النص المفهرس

صفحات 441-460

الجزء السادس
٤٣٧
باب الاعتكاف
للّهي، وكذا أكلُهُ ونومُهُ إلَّ لغريبٍ، "أشباه"، وقد قدَّمناه قبيل الوتر، لكن قال
"ابن كمالٍ": ((لا يكرهُ الأكلُ والشُّربُ والنَّومُ فيه مطلقاً))، ونحوُهُ في "المجتبى" .....
أم لا كما يُعلَمُ مما قبله ومن "الزيلعيّ"(١) و"البحر"(٢).
[٩٥٠٥] (قولُهُ: للَّهْىِ) هو ما رواهُ أصحاب "السنن الأربعة"، وحسَّنَهُ "الترمذيُّ": ((أنَّ
رسول الله ﴿ْ نَهَى عن الشِّراءِ والبيع في المسجد، وأنْ يُنْشَدَ فيه ضالّةٌ، أو يُنشَدَ فيه شعرٌ، ونهى
عن التحلُّقِ قبل الصلاة يوم الجمعة)(٣)، "فتح" (٤).
(٩٥٠٦] (قولُهُ: وكذا أكُلُهُ) أي: غيرِ المعتكف.
[٩٥٠٧] (قولُهُ: لكنْ إلخ) استدراكٌ على ما في "الأشباه"(٥)، وعبارةُ "ابن الكمال" عن "جامع
الإسبيجابيّ": ((لغيرِ المعتكف أنْ ينام في المسجدِ مقيماً كان أو غريباً، مُضطجعاً أو متَّكناً، رِجْلاه
إلى القبلة أو إلى غيرها، فالمعتكفُ أَولِى)) اهـ. ونقلَهُ أيضاً في "المعراج"، وبه يُعلَمُ تفسيرُ الإطلاق.
قال "ط"(٦): ((لكنَّ قوله: رِجْلاه إلى القبلةِ غيرُ مسلَّمٍ؛ لِما نصُّوا عليه من الكراهة)) اهـ.
ومُفادُ كلام "الشارح" ترجيحُ هذا الاستدراكِ.
والظاهرُ: أنَّ مثل النوم الأكلُ والشُّربُ إذا لم يَشغَل المسجدَ ولم يُلوِّتُه؛ لأنَّ تنظيفه واجبٌ
كما مرَّ(٧)، لكنْ قال في متن "الوقاية"(٨): ((ويأكلُ - أي: المعتكفُ - ويشربُ، وينام، ويبيع
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٥١/١.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٧/٢.
(٣) تقدّم تخريجه ٢١٠/٤-٢١١. وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على الترمذي ١٤٠/٢ الحديث رقم
(٣٢٢): بل هو صحيح، وصحّحه ابن خزيمة والقاضي أبو بكر بن العربيّ، ورواه أحمد وأبو داود والنسائيّ
وابن ماجه، ولم يذكر الترمذيُّ إنشادَ الضَّالَّة مع الإشارة إليه في عنوان الباب، فلعلّه في نسخ أخرى غير الأصول
التي بین أیدینا اهـ.
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١٢/٢.
(٥) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - القول في أحكام المساجد صـ٤٤٠ -.
(٦) "ط": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٤٧٦/١ بتصرف يسير.
(٧) المقولة [٩٤٧٧] قوله: ((ولا يمكنه إلخ)).
(٨) انظر "شرح الوقاية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١٢٥/١ (هامش" كشف الحقائق").

قسم العبادات
٤٣٨
حاشية ابن عابدين
(و) يكره تحريماً (صَمْتٌ) إن اعتقَدَهُ قُربةً، وإلاّ لا؛ لحديثٍ (١): ((مَن صَمَتَ نَجَا ))،
ويَجِبُ - أي: الصَّمْتُ كما في "غرر الأذكار"(٢) - عن شَرًّ؛
ويشتري فيه لا غيرُهُ))، قال "منلا علي" في "شرحه"(٣): ((أي: لا يفعلُ غيرُ المعتكف شيئاً
من هذه الأمورِ في المسجد)) اهـ. ومثلُهُ في "القُهُستانيِّ (٤)، ثمَّ نقَلَ ما مرَّ(٥) عن "المجتبى".
[٩٥٠٨] (قولُهُ: وصَمْتٌ) عدَلَ عن السُّكوت للفرق بينهما، وذلك أنَّ السُّكوت ضَمُّ
الشَّفتين، فإِنْ طالَ سُمِّي صَمْتاً، "نهر "(٦). وإنما كُرِهَ [٢/ق ٤ ٣٤/ب] لأَنَّه ليس في شريعتنا؛ لقوله
عليه الصلاة والسلام: (( لا يُثْمَ بعدَ احتلامٍ، ولا صُماتَ يومٍ إلى اللّيل)) رواه "أبو داود(٧)، وأسنَدَ
"أبو حنيفة" عن "أبي هريرة" رع: أنَّ النبيَّ : ﴿ «نَهَى عن صومِ الوِصالِ، وعن صومٍ
الصَّمْت) (٨)، "فتح"(٩).
. [٩٥٠٩] (قولُهُ: ويجبُ) لم يقل: يُفترَضُ ليشملَ الواجب، فإنَّ الكلام قد يكونُ حراماً
(١) أخرجه أحمد ١٥٨/٢، والترمذي (٢٥٠١) كتاب صفة القيامة - باب (٥١)، وقال: هذا حديث غريبٌ، والدارمي
٧٥٥/٢ كتاب الرقاق - باب في الصمت، والطبراني في "الأوسط" ٢٦٤/٢، كلَّهم من حديث عبد الله بن عمرو
ابن العاص رضي الله عنهما، قال الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" ١٠٨/٣: أخرجه الترمذيُّ بسندٍ فيه
ضعفٌ، وهو عند الطبراني بسندٍ جيّدٍ. وقال ابن حجر في "الفتح" ١٥١/٧: أخرجه الترمذيُّ، ورواتُهُ ثقاتٌ.
(٢) "غرر الأذكار": كتاب الصيام - ذكر الاعتكاف ق ٨٢/ب.
(٣) "شرح النقاية": كتاب الصوم - فصل الاعتكاف ٤٣٤/١.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٢٣٠/١.
(٥) صـ٤٣٧ - "در".
(٦) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٨/ب.
(٧) برقم (٢٨٧٣) كتاب الوصايا - باب ما جاء: متى ينقطع اليُتمُ، وإسناده ضعيف، وأخرجه عبد الرّزاق في
"المصنف" (١١٤٥٠) و(١١٤٥١)، والطبرانيّ في "الصغير" ٩٦/١، ٦٨/٢، والقُضَاعِيّ في "مسنده" (١٤٩)،
والنّوريّ في "الأذكار" صـ٣٤٩ - باب النهي عن صمت يومٍ إلى اللّيل وحَسَّنَه.
وأورده السَّخَاويّ في "المقاصد الحسنة" صـ٧٢٩-، وقال: له شواهد عن جابر وأنس وغيرهما، وذكره السيوطيّ
في "الجامع الصغير" ٧٥٤/٢، وقال: حديث حسن.
وقال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في تعليقه على "جامع الأصول" ٦٤٢/١١: الحديث حسن بشواهده.
(٨) أخرجه أبو حنيفة في "مسنده" ص ١٩٢ -.
(٩) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١٢/٢.

الجزء السادس
٤٣٩
باب الاعتكاف
الحديثِ(١): ((رَحِمَ الله امرَّأَ تكلَّمَ فَغَنِمَ، أو سكَتَ فسَلِمَ)) (وتكلّمٌ إلَّ بخيرٍ) وهو
ما لا إثمَ فیه، ومنه المباحُ عند الحاجة إليه لا عند عدمها،.
كالغِيبة مثلاً، وقد يكرهُ كإنشادِ شعرٍ قبيحٍ، وكذِكْرٍ لتَرْويجِ سِلْعةٍ، فالصَّمْتُ عن الأوَّلِ فرضٌ،
وعن الثاني واجبٌ، فافهم.
[٩٥١٠] (قولُهُ: وتكُّمٌ إلاَّ بخيرٍ) فيه التفريغُ في الإيجابِ(٢)، إلا أنْ يقال: إنّه نفيٌ معنىًّ،
"ط"(٣) عن "الحمويّ". أي: لأنَّ ((كُرِهَ)) بمعنى لا يفعلُ، كما قيل في قوله تعالى:
﴿وَيَأْبِىَ اْلَهإِلَّ أَن يُتَِّثُرَهُ﴾ [التوبة - ٣٢]، وقولِهِ: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِعِينَ﴾
[ البقرة - ٤٥]؛ لأنّه بمعنى: لا يريدُ، ومعنى: لا تسهُلُ كما ذكرَهُ "ابن هشامٍ" في آخر
"المغني"(٤)، ويُحتمَلُ كونُ ((إِلاَّ)) بمعنى غير كما في ﴿لَوْكَانَ فِهِمَآ ءَالِهِهُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنََّ﴾
[ الأنبياء - ٢٢]، ولم يدخل عليها حرفُ الجرِّ، بل تَخَطَّها لِما بعدها؛ لأَنَّها على صورةِ الحرفِيَّة،
والأولى جَعْلُ الجارِّ متعلّقاً بمحذوفٍ، والاستثناءِ من ((تكلُّمٌ)) المذكور، والمعنى: وكُرِهَ تكلُّمٌ
إلاَّ تَكُلُّماً بخيرٍ، فحُذِفَ المتعلَّقُ الخاصُّ للقرينةِ، فيكونُ الاستثناء من كلامٍ تامٌّ مُوجَبٍ، تأمَّل.
[٩٥١١] (قولُهُ: ومنه المباحُ إلخ) أي: مما لا إِثْمَ فيه، وهذا ما استظهرَهُ في "النهر "(٥) أخذاً
(١) أخرجه القضاعي في "مسنده" ٣٣٩/١، والديلمي في "المأثور بفردوس الخطاب" ٢٥٩/٢، وذكره العجلوني
في "كشف الخفاء" ٤٢٦/١، كلُّهم من حديث أنس بن مالك ﴾، ورُوِيَ مرسلاً عن الحسن عند البيهقي
في "شعب الإيمان" ٢٤١/٤.
(٢) التفريغ: هو ما يسمى عند النحاة ((الاستثناء المُفَرَّغ))، وهو أن يتفرغ سابق ((إلا)) لما بعدها، والأصل فيه أن لا يقع
في كلام موجب كما هو مذهب الجمهور، إلا أن ابن الحاجب أجاز ذلك شرطَ أن يستقيم المعنى. انظر "شرح
الرَّضِيّ على الكافية": المنصوبات - الاستثناء المفرغ ٩٩/٢ -١٠٠. وعبارة المصنف تتخرج على قوله، والله أعلم.
(٣) "ط": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٤٧٦/١.
(٤) "مغني اللبيب": الباب الثامن - القاعدة الأولى: قد يعطى الشيء حكم ما أشبهه صـ٨٨٦ -.
(٥) "النهر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٨ /ب .

قسم العبادات
٤٤٠
حاشية ابن عابدين
وهو مَحْمَلُ ما في "الفتح": ((أَنَّه مكروهٌ في المسجد، يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ
النارُ الحطبَ)) كما حقّقَهُ في "النهر" (كقراءة قرآن وحديثٍ وعِلْمٍ) وتدريسٍ
في سِيَرِ الرَّسول عليه السَّلام وقصصِ الأنبياء عليهم السَّلام وحكاياتِ الصَّالحين
و کتابة أمور الدِّين.
(وبطَلَ بَوَطْءٍ فِي فَرْجٍ) أَنزَلَ أم لا (ولو) كان وطؤُهُ خارج المسجد (ليلاً) أو نهاراً،
عامداً (أو ناسياً)
من "العناية"(١)، وبه رَدَّ على ما في "البحر"(٢): ((من أنَّ الأَولى تفسيرُ الخيرِ بما فيه ثوابٌ، فيكرهُ
للمعتكف التكلُّمُ بالمباح بخلاف غيره، أي: غيرِ المعتكف)) اهـ ((بأنّه لا شكَّ في عدم استغنائه
عن المباحِ عند الحاجة إليه، فكيف يكرهُ له مطلقاً؟!)) اهـ. والمرادُ ما يحتاجُ إليه من أمرٍ الدنيا إذا
لم يَقصِدْ به القُربةَ، وإلاَّ ففيه ثوابٌ.
[٩٥١٢] (قولُهُ: وهو) أي: المباحُ عند عدم الاحتياج إليه، "ط" (٣).
[٩٥١٣] (قولُهُ: أَنَّه مكروهٌ) أي: إذا جلَسَ له كما قَّدَهُ في "الظهيريَّةِ"(٤)، ذكَرَهُ في "البحر "(٥)
قبيل الوتر، وفي "المعراج" عن "شرح الإرشاد": ((لا بأسَ في الحديث في المسجد إذا كان قليلاً،
فأمَّا أنْ يقصدَ المسجدَ للحديث فيه فلا)) اهـ. وظاهرُ الوعيد أنَّ الكراهة فيه تحريميّةٌ.
[٩٥١٤] (قولُهُ: فِي فَرْجٍ) أي: قُلٍ أو دُبٍُ.
[٩٥١٥] (قولُهُ: ولو كان وطؤُهُ خارج المسجد) عمَّمَهُ تبعاً لـ "الدرر"(٦) إشارةً إلى ردِّ ما في
"العناية"(٧) وغيرها: [٢/ق٣٤٥/أ] ((من أنَّ المعتكف إنما يكونُ في المسجد، فلا يتهيّأُ له الوطءُ))،
(١) "العناية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١٢/٢ (هامش "فتح القدير").
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٧/٢ .
(٣) "ط": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٤٧٦/١.
(٤) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الفصل الثالث في أحكام المسجد والسلام ق١٣/ب.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها - فصل: كره استقبال القبلة بالفرج ٣٩/٢.
(٦) "الدرر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٢١٤/١ - ٢١٥.
(٧) "العناية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١٣/٢ (هامش "فتح القدير").

الجزء السادس
٤٤١
باب الاعتكاف
في الأصحِّ؛ لأنَّ حالتَهُ مُذكِّرَةٌ.
(و) بطَلَ (بإنزالِ بِقُبلةٍ أو لَمْسٍ) أو تفخيذٍ، ولو لم يُنزِلْ لم يَبطُلْ وإِنْ حَرُمَ الكلُّ
لعدمِ الحَرَجِ، ولا يَبطُلُ بإنزالِ بِفِكْرٍ أَو نَظَرِ، ولا بسُكْرٍ ليلاً،.
ء
ثُمَّ قال: ((وأَوَّلُوه بأنَّه جازَ له الخروجُ للحاجة الإِنسانيَّة، فعند ذلك يحرُمُ عليه الوطءُ))، وذكَرَ
في "شرح التأويلات"(١): ((أَنَّهم كانوا يَخرُجون ويقضون حاجَتَهم في الجماع، ثمَّ
يغتسلون فيرجعون إلى مُعتَكَفِهم، فنزَلَ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِ الْمَسَاجِدِ﴾
[ البقرة - ١٨٧])) اهـ.
قال الشيخ "إسماعيل"(٢): ((وفيه نظرٌ؛ لإمكانِ الوطء في المسجد وإنْ كان فيه حرمةٌ من
جهةٍ أخرى، وهي حلولُ الجنب فيه، على أنَّه يُحتمَلُ أنْ تكون الزَّوحةُ مُعتكِفةً في مسجدٍ بيتها
فيأتيها فيه زوجُها، فَبطُلُ اعتكافُها)) اهـ.
[٩٥١٦] (قولُهُ: في الأصحِّ) قال في "الشرنبلالَّة"(٣): ((ولم يُفسِده "الشافعيُّ" بالوطءِ ناسياً -
وهو روايةُ "ابن سماعة" عن أصحابنا - اعتباراً له بالصَّومِ، كذا في "البرهان")) اهـ.
[٩٥١٧] (قولُهُ: لأنَّ حالتَهُ مذكّرَةٌ) تعليلٌ للأصحِّ ببيانِ الفرق بينه وبين الصوم بأنَّ المعتكف
له حالةٌ تُذكِّرُه، فلا يُغْتَفَرُ نسيانُهُ كالمحرِمِ والمصلّي بخلاف الصائم.
[٩٥١٨] (قولُهُ: وبطَلَ بإنزالٍ إلخ) لأَنَّه بالإنزالِ صارَ في معنى الجماع، "نهر "(٤).
[٩٥١٩) (قولُهُ: لم يَبطُل) لعدمٍ معنى الجماع، ولذا لم يَفسُد به الصومُ.
[٩٥٢٠] (قولُهُ: وإنْ حَرُمَ الكلُّ) أي: كلُّ ما ذُكِرَ من دواعي الوطءِ؛ إذ لا يلزمُ من عدمٍ
١٣٥/٢
(قولُهُ: بأنَّ المعتكفَ له حالةٌ تُذكِّرُهُ إلخ) ظاهرٌ إذا كان الوطءُ داخلَ المسجد.
(١) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريديّ: صـ٣٨٢ - بتصرف .
(٢) "الإحكام": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٢/ق ١٤٤/ب بتصرف .
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٢١٥/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "النھر": کتاب الصوم - باب الاعتكاف ق١٢٨ /ب بتصرف يسير .

قسم العبادات
٤٤٢
حاشية ابن عابدين
ولا يأَكْلِ ناسياً لبقاء الصَّوم بخلافِ أكلِهِ عَمْداً ورِدَّتِهِ، وكذا إغماؤُهُ وجنونُهُ
إِنْ داما أَيَّاماً، فإنْ دامَ جنونُهُ سَنَةً قضاه استحساناً.
البطلان بها حلّها لعدمِ الحرج، قال في "شرح المجمع": ((فإنْ قلت: لِمَ لَمْ تَحرُمُ الدَّواعي
في الصوم وحالةِ الحيض كما حَرُمَ الوطءُ؟! قلت: لأنَّ الصوم والحيض يكثُرُ وجودهما، فلو حَرُمَ
الدَّواعي فيهما لوقعوا في الحرجِ، وذلك مدفوعٌ شرعاً)).
[٩٥٢١] (قولُهُ: ولا بأكلِ ناسياً إلخ) والأصلُ أنَّ ما كان من محظوراتِ الاعتكاف - وهو
ما مُنِعَ منه لأجلِ الاعتكاف لا لأجل الصوم - لا يَخْتِفُ فيه العمدُ والسَّهوُ والنهار والليل
كالجِماع والخروج من المسجد، وما كان من محظوراتِ الصوم - وهو ما مُنِعَ منه لأجل الصوم -
يَخْتِلِفُ فيه العمدُ والسَّهُ والليل والنهار كالأكل والشرب، "بدائع"(١).
[٩٥٢٢] (قولُهُ: وردَّتِهِ) وإذا بطَلَ بها لم يَجِب قضاؤه كما تقدَّمَ(٢).
[٩٥٢٣] (قولُهُ: إِنْ داما أَيَّاماً) المرادُ بالأَيَّامِ أنْ يَقُوتَهُ صومٌ بسببٍ عدم إمكان النَّة، "ح"(٣).
ويقضيه في الإغماء كالجنون، "ط" (٤).
[٩٥٢٤] (قولُهُ: سنةً) عبارةُ "البدائع"(٥) وغيرها: ((سنين))، والمرادُ المبالغة، فَيَقضي في الأقلِّ
[٢/ق٣٤٥/ب] بالأولى.
[٩٥٢٥] (قولُهُ: استحساناً) والقياسُ لا يقضي كما في صوم رمضان، وجهُ الاستحسان
أنَّ سقوطَ القضاء في صوم رمضان إنما كان لدفعِ الحرج؛ لأنَّ الجنون إذا طالَ قلَّ ما يزولُ، فيتكرَّرُ
عليه صومُ رمضان، فُيُحِرَجُ في قضائه، وهذا المعنى لا يتحقَّقُ في الاعتكاف، "فتح"(٦).
(١) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٦/٢.
(٢) المقولة [٩٤٨٨] قوله: ((إلا إذا أفسده بالردة)).
(٣) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ١٣٣/ب.
(٤) "ط": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٧٤٤/١. وفيه: ((حينئذٍ)) بدل (("ح")).
(٥) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما شرائط صحته ١١٦/٢ .
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١٦/٢.

الجزء السادس
٤٤٣
باب الاعتكاف
(وَلَزِمَهُ اللَّيَالِي بِنَذْرِهِ) بلسانه (اعتكافَ أَيَّامٍ ولاءً) أي: متتابعةً وإنْ لم يَشترطِ
التَّتَابُعَ (كعكسِهِ) لأنَّ ذِكْرِ أحدِ العددين بلفظِ الجمع - وكذا النِّشْنية.
[٩٥٢٦] (قولُهُ: وَلَزِمَهُ اللَّالي) أي: اعتكافُها مع الأيّام.
[٩٥٢٧] (قولُهُ: بلسانِهِ) فلا يكفي محرَّدُ نَّةِ القلب، "فتح"(١)، وقد مرَّ( ٢).
[٩٥٢٨] (قولُهُ: اعتكافَ أَيَّامٍ) كعشرةٍ مثلاً.
[٩٥٢٩] (قولُهُ: ولاءً) حالٌ من ((الليالي))، والأصلُ أَنَّه متى دخَلَ الليلُ والنهار في اعتكافه
فإِنَّه يلزمُهُ متابعاً، ولا يُجزيهَ لو فُرِّقَ، "بحر"(٣). وكذا لو نذَرَ اعتكافَ شهرٍ غيرِ معَيَّنٍ لزِمَهُ
اعتكافُ شهرِ أيَّ شهرٍ كان متابعاً في الليل والنهار، بخلاف ما إذا نذَرَ صومَ شهرٍ ولم يذكر
الّابعَ ولا نواه فإِنَّه يُخيَّرُ: إنْ شاء فرَّقَ؛ لأنَّ الاعتكاف عبادةٌ دائمةٌ، ومبناها على الاتّصال؛
الأَنّه لَبْثٌ وإقامةٌ، والليالي قابلةٌ لذلك بخلافِ الصوم، وتمامُهُ في "البدائع"(٤).
[٩٥٣٠] (قولُهُ: كعكسِهِ) وهو نذرُ اعتكافِ اللَّيالي، فتلزمُّهُ الأَيَّامِ، "ط"(٥).
[٩٥٣١] (قولُهُ: بلفظِ الجمع) كثلاثين يوماً أو ليلةً، وكذا ثلاثةُ أَيَّامٍ، فإنّه في حكمٍ الجمع،
ولذا يُتْبَعُ به الجمعُ كرجالِ ثلاثةٍ، وإنْ أراد بالعددين المعدودين يكونُ التمييز في المثالِ الأَوَّلِ
في حكم الجمع لوقوعِهِ تمييزاً وبياناً لذاتِ الجمع، أعني الثلاثين، فافهم.
[٩٥٣٢] (قولُهُ: وكذا الَّنيةُ) فإِنَّها في حكمِ الجمع، فيلزمُهُ اعتكافُ يومين بليلتهما، وهذا
عندهما، وقال "أبو يوسف": لا تدخلُ اللّيلة الأُولى، "بدائع"(٦). وأفاد أنَّ المفرد لا تدخلُ فيه اللَّيلةُ
کما یأتي(٧).
(١) "الفتح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣١٤/٢.
(٢) المقولة [٩٤٤٨] قوله: ((بلسانه)).
(٣) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٩/٢ بتصرف يسير.
(٤) انظر "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١١/٢ .
(٥) "ط": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٤٧٧/١ .
(٦) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٠/٢.
(٧) المقولة [٩٥٣٨] قوله: ((لا)).

قسم العبادات.
٤٤٤ ٠
حاشية ابن عابدين
يتناولُ الآخرَ (فلو نَوَى في) نَذْرِ (الأَيَّامِ النهارَ) خاصَّةً (صحَّتْ نَيُّهُ) لنَّتِهِ الحقيقةَ
(وإنْ نَوَى بها) أي: بالأَّيَّامِ (اللّياليَ.
[٩٥٣٣] (قولُهُ: يتناولُ الآخَرَ) أي: بحكمِ العُرف والعادة، تقول: كُنَّا عند فلانِ ثلاثةَ أَيَّامٍ،
وتريدُ ثلاثةَ أَيَّام وما بإزائها من اللّيالي، وقال تعالى: ﴿فَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [ مريم - ١٠]،
و﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلََّرَمْزًا﴾ [آل عمران - ٤١ ]، فعبَّرَ في موضعٍ باسم اللَّالي، وفي موضعٍ باسم
الأَيَامِ، والقصَّةُ واحدةٌ، فالمرادُ من كلٍّ واحدٍ منهما ما هو بإزاءٍ صاحبه، حتّى إنّه في الموضع الذي
لم تكن الأيّامُ فيه على عددِ اللَّيالي أفرَدَ كلَّ واحدٍ منهما بالذّكر كقوله تعالى:
﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [ الحاقة - ٧] كما في "البدائع"(١).
[٩٥٣٤] (قولُهُ: فلو نوى إلخ) لَمَّا ذكَرَ لزومَ الَّيالي تبعاً للأيّام ولم يُقيِّد ذلك بنَّتَهما
أو عدمِها عُلِمَ أَنَّه لا فرقَ، ثمَّ فرَّعَ عليه ما لو نوى أحدَهما [٢/ق ٣٤٦/أ] خاصَّةً، حيث كان
في الكلام السَّابق إشارةٌ إلى مخالفةِ حكمِهِ له، فصحَّ التفريعُ، فافهم.
[٩٥٣٥] (قولُهُ: النَّهارَ) أي: جنسَهُ، وفي بعضِ النسخ: (( النَّهُرَ )) بصيغةِ الجمع، وقيل:
لا يُجمَعُ كالعذابِ والسَّرابِ كما في "القاموس"(٢).
[٩٥٣٦] (قولُهُ: صحَّتْ نَُّهُ) فيلزمُهُ الأَيَّامُ بغيرِ ليلٍ، وله خيارُ التفريق؛ لأنَّ القربة تعلّقَتْ
بالأَيَّام وهي متفرّقةٌ، فلا يلزمُهُ التتابعُ إلاَّ بالشَّرطِ كما في الصوم، ويدخلُ المسجدَ كلَّ يوم قبل
طلوع الفجر، ويخرجُ بعد غروب الشمس، "بدائع"(٣).
[٩٥٣٧] (قولُهُ: لَّتِهِ الحقيقةَ) أي: اللغويَّةَ، أمَّا العرفيَّةُ فتشملُ اللَّياليَ كما قدَّمناه(٤)، وإذا كان
للَّفظِ حقيقةٌ لغويَّةٌ وحقيقةٌ عرفيَّةٌ ينصرفُ عند الإطلاق عند أهل العُرف إلى العُرفَّة كما نصُّوا
(١) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١١/٢.
(٢) "القاموس": مادة ((نهر)).
(٣) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١٠/٢.
(٤) المقولة [٩٥٣٣] قوله: ((يتناول الآخر)).

الجزء السادس
٤٤٥
باب الاعتكاف
لا) بل يَلْزَمُهُ كلاهما (كما لو نذَرَ اعتكافَ شهر ونَوَى النُّهُرَ خاصَّةً أو) نَوَى
(عكسَهُ) أي: اللَّياليَ خاصَّةً، فإنَّه لا تصحُّ نَّتُهُ؛ لأنَّ الشَّهر اسمٌ لمقدَّرٍ يشملُ الأَيَّامَ
واللَّياليّ، فلا يحتملُ ما دونه، إلاَّ أنْ يَستثنِيَ اللَّالِيَ فِيَخْتَّصُّ بالنُّهُر،
ولو استَثْنَى الأَيَّمَ صَحَّ ولا شيءَ عليه لِما مرَّ ..
عليه، فلذا احتاجَ إلى النّةِ إذا أُرِيدَ به الحقيقةُ اللغويَّةِ، وبه اندفَعَ ما أُورِدَ من أنَّ الحقيقة لا تحتاجُ
إلى قرينةٍ ونَّةٍ، وأفاد في "البدائع"(١): ((أنَّ العُرف أيضاً في استعمالِ اللغويَّة باقٍ، فصحَّتْ نَيَّتُهُ))
اهـ. فكان العُرفُ مشتركاً.
والظاهرُ: أنَّ الأكثر استعمالُ خلافِ اللغويِّ، فلذا انصرَفَ إليه عند الإطلاقِ واحتاجَ
اللغويُّ إلى النّة.
[٩٥٣٨) (قولُهُ: لا) أي: لا تصحُّ نَُّّهُ؛ لأَنَّه نوى ما لا يحتملُهُ كلامُهُ، "بحر"(٢).
والحاصلُ: أَنَّه إمَّا أنْ يأتيَ بلفظِ المفرد أو المشَّى أو المجموع، وكلٌّ من الثلاثةِ إمَّا أنْ يكون
اليومَ أو الليلَ، وكلٌّ من السّةِ إِمَّا أن ينويَ الحقيقةَ، أو المجاز، أو ينويَهما، أو لم تكن له نَّةٌ، فهي
أربعةٌ وعشرون، وعلمتَ حكم المثَّى والمجموع بأقسامِهما، بقي المفردُ، فلو نذَرَ اعتكافَ يومٍ
لَزِمَهُ فقط نواه أو لم يَنْوِ، وإنْ نوى الليلةَ معه لزماه، ولو نذَرَ اعتكافَ ليلةٍ لم يصحّ ما لم يَنْوِ بها
اليومَ كما مرَّ(٣)، وتمامُهُ في "البحر "(٤).
[٩٥٣٩] (قولُهُ: اعتكافَ شهرٍ) أي: بأنْ أتى بلفظةٍ شهرٍ، أمّا لو قال: ثلاثین یوماً فهو
س (٥) .
[٩٥٤٠] (قولُهُ: لِما مرَّ (٦) أي: أوَّلَ الباب من قولهِ: ((لعدمِ محلّتِها))، "ح"(٧). أي: فإنَّ الباقيَ
ما مر
(١) "البدائع": كتاب الاعتكاف - فصل: وأما شرائط صحته ١١١/٢ .
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٨/٢ معزياً إلى "البدائع".
(٣) ص ٤١٤- وما بعدها "در".
(٤) انظر "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٨/٢ معزياً إلى "الظهيرية".
(٥) المقولة [٩٥٣١] قوله: ((بلفظ الجمع)).
(٦) صـ ٤١٦ - "در".
(٧) "ح": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ق ١٣٣/ب.

قسم العبادات
٤٤٦
حاشیة ابن عابدين
واعلمْ أنَّ اللَّالِيَ تابعةٌ للأيَّامِ إلاّ ليلةَ عرفةَ ولياليَ النَّحْرِ فَتَبَعٌ للنُّهُرِ الماضيةِ رِفْقاً
بالناس كما في أضحية "الولوالحيَّة".
١٣٦/٢
بعد استثناء الأيَّامِ هو الليالي المجرَّدَةُ، فلا يصحُّ الاعتكاف المنذور فيها لمنافاتِها شرطَهُ وهو الصومُ.
[٩٥٤١] (قولُهُ: واعلمْ أنَّ اللياليَ تابعةٌ للآَيَّام) أي: كلُّ ليلةٍ تتبعُ اليومَ الذي بعدها، ألا ترى
أَنَّه يصلِّي التراويحَ في أوَّلِ ليلةٍ من رمضان دون أوَّلِ ليلةٍ من شوَّالٍ، فعلى هذا إذا ذكَرَ الثّى
[٢/ق٣٤٦/ب] أو المجموعَ يدخلُ المسجدَ قبل الغروب، ويخرج بعد الغروب من آخرِ يومٍ نذَرَهُ
كما صرَّحَ به في "الخانيّة"(١)، وصرَّحَ: ((بأَنَّه إذا قال: أَيَّاماً يبدأ بالنهار، فيدخلُ المسجدَ قبل طلوع
الفجر)) اهـ. فعلى هذا لا يدخلُ اللَّلُ في نذرِ الأَيَّام إلاَّ إذا ذكَرَ له عدداً معيَّنَاً، "بحر "(٢).
[٤٢ ٩٥] (قولُهُ: إِلاَّ ليلةَ عرفةَ إلخ) عبارة "البحر"(٢) عن "المحيط": ((إلاَّ في الحجِّ، فإِنَّها
في حكمِ الأَيَّام الماضيةِ، فليلةُ عرفةَ تابعةٌ ليومٍ التروية، وليلةُ النحر تابعةٌ ليومٍ عرفة)) اهـ.
ونقَلَ قبله عن أضحية "الولوالحيَّة(٤): ((اللّيلةُ في كلِّ وقتٍ تبعٌّ لنهارٍ يأتي إلاَّ في أيَّام
الأضحى، فتبعٌّ لنهارٍ ماضٍ رِفقاً بالناس)) اهـ.
قلت: وفي حجِّ "الولوالحيَّة "(٥) أيضاً: ((الليلُ في باب المناسك تبعٌ للنهار الذي تقدَّمَ، ولهذا
لو وقَفَ بعرفةً ليلة النحر قبل الطلوعِ أجزأَهُ)) اهـ
والحاصلُ: أنَّ ليلة عرفةَ تابعةٌ لِما قبلها في الحكمِ، حتَّى صحَّ الوقوفُ فيها، وكذا ليلةُ النحر
(قولُهُ: أَنَّ ليلةَ عرفةَ تابعةٌ لِما قبلها في الحكم، حتَّى صَحَّ الوقوفُ فيها، وكذا ليلةُ النَّحر إلخ) تبعيَّةُ
الليالي للأيَّام الماضية إنما هو بالنّسبة للرَّمي لا للَّضحية كما لا يخفى، حتَّى لو أخَّرَ رميَ يومِ النّحر
إلى ليلةِ الحادي عشرَ جاز؛ لأَنَّه لا يَخرُجُ رميُّ كلِّ يومٍ إِلَّ بطلوعٍ فجر اليوم الذي يليه، وهذا بخلافٍ
اليوم الثالث، فإنَّ رميَهُ ينتهي بالغروب.
(١) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في الاعتكاف ٢٢٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٩/٢.
(٣) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٩/٢.
(٤) "الولوالجية": كتاب الصيد والذبائح - الفصل الرابع: في وقت الأضحية ومكانها ق١٤٩/أ.
(٥) "الولوالجية": كتاب الحج - الفصل الرابع في الوصية بالحج ق٤٣/أ.

٤٤٧
باب الاعتكاف
الجزء السادس
هذا، وليلةُ القَدْرِ دائرةٌ في رمضانَ اتّفاقً، إلاَّ أنَّها تتقدَّمُ وتتأخَّرُ خلافاً لهما، وثمرتُهُ
فيمَن قال بعدَ ليلةٍ منه: أنتَ حرٌّ وأنتِ طالقٌ ليلةَ القَدْرِ، فعنده لا يقعُ حتَّى ينسلخَ
شهرُ رمضان الآتي لجوازِ كونها في الأوَّلِ في الأُولى وفي الآتي في الأخيرةِ، وقالا: يقع
والتي تليه والتي بعدها، حتّى صحَّ النحرُ في الليالي، وجازَ الرميُ فيها، والمرادُ أنَّ الأفعال التي تُفْعَلُ
في النهار من نحرٍ أو وقوفٍ أو نحوِ ذلك من أفعالِ المناسك يصحُّ فعلُها في اللّيلةِ التي تلي ذلك
النهارَ رِفْقاً بالناس، وبسبب ذلك أُطلِقَ على تلك اللَّلةِ أنّها تبعٌ لليوم الذي قبلها، أي: تبعٌ له
في الحكمِ لا حقيقةً، وإلاّ فكلُّ ليلةٍ تبعٌ لليوم الذي بعدها، ولذا يقال ليلةُ النحر للَّليةِ التي يليها يومُ
النحر، ولو كانت لليوم الذي قبلها لصارت اسماً لِلَيلةِ عرفةً، ولا يسوغُ ذلك لا لغةً ولا شرعاً،
وحينئذٍ فلا يصحُّ ما قيل: إنَّ اليوم الثالث من أَيَّام النحر لا ليلةً له، وليومٍ التروية ليلتان، إلاَّ أنْ يريدَ
من حيث الحكم، وإلاَّ لَزِمَ أنَّه لو نذَرَ اعتكافَ يومٍ التروية ويومٍ عرفة يجبُ عليه اعتكاف اليومين
وثلاثٍ ليالٍ، والظاهرُ أنّه لا يقولُ به أحدٌ، فافهم.
مطلبٌ في ليلة القدر
(٩٥٤٣] (قولُهُ: دائرةٌ في رمضان اتفاقاً) أي: دائرةٌ معه بمعنى أنّها توجد كلَّما وُجِدَ، فهي
مختصَّةٌ به عند "الإِمام" و"صاحبيه"، لكنَّها عندهما في ليلةٍ معيَّنةٍ منه، وعنده لا تتعَيّنُ، ويشيرُ
إلى ما قلنا في تفسيرِ الدَّوران ما في "البحر"(١) عن "الكافي"(٢): ((ليلةُ القدر في رمضان دائرةٌ، لكنّها
تتقدَّمُ وتتأخَّرُ، [٢/ق٣٤٧/أ] وعندهما تكونُ في رمضان ولا تتقدّمُ ولا تتأخِّرُ) اهـ، فافهم.
[٩٥٤٤] (قولُهُ: لجوازِ كونِها في الأوَّلِ) أي: في رمضانَ الأوَّلِ ((في الأُولِى))، أي: في اللَّلةِ
الأُولى منه، وفي رمضان الآتي في اللّيلةِ الأخيرة منه، فإذا انسلَخَ رمضانُ الأوَّلُ لا يقعُ للاحتمالِ
الأوَّلِ، وإذا لم ينسلخ الآتي لا يقعُ أيضاً للاحتمال الثاني، فإذا انسلَخَ الآتي تحقَّقَ وجودُها
في أحدهما فحينئذٍ یقعُ.
(١) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٢٩/٢.
(٢) "كافي النسفي": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ١/ق ٨٠/أ بتصرف يسير.

قسم العبادات
٤٤٨
حاشية ابن عابدين
إذا مَضَى مثلُ تلك اللَّيلةِ في الآتي، ولا خلافَ أنَّه لو قال قبل دخول رمضانَ وقَعَ
بِمُضيِّهِ، قال في "المحيط": ((والفتوى على قول "الإِمام"))، لكنْ قَّدَهُ بكونِ
الحالف فقيهاً يَعرِفُ الاختلافَ، وإلاَّ فهي ليلةُ السَّابِعِ والعشرين، والله أعلم.
[٩٥٤٥] (قولُهُ: إذا مَضَى إلخ) يعني: إذا كانت هي اللَّلةَ الأُولى فقد وقَعَ بأوَّلِ ليلةٍ من
القابلِ، وإنْ كانت الثانية أو الثالثةَ إلخ فقد وُجِدَتْ في الماضي، فيتحقَّقُ عندهما وجودُها قطعاً
بأوَّلِ ليلةٍ من القابل، "رملي)(١).
(٩٥٤٦] (قولُهُ: لكنْ قَيّدَهُ إلخ) أي: فَّدَ صاحب "المحيط" الإفتاءَ بقول "الإِمام" بكونِ
الحالف فقيهاً، أي: عالِماً باختلافِ العلماء فيها، وإلاَّ فلو كان عامّاً فهي ليلةُ السابع والعشرين؛
لأنَّ العوامَّ يسمُّونها ليلةَ القدر، فَيَنصرِفُ حلفُهُ إلى ما تعارَفَ عنده كما هو أحدُ الأقوال فيها،
وله أدلَّةٌ كثيرةٌ من الأحاديثِ، وأجابَ عنها "الإِمام" بأنَّ ذلك كان في ذلك العامِ.
( تتمَّةٌ)
ما ذكرَهُ عن "الإِمام" هو قولٌ له، وذَكَرَ في "البحر "(٢) عن "الخانَيَّةَ"(٣): ((أَنَّ المشهور عن
"الإمام" أنّها تدورُ، أي: في السَّنة كلِّها، قد تكونُ في رمضان، وقد تکونُ في غيره)) اهـ.
قلت: ويؤيِّدُهُ ما ذكَرَهُ سلطان العارفين سيِّدي "محبي الدِّينِ بن عربي" في "فتوحاته المكِيَّة"(٤)
بقوله: ((واختلَفَ الناسُ في ليلة القدر - أعني: في زمانها - فمنهم من قال: هي في السَّنة كلِّها
(١) في "د" زيادة: ((قال العلقميُّ في "شرح الجامع الصغير" في حديث: ((صبيحةً القدر تطلع الشمس لا شعاع لها)):
قوله: ليلة القدر سُمِّيت بذلك لعِظَمٍ قدرها ولشرفها، وقيل: لِما يكتبُ الملائكةُ فيها من الأقدار والأرزاق
والآجال. قال النوويُّ في "المهذب": ليلَةُ القدر مختصَّةٌ بهذه الأمَّةِ زادها الله شرفاً، لم تكن قبلنا، هذا هو الصحيح
المشهورُ الذي قطَعَ به أصحابُنا كلَّهم وجماهير العلماء، وسُمِّيت ليلةَ القدر أي: ليلةَ الْحُكْم والفَصْل، وقيل: لِعِظَمٍ
قدرها. قال: ويراها مَن شاء الله تعالى من بني آدم كما تظاهرت عليه الأحاديثُ وأخبار الصالحين. قال: وأمَّا قولُ
الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرَة الفقيه المالكيّ : - لا يمكن رؤيتها حقيقةً - فغلطٌ. انتهى خير الدين الرَّمليّ)).
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب الاعتكاف ٣٣٠/٢.
(٣) "الخانية": كتاب الصوم - فصل في الاعتكاف ٢٢٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الفتوحات المكية": وصل في فصل قيام رمضان ٦٥٨/١ .

الجزء السادس
٤٤٩
باب الاعتكاف
تدورُ، وبه أقولُ، فإِنِّي رأيتُها في شعبان وفي شهر ربيعٍ وفي شهرِ رمضان، وأكثر ما رأيتُها في شهرِ
رمضان وفي العشر الآخرِ منه، ورأيتُها مرَّةً في العشرِ الوسط من رمضان في غيرِ ليلةٍ وترٍ، وفي الوترِ
منها، فأنا على يقين من أنَّها تدورُ في السَّنة في وترٍ وشفعٍ من الشهر)) اهـ وفيها للعلماءِ أقوالٌ
أخرُ بَلَغَتْ سنَّةً وأربعين.
( خاتمةٌ )
قال في "معراج الدراية": ((اعلم أنَّ ليلة القدر ليلةٌ فاضلةٌ يُستحَبُّ طلبُها، وهي أفضلُ ليالي
السَّنَة، وكلُّ عملٍ خيرٍ [٢/ق٣٤٧/ب] فيها يَعدِلُ ألفَ عملٍ في غيرها، وعن "ابن المسيِّب":
مَنْ شَهِدَ العشاءَ ليلةَ القدر فقد أخَذَ نصيبَهُ منها، وعن "الشافعيِّ": العشاءَ والصبحَ، ويراها
من المؤمنين مَن شاء الله تعالى، وعن "المهلَّب" من المالكيَّة: لا تمكنُ رؤيتُها على الحقيقة،
وهو غلطٌ، وينبغي لِمَن يراها أنْ يكتمَها ويدعوَ الله تعالى بالإخلاصِ)) اهـ.
اللهمَّ إِنَّا نسألُكَ الإِخلاصَ في القول والعمل، وحسنَ الختام عند انتهاءِ الأجل، والعونَ على
الإتمام يا ذا الجلال والإكرام، الحمدُ لله الذي بنعمتِهِ تتمُّ الصالحاتُ، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ
١٣٧/٢ وعلى آله وصحبه وسلَّم.

قسم العبادات
٤٥٠
حاشية ابن عابدين
﴿كتابُ الحج﴾
﴿بسم الله الرَّحمن الرَّحيم﴾
﴿كتابُ الحجّ﴾
لَمَّا كان مركَّباً من المالِ والبدن، وكان واجباً في العمر مرَّةً، ومؤخّراً في حديث: ((يُنِيَ
الإسلامُ على خمسٍ)) (١) أخَّرَهُ وخَتَمَ به العبادات، أي: الخالصةَ، وإلاَّ فنحوُ النكاحِ والعتاق
والوقف يكونُ عبادةً عند النّة، لكنَّه لم يُشرَع لقصدِ التعُّدِ فقط، ولذا صحَّ بلا نَّةٍ بخلافِ أركان
الإِسلام الأربعة، فإِنَّها لا تكونُ إلَّ عبادةً لاشتراطِ النّة فيها، هذا ما ظهَرَ لي.
وأورَدَ في "النهر"(٢) على قولهم: مركّبٌ ((أَنَّه عبادةٌ بدنيّةٌ محضةٌ، والمالُ إنما هو شرطٌ
في وجودِهِ، لا أنّه جزءُ مفهومِهِ)) اهـ.
وفيه (٣) أنَّ كونه عبادةً مركّبةً مما اتَّفَقَتْ عليه كلمتُهم أصولاً وفروعاً، حتّى أوجبوا الحجَّ عن
الميت وإِنْ فاتَ عملُ البدن لبقاءِ الجزء الآخَرِ وهو المالُ كما سيجيءُ(٤) تقريرُهُ، وليس قولُهم: إنّه
مركّبٌ تعريفاً له لبيان ماهيَّتِهِ حتى يقالَ: إنَّ المال شرطٌ فيه لا جزءُ مفهومه، بل المرادُ بيانُ
أنَّ التعبّدَ به لا يُتوصَّلُ إليه غالباً إلاَّ بأعمالِ البدن وإنفاقِ المال لأجله، والصلاةُ والصومُ وإنْ كانتا لا بدَّ
لهما من مالٍ كثوبٍ يسترُ عورتَهُ وطعامٍ يُقيم بُنِيَهُ فإنَّ ذلك ليس لأجلِهما بمعنى أَنَّه لولاهما لم يفعلْهُ،
ولذا لم يُجعَل المالُ من شروطهما وجُعِلَ من شروطِهِ، وأيضاً فإنَّ المال فيهما يسيرٌ لا مشقَّةً
﴿كتابُ الحجّ﴾
(قولُهُ: وإلاّ فنحوُ النّكاحِ والعتاقِ إلخ) إذا حُمِلَت العباداتُ على أركان الدِّین یکونُ أَولی في دفعِ إیرادٍ
النكاح وما بعده، فإنَّ ما ذكرَهُ غيرُ دافعٍ لإيرادِ الأضحية والجهاد ونحوهما من كلِّ عبادةٍ متوقّعةٍ على النَّةِ.
(١) أخرجه أحمد ١٢٠/٢، والبخاري(٨) كتاب الإيمان - باب: دعاؤكم إيمانكم، ومسلم (١٦)(١٩) كتاب الإيمان -
باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، جميعُهم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٢) "النهر": كتاب الحج ق١٢٩/ب.
(٣) هذا إيراد من ابن عابدين رحمه الله على صاحب "النهر".
(٤) المقولة [١٠٩٠٢] قوله: ((والمركبة منهما)).

الجزء السادس
٤٥١
کتاب الحج
(هو) بفتح الحاءِ وكسرِها لغةً: القَصْدُ إلى مُعظّمٍ لا مطلقُ القَصْدِ كما ظَنَّهُ بعضُهم،
وشرعاً: (زيارةُ) أي: طوافٌ ووقوفٌ (مكانٍ مخصوصٍ) أي: الكعبةِ وعَرَفَةَ
(في زمنٍ مخصوصٍ) في الطَّواف مِن فَجْرٍ (١) النَّحْر إلى آخرِ العُمُر، وفي الوقوف مِن
زَوَالِ شمسٍ عَرَفَةَ لفَجْرِ النّحْرِ (بفِعْلٍ مخصوصٍ) بأنْ يكونَ مُحرِماً بنيّةِ الحَجِّ ......
في إنفاقِهِ بخلاف المال في حجِّ الآفاقِيِّ، فإنّه كثيرٌ، فناسَبَ أنْ يكون مقصوداً في العبادة،
ولذا وجَبَ دفعه إلى النائب عند العجزِ الدائم عن الأفعال، ولم يجب الحجُّ على الفقيرِ القادر على
المشي، [٢/ق٣٤٨/أ] ووجَبَت الصلاةُ والصوم على العاجزِ عن السَّاتر والسَّحور، هذا ما ظهَرَ
لي، فافهم.
[٩٥٤٧] (قولُهُ: بفتحِ الحاء وكسرِها)(٢) بهما قُرِئ في السَّبع، وقيل: الأوَّلُ الاسمُ، والثاني
المصدرُ، "ط"(٣) عن "المنح"(٤) و"النهر"(٥).
[٩٥٤٨] (قولُهُ: كما ظنَّهُ بعضُهم) هو "الزيلعيُّ))(٦) تبعاً لإطلاقِ كثيرٍ من كتب اللغة، ونقَلَ
في "الفتح"(٧) تقييدَهُ بالمعظّم عن "ابن السِّكِّيت"(٨)، وكذا فَيَّدَهُ به "السيِّد الشريف"
في "تعريفاته"(٩)، وكذا في "الاختيار"(١٠).
[٩٥٤٩] (قولُهُ: وشرعاً زيارةُ إلخ) اعلم أنّهم عرَّفُوه بأنَّه قصدُ البيت لأداءِ ركنٍ من أركانِ
(١) في "د": ((من طلوع فجر)).
(٢) في "د" زيادة: قوله: ((والقياس الفتح، والكسرُ شاذٌّ، وحكى المطرزيُّ في "المغرب" عن ثعلب أنَّ الفتح لم يسمع
من العرب. وذو الحجَّة بالكسر والفتح: من أشهر الحج، انتهى من إعراب أبي البقاء، خير الدين الرملي)).
(٣) "ط": كتاب الحج ٤٧٩/١ .
(٤) "المنح": كتاب الحج ق ٩٦/أ.
(٥) "النهر": كتاب الحج ق١٢٩/ب.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الحج ٢/٢ .
(٧) "الفتح": كتاب الحج ٣٢٠/٢ .
(٨) لم نعثر على هذا النقل في كتابه "إصلاح المنطق".
(٩) "التعريفات": صـ ١١١ -.
(١٠) "الاختيار": كتاب الحج ١٣٩/١.

قسم العبادات
٤٥٢
حاشية ابن عابدين
الدِّين، ففيه معنى اللّغة، واعترَضَهم في "الفتح"(١): ((بأنَّ أركانه الطوافُ والوقوفُ، ولا وجودَ
للمشخَّص إلا بأجزائِهِ المشخّصة، وماهيَُّهُ الكليّةُ منتزعةٌ منها، وتعريفُهُ بالقصد لأجلِ الأعمال
مُخرِجٌ لها عن المفهوم، اللهمَّ إلاَّ أن يكون تعريفاً اسميًّاً غيرَ حقيقيٍّ، فهو تعريفٌ لمفهومِ الاسم
عُرفاً، لكنْ فيه أنَّ المتبادر من الاسم عند الإطلاق هو الأعمالُ المخصوصةُ، لا نفسُ القصدِ
المخرِجِ لها عن المفهوم مع أنَّه فاسدٌ في نفسه، فإنَّه لا يشملُ الحجَّ النفلَ، والتعريفُ إنما هو للحجِّ
مطلقاً كتعريفِ الصلاة والصوم وغيرهما لا للفرض فقط، ولأنَّه حينئذٍ يخالفُ سائر أسماء
العبادات، فإنَّها أسماءٌ للأفعال كالصلاة للقيام والقراءة إلخ، والصومٍ للإمساك إلخ، والزّكاةِ
الأداء المال، فليكن الحجُّ أيضاً عبارةً عن الأفعال الكائنة عند البيتِ وغيرِهِ كعرفةَ)) اهـ ملخِّصاً.
فعدَلَ "الشارح" عن تفسير "الزيلعيِّ" الزِّيارةَ بالقصد إلى تفسيرها بالطواف والوقوف
تبعاً لـ "البحر"(٢) ليكونَ اسماً للأفعالِ كسائر أسماء العبادات، ولَمَّا وَرَدَ عليه أنَّه يكونُ قوله:
((بفعلٍ مخصوصٍ)) حشواً - إذ المرادُ به كما قالوا هو الطوافُ والوقوفُ ـ تخلَّصَ عنه بتفسيره
((بأن يكون مُحرِماً إلخ))، قيل: ولا يخفى ما فيه؛ لأَنَّه يلزمُ عليه إدخالُ الشَّرط - أي:
الإحرامِ - في التعريف، فلو أبقى الزِّيارةَ على معناها اللغويِّ - وهو الذَّهابُ - وفسَّرَ الفعلَ
المخصوص بالطوافِ والوقوفِ لكان أولى اهـ.
وفيه أنَّ الزِّيارة أيضاً ليست ماهيََّهُ الحقيقيَّةَ، فَيَرِدُ ما مرَّ(٣) في تفسيره بالقصد، على
أنَّ الإحرام وإنْ كان شرطاً ابتداءً فهو في حكمِ الرُّكن انتهاءً كما سيصرِّحُ(٤) [٢/ق٣٤٨/ب]
به "الشارح"، ولو سُلِّمَ فذكرُ الشَّرط لا يُخِلُّ بالتعريف، بل لا بدَّ منه؛ لأَنَّه لا يتحقَّقُ المعنى
الشرعيُّ بدونه كمَن صلَّى بلا طهارةٍ، ولذا ذكروا النيّةَ في تعريف الزَّكاة والصوم، فافهم.
(١) "الفتح": كتاب الحج ٣٢٠/٢.
(٢) "البحر": كتاب الحج ٣٣٠/٢.
(٣) في هذه المقولة .
(٤ ) صـ ٤٩٣- "در".

الجزء السادس
٤٥٣
کتاب الحج
والتحقيقُ: أنَّ تفسيره بالقصد لا يُخرِجُهُ عن نظائره من أسماء العبادات؛ لأنَّ المراد بالقصد
هنا الإحرامُ، وهو عملُ القلب واللسان بالنَّة والتلبية أو ما يقومُ مقامَ التلبية من تقليدِ البدنة
مع السَّوقِ كما سيأتي(١)، فيكونُ عملَ الجوارح أيضاً، ولأنَّ قوله: ((بفعلٍ مخصوصٍ)) الباءُ فيه
للملابسة، والمراد به الطوافُ والوقوف، فهو قصدٌ مقترنٌ بهذه الأفعال لا مجرَّدُ القصد، فلم يَخرُج
عن كونِهِ فعلاً مخصوصاً كسائر أسماءِ العبادات، نعم فرَّقُوا بين الحجِّ وسائر أسماء العبادات،
حيث جعلوا القصدَ فيه أصلاً والفعلَ تبعاً، وعكسوا في غيره؛ لأنَّ الشائع في المعاني الاصطلاحيَّةِ
المنقولةِ عن المعاني اللغويَّةِ أنْ تكون أخصَّ من اللغويَّةِ لا مباينةً لها، ولَمَّا كان الحجُّ لغةً هو مطلقَ
القصد إلى معظّمٍ خصَّصُوه(٢) بكونه قصداً إلى معظّمٍ معَيَّنٍ بأفعالٍ معيَّنةٍ، ولو جُعِلَ اسماً للأفعالِ
المعَّنة أصالةً لبايَنَ المعنى اللغويَّ المنقولَ عنه بخلاف نحو الصوم، فإنّه في اللغة مطلقُ الإمساك،
فخصوصُهُ بكونه إمساكاً عن المفطرات بنيّةٍ من الليل، وكذا الزَّكاة في اللغة الطهارةُ، وتزكيةُ
الشيء تطهيرُهُ، وتزكيةُ المال المسمَّةُ زكاةً شرعاً تمليكُ جزءٍ منه، فإِنَّه طهارةٌ له لقوله تعالى:
﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [ التوبة - ١٠٣ ] ، فهي تطهيرٌ مخصوصٌ بفعلٍ مخصوصٍ وهو التمليك،
فلهذا جُعِلَ القصدُ أصلاً في تعريفِ الحجِّ شرعاً دون غيره وإنْ كان القصدُ شرطاً في الكلِّ، وكذا
جُعِلَ أصلاً في تعريفِ التيمُّمِ، فإنّه في اللغة مطلقُ القصد، وعرَّفُوه شرعاً بأَنَّه قصدُ الصعيد الطاهر
على وجهٍ مخصوصٍ وهو الضربتان، فهو قصدٌ مقترٌ بفعلٍ، فلم يخرج عن كونه اسماً لفعلِ العبد،
وهذا معنى قول "الزيلعيّ(٣): ((جُعِلَ الحجُّ اسماً لقصدٍ خاصٌّ مع زيادةِ وصفٍ كالتيمُّم، اسمٌ
المطلقِ القصد، ثمَّ جُعِلَ في الشرع اسماً لقصدٍ خاصٍّ بزيادةِ وصفٍ)) اهـ. هذا ما ظهَرَ لي
في [٢/ق٣٤٩/أ] تحقيقِ هذا المحلِّ.
١٣٨/٢
(١) المقولة [٩٦٥٢] قوله: ((الإحرام)).
(٢) في "ب": ((خصصوا)).
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الحج ٢/٢.

قسم العبادات
٤٥٤
حاشية ابن عابدين
سابقاً كما سيجيءُ(١). لم يقل: لأداءِ ركنٍ مِن أركان الدِّين لَيَعُمَّ حَجَّ النّفْل.
(فُرِضَ) سنةَ تسعٍ(٢)، وإنما أخَّرَهُ عليه الصَّلاة والسَّلام لعَشْرِ لِعُذْرٍ.
[٩٥٥٠] (قولُهُ: سابقاً) أي: على الوقوفِ والطواف، أمَّا كونُهُ من الميقات فواجبٌ، "ط"(٣).
[٩٥٥١] (قولُهُ: لعذرٍ) إِمَّا لأنَّ الآية نزلت بعد فواتِ الوقت، أو لخوفٍ من المشركين
على أهل المدينة، أو خوفِهِ على نفسه ﴿، أو كُرهِ مخالطةِ المشركين في نُسُكِهم؛ إذ كان لهم عهدٌ
في ذلك الوقت، "زيلعي"(٤). وقدَّمَ الأوَّلَ لِما في "حاشيته" لـ"الشلبيِّ"(٥) عن "الهَدْي"
لـ "ابن القيِّم"(٦): ((أنَّ الصحيح أنَّ الحجَّ فُرِضَ في أواخرِ سنة تسعٍ، وأنَّ آية فرضِهِ هي قولُهُ تعالى:
﴿وَلِلِّ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران - ٩٧ ]، وهي نزَلَتْ عامَ الوفود أواخرَ سنة تسعٍ،
وَأَنَّهُّ لم يُؤخّر الحجَّ بعد فرضه عاماً واحدً، وهذا هو اللائقُ بِهَدْيِه وحالِ ﴿، وليس بيدٍ مَنِ
ادَّعى تقدُّمَ فرضِ الحجِّ سنة ستُّ أو سبعٍ أو ثمانٍ أو تسعٍ دليلٌ واحدٌ، وغايةُ ما احتجَّ به مَن قال:
سنةَ ستِّ أنَّ فيها نزَلَ قوله تعالى: ﴿ وَنِقُوَّْ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [ البقرة - ١٩٦]، وهذا ليس فيه
ابتداءُ فرضِ الحجِّ، وإنما فيه الأمرُ بإتمامه إذا شرَعَ فيه، فأين هذا من وجوبِ ابتدائه؟!)) اهـ.
(١) ٣/٧ وما بعدها "در".
(٢) في "د" زيادة: ((قوله: (فرض سنة تسعٍ) قال فتح الدين: حجَّ عليه الصّلاة والسَّلام بعد فرض الحج حجةً واحدةً،
وقبل ذلك مرتين، وأما عُمَره فأربع، كلَّها في ذي القعدة، انتهى. وذكر في "المواهب اللدنية" آخر المقصد الأول
خلافاً في عدد حجه، وكذلك ذكر في المقصد التاسع في عباداته في الكلام، فراجعه إن شئت. وفي "حاشية الشيخ
عميرة والشيخ ابن قاسم على شرح المنهج": فائدة: روى مسلم: ((أنه * اعتمر أربعاً كلُّهن في ذي القعدة
إلّ التي في حجته)). وقال في "الكفاية": عمرة في زمن الحديبية، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة حين
قسم غنائم حنين، وعمرة من حجته، انتهى. خير الدين الرملي)).
(٣) "ط": كتاب الحج ٤٨٠/١.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الحج ٣/٢.
(٥) "حاشية الشلبي على الزيلعي": كتاب الحج ٣/٢ باختصار (هامش "تبيين الحقائق").
(٦) "زاد المعاد في هدي خير العباد": فصل في حجة أبي بكر الصديق ٥٩٥/٣ بتصرف.

الجزء السادس
٤٥٥
كتاب الحج
مع عِلْمِهِ ببقاء حياته ليُكمِلَ التَّلِيغَ (مرَّةً) لأنَّ سببَهُ البيتُ وهو واحدٌ، والزِّيادةُ
تطوُّعٌ، وقد يجبُ كما إذا جاوَزَ الميقاتَ بلا إحرامٍ، فَإِنّه
[٩٥٥٢] (قولُهُ: مع علمِهِ إلخ) جوابٌ آخرُ غيرُ متوقّفٍ على وجودِ العذر، وحاصلُهُ أنَّ
وجوبه على الفَوْر للاحتياط، فإنَّ في تأخيره تعريضاً للفوات، وهو مُنتفٍ في حقّه لَ﴿؛ لأنّه كان
يَعَلَمُ بقاء حياته إلى أنْ يُعلّمَ الناسَ مناسكهم تكميلاً للتبليغ لقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ
اُلُّؤْيَا﴾ الآيةَ [ الفتح - ٢٧]، فهذا أرقى في التعليلِ، ولذا ◌ُعِلَ الأوَّلُ تابعاً له، فهو كقولك:
أكرِمْ زيداً لأَنَّه محسنٌ إليك مع أنَّه أبوك.
[٩٥٥٣] (قولُهُ: لأنَّ سببه البيتُ) بدليلِ الإضافة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ﴾
[ آل عمران -٩٧ ]، فإنَّ الأصل إضافةُ الأحكام إلى أسبابها كما تقرَّرَ في الأصول،
ولا يتكرَّرُ الواجبُ إذا لم يتكرَّر سبُهُ، ولحديثِ "مسلمٍ"(١): ((يا أيُّها الناسُ، قد فُرِضَ عليكم الحجّ
فحُجُوا)، فقال رجلٌ: أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت حتَّى قَالَها ثلاثاً، فقال رسول الله ◌َّ:
(( لو قلتُ نعم لوجَبَتْ ولَما استطعتُم))، قال في "النهر "(٢): ((والآيةُ وإن كانت كافيةً
في الاستدلال على نفي التكرار؛ لأنَّ الأمر لا يَحتمِلُهُ إلاَّ أنَّ إثبات النفي بمقتضى النفيِ أَولى)).
[٩٥٥٤] (قولُهُ: وقد يجبُ) أي: الحجُّ، وهذا عطفٌ على قوله: ((فُرِضَ)).
[٩٥٥٥] (قولُهُ: كما إذا جاوَزَ الميقاتَ بلا إحرامٍ) [٢/ق٣٤٩/ب] أي: فإنَّه يجبُ عليه
(قولُهُ: إلاَّ أنَّ إثباتَ النَّفي بمقتضى النَّفي إلخ) أي: الواقعِ في حديث "الأقرع بن حابسٍ"
- على ما في "النهر" وغيره، فإنَّ فيه التصريحَ بالمرَّةِ الواحدة في العمر - أو الحديثِ المذكور هنا كما في
"الفتح" لإفادة ((لو)) هنا امتناعَ ((نَعَمْ))، فيلزمُّهُ ثبوتُ نقيضِهِ وهو ((لا))، وللتَّصريح بِنَفْيِ الاستطاعة.
(١) برقم (١٣٣٧) كتاب الحجّ - باب فرض الحجّ مرّةً في العُمُر، وأخرجه أحمد ٥٠٨/٢، والنِّسَائِيّ ١١٠/٥ كتاب
المناسك - باب وجوب الحجّ، والدَّار قُطْنيّ ٢٨١/٢ كتاب الحجّ، والبيهقيّ في "السّنن الكُبْرى" ٣٢٦/٣ كتاب
الحجّ - باب وجوب الحجّ مرّةً واحدةً، كلُّهم من حديث أبي هريرة ﴾ مرفوعاً.
(٢) "النهر": كتاب الحج ق ١٣٠/أ.

قسم العبادات
٤٥٦
حاشية ابن عابدين
أنْ يعودَ إلى الميقات ويلِّيَ منه، وكذا يجبُ عليه قبل المجاوزة، قال في "الهداية"(١): ((ثمَّ الآفاقيُّ
إذا انتهى إلى المواقيتِ على قصدٍ دخول مكَّةَ عليه أنْ يُحرِمَ قصَدَ الحجَّ أو العمرةَ عندنا أو
لم يقصد؛ لقوله وَ﴾: ((لا يُحاوِزْ أحدٌ الميقاتَ إلاَّ مُحرِماً))(٢)، ولأنَّ وجوب الإحرام لتعظيمِ هذه
البقعة الشريفة، فيستوي فيه التاجرُ(٣) والمعتمرُ وغيرهما)) اهـ.
قال "ح"(٤): ((فتحصَّلَ من هذا أنَّ الحجّ والعمرة لا يكونان نفلاً من الآفاقيِّ، وإنما يكونان
نفلاً من البستانيِّ والحرميِّ)) اهـ.
قلت: وفيه نظرٌ، فإنَّ حرمة بجاوزتِهِ بدون إحرامٍ لا تدلُّ على أنَّ الإحرام لا يكونُ إلاَّ واجباً
من الآفاقيِّ؛ لأنَّ الواجب كونُهُ متلّساً بالإِحرام وقتَ المحاوزة، سواءٌ كان الإحرامُ بحجٌّ نقلٍ
أو غيرِهِ؛ لأنَّ الإحرام شرطٌ لحلِّ المجاوزة، والشَّرطُ لا يلزمُ تحصيلُهُ مقصوداً كما مرَّ(٥)
في الاعتكاف، ونظيره أيضاً أنَّ الجُنُب لا يَحِلُّ له دخول المسجدَ حتَّى يغتسلَ، فإذا اغتسَلَ لسنَّةٍ
الجمعة مثلاً ثُمَّ دخل جاز مع أنَّه إنما نوى الغُسل المسنون، وإنما يجبُ إذا أراد الدخولَ ولم يَغتسِل
لغيره، وهنا إذا أرادَ مجاوزةَ الميقات، وكان قاصداً للنُّسك، وأحرَمَ بنسكِ فرضٍ أو منذورٍ أو نقلٍ
كفاه لحصولِ المقصود في تعظيم البقعة، فإنْ لم يكن قاصداً لذلك - بأنْ قصَدَ الدخولَ لتحارةٍ
مثلاً - فحينئذٍ يكونُ إحرامه واجباً، ونظيرُهُ تحيَّةُ المسجد، تَندرِجُ في أيِّ صلاةٍ صلاَّها، فإنْ
لم يُصَلِّ فلا بدَّ في تحصيلِ السنَّة من صلاتها على الخصوصِ، هذا ما ظهَرَ لي.
(١) "الهداية": كتاب الحج - فصل ١٣٦/١.
(٢) أخرجه ابنُ أبي شَيْبة ٥٠٩/٤ كتاب الحجّ - باب من قال: لا يجاوز أحد الوقت إلاّ محرم، والطّبرَانيّ في "المعجم
الكبير" ٣٤٥/١١ برقم (١٢٢٣٦). وأورده الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ٢١٦/٣ كتاب الحجّ - باب الإحرام
من الميقات، وقال: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه: خصيف، وفيه كلام، وقد وَثْقَهُ جماعةٌ، كلُّهم من حديث
ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعاً. وفي "ب" و"م" هنا عقب الحديث زيادة: ((ولو لتجارة))، وهذه الزيادة ليست
في "الهداية" و "ح".
(٣) في "الهداية" و"ح": ((الحاج)) بدل ((التاجر)) وهو أولى.
(٤) "ح": كتاب الحج ق ١٣٤/أ.
(٥) المقولة [٩٤٦٤] قوله: ((وتحقيقه في الأصول)).