النص المفهرس
صفحات 261-280
باب ما یفسد الصوم وما لا یفسده
٢٥٧
الجزء السادس
( فرعٌ) إذا رَأَوا الهلالَ يكرهُ أن يشيروا إليه؛ لأنّه من عمل الجاهليَّة كما في
"السِّراحيَّةِ"(١) وكراهةٍ "البزَّازِيَّة"(٢).
﴿بابُ ما يُفسدُ الصَّومَ وما لا يُفسدُهُ﴾
الفسادُ والْبُطْلانُ في العبادات سِيَّان.
(إذا أكَلَ الصَّائِمُ أو شَرِبَ أو جامَعَ) حالَ كونِهِ.
[٨٩٧٣] (قولُهُ: يكرهُ) ظاهرُهُ: ولو بقصدٍ دلالةٍ مَن لم يره، وظاهرُ العلَّة أنَّ الكراهة تنزيهيَّةٌ،
"ط"(٣)، والله أعلم.
﴿بابُ ما يُقْسِدُ الصومَ وما لا يُقْسِدُهُ﴾
المفسدُ هنا قسمان: ما يُوجِبُ القضاءَ فقط أو مع الكفارة، وغيرُ المفسدِ قسمان أيضاً:
ما يُباح فعلُهُ أو يكرهُ.
[٨٩٧٤] (قولُهُ: الفسادُ والبطلانُ في العبادات سيَّان) أمَّا في المعاملات فإنْ لم يترتّبْ أثرُ
المعاملة عليها فهو البطلانُ، وإنْ ترتّبَ فإنْ كان مطلوبَ التفاسُخِ شرعاً فهو الفسادُ، وإلاَّ فهو
الصحَّةُ، "ح"(٤) عن "البحر"(٥).
بيانُهُ: لو باعَ ميتةً فإنَّ أَثْرَ المعاملة هنا - وهو الملكُ - غير مترتّبٍ عليها، ولو باع عبداً بشرطٍ
فاسدٍ وسلَّمَهُ ملَكَهُ المشتري فاسداً، وهو واجبُ التفاسُخ، ولو بدونِ شرطٍ ملَكَهُ صحيحاً.
[٨٩٧٥] (قولُهُ: إذا أَكَلَ) شرطٌ جوابُهُ قولُهُ الآتي: ((لم يُفطِر)) كما سينبِّهُ عليه "الشارح"(٦).
(١) "السراجية": كتاب الصوم - باب الشهادة على رؤية الهلال ١٢٩/١ (هامش "فتاوى قاضيخان").
(٢) "البزازية": كتاب الكراهية - الفصل التاسع في المتفرقات ٣٧١/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "ط": كتاب الصوم ٤٤٩/١.
(٤) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لايفسده ق١٢٧ /ب.
(٥) "البحر" : - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩١/٢.
(٦) صـ ٢٨١ - "در".
قسم العبادات
٢٥٨
حاشية ابن عابدين
(ناسياً) في الفرض والنَّقْل قبلَ النَّةِ أو بعدَها على الصَّحيح، "بحر" عن "القنية"(١)، ...
[٨٩٧٦] (قولُهُ: ناسياً(٢) أي: لصومه؛ لأَنّه ذاكرٌ للأكل والشرب والجماع، "معراج".
[٨٩٧٧] (قولُهُ: في الفرضِ) ولو قضاءً أو كفَّارةً.
[٨٩٧٨] (قولُهُ: قبلَ النَّةِ أو بعدَها) قدَّمَ (٣) "الشارحُ" هذه المسألة عن "شرح الوهبانيّة" قبيل
قوله: ((رأى مكلَّفٌ هلالَ رمضان [٢/ق ٣٠١/ب] إلخ))، وصوَّرَها في المتلوِّم تبعاً لـ "الوهبائيّة"
و"شرحها" لكونه في معنى الصائم إذا ظهرت رمضانيَّةُ اليوم بعدما أكَلَ ناسياً ثُمَّ نوى، فيُتصوَّرُ منه
النسيانُ، أي: نسيانُ تلوُّمِهِ لأجل الصوم بخلاف المتنقّل، فإنَّه لو أكَلَ قبل النَّة لا يُسمَّى ناسياً،
وكذا في صومِ القضاء والكفَّارة، نعم يُتصوَّرُ النسيانُ في أداءِ رمضان والمنذورِ المعَّنِ.
[٨٩٧٩] (قولُهُ: على الصحيحِ) مَتَّصلٌ بقوله: ((قبل النَّةِ))، وقد نقَلَ تصحيحَهُ أيضاً
في "التاتر خانَّ"(٤) عن "العَنَّبيَّة"، وقيل: إذا ظهرت رمضانَّتُهُ لا يُجزيه، وبه جزَمَ في "السِّراج"(٥)،
وتَبِعَهُ في "الشرنبلالَّةُ"(٦)، ونظَمَ "ابن وهبان(٧) القولين مع حكايةِ التصحيح للأوَّلِ، وأقرَّهُ
في "البحر"(٨) و"النهر"(٩)، فكان هو المعتمدَ، فافهم.
(١) "القنية": کتاب الصوم - باب فیما یفسد الصوم ق ٣٠/أ - ب.
(٢) في "د" زيادة: ((قوله: قال في "شرحه" على "الملتقى": والأولى أن يقضي إن أفطر ناسياً. ذكره في "الخزائن"؛ لأنه
عند أبي يوسف مفسد مطلقاً، وعند مالك مفسد للفرض لا للنفل ، ذكره في "المنية". وفي "الشرنبلالية" معزياً
لـ "الجوهرة": لو أكل قبل أن ينوي الصوم ناسياً، ثم نوى الصوم لم يجزه، فليحفظ. ولو مضَغَ لقمة فتذكَّر فابتلَعَها
قبل الإخراج عليه الكفارة، وبعده لا، انتهى ملخصاً)).
(٣) صـ ٢٢٦ - "در".
(٤) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث في النية ٣٥٩/٢.
(٥) "السراج الوهاج": کتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨٦/ب.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٧) "الوهبانية": فصل من كتاب الصوم صـ١٦ - (هامش "المنظومة المحبية").
(٨) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٢/٢.
(٩) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم ، ما لا يفسده ق١١٩/ب.
الجزء السادس
٢٥٩ -
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
إلاَّ أنْ يُذكَّرَ فلم يتذكَّرْ ويُذكِّرُهُ لو قويّاً، وإلاَّ لا،
[٨٩٨٠] (قولُهُ: إلاَّ أنْ يُذكَّرَ فلم يتذكَّر) أي: إذا أَكَلَ ناسياً فذكَّرَهُ إنسانٌ بالصوم ولم يتذكّر
فأكَلَ فسَدَ صومُهُ في الصحيح خلافاً لبعضهم، "ظهيريَّة"(١). لأنَّ خبر الواحد في الدِّيانات مقبولٌ،
فكان يجبُ أنْ يُلتَفَتَ إلى تأمُّلِ الحال لوجود المذكّر، "بحر "(٢).
قلت: لكنْ لا كَفَّارَةَ عليه، وهو المختارُ كما في "التاتر خانَّةً"(٣) عن "النصاب"، وقد نسبوا
هذه المسألةَ إلى "أبي يوسف"، ونسَبَ إليه "القُهُستانيُ))(٤) فسادَ الصوم بالنسيان مطلقاً، ولم أره
لغيره، وسيأتي(٥) ما يرُدُّه.
[٨٩٨١] (قولُهُ: ويُذكِّرُهُ) أي: لزوماً كما في "الولوالحيَّة"(٦)، فيكرهُ تركه تحريماً،
"بحر "(٧). وقوله: ((لو قويّاً)) أي: له قوَّةٌ على إتمامِ الصوم بلا ضعفٍ، وإذا كان يضعُفُ بالصوم
ولو أكَلَ يتقوَّى على سائرِ الطاعات يسَعُهُ أنْ لا يُخِرَهُ ، "فتح"(٨). وعبارةُ غيرِهِ: ((الأولى
﴿بابُ ما يُفسِدُ الصَّوم وما لا يُفسدُ,﴾
(قولُهُ: ونسَبَ إليه "القهستانيُّ" فسادَ الصَّوم بالنّسيان إلخ) في "السنديّ": ((وقال "مالكٌ": يُفسِدُ
الفرضَ لا النّفْلَ كما في "المنية"، وقال "أبو يوسف": يُفسِدُ الصَّومَ مطلقاً، فُيُقضَى كما في "النظم"،
وقيل: جِماعُ الناس مفسدٌ، والصحيحُ خلاقُهُ كما في "التحفة"، وفي "الدر المنتقى": الأَولى أنْ يَقضِيَ إِنْ
أفطَرَ ناسياً، ذكرَهُ في "الخزانة"؛ لأَنَّه عند "أبي يوسف" مُفسِدٌ مطلقاً لِما تقدَّمَ)) انتهى.
(١) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل فيما يفسد به الصوم وما لا يفسد ق ٥٧/أ.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩١/٢.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الرابع فيما يفسد الصوم وما لا يفسد ٣٧٢/٢.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد صـ٢٢١ -.
(٥) المقولة [٩٠٤٧] قوله: ((خلافاً لهما)).
(٦) "الولوالجية": كتاب الصوم - الفصل الثاني فيما يوجب الكفارة وما لا. ق٣٣/أ.
(٧) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٢/٢.
(٨) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٥٥/٢.
قسم العبادات
٢٦٠
حاشية ابن عابدين
وليس عُذْراً في حقوق العباد (أو دخَلَ حلقَهُ غبارٌ أو ذبابٌ أو دخانٌ) ولو ذاكراً ..
أنْ لا يُخبره))، وتعبيرُ "الزيلعيِّ" (١) بالشابِّ والشيخ جَرْيٌّ على الغالب.
مطلبٌ: يكرهُ السَّهِرُ إذا خافٍ فَوْتَ الصُّبح
ثمَّ هذا التفصيلُ جَرَى عليه غيرُ واحدٍ، وفي "السِّراج"(٢) عن "الواقعات": ((المختارُ أَنَّه
يُذكِّرُهُ مطلقاً))، "نهر "(٣). قال "ح"(٤) عن "شيخه": ((ومثلُ أكلِ الناسي النومُ عن صلاةٍ؛ لأنَّ
كلاً منهما معصيةٌ في نفسه كما صرَّحُوا أَنَّه يكرهُ السَّهَر إذا خاف فوتَ الصبح، لكنَّ الناسيَ
أو النائم غيرُ قادرٍ، فسقَطَ الإِثْمُ عنهما، لكنْ وجَبَ على مَن يَعَلَمُ حالَهما تذكيرُ الناسِي وإيقاظُ
النائم إلاَّ في حقِّ الضعيف عن الصوم مَرحمةً له)) اهـ.
[٨٩٨٢] (قولُهُ: وليس) أي: النسيانُ ((عذراً في حقوقِ العباد))، أي: من حيث ترتّبُ
الحكمِ على فعله، فلو أكَلَ الوديعةَ ناسياً ضَمِنَها، أمّا من حيث المؤاخذةُ في الآخرة فهو عذرٌ
مُسقِطٌ للإثم كما في حقوقه تعالى، وأمَّا من [٢/ق٣٠٢/أ] حيث الحكمُ في حقوقه تعالى فإنْ
كان في موضعٍ مُذكِّرٍ ولا داعيَ إليه كأكل المصلي لم يسقط لتقصيره، فإنَّ حالة المصلّي مُذكّرةٌ،
وطولُ الوقت الدَّاعي إلى الأكلِ غيرُ موجودٍ بخلاف سلامِهِ في القعدة الأُولى وأكلِ الصائم، فإنّه
ساقطٌ لوجودِ الدَّاعي، وهو كونُ القعدة محلَّ السلام، وطولُ الوقت الداعي إلى الطعام مع عدم
المذكِّر، وبخلاف تركِ الذابح التسميةَ، فإِنَّ حالة الذبح منفّرةٌ لا مذكّرةٌ مع عدم الداعي فتسقطُ
أيضاً، من "البحر"(٥) مع زيادةٍ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٣٢٢/١.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨٧/أ.
(٣) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١١٩/ب بتصرف.
(٤) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٧/ب بتوضيح من ابن عابدين.
(٥) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩١/٢.
الجزء السادس
٢٦١
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
استحساناً؛ لعدم إمكان التحرُّزِ عنه، ومُفادُهُ أَنَّه لو أدخَلَ حلقَهُ الدُّخانَ أفطَرَ أيَّ
دخان كان ولو عُوْدً أو عَنْبَراً لو ذاكراً؛ لإمكان التحرُّرِ عنه، فليتنبَّهْ له كما بسَطَهُ
"الشرنبلاليُ))(١) (أو ادَّهَنَ أو اكْتَحَلَ أو احتَجَمَ).
[٨٩٨٣] (قولُهُ: استحساناً) وفي القياس يَفسُدُ، أي: بدخولِ الذُّباب؛ لوصولِ المُفطِر إلى جوفه
وإنْ كان لا يُتغذَّى به كالتراب والحصاة، "هداية"(٢).
[٨٩٨٤] (قولُهُ: لعدمٍ إمكان التحرُّزِ عنه) فأشبَهَ الغبارَ والدخان لدخولهما من الأنف إذا أطبَقَ
الفمَ كما في "الفتح"(٣)، وهذا يفيدُ أَنّه إذا وجَدَ بُدّ من تعاطي ما يدخُلُ غبارُهُ في حلقِهِ أَفْسَدَ
لو فعل، "شرنبلاليَّة"(٤).
[٨٩٨٥] (قولُهُ: ومُفادُهُ) أي: مُقادُ قوله: ((دخَلَ))، أي: بنفسِهِ بلا صنعٍ منه.
[٨٩٨٦] (قولُهُ: أَنَّه لو أدخَلَ حلقَهُ الدخانَ) أي: بأيِّ صورةٍ كان الإدخالُ، حتَّى لو تبخّرَ
ببخُورِ، فآواه إلى نفسه واشتَمَّهُ ذاكراً لصومه أفطَرَ لإمكانِ التحرُّزِ عنه، وهذا مما يَغْفَلُ عنه كثيرٌ
من الناس، ولا يُتُوهَّمَ أَنَّه كشمِّ الورد ومائه والمسك؛ لوضوحِ الفرق بين هواءٍ تطَّبَ بريحِ المسك
وشبهه وبين جوهرِ دخانِ وصَلَ إلى جوفه بفعله، "إمداد"(٥). وبه عُلِمَ حكمُ شرب الدخان،
ونظَمَهُ "الشرنبلاليُّ" في "شرحه" على "الوهبانيّة" بقوله: [طويل]
وشاربُهُ في الصومٍ لا شكَّ ◌ُفطِرُ
ويُمنَعُ من بيعِ الدُّخان وشرِهِ
كذا دافعاً شَهْواتٍ بطنٍ فَقرَّرُوا
ويلزمُهُ التكفيرُ لو ظَنَّ نافعاً
٩٧/٢
(قولُهُ: أي: بدخولِ الذُّبابِ) أو الدخانِ أو الغبار.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٢/١.
(٢) "الهداية": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ١٢٣/١.
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٥٨/٢.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما لا يفسد الصوم ق ٣٥١/ب.
قسم العبادات
٢٦٢
حاشية ابن عابدين
وإنْ وجَدَ طعمَهُ فِي حَلْقِهِ (أو قَبَّلَ) ولم يُنزِلْ (أو احتَلَمَ أو أنزَلَ بَنَظَرٍ) ولو إلى
فَرْجِها مِراراً (أو بفِكْرٍ) وإنْ طالَ، "مجمع" (أو بَقِيَ بَلَلٌ في فِيهِ بعدَ المضمضة
وابتلَعَهُ مع الرِّيقِ)
[٨٩٨٧] (قولُهُ: وإنْ وجَدَ طعمَهُ في حلقه) أي: طعمَ الكحل أو الدُّهن كما في "السِّراج)"(١)،
وكذا لو بزَقَ فوجَدَ لونَهُ في الأصحِّ، "بحر "(٢). قال في "النهر"(٣): ((لأنَّ الموجود في حلقِهِ أثرٌ
داخلٌ من المسامِ الذي هو خِلَلُ البدن، والمفطر إنما هو الداخلُ من المنافذ للأّفاق على أنَّ مَن
اغتسَلَ في ماءٍ فوجَدَ بردَهُ في باطنه أنَّه لا يُفطِرُ، وإنما كَرِهَ "الإِمامُ" الدخول في الماء والتلفُّفَ
بالثوب المبلول لِما فيه من إظهارِ الضجر في إقامة العبادة، لا لأَنَّ مُفطِرٌ)) اهـ.
وسيأتي(٤) أنَّ كلاً من الكحلِ والدُّهن غيرُ مكروهٍ، وكذا (٥) الحجامةُ إلاَّ إذا كانت تُضعِفُهُ
عن الصوم.
[٨٩٨٨] (قولُهُ: أو بفِكْرٍ) عطفٌ على قوله: ((بتَظَرٍ)).
[٨٩٨٩] (قولُهُ: أو بقيَ بللٌ في فيه بعد المضمضةِ) [٢/ق٣٠٢/ب] جعَلَهُ في "الفتح"(٦)
و "البدائع"(٧) شبهَ دخول الدُّخان والغبار، ومقتضاه أنَّ العلَّة فيه عدمُ إمكان التحرُّزِ عنه، وينبغي
اشتراطُ البصقِ بعد مجِّ الماء لاختلاطِ الماء بالبصاق، فلا يخرجُ بمجرَّدِ المجِّ، نعم لا يُشترَطُ المبالغةُ
(قولُهُ: وينبغي اشتراطُ البَصْقِ بعدَ مجِّ الماءِ إلخ) هو بعيدٌ عن قول "المصنّف": ((بعد المضمضة))
وعن قوله في "الإيضاح": ((وما يبقى من أثرٍ المضمضة)) كما يأتي ذكرُهُ في كلامه، تأمَّل.
(١) "السراج الوهاج": کتاب الصوم- فروع ١/ق ٤٨٨ /ب.
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٤/٢.
(٣) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢٠/أ.
(٤) ص٣٣٤ - وما بعدها "در".
(٥) المقولة [٩٢١٨] قوله: ((وكذا لا تكره حجامة)).
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٥٨/٢.
(٧) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما ركنه ٩٠/٢.
الجزء السادس
٢٦٣
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
كطَعْمٍ أدويةٍ ومَصِّ إِهْلِيْلَجٍ بخلافِ نحوِ سُكْرٍ (أو أدخَلَ الماءَ في أُذُنِهِ وإنْ كان
بفعلِهِ) على المختار،.
في البصق؛ لأنَّ الباقيَ بعده مجرَّدُ بللٍ ورطوبةٍ لا يمكنُ التحرُّزُ عنه، وعلى ما قلنا ينبغي أنْ يُحمَلَ
قوله في "البزَّازِيَّةِ"(١): ((إذا بقي بعد المضمضةِ ماءٌ فابتلعَهُ بالبزاق لم يفطر لتعذُّرِ الاحتراز))، فتأمَّل.
[٨٩٩٠] (قولُهُ: كطَعْمٍ أدويةٍ) أي: لو دَقَّ(٢) دواءً فوجَدَ طعمَهُ في حلقه، "زيلعي)(٣) وغيره.
وفي "القُهُستانيِّ" (٤): ((طعمُ الأدوية وريحُ العطر إذا وُجِدَ في حلقِهِ لم يُفطِر كما
في "المحيط"(٥)).
[٨٩٩١] (قولُهُ: ومصِّ إِهْلِلَجٍ) أي: بأنْ مضَغَها، فدخَلَ البصاقُ حلقَهُ ولا يدخلُ من عينها
في جوفِهِ لا يَفسُدُ صومُهُ كما في "التاتر خانيَّة"(٦) وغيرها، وفي "المغرب"(٧): ((الهَلِيْلَجُ: معروفٌ،
عن "اللَّيث"(٨)، وكذا في "القانون"(٩)، وعن "أبي عبيدٍ": الإِهليلجةُ بكسرِ اللام الأخيرة،
ولا تقل: هَلِيلَحةٌ، وكذا قال "الفرَّاء")) اهـ.
[٨٩٩٢) (قولُهُ: وإنْ كان بفعلِهِ) اختارَهُ في "الهداية"(١٠) و"التبيين"(١١)، وصحَّحَهُ
(١) البزازية": كتاب الصوم - فصل فيما يفسد الصوم وما لا يفسده وموجب القضاء والكفارة ١٠٠/٤ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٢) كذا في النسخ جميعها، وعبارة الزيلعي: ((لو ذاق)).
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٣٢٣/١.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصوم - فصل موجب الإفساد ٢٢١/١.
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب الصوم - الفصل الرابع فيما يفسد الصوم وما لا يفسد ١/ق ١٦٠/ب.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الرابع فيما يفسد الصوم وما لا يفسد ٣٦٨/٢ نقلاً عن "المحيط".
(٧) "المغرب": مادة ((هلج)).
(٨) تقدمت ترجمته ٣٣٨/١.
(٩) "القانون" : الفن الرابع في تصنيف وجوه المعالجات بحسب الأمراض الكلية ٥٤٨/١، وهو لأبي علي الحسين
ابن عبد الله المعروف بابن سينا (ت٥٤٢٨ هـ). ("الأعلام" ٢٤١/٢).
(١٠) "الهداية": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ١٢٥/١.
(١١) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٣٢٩/١.
قسم العبادات
٢٦٤
حاشية ابن عابدين
كما لو حَكَّ أذنَهُ بُعُوْدٍ ثمَّ أخرَجَهُ وعليه دَرَنٌ ثمَّ أدخَلَهُ ولو مِراراً (أو ابتَلَعَ ما بين
أسنانه وهو دونَ الحَمِّصةِ) لأَنَّه تَبَعٌ لرِيقِهِ، ولو قَدْرَها أفطَرَ كما سيجيءُ (أو خرَجَ
الدَّمُ من بين أسنانه ودخَلَ حلقَهُ)
في "المحيط"، وفي "الولوالجيّة"(١): ((أَنَّ المختارُ))، وفصَّلَ في "الخانَيَّة"(٢): ((بأَنَّه إِنْ دخَلَ لا يُفسِدُ،
وإِنْ أدخَلَهُ يُفسِدُ في الصحيح؛ لأَنَّ وصَلَ إلى الجوف بفعلِهِ، فلا يُعتَبَرُ فيه صلاحُ البدن))، ومثلُهُ
في "البرَّازِيَّةِ"(٣)، واستظهرَهُ في "الفتح"(٤) و "البرهان"، "شرنبلاليَّةً"(٥) ملخّصاً.
والحاصلُ الاتّفاقُ على الفطر بصبِّ الدُّهن، وعلى عدمِهِ بدخول الماء، واختلافُ التصحيح
في إدخاله، "نوح".
[٨٩٩٣] (قولُهُ: كما لو حكَّ أذنَهُ إلخ) جعَلَهُ مشبَّهاً به لِما في "البزَّازِيَّة"(٦): ((أَنَّه لا يُفسِدُ
بالإجماع))، والظاهرُ أنَّ المراد إجماعُ أهل المذهب؛ لأَنَّه عند الشافعيَّةِ مُفْسِدٌ.
[٨٩٩٤] (قولُهُ: لأَنّ تبعٌ لريقِهِ) عبارةُ "البحر"(٧): ((لأَنَّه قليلٌ لا يمكنُ الاحتراز عنه، فجُعِلَ
بمنزلةِ الرِّيق)).
[٨٩٩٥] (قولُهُ: كما سيجيءُ(٨) أي: قبيل قوله: ((وكره له ذوقُ شيءٍ))، ويأتي تفاصيلُ
(قولُ "الشارح": كما لو حَكَّ أذنَهُ بِعُوْدٍ ثُمَّ أخرَجَهُ إلخ) لعدمٍ وصول ما على العُوْدِ لجوفِهِ،
فهو كمَن جعَلَ الدَّواء على الجائفة ولم يَصِلْ إلى الجوف. اهـ "سندي" عن "الرحمتي".
(١) "الولوالجية": كتاب الصوم - الفصل الأول فيما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ٣١/ب.
(٢) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الخامس فيما لا يفسد الصوم ٢٠٩/١ بتصرف يسير (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البزازية": كتاب الصوم - فصل فيما يفسد الصوم وما لا يفسده وموجب القضاء والكفارة ٩٨/٤ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٦/٢ - ٢٦٧.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٢/١. (هامش "الدرر والغرر").
(٦) "البزازية": كتاب الصوم - فصل فيما يفسد الصوم وما لا يفسده وموجب القضاء والكفارة ٩٨/٤ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٧) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٢٩٤/٢.
(٨) صـ٣٢٨ - وما بعدها "در".
الجزء السادس
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
٢٦٥ __
يعني: ولم يَصِلْ إلى جوفه، أمَّا إذا وصَلَ فإنْ غَلَبَ الدَّمُ أو تساويا فسَدَ، وإلاَّ لا،
إلَّ إذا وجَدَ طعمَهُ، "بزَّازِيَّة". واستحسَنَهُ "المصنّف"، وهو ما عليه الأكثرُ،
وسيجيءُ (أو طُعِنَ بِرُمْحٍ فوصَلَ إلى جوفِهِ).
المسألة هناك.
[٨٩٩٦] (قولُهُ: يعني: ولم يَصِلْ إلى جوفِهِ) ظاهرُ إطلاق المتن أَنَّه لا يُفطِرُ وإنْ كان الدَّمُ غالباً
على الرِّيق، وصحَّحَهُ في "الوجيز" كما في "السِّراجِ"(١)، وقال: ((ووجهُهُ أَنَّه لا يمكنُ الاحترازُ عنه
عادةً، فصارَ بمنزلة ما بين أسنانه وما يبقى من أثرِ المضمضة، كذا في "إيضاح الصيرفيّ)) اهـ.
ولَمَّا كان هذا القولُ خلافَ ما عليه الأكثرُ من التفصيل حاوَلَ "الشارح" تبعاً لـ "المصنّف"
في "شرحه"(٢) بحملٍ كلام المتن على ما إذا [٢/ق٣٠٣/أ] لم يَصِلْ إلى جوفِهِ لئلاَّ يخالفَ ما عليه
الأكثرُ.
قلت: ومِن هذا يُعلَمُ حكمُ مَن قَلَعَ ضرسَهُ في رمضان، ودخَلَ الدَّم إلى جوفه في النهار
ولو نائماً، فيجبُ عليه القضاءُ، إلاَّ أنْ يُفرَّقَ بعدمٍ إمكان التحرُّزِ عنه، فيكونُ كالقيء الذي عادَ
بنفسه، فليراجع.
[٨٩٩٧] (قولُهُ: واستحسَنَهُ "المصنّف") أي: تبعاً لـ "شرح الوهبانَّة"(٣)، حيث قال فيه: ((وفي
"البزَّازِيَّةِ"(٤): قَيَّدَ عدمَ الفساد في صورةٍ غلبة البصاق بما إذا لم يَجِدْ طعمَهُ، وهو حسنٌ)) اهـ
[٨٩٩٨] (قولُهُ: وهو ما عليه الأكثرُ) أي: ما ذُكِرَ من التفصيلِ بين ما إذا غَلَبَ الدمُ،
أو تساويا، أو غَلَبَ البصاقُ هو ما عليه أكثرُ المشايخ كما في "النهر "(٥).
[٨٩٩٩] (قولُهُ: وسيجيءُ(٦)) أي: ما استحسَنَهُ "المصنّف" حيث يقول: ((وأَكَلَ مثلَ
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٩٥/أ نقلاً عن الخجندي.
(٢) "المنح": كتاب الصوم - باب في بيان أحكام ما يفسد الصوم وما لا يفسده ١/ق ٩١/أ - ب.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصيام ق ٦١/ب تبعاً لقاضيخان.
(٤) "البزازية": كتاب الصوم - فصل ما يفسد الصوم وما لا يفسده وموجب القضاء والكفارة ٩٨/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "النهر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق ١٢٠ /ب.
(٦) صـ٣٢٨ - وما بعدها "در".
قسم العبادات
٢٦٦
حاشية ابن عابدين
وإِنْ بَقِيَ في جوفِهِ كما لو أُلْقِيَ حَجَرٌ في الجائفة، أو نفَذَ السَّهمُ من الجانب الآخر،
ولو بقي النّصْلُ في جوفِهِ فسَدَ (أو أدخَلَ عُوْداً) ونحوَهُ (فِي مَقْعَدتِهِ وطرفُهُ خارجٌ) ..
سِمسِمةٍ من خارجٍ يُفطِرُ، إلاَّ إذا مضَغَ بحيث تلاشَتْ في فمه، إلاَّ أنْ يجِدَ الطعمَ في حلقه)) اهـ.
ولا يخفى ما في كلامِهِ من تشتيتِ الضمائر كما علمتَ.
[٩٠٠٠) (قولُهُ: وإِنْ بقيَ في جوفِهِ) أي: بقي زُجُّهُ(١)، وهذا ما صحَّحَهُ جماعةٌ منهم
"قاضي خان" في "شرحه" على "الجامع الصغير"(٢)، حيث قال: ((وإنْ بقيَ الزُّجُّ في جوفه
لم يذكر في "الكتاب"، واختلفوا فيه، قال بعضهم: يُفسِدُهُ كما لو أدخَلَ خشبةً في دبرِهِ وغيّها، وقال
بعضهم: لا يُفسِدُ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّه لم يوجد منه الفعلُ، ولم يَصِلْ إليه ما فيه صلاحُهُ)) اهـ
وحاصلُهُ: أنَّ الإفساد مَنُوطٌ بما إذا كان بفعلِهِ أو فيه صلاحُ بدنه، ويُشترَطُ أيضاً استقرارُهُ
داخلَ الجوف، فَيَفسُدُ بالخشبةِ إذا غيََّها لوجودِ الفعل مع الاستقرار، وإنْ لم يُغِّها فلا لعدمِ
الاستقرار، ويفسُدُ أيضاً فيما لو أُوجِرَ مُكرَهاً أو نائماً كما سيأتي(٣)؛ لأنَّ فيه صلاحَهُ.
(٩٠٠١] (قولُهُ: كما لو أُلْقِيَ حجرٌ) أي: ألقاه غيرُهُ، فلا يُفسِدُ لكونه بغيرِ فعِلِهِ، وليس فيه
صلاحُهُ بخلاف ما لو داوَى الجائفةَ كما سيأتي (٤).
٩٨/٢
[٩٠٠٢) (قولُهُ: ولو بقيَ النَّصْلُ في جوفِهِ فسَدَ) هذا على أحدِ القولين؛ إذ لا فرقَ بين نَصْلٍ
(قولُهُ: ولا يخفى ما في كلامِهِ من تشتيتِ الضَّمائرِ) لأنَّ ضمير ((استحسَنَهُ)) و((سيجيء)) راجعٌ
للتَّقييد المذكور في "البزَّازِيَّة"، والضميرَ المنفصل للتَّفصيل.
(قولُهُ: فلا يُفسِدُ لكونه بغيرِ فعلِهِ) مقتضى ما ذكرَهُ "السنديُّ" عدمُ الفساد ولو بفعله، حيث علَّلَ
عدم الفساد بقوله: ((فإنَّه لا يصلُ إلى الجوف بخلاف ما لو كان رطباً لسرعةٍ وصوله كما سيجيء)).
(١) الزُّجُّ: الحديدة التي تُركَّبُ في أسفل الرمح. "اللسان" مادة ((زجج)).
(٢) "شرح الجامع الصغير": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة وما لا يوجب ــ فصل في بيان ما لا يفسد
الصوم ١/ق ٥٨/ب.
(٣) المقولة [٩٠٣٩] قوله: ((أو أُوْجِرَ مُكرّهاً)).
(٤) صـ ٢٨٤ - وما بعدها "در".
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
٢٦٧
الجزء السادس
وإِنْ غيَّبَهُ فسَدَ، وكذا لو ابتَلَعَ خشبةً أو خيطاً ولو فيه لقمةٌ مربوطةٌ إلاَّ أنْ ينفصلَ
منها شيءٌ، ومُفادُهُ أنَّ استقرارَ الدَّاخل في الجوف شرطٌ للفسادٍ، "بدائع)"(١)
(أو أدخَلَ إصبعَهُ اليابسةَ فيه) أي: دُبُرِهِ أو فَرْجِها، ولو مبتلَّةً فسد، ولو أدخَلَتْ
قطنةً إِنْ غَابَتْ فسَدَ، وإِنْ بَقِيَ طرفُها في فَرْجِها الخارجِ لا، ولو بالَغَ في الاستنجاءِ.
السَّهم ونَصْلِ الرُّمح، فقد صرَّحَ في "فتح القدير "(٢): ((بأنَّ الخلاف جارٍ فيهما، وبأنَّ عدم الإفطارِ
صحَّحَهُ جماعةٌ)) اهـ. وقد جزَمَ "الزيلعيُّ"(٣) بالصحيحِ فيهما.
وبه عُلِمَ ما في كلام "الشارح"، حيث جرى أوَّلاً على الصحيح، وثانياً على مقابله، فافهم.
(٩٠٠٣] (قولُهُ: وإِنْ غيَّهُ) أي: غَّبَ الطرفَ أو العودَ بحيث لم يَبْقَ منه شيءٌ في الخارج.
(٩٠٠٤) (قولُهُ: وكذا لو ابتلَعَ خشبةً) أي: عوداً من خشبٍ إِنْ غابَ في حلقه أفطَرَ،
وإلا فلا.
[٩٠٠٥] (قولُهُ: مُقادُهُ) أي: مُفادُ ما ذُكِرَ متناً وشرحاً، وهو [٢/ق٣٠٣/ب] أنَّ ما دخَلَ
في الجوف إنْ غابَ فيه فسَدَ - وهو المرادُ بالاستقرار - وإنْ لم يَغِبْ بل بقيَ طرفٌ منه في الخارج،
أو كان متَّصلاً بشيءٍ خارجٍ لا يَفْسُدُ لعدمِ استقراره.
[٩٠٠٦] (قولُهُ: أي: دُبْرِهِ أو فَرْجِها) أشارَ إلى أنَّ تذكير الضمير العائدِ إلى المقعدة لكونها
في معنى الدُّبر ونحوه، وإلى أنَّ فاعل ((أدخَلَ)) ضميرٌ عائدٌ على الشخصِ الصائم الصادق بالذِّكر
والأنثى.
[٩٠٠٧] (قولُهُ: ولو مبتلَّةً فسَدَ) لبقاءِ شيءٍ من البلَّةِ في الداخل، وهذا لو أدخَلَ الإصبعَ
(قولُهُ: وبه عُلِمَ ما في كلام "الشارح" إلخ) قد يقال: إنَّ قوله: ((وإنْ بَقِيَ إلخ)) أي: الرُّمحُ، فلم
يَحْرِ إِلاَّ على طريقةٍ واحدةٍ.
ثُمَّ إِنَّ "الزيلعيَّ" إنما جرى على الفساد، لا على الصَّحيح وهو عدمُهُ كما نقله "ط"، وعبارة
"الزيلعيِّ": ((ولو طُعِنَ برمحٍ أو أصابَهُ سهمٌ وبقي في جوفه فسَدَ، وإن بقي طرِفُهُ خارجاً لم يُفسِده)) اهـ.
(١) "البدائع": كتاب الصوم - فصل وأما ركنه الإمساك عن الأكل والشرب والجماع ٩١/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٦/٢.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٣٣٠/١.
قسم العبادات
٢٦٨
حاشية ابن عابدين
حتّى بَلَغَ موضعَ الحقنةِ فسَدَ، وهذا قلَّما يكون، ولو كان فُيُورِثُ داءً عظيماً
(أو نزَعَ المُجامِعُ) حالَ كونِهِ (ناسياً في الحال عند ذُكْرِهِ) وكذا عند طلوع الفجر
وإِنْ أَمْنَى بعد النَّزْع؛ لأَنّه كالاحتلام، ولو مَكَثَ.
إلى موضعِ المحقنة كما يُعلَمُ مما بعده، قال "ط)"(١): ((ومحلُّهُ إذا كان ذاكراً للصوم، وإلاَّ فلا فسادَ
كما في "الهنديَّة"(٢) عن "الزاهديِّ")) اهـ.
وفي "الفتح"(٣): ((خَرَجَ سُرْمُهُ فغسلَهُ فإنْ قَامَ قبل أنْ يُنشِّفَهُ فسَدَ صومُهُ، وإلاَّ فلا؛ لأنَّ الماء
اتَّصَلَ بظاهره، ثمَّ زال قبل أنْ يصلَ إلى الباطن بعَوْدِ المقعدة)).
[٩٠٠٨] (قولُهُ: حَتَّى بلَغَ موضعَ الحُقنةِ) هي دواءٌ يُحعَلُ في خريطةٍ من أَدَمِ يقالُ لها: المحقنة،
"مغرب"(٤). ثمَّ في بعض النسخ: ((المحقنة)) بالميم، وهي أَولى، قال في "الفتح"(٥): ((والحدُّ الذي
يتعلَّقُ بالوصول إليه الفسادُ قَدْرُ المِحقنة)) اهـ. أي: قدْرُ ما يصلُ إليه رأسُ المِحقنة التي هي آلةُ
الاحتقان، وعلى الأوَّلِ فالمرادُ الموضعُ الذي يَنصَبُّ منه الدواءُ إلى الأمعاء.
[٩٠٠٩] (قولُهُ: عند ذُكْرِهِ) بالضمِّ ويُكسَرُ، بمعنى التذكُّرٍ، "قاموس" (٦).
[٩٠١٠] (قولُهُ: وكذا عندَ طلوعِ الفجر) أي: وكذا لا يُفطِرُ لو جامَعَ عامداً قبلَ الفجر،
ونزَعَ في الحالِ عند طلوعه.
[٩٠١١] (قولُهُ: ولو مكَثَ) أي: في مسألةِ التذكُّرِ ومسألةِ الطلوع.
(قولُ "المصنّف": أو نزَعَ المجامعُ إلخ) انظر ما كتَبَهُ "السنديُّ" هنا، وعبارته عند قول "المصنّف":
((أو نزَعَ المجامع ناسياً في الحالِ عند ذكره)): ((يعني: لو بدأ بالجماع ناسياً، فتذكَّرَ إنْ نزَعَ بمجرَّدٍ
التذكُرٍ لم يُفطِر)) اهـ.
(١) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥١/١.
(٢) "الفتاوى الهندية": كتاب الصوم - الباب الرابع فيما يفسد وما لا يفسد ٢٠٤/١.
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٦/٢ بتصرف.
(٤) "المغرب": مادة ((حقن)).
(٥) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٦/٢.
(٦) "القاموس": مادة ((ذكر)).
الجزء السادس
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
-
٢٦٩
حتّى أَمْنَى ولم يتحرَّك قَضَى فقط، وإنْ حرَّكَ نفسَهُ قَضَى وكفَّرَ.
[٩٠١٢] (قولُهُ: حَتَّى أَمْنَى) هذا غِيرُ شرطٍ في الإفساد، وإنما ذكرَهُ لبيانِ حكمِ الكفّارة،
"إمداد"(١).
(٩٠١٣] (قولُهُ: وإنْ حَرَّكَ نفسَهُ قَضَى وكفَّرَ) أي: إذا أَمْنَى كما هو فرضُ المسألة ، وقد
علمتَ أنَّ تقييده بالإِمناءِ لأجل الكفَّارة، لكنْ جزَمَ هنا بوجوبِ الكفَّارة مع أَنَّه في "الفتح"(٢)
وغيره حَكَى قولين بدونِ ترجيحٍ لأحدهما، وقد اعترضَهُ "ح"(٣): ((بأنَّ وجوبها مخالفٌ لِما
سيأتي(٤) من أَنَّه إذا أكَلَ أو جامَعَ ناسياً، فأكَلَ عمداً لا كفَّارة عليه على المذهبِ لشبهة خلاف
"مالكٍ"؛ لأَنَّه يقولُ بفساد الصوم إذا أُكَلَ أو جامَعَ ناسياً)) اهـ
قلت: ووجهُ المخالفة أَنَّه إذا لم تَجِب الكفَّارة في الأكل عمداً بعد الجماع ناسياً يلزمُ منه
أنْ لا تجبَ بالأَولى فيما إذا جامَعَ ناسياً فتذكَّرَ ومِكَثَ وحرَّكَ نفسَهُ؛ لأنَّ الفساد بالتحريك إنما هو
الكونِ التحريك بمنزلةِ ابتداءِ جماعٍ، والجماعُ كالأكل، وإذا أكَلَ أو جامَعَ عمداً بعد جماعِهِ ناسياً
لا تجبُ [٢/ق٣٠٤/أ] الكفَّارة، فكذا لا تحبُ إذا حرَّكَ نفسَهُ بالأَولى، لكنَّ هذا لا يُخالِفُ مسألةَ
الطلوع، نعم يؤيِّدُ عدمَ الوجوب فيها أيضاً إطلاقُ ما في "البدائع"(٥) حيث قال: ((هذا - أي: عدمُ
الفساد - إذا نزَعَ بعد التذكُّرِ أو بعدَ طلوع الفجر، أمَّا إذا لم يَنزِعْ وبقيَ فعليه القضاءُ، ولا كفَّارةً
عليه في ظاهرِ الرِّواية، ورُوِيَ عن "أبي يوسف" وجوبُ الكفّارة في الطلوع فقط؛ لأنَّ ابتداء
الجماع كان عمدً، وهو واحدٌ ابتداءً وانتهاءً، والجماعُ العمدُ يُوجِبُها، وفي التذكُّرِ لا كفَّارة،
ووجهُ الظاهر أنَّ الكفَّارة إنما تجبُ بإفسادِ الصوم، وذلك بعد وجودِهِ، وبقاؤُهُ في الجماع يمنعُ
وجودَ الصوم فاستحالَ إفساده، فلا كفَّارة)) اهـ.
(١) "الإمداد": کتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم ق٣٤٩/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٥٥/٢.
(٣) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٨/أ بتصرف.
(٤) صـ ٢٨١-٢٨٢ - "در".
(٥) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: وأما ركنه الإمساك عن الأكل والشرب والجماع ٩١/٢ بتصرف.
قسم العبادات
٢٧٠
حاشية ابن عابدين
كما لو نزَعَ ثُمَّ أولَجَ (أو رَمَى اللُّقمةَ مِن فيه) عند ذُكْرِهِ أو طلوعِ الفجر،
ولو ابتَلَعَها إنْ قبلَ إخراجها كفّرَ، وبعدَهُ لا (أو جامَعَ فيما دُوْنَ الفَرْجِ.
فهذا يدلُّ على أنَّ عدم وجوبها في التذكُّرِ مَتَّفقٌ عليه؛ لأنَّ ابتداءه لم يكن عمداً، وهو فعلٌ
واحدٌ، فدخَلَتْ فيه الشُّبهةُ، ولأنَّ فيه شُبهةَ خلاف "مالكٍ" كما علمتَ، وإنما الخلافُ
في الطلوع، وما وُجِّهَ به ظاهرُ الرِّواية يدلُّ على عدمِ الفرق بين تحريكِ نفسه وعدمه.
هذا، وفي نقلِ "الهنديَّة"(١) عبارةَ "البدائع" سقطٌ، فافهم.
[٩٠١٤) (قولُهُ: كما لو نزَعَ ثُمَّ أولَجَ) أي: في المسألتين لِما في "الخلاصة"(٢): ((ولو نزَعَ
حين تذكَّرَ ثمَّ عاد تجبُ الكفَّارة، وكذا في مسألةِ الصبح)) اهـ. لكنْ في مسألةِ التذكَّرِ ينبغي عدمُ
الكفَّارة لِما علمتَ من شبهة خلاف "مالكٍ"، ولعلَّ ما هنا مبنيٌّ على القولِ الآخرِ بعدم اعتبار
هذه الشُّبهة، تأمَّل.
[٩٠١٥] (قولُهُ: وبعدَهُ لا) أي: لاستقذارِها، وهذا هو الأصحُّ كما في "شرح الوهبائيّة"(٣)
عن "المحيط"(٤)، وفيه (٥) عن "الظهيريَّة"(٦): ((إِنْ قَبْلَ أنْ تَبْرُدَ كفِّرَ، وبعدَهُ لا، وعن "ابن الفضل":
إِنْ كانت لُقْمَةَ نفسِهِ كَفِّرَ، وإلاّ فلا)) اهـ.
قلت: والتعليلُ للأصحِّ بالاستقدار يدلُّ على تقييده بأنْ تَبْرُدَ، فيَّحِدُ مع القول الثاني لقولهم:
إِنَّ اللّقمةَ الحارَّةَ يُخرِجُها ثمَّ يأكلُها عادةً ولا يَعافُها، لكنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ الغذاء الموجِبَ
للكفَّارة ما يميلُ إليه الطبعُ وتنقضي به شهوةُ البطن، لا ما يعودُ نفعْهُ إلى صلاح البدن، و"الشارح"
- فيما سيأتي(٧) - اعتمَدَ الثاني، وسيأتي(٨) الكلامُ فيه.
(١) انظر "الفتاوى الهندية": كتاب الصوم - الباب الرابع فيما يفسد وما لا يفسد ٢٠٤/١.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الثالث فيما يفسد الصوم وفيما ما لا يفسد ق٦٨/ب.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصوم ق ٦٦/أ.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب الصوم - الفصل الخامس في وجوب الكفارة ١/ق ١٦١/ب.
(٥) أي: "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصوم ق٦٦/أ بتصرف.
(٦) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل فيما يتعلق به وجوب الكفارة ق٥٨/أ.
(٧) صـ ٣٠٧ - "در".
(٨) المقولة [٩١٣٠] قوله: ((وما نقله الشرنبلالي)).
الجزء السادس
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
١ ٢٧ ___
ولم يُنزِلْ) يعني: في غيرِ السَّبِيلين كسُرَّةٍ وَفَخِذٍ، وكذا الاستمناءُ بالكفِّ وإنْ كُرِهَ
تحريماً؛ لحديثِ: ((ناكحُ اليدِ ملعونٌ)(١)،
٩٩/٢
مطلبٌ مهمٌّ: المفتي في الوقائع لا بدَّ له من ضَرْبِ اجتهادٍ ومعرفةٍ بأحوال الناس
وذكَرَ في "الفتح"(٢) فيما لو آكَلَ لحماً بين أسنانه قدْرَ الحمِّصة فأكثرَ: ((عليه الكفَّارةُ عند
"زفر" لا عند "أبي يوسف"؛ لأَنَّه يعافُهُ الطبعُ، فصار بمنزلةِ التراب)) فقال: ((والتحقيقُ
[٢/ق٣٠٤/ب] أنَّ المفتيَ في الوقائع لا بدَّله من ضرب اجتهادٍ ومعرفةٍ بأحوالِ الناس، وقد عُرِفَ
أنَّ الكفَّارة تفتقرُ إلى كمالِ الجناية، فَيَنظُرُ في صاحبِ الواقعة إنْ كان ممن يعافُ طِعُهُ ذلك أَخَذَ
يقول "أبي يوسف"، وإلاّ أَخَذَ بقول "زفر")).
[٩٠١٦] (قولُهُ: ولم يُنزِلْ) أمَّا لو أنزَلَ قَضَى فقط كما سيذكرُهُ(٣) "المصنّف"، أي:
بلا كفَّارةٍ، قال في "الفتح"(٤): ((وعملُ المرأتين كعملِ الرِّجال جماٌ أيضاً فيما دونَ الفرج،
لا قضاءَ على واحدةٍ منهما إلاّ إذا أَنزَلَتْ، ولا كفَّارة مع الإنزالِ)) اهـ.
[٩٠١٧] (قولُهُ: يعني: في غيرِ السَّبيلين) أشارَ لِما في "الفتح"(٥) حيث قال: ((أرادَ بالفَرْج كُلاًّ
من القبلِ والدبر، فما دونه حينئذٍ التفخيذُ والتبطينُ)) اهـ أي: لأنَّ الفَرْج لا يشملُ الدُّبرَ لغةً وإنْ
شَمِلَهُ حكماً، قال في "المغرب"(٦): ((الفَرْجُ: قُبُل الرَّجُل والمرأة باتّفاق أهل اللغة))، ثمَّ قال:
((وقوله: القبلُ والدبرُ كلاهما فَرْجٌ يعني في الحكم)) اهـ.
مطلبٌ في حكم الاستمناء بالكفِّ
[٩٠١٨] (قولُهُ: وكذا الاستمناءُ بالكفِّ) أي: في كونه لا يُفسِدُ، هذا إذا لم يُنزِل، أمَّا إذا أنزَلَ
(قولُ "الشارح": لحديثٍ: ناكحُ اليدِ معلونٌ) هذا الحديثُ موضوعٌ كما نقَلَهُ "السنديُّ" عن "منلا علي القاري".
(١) سيأتي تخريجه صـ٢٧٣ -.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٥٩/٢ بتصرف.
(٣) صـ ٢٩٠ - وما بعدها "در".
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٥/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٥/٢.
(٦) "المغرب": مادة ((فرج)).
قسم العبادات
٢٧٢
حاشية ابن عابدين
ولو خافَ الزِّنا يُرجَى أنْ لا وبالَ عليه (أو أُدخَلَ) ذَكَرَهُ (في بهيمةٍ) أو ميتةٍ ..
فعليه القضاءُ كما سيصرِّحُ به، وهو المختارُ كما يأتي(١)، لكنَّ المتبادر من كلامِهِ الإنزالُ بقرينة
ما بعده، فيكونُ على خلافِ المختار.
[٩٠١٩] (قولُهُ: ولو خافَ الرِّنا إلخ) الظاهرُ أَنَّه غيرُ قيدٍ، بل لو تعَيَّنَ الخلاصُ من الرِّنا
به وجَبَ؛ لأَنَّه أخفُّ، وعبارةُ "الفتح"(٢): ((فإِنْ غَيْهُ الشهوةُ ففعَلَ إرادةَ تسكينها به فالرَّجاءُ
أنْ لا يُعاقَبَ)) اهـ.
زادَ في "معراج الدِّراية": ((وعن "أحمد" و"الشافعيّ" في القديم الترخَّصُ فيه، وفي الجديد
يحرُمُ، ويجوزُ أنْ يَستمني بیدِ زوجته و خادمته)) اهـ.
وسيذكرُ "الشارح"(٣) في الحدود عن "الجوهرة"(٤): ((أَنَّه يكرهُ))، ولعلَّ المراد به كراهةٌ
التنزيهِ، فلا يُنافي قولَ "المعراج": ((يجوزُ))، تأمَّل(٥). وفي "السِّراج"(٦): ((إنْ أرادَ بذلك تسكينَ
الشهوة المفرطة الشاغلة للقلب، وكان عزباً لا زوجةً له ولا أمةً، أو كان إلاَّ أَنَّه لا يقدرُ
على الوصول إليها لعذرِ قال "أبو الليث": أرجو أنْ لا وبالَ عليه، وأمَّا إذا فعَلَهُ لاستحلابِ
الشهوة فهو آثمٌ)) اهـ.
(قولُهُ: المتبادرَ من كلامِهِ الإِنزالُ بقرينةِ ما بعدَهُ إلخ) فإنَّ الكراهة التحريميَّة واللَّعن الظاهرُ أنَّهما
لا يتحقَّقان إلاَّ بالإنزال.
(قولُهُ: الظاهرُ أَنَّه غيرُ قيدٍ) فيه أنَّ تعيُّنَ الخلاصِ به من الزِّنا مسألةٌ أخرى غيرُ مسألةِ الخوف،
فلذا قيل فيها: يُرجَى، وفي الثانية: يجب، فلا يصحُّ أنْ يقال: الظاهرُ أنَّه غيرُ قیدٍ.
(١) صـ ٢٩٠ - "در".
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٥٦/٢.
(٣) انظر المقولة [١٨٥٣٥] قوله: ((كره)).
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الحدود ٢٤٥/٢.
(٥) من ((وسيذكر)) إلى ((تأمل)) ساقط من "الأصل".
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨٩/أ.
الجزء السادس
٢٧٣
باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
(مِن غيرِ إنزالٍ) أو مَسَّ فَرْجَ بهيمةٍ أو قَبَّلَها.
بقي هنا شيءٌ، وهو أنَّ علَّة الإثم هل هي كونُ ذلك استمتاعاً بالجزء - كما يفيدُهُ
الحديث(١) - وتقييدُهم كونَهُ بالكفِّ - ويُلحَقُ به ما لو أدخَلَ ذكرَهُ بين فخذيه مثلاً حتى أمنى - أم
هي سفحُ الماء وتهيجُ الشهوة في غيرِ محلِّها بغيرِ عذرٍ كما يفيدُهُ قوله: ((وأمَّا إذا فعَلَهُ لاستجلابِ
الشهوة إلخ))؟ لم أر مَنْ صرَّحَ بشيءٍ من ذلك، والظاهرُ الأخيرُ؛ [٢/ق ٣٠٥/أ] لأنَّ فعله بيدٍ
زوجته ونحوِها فيه سفحُ الماء، لكنْ بالاستمتاع بجزءٍ مباحٍ كما لو أنزَلَ بتفخيذٍ أو تبطينٍ، بخلاف
ما إذا كان بكفّهِ ونحوه، وعلى هذا فلو أدخَلَ ذكرَهُ في حائطٍ أو نحوِهِ حتَّى أمنى أو استمنى بكفِّهِ
بحائلٍ يمنعُ الحرارة يأثمُ أيضاً، ويدلُّ أيضاً على ما قلنا ما في "الزيلعيّ"(٢)، حيث استدلَّ على عدمٍ
حلّه بالكفِّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَافِقُونَ﴾ الآيةَ [ المؤمنون - ٥ ]، وقال: ((فلم
يُبَحِ الاستمتاعُ إلَّ بهما، أي: بالزَّوجةِ والأمةِ)) اهـ. فأفاد عدمَ حلِّ الاستمتاع - أي: قضاءٍ
الشهوة - بغيرِهما، هذا ما ظهَرَ لي، والله سبحانه أعلم.
[٩٠٢٠] (قولُهُ: من غيرِ إنزالٍ) أمَّا به فعليه القضاءُ فقط كما سيأتي(٣).
[٩٠٢١] (قولُهُ: أو قَبَّلَها) عطفٌ على ((مَسَّ))، فهو فعلٌ ماضٍ من التقبيل.
(١) ذكره علي القاري في "المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" صـ١٩٩-، وقال: ((لا أصل له، صرّح به الرهاويّ)).
قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في تعليقه على قول القاري: ((صرَّح به الرهاوي)): ((أي: في "حاشيته"
على "شرح المنار" لابن ملك في أصول الفقه صـ٢٧٩ - حيث قال - تعليقاً على استدلال ابن ملك بحديث ((ناكح
اليد ملعون)) .: لم أجده في كتب الحديث، وإنما ذكره المشايخ في كتب الفقه انتهى. وقد وقع ذكره حديثاً نبوياً
مستشهداً به الإمام الكمال بن الهمام في كتابه "فتح القدير" ٢٥٦/٢ كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء
والكفارة، ولكن كان استشهاده بهذا الحديث متابعةً لمن استشهد به من الفقهاء والعلماء دون أن يبحث عنه)) اهـ
كلام الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة رحمه الله في تعليقه على "المصنوع " صـ ١٩٩-٢٠٠ -.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٣٢٣/١.
(٣) ص ٢٨٩ - ٢٩٠ - "در".
قسم العبادات
٢٧٤
حاشية ابن عابدين
فَأَنزَلَ (أو أقطَرَ في إحليلهِ)(١) ماءً أو دُهناً وإنْ وصَلَ إلى المثانة على المذهب، وأمَّا
في قُبِلِها.
[٩٠٢٢] (قولُهُ: فَأَنزَلَ) وكذا لا يفسُدُ صومُهُ بدونٍ إنزالِ بالأولى، ونقَلَ في "البحر"(٢) -
وكذا "الزيلعيُّ"(٣) وغيره - الإجماعَ على عدم الإفساد مع الإنزال، واستشكلَهُ في "الإمداد"(٤)
بمسألةِ الاستمناء بالكفِّ.
قلت: والفرقُ أنَّ هناك إنزالاً مع مباشرةٍ بالفرج وهنا بدونها، وعلى هذا فالأصلُ أنَّ الجماع
المفسد للصوم هو الجماعُ صورةً - وهو ظاهرٌ - أو معنىً فقط، وهو الإنزالُ عن مباشرةٍ بفرجِهِ
لا في فرجٍ أو في فرجٍ غيرِ مشتهىٍّ عادةً، أو عن مباشرةٍ بغيرِ فرجِهِ في محلِّ مشتهىِّ عادةً، ففي
الإنزالِ بالكفِّ أو بتفخيذٍ أو تبطينٍ وُحِدَت المباشرةُ بفرحِهِ لا في فرجٍ، وكذا الإنزالُ بعملٍ
المرأتين، فإنّها مباشرةُ فرجٍ بفرحٍ لا في فرجٍ، وفي الإنزالِ بوطءِ ميتةٍ أو بهيمةٍ وُجِدَت المباشرةُ
بفرجِهِ في فرجٍ غيرِ مشتهىّ عادةً، وفي الإنزالِ بمسِّ آدميٍّ أو تقبيلِهِ وُجِدَت المباشرةُ بغيرِ فرجه
في محلّ مشتهىٍّ، أمَّا الإنزالُ بِمَسِّ أو تقبيلٍ بهيمةٍ فإنَّه لم يُوجَد فيه شيءٌ من معنى الجماع، فصار
كالإِنزالِ بنظرٍ أو تفكّرٍ، فلذا لم يَفسد الصومُ إجماعاً، هذا ما ظهَرَ لي من فيض الفتّاح العليم.
(٩٠٢٣] (قولُهُ: على المذهبِ) أي: قولِ "أبي حنيفة"، و"محمَّدُ" معه في الأظهر، وقال
"أبو يوسف": يُفطِرُ، والاختلافُ مبنيٌّ على أَنَّه هل بين المثانةِ والجوف منفذٌ أوْ لا؟ وهو ليس
باختلافٍ على التحقيق، والأظهرُ أَنَّه لا منفذَ له، وإنما يجتمعُ البولُ فيها بالترشيح، [٢/ق ٣٠٥/ب]
كذا يقولُ الأطبّاء، "زيلعي"(٥).
(١) في "د" زيادة: ((قوله: (أو أقطر في إحليله إلخ) أقول: يقال أقطره وقَطّره، قال في "مختار الصحاح": قطر الماء
وغيره من باب نصر، وقطره غيره، يتعدى ويلزم. وفي "القاموس": وقطره الله وقطّره. انتهى خير الدين الرملي)).
(٢) "البحر": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يسنده ٢٩٣/٢.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٣٢٣/١.
(٤) "الإمداد": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم من غير كفارة ق ٣٥٠/أ.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٣٣٠/١.
الجزء السادس
٢٧٥
باب ما یفسد الصوم وما لا يفسده
فمُفسِدٌ إجماعاً؛ لأنّه كالحُقْنة (أو أصبَحَ جُنُباً) وإنْ بَقِيَ كلَّ اليوم (أو اغتابَ) من
الغِيبة (أو دخَلَ أَنفَهُ مخاطٌ فاستشَمَّهُ فدخَلَ حلقَهُ) وإنْ نزَلَ لرأسٍ أنفه ..
وأفادَ أَنَّه لو بقي في قصبةِ الذِّكر لا يُفسِدُ اتّفاقاً، ولا شكَّ في ذلك، وبه بطَلَ ما نقلَ
عن "خزانة الأكمل": ((لو حشا ذكرَهُ بقطنةٍ فغيَّها أَنَّه يفسُدُ؛ لأنَّ العلّة من الجانبين الوصولُ إلى
الجوف وعدمُهُ بناءً على وجودِ المنفذ وعدمِهِ، لكنَّ هذا يقتضي عدمَ الفساد في حشوِ الدُّبر
وفرجها الداخل، ولا مخلصَ إلاَّ ياثباتِ أنَّ المُدخَل فيهما تَحْذُبُهُ الطبيعة، فلا يعودُ إلاَّ مع الخارج
"(١)
.
المعتاد))، وتمامُهُ في "الفتح"
١٠٠/٢
قلت: الأقربُ التخلُّصُ بأنَّ الدُّبر والفرج الداخلَ من الجوف إذ لا حاجزَ بينهما وبينه فهما
في حكمه، والفمُ والأنفُ وإنْ لم يكن بينهما وبين الجوف حاجزٌ إلاَّ أنَّ الشارع اعتبَرَهما
في الصوم من الخارج، وهذا بخلافٍ قصبة الذَّكر، فإنَّ المثانة لا منفذَ لها على قولهما، وعلى قول
"أبي يوسف" وإنْ كان لها منفذٌ إلى الجوف إلاَّ أنَّ المنفذ الآخر المتَّصل بالقصبة منطبقٌ لا ينفتحُ إلاَّ
عند خروج البول، فلم يُعْطَ للقصبةِ حكمُ الجوف، تأمَّل.
[٩٠٢٤] (قولُهُ: فمُفسِدٌ إجماعاً) وقيل: على الخلافِ، والأوَّلُ أصحُ، "فتح"(٢) عن
"المبسوط"(٣).
[٩٠٢٥] (قولُهُ: أو دخَلَ أنفَهُ) الأَولى: أو نزَلَ إلى أنفه.
[٩٠٢٦] (قولُهُ: وإِنْ نزَلَ لرأسٍ أَنفِهِ) ذكَرَهُ في "الشرنبلاليَّة"(٤) أخذاً من إطلاقهم ومن قولهم
بعدم الفطرِ ببزاقٍ امتَدَّ ولم ينقطع من فمه إلى ذقنه، ثمَّ ابتلعَهُ بجذبه، ومن قول "الظهيريَّة"(٥).
(١) انظر "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٨/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - باب ما يوجب القضاء والكفارة ٢٦٧/٢.
(٣) "المبسوط": كتاب الصوم ٦٧/٣ - ٦٨.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل فيما يفسد الصوم وما لا يفسده ق٥٦/ب.
قسم العبادات
٢٧٦
حاشية ابن عابدين
كما لو تَرَطَّبَ شفتاه بالبُزاق عند الكلامِ ونحوِهِ فابتلَعَهُ، أو سالَ رِيْقُهُ إلى ذَقَنه
كالخيط ولم ينقطع فاستنشَقَهُ (ولو عَمْداً) خلافاً لـ "الشافعيِّ" في القادرِ على مجِّ
النُّخامةِ، فينبغي الاحتياطُ (أو ذاقَ شيئاً بفمِهِ) وإنْ كره (لم يُفطِرْ) جوابُ الشَّرطِ،
((وكذا المخاطُ والبزاقُ يخرجُ من فيه وأنفِهِ فاستشَمَّهُ واستنشَقَهُ لا يفسُدُ صومُهُ)) اهـ. ثمَّ قال:
((لكنْ يخالفُهُ ما في "القنية"(١): نزَلَ المخاطُ إلى رأس أنفه لكنْ لم يظهر، ثمَّ جذبَهُ فوصَلَ إلى جوفه
لم يفسد)) اهـ. حيث قَّدَ بعدم الظهور.
[٩٠٢٧] (قولُهُ: فاستنشَقَهُ) الأولى: فحذَبَهُ؛ لأنَّ الاستنشاقَ بالأنف، وفي نسخٍ: ((فاسْتَشَقَّهُ))
بتاء فوقَّةٍ وفاءٍ، أي: حذَّبَهُ بشفتيه، وهو ظاهرٌ، "ط)" (٢).
[٩٠٢٨) (قولُهُ: فينبغي الاحتياطُ) لأنَّ مراعاة الخلاف مندوبةٌ، وهذه الفائدةُ نَبَّهَ عليها
"ابن الشِّحنة"(٣)، ومُفادُه أَنَّه لو ابتَعَ البلغمَ بعدما تخلَّصَ بالتنحنحِ من حلقه إلى فمِهِ لا يُفطِرُ عندنا،
قال في "الشرنبلاليّة"(٤): ((ولم أره، ولعلَّهُ كالمخاط))، قال(٥): ((ثمَّ وجدتُها في "التاتر خانيَّة"(٦):
سُئِلَ "إبراهيم"(٧) عمَّن ابتَلَعَ بلغماً قال: إنْ كان أقلّ من مِلْءٍ فيه لا ينقُضُ إجماعاً، وإنْ كان مِلْءَ
فيه يَنْقُضُ صومَهُ عند "أبي يوسف"، وعند "أبي حنيفة" لا يَنْقُضُ)) اهـ. وسيذكرُ(٨) "الشارح"
ذلك أيضاً في بحث القيء.
[٩٠٢٩] (قولُ: وإِنْ كُرِهَ) أي: [٢ /ق ٣٠٦ / أ] إلاَّ لعذرٍ كما يأتي، "ط"(٩).
(١) "القنية": كتاب الصوم - باب فيما يفسد الصوم ق ٣٠/ب - ٣١/أ.
(٢) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٢/١.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصوم ق ٦٢/ب.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٢/١ باختصار (هامش "الدرر والغرر").
(٥) أي: صاحب "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٢/١ - ٢٠٣ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الرابع فيما يفسد الصوم وما لا يفسد ٣٦٣/٢، ٣٦٩ نقلاً عن "العتابية" و"الحجة".
(٧) في "التاتر خانية": ((أبو إبراهيم)) بدل ((إبراهيم)).
(٨) صـ٣٢٧ - "در".
(٩) "ط": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ٤٥٢/١.