النص المفهرس
صفحات 461-480
الجزء السادس
٤٥٧
كتاب الحج
- كما سيجيءُ - يجبُ عليه أحدُ النسكين، فإن اختارَ الحجَّ اتَّصَفَ بالوجوب، وقد
يتّصِفُ بالحرمة كالحجِّبمالٍ حرامٍ، وبالكراهةِ كالحجِّ بلا إذن.
وعن هذا - والله تعالى أعلم - فرَضَ "الشارح" تبعاً لـ "البحر"(١) و"النهر"(٢) تصويرَ الوجوب
بما إذا جاوَزَ الميقاتَ بلا إحرامٍ، فإنّه يجبُ عليه العَوْدُ إلى الميقاتِ ويلِّي منه، ويكونُ إحرامه حينئذٍ
واجباً إذا كان لأجلِ المجاوزة، أمَّا لو أحرَمَ قبلها بُنُسُكِ فرضٍ أو نذرٍ أو نفلٍ فهو على ما نوى من
فرضٍ أو غيره، ولا يجبُ عليه إحرامٌ خاصٌّ لأجلِ المجاورة، وحينئذٍ فلا حزازةَ في عبارته، فافهم.
[٩٥٥٦] (قولُهُ: كما سيجيءُ)(٣) أي: قبيل فصلِ الإحرام، وكذا قبيلَ فصل الإحصار.
[٩٥٥٧] (قولُهُ: فإن اختارَ الحجَّ اتَّصَفَ بالوجوب) فيكونُ من قبيل الواجب المخيّرِ، أي:
١٣٩/٢ وإن اختارَ العمرة [٢/ق ٣٥٠/ أ] اتَّصَفَتْ بالوجوب، وإنما ترَكَهُ لعدمٍ اقتضاء المقام إِيَّه اهـ "ح "(٤).
مطلبٌ فیمن حج بمالٍ حرامٍ
[٩٥٥٨] (قولُهُ: كالحجِّبمالِ حراءٍ) كذا في "البحر"(٥)، والأَولى التمثيلُ بالحجِّ رياءً وسمعةً،
فقد يقال: إنَّ الحجَّ نفسَهُ الذي هو زيارةُ مكانٍ مخصوصٍ إلخ ليس حراماً، بل الحرامُ هو إنفاقُ
المال الحرام، ولا تلازُمَ بينهما كما أنَّ الصلاة في الأرض المغصوبة تقعُ فرضاً، وإنما الحرامُ شغلُ
المكان المغصوبِ لا من حيث كونُ الفعل صلاةً؛ لأنَّ الفرض لا يمكن اتصافُهُ بالحرمة؛
وهنا كذلك، فإنَّ الحجَّ في نفسه مأمورٌ به، وإنما يحرُّمُ من حيث الإِنفاقُ، وكأنّه أطلَقَ عليه الحرمةَ
لأَنَّ للمال دخلاً فيه، فإنَّ الحجَّ عبادةٌ مركّبةٌ من عملِ البدنِ والمالِ كما قدَّمناه(٦)، ولذا قال
(قولُهُ: والأَولى التمثيلُ بالحجِّ رياءً وسمعةً) ما قيل في مثال "الشارح" يقالُ في مثاله، والظاهرُ
أنَّ الحرمة فيهما عرضيَّةٌ لا لذاتِ الفعل، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الحج ٣٣٣/٢.
(٢) "النهر": كتاب الحج ق ١٣٠/ب.
(٣) المقولة [٩٧٧٦] قوله: ((وحلَّ لأهل داخلها)) وما بعدها، و٣٣١/٧ وما بعدها "در"، و٣٤٥/٧ وما بعدها "در".
(٤) "ح": كتاب الحج ق١٣٤/أ.
(٥) "البحر": كتاب الحج ٣٣٢/٢.
(٦) صـ ٤٥١- أول كتاب الحج .
قسم العبادات
٤٥٨
حاشية ابن عابدين
ممن يجبُ استئذانُهُ، وفي "النوازل": ((لو كان الابنُ صبيحاً فللأبِ منعُهُ حتّى يلتحيَ))
في "البحر"(١): ((ويجتهدُ في تحصيلِ نفقةٍ حلال، فإنَّه لا يُقبَلُ بالنفقة الحرامُ كما ورَدَ في الحديث(٢)
مع أنَّه يَسقُطُ الفرضُ عنهِ معها، ولا تنافيَ بين سقوطه وعدم قبوله، فلا يُثابُ لعدم القبول،
ولا يُعاقَبُ عقابَ تارك الحجِّ)) اهـ. أي: لأنَّ عدم الترك يبتني على الصحَّة، وهي الإتيانُ بالشَّرائط
والأركان، والقبولُ المترتّبُ عليه الثوابُ يبتني على أشياءَ كحلِّ المال والإخلاص، كما لو صلَّى
مُرائياً أو صامَ واغتاب فإِنَّ الفعل صحيحٌ، لكنَّه بلا ثوابٍ، والله تعالى أعلم.
[٩٥٥٩] (قولُهُ: ممن يجبُ استئذانُهُ) كأحدٍ أبويه المحتاجِ إلى خدمته، والأجدادُ والجدَّتُ
كالأبوين عند فَقْدِهما، وكذا الغريمُ لمديونٍ لا مالَ لهُ يَقَضِي به، والكفيلُ لو بالإذنِ، فیکره
خروجُهُ بلا إذنهم كما في "الفتح"(٣)، وظاهرُهُ أنَّ الكراهة تحريميَّةٌ، ولذا عبَّرَ "الشارح" بالوجوب،
وزاد في "البحر"(٤) عن "السِّير"(٥): ((وكذا إنْ كَرِهَتْ خروجَهُ زوجتُهُ ومَن عليه نفقتُهُ)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ هذا إذا لم يكن له ما يدفعُهُ للنفقة في غيبته، قال في "البحر"(٦): ((وهذا كلُّهُ
في حجِّ الفرض، أمَّا حجُّ النفلِ فطاعةُ الوالدين أَولى مطلقاً كما صرَّحَ به في "الملتقط")).
[٩٥٦٠] (قولُهُ: حتّى يلتحيَ) وإنْ كان الطريقُ مُخوِّفاً لا يخرُجُ وإن التَّحَى، "بحر "(٧)
(١) "البحر": كتاب الحج ٣٣٢/٢ .
(٢) أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" (٥٢٢٨) من حديث أبي هريرة وبه قال: قال رسول اللهِ ﴾: ((إذا خرج الحاجُّ حاجًاً
بنفقةٍ طَيِّيّةٍ، ووضع رِجْلَه في الغَرْزِ فنادى: ((لبيك اللّهمَّ لبّيك)) ناداه مُنادٍ من السَّماءِ: ((لبيك وسَعْدَيك، زادُكَ حلالٌ،
وراحلتُك حلالٌ، وحجُّك مبرورٌ غيرُ مأزورٍ))، وإذا خرج بالنّفقة الخبيثة، فوضع رِجْله في الغَرْزِ فنادى: ((لبيك اللَّهِمَ
لبيك)) ناداه مُنادٍ من السَّماءِ: (( لا لبيك ولا سَعْدَيك، زادُك حَرَامٌ، ونفقتُك حرامٌ، وحُّك مأزورٌ غيرُ مبرورٍ))).
وأورده الهيثميُّ في "مجمع الزوائد" ٢٩٢/١٠ وقال: وفيه سليمان بن داود اليَمَاميُّ، وهو ضعيف.
(٣) "الفتح": كتاب الحج ٣١٩/٢ .
(٤) "البحر": كتاب الحج ٣٣٢/٢.
(٥) انظر "شرح السير الكبير": باب من يكره له أن يغزو ومن لا يكره له ذلك ١٤٤٩/٤ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الحج ٣٣٢/٢.
(٧) "البحر": كتاب الحج ٣٣٢/٢ بتصرف يسير.
الجزء السادس
٤٥٩
کتاب الحج
(على الفَوْرِ) في العامِ الأوَّلِ عند "الثاني"، وأصحُّ الرِّوايتين عن "الإِمام" و"مالكٍ"
و "أحمدَ"، فَيَفسُقُ وتُرَدُّ شهادتُهُ بتأخيرِهِ، أي: سنيناً؛ لأنَّ تأخيرَهُ صغيرةٌ، وبارتكابهِ
مرَّةً لا يَفسُقُ إلَّ بالإصرار، "بحر".
عن "النوازل".
[٩٥٦١] (قولُهُ: على الفَوْرِ) هو الإتيانُ به في أوَّلِ أوقات الإمكان، ويقابلُهُ قول "محمَّدٍ":
إِنَّه على التراخي، وليس معناه تعيُّنَ التأخيرِ، بل بمعنى عدمٍ لزوم الفور.
[٩٥٦٢] (قولُهُ: وأصحُّ الرِّوايتين) لا يصلُحُ عطفُهُ على (("الثاني"))، فهو خبرُ مبتدٍ محذوفٍ،
أو قولُهُ: ((عند "الثاني")) خبرُ مبتدأٍ [٢/ق ٣٥٠/ب] محذوفٍ، أي: هذا عند "الثاني"، فقوله:
((وأصحُّ)) عطفٌ عليه، فافهم.
[٩٥٦٣] (قولُهُ: و"مالكٍ" و"أحمد") عطفٌ على (("الإِمام"))، فيفيدُ اختلاف الرِّواية عنهما
أيضاً، وعبارةُ "شرح درر البحار)"(١) تفيدُهُ أيضاً حيث قال: ((وهو أصحُّ الرِّوايات عن
"أبي حنيفة" و"مالكٍ" و"أحمد"))، فافهم.
[٩٥٦٤] (قولُهُ: أي: سنيناً إلخ) ذكرَهُ في "البحر"(٢) بحثاً، وأتى بسنين منوَّناً لأَنَّه قد يجري
مَجرى حينٍ، وهو عند قومٍ مطَّردٌ.
[٩٥٦٥] (قولُهُ: إلَّ بالإصرارِ) أي: لكنْ بالإصرار، فهو استثناءٌ منقطعٌ لعدم دخول الإصرار
تحت المرّة، "ح"(٣). ثمَّ لا يخفى أنَّه لا يلزمُ من عدم الفسق عدمُ الإِثْم، فإِنَّه يأثمُ ولو بمرَّةٍ،
وفي "شرح المنار" لـ "ابن نجيمٍ)"(٤) عن "التقرير" لـ "الأكمل": ((أَنَّ حدَّ الإصرار أنْ تتكرَّرَ منه
تكرُّراً يُشعِرُ بقلَّةِ المبالاة بدينه إشعارَ ارتكابِ الكبيرة بذلك)) اهـ.
ومقتضاه أنّ غيرُ مقدَّرِ بعددٍ، بل مفوَّضٌ إلى الرأي والعرف، والظاهرُ أنّه بمرَّتين لا يكونُ
(١) "غرر الأذكار": كتاب الحج ق ٨٣/ب.
(٢) "البحر": كتاب الحج ٣٣٢/٢.
(٣) "ح": كتاب الحج ق١٣٤/أ.
(٤) "فتح الغفار بشرح المنار": باب بيان أقسام السنة - إنما جُعِلَ الخبرُ حُجَّةٌ بشرائطَ أربعةٍ في الراوي ٨٧/٢ .
قسم العبادات
٤٦٠
حاشية ابن عابدين
ووجهُهُ أنَّ الفَوْرِيَّةَ ظنّةٌ؛ لأنَّ دليل الاحتياط ظِنِّيٌّ، ولذا أجمعوا أنَّه لو تراخَى كان أداءً
إصراراً، ولذا قال: ((أي: سنيناً))، فقولُهُ في "شرح الملتقى"(١): ((فيفسُقُ وتُرَدُّ شهادتُهُ بالتأخير
عن العام الأوَّلِ بلا عذرٍ)) غيرُ محرَّرِ؛ لأنَّ مقتضاه حصولُهُ بمرَّةٍ واحدةٍ فضلاً عن المرَّتين، فافهم.
[٩٥٦٦] (قولُهُ: ووجهُهُ إلخ) أي: وجهُ كون التأخيرِ صغيرةً أنَّ الفوريَّةَ واجبةٌ؛ لأَنْهَا ظِّةٌ
لظنَّةٍ دليلها وهو الاحتياط؛ لأنَّ في تأخيره تعريضاً له للفوات، وهو غيرُ قطعيٍّ، فيكونُ التأخير
مكروهاً تحريماً لا حراماً؛ لأنَّ الحرمة لا تثبتُ إلَّ بقطعيِّ كمقابلها وهو الفرضيَّة، وما ذكرَهُ مبنيٌّ
على ما قاله صاحب "البحر" في رسالته المؤلفة في بيان المعاصي: ((إِنَّ كلَّ ما كره عندنا تحريماً
فهو من الصغائرِ(٢)، لكنَّه عُدَّ فيها(٣) من الصغائر ما هو ثابتٌ بقطعيّ كوطءِ المظاهَر منها قبل
التكفيرِ والبيعِ عند أذان الجمعة))، تأمَّل.
[٩٥٦٧] (قولُهُ: كانَ أداءً) أي: ويسقطُ عنه الإِثمُ اتّفاقاً كما في "البحر "(٤)، قيل: المرادُ إِثْمُ
تفويت الحجِّ لا إثمُ التأخير.
قلت: لا يخفى ما فيه، بل الظاهرُ أنَّ الصواب إثمُ التأخير؛ إذ بعد الأداء لا تفويتَ،
وفي "الفتح"(٥): ((ويأثمُ بالتأخير عن أوَّلِ سِنِي الإِمكانِ، فلو حَجَّ بعده ارتفَعَ الإِثم)) اهـ.
وفي "القُهُستانيّ"(٦): ((فيأتُمُ عند "الشيخين" بالتأخيرِ إلى غيره بلا عذرٍ، إلاّ إذا أدَّى
ولو في آخر عمره، فإنه رافعٌ للإثم بلا خلافٍ)).
(قولُهُ: لكنَّه عُدَّ فيها من الصَّغَائِرِ إلخ) وجهُ عدِّهما من الصَّغائرِ أنَّ النَّماسَّ في آيةِ الظِّهارِ حقيقةٌ
في المسِّ باليد وإِنْ أُرِيدَ به فيها الوطءُ مجازاً والدَّواعي، فلم تكن قطعيَّةَ الدّلالة على الوطء، وتقدَّمَ له في الجمعة
أنَّ البيع عند أذانها مكروهٌ لا حرامٌ لوقوع الخلاف في المراد بالنّداء فيها هل هو الأذانُ الأوَّلُ أو الثاني
أو دخول الوقت؟ على أنَّه يُحتمَلُ أن يكون الإقامةَ وإنْ لم نَرَ مَن قال به، فلم تكن قطعيَّةَ الدلالة أيضاً.
(١) "الدر المنتقى": كتاب الحج ٢٥٩/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٢) انظر "رسالته في بيان المعاصي": صـ ٢٦٢ - (ضمن مجموعة "رسائل ابن نجيم").
(٣) انظر "رسالته في بيان المعاصي": صـ٢٥٠ - (ضمن مجموعة "رسائل ابن نجيم").
(٤) "البحر": كتاب الحج ٣٣٣/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الحج ٣٢٤/٢.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٣٤/١ .
الجزء السادس
٤٦١
کتاب الحج
وإِنْ أَثِمَ بموته قبله، وقالوا: لو لم يَحُجَّ حتّى أَتَلَفَ مالَهُ وَسِعَهُ أَنْ يَستقرِضَ ويَحُجَّ
ولو غيرَ قادرٍ على وفائه، ويُرجَى أنْ لا يُؤَاخِذَهُ الله بذلك، أي: لو ناوياً وفاءَهُ
إذا قدَرَ كما قَّدَهُ في "الظهيرِيَّة"(١) ..
[٩٥٦٨] (قولُهُ: وإِنْ أَثِمَ بموته قبلَهُ) أي: بالإجماع كما في "الزيلعيّ)"(٢)، أمَّا على قولهما
[٢/ق ٣٥١/أ] فظاهرٌ، وأمَّا على قول "محمَّدٍ" فإنّه وإنْ لم يأثم بالتأخير عنده لكنْ بشرطِ الأداء
قبل الموت، فإذا مات قبله ظهَرَ أَنَّه آثمٌ، قيل: من السََّةِ الأُولى، وقيل: مِن الأخيرةِ مِن سنةٍ رأى في
نفسِهِ الضعف، وقيل: يأثمُ في الجملةِ غيرَ محكومٍ بمعَيَّنٍ، بل علمُهُ إلى الله تعالى كما في "الفتح"(٣).
[٩٥٦٩] (قولُهُ: وَسِعَهُ أنْ يستقرضَ إلخ) أي: جاز له ذلك، وقيل: يلزمُهُ الاستقراضُ كما
في "لباب المناسك"، قال "منلا علي القاري" في "شرحه"(٤) عليه: ((وهو روايةٌ عن "أبي يوسف"،
وضعفُهُ ظاهرٌ، فإِنَّ تَحمُّلَ حقوقِ الله تعالى أخفُّ من ثقلِ حقوقِ العباد)) اهـ.
قلت: وهذا يَرِدُ على القولِ الأوَّلِ أيضاً إنْ كان المراد بقوله: ((ولو غيرَ قادر على وفائه))
أَنْ يَعَلَمَ أَنَّه ليس له جهةُ وفاءٍ أصلاً، أمَّا لو عَلِمَ أَنَّه غيرُ قادرٍ في الحال، وغَلَبَ على ظنّه أَنَّه
لو اجتهَدَ قدَرَ على الوفاء فلا يَرِدُ.
١٤٠/٢
والظاهرُ: أنَّ هذا هو المرادُ أخذاً مما ذكرَهُ في "الظهيريَّة"(٥) أيضاً في الزَّكاة حيث قال:
((إن لم يكن عنده مالٌ، وأرادَ أن يستقرضَ لأداء الزَّكاة فإنْ كان في أكبرِ رأيه أنَّه إذا اجتهَدَ بقضاءِ
دَينه قدَرَ كان الأفضلُ أنْ يَستقرِضَ، فإن استقرَضَ وأدَّى ولم يَقدِر على قضائه حتّى مات يُرجَى
أن يقضيَ الله تبارك وتعالى دينَهُ في الآخرة، وإنْ كان أكبرُ رأيه أنَّه لو استقرَضَ لا يقدرُ على قضائه
كان الأفضلُ له عدمَهُ)) اهـ. وإذا كان هذا في الزَّكاة المتعلّق بها حقُّ الفقراء فَفي الحجِّ أَولى.
(١) "الظهيرية": كتاب الحج - فصل فيمن يجب عليه الحج ومن لا يجب ق٦٣/أ.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الحج ٣/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الحج ٣٢٤/٢.
(٤) انظر "إرشاد الساري": فصل فيمن يجب عليه الوصية بالحج صـ٤٤ -.
(٥) "الظهيرية": فصل في مصارف الزكاة والعشر والخراج ق٤٩/ب بتصرف.
قسم العبادات
٤٦٢
حاشية ابن عابدين
(على مسلمٍ) لأنَّ الكافر غيرُ مخاطبٍ بفروع الإِيمان في حقِّ الأداء).
... . . .
[٩٥٧٠] (قولُهُ: على مسلمٍ إلخ) شروعٌ في بيانِ شروط الحجِّ، وجعَلَها في "اللباب"(١) أربعةَ
أنواعٍ:
((الأوَّل: شروطُ الوجوب، وهي التي إذا وُجِدَتْ بتمامِها وجَبَ الحجُّ ، وإلاّ فلا ، وهي
سبعةٌ: الإِسلامُ، والعلمُ بالوجوب لِمَن في دار الحرب، والبلوغُ، والعقلُ، والحرِّيَّة، والاستطاعةُ،
والوقتُ، أي: القدرةُ في أشهر الحجِّ أو في وقتِ خروج أهل بلدِهِ على ما يأتي(٢).
والنوعُ الثاني: شروطُ الأداء، وهي التي إنْ وُجِدَتْ بتمامها مع شروطِ الوجوب وجَبَ
أداؤُهُ بنفسه، وإِنْ فُقِدَ بعضُها مع تحقَّقِ شروط الوجوب فلا يجبُ الأداءُ، بل عليه الإِحجاجُ
أو الإيصاءُ عند الموت، وهي خمسةٌ: سلامةُ البدن، وأمنُ الطريق، وعدمُ الحبس، والمحرمُ أو الزَّوج
[٢/ ق ٣٥١/ب] للمرأة، وعدمُ العدَّةِ لها.
النوعُ الثالث: شرائطُ صحَّةِ الأداء، وهي تسعةٌ: الإِسلامُ، والإحرامُ، والزَّمانُ، والمكانُ،
والتمييزُ، والعقلُ، ومباشرةُ الأفعال إلاَّ بعذرٍ، وعدمُ الجماع، والأداءُ من عامِ الإحرام.
النوعُ الرابع: شرائطُ وقوعِ الحجِّ عن الفرض، وهي تسعةٌ أيضاً: الإسلامُ، وبقاؤه إلى الموت،
والعقلُ، والحرِّيَّةُ، والبلوغُ، والأداءُ بنفسه إنْ قدَرَ، وعدمُ نَيَّةِ النفل، وعدمُ الإفساد، وعدمُ النَّةِ
عن الغير)).
[٩٥٧١] (قولُهُ: على مسلمٍ) فلو ملَكَ الكافرُ ما به الاستطاعةُ، ثمَّ أسلم بعدما افتقَرَ لا يجبُ
عليه شيءٌ بتلك الاستطاعة، بخلاف ما لو ملكَهُ مسلماً فلم يَحُجَّ حتَّى افتقَرَ، حيث يتقرَّرُ وجوبُهُ
دَيْناً في ذمَّتِهِ، "فتح"(٣). وهو ظاهرٌ على القول بالفوريَّة لا التراخي، "نهر "(٤).
(١) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ ٢١-٤٢ -.
(٢) المقولة [٩٦٠٧] قوله: ((مع أمن الطريق)).
(٣) "الفتح": كتاب الحج ٣٢٠/٢ - ٣٢١.
(٤) "النهر": كتاب الحج ق ١٣٠/ب.
الجزء السادس
٤٦٣
كتاب الحج
وقد حقّقناه فيما علَّقناه على "المنار" (حُرٍّ.
قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ على القول بالتراخي يتحقَّقُ الوجوبُ من أوَّلِ سِني الإمكانِ،
ولكِنَّه يتخيَّرُ في أدائه فيه أو بعده كما في الصلاة، تجبُ بأوَّلِ الوقت مُوسَّعاً، وإلاَّ لزِمَ
أنْ لا يتحقَّقَ الوجوب إلاَّ قبيل الموت، وأنْ لا يجبَ الإِحجاجُ على مَن كان صحيحاً ثمَّ مَرِضَ
أو عَمِيَ، وأنْ لا يأثمَ المفرِّطُ بالتأخير إذا مات قبل الأداء، وكلُّ ذلك خلافُ الإجماع، فتدَّر.
[٩٥٧٢] (قولُهُ: وقد حقَّقناه إلخ) حاصلُ ما ذكرَهُ هناك أنَّ في تكليفه بالعبادات ثلاثةً
مذاهب:
مذهبُ السَّمر قنديِّين: غيرُ مخاطبٍ بها أداءً واعتقاداً.
والبخاريِّين: مخاطبٌ اعتقادً فقط.
والعراقِّين: مخاطبٌ بهما، فيُعاقَبُ عليهما، قال: ((وهو المعتمدُ كما حرَّرَهُ "ابن نجيمٍ)(١)؛
لأنَّ ظاهر النُّصوص يشهدُ لهم، وخلافُهُ تأويلٌ، ولم يُنقَل عن "أبي حنيفة" وأصحابه شيءٌ لِيُرجَعَ
إليه)) اهـ.
ولا يخفى أنَّ قوله: ((في حقِّ الأداء)) يُفهِمُ أَنّه مخاطبٌ بها اعتقاداً فقط كما هو مذهبُ
البخاريِّين، وهو ما صحَّحَهُ صاحب "المنار"(٢)، لكنْ ليس في كلام "الشارح" أنَّ ما هنا هو
ما اعتمَدَهُ هناك، وما قيل: إنَّ ما هنا خلافُ المذهب فيه نظرٌ؛ لِما علمتَ من أنَّه لا نصَّ
عن أصحاب المذهب، فافهم.
[٩٥٧٣] (قولُهُ: حرِّ فلا يجبُ على عبدٍ مدَّراً كان، أو مكاتباً، أو مبعَّضاً، أو مأذوناً
به ولو بمكّةً، أو كانت أمَّ ولدٍ لعدم أهلَّتِهِ لملك الزَّاد والراحلة، ولذا لم يجب على عبيدِ أهل
مكّةً بخلاف [٢/ق٣٥٢/أ] اشتراط الزَّاد والراحلة في حقِّ الفقير، فإنّه للتيسير لا للأهليَّة،
فوجَبَ على فقراءِ مكَّةً.
(١) "فتح الغفار بشرح المنار": ٧٦/١ - ٧٧ .
(٢) انظر "حاشية نسمات الأسحار": مبحث: الكفار مخاطبون صـ٤٣ -.
قسم العبادات
٤٦٤
حاشية ابن عابدين
مكلّفٍ) عالِمٍ بِفَرْضِيَّتِهِ،.
وبهذا التقريرِ ظهَرَ الفرقُ بين وجوبِ الصلاة والصوم على العبد دون الحجِّ، "نهر" (١).
وهو وجودُ الأهلِيَّة فيهما لا فيه، والمرادُ أهلِيَّةُ الوجوب، وإلاَّ فالعبدُ أهلٌ للأداء، فيقعُ له نفلاً
كما سيأتي(٢).
[٩٥٧٤] (قولُهُ: مكلّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ، فلا يجبُ على صبيٌّ ولا مجنونٍ، وفي المعتوهِ خلافٌ
في الأصول، فذهَبَ "فخر الإسلام" إلى أنَّه يُوضَعُ الخطابُ عنه كالصبيِّ، فلا يجبُ عليه شيءٌ
من العبادات، وذهَبَ "الدَّبوسيُّ" إلى أَنَّه مخاطبٌ بها احتياطاً، "بحر"(٣). وقدَّمنا (٤) الكلامَ
على المعتوهِ في أوَّلِ الزَّكاة، فراجعه.
( تنبيةٌ )
ذكَرَ في "البدائع"(٥): ((أَنَّه لا يجوزُ أداء الحجِّ من مجنونٍ وصبيٌّ لا يعقلُ كما لا يجبُ
عليهما)) اهـ ونقل غيرُهُ صحَّةَ حجِّهما، ووقّقَ في "شرح اللباب" (٦) بالفرق بين مَن له بعضُ
إدراكٍ وغيره.
(قولُهُ: وفي المعتوهِ خلافٌ في الأصولِ) لكنْ لو أدَّاهُ المعتوهُ يصحُّ منه؛ لِما في كتاب الطهارة من
"البحر" أنَّ ظاهر كلامِ الكلِّ الاتفاقُ على صحَّةٍ أدائه العباداتِ، أمَّا مَن جعَلَهُ مكلَّفاً فظاهرٌ، وكذا مَن
لم يجعله مكلَّفاً؛ لأَنَّه جعَلَهُ كالصبيِّ العاقل، وقد صرَّحُوا بصحَّةٍ عبادته. اهـ انتهى "سندي".
(١) "النهر": كتاب الحج ق ١٣٠/ب .
(٢) المقولة [٩٦٤٧] قوله: ((لانعقاده)).
(٣) "البحر": كتاب الحج ٣٣٤/٢ - ٣٣٥.
(٤) المقولة [٧٧٧٩] قوله: ((ولو معتوهاً)).
(٥) "البدائع": كتاب الحج - فصل: وأما شرائط فرضيته ١٢٠/٢.
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ٢٥ -.
الجزء السادس
٤٦٥
کتاب الحج
إِمَّا بالكَوْنِ بدارِنا وإمَّا بإخبارِ عَدْلٍ.
قلت: وفيه نظرٌ، بل التوفيقُ بحملِ الأوَّلِ على أدائهما(١) بنفسهما، والثاني على فعلِ الوليِّ،
ففي "الولوالحيَّة"(٢) وغيرها: ((الصبيُّ يَحُجُّ به أبوه، وكذا المجنون؛ لأنَّ إحرامه عنهما وهما
عاجزان كإحرامهما بنفسهما)) اهـ. وسيأتي(٣) تمامُهُ.
[٩٥٧٥] (قولُهُ: إِمَّا بالكونِ في دارِنا) سواءٌ عَلِمَ بالفرضيَّةِ أم لا، نشأ على الإسلام فيها أم لا،
"بحر "(٤). وقولُهُ: ((أو بإخبارِ عدلٍ إلخ)) هذا لِمَن أسلَمَ في دار الحرب، فلا يجبُ عليه قبل العلم
بالوجوب.
بقي لو أدَّى قبله، ذكَرَ "القطبيُّ" في "مناسكه"(٥) بحثاً: ((أَنّ لا يُحزيه عن الفرضِ))، ونُوزِعَ
١٤١/٢ بأنَّ العلم ليس من شروطِ وقوع الحجِّ عن الفرض كما عُلِمَ مما مرَّ(٦)، وبأنَّ الحجَّ يصحُّ بمطلق النَّةِ
بلا تعبينِ الفرضيّة بخلاف الصلاة، وبأنَّ يصحُّ ممن نشَأً في دارنا وإِنْ لم يعلم بالفرضيّة كما علمتَهُ.
(قولُهُ: وفيه نظرً) فيه تأمُّلٌ، فإنَّ مَن له بعضُ إدراكٍ منهما يصحُّ أداؤه العبادةَ، ولا مانعَ يمنعُ
من الصحّة فيه، وأمَّا مسألةُ إحرام الوليِّ عنهما فهي مسألةٌ أخرى، فإنَّ إحرامه عنهما صحيحٌ
ولو مع بعضٍ إدراكٍ، وسيأتي ما فيه من النّزاع.
(قولُهُ: ونُوزِعَ بأنَّ العِلْم ليس من شُرُوطِ وقوعِ الحجِّ إلخ) وبأَنَّه بدخولِهِ دارَ الإِسلام تحقَّقَ منه
الكونُ في دارنا، إذ ليس المرادُ الاستقرارَ على سبيل الدَّوام بل مجرَّدَ الحصولِ والتحقُّقٍ، فهو كمَن نشَأَ
في دارِ الإسلام.
(١) في "ب": ((أدائها))، وهو خطأ .
(٢) "الولوالجية": كتاب الحج - الفصل الثالث فيمن يحج عن غيره ق ٤٣/ب باختصار.
(٣) المقولة [٩٦٥٠] قوله: ((والمجنون)).
(٤) "البحر": كتاب الحج ٣٣٥/٢ .
(٥) "مناسك القطبي": لعليّ بن محمد بن عيسى، علاء الدين الدمشقيّ الشافعيّ، المعروف بالقطبيّ(ت٨٠٣هـ).
("إيضاح المكنون" ٥٥٧/٤، "الضوء اللامع" ٥/٦ -٦).
(٦) المقولة [٩٥٧٠] قوله: ((على مسلم إلخ)).
قسم العبادات
٤٦٦
حاشية ابن عابدين
أو مستورَيْنِ (صحيحٍ) البَدَنِ.
[٩٥٧٦] (قولُهُ: أو مستورَينٍ) أفاد أنَّ الشَّرط أحدُ شطري الشهادةِ: العددُ أو العدالةُ كما
في "النهر"(١).
[٩٥٧٧) (قولُهُ: صحيحِ البَدَنِ) أي: سالِمٍ عن الآفاتِ المانعة عن القيام بما لا بدَّ منه في السَّفْر،
فلا يجبُ على مُقعدٍ، ومفلوجٍ، وشيخٍ كبيرٍ لا يثبتُ على الرَّاحلةِ بنفسه، وأعمى وإنْ وجَدَ قائداً،
ومحبوسٍ، وخائفٍ من سلطان، لا بأنْفُسِهِم ولا بالنّيابة في ظاهرِ المذهب عن "الإِمام"، وهو روايةٌ
عنهما، وظاهرُ الرِّواية عنهما وجوبُ الإِحجاج عليهم، ويُحزيهم إِنْ دام [٢/ق ٣٥٢/ب] العجزُ،
وإنْ زال أعادوا بأنفسهم.
والحاصلُ: أَنَّه من شرائطِ الوجوب عنده، ومن شرائطٍ وجوب الأداء عندهما، وثمرةُ
الخلاف تظهرُ في وجوب الإِحجاج والإيصاء كما ذكرنا، وهو مقيَّدٌ بما إذا لم يَقدِرْ على الحجِّ
وهو صحيحٌّ، فإِنْ قَدَرَ ثُمَّ عجَزَ قبل الخروج إلى الحجِّ تقرَّرَ دَيناً في ذمَّتِهِ، فيلزمُهُ الإِحجاجُ،
فلو خرَجَ ومات في الطريق لم يجب الإيصاءُ؛ لأَنَّه لم يُؤخِّر بعد الإيجاب، ولو تكلَّفوا الحجّ
بأنفسهم سقَطَ عنهم، وظاهرُ "التحفة(٢) اختيارُ قولهما، وكذا "الإسبيجابيُّ"، وقوَّاه
في "الفتح"(٣)، ومشى على أنَّ الصحّة من شرائطِ وجوب الأداء. اهـ من "البحر"(٤) و"النهر "(٥).
(قولُهُ: ومحبوسٍ إلخ) قال في "النهر": ((ويُلحَقُ بهم المحبوسُ والخائفُ من السُّلطان)) اهـ.
(قولُهُ: فلو خرَجَ وماتَ في الطَّريق إلخ) عبارة "النهر": ((ولو مات في الطريق لا يجبُ عليه
الإيصاءُ، أي: اتفاقاً)) اهـ.
وعلَّلَهُ في "البحر" بما ذكرَهُ المحشِّي، والمرادُ أنَّ مَن ماتَ في الطريق مِن أصحاب الأعذار المذكورة
في أوَّلِ سنةِ الإيجاب لا يجبُ عليه الإيصاءُ لا مَن مات بعد تقرُّرِهِ في ذمَّتِهِ، أو ضميرُ ((خرَجَ)) عائدٌ
للقادرِ على الحجِّ، إلاَّ أنَّه مقيَّدٌ بما إذا خرَجَ في أوَّلِ سنةٍ الوجوب بدليل التّعليل.
(١) "النهر": كتاب الحج ق ١٣٠/ب.
(٢) "تحفة الفقهاء": كتاب المناسك ٣٨٤/١.
(٣) "الفتح": كتاب الحج ٣٢٧/٢.
(٤) "البحر": كتاب الحج ٣٣٥/٢.
(٥) "النهر": كتاب الحج ق ١٣٠/ب.
الجزء السادس
٤٦٧
كتاب الحج
(بصيرٍ) غيرِ محبوسٍ وخائفٍ من سلطانٍ يَمنَعُ منه (ذي زادٍ) يصحُّ به بدنُهُ، فالمعتادُ
لِلَّحمِ ونحوِهِ إذا قدَرَ على خُبْزِ وحُبْنٍ لا يُعَدُّ قادراً (وراحلةٍ).
وحكى في "اللباب" اختلافَ التصحيح، وفي "شرحه"(١): ((أَنَّه مشى على الأوَّلِ
في "النهاية"))، وقال في "البحر العميق": ((إنّه المذهبُ الصحيح، وإِنَّ الثاني صحَّحَهُ "قاضي خان"
في "شرح الجامع"(٢)، واختارَهُ كثيرٌ من المشايخ، ومنهم "ابن الهمام"(٣))).
[٩٥٧٨] (قولُهُ: بصيرٍ) فيه الخلافُ الماءُّ(٤) كما علمتَهُ.
[٩٥٧٩] (قولُهُ: غيرٍ محبوسٍ) هذا من شروطِ الأداء كما مرَّ(٥)، والظاهرُ أَنَّه لو كان حبسُهُ
لمنعِهِ حقّاً قادراً على أدائه لا يسقطُ عنه وجوبُ الأداء.
( تنبيةٌ )
ذكَرَ في "شرح اللباب"(٦) عن "شمس الإسلام": ((أَنَّ السلطان ومَن بمعناه مِن الأمراءِ مُلحَقٌ
بالمحبوسِ، فيجبُ الحجُّ في ماله الخالي عن حقوقِ العباد))، وتمامُهُ فيه ، ولا يخفى أنَّ هذا
إن دام عجزُهُ إلى الموت، وإلاّ فيجبُ عليه الحجُّ بنفسه بعد زوالِ عذره، وهو مقَّدٌ أيضاً بما
إذا كان قادراً على الحجِّ ثُمَّ عجَزَ، وإلاَّ فلا يلزمُهُ الإِحجاج على الخلافِ المذكور آنفاً(٧).
[٩٥٨٠] (قولُهُ: يَمنَعُ منه) أي: من الحجِّ، أي: الخروجِ إليه، "ط " (٨).
[٩٥٨١] (قولُهُ: ذي زادٍ وراحلةٍ) أفاد أنَّه لا يجبُ إلَّ بمِلكِ الزَّاد ومِلكِ أجرة الرَّاحلة،
(١) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ٣٤ __.
(٢) "شرح الجامع الصغير": كتاب الحج وما يتعلق به ١/ق ٦٤/ب.
(٣) "الفتح": كتاب الحج ٣٢٧/٢.
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) المقولة [٩٥٧٠] قوله: ((على مسلم إلخ)).
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ٣٧ -.
(٧) المقولة [٩٥٧٧] قوله: ((صحيح البدن)).
(٨) "ط": كتاب الحج ٤٨٢/١.
قسم العبادات
٤٦٨
حاشية ابن عابدين
مختصَّةٍ به، وهو المسمَّى بالمقَتَّب إِنْ قدَرَ، وإلاَّ فُتُشترَطُ القدرةُ(١) على المَحَارةِ.
فلا يجبُ بالإِباحةِ أو العارية كما في "البحر"(٢)، وسيشيرُ إليه(٣).
[٩٥٨٢] (قولُهُ: مختصَّةٍ به) فلا يكفي لو قدَرَ على راحلةٍ مشتركةٍ يركبُها مع غيرِهِ بالمعاقبة،
"شرح اللباب" (٤).
[٩٥٨٣] (قولُهُ: وهو المسمَّى بالمقَتَّبِ) بضمِّ الميم اسمُ مفعولٍ، أي: ذو القَتَّب، وهو - كما
في "القاموس"(٥) - ((الإكافُ الصغيرُ حول السَّنَام))، "ح"(٦). وذكَّرَ ضمير الرَّاحلة باعتبارِ كونها
مر کوباً.
[٩٥٨٤] (قولُهُ: وإِلاَّ) أي: إنْ لم يَقدِر على ركوبِ المقَتَّب.
[٩٥٨٥] (قولُهُ: على المحارةِ) هي شِيْهُ الهودج، "قاموس"(٧). أي: على شِقِّ [٢/ق٣٥٣/ أ]
منها بشرطِ أن يَجِدَ له مُعادِلاً كما صرَّحَ به الشافعيّة، وما في "البحر"(٨): ((من أنَّه يمكنُهُ
(قولُهُ: وما في "البحر" من أَنَّه يمكنُهُ أن يضعَ في الشِّقِّ الآخرِ أمتعتَهُ ردَّهُ "الخيرُ الرمليُّ") أي: بأَنَّه إذا لم
يَجِدْ مُعادِلاً فلا يُعَدُّ قادراً، وقال أيضاً: ((وحيث قدَرَ - أي: على المحمل كلّه - فلا كلامَ في الوجوب)) اهـ.
فَيَفْهَمُ منه الحاجُّ إِنْ وجَدَ مُعادِلاَ فذاك، وإلاّ فإنْ قدَرَ على المحمل كلّه ولم يَشُقَّ عليه في حالةٍ قَلَّةِ
الزَّاد والماء أو حالِ نزوله مِن نَقْلِ ذلك مِن شقِّ الرَّاحلة إلى وسطها ثمَّ إعادتِهِ إلى شِقِّها عند ركوبه عليها
فكذلك، وإلاَّ - بأنْ لم يقدر على كلّه أو قدَرَ وشَقَّ عليه ما ذُكِرَ - فلا يُعَدُّ قادراً. اهـ "سندي".
(١) في "د" زيادة: ((قال في "النهر": اعلم أنَّ هذه القُدْرَة من شرائط الوجوب، لا نعلم عن أحد خلافَه، كذا في "الفتح".
وفي "البحر" عن الأُصُوليين: أنها من شرائط وجوب الأداء، ولم يوافقهم الفقهاء على ذلك؛ لأنَّ أثرَ الفَرْق إنّما
يظهر في الإيصاء به عند الموت وعَدَمِه، وذلك لا يَتَأَتّى في الفقير، انتهى)).
(٢) "البحر": كتاب الحج ٣٣٧/٢.
(٣) ص ٤٧٤ - "در".
(٤) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ ٣١ -.
(٥) "القاموس": مادة ((قتب)).
(٦) "ح": كتاب الحج ق ١٣٤/ب.
(٧) "القاموس": مادة ((حور)).
(٨) "البحر": كتاب الحج ٣٣٧/٢ .
الجزء السادس
٤٦٩
کتاب الحج
للآفاقيِّ بالزَّادِ والرَّاحلةِ، لا لمكِّيَّ يستطيعُ المشيَ.
أن يضعَ في الشقِّ الآخر أمتعتَهُ)) ردَّهُ "الخير الرمليُّ"، وفي "شرح اللباب"(١): ((إمَّا بركوبِ زاملةٍ -
أي: مقتّبٍ - أو بشقِّ محملٍ، وأمَّ الِحَفَّة فمن مُبْتَدَعاتِ المترفّهة، فليس لها عبرةٌ)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ المراد بالمِحَفَّة الَّحتُ المعروفُ في زماننا المحمولُ بين جَمَلين أو بغلين، لكن
اعترضَهُ الشيخُ "عبد الله العفيف" في "شرح منسكه"(٢): ((بأَنَّه مُنابِذٌ لِما قرَّرُوه من أَنَّه يُعتبَرُ
في كلِّ ما يليقُ بحاله عادةً وعُرفاً، فمَن لا يقدرُ إِلَّ عليها اعتُبِرَ في حقِّهِ بلا ارتيابٍ، وإنْ قدَرَ
بالمحمل أو المقتَّب فلا يُعذَرُ ولو كان شريفاً أو ذا ثروةٍ)) اهـ.
[٩٥٨٦] (قولُهُ: للآفاقيِّ) مرتبطٌ بقوله: ((وراحلةٍ)) لا بقوله: ((قُتُشترَطُ)) لإيهامِهِ أنَّ غير
الآفاقِيِّ يُشْتَرَطُ له المقْتَّبُ، فلا يناسبُ قولَهُ: ((لا لمكِّيِّ يستطيعُ المشي)).
والحاصلُ: أنَّ الزَّاد لا بدَّ منه ولو لمكِّيٌّ كما صرَّحَ به غيرُ واحدٍ كصاحب "الينابيع"
و "السِّراج"، وما في "الخانَّة"(٣) و"النهاية": ((من أنَّ المكِّيَّ يلزمُهُ الحُّ ولو فقيراً لا زادَ له)) نظَرَ فيه
"ابنُ الهمام"(٤)، إلاَّ أنْ يُرادَ ما إذا كان يمكنُهُ الاكتساب في الطريق، وأمَّ الرَّاحلةُ فشرطٌ للآفاقِيِّ
دون المكِّيِّ القادر على المشي، وقيل: شرطٌ مطلقاً؛ لأنَّ ما بين مكَّة وعرفاتٍ أربعُ فراسخ،
ولا يقدرُ كلُّ أحدٍ على مشيِها كما في "المحيط"، وصحَّحَ صاحب "اللباب" في "منسكه الكبير"
الأوَّلَ، ونظَرَ فيه شارحُهُ "القاري" (٥): ((بأنَّ القادر نادرٌ، ومبنى الأحكامِ على الغالبِ)).
وحدُّ المكِّيِّ عندنا مَن كان داخلَ المواقيت إلى الحرم كما ذكرَهُ "الكرمانيُّ"، وهو
بعيدٌ جدًّاً، بل الظاهرُ ما في "السِّراج" وغيره: ((أَنَّه مَن بينه وبين مكّة أقلُّ من ثلاثة أَيَّامٍ))،
(١) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ٢٨-٢٩ -.
(٢) المسمى "إجابة السائلين" كما صرّح به ابن عابدين رحمه الله في حاشيته "منحة الخالق على البحر الرائق" ٣٦٢/٢.
(٣) "الخانية": كتاب الحج ٢٨٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الفتح": كتاب الحج ٣٢٢/٢.
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ٣٢-٣٣ -.
قسم العبادات
٤٧٠
حاشية ابن عابدين
الشَّبَهِهِ بِالسَّعي للجمعة،
وفي "البحر الزاخر"(١): ((واشتُرِطَ الرَّاحلةُ في حقِّ مَن بينه وبين مكَّة ثلاثةُ أَيَّامٍ فصاعداً،
أمَّا ما دونه فلا إذا كان قادراً على المشي))، وتمامُهُ في "شرح اللباب"(٢).
( تنبيةٌ )
في "اللباب": ((الفقيرُ الآفاقيُّ إذا وصَلَ إلى ميقاتٍ فهو كالمكِّيِّ))، قال "شارح"(٣):
((أي: حيث لا يُشترَطُ في حقّه إلاَّ الزَّادُ [دون](٤) الرَّاحلة إنْ لم يكن عاجزاً عن المشي،
وينبغي أن يكون الغنيُّ الآفاقيُّ كذلك إذا عَدِمَ الرُّكوبَ بعد وصوله إلى أحدِ المواقيت، فالتقييدُ
بالفقير [٢/ق٣٥٣/ب] لظهورِ عجزه عن المركب، وليفيدَ أَنَّه يتعيّنُ عليه أنْ لا ينوي نفلاً
على زعمٍ أَنَّه لا يجبُ عليه لفقرَه؛ لأَنَّه ما كان واجباً وهو آفاقيٌّ، فلمَّا صار كالمكِّيِّ وجَبَ
عليه، فلو نواه نفلاً لَزِمَهُ الحُّ ثانياً)) اهـ ملخَّصاً.
ونظيرُهُ ما سنذكرُهُ(٥) في باب الحجّ عن الغير من أنَّ المأمور بالحجِّ إذا وصَلَ إلى مكَّة لَزِمَهُ
أنْ يمكث ليحُجَّ حجَّ الفرض عن نفسه لكونه صار قادراً على ما فيه كما ستعلمُهُ(٦) إن شاء الله تعالى.
[٩٥٨٧] (قولُهُ: لشَّبَهِهِ بالسَّعي إلى الجمعةِ) أي: في عدمِ اشتراط الرَّاحلة فيه.
١٤٢/٢
(قولُهُ: لا الزَّادِ(٧) والرَّاحلةِ) لعل فيه حذفَ ((لا)) النافية قبل الرَّاحلة مع حذف حرفِ العطف.
(قولُهُ: أي: في عدمِ اشتراطِ الرَّاحلةِ فيه) لكنَّ وجهَ المشابهة بينهما غيرُ تام، فإنَّ السَّعي إلى الجمعة
إنما يجبُ على مَن سَمِعَ النداء، أو لم يكن بينه وبين المصر مزارعُ وإِنْ سَمِعَ النداءَ، أو فرسخٌ
على اختلافٍ في ذلك، فمع اختلافِ الرِّوايات لا أدري وجهَ المشابهة في حقِّ المكّيِّ والسَّاعي
إلى الجمعة، مع أنَّ بين مكَّة وعرفة تسعةَ أميالٍ. اهـ "سندي".
(١) "البحر الزاخر": لأحمد بن محمد بن إقبال، وهو تجريد لـ "السراج الوهاج" لأبي بكر بن علي المعروف بالحدَّادي
العبَّديّ (المتوَفِّى في حدود ٨٠٠هـ)، شرح "مختصر القدوري". ("كشف الظنون" ٢٢٤/١، ١٦٣١/٢).
(٢) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ٣٣ -.
(٣) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ٢٨- بتصرف.
(٤) في النسخ جميعها: ((والراحلة))، وما أثبتناه من "شرح اللباب" هو الصواب الموافق للسياق.
(٥) المقولة [١٠٩٣٣] قوله: ((وغيرهم أولى لعدم الخلاف)).
(٦) المقولة [١٠٩٣٣] قوله: ((وغيرهم أولى لعدم الخلاف)).
(٧) كذا في مطبوعة التقريرات التي بين أيدينا، وعبارة "الحاشية": ((إلا الزاد))، ولعل ما في التقريرات خطأ طباعي.
الجزء السادس
٤٧١
کتاب الحج
وأفاد أنَّه لو قدَرَ على غيرِ الرَّاحلةِ مِن بغلٍ أو حمارٍ لم يَجِبْ، قال في "البحر":
((ولم أَرَهُ صريحاً، وإنما صرَّحُوا بالكراهة))، وفي "السِّراجيّة" (١): ((الحجُّ راكباً
أفضلُ منه ماشياً، ..
[٩٥٨٨] (قولُهُ: وأفادَ) أي: حيث عبَّرَ بالرَّاحلة، وهي من الإبلِ خاصَّةً، وهو الموافقُ
لـ "الهداية"(٢) وشروحها(٣)، ولما في كتب اللغة من أنَّها المركَبُ من الإبل ذَكَراً كان أو أنثى،
وما في "القُهُستانيِ)(٤) من تفسيرها ((بأَنَّها ما يحملُهُ ويحملُ ما يحتاجُهُ من طعامٍ وغيره، وأنَّها
في الأصل البعيرُ القويُّ على الأسفارِ والأحمال)) اهـ لا يخالفُ ذلك؛ لأنَّ غير البعير لا يحملُ
الإنسانَ مع ما يحتاجه في المسافة البعيدة، وقد صرَّحَ في "المجتبى" عن "شرح الصبَّاغيِّ":
((بأَنَّه لو ملَكَ كِرِى حمارِ فهو عاجزٌ عن النفقة)) اهـ.
والذي ينبغي ما قالَهُ الإِمام "الأذرعيُّ(٥) من الشافعيّة من اعتبار القدرة على البغل والحمار
فيمن بينه وبين مكَّةَ مراحلُ يسيرةٌ دون البعيدة؛ لأنَّ غير الإبل لا يقوى عليها، قال "السنديُّ"
في "منسكه الكبير": ((وهو تفصيلٌ حسنٌ جدًّا، ولم أر في كلام أصحابنا ما يخالفُهُ، بل ينبغي
أنْ يكون هذا التفصيلُ مرادَهم)) اهـ، فافهم.
[٩٥٨٩] (قولُهُ: وإنما صرَّحُوا بالكراهةِ) أي: التنزيهَّةِ كما استظهَرَهُ صاحب "البحر"(٦) بدليلٍ
أفضلَيَّة مقابله، "ط" (٧).
(١) "السراجية": كتاب الحج - باب المتفرقات ٣٠٢/١ (هامش "فتاوى قاضيخان").
(٢) "الهداية": كتاب الحج ١٣٥/١.
(٣) انظر "الفتح" و"الغنائية" و"الكفاية": كتاب الحج ٣٢٢/١. و"البناية": كتاب الحج ٩/٤.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الحج ٢٣١/١.
(٥) أبو العباس، أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد، شهاب الدين الأذرعيّ الشافعيّ(ت٧٨٣هـ). ("الدرر الكامنة"
١٢٥/١، "البدر الطالع" ٣٥/١ - وهو فيه: أحمد بن أحمد بن عبد الواحد - "الأعلام" ١١٩/١).
(٦) "البحر": كتاب الحج ٣٣٦/٢.
(٧) "ط": كتاب الحج ٤٨٢/١ .
قسم العبادات
٤٧٢
حاشية ابن عابدين
به یُفتَی،.
[٩٥٩٠] (قولُهُ: به يُفْتَى) لعلَّ وجهَهُ أنَّ فيه زيادةَ النفقة، وهي مقصودةٌ في الحجِّ، ولذا اشتُرِطَ
في الحجِّ عن الغير أن يَحُجَّ راكباً إذا أَّسعت النفقةُ، حَتَّى لو حَجَّ ماشياً - ولو بأمرِهِ - ضَمِنَ
كما صرَّحَ به في "اللباب"(١)، لكنْ سيأتي(٢) آخرَ كتاب الحجِّ أنَّ مَن نذَرَ حبَّاً ماشياً وَجَبَ عليه
المشيُ في الأصحِّ ، وعليه المتونُ، وعلَّلهُ في "الهداية"(٣) وغيرها: ((بأَنَّ التّزَمَ القربةَ بصفة الكمال؛
لقوله ﴿: «مَن حجَّ ماشياً كَتَبَ الله له بكلِّ خطوةٍ حسنةً من حسناتِ الحرم))، قيل:
وما حسناتُ الحرم؟ قال: [٢/ق ٣٥٤/أ] ((كلُّ حسنةٍ بسبعِ مائةٍ))(٤)، ولأنّه أشقُّ على البدن
(قولُهُ: لعلَّ وجهَهُ أنَّ فيه زيادةَ النّفقةِ إلخ) ولأنَّ ابتداء فعلِ الأوَّلِ فرضٌ بخلاف الثاني؛ ولأنَّ منفعة
الأوَّل مما تتعدَّى من الإنفاق، كذا في "السنديِّ" عن "شرح الوهبائيّة" لـ "الشرنبلاليِّ"، وبهذا يُعلَمُ
أنَّ موضوعَ ما في "السراجيّة" ما لو حَجَّ غنيٌّ راكباً وفقيرٌ ماشياً، لا فيما عدا هذه الصُّورة، فإنَّ المشي
أفضلُ، وبهذا يندفعُ الَّنافي.
(قولُهُ: حتّى لو حَجَّ ماشياً - ولو بأمرِهِ - ضَمِنَ) إذ بالحجِّ ماشياً لا يقعُ عن الآمِرٍ، وهو إنما دفَعَ
إليه ليقع عنه، فيكونُ ضامناً له لصرفه في حاجةٍ نفسه، فلا يُعتَبَرُ أمرُهُ بالمشي.
(١) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ٣٣ -.
(٢) ٤٥٩/٧ "در".
(٣) "الهداية": كتاب الحج - مسائل منثورة ١٨٩/١ دونما استدلال بالحديث الشريف.
ء
(٤) لم نعثر على تخريج الحديث بهذا اللفظ في المصادر الحديثية التي بين أيدينا، وما وجدناه قوله محطّ: ((مَنْ حجّ ماشياً كتب الله
له بكلِّ خطوةٍ سبعَمائة حسنةٍ من حسناتِ الحرم )) فقال بعضهم: وما حسنات الحرم؟ قال: (( كلُّ حسنةٍ بمائة ألف حسنةٍ )).
والحديث أخرجه بهذا اللفظ الطبرانيّ في "المعجم الكبير" ٨٢/٢ -٨٣ برقم (١٢٦٠٦)، و"الأوسط" (٢٦٩٦)،
والبَزَّار (١١٢٠) و(١١٢١)، والحاكم في "المستدرك" ٤٦٠/١ كتاب الحجّ، وصحَّحه، ووافقه الذّهَبِيّ، والبيهقيّ في "السنن
الكبرى" ٣٣١/٤ كتاب الحجّ - باب الرجل يجد زاداً وراحلةً فيحُجُّ ماشياً، و٧٨/١٠ كتاب النُّذُور - باب مَن نَذَر تبرُّراً أن
يمشي إلى بيت الله الحرام، وفي إسناده عيسى بن سوادة، وهو مجهول، وأخرجه ابن خزيمة (٢٧٩١) کتاب الحجّ- باب فضل
الحجّ ماشياً من مَكّةً، وروايته: (( كل حسنة بمائة ألف ألف حسنة))، والمنْذِرِيّ في "الترغيب والترهيب" ١٦٦/٢، وقال: رواه
ابن خُزيمة في "صحيحه"، والحاكم، كِلاهُما من رواية عيسى بن سوادة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال ابن خُزيمة: إن
صحَّ الْخَبِرُ فإنّ القَلْبَ من عيسى بن سَوادَة، وقال البخاريّ: منكر الحديث اهـ. وذكره ابن حبّان في "التّقات" ٢٣٦/٧، وابن
أبي حاتم في "علل الحديث" ٢٧٩/١، وقال: وليس هذا بحديث صحيح. وأورده الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ٢٠٩/٣.
الجزء السادس
٤٧٣
کتاب الحج
والمقتَّبُ أفضلُ من المحَارة))، وفي إجارة "الخلاصة": ((حِمْلُ الجمل مائتان وأربعون
مَّاً، والحمارِ مائة وخمسون))،
.
فكان أفضلَ))، وتمامُهُ في "شرح الجامع الخانيِّ"(١)، وقال في "الفتح"(٢): ((فإنْ قيل: كره
"أبو حنيفة" الحجَّ ماشياً، فكيف يكونُ صفةَ كمالٍ؟! قلنا: إنما كَرِهَهُ إذا كان مظِنّةَ سوءٍ
الخلق، كأنْ يكونَ صائماً مع المشي أوْ لا يطيقَهُ، وَإِلاَّ فلا شكَّ أنَّ المشي أفضلُ في نفسه؛
لأَنَّه أقربُ إلى التواضع والتذلُّل))، ثمَّ ذكَرَ الحديث المارَّ وغيره.
قلت: وأمَّا مسألةُ الحجّ عن الغير فلعلَّ وجهَها أنَّ الميت لَمَّا عجَزَ عن إحدى المشقّتين - وهي
مشقّة البدن - ولم يقدر إلاَّ على الأخرى - وهي مشقَّة المال - صارت كأنّها هي المقصودةُ، فَلَزِمَ
الإتيانُ بها كاملةً، ولذا وجَبَ الإِحجاجُ من منزلِ الآمر والإنفاقُ من ماله، ولم يُجزِهِ تبرُّعُ غيره
عنه لعدم حصول مقصوده، فليتأمَّل.
[٩٥٩١] (قولُهُ: والمقْتَّبُ أفضلُ من المحارةِ(٣) لأَنّهَ وَّ حِجَّ كذلك، ولأنّه أبعدُ من الرِّياء
والسُّمعة وأخفُّ على الحيوان.
[٩٥٩٢] (قولُهُ: وفي إجارة "الخلاصة"(٤) إلخ) قال "الخير الرمليُّ": ((نقَلَهُ في "الخلاصة" عن
"الفتاوى الصغرى"، ولعمري هذا إجحافٌ على الحمار وإنصافٌ في حقِّ الجمل))، فتأمَّل.
وذكَرَ في "الجوهرة"(٥): ((أَنَّ الَنَّ سنّةٌ وعشرون أوقيَّةً، والأوقَيَّةَ سبعةُ مثاقيل، وهي عشرةُ
دراهم(٦)، والمائتان وأربعون مَنًّ هي الوَسْقُ، وهي قنطارٌ دمشقيٌّ تقريباً)).
(١) انظر "شرح الجامع الصغير": كتاب الحج - باب: مسائل لم تدخل في الأبواب ١/ق ٨٢/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الحج - باب الحج عن الغير ٨٧/٣.
(٣) المُقَتِّب بضم الميم: اسم مفعول، أي: ذو القَتَب، وهو الإِكَافُ الصَّغيرُ حولَ السَّنَام. والمحارة: شِبْه الهودج،
أي: مما يؤتى من جهة الشام، قد يَركَبُ فيه واحد أو اثنان، "القاموس": مادة ((قتب)) و ((حور)). وانظر "إرشاد
السَّاري" صـ٣١-٣٢ -.
(٤) "خلاصة الفتاوى": الفصل الرابع - في إجارة الدواب ق ١٨٠/أ.
(٥) انظر "الجوهرة النيرة": كتاب الزكاة - باب زكاة العروض ١٥٢/١، وباب زكاة الزروع والثمار ١٥٤/١- ١٥٥ بتصرف.
(٦) المقصود هنا أنَّ المِثْقالَ الواحدَ يساوي عشرة دراهم، "الجوهرة النّيِّرة" ١٥٢/١.
قسم العبادات
٤٧٤
حاشية ابن عابدين
فظاهرُهُ أنَّ البغل كالحمار، ولو وهَبَ الأبُ لابِهِ مالاً يَحُجُّ(١) به لم يَجِبْ قبولُهُ؛
لأنَّ شرائط الوجوب لا يَجبُ تحصيلُها، وهذا منها باتّفاق الفقهاء خلافاً
للأصوليِّين (فضلاً عن ما لا بُدَّ منه) كما مَرَّ في الزّكاة، ..
[٩٥٩٣] (قولُهُ: وظاهرُهُ أنَّ البغل كالحمار) كذا في "النهر"(٢)، وكأنّه أرادَ الحمارَ القويَّ الْمُعَدَّ
لحملٍ الأثقال في الأسفار، فإنّه كالبغل، وإلاَّ فأكثرُ الحمير دون البغال بكثيرٍ، فافهم.
[٩٥٩٤] (قولُهُ: ولو وهَبَ الأبُ لابنه إلخ) وكذا عكسُهُ، وحيث لا يجبُ قبولُهُ مع أنّه
لا يَمُنُّ أحدُهما على الآخر يُعلَمُ حكمُ الأجنبيِّ بالأَولى، ومرادُهُ إفادةُ أنَّ القدرة على الرَّاد والرَّاحلة
لا بدَّ فيها من الملك دون الإباحة والعارية كما قدَّمناه(٣).
[٩٥٩٥] (قولُهُ: وهذا) أي: المذكورُ، وهو القدرةُ على الزَّاد والرَّاحلة.
[٩٥٩٦] (قولُهُ: خلافاً للأصولّيِّين) حيث قالوا: إنَّها من شروطٍ وجوب الأداء، وتمامُهُ
في "البحر" وفيما علَّقناه عليه(٤).
[٩٥٩٧] (قولُهُ: كما مرَّ(٥) في الزَّكاة) أي: من بيانٍ ما لا بدَّ منه من الحوائجِ الأصليَّةِ كفرسه،
وسلاحه، وثيابه، وعبيد خدمته، وآلات حرفته، وأثاثه، [٢/ق٣٥٤/ب] وقضاء ديونه، وأصدقته
ولو مؤجَّةً كما في "اللباب"(٦) وغيره، والمرادُ قضاءُ ديون العباد، ولذا قال في "اللباب"(٧) أيضاً:
((إِنْ وجَدَ مالاً وعليه حجٌّ وزكاةٌ يحجُّ به، قيل: إلاَّ أن يكون المالُ من جنس ما تجبُ فيه الزَّكاة
فُصرَفُ إليها)) اهـ.
(١) في "د": ((للحج)).
(٢) "النهر": كتاب الحج ق ١٣٠/أ.
(٣) المقولة [٩٥٨١] قوله: ((ذي زاد وراحلة)).
(٤) انظر "حاشية منحة الخالق على البحر": كتاب الحج ٣٣٥/٢ - ٣٣٦.
(٥) ٤٣١/٥ وما بعدها "در".
(٦) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ ٢٩ -.
(٧) انظر "إرشاد الساري": فصل فيمن يجب عليه الوصية بالحج صـ٤٥ -.
الجزء السادس
٤٧٥
كتاب الحج
ومنه المسكنُ ومَرَمَّتُهُ، ولو كبيراً يمكنُهُ الاستغناءُ ببعضِهِ والحجُّ بالفاضلِ فإنّه
لا يلزمُهُ بَيْعُ الزَّائدِ، نعم هو الأفضلُ، وعُلِمَ به عدمُ لزومٍ بيع الكلِّ.
( تنبيةٌ )
ليس من الحوائجِ الأصلَيَّةِ ما جَرَتْ به العادة المحدثة برسم الهديَّة للأقارب والأصحاب،
فلا يُعذَرُ بتركِ الحجِّ لعجزه عن ذلك كما نَبَّهَ عليه "العماديُّ" في "منسكه"، وأقرَّهُ الشيخ
"إسماعيل"(١)، وعزاه بعضُهم إلى "منسك المحقّق ابن أمير حاج"(٢)، وعزاه السيِّد "أبو السُّعود)(٣)
إلى "مناسك الكرمانيّ)" (٤).
[٩٥٩٨] (قولُهُ: ومنه المسكنُ) أي: الذي يسكنُهُ هو أو مَن يجبُ عليه مسكنُهُ بخلاف
الفاضل عنه من مسكنٍ، أو عبدٍ، أو متاعٍ، أو كتبٍ شرعيَّةٍ أو آليَّةٍ كعربَّةٍ، أَمَّا نحوُ الطبِّ
والنجوم وأمثالها من الكتب الرياضيَّة فتثبتُ بها الاستطاعة وإن احتاجَ إليها كما في "شرح
اللباب"(٥) عن "التاتر خانيَّةً"(٦).
[٩٥٩٩] (قولُهُ: فإنَّه لا يلزمُهُ بيعُ الزَّائد) لأَنَّه لا يُعتبَرُ في الحاجةِ قدْرُ ما لا بدَّ منه،
١٤٣/٢ ولو كان عنده طعامُ سنةٍ لا يلزمُهُ الحجُّ(٧)، ولو أكثرُ لَزِمَهُ بيعُ الزَّائد إن كان فيه وفاءٌ كما
في "اللباب" و"شرحه" (٨).
(١) "الإحكام": كتاب الحج ٢/ق ١٤٩/أ.
(٢) المسمى "داعي منار البيان الجامع للنسكين بالقِرَان": لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد شمس الدين،
ابن الموقت، المعروف بابن أمير حاج الحلبيّ الحنفي(ت٨٧٩هـ). ("كشف الظنون" ١٨٢٩/٢، "الضوء اللامع"
٢١٠/٩).
(٣) "فتح المعين": كتاب الحج ٤٦٢/١ .
(٤) المسمى "المسالك في علم الناسك": لأبي منصور محمد بن مكرم بن شعبان، زين الدين الكرماني الحنفي (توفي
بعد ٩٧٥هـ). ("كشف الظنون" ١٦٦٣/٢، "هدية العارفين" ٢٥٠/٢، "الجواهر المضية" ٣٧٣/٣، "الأعلام" ١٠٨/٧).
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ٣٠ -.
(٦) "التاتر خانية": كتاب المناسك - الفصل الأول في بيان شرائط الوجوب ٤٣٣/٢ بتصرف نقلاً عن "المحيط".
(٧) ((لا يلزمه الحج)) ليست في "ب" و"م".
(٨) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ ٣٠ -.
قسم العبادات
٤٧٦
حاشية ابن عابدين
والاكتفاء بسكنى الإجارةِ بالأَولى، وكذا لو كان عنده ما لو اشتَرَى به مسكناً
وخادماً لا يبقى بعده ما يكفي للحجِّ لا يلزمُهُ، "خلاصة". وحرَّرَ في "النهر"(١).
((أَنَّه يُشترَطُ بقاءُ رأسٍ مالٍ لحرفِهِ إِن احتاجَتْ لذلك، وإلاَّ لا))،
(٩٦٠٠] (قولُهُ: والاكتفاءِ) بالجرِّ عطفاً على ((بيعٍ)).
[٩٦٠١] (قولُهُ: لا يلزمُهُ) تَبْعَ في عزوِ ذلك إلى "الخلاصة" ما في "البحر"(٢) و"النهر "(٣)، والذي
رأيتُهُ في "الخلاصة"(٤) هكذا: ((وإنْ لم يكن له مسكنٌ ولا شيءٌ من ذلك، وعنده دراهمُ تبلغُ
به الحجَّ وتبلغُ ثمنَ مسكنٍ وخادمٍ وطعامٍ وقوتٍ وجَبَ عليه الحجُّ، وإن جعَلَها في غيره أَثِمَ)) اهـ.
لكن هذا إذا كان وقتَ خروج أهل بلده كما صرَّحَ به في "اللباب"(٥)، أمَّا قبله فَيَشترِي
به ما شاء؛ لأَنَّه قبل الوجوب كما في مسألة التزوُّجِ الآتية(٦)، وعليه يُحمَلُ كلام "الشارح"، فتدبّر.
[٩٦٠٢] (قولُهُ: يُشترَطُ بقاءُ رأسٍ مالٍ لِحِرْفته) كتاجرٍ ودِهقانٍ(٧) ومُزارِعٍ كما في "الخلاصة(٨)،
(قولُهُ: والذي رأيتُهُ في "الخلاصة" هكذا إلخ) لا مخالفةً بين ما رآه في "الخلاصة" وبين ما نقله
"الشارح" عنها، فإنَّ ما عزاه "الشارح" إليها إنما هو فيما إذا كان لا يبقى بعد شراءِ المسكن ونحوِهِ
ما يكفي للحجِّ، وما نقله المحشِّي عنها فيما إذا كانت الدَّراهم كافيةً للحجِّ والمسكنِ ونحوِهِ.
(١) "النهر": كتاب الحج ق ١٣٠/أ.
(٢) "البحر": كتاب الحج ٣٣٧/٢ .
(٣) "النهر": كتاب الحج ق ١٣١/أ.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الحج - الفصل الأول في المقدمة وفي بيان شرائط الوجوب ق ٧٢/ب معزياً إلى
"التحرید".
(٥) انظر "إرشاد الساري": باب شرائط الحج صـ٣٠ -.
(٦) في المقولة الآتية.
(٧) الدُّهقان بالضم والكسر: يطلق على رئيس القرية، وعلى التاجر، وعلى من له مالٌ وعقارٌ. "اللسان" مادة ((دهق))،
"القاموس" و"المصباح المنير" مادة ((الدهقان)).
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الحج - الفصل الأول في المقدمة وفي بيان شرائط الوجوب ق ٧٢/ب.