النص المفهرس

صفحات 501-520

الجزء السادس
٤٩٧
كتاب الحج
(للآفاقيِّ) غيرِ الحائضِ (والحَلْقُ أو النّقصيرُ، وإنشاءُ الإحرامِ.
[٩٦٦٥] (قولُهُ: لآفاقيٌّ(١)) اعترَضَ "النوويُّ" في "التهذيب"(٢) على الفقهاء في ذلك: ((بأنَّ
الآفاقَ النواحي، واحدُهُ: أُقُقٌ بضمَّتين ويإسكان الفاء، والنّسبةُ إليه أُقُقِيٌّ؛ لأنَّ الجمع إذا لم يُسَمَّ به
فالّسبةُ إلى واحده))، وأجابَ في "كشف الكشّاف(٢): ((بأنّه صحيحٌ؛ لأَنَّه أُرِيدَ به الخارجيُّ،
أي: خارج المواقيتِ، فكان بمنزلةِ الأنصاريِّ))، وتمامُهُ في "شرح ابن كمال" و"القُهُستانِّ"(٤).
[٩٦٦٦] (قولُهُ: غيرِ الحائضِ) لأنَّ الحائض يسقطُ عنها كما سيأتي(٥).
[٩٦٦٧] (قولُهُ: والحلقُ أو التقصيرُ أي: أحدُهما، والحلقُ أفضلُ للرجل، وفيه أنَّ هذا شرطٌ
للخروج من الإحرام، والشَّرْطُ لا يكونُ إِلاَّ فرضاً، وأجاب في "شرح اللباب" (٦): ((بأنَّ وجوبَهُ
من حيث إيقاعُهُ في الوقت المشروع، وهو ما بعد الرَّمي في الحجِّ، وبعد السَّعي في العمرة)).
(قولُهُ: فكان بمنزلةِ الأنصاريِّ) أي: المنسوبِ للأنصار؛ لأنَّ هذا الجمعَ بالاشتهار، وغلبةُ الاستعمال
يأخذُ حكمَ التَّسمية به، فيجوزُ النّسبة إليه بعد ذلك، فكذا يقالُ في الآفاق بمعنى الخارجين، والآفاقيِّ
بمعنى الخارجيِّ.
(قولُهُ: و"القهستانيّ") عبارتُهُ: ((ولناصر الفقهاء أن يقول: لا نسلّمُ أنَّ الآفاق جمعٌ حَتَّى وحَبَ ردُّهُ
في النّسبة إلى الواحد، فعن "سيبويه" أنَّ الأَفْعالَ للواحد، قال بعضُ العرب: هو أنعامٌ كما في "الفائق"
وغيره، ولو سُلَّمَ أَنَّه جمعٌ فِلِمَ لا تكونُ الياءُ للوحدة كما قالوا في روميٍّ؟ فإِنَّها ليست للنّسبة، ولو سُلَّمَ أنّها
للنّسبة فالرَّدُّ غيرُ واجبٍ، فإِنَّهم أرادوا بالآفاقِ الخارجين وبالآفاقيِّ الخارجيَّ، وهذا معنىٌ آخرُ له لو رُدَّ
إلى الأفق لم يُفهَمْ منه ذلك، وصار كالأنصاريِّ على ما نقَلَ صاحب "الكشف" عن "الزمخشريِّ")) اهـ.
(١) في "م": ((للآفاقي)).
(٢) "تهذيب الأسماء واللغات": ٩/٢.
(٣) هو "الكشف على كشَّاف الزمخشري": لأبي حفص عمر بن عبد الرحمن بن عمر، سراج الدين القزويني الفارسي
(ت ٧٤٥هـ). ("كشف الظنون" ١٤٨٠/٢، "هدية العارفين" ٧٨٩/١، "الأعلام" ٤٩/٥).
(٤) انظر "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٣٥/١.
(٥) المقولة [١٠٢٣٣] قوله: ((إلا على أهل مكة)).
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب فرائض الحج صـ٤٨ -.

قسم العبادات
٤٩٨
حاشية ابن عابدين
من الميقات، ومَدُّ الوقوفِ بعرفةَ إلى الغروب) إِنْ وقَفَ نهاراً (والبَداءةُ بالطَّوافِ من
الحَجَرِ الأسود) على الأشبهِ لمواظيتِهِ عليه الصَّلاة والسَّلام، وقيل: فرضٌ،
قلت: وفيه أنَّ هذا واجبٌ آخرُ سيأتي(١)، فالأحسنُ الجواب بأنَّه لا يلزمُ من توقُّفِ الخروج
من الإِحرام عليه أنْ يكون فرضاً قطعيّاً، فقد يكونُ واجباً كتوقُّفِ [٢/ق ٣٦٠/أ] الخروج الواجب
من الصلاة على واجبِ السلام، تأمَّل. ثمَّ رأيتُ في "الفتح"(٢) قال: ((إِنَّ الحلق عند "الشافعيِّ"
غيرُ واجبٍ، وهو عندنا واجبٌ؛ لأنَّ التحلُّلَ الواجب لا يكونُ إلَّ به))، ثمَّ قال بعد كلامٍ: ((غيرَ
أنَّ هذا التأويل ظنِيٌّ، فيثبُتُ به الوجوبُ لا القطع)).
[٩٦٦٨] (قولُهُ: من الميقاتٍ) يشملُ الحرمَ للمكِّيِّ ونحوه كمتمتّعٍ لم يَسُق الهديَ، "ط"(٣).
والتقييدُ به للاحتراز عمَّا بعده، وإلاَّ فيجوزُ قبله، بل هو أفضلُ بشروطه كما في "شرح اللباب " (٤).
[٩٦٦٩] (قولُهُ: إلى الغروبِ) لم يَقُل: من الزَّوال لأنَّ ابتداءَهُ من الزَّوال غيرُ واجبٍ، وإنما
الواجبُ أنْ يَمُدَّه بعد تحقَّقِهِ مطلقاً إلى الغروب كما أفادَهُ في "شرح اللباب"(٥).
[٩٦٧٠] (قولُهُ: إِنْ وقَفَ نهاراً) أمَّا إذا وقَفَ ليلاً فلا واجبَ في حقّهِ، حتّى لو وقَفَ ساعةً
لا يلزمُهُ شيءٌ كما في "شرح اللباب" (٦)، نعم يكونُ تاركاً واجبَ الوقوف نهاراً إلى الغروب.
[٩٦٧١) (قولُهُ: على الأشبهِ) ذكَرَ في "المطلب الفائق شرح الكنز(٧): ((أنَّ الأصحَّ أنّهَ شرطٌ))،
(قولُهُ: نعم يكونُ تاركاً واجبَ الوقوف إلخ) مقتضى كونِهِ تاركاً لواجبِ الوقوف نهاراً
إلى الغروب أنْ يكون المدُّ واجباً، سواءٌ وقَفَ نهاراً أو ليلاً؛ لأَنَّه إذا وقَفَ ليلاً لا يتأتّى له الإتيانُ
بالواجب، فيتقرَّرُ الوجوبُ في ذمَّتِهِ، فيكونُ النَّقييدُ بوقوفه نهاراً اتّفاقِيّاً.
(١) المقولة [٩٦٨٩] قوله: ((والترتيب الآتي بيانه إلخ)).
(٢) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٨٨/٢ .
(٣) "ط": كتاب الحج ٤٨٥/١ .
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب فرائض الحج صـ٤٦ -.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب فرائض الحج صـ٤٧ -.
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب فرائض الحج صـ٤٥ -.
(٧) "المطلب الفائق شرح كنز الدقائق": لمحمد بن عبد الرحمن، بدر الدين العيسى الديري. ("كشف الظنون" ١٥١٦/٢).

الجزء السادس
٤٩٩
كتاب الحج
وقيل: سنّةٌ(١). (والتِّيَامُنُ فيه) أي: في الطَّوَافِ في الأصحِّ (والمشيُ فيه لِمَن ليس
له عذرٌ يَمْنَعُهُ منه ولو نذَرَ طوافاً زَحْفاً ..
لكنَّ ظاهر الرِّواية أَنَّه سنّةٌ يكره تركُها، وعليه عامَّة المشايخ، وصحَّحَهُ في "اللباب"(٢)،
وذكَرَ "ابن الهمام"(٣): (( أَنَّه لو قيل: إنَّه واجبٌ لا يبعُدُ؛ لأنَّ المواظبة من غيرِ تركٍ مرَّةً دليلُ
الوجوب )) اهـ. وبه صرَّحَ في "المنهاج" عن "الوجيز "(٤)، وهو الأشبهُ والأعدلُ، فينبغي أنْ يكون
عليه المعوَّلُ. اهـ من "شرح اللباب"(٥).
[٩٦٧٢) (قولُهُ: والتيامنُ فيه) وهو أخذُ الطائف عن يمينِ نفسه، وجعلُهُ البيتَ عن يساره،
"لباب"(٦).
(٩٦٧٣] (قولُهُ: في الأصحِّ) صرَّحَ به الجمهورُ، وقيل: إنَّه سنّةٌ، وقيل: فرضٌ، "شرح
اللباب"(٧).
[٩٩٧٤) (قولُهُ: والمشيُّ فيه إلخ) فلو ترَكَهُ بلا عذرِ أعادَهُ، وإلاَّ فعليه دمٌّ؛ لأنَّ المشي واجبٌ
(قولُهُ: لو قيل: إنَّه واجبٌ لا يبعُدُ؛ لأنَّ المواظبة إلخ) لا يخفى أنَّ الاستدلال بالمواظبة على الوجوب
غيرُ تامٌّ لِما تقدَّمَ لـ "الشارح": ((أَنَّ المواظبة من غيرِ نهىٍ عن الترك لا تفيدُ الوجوب)). اهـ "سندي".
(١) في "د" زيادة: ((قوله: (وقيل سنة) قال في "النهر": وفي جنايات "فتح القدير": ظاهر الرواية أن الابتداء به سنة،
وجعله في "المحيط" قول عامة المشايخ، حتى لو افتتح من غيره جاز وكره، ولو أريد بالسنةِ المؤكدةُ وبالكراهةِ
التحريميَّةُ لَقَرُبَ من القول بالوجوب)).
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب فرائض الحج صـ١٠٨ -.
(٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٩٠/٢.
(٤) في "شرح اللباب": (("المنهاج" عن "الذخيرة"))، و"الوجيز" و"الذخيرة" كلاهما لمحمود بن أحمد، برهان الدين
(ت ٦١٦هـ)، صاحب "المحيط البرهاني".
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب أنواع الأطوفة، فصل في شرائط صحة الطواف صـ ٩٨ - باختصار.
(٦) انظر "إرشاد الساري": فصل في واجبات الطواف صـ ١٠٤ -.
(٧) انظر "إرشاد الساري": باب أنواع الأطوفة - فصل في واجبات الطواف صـ١٠٤- باختصار. وفيه: ((شرط))
بدل((فرض)).

قسم العبادات
٥٠٠
حاشية ابن عابدين
لَزِمَهُ ماشياً، ولو شرَعَ مُتنفّلاً زحفاً فمشيُهُ أفضلُ (والطَّهارةُ فيه) من النجاسةِ
الحكميَّةِ على المذهب، قيل: والحقيقيَّةِ.
عندنا، على هذا نَصَّ المشايخُ، وهو كلامُ "محمَّدٍ"، وما في "الخانَّة"(١): (( من أنَّه أفضلُ)) تساهلٌ،
أو محمولٌ على النافلة، لا يقال: بل ينبغي في النافلةِ أنْ تجب صدقةٌ؛ لأنَّه إذا شرَعَ فيه وجَبَ،
فوجَبَ المشيُّ؛ لأنَّ الفرض أنَّ شروعه لم يكن بصفةِ المشي، والشُّرُوعُ إنما يُوجِبُ ما شرَعَ فيه،
."(٢)
.
كذا في "الفتح"
[٩٦٧٥] (قولُهُ: لَزِمَ ماشياً) قال "صاحب اللباب" في "منسكه الكبير": ((ثُمَّ إِنْ طاقَهُ زحفاً
أعادَهُ، كذا في "الأصل"(٣)، وذكر "القاضي" في "شرح مختصر الطحاويّ": أَنَّه يُحزيه؛ لأَنَّه أدَّى
ما أوجَبَ على نفسه))، وتمامُهُ في "شرح اللباب" (٤).
١٤٨/٢
[٩٦٧٦] (قولُهُ: فمشيُّهُ أفضلُ) أشارَ إلى أنَّ الزَّحف يُجزيه ولا دمَ عليه، لكنْ يحتاجُ
إلى الفرق بين وجوبه بالشُّروع [٢/ق٣٦٠/ب] ووجوبه بالنَّذر على روايةِ "الأصل"(٥)، ولعلَّه
أنَّ الإِيجاب بالقول أقوى منه بالفعل، فيجبُ بالقول كاملاً لئلاَّ يكون نذراً بمعصيةٍ كما لو نذَرَ
اعتكافاً بدونِ صومٍ لزمه به، ويلغو وصفُهُ له بالنقصان، والواجب بالشُّروع هو ما شرَعَ فيه،
وقد شرَعَ فيه زحفاً، فلا يجبُ عليه غيرُهُ، وإلاَّ وجَبَ بغيرِ مُوجِبٍ، تأمَّل.
[٩٦٧٧] (قولُهُ: من النجاسةِ الحكمِّيَّةِ) أي: الحدثِ الأكبر والأصغر وإن اختلفا في الإثم
والكفَّارة.
[٩٦٧٨] (قولُهُ: على المذهبِ) وهو الصحيحُ، وقال "ابن شجاعٍ": ((إنها سنة))، "شرح
اللباب" لـ "القاري"(٦).
(١) "الخانية": كتاب الحج - الواجبات التي يجب بها الدم على الحاج خمسة ٢٩٨/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "الفتح": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٩٠/٢.
(٣) "الأصل": كتاب الحج - باب الطواف ٣٤١/٢.
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب أنواع الأطوفة - فصل في واجبات الطواف صـ١٠٤ -.
(٥) المذكورة في المقولة السابقة .
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب أنواع الأطوفة - فصل في واجبات الطواف صـ١٠٣ -.

الجزء السادس
٥٠١
کتاب الحج
مِن ثوبٍ وبدنٍ ومكان طوافٍ، والأكثرُ على أنَّه سنّةٌ مؤكّدةٌ كما في "شرح لباب
المناسك" (وسَتَّرُ العورةِ) فيه وبكَشْفِ ربعِ العضو ..
[٩٦٧٩] (قولُهُ: من ثوبٍ) الأولى: لثوبٍ أو في ثوبٍ، "ط "(١).
[٩٦٨٠] (قولُهُ: ومكانٍ طوافٍ) لم ينقل في "شرح اللباب" التصريحَ بالقول بوجوبِهِ، وإنما
قال(٢): ((وأمَّا طهارةُ المكان فذكَرَ "العزُّ بن جماعةَ"(٣) عن صاحب "الغاية"(٤): أَنَّه لو كان
في مكان طوافه نجاسةٌ لا يَبطُلُ طواقُهُ، وهذا يفيدُ نفيَ الشَّرط والفرضيَّة واحتمالَ ثبوت الوجوب
والسنَّة)) اهـ.
[٩٦٨١] (قولُهُ: والأكثرُ على أنَّه) أي: هذا النوعُ من الطهارة في الثوبِ والبدن سنَّةٌ مؤكّدةٌ،
"شرح اللباب" (٥). بل قال في "الفتح"(٦): ((وما في بعض الكتب من أنَّ بنجاسة الثوب كلِّهُ يجبُ
الدمُ لا أصلَ له في الرِّواية)) اهـ.
وفي "البدائع"(٧): ((أَنَّه سنّةٌ، فلو طافَ وعلى ثوِهِ نجاسةٌ أكثرُ من الدرهم لا يلزمُهُ شيءٌ،
بل يكرهُ لإدخال النجاسةِ المسجدَ)) اهـ.
[٩٦٨٢] (قولُهُ: وسترُ العورةِ فيه) أي: في الطوافِ، وفائدةُ عدِّهِ واجباً هنا مع أنَّه فرضٌّ مطلقاً
لزومُ الدَّمِ به، كما عُدَّ من سنن الخطبة في الجمعة بمعنى أنّه لا يلزمُ بتركه فسادُها، وإلاَّ فالسنّةُ تُبَايِنُ
الفرضَ لعدم الإِثم بتركِها مرَّةً، هذا ما ظهَرَ لي، وقدَّمناه(1) في الجمعة.
(١) "ط": كتاب الحج ٤٨٦/١ .
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب أنواع الأطوفة - فصل في واجبات الطواف صـ١٠٣ -.
(٣) "هداية السالك": الباب العاشر في دخول مكّة المعظّمة - فصل في واجبات الطواف وسننه ٧٦٩/٢. لأبي عمر
عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم، عز الدين بن جَمَاعَةَ المصريّ الشّافعِيّ (ت٧٦٧هـ). ("الدرر الكامنة" ٣٧٨/٢،
"هدية العارفين" ٥٨٢/١).
(٤) في "منسكه" كما في "هداية السالك".
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب أنواع الأطوفة - فصل في واجبات الطواف صـ١٠٣ -.
(٦) "الفتح": كتاب الحج - باب الجنايات - فصل: من طاف طواف القدوم محدثاً فعليه صدقة ٤٦٠/٢ بتصرف.
(٧) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما شرطه ١٢٩/٢ بتصرف يسير.
(٨) المقولة [٦٧٨٠] قوله: ((وطهارة وستر عورة قائماً)).

قسم العبادات
٥٠٢
حاشية ابن عابدين
فأكثرَ كما في الصلاة يجبُ الدَّمُ (وبَداءةُ السَّعىِ بين الصَّفا والمروةِ من الصَّفا) ولو بدأ
بالمروةِ لا يُعتَدُّ بالشَّوطِ الأوَّلِ فِي الأصحِّ (والمشيُ فيه) في السَّعي (لِمَن ليس له عذرٌ) ..
[٩٦٨٣] (قولُهُ: فأكثرَ) أي: من الرُّعِ، فلو أقلَّ لا يَمنَعُ، ويُجمَعُ المتفرِّقُ، "لبابِ"(١).
[٩٦٨٤] (قولُهُ: كما في الصلاةِ) أي: كما هو القدْرُ المانعُ في الصلاة.
[٩٦٨٥] (قولُهُ: يجبُ الدَُّ) أي: إِنْ لم يُعِدْهُ، وإلاَّ سقَطَ، وهذا في الطوافِ الواجب،
وإلاَّ تجبُ الصدقة.
[٩٦٨٦] (قولُهُ: في الأصحِّ) مقابلُهُ ما قاله "الكرمانيُّ": ((إنَّه يُعتَدُّ به، لكنَّه يكرهُ لترك السنّة،
وتستحبُّ إعادةُ ذلك الشَّوط لتكونَ البداءةُ على وجه السنَّة))، ومشى في "اللباب"(٢) على أنّه
شرطٌ لصحَّةِ السَّعي، فعدمُ الاعتداد بالشَّوط الأوَّلِ يتفرَّعُ عليه وعلى القول بالوجوب؛ لأنَّ المراد
بعدم الاعتدادِ به لزومُ إعادته [٢/ق ٣٦١/أ] أو لزومُ الجزاء على تقديرٍ عدمها، وإنما الفرقُ من
حيث إنَّه إذا لم يُعِد الشَّوطَ الأوَّل يلزمُهُ الجزاء لترك السَّعي على القول بالشَّرطيّة؛ لأَنّه لا صحَّةَ
للمشروط بدون شرطه، ولترك الشوطِ الأوَّل على القول بالوجوب الذي هو الأعدلُ المختار من
حيث الدليلُ كما في "شرح اللباب"(٣)، وقد يقال: إنَّه إذا لم يُعتَدَّ بالأوَّلِ حصَلَ البداءةُ بالصفا
بالثاني، فقد وُجِدَ الشَّرط، ولا يُتصوَّرُ تركه، وإنما يكونُ تاركاً لآخرِ الأشواط إلاّ إذا أعادَ الأوَّل،
وكونُ ذلك شرطاً لا يُنافي الوجوبَ؛ إذ لا يلزمُ من كون الشيء شرطاً لآخرَ تتوقّفُ عليه صحَّتُهُ
أنْ يكون ذلك الشيءُ فرضاً كما قدَّمناه(٤) في الحلق خلافاً لِمَا فَهِمَهُ في "شرح اللباب" (٥)
(قولُهُ: ولَتَرْكِ الشَّوطِ الأوَّلِ إلخ) أي: عدمِ الإتيانِ به بوصف الوجوب.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب أنواع الأطوفة - فصل في واجبات الطواف صـ١٠٣ -.
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب السعي بين الصفا والمروة - فصل في شرائط صحة السعي صـ١١٨ -.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب السعي بين الصفا والمروة - فصل في شرائط صحة السعي صـ١١٩ -.
(٤) المقولة [٩٦٦٧] قوله: ((والحلق أو التقصير)).
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب السعي بين الصفا والمروة - فصل في شرائط صحة السعي صـ١١٩ -.

الجزء السادس
٥٠٣
كتاب الحج
كما مرَّ (وذَبْحُ الشَّاةِ للقارِنِ والمتمتّعِ، وصلاةُ ركعتين لكلِّ أسبوعٍ) من أيِّ طوافٍ
كان، فلو ترَكَها هل عليه دمٌ؟ قيل: نعم، فُيُوصِي به (والتَّرتيبُ الآتي) بيانُهُ (بين
الرَّمْيِ والحَلْقِ والذَّبْحِ يومَ النَّحْرِ) وأمَّا الترتيبُ بين الطوافِ وبين الرَّمْيِ والحَلْقِ
فسُنَّةٌ، فلو طافَ قبل الرَّمْىِ والحَلْقِ لا شيءَ عليه ويكرهُ، "لباب". وسيجيءُ
أنَّ المُفرِدَ لا ذبحَ عليه، وسُنُحقّقُهُ (وفِعْلُ طواف الإفاضةِ) أي: الزِّيارةِ.
هنا وفي الحلق(١)، ولو كان فرضاً لَزِمَ فرضيَّةُ السَّعي أو فرضيّةُ بعضِهِ ووجوبُ باقيه مع أنَّه كلَّهُ
واجبٌ يُحَبَرُ بدمٍ، وحينئذٍ تعَيَّنَ القولُ بالوجوب؛ إذ لا ثمرةَ تظهر على القول بالشَّرطَيَّة كما نصَّ
عليه في "المنسك الكبير" وإن استغرَبَهُ "القاري" في "شرح اللباب"(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
[٩٦٨٧] (قولُهُ: كما مرَّ(٣) أي: في الطواف.
[٩٦٨٨] (قولُهُ: قيل: نعم) ضعَّفَهُ هنا وإِنْ جَزَمَ به في "شرحه" على "الملتقى" (٤) لأَنَّه جزَمَ
بخلافه صاحبُ "اللباب"(٥) فقال: ((ولا تختصُّ - أي: هذه الصلاة - بزمانٍ ولا بمكانٍ، أي: باعتبارِ
الجواز والصحَّةِ، ولا تفوتُ، أي: إلَّ بالموت، ولو ترَكَها لم تُحبَر بدمٍ، أي: أَنَّه لا يجبُ عليه
الإيصاء بالكفَّارة))، وذكَرَ "شارحه"(٦): ((أَنَّ المسألة خلافيَّةٌ، ففي "البحر العميق": لا يجبُ الدم،
وفي "الجوهرة"(٧) و"البحر الزاخر": يجب، وفي بعض المناسك: الأكثرُ على أنّه لا يجبُ، وبه قال
الشافعيّة، وقيل: يلزمُ)).
[٩٦٨٩] (قولُهُ: والترتيبُ الآتي بيانُهُ(٨) إلخ) أي: في بابِ الجنايات، حيث قال هناك: ((يجبُ
(١) انظر "إرشاد الساري": باب فرائض الحج - فصل في واجباته صـ٤٨ -.
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب السعي بين الصفا والمروة - فصل في شرائط صحّة السعي صـ١١٩ -.
(٣) صـ ٥٠٠ - "در".
(٤) "الدر المنتقى": كتاب الحج - فصل: إذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام ٢٧٣/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب أنواع الأطوفة - فصل في ركعتي الطواف صـ١٠٥ -.
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب أنواع الأطوفة - فصل في ركعتي الطواف صـ١٠٥ -.
(٧) "الجوهرة النيرة": كتاب الحج ١٨٩/١ .
(٨) ٢٥٠/٧ "در".

قسم العبادات
٥٠٤
حاشية ابن عابدين
(في) يومٍ من (أَيَّامِ النّحْرِ) ومن الواجباتِ كونُ الطَّوافِ وراءَ الحطيم، وكونُ
السَّعي بعد طوافٍ مُعَتَّدٍّ به، وتوقيتُ الحَلْقِ.
في يوم النَّحر أربعةُ أشياء: الرَّميُ، ثُمَّ الذبحُ لغير المفرد، ثمَّ الحلقُ، ثمَّ الطواف، لكنْ لا شيءَ على
من طافَ قبل الرمي والحلق، نعم يكره، "لباب"(١)، كما لا شيءَ على المفرد إلاّ إذا حلَقَ قبل
الرَّمي؛ لأنَّ ذبحه لا يجبُ)) اهـ.
وبه عُلِمَ أَنَّ كان ينبغي لـ "المصنّف" هنا تقديمُ الذبح على الحلق في الذِّكْرِ ليوافقَ ما بينهما
من الترتيب في نفس الأمر، وأنَّ الطواف لا يلزمُ تقديمه على الذبح أيضاً؛ لأَنَّه إذا جاز تقديمُهُ
على الرَّمي المتقدِّم على الذبح جازَ تقديمُ على الذبح بالأولى [٢/ق ٣٦١/ب] كما قاله "ح"(٢).
والحاصلُ: أنَّ الطواف لا يجبُ ترتيبه على شيءٍ من الثلاثة، ولذا لم يذكره هنا، وإنما يجبُ
ترتيبُ الثلاثة: الرَّمي ثُمَّ الذبحِ ثُمَّ الحلق، لكنَّ المفرد لا ذبحَ عليه، فبقي عليه الترتيبُ بين الرَّمي والحلق.
[٩٦٩٠] (قولُهُ: في يومٍ) تقدَّمَ في الاعتكافِ (٣) أنَّ اللّيالي تبعٌ للأَيَّام في المناسك.
[٩٦٩١] (قولُهُ: وراءَ الحطيمِ) لأنَّ بعضه من البيت كما يأتي(٤) بيانُهُ.
[٩٦٩٢] (قولُهُ: وكونُ السَّعي بعد طوافٍ مُعتدٍّ به) وهو أنْ يكون أربعةً أشواطٍ فأكثرَ، سواءٌ
طاقَهُ طاهراً أو محدثاً أو جنباً، وإعادة الطواف بعد السَّعي فيما إذا فعَلَهُ مُحدِثاً أو جنباً لجيرِ النقصان
١٤٩/٢ لا لانفساخِ الأوَّلِ، "ح"(٥) عن "البحر"(٦). ثمَّ إنَّ كون هذا واجباً لا يُنافي ما في "اللباب"
(قولُهُ: وأنَّ الطوافَ لا يلزمُ تقديمُهُ على الذَّبح) لعلَّ الموافق: لا يلزمُ تأخيرُهُ عن الذَّبح.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب طواف الزيارة - فصل في شرائط صحة الطواف صـ١٥٥ - معزياً للشارح
القاري.
(٢) "ح": كتاب الحج ق ١٣٥/أ.
(٣) المقولة [٩٥٤٢] قوله: ((إلا ليلة عرفة إلخ)).
(٤) المقولة [٩٩٩٠] قوله: ((كاستقباله)).
(٥) "ح": كتاب الحج ق ١٣٥/أ.
(٦) "البحر": كتاب الحج - باب الجنايات - فصل: ولا شيء إن نظر إلخ ٢٤/٣ بتصرف.

الجزء السادس
٥٠٥
كتاب الحج
بالمكان والزَّمان، وتركُ المحظور كالجماعِ بعد الوقوف ولُبْسِ المخيط وتغطيةٍ
الرَّأْس والوجهِ، والضَّابطُ أنَّ كلَّ ما يَجِبُ بتركِهِ دٌ فهو واجبٌ، صرَّحَ به
في "الملتقى"(١)، وسيتْضِحُ في الجنايات.
من عدِِّ شرطاً لصحَّةِ السَّعي كما علمتَهُ سابقاً(٢).
(٩٦٩٣) (قولُهُ: بالمكانِ) أي: الحرمِ ولو في غيرِ منى، ((والزَّمانِ)) أي: أَيَّامِ النحر، وهذا
في الحاجِّ، وأمَّا المعتمرُ فلا يتوقَّتُ حلقه بالزَّمان كما سيأتي(٣) في الجنايات.
[٩٦٩٤] (قولُهُ: وتركُ المحظورِ) قال في "شرح اللباب"(٤): ((فيه أنَّ الاجتناب عن المحرَّمات
فرضٌ، وإنما الواجبُ هو الاجتنابُ عن المكروهات التحريمَيَّة كما حقَّقَهُ "ابن الهمام"(٥)، إلاَّ أنَّ
فعلَ المحظورات وتركَ الواجبات لَمَّ اشتركا في لزومِ الجزاء أُلحِقَتْ بها في هذا المعنى)).
[٩٦٩٥] (قولُهُ: كالجماعِ بعد الوقوف إلخ) تمثيلٌ للمحظورات، وقَّدَ بما بعد الوقوف
لأَنَّه قبله مفسدٌ، والمرادُ هنا غيرُ المفسد، تأمَّل.
[٩٦٩٦] (قولُهُ: والضابطُ إلخ) لَمَّا لم يَسْتَوفِ الواجباتِ كما علمتَهُ مما زِدْناه عن "اللباب"
ذكَرَ هذا الضابط، وليفيدَ بعكس القضيَّة حكمَ الواجب، لكنّها تنعكس عكساً منطقيَّاً لا لغويًّاً،
فيقال: بعضُ ما هو واجبٌ يجبُ بتركه دمٌّ، لا كلُّ ما هو واجبٌ؛ لأنَّ ركعتي الطوافِ لا يجبُ
بتركهما الدمُ، وكذا تركُ الواجب بعذرٍ على ما سنذكرُهُ(٦) في أوَّلِ الجنايات، لكنْ فِي الأَوَّلِ
خلافٌ تقدَّمَ(٧)، فعلى القولِ بوجوب الدَّم فيه مع تقييدِ الترك بلا عذرٍ يصحُّ العكس كلًّ.
(١) "ملتقى الأبحر": كتاب الحج ٢١٠/١.
(٢) المقولة [٩٦٨٦] قوله: ((في الأصح)).
(٣) المقولة [١٠٤٩٩] قوله: ((أو أخر الحاج)).
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج - فصل في واجباته صـ ٥٠ -.
(٥) لم نعثر على النقل في نسخة "فتح القدير" التي بين أيدينا.
(٦) المقولة [١٠٥٢٨] قوله: ((بعذر)).
(٧) المقولة [٩٦٨٨] قوله: ((قيل: نعم)).

قسم العبادات
٥٠٦
حاشية ابن عابدين
(وغيرُها سننٌ وآدابٌ) كأنْ يَتَوسَّعَ في النَّفقة، ويُحافِظَ على الطَّهارة وعلى صَوْنِ
لسانه، ويَستأذِنَ أبويه ودائنَهُ وكفيلَهُ، ويُودِّعَ المسجدَ بركعتين ومَعَارِفَهُ،
ويَستحِلَّهم، ويلتمسَ دعاءَهم، ويتصدَّقَ بشيءٍ عند خروجه، ويخرجَ يوم الخميس -
ففيه خرَجَ عليه السلام في حجَّةِ الوداع - أو الإثنين أو الجمعة بعد التَّوبة
والاستخارة، أي: في أنَّه هل يَشترِي أو يَكترِي؟ وهل يسافرُ بَرَّاً أو بَحْراً؟ وهل
يُرَافِقُ فلاناً أوْ لا؟.
[٩٦٩٧] (قولُهُ: وغيرُها إلخ) فيه أنّه لم يَستوفِ الواجباتِ، وإن كان مرادُهُ أَنَّ غير الفرائض
والواجبات سننٌ وآدابٌ فغيرُ مفيدٍ .
[٩٦٩٨] (قولُهُ: كأنْ يَتَوسَّعَ في النَّفْعَةِ إلخ) أفادَ بالكاف أَنَّه بقي منها أشياءُ لم يذكرها؛
[٢/ق ٣٦٢/أ] لأنّها ستأتي (١) كطواف القدوم للآفاقيِّ، والابتداءِ من الحجر الأسود على أحدٍ
الأقوال، والُخُطَبِ الثلاث، والخروجِ يوم التروية وغيرِها مما سيُعلَمُ.
[٩٦٩٩] (قولُهُ: وعلى صَوْنِ لسانِهِ) أي: عن المباحِ والمكروهِ تنزيهاً، وإلاّ فهو واجبٌ.
[٩٧٠٠] (قولُهُ: ويستأذِنَ(٢) أبويه إلخ) أي: إذا لم يكونا محتاجين إليه، وإلاَّ فيكرهُ،
وكذا يكرهُ بلا إذنٍ دائنه وكفيله، والظاهرُ أنَّها تحريميّةٌ لإطلاقِهم الكراهةَ، ويدلُّ عليه قولُهُ
فيما مرَّ(٣) في تمثيله للحجِّ المكروه: ((كالحجِّ بلا إذن مما يجبُ استئذانه))، فلا ينبغي عدُّهُ
(قولُهُ: فيه أَنَّه لم يَسْتَوْفِ الواجباتِ) لكنْ بزيادةِ ما ذكرَهُ "الشارح" من الواجبات والضابط يكونُ
"الشارح" قد أصلَحَ عبارة المتن.
(١) ٥٤/٧ وما بعدها "در".
(٢) في "ب": ((وليستأذن)).
(٣ ) ص ٤٥٧- ٤٥٨- "در".

الجزء السادس
٥٠٧
كتاب الحج
لأنَّ الاستخارة(١) في الواجب والمكروه لا محلَّ لها، وتمامُهُ في "النهر"(٢) (وأشهُرُهُ
شوَّالٌ وذو القَعْدةِ) بفتح القاف وتُكسَرُ (وعشرُ ذي الحِجَّةِ) بكسر الحاء وتُفتَحُ،
وعند "الشافعيِّ" ليس منها يومُ النَّحْرِ، وعند "مالكٍ".
ذلك من السُّنن والآداب.
(٩٧٠١] (قولُهُ: بفتحِ القاف وتُكسَرُ) أي: مع سكونِ العين، وحُكِيَ الفتحُ مع كسر العين.
[٩٧٠٢] (قولُهُ: وتُفتَحُ) عزاه الشيخ "إسماعيل(٣) إلى "تحرير الإمام النوويّ (٤)، وقال:
((خلافاً لِما في "شرح الشُّمنيّ" من أنّه لم يُسمَعْ إلَّ الكسرُ)).
[٩٧٠٣) (قولُهُ: وعند "الشافعيّ" ليس منها يومُ النَّحرِ) هو روايةٌ عن "أبي يوسف" أيضاً كما
في "النهر"(٥) وغيره، وظاهرُ المتن يوافقُهُ؛ لأَنَّه ذكَّرَ العددَ، فكان المرادُ عشرَ ليالِ، لكن إذا حُذِفَ
التمييزُ جاز التذكيرُ فيكونُ المعنى عشرةَ أَيَّامٍ، أفادَهُ "ح"(٦) عن "القُهُستانيِّ"(٧). وقيل: إنَّ العشر
(١) في"د" زيادة: ((قوله: (لأنَّ الاستخارة) قال في "النهر": وكيفيتها أن يصلي ركعتين يقرأ فيهما الكافرون والإخلاص
قائلاً الدعاء المعروف، ويشاورُ ذا الرأي في وقت معين لا في الحج، ثم يبدأ بالتوبة مراعياً شروطها من رد المظالم
إلى أهلها عند الإمكان، وقضاء ما قصَّر في فعله من العبادات بالندم على تفريطه، والعزم على أن لا يعود،
والاستحلال من ذي الخصومات، والمعاملات، ويجتهد في تحصيل نفقة حلال، ولا بد من رفيقٍ صالحٍ يُذَكّرُه
إذا نسي، ويُصَبِّرُه إذا جزع، ويعينه إذا عجز. وعن بعض الصالحين: أنَّ كونه من الأجانب أَولى تباعداً عن ساحة
القطيعة. وينبغي له أن يرى المكاري ما يحمله، ولا يحمل أكثر منه إلا بإذنه، وعن بعض الأكابر أنه امتنع عن حَمْلٍ
بطاقة الإنسان لعدم إذن المكاري، وبعد الإذن فينبغي له التباعد عن تحميل الدابة فوق طاقتها، وتجريدُ السفرِ
عن تجارةٍ أحسنُ، لكنه لو اتجر لا ينتقص ثوابه كالغازي، ذكره الشارح في "السير"، وينبغي له التباعد عما فيه رياء
وسمعة، ومن ثم كره بعض العلماء الركوب في المحمل، فالركوب في المحفّة أولى، وقيل: إن تجرد عن قصد ذلك
لا يكره، وعن المماكسة في شراء الزاد ومما يحتاجه، والمشيُ لمن يطيقه أفضلُ من الركوب، ولا يسيء خلقه، وكَرِه
الإِمامُ الحجَّ على الحمار. انتهى ملخصاً)).
(٢) انظر "النهر": كتاب الحج ١ /ق١٢٩ /ب.
(٣) "الإحكام": كتاب الحج ٢/ق ١٥٣/أ بتصرف يسير.
(٤) "تحرير التنبيه": كتاب الحج صـ١٥٥ -.
(٥) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق ١٤٥/أ.
(٦) "ح": كتاب الحج ق ١٣٥/أ.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٣٦/١.

قسم العبادات
٥٠٨
حاشية ابن عابدين
ذو الحِجَّةِ كلُّهُ عملاً بالآية، قلنا: اسمُ الجمع يَشترِكُ فيه ما وراءَ الواحد ..
اسمٌ لهذه الأَيَّامِ العشرة، فليس المرادُ به اسمَ العدد حتَّى يُعتبَرَ فيه التذكيرُ مع المؤنَّث والعكسُ،
تأمَّل.
[٩٧٠٤] (قولُهُ: ذو الحِجَّةِ كُلُّهُ) مبتدأُ محذوفُ الخبر، تقديره: منها، "ح"(١).
[٩٧٠٥] (قولُهُ: عملاً بالآيةِ) أي: قولهِ تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ ﴾ [ البقرة - ١٩٧].
[٩٧٠٦] (قولُهُ: قلنا: اسمُ الجمع إلخ) الإضافةُ بيانيّةٌ، أي: اسمٌ هو جمعٌ، وإلاَّ فأشهُرٌ صيغةُ
جمعٍ حقيقةً، وهذا أحدُ جوابين لـ "الزمخشري)(٢) حاصلُهُ: ((أَنَّه تُحُوِّزَ في إطلاقِ صيغة الجمع
على ما فوق الواحدِ لعلاقةٍ معنى الاجتماع والتعدُّد، ثانيهما: أنَّ التحوُّزَ في جعلٍ بعض الشَّهر
شهراً، فالأشهُرُ على الحقيقة))، واعتُرِضَ الأَوَّلُ بأنَّ فيه إخراجَ العشر عن الإرادة لخروجهِ عن
الشهرين، وأجيبَ بأَنَّه داخلٌ فيما فوقَ الواحد، وهذا كُلُّهُ على تقديرٍ: الحجُّ ذو أشهرٍ، أمَّا على
تقديرٍ: الحجُّ فِي أَشْهُرِ(٣) فلا حاجةَ إلى التجوُّزِ؛ لأنَّ الظرفَّة لا تقتضي الاستيعابَ، لكنْ بَّنَ المرادَ
الحديثُ(٤) الوارد في تفسير الآية [٢/ق٣٦٢/ب] بأنَّها شوَّالّ(٥) وذو القَعْدةِ وعشرُ ذي الحِحَّة.
(قولُهُ: واعتُرِضَ الأَوَّلُ بأنَّ فيه إخراجَ العشر عن الإرادةِ إلخ) عبارةُ "الرَّحمتيِّ": ((وهذا الجوابُ
مبنيٌّ على ضعيفٍ لا يليقُ بفصاحةِ القرآن؛ لأنَّ بعض الثالث ليس بشهرٍ، فلا يكونُ داخلاً؛ لأنَّ المراد
ما زاد على الواحد من جنسه، إلاَّ أن يقال: وسُمِّيَ شهراً مجازاً إطلاقاً لاسم الكلِّ على بعضِهِ، أو من
باب التَّغليب، أو من باب عموم المجاز، بأن يُرادَ ثلاثُ قطعٍ من الزَّمن)) اهـ "سندي".
(١) "ح": كتاب الحج ق ١٣٥/أ.
(٢) انظر "الكشاف": ٤٠٦/١ سورة البقرة - الآية (١٩٧).
(٣) في "ب" و"م": ((الشهر)).
(٤) أخرجه الطبرانيّ في "المعجم الأوسط" (١٦٠٧)، وفي "المعجم الصغير" (١٨٠) من حديث أبي أُمَامَةِ﴾ مرفوعاً، قال:
قال رسول الله ﴾: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ: شوال، وذو القعدة، وذو الحجّة))، وفيه حُصَيْنُ بنُ مُخَارِق، قال
الدارَ قُطْنِيّ: يَضَعُ الحديثَ.
(٥) وورد موقوفاً من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البخاري(١٥٦٠) کتاب الحجّ - باب قول الله تعالی : =

الجزء السادس
٥٠٩
كتاب الحج
وفائدةُ التَّأقيتِ أَنَّه لو فعَلَ شيئاً من أفعالِ الحجِّ خارجَها لا يُجزيه ..
......
[٩٧٠٧] (قولُهُ: وفائدةُ التأقيتِ إلخ) جوابٌ عن إشكال تقريرُهُ: أنَّ التوقيت بها إن اعتْبِرَ
للفواتِ - أي: أنَّ أفعال الحجِّ لو أُخْرَتْ عن هذا الوقت يفوتُ الحجُّ لفَوْتُه بتأخيرِ الوقوف عن طلوع
فجرِ العاشر - يلزمُ أنْ لا يصحَّ الطوافُ الرُّكُنُ بعده، وإن خُصِّصَ الفوات بفوتِ معظمٍ أركانه - وهو
الوقوف - يلزمُ أنْ لا يكون العاشرُ منها كما هو روايةٌ عن "أبي يوسف"، وإن اعتُبرَ التوقيتُ المذكورُ
الأداء الأركان في الجملة يلزمُ أن يكون ثاني النَّحرِ وثالتُهُ منها لجوازِ الطواف فيهما.
وأجاب "الشارح" تبعاً لـ "البحر"(١) وغيره بما يفيدُ اختيار الأخيرِ، وذلك بأنَّ فائدته أنَّ شيئاً
من أفعالِ الحِّ لا يجوزُ إلاَّ فيها، حتَّى لو صام المتمتّعُ أو القارنُ ثلاثة أَيَّامٍ قبل أشهرِ الحجِّ لا يجوزُ،
وكذا السَّعْيُ عقب طواف القدوم لا يقعُ عن سعي الحجِّ إلاَّ فيها، حتَّى لو فعَلَهُ في رمضان
لم يُجْزِ، ولو اشتَبَهَ عليهم يومُ عرفة، فوقفوا فإذا هو يومُ النحر جاز لوقوعه في زمانِهِ، ولو ظهَرَ أَنَّه
الحادي عشرَ لم يُحْزِ كما في "اللباب"(٢) وغيره، قال "القُهُستانيُ) (٣): ((ولا يُنافيه إجزاءُ الإحرام
قبلها، ولا إجزاءُ الرَّمي والحلق وطواف الزيارة وغيرها بعدها؛ لأنَّ ذلك مُحرَّمٌ فيه)) اهـ.
قلت: فيه نظرّ؛ لأنَّ طواف الزِّيارة يجوزُ في يومين بعد عشرِ ذي الحجَّة كما علمتَهُ وإن كان
في أوَّلِهِ أفضلَ، فالمناسبُ الجواب عن الإشكال بأنَّ فائدة التوقيت ابتداءً عدمُ جواز الأفعال قبله،
١٥٠/٢ وانتهاءً الفواتُ بفَوْتِ معظمٍ أركانه وهو الوقوفُ، ولا يلزمُ خروجُ اليوم العاشر لِما علمتَهُ من
جوازِهِ فيه عند الاشتباه بخلاف الحادي عشرَ، هذا ما ظهَرَ لي، فافهم.
- ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَنٌ﴾، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٣٤٢/٤، وفي "معرفة السنن والآثار" ٤٧/٧ كتاب
المناسك - باب وقت الحجّ والعُمْرة، وابن أبي شَيْبة في "المصنّف" ٣٠٢/٤ كتاب الحجّ - باب قوله تعالى:
﴿ الْحَجُ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾، والحاكم في "المستدرك" ٢٧٦/٢ كتاب التفسير، وأورده الهيثَمِيُّ في "مجمع الزوائد"
٣١٨/٦ كتاب التفسير، وفي الباب عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما.
(١) "البحر": كتاب الحج - باب الجنايات - فصل: ولا شيء إن نظر إلخ ٣٩٦/٢ بتصرف.
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب المواقيت صـ٥٤ -.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٣٦/١ .

قسم العبادات
٥١٠
حاشية ابن عابدين
(و) أَنَّه (يكرهُ الإحرامُ له قبلَها) وإنْ أَمِنَ على نفسِهِ من المحظور لشَبَههِ بالرُّكن
كما مرَّ، وإطلاقُها يفيدُ التَّحريمَ.
[٩٧٠٨] (قولُهُ: وأَنَّه يكرهُ الإحرامُ إلخ) عطفٌ على قوله: ((أَنّ لو فعَلَ))، وهو ظاهرٌ في أَنَّه
أرادَ بأفعال الحجِّ غيرَ الإحرام، فلا يُنافي إجزاءَ الإحرام مع الكراهة، فقولُهُ: ((لا يُجزيه)) واقعٌ
في مَحَزِّهِ، فافهم. نعم في كون الكراهة فائدةً التوقيت خفاءٌ، ولعلَّ وجهه كونُ الإحرام شبيهاً
بالرُّكن، تأمَّل.
[٩٧٠٩] (قولُهُ: قبلها) أفادَ أَنَّه لو أحرَمَ فيها بحجٌ - ولو لعامٍ قابلٍ - لا يكرهُ، ولذا قال
في "الذخيرة": ((لا يكرهُ الإحرام بالحجِّ [٢/ق٣٦٣/أ] يوم النحر، ويكرهُ قبل أشهر الحجّ))، قال
في "النهر"(١): ((وينبغي أنْ يكون مكروهاً حيث لم يأمَنْ على نفسه وإنْ كان في أشهر الحجِّ)).
[٩٧١٠] (قولُهُ: لشبهِ الرُّكنِ) علّةٌ لقوله: ((يكرهُ))، أي: ولو كان ركناً حقيقةً لم يصحَّ
قبلها، فإذا كان شبيهاً به كُرِهَ قبلها لشبهِهِ وقُرِبِهِ من عدم الصحّة، "بحر "(٢).
[٩٧١١] (قولُهُ: كما مرَّ(٣) أي: عند قولِهِ: ((فرضُهُ الإحرامُ)).
[٩٧١٢] (قولُهُ: وإطلاقُها) أي: الكراهةِ (( يفيدُ التحريم))، وبه قيّدَها "القُهُستانِيُّ) (٤)، ونقَلَ
عن "التحفة"(٥) الإجماعَ على الكراهةٍ، وبه صرَّحَ في "البحر "(٦) من غيرِ تفصيلٍ بين خوفِ الوقوع
(قولُهُ: وينبغي أنْ يكونَ مكروهاً) وهذا هو الظاهرُ، فإنَّه وإن كان في أشهرِهِ إلاَّ أنَّه إنما أحرَمَ لحجّ
قابلٍ، فلم يُحرِمْ في أشهرِهِ حقيقةً بل في أشهرٍ حجّ آخرَ.
(١) "النهر": كتاب الحج - باب التمتع ق١٤٥ /ب .
(٢) "البحر": كتاب الحج ٣٤٣/٢.
(٣) صـ ٤٩٣- "در".
(٤) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٣٦/١.
(٥) "تحفة الفقهاء": كتاب الحج ٣٩٠/١.
(٦) "البحر": كتاب الحج ٣٤٣/٢.

الجزء السادس
٥١١
کتاب الحج
(والعمرةُ) في العُمُر مرَّةً (سنّةٌ مؤكّدةٌ) على المذهبِ، وصحَّحَ في "الجوهرة" وجوبَها،
في محظورِ أوْ لا، قال: ((ومَن فصَّلَ كصاحب "الظهيرِيَّةِ"(١) قياساً على الميقاتِ المكانِيِّ فقد أخطَأً،
لكنْ نَقَلَ "القُهُستانِيُ)(٢) أيضاً عن "المحيط"(٣) التفصيلَ، ثمَّ قال: وفي "النظم" عنه أَنَّه يكرهُ
إلاَّ عند "أبي يوسف")).
مطلبٌ: أحكامُ العمرة
(٩٧١٣] (قولُهُ: والعُمْرةُ في العُمرِ مرَّةً سنّةٌ مؤكّدةٌ) أي: إذا أتى بها مرَّةً فقد أقامَ السنَّة غيرَ
مقيَّدٍ بوقتٍ غيرِ ما ثبَتَ النّهيُّ عنها فيه، إلاَّ أنَّها في رمضانِ أفضلُ، هذا إذا أفرَدَها، فلا يُنافيه
أنَّ القران أفضلُ؛ لأنَّ ذلك أمرٌ يرجعُ إلى الحجِّ لا العمرة.
فالحاصلُ أنَّ مَن أراد الإتيانَ بالعمرة على وجهٍ أفضلَ فيه فبأنْ يقرنَ معه عمرةً، "فتح" (٤).
فلا يكرهُ الإكثار منها خلافاً لـ "مالكٍ"، بل يُستحَبُّ على ما عليه الجمهور، وقد قيل: سبعُ أسابيعَ
من الأطوفة كعمرةٍ، "شرح اللباب"(٥).
[٩٧١٤] (قولُهُ: وصحَّحَ في "الجوهرة"(٦) وجوبَها) قال في "البحر"(٧): ((واختارَهُ في
"البدائع"(٨) وقال: إنَّ مذهبُ أصحابنا، ومنهم من أطلَقَ اسمَ السنَّة، وهذا لا يُنافي الوجوبَ اهـ.
والظاهرُ من الرِّواية السنيّةُ، فإنَّ "محمَّدً" نَصَّ على أنَّ العمرة تطوُّعٌ)) اهـ
(١) "الظهيرية": كتاب الحج - فصل فيمن يجب عليه الحج ومن لا، ووقت الحج والعمرة ق٦٣/أ.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٣٦/١.
(٣) "المحيط البرهاني": كتاب المناسك - الفصل السابع: بيان وقت الحج والعمرة ١/ق ١٧٨/ب.
(٤) "الفتح": كتاب الحج - باب الفوات ٦٢/٣ - ٦٣ .
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب العمرة - فصل في وقتها صـ٣٠٨ --.
(٦) "الجوهرة النيرة": كتاب الحج - باب الفوات ٢٢١/١.
(٧) "البحر": كتاب الحج - باب الفوات ٦٣/٣ بتصرف.
(٨) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما العمرة ٢٢٦/٢.

قسم العبادات
٥١٢
حاشية ابن عابدين
قلنا: المأمورُ به في الآيةِ الإِتمامُ، وذلك بعدَ الشُّروعِ، وبه نقولُ.
(وهي إحرامٌ وطوافٌ وسَعْيٌ) وحَلْقٌ أو تقصيرٌ، فالإِحرامُ شرطٌ، ومعظمُ الطَّوافِ
ركنٌ، وغيرُهما واجبٌ، هو المختارُ، ويَفعَلُ فيها كفِعْلِ الحاجِّ.
ومالَ إلى ذلك في "الفتح"(١)، وقال بعد سَوْقِ الأدلّة: ((تعارَضَ مقتضياتُ الوجوبِ
والنفل، فلا تثبتُ، ويبقى مجرَّدُ فعله عليه الصلاة والسلام وأصحابه والتابعين، وذلك يُوجِبُ
السنة، فقلنا بها)).
[٩٧١٥] (قولُهُ: قلنا: المأمورُ إلخ) جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّرٍ أورَدَهُ في "غاية البيان" دليلاً على
الوجوب، ثمَّ أجاب عنه بما ذكرَهُ "الشارح"، ثمَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ المراد بالإتمام تتميمُ ذاتِهما، أي:
تتميمُ أفعالهما، أمَّا إذا أُرِيدَ [٢/ق٣٦٣/ب] به إكمالُ الوصف - وعليه ما نقلَهُ في "البحر"(٢):
((من أنَّ الصحابةَ فسَّرَت الإتمامَ بأن يُحرِمَ بهما من دُويرةِ أهلِهِ ومن الأماكنِ القاصية)) -
فلا حاجةَ إلى الجواب؛ للاتّفاق على أنَّ الإِتمام بهذا المعنى غيرُ واجبٍ، فالأمرُ فيه للندب إجماعاً،
فلا يدلُّ على وجوبِ العمرة، فافهم.
[٩٧١٦] (قولُهُ: وحلقٌ أو تقصيرٌ لم يذكره "المصنّف"؛ لأَنَّه محلِّلٌ مُخرِجٌ منها، "بحر"(٣).
[٩٧١٧] (قولُهُ: وغيرُهما واجبٌ) أرادَ بالغيرِ من المذكورات هنا، وذلك أقلُّ أشواطِ الطواف،
والسَّعْيُ، والحلقُ أو التقصيرُ، وإلاَّ فلها سننٌ ومحرَّمَاتٌ من غيرِ المذكور هنا، فافهم. وأشار بقوله:
(( هو المختارُ)) إلى ما في "التحفة"(٤)، حيث جعَلَ السَّعي ركناً كالطواف، قال في "شرح
اللباب"(٥): ((وهو غيرُ مشهورٍ في المذهب)).
[٩٧١٨] (قولُهُ: ويَفعَلُ فيها كفِعْلِ الحاجِّ) قال في "اللباب" (٦): ((وأحكامُ إحرامِها كإحرامٍ
(١) "الفتح": كتاب الحج - باب الفوات ٦٤/٣ .
(٢) "البحر": كتاب الحج ٣٤٣/٢ .
(٣) "البحر": كتاب الحج - باب الفوات ٦٢/٣ .
(٤) لم نعثر على النقل في نسخة "تحفة الفقهاء" التي بين أيدينا.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب العمرة صـ٣٠٧ _-.
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب العمرة صـ٣٠٦-٣٠٧ -.

الجزء السادس
٥١٣
کتاب الحج
(وجازَتْ في كلِّ السَّنَةِ) ونُدِبَتْ في رمضانَ (وكُرِهَتْ).
الحجِّ من جميعِ الوجوه، وكذا حكمُ فرائضها، وواجباتها، وسنتها، ومحرَّماتها، ومُفسِدِها،
ومكروهاتها، وإحصارها، وجمعها - أي: بين عمرتين - وإضافتِها - أي: إلى غيرِها في النَّة -
ورفضِها كحكمها في الحجِّ، وهي لا تخالفُهُ إلاَّ في أمورٍ، منها أنَّها ليست بفرضٍ، وأَنَّها لا وقتَ
لها معَيَّنَ، ولا تفوتُ، وليس فيها وقوفٌ بعرفةً ولا مزدلفةَ، ولا رميَ فيها ولا جمعَ - أي: بين
صلاتين - ولا خطبةَ، ولا طوافَ قدومٍ ولا صَدَرٍ، ولا تجبُ بدنةٌ بإفسادها ولا بطوافِها جنباً، أي:
بل شاةٌ، وأنَّ ميقاتها الحلُّ لجميع الناس بخلاف الحجّ، فإِنَّ ميقاته للمكِّيِّ الحرمُ)) اهـ.
[٩٧١٩] (قولُهُ: وجازَتْ) أي: صحَّتْ.
[٩٧٢٠] (قولُهُ: ونُدِبَتْ في رمضانَ) أي: إذا أفرَدَها كما مرَّ(١) عن "الفتح". ثُمَّالنَّبُ باعتبار
الزمان؛ لأَنّها باعتبارِ ذاتها سنّةٌ مؤكّدةٌ أو واجبةٌ كما مرَّ(٢)، أي: أنّها فيه أفضلُ منها في غيره،
واستدلَّ له في "الفتح"(٣) بما عن "ابن عبّاسٍ": ((عمرةٌ في رمضانَ تعدلُ حجَّةً))، وفي طريقِ
لـ "مسلمٍ": ((تقتضي حيثَّةً، أو حجَّةً معي) (٤)، قال: ((وكان السَّلفُ ـ رحمنا الله تعالى
بهم - يسمُّونها الحجَّ الأصغرَ، وقد اعتمَرَ ﴿ أربع عمراتٍ كلُّهن بعد الهجرة في ذي القعدة(٥)
(١) المقولة [٩٧١٣] قوله: ((والعمرة في العمر مرةً سُنّةٌ مؤكدة)).
(٢) المقولة [٩٧١٤] قوله: ((وصحح في "الجوهرة" وجوبها)).
(٣) "الفتح": كتاب الحج - باب الفوات ٦١/٣.
(٤) أخرجه أحمد ٣٠٨/١، والبخاري (١٧٨٢) كتاب العمرة - باب: عمرة في رمضان، ومسلم (١٢٥٦)(٢٢٢) كتاب الحج
- باب فضل العمرة في رمضان، وأبو داود (١٩٩٠) كتاب الحج - باب العمرة، والنسائي ١٣٠/٤ -١٣١ كتاب الصيام -
باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان، وابن ماجه (٢٩٩٤) كتاب المناسك - باب العمرة في رمضان،
والدارميّ ٥٢/٢ كتاب المناسك - باب فضل العمرة في رمضان، وابن خزيمة (٣٠٧٧) كتاب الحج - باب فضل العمرة
في رمضان، وابن حِبَّن في "صحيحه" (٣٧٠٠) كتاب الحج - باب فضل الحج والعمرة، كلّهم من حديث ابن عبّاس
رضي الله عنهما مرفوعاً، وفي الباب عن جابر، وأبي هريرة، وأنس، ووهب بن خَنْشٍ، وأُمِّ مَعْقِلِ ﴾.
(٥) أخرجه البخاري (١٧٧٨) و(١٧٧٩) و(١٧٨٠) كتاب العمرة - باب: كم اعتمر النبيُّ ◌ُ﴿؟ و(٤١٤٨) كتاب المغازي -
باب غزوة الحَدَيْبِيَة، ومسلم (١٢٥٣) كتاب الحج - باب بيان عدد عُمَرِ النّبِيِّ ﴿، وأبو داود (١٩٩٤) كتاب المناسك -
باب العمرة، والترمذيّ(٨١٥) كتاب الحج - باب ما جاء: كم حجَّ النّبِيُّ : ﴿؟ وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، كلُّهم
من حديث أنس بن مالك رضي ظُ، وفي الباب عن ابن عمر، وعائشة، وابن عبّاس، والبراء بن عازب ﴿.

قسم العبادات
٥١٤
حاشية ابن عابدين
تحريماً (يومَ عرفةَ.
على ما هو الحقُّ))، وتمامُهُ فيه.
( تنبيةٌ )
نقَلَ بعضُهم عن "المنلا علي" في [٢/ق٣٦٤/أ] رسالته المسمَّاة " الأدب في رجب"(١).
((أَنَّ كون العمرة في رجبٍ سنَّةً - بأنْ فعلها عليه الصلاة والسلام أو أمَرَ بها - لم يَتْبُتُ(٢)، نعم
رُوِيَ أنَّ "ابن الزبير" لَمَّا فَرَغَ من تجديدِ بناء الكعبة قبيل سبعةٍ وعشرين من رجبٍ تَحَرَ إِيلاً وذَبَحَ
قرابين، وأمَرَ أهل مكَّةً أن يعتمروا حينئذٍ شكراً لله تعالى على ذلك(٣)، ولا شكَّ أنَّ فعل الصحابة
حجَّةٌ، (( وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسنٌ))(٤)، فهذا وجهُ تخصيصِ أهل مكَّةَ العمرةَ
بشهرِ رجبٍ)) اهـ ملخّصاً ..
[٩٧٢١] (قولُهُ: تحريماً) صرَّحَ به في "الفتح"(٥) و"اللباب"(٦).
[٩٧٢٢] (قولُهُ: يومَ عرفةَ) أي: قبل الزَّوال وبعده، وهو المذهبُ خلافاً لِما عن "أبي يوسف"
أنَّها لا تكرهُ فيه قبل الَّوال، "بحر "(٧).
١٥١/٢
(١) اسمها الكامل: "الأدب في رجب المرجب". ("هدية العارفين" ٧٥١/١، "فهرس المخطوطات الظاهرية" - الفقه
الحنفي ٤٢/١).
(٢) فقد أخرج البخاري (١٧٧٧) كتاب العمرة - باب: كم اعتمر النّبِيُّ ◌َ﴾؟ في حديث عروة بن الزبير قال: ((سألت
عائشة رضي الله عنها قالت: ما اعتمر رسول الله څے في رجب))، ومسلم(١٢٥٥) کتاب الحج - باب بیان عدد
عُمَرِ النّبِّ ل﴿ وزمانهن، والترمذي (٩٣٦) كتاب الحج - باب ما جاء في العُمْرَة من الجعِرَّانة، وابن ماجه (٢٩٩٨)
كتاب المناسك - باب العمرة في رجب، كلُّهم من حديث عُرْوَة بن الزُّبِيْر ◌َبُ.
(٣) الخبر في "مسالك الأبصار" للعمري ٩٦/١ نقلاً عن الأزرقي في "تاريخ مكة".
(٤) تقدّم تخريجه ٥٩٤/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الحج - باب الفوات ٦١/٣.
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب العمرة صـ٣٠٧ -.
(٧) "البحر": كتاب الحج - باب الفوات ٦٢/٣ .

الجزء السادس
٥١٥
كتاب الحج
وأربعةً بعدَها)
[٩٧٢٣] (قولُهُ: وأربعةً) بالنصب والتنوين، والأصلُ: وأربعةً (١) أَيَّامٍ بعدها، أي: بعدَ عرفةً،
أي: بعدَ يومها.
(تنبيةٌ)
يزادُ على الأَيَّامِ الخمسة ما في "اللباب"(٢) وغيره من كراهةٍ فعلها في أشهر الحجِّ لأهل مكَّةً
ومَن بمعناهم، أيْ: من المقيمين ومَن في داخل الميقات؛ لأنَّ الغالب عليهم أنْ يَحُجُّوا في سنتِهم
فيكونوا متمتّعين، وهم عن التمتّعِ ممنوعون، وإِلاَّ فلا منعَ للمكِّيِّ عن العمرة المفرَدّة في أشهر الحجِّ
إذا لم يَحُجَّ في تلك السَّنَةِ، ومَن خَلَفَ فعليه البيانُ، "شرح اللباب"(٣). ومثلُهُ في "البحر"(٤)، وهو
ردٌّ على ما اختارَهُ في "الفتح"(٥) من كراهتها للمكِّيِّ وإنْ لم يَحُجَّ، ونقَلَ عن القاضي "عيدٍ" في
"شرح المنسك": ((أَنَّ ما في "الفتح": قال العلاَّمة "قاسمٌ": إنّه ليس بمذهبٍ لعلمائنا ولا للأئمَّةِ
الأربعة، ولا خلافَ في عدم كراهتها لأهل مكَّةٌ)) اهـ.
قلت: وسيأتي(٦) تمامُ الكلام عليه في باب التمتّع إن شاء الله تعالى.
هذا، وما نقلَهُ "ح"(٧) عن "الشرنبلاليّة"(٨) من تقييدِهِ كراهةَ العمرة في الأيّام الخمسة بقوله:
(( أي: في حقِّ المحرمِ أو مُرِيدِ الحجِّ)) يقتضي أنَّه لا يكرهُ في حقِّ غيرهما، ولم أر مَن صرَّحَ به،
فليراجع.
(١) في "ب" و"م": ((أربعة)) بلا واو.
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب العمرة صـ٣٠٨ -.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب العمرة صـ٣٠٨ __.
(٤) "البحر": كتاب الحج - باب الفوات ٦٢/٣.
(٥) الفتح": كتاب الحج - باب التمتع ٤٢٩/٢.
(٦) المقولة [١٠٣٧٨] قوله: ((ولو قرن أو تمتع جاز وأساء إلخ)).
(٧) "ح": كتاب الحج ق ١٣٥/أ.
(٨) "الشرنبلالية": كتاب الحج ٢١٧/١ (هامش "الدرر والغرر").

قسم العبادات
٥١٦
حاشية ابن عابدين
أي: كُرِهَ إنشاؤُها بالإِحرام - حتّى يلزمُهُ دمٌ وإنْ رَفَضَها - لا أداؤها فيها بالإِحرام
السَّابق كقارِنٍ فاتَهُ الحجُّ فاعتَمَرَ فيها لم يكره، "سراج". وعليه فاستثناءُ "الخانَيَّة"
القارِنَ منقطعٌ، فلا يختصُّ.
[٩٧٢٤] (قولُهُ: أي: كُرِهَ إنشاؤها بالإحرامِ) أي: كره إنشاءُ الإحرام لها في هذه الأيَّام،
"ح "(١).
[٩٧٢٥] (قولُهُ: حَتَّى يلزمُهُ دمٌّ وإنْ رِفَضَها) سيأتي(٢) الكلامُ عليه إن شاء الله تعالى في آخرٍ
باب الجنایات.
[٩٧٢٦) (قولُهُ: لا أداؤُها) عطفٌ على ((إنشاؤُها))، "ح"(٣).
[٩٧٢٧] (قولُهُ: كقارن فاتَهُ الحجُّ) لو قال كما في [٢/ق ٣٦٤/ب] "المعراج": ((كفائتِ
الحجّ)) لشملَ المتمتّع.
[٩٧٢٨] (قولُهُ: وعليه) أي: على ما ذُكِرَ من أنَّ المكروه الإنشاءُ لا الأداءُ بإحرامٍ سابقٍ.
[٩٧٢٩) (قولُهُ: فاستثناءُ "الخانََّة"(٤) إلخ) حيث قال: ((تكرهُ العمرة في خمسةِ أَيَّامٍ لغير
القارن)) اهـ.
ووجهُ الانقطاع ما علمتَهُ من أنَّ المكروه إنشاءُ العمرة في هذه الأَيَّام، والقارنُ أحرَمَ بها
يإحرامٍ سابقٍ على هذه الأيّام، فهو غيرُ داخلٍ فيما قبله، فاستثناؤه منقطعٌ، فافهم.
[٩٧٣٠] (قولُهُ: فلا يختصُّ إلخ) تفريعٌ على قوله: ((منقطعٌ))؛ لأنَّ حاصله أنَّه لَمَّا لم يكن
مُنشِئاً للإحرامِ فيها لم يكن داخلاً فيمن تكرهُ عمرته فيها، وحينئذٍ فلا يختصُّ جوازُ عمرته(٥) بيومٍ
عرفة، فافهم.
(١) "ح": كتاب الحج ق ١٣٥/أ.
(٢) المقولة [١٠٨٣٢] قوله: ((ورفضت)) وما بعدها.
(٣) "ح": كتاب الحج ق ١٣٥/ب.
(٤) "الخانية": كتاب الحج - فصل في العمرة ٣٠١/١ (هامش " الفتاوى الهندية").
(٥) قوله: ((فيها وحينئذ فلا يختص جواز عمرته)) ساقط من "الأصل".