلمام شرطٌ
لصحَّةِ التمتّعِ دون القِران، وأنَّ الإلمامَ الصحيحَ مُبطِلٌ للتمَتَّعِ دون القِران))، ومقتضى هذا أنَّ تمُتُّعَ
المكِّيِّ باطلٌ لوجودِ الإلمام الصحيح بين إحراميه، سواءٌ ساقَ الهدي أوْلا؛ لأنَّ الآفاقِيَّ إنما يصحُّ
إلمامُهُ إذا لم يَسُقُ الهدي وحَقَ؛ لأَنّه لا يبقى العَوْدُ إلى مَّة مُستحَقّاً عليه، والمكِيُّ لا يُتصوَّرُ منه
عدمُ العَوْدِ إلى مكَّةً لكونه فيها كما صرَّحَ به في "العناية"(٣) وغيرها، وفي "النهاية" و"المعراج"
عن "المحيط "(٤): ((أنَّ الإلمامَ الصحيحَ أنْ يَرجِعَ إلى أهله بعد العمرة ولا يكونَ العَوْدُ إلى العمرةِ
مُستحَقّاً عليه، ومن هذا قلنا: لا تمتُّعَ لأهلِ مكّةَ وأهلِ المواقيت)) اهـ. أي: بخلافِ القِران، فإنَّه
يُتصوَّرُ منهم؛ لأنَّ عدم الإلمام فيه ليس بشرطٍ.
ولعلَّ وجهَهُ أنَّ القِرانَ المشروعَ ما يكونُ بإحرامٍ واحدٍ للحجِّ والعمرة معاً، والإلمامَ الصحيحَ ما
يكونُ بين إحرامِ العمرة وإحرامِ الحجِّ، وهذا يكونُ في التمتّعِ دون القِران، فمِن هذا قلنا: إنَّ تُتُّعَ
المكِّيِّ باطلٌ دون قرانِهِ، وهذا قولٌ ثالثٌ لم أرَ مَن صرَّحَ به، لكنْ يدلُّ عليه تصريحُ "البدائع"(٥)
(١) "الفتح": كتاب الحج - باب إضافة الإحرام إلى الإحرام ٤٤/٣ باختصار.
(٢) انظر "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب القران والتمتع ٢٣٧/١ - ٢٣٨ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "العناية": كتاب الزكاة - باب التمتع ٤٣٢/٢ (هامش "فتح القدير").
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب المناسك - الفصل العاشر في التمتع ١/ق ١٨٠/ب بتصرف.
(٥) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأمّا بيان ما يحرم به ١٧١/٢.
قسم العبادات
٢٠٤
حاشية ابن عابدين
بعدمٍ تصوُّرِ تمتُّعِ المكِيِّ، وأمَّا قولُهُ في "الشرنبلاليّة"(١): ((إنَّه خاصٌّ فيمَن لم يَسُقِ الهديَ وحَلَقَ
دون مَن ساقَهُ أو لم يَسُقْهُ ولم يحلق؛ [٢/ق٤١٩/أ] لأنَّ إلمامَهُ حينئذٍ غيرُ صحيحٍ))، فغيرُ
صحيحٍ؛ لِما علمتَ من التصريح بأنَّ إلمامَهُ صحيحٌ ساقَ الهديَ أوْ لا، ويدلُّ عليه أيضاً
عبارةُ "المحيط" المذكورةُ، وكذا ما مرَّ(٢) من الفرعِ المذكور في باب إضافة الإِحرام،
فإِنَّه صريحٌ في عدمٍ بطلان قرانه، ثمَّ رأيتُ ما يدلُّ على ذلك أيضاً، وذلك ما في "النهاية"
عن "الأسرار" للإمام "أبي زيدِ الدّبُوسيّ"، حيث قال: ((ولا متعةَ عندنا ولا قرانَ لِمَن كان
وراءَ الميقات، على معنى أنَّ الدمَ لا يجبُ نسكاً، أمَّا التمتّعُ فإِنَّه لا يُتصوَّرُ للإلمام الذي يُوجَدُ
منه بينهما، وأمَّا القِرانُ فيكرهُ ويلزمُهُ الرَّفضُ؛ لأنَّ القِران أصلُهُ أنْ يَشرَعَ القارنُ
في الإحرامين معاً، والشُّروعُ معاً من أهلِ مكَّةَ لا يُتصوَّرُ إلَّ بخللٍ في أحدِهما؛ لأَنَّه إنْ جَمَعَ
بينهما في الحرم فقد أخَلَّ بشرطِ إحرامِ العمرة، فإنَّ ميقاتَهُ الحلُّ، وإِنْ أحرَمَ بهما من الحلِّ
فقد أخَلَّ بميقاتِ الحجَّةِ؛ لأنَّ ميقاتها الحرمُ، والأصلُ في ذلك أهلُ مكَّةَ، فلذا لم يُشرَعْ
في حقِّ مَن وراءَ الميقات أيضاً)) اهـ. أي: أنَّ مَن كان وراءَ الميقات - أي داخلَهُ - لهم حكمُ
أهلٍ مگَّة.
فهذا صريحٌ في أنَّ أهل مكَّةَ ومَن في حكمهم لا يُتصوَّرُ منهم التمتّعُ، ويُتصوَّرُ منهم القِرانُ
لكنْ مع الكراهةِ للإِخلالِ بميقاتِ أحدِ الإِحرامين، ثمَّ رأيتُ مثل ذلك أيضاً في "كافي الحاكم"(٣)
(قولُهُ: وأمَّا قولُهُ في "الشرنبلاليَّة": إنّه خاصٌّ بِمَن لم يَسُق الهديَ إلخ) عبارتُهُ: ((وما نْصَ عليه في
"البدائع" من أَنَّه لا يُتصوَّرُ التمتُّع من المكّيِّ؛ لِما أنّه يُشترَطُ لصحَّتِهِ أنْ لا يُلِمَّ بأهلِهِ إلماماً صحيحاً، والإلمامُ
موجودٌ منه قلت: هذا خاصٌّ بما أرادَهُ من إحدى صورتي التمتّع، وهو مَن لم يَسُق الهديَ إلخ)).
(١) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب القران والتمتع ٢٣٨/١ بتصرف (هامش "الدرر والغرر").
(٢) في أوَّل هذه المقولة.
(٣) انظر "المبسوط": كتاب المناسك - باب المواقيت ١٦٩/٤ بتصرف.
الجزء السابع
٢٠٥
باب التمتع
ولا يُجزِئُهُ الصَّومُ لو مُعسِراً.
(ومَن اعتَمَرَ بلا سَوْقٍ) هدٍ (ثُمَّ) بعدَ عمرتِهِ (عادَ إلى بلدِهِ).
الذي هو جمعُ كتبٍ ظاهر الرِّواية، ونصُّهُ: ((وإذا خرَجَ المكِّيُّ إلى الكوفةِ لحاجةٍ، فاعتمَرَ فيها
وحَجَّ من عامِهِ لم يكن متمتعاً، وإِنْ قرَنَ من الكوفة كان قارناً)) اهـ. ونقلَهُ في "الجوهرة"(١) معلَّلاً
مُوضَحاً، فراجعها.
وعلى هذا فقولُ المتون: ولا تمتُّعَ ولا قرانَ لمكِّيٌّ معناه نفيُ المشروعيَّةِ والحلِّ، ولا يُنافي عدمَ
التصوُّرِ في أحدهما دون الآخر، والقرينةُ على هذا تصريحُهم بعده ببطلانِ التمتّعِ بالإلمام الصحيح
فيما لو عادَ المتمتّعُ إلى بلده، وتصريحُهم في بابٍ إضافة الإحرام بأَنَّه إذا قرَنَ ولم يَرفِضْ شيئاً منهما
أجزأَهُ، هذا ما ظهَرَ لي، فاغتنمهِ، فإنَّك لا تجدُهُ في غيرِ هذا الكتاب، والله تعالى
أعلم بالصواب.
[١٠٣٧٩] (قولُهُ: ولا يُحرِئُهُ الصومُ لو مُعسِراً) لأنَّ الصوم إنما يقعُ بدلاً عن دمِ الشُّكر
لا عن دمٍ الجبر، "شرح اللباب"(٢).
[١٠٣٨٠] (قولُهُ: ثُمَّ بعد عمرتِهِ) فَيَّدَ به لأَنَّه لو عادَ بعدما طافَ لها الأقلَّ لا يَبطُلُ تمتُّعُه؛ لأنَّ
العود مُستحَقٌّ [٢/ق٤١٩ /ب] عليه؛ لأَنَّه ألَمَّ بأهلِهِ مُحرِماً بخلاف ما إذا طاف الأكثرَ، "بحر "(٣).
[١٠٣٨١) (قولُهُ: عادَ إلى بلدِهِ) فلو عاد إلى غيره لا يبطلُ تمتّعُه عند "الإِمام"، وسوَّيا بينهما،
"نهر " (٤).
(قولُهُ: لأَنَّه ألَمَّ بأهلِهِ مُحرِماً بخلاف ما إذا طافَ إلخ) قد يقال: إنَّه وإن لم يُستحَقَّ عليه العَوْدُ لكنَّه
مستحبٌّ لإتمامٍ باقي العمرة، تأمُّل.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب التمتع ٢٠٦/١ .
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب إضافة أحد النسكين - فصل في القضايا الكليّة صـ١٩٩ -.
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب التمتع ٣٩٥/٢ .
(٤) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق١٤٥/أ.
قسم العبادات
٢٠٦
حاشية ابن عابدين
وحَلَقَ (فقد أَمَّ) إلماماً صحيحاً، فبطَلَ تمتُّعُه (ومع سوقِهِ تمتِّعَ)
[١٠٣٨٢] (قولُهُ: وحَلَقَ) ظاهرُهُ أنَّ الحلق بعد العَوْدِ، ففيه تركُ الواجب عندهما والمستحبِّ
عند "أبي يوسف" كما مرَّ(١)، ولو حذَفَهُ لفُهِمَ مما قبله، قال في "البحر"(٢): ((ودخَلَ
في قوله: بعد العمرة الحلقُ، فلا بدَّ للبطلان منه؛ لأنّه من واجباتِها وبه التحلُّلُ، فلو عاد بعد طوافِها
قبل الحلقِ، ثُمَّ حَجَّ من عامِهِ قبل أنْ يحلقَ في أهلِهِ فهو متمتّعٌ؛ لأنَّ العَوْد مستحَقٌّ عليه عند مَن
جعَلَ الحرمَ شرطَ جوازِ الحلق، وهو "أبو حنيفة" و"محمَّدّ"، وعند "أبي يوسف" إنْ لم يكن
مُستحَقّاً فهو مستحبٌّ، كذا في "البدائع"(٣) وغيره)) اهـ.
(١٠٣٨٣) (قولُهُ: فقد ألَمَّ إلماماً صحيحاً) لأنَّ العَوْدَ لم يَبْقَ مُستحَقّاً عليه كما مرَّ(٤).
[١٠٣٨٤) (قولُهُ: فبطَلَ تمُعُهُ) أي: امتنَعَ التمتّعُ الذي أرادَهُ لفَقْدٍ شرطه، وهو عدمُ الإلمام
الصحیح.
[١٠٣٨٥) (قولُهُ: ومع سوقِهِ تمتّعَ) أي: لا يبطلُ تمتّعُه بِعَوْده عندهما خلافاً لـ "محمَّدٍ"؛
لأنَّ العَوْدِ مُستحَقٌّ عليه ما دام على نَّةِ التمتُّع؛ لأنَّ السَّوق يمنعُهُ من التحلّلِ، فلم يصحَّ إلمامُهُ، كذا
في "الهداية"(*). وفي قوله: ((ما دامَ)) إِماءٌ إلى أَنَّ لو بدا له بعدَ العمرة أنْ لا يَحُجَّ من عامِهِ كان
له ذلك؛ لأَنّه لم يُحرِمِ بالحجِّ بعدُ، وإذا ذَبَحَ الهديّ أو أمَرَ بذبحه وقَعَ تطوُّعاً، أمَّا إذا لم يَعُدْ
إلى بلده وأرادَ نحرَ الهدي والحجَّ من عامه لم يكن له ذلك، فلو(٦) فعَلَ وحَجَّ من عامه لَزِمَهُ دمُ
(قولُهُ: ولو حذَفَهُ لفُهِمَ إلخ) أي: أصلُ الحلق لا كونُهُ بعدَ العَوْد، فإنَّ هذا لا يفيدُهُ فعلُ العمرة.
(١) المقولة [١٠٣٥٨] قوله: ((أو حكماً بأنْ يُلِمَّ إلخ)).
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب التمتع ٣٩٥/٢ .
(٣) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأمّا بيان ما يحرم به ١٧٠/٢ .
(٤) المقولة [١٠٣٥٨] قوله: ((أو حكماً بأنْ يُلِمَّ إلخ)).
(٥) "الهداية": كتاب الحج - باب التمتع ١٥٨/١ .
(٦) في "ب" و"م": ((وإنْ)).
الجزء السابع
٢٠٧
باب التمتع
كالقارن.
(وإنْ طافَ لها أقلّ من أربعةٍ قبلَ أشهرِ الحجِّ وأَتَمَّها فيها وحَجَّ فقد تَمَتِّعَ،
ولو طافَ أربعةً قبلها لا) اعتباراً للأكثرِ.
(كوفيٌّ) أي: آفاقيٌّ.
١٩٨/٢ التمتّع ودٌ آخرُ لإحلالِهِ قبل يوم النَّحر، كذا في "المحيط"، "نهر "(١).
قال في "البحر"(٢): ((فالحاصلُ أَنَّه إذا ساقَ الهديَ فلا يخلو: إمَّا أنْ يتركَهُ إلى يوم النَّحر
أوْ لا، فإنْ ترَكَهُ إليه فتمتُّعُه صحيحٌ، ولا شيءَ عليه غيرَهُ، سواءٌ عاد إلى أهله أوْ لا، وإنْ تعجّلَ
ذبْحَهُ فإِمَّا أنْ يرجعَ إلى أهله أوْ لا، فإِنْ رجَعَ فلا شيءَ عليه مطلقاً سواءٌ حَجَّ من عامه أوْ لا،
وإنْ لم يرجع إليهم فإنْ لم يَحُجَّ من عامه فلا شيءَ عليه، وإِنْ حَجَّ منه لَزِمَهُ دمان: دُ المتعة ودمُ
الحلِّ قبل أوانه)).
[١٠٣٨٦] (قولُهُ: كالقارنِ) فإنّه لا يبطلُ قِرآنُهُ بِعَوْدِهِ، "نهر"(٣). لأنَّ عدم الإلمام غيرُ شرطٍ فيه
ـ(٤)
كما مرَّ(٤).
[١٠٣٨٧) (قولُهُ: وإنْ طافَ لها إلخ) قدَّمَ "الشارح" المسألةَ أوَّلَ الباب(٥)، وقدَّمنا الكلامَ
عليها.
[١٠٣٨٨] (قولُهُ: اعتباراً للأكثرِ) علّةٌ للمسألتين، "ط)" (٦).
[١٠٣٨٩] (قولُهُ: أي: آفاقيٌّ) [٢/ق٤٢٠/أ] أشارَ به إلى أنَّ ذِكْرَ الكوفيِّ مثالٌ، وأنَّ المرادَ به
مَن كان خارجَ الميقات؛ لأنَّ المكِّيَّ لا تَتُّعَ له كما مرَّ(٧).
(١) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق ١٤٥/أ.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب التمتع ٣٩٥/٢.
(٣) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق ١٤٥/أ.
(٤) المقولة [١٠٣٧٨] قوله: ((ولو قرن أو تمتع جاز وأساء إلخ)).
(٥) صـ١٨٩- وما بعدها "در".
(٦) "ط": كتاب الحج - باب التمتع ٥١٨/١ .
(٧) المقولة [١٠٣٧٨] قوله: ((ولو قرن أو تمتع جاز وأساء إلخ)).
قسم العبادات
٢٠٨
حاشية ابن عابدين
(خَلَّ مِن عمرتِهِ فيها) أي: الأشهرِ (وسكَنَ بمكّةَ) أي: داخلَ المواقيت (أو بصرةَ)
أي: غيرِ بلدِهِ (وحَجَّ) من عامِهِ (مُتمتّعٌ) لبقاءِ سَفَرِهِ.
[١٠٣٩٠) (قولُهُ: حَلَّ(١) من عمرتِهِ فيها) لأَنَّه لو اعتمَرَ قبلها لا يكونُ متمتّعاً اتفاقاً، "نهر "(٢).
[١٠٣٩١) (قولُهُ: أي: داخلَ المواقيت) أشارَ إلى أنَّ ذِكْرَ مَكَّةَ غيرُ قيدٍ، بل المرادُ هي أو ما
في حکمھا.
[١٠٣٩٢] (قولُهُ: أي: غيرِ بلدِهِ) أفاد أنَّ المراد مكانٌ لا أهلَ له فيه، سواءٌ أَنَّخَذَه داراً
- بأنْ نوى الإقامةَ فيه خمسةَ عشر يوماً - أوْ لا كما في "البدائع"(٣) وغيرها، وقَّدَ به لأَنَّه لو رجَعَ
إلى وطنه لا يكونُ متمتّعاً اتفاقاً أيضاً إنْ لم يكن ساقَ الهديَ، "نهر "(٤).
(١٠٣٩٣] (قولُهُ: لبقاءِ سفرِهِ) أمَّا إذا أقامَ بمكَّةً أو داخلَ المواقيت فلأَّه ترفَّقَ بنسكين في سفرٍ
واحدٍ في أشهرِ الحجِّ، وهو علامةُ التمتّع، وأمَّا إذا أقامَ خارجَها فذكَرَ "الطحاويُّ) (٥): ((أنَّ هذا
قولُ "الإِمام"، وعندهما لا يكونُ متمتّعاً؛ لأنَّ المتمتّع مَن كانت عمرتُهُ ميقاتيَّةً وحجَّتُهُ مكِيَّةً، وله
أنَّ حكم السَّفر الأوَّلِ قائمٌ ما لم يَعُدْ إلى وطنه، وأثرُ الخلاف يظهرُ في لزوم الدَّم))، وغَلَّطَهُ
"الجصَّاص" في نقلِ الخلاف، بل يكونُ متمتّعاً اتفاقاً؛ لأنَّ "محمَّدً" ذكَرَ المسألةَ ولم يَحْكِ فيها
خلافاً، قال "أبو اليُسر": ((وهو الصوابُ))، وفي "المعراج": ((أَنَّه الأصحُ))، لكنْ قال
في "الحقائق"(٦): ((كثيرٌ من مشايخنا قالوا: الصوابُ ما قالَهُ "الطحاويُّ"، وقال "الصفَّارُ": كثيراً ما
جَرَّبنا "الطحاويّ" فلم نجده غالطاً، وكثيراً ما جَرَّبنا "الجصَّاص" فوجدناه غالطاً))، قال
"الزيلعيُّ))(٧): ((والمسألةُ الآتيةُ تؤَيِّدُ ما حكاه "الطحاويُّ"))، "نهر "(٨).
(١) في "ب" : ((وحلَّ)).
(٢) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق١٤٥ /ب .
(٣) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأمّا بيان ما يحرم به ١٧١/٢.
(٤) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق ١٤٥/ب .
(٥) "مختصر الطحاوي": كتاب الحج - باب ذكر الحج والعمرة صـ ٦١ -.
(٦) "الحقائق شرح المنظومة النسفية": كتاب الحج ق ٢٥/أ نقلاً عن "الفوائد الظهيرية" و"جامع قاضيخان".
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الحج - باب التمتع ٥٠/٢ بتصرف.
(٨) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق ١٤٥/أ.
الجزء السابع
٢٠٩
باب التمتع
(ولو أفسَدَها ورجَعَ من البصرةِ) إلى مكّةَ (وقضاها وحَجَّ لا) يكونُ مُتمتّعاً؛ لأنّه
كالمكِّيِّ (إلاّ إذا ألَمَّ بأهلِهِ ثمَّ) رجَعَ و (أتى بهما).
[١٠٣٩٤] (قولُهُ: ولو أفسَدَها) أي: في أشهر الحجِّ، بأنْ جامَعَ قبل أفعالِها، أمَّا لو أفسَدَها
قبلها، ثمَّ خرَجَ قبل أشهرِ الحجِّ وقضاها فيها وحَجَّ من عامه كان متمتِعاً اتفاقاً، "نهر "(١).
[١٠٣٩٥) (قولُهُ: ورجَعَ من البصرةِ) الأولى أن يقول: إلى البصرة؛ لأَنَّه كان في مكَّةً حين
شرَعَ بالعمرة، وعَّرَ في "الملتقى"(٢) بقوله: ((ولو أفسَدَها وأقامَ ببصرةَ))، وعبَّرَ في "الكنز "(٣)
بقوله: ((وأقامَ بمكّةَ))، فعُلِمَ أنَّ كلاً من البلدين غيرُ قيدٍ، ولذا قال في "النهر"(٤): ((والمرادُ موضعٌ
لا أهلَ له فيه، دلَّ على ذلك قوله: إلاّ إذا أَلَمَّ بأهله)).
[١٠٣٩٦] (قولُهُ: لأَنَّه كالمكِّيِّ) لأنَّ سفره انتهى بالفاسدةِ، وصارت عمرتُهُ الصحيحةُ مكِيَّةً،
ولا تمتُّعَ لأهلٍ مكَّةَ، "نهر" (٥).
[١٠٣٩٧) (قولُهُ: إلاّ إذا أَلَمَّ بأهلِهِ) أي: بعدما [٢/ق٤٢٠ /ب] أفسَدَها وحَلَّ منها، "نهر "(٦).
وقولُهُ: ((وأتى بهما)) أي: بقضاءِ العمرة وبأداءِ الحجِّ، "شرنبلاليّة"(٧). وإذا لم يُلِمَّ بأهله فإِنْ أقامَ
بمكّةَ فهو بالاتّفاق، وإِنْ أقامَ ببصرةَ فهو غيرُ متمتّعٍ عنده، وقالا: متمتّعٌ؛ لأنّه أنشأَ سفراً، وقد ترفَّقَ
فيه بنسكين، وله أنّه باقٍ على سفره ما لم يَرجِعْ إلى وطنه كما في "الهداية(٨)، وهذا يُؤَيِّدُ ما
مرَّ(٩) عن "الطحاويِّ".
(١) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق ١٤٥/أ بتصرف يسير.
(٢) "ملتقى الأبحر": كتاب الحج - باب القران والتمتع ٢٢١/١.
(٣) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الحج - باب التمتع ١٢٢/١.
(٤) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق١٤٥ /ب.
(٥) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق ١٤٥ /ب.
(٦) "النھر": كتاب الحج - باب التمتع ق١٤٥ /ب.
(٧) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب القران والتمتع ٢٣٨/١-٢٣٩ (هامش "الدرر والغرر").
(٨) "الهداية": كتاب الحج - باب التمتع ١٥٩/١.
(٩) المقولة [١٠٣٩٣] قوله: ((لبقاء سفره)).
قسم العبادات
٢١٠
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه سفرٌ آخرُ، ولا يضُرُّ كونُ العمرة قضاءً عمَّا أفسَدَهُ (وأيُّ) النُّسكين (أفسَدَهُ)
المتمتّعُ (أَتَمَّهُ بلا دمٍ) للتَّمتُّع، بل للفساد.
﴿بابُ الجنايات﴾
الجنايةُ هنا ما تكونُ حرمتُهُ ..
٠٠
[١٠٣٩٨) (قولُهُ: لأَنَّه سفرٌ آخرُ) أي: لأنَّ رجوعَهُ بعد الإلمام إنشاءُ سفرٍ آخرَ للحجِّ والعمرة،
فيكونُ متمتّعاً لبطلانِ سفره الأوَّلِ، ولا يضُرُّ تَتَّعَه كونُ عمرته قضاءً.
[١٠٣٩٩] (قولُ: أَتَمَّهُ) أي: مضى فيه؛ لأَنّه لا يمكنُهُ الخروجُ عن عُهْدة الإحرام إلاَّ بالأفعالِ،
"هداية"(١).
[١٠٤٠٠] (قولُهُ: بلا دمٍ للتمتُّعِ) لأَنَّه لم يترفّقْ بأداءِ نسكين صحيحين في سفرةٍ واحدةٍ،
"هداية"(٢).
[١٠٤٠١) (قولُهُ: بل للفسادِ) أي: بل عليه دمٌ لِما أفسدَهُ، وهو دمُ جنايةٍ، فالمنفيُّ دمُ الشُّكر.
﴿بابُ الجنايات﴾
لَمَّا فرَغَ من ذكرِ أقسام المحرمين وأحكامِهم شرَعَ في بيان عوارضهم باعتبار الإحرامِ
والحرمِ من الجنايات والفواتِ والإِحصارِ، وقدَّمَ الجناياتِ لأنَّ الأداءَ القاصرَ أفضلُ من العدم.
وهي ما تجنيه من شرِّ تسميةً بالمصدر، مِن جَنَّى عليه جنايةً، وهو عامٌّ، إلاَّ أنَّه خُصَّ بما يَحرُمُ
من الفعل، وأصلُهُ مِن حَنْيِ الّمٍ، وهو أخذُهُ من الشَّجرِ كما في "المغرب"(٢)، والمرادُ هنا خاصٌّ
منه، وهو ما ذكرَهُ "الشارح"(٤)، وجَمَعَها باعتبارِ أنواعها، "نهر"(٥).
(١) "الهداية": كتاب الحج - باب التمتع ١٥٩/١.
(٢) "الهداية": كتاب الحج - باب التمتع ١٥٩/١.
(٣) "المغرب": مادة ((جني)).
(٤) قوله: ((وهو ما ذكره الشارح)) إدراجٌ من ابن عابدين في نص "النهر"، وعليه فالمراد بالشارح الحصكفيّ.
(٥) "النهر": كتاب الحج - باب الجنايات ق ١٤٦/أ بتصرف.
الجزء السابع
٢١١
باب الجنايات
بسببِ الإِحرام أو الحَرَمِ، وقد يجبُ بها دمانٍ أو دٌ أو صومٌ أو صدقةٌ، ..
[١٠٤٠٢) (قولُهُ: بسببِ الإحرامِ أو الحرمِ) حاصلُ الأوَّلِ سبعةٌ نظَمَها الشيخ "قطب الدِّين"
بقوله:
إزالةُ الشَّعْرِ وَقَصُّ الظُّفْرِ
مُحَرَّمُ الإحرام يا مَن يدري
والطّيبُ والدُّهنُ وصَيْدُ البَرِّ اهـ
واللُّبسُ والوطءُ مَعَ الدَّواعي
زادَ في "البحر"(١) ثامناً، وهو: ((تركُ واجبٍ من واجباتِ الحجِّ))، فلو قال: مُحرَّمُ الإحرامِ
تركُ واجبٍ إلخ كان أحسن.
وحاصلُ الثاني التعرُّضُ لصيد الحرم وشجره، قال في "البحر"(٢): ((وخرَجَ بقوله بسببِ إلخ
١٩٩/٢ ذكرُ الجماع بحضرة النساء؛ لأَنَّه منهيٌّ عنه مطلقاً، فلا يُوجِبُ الدمَ))، قال "ط)"(٣): ((وفيه
أنَّ ذكرَهُ إِنما نُهِيَ عنه مطلقاً بحضرة مَن لا يجوزُ قربانُهُ، أمَّا الحلائلُ فلا يمنعُ منه إلاّ المحرم، وهو
داخلٌ فيما تكونُ [٢/ق ٤٢١ /أ] حرمته بسببِ الإحرام وإنْ كان لا يجبُ عليه شيءٌ)).
[١٠٤٠٣) (قولُهُ: وقد يجبُ بها دمان) كجنايةِ القارن والمتمتّع الذي ساقَ الهديَ بعد
أنْ تَلَّسَ بإحرامِ الحجِّ، "ط)(٤).
[١٠٤٠٤] (قولُهُ: أو دمٌ) كأكثرِ جنايات المفرد.
[١٠٤٠٥] (قولُهُ: أو صومٌ أو صدقةٌ) أو فيهما للتخيير، وذلك فيما إذا جنى على الصَّيدِ،
﴿بابُ الجنايات﴾
(قولُهُ: أو فيهما للتَّخبير، وذلك فيما إذا جَنَى إلخ) في "السنديّ": ((لا وجوب للصَّوم إلاّ على سبيل
التَّخيير فيه وفي الدَّم والصَّدقة إلاّ في أمرين: أحدهما فيما إذا ارتكب محظورَ الإحرام لعذرٍ من مرضٍ،
(١) "البحر": كتاب الحج - باب الجنايات ٢/٣.
(٢) "البحر": كتاب الحج - باب الجنايات - فصل ١٦/٣ بتصرف.
(٣) "ط": كتاب الحج - باب الجنايات ٥١٩/١.
(٤) "ط": كتاب الحج - باب الجنايات ٥١٩/١.
قسم العبادات
٢١٢
حاشية ابن عابدين
فَفَصَّلَها بقوله: (الواجبُ دمٌّ على مُحرِمٍ بالغٍ) فلا شيءَ على الصَّبيِّ خلافاً
لـ "الشافعيّ".
أو تطَّبَ، أو لَبِسَ، أو حَلَقَ بعذرٍ، فُيُخَيَّرُ بين الذَّبح والتصدُّقِ والصيام على ما سيأتي(١)،
أو أنَّ الثانية فقط للتخييرِ، فُيُخيَّرُ بين الصومِ والصدقة في نحوٍ ما لو قَتَلَ عصفوراً، وفي
"الهداية"(٢): ((وكلُّ صدقةٍ في الإحرام غيرِ مقدَّرةٍ فهي نصف صاعٍ من بُرِّ إلاَّ ما يجبُ بقتل
القملة والجرادة)) اهـ.
زاد الشُّرَّحُ: أو بإزالةِ شَعَراتٍ قليلةٍ، لكنْ أراد بالصدقةِ هنا الأعمَّ بدليل قوله في "شرح
الملتقى"(٣): ((أو صدقةٌ ولو ربعَ صاعٍ بقتلٍ حمامةٍ، أو تمرٌ بقتلِ جرادةٍ)).
[١٠٢٠٦) (قولُهُ: ففصَّلَها) أي: فلمَّا اختلَفَتْ أنواعُها فصَّلَها، "ط"(٤). فالفاءُ تفريعيَّةٌ.
[١٠٤٠٧) (قولُهُ: الواجبُ دٌ) فسَّرَهُ "ابن ملكٍ" بالشَّة، وأشار في "البحر"(٥) إلى سرِّهِ بقوله:
((إِنَّ سُبْعَ البدنة لا يكفي في هذا البابِ بخلاف دمِ الشُّكر))، لكنْ قال(٦) بعده فيما لو أفسَدَ حجَّهُ
بجماعٍ في أحدِ السَّبِيلين: ((إِنَّه يقومُ الشِّركُ في البدنة مَقامَ الشَّة، فليتأمَّل)) اهـ "شرنبلاليَّة"(٧).
قال تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَيِضَّا أَوْبِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَّةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْنُسٍُ﴾ [ البقرة -١٩٦]،
فالصِّيام ثلاثةُ أَيَّامٍ، والصَّقة على سنَّةٍ مساكين لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، والنّسُك هو الدَّم الثاني فيما
إذا جنى على الصَّيد، فيُخيّرُ بين أنْ يشتريَ بقيمته هدياً أو طعاماً للمساكين، أو يصومَ عن طعامٍ كلِّ
مسكين يوماً)).
(١) صـ ٢٥٨ - وما بعدها "در".
(٢) "الهداية": كتاب الحج - باب الجنايات ١٦٠/١.
(٣) "الدر المنتقى": كتاب الحج - باب الجنايات ٢١٩/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) "ط": كتاب الحج - باب الجنايات ٥١٩/١.
(٥) "البحر": كتاب الحج - باب الجنايات ٤/٣.
(٦) "البحر": كتاب الحج - باب الجنايات ١٦/٣.
(٧) "الشرنبلالية": كتاب الحج - باب الجنايات ٢٣٩/١ بتصرف (هامش "الدرر والغرر").
الجزء السابع
٢١٣
باب الجنايات
(ولو ناسياً) أو جاهلاً أو مُكرّهاً،.
قلت: وفي أضحيةِ "القُهُستانيِّ))(١): ((لو ذَحَ سبعةٌ عن أضحيةٍ ومتعةٍ وقِرانٍ وإحصارِ وجزاءٍ
الصيد أو الحلقِ والعقيقةِ والتطوُّعِ فإنَّه يصحُّ في ظاهر الأصول، وعن "أبي يوسف": الأفضلُ
أنْ تكونَ من جنسٍ واحدٍ، فلو كانوا متفرِّقين وكلُّ واحدٍ متقرِّبٌ جاز، وعن "أبي حنيفة"(٢)
أَنَّه يكرهُ كما في "النظم")) اهـ.
ثمَّ رأيتُ بعض المحشِّين قال: ((وما في "البحر" مناقضٌ لِما ذكرَهُ هو في بابِ الهدي:
أنَّ سُبعَ البدنة يُجزي، وكذلك أغلبُ كتبِ المذهب والمناسك مصرِّحةٌ بالإجزاء)) اهـ، فافهم.
( تنبيهٌ )
في "شرح النقاية" لـ "القاري"(٢): ((ثُمَّ الكفَّاراتُ كلُّها واجبةٌ على التراخي، فيكونُ مؤدِّياً
في أيِّ وقتٍ، وإنما يتضيَّقُ عليه الوجوبُ في آخرِ عمره في وقتٍ يغلبُ على ظنّه أَنَّه لو لم يُؤدِّه
لغاتَ، فإِنْ لم يُؤَدِّ فيه حَتَّى مات أَثِمَ وعليه الوصيّةُ [٢/ق٤٢١/ب] به، ولو لم يُوْصِ لم يجب
على الورثةِ، ولو تبرَّعُوا عنه جاز إلاّ الصومَ)).
[١٠٤٠٨) (قولُهُ: ولو ناسياً إلخ) قال في "الباب"(٤): ((ثُمَّ لا فرقَ في وجوبِ الجزاء بين ما
إذا جنى عامداً أو خاطئاً، مبتدئاً أو عائداً، ذاكراً أو ناسياً، عالِماً أو جاهلاً، طائعاً أو مُكرّهاً، نائماً
أو منتبهاً، سكرانَ أو صاحياً، مغمىًّ عليه أو مُقِيقاً، مُوسِراً أو مُعسِرً، بمباشرتِهِ أو مباشرةٍ غيره بأمرٍهٍ))،
(قولُهُ: وفي أضحيةِ "القهستانيِّ": لو ذَبَحَ سبعةٌ عن أضحيةٍ ومتعةٍ وقِرانٍ وإحصارِ وجزاءِ الصَّيد
أو الحَلْقِ والعقيقةِ والتطوُّع إلخ) عبارة "القهستانيّ" بـ ((أو)) في الأخير، وجميعُ ما قبله بالواو.
(قولُهُ: أو مباشرةٍ غيرِهِ بأمرِهِ) أو بغيرِ أمرِهِ كما في "اللباب"، ويدلُّ لذلك أنَّ الارتفاق حصَلَ له.
(١) "جامع الرموز": كتاب الأضحية ٢٠٢/٢.
(٢) في النسخ جميعها: ((عن أبي يوسف))، والصواب ما أثبتناه كما في "جامع الرموز".
(٣) "شرح النقاية": كتاب الحج - فصل في الجنايات ٥٠٣/١.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الجنايات صـ٢٠٠ -.
قسم العبادات
٢١٤
حاشية ابن عابدين
قال شارحُهُ "القاري"(١): ((وقد ذكَرَ "ابن جماعةً" عن "الأئمَّة الأربعة": أنَّه إذا ارتكَبَ محظورَ
الإحرام عامداً يأثمُ، ولا تُخرِجُهُ الفدية والعزم عليها عن كونه عاصياً، قال "النوويُّ"(٢): وربما
ارتكَبَ بعضُ العامَّةِ شيئاً من هذه المحرَّماتِ وقال: أنا أفدي متوهِّماً أَنَّه بالتزامِ الغداء يتخلّصُ
من وبالِ المعصية، وذلك خطأٌ صريحٌ وجهلٌ قبيحٌ، فإنّه يحرِّمُ عليه الفعلُ، فإذا خالَفَ أَثِّمَ ولزمته
الفديةُ، وليست الفديةُ مُبيحةً للإقدام على فعلِ المحرَّم، وجهالةُ هذا كجهالةٍ مَن يقول: أنا أشربُ
الخمرَ وأزني والحدُّ يطهِّرُني، ومَن فعل شيئاً مما يُحكَمُ بتحريمه فقد أخرَجَ حجَّهُ من أنْ يكون
مبروراً اهـ.
وقد صرَّحَ أصحابنا بمثلِ هذا في الحدود فقالوا: إنَّ الحدَّ لا يكونُ طُهْرةً من الذنب،
ولا يعملُ في سقوط الإثم، بل لا بدَّ من التوبة، فإنْ تابَ كان الحدُّ طُهْرةً له وسقَطَتْ عنه العقوبةُ
الأخرويَّةُ بالإجماع، وإلاَّ فلا، لكنْ قال صاحب "الملتقط" في كتاب الأيمان: إنَّ الكفّارة تَرفَعُ الإِثْمَ
وإنْ لم توجد منه التوبةُ من تلك الجناية اهـ.
ويؤيِّدُهُ ما ذكرَهُ الشيخُ "نجمُ الدين النسفيُّ" في تفسيره "التيسير"(٣) عند قوله تعالى: ﴿فَمَنِ
اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة - ١٧٨]: أي: اصطادَ بعد هذا الابتداء، قيل: هو
العذابُ في الآخرة مع الكفّارة في الدنيا إذا لم يُتُبْ منه، فإِنَّها لا ترفعُ الذنبَ عن المصرِّ اهـ وهذا
تفصيلٌ حسنٌ وتقييدٌ مستحسنٌ، يُجمَعُ به بين الأدلّة والرِّوايات، والله أعلمُ)) اهـ (٤). أي: فُيُحمَلُ
(قولُهُ: ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: اصطادَ بعد هذا الابتداءِ) لعلَّه الابتلاءُ كما يفيدُهُ صدر الآية.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب الجنايات صـ٢٠٠ -.
(٢) انظر "حاشية الهيتميّ" على "إيضاح النوويّ": فصل في محرّمات الإحرام السبعة صـ٢١١ -.
(٣) اسمه "التيسير في التفسير": لأبي حفص عمر بن محمد، نجم الدين النسفيّ(ت٥٣٧هـ). ("كشف الظنون" ٥١٩/١،
"الفوائد البهية" صـ ١٤٩-).
(٤) هنا تنتهي عبارة الملاّ علي القاري في "شرح اللباب".
الجزء السابع
٢١٥
باب الجنايات
ما في "الملتقط" على غيرِ المصرِّ، وما في غيرِهِ على المصرِّ، وقد ذكَرَ هذا التوفيقَ العلاَّمة "نوح"
في "حاشية الدرر".
( تتمَّةٌ )
يُستثنى من الإطلاق المارِّ(١) في وجوبِ الجزاء ما في "اللباب"(٢): ((لو ترَكَ شيئاً
[٢/ ق٤٢٢/أ] من الواجباتِ بعذرٍ لا شيءَ عليه على ما في "البدائع"(٣)، وأطلَقَ بعضهم
وجوبَهُ فيها إلاَّ فيما ورَدّ النصُّ، وهي تركُ الوقوف بمز دلفةً، وتأخيرُ طوافِ الزِّيارة عن وقته،
وتركُ الصَّدَرِ للحيض والّفاس، وتركُ المشي في الطواف والسعي، وتركُ السعي، وتركُ الحلق
لعلَّةٍ في رأسِهِ)) اهـ.
لكنْ ذَكَرَ "شارحه"(٤) ما يدلُّ على أنَّ المراد بالعذرِ ما لا يكونُ من العباد، حيث قال عند
قول "اللباب": ((ولو فاتَّهُ الوقوفُ بمزدلفةً بإحصارِ فعليه دمٌ)): ((هذا غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ الإحصار
من جملةِ الأعذار، اللهمَّ(٥) إلاَّ أن يقال: إنَّ هذا مانعٌ من جانبِ المخلوق، فلا يُؤثِّرُ، ويدلُّ له ما
في "البدائع"(٦) فيمن أُحصِرَ بعد الوقوف حتَّى مَضَتْ أَيَّامِ النَّحر ثمَّ خُلَّ سبيلُهُ: أنَّ عليه دماً لتركِ
الوقوف بمز دلفةَ، ودماً لتركِ الرَّمي، ودماً لتأخير طواف الزِّيارة)) اهـ. ومثلُهُ في إحصار "البحر)"(٧)،
٢٠٠/٢ وسيأتي(٨) توضيحُهُ هناك إن شاء الله تعالى.
(١) صـ ٢١١ - وما بعدها "در".
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب الجنايات - فصل في الجنايات في الوقوف بالمزدلفة صـ٢٣٩ -.
(٣) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما واجبات الحج ١٣٤/٢.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب الجنايات - فصل في الجنايات في الوقوف بالمزدلفة صـ٢٣٩ -.
(٥) ((اللهم)) ليست في "ب" و"م".
(٦) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما بيان حكم المحرم ١٧٦/٢ بتصرف.
(٧) "البحر": كتاب الحج ٦٠/٣.
(٨) المقولة [١٠٨٧٨] قوله: ((ولا إحصار بعد ما وقف بعرفة)).
قسم العبادات
٢١٦
حاشية ابن عابدين
فَيَجِبُ على نائمٍ غَطَّى رأسَهُ (إِنْ طَيَّبَ عُضْوً(١) كاملاً - ولو فمَهُ.
[١٠٤٠٩] (قولُهُ: فيجبُ) تفريعٌ على ما يُفهَمُ من المقام مِن عدم اشتراطِ الاختيار الذي أفادَهُ
ذكرُ الناسي والمكره، ووجهُ الوجوب أنَّ الارتفاق حصَلَ للنائم، وعدمُ الاختيار أسقَطَ الإِثمَ
عنه كما إذا أتَلَفَ شيئاً، "منح"(٢)، "ط)" (٣).
[١٠٤١٠] (قولُهُ: غَطَّى رأسَهُ) بالبناءِ للفاعل أو المفعول.
[١٠٤١١) (قولُهُ: إِنْ طَيّبَ) أي: المحرمُ ((عضواً))(٤) أي: من أعضائِهِ كالفخذ والسَّاق
والوجهِ والرَّاس لتكامُلِ الجناية بتكامِلِ الارتفاق. والطّيْبُ: جسمٌ له رائحةٌ مستلذّةٌ كالزَّعْفَران
والبنفسج والياسمين ونحو ذلك.
وعُلِمَ من مفهومٍ شرطِهِ أَنَّه لو شَمَّ طِيْباً أو ثماراً طَيِّيةً لا كفَّارة عليه وإِنْ كُرِهَ، وَقَيَّدَ بالمحرم
لأنَّ الحلال لو طَيّبَ عضواً ثُمَّ أحرَمَ، فانتقَلَ منه إلى آخرَ فلا شيءَ عليه اتفاقاً، وقَّدنا بكونه
من أعضائه لأَنَّه لو طَيّبَ عضوَ غيره أو ألبَسَهُ المخيطَ منه فلا شيء عليه إجماعاً كما
في "الظهيريَّةِ"(٥)، "نهر " (٦).
[١٠٤١٢) (قولُهُ: كاملاً) لأنَّ المعتبر الكثرةُ، قال "ابن الكمال" في "شرح الهداية":
((واختلَفَ المشايخُ في الحدِّ الفاصلِ بين القليل والكثير لاختلافِ عبارات "محمَّدٍ"، ففي بعضِها
(١) في "د" زيادة: (( (قوله: عضواً) قال في "الدرر": كالْرأس والسَّاق والفخذ ونحوها انتهى. وكاليدِ كما
في "المبسوط"، والوجهِ كما في "النهر". واللحيةُ بمنزلةٍ عضوٍ كاملٍ كما في البرجنديِّ، شيخ إسماعيل)).
(٢) "المنح": کتاب الحج - باب اجنایات ١/ق١٠٤/ب.
(٣) "ط": كتاب الحج - باب الجنايات ٥١٩/١.
(٤) في "د" زيادة: ((قال في "البحر": لو قال المصنّف - أي: صاحب "الكنز" - : عضوَهُ بالإضافة كان أولى؛ لِما
في "الفتاوى الظهيريَّة": وإذا ألبَسَ المحرمُ مُحرِماً أو حلالاً مَخِيْطاً أو طيَِّهُ بطيبٍ فلا شيء عليه بالإجماع، وكذلك
إذا قتَلَ قملةً غیرِهِ انتھی)).
(٥) "الظهيرية": كتاب الحج - الفصل الرابع في الإحصار والجنايات ق ٧٠/أ.
(٦) "النهر": كتاب الحج - باب الجنايات ق ١٤٦/أ بتصرف يسير.