النص المفهرس

صفحات 241-260

الجزء السادس
٢٣٧
· کتاب الصوم
وقيل نَعَمْ والبعضُ إنْ كان يَكثُرُ
وما قاله "السُّبكيُّ" مردودٌ، ردَّهُ عليه جماعةٌ من المتأخّرين، وليس في العمل بالبيّنة مخالفةٌ لصلاتهِ﴿،
ووجهُ ما قلناه أنَّ الشارع لم يعتمد الحسابَ، بل ألغاه بالكلَّة بقوله(١): ((نحن أمَّةٌ أميَّةٌ
لا نكتبُ ولا تحسُبُ، الشهرُ هكذا وهكذا(٢))، وقال "ابن دقيق العيد"(٣): الحسابُ لا يجوزُ
الاعتمادُ عليه في الصلاة انتهى. والاحتمالاتُ التي ذكَرَها "السُّبكيُّ" بقوله: ولأنَّ الشاهد قد يَشتبِهُ
عليه إلخ لا أثّرَ لها شرعاً لإمكانٍ وجودها في غيرها من الشَّهادات)) اهـ.
[٨٩٣٩] (قولُهُ: وقيل: نعم إلخ) يُوهِمُ أَنَّه قيل بأنَّه مُوجِبٌ للعمل، وليس كذلك، بل الخلافُ
في جواز الاعتمادِ عليهم، وقد حكى في "القنية"(٤) الأقوالَ الثلاثة، فتقَلَ أوَّلاً عن القاضي
"عبد الجَّار" وصاحبِ "جمع العلوم"(٥): ((أنّه لا بأسَ بالاعتمادِ على قولهم))، ونقَلَ عن
"ابن مقاتلٍ": ((أَنَّه كان يسألُهم ويعتمدُ على قولهم إذا اتَّفَقَ عليه جماعةٌ منهم))، [٢/ق ٢٩٦/أ]
ثُمَّ نقَلَ عن "شرح السرخسيِّ"(٦): ((أَنَّه بعيدٌ))، وعن شمس الأئمّة "الحلوانيّ": ((أنَّ الشرط في
وجوب الصوم والإفطار الرُّؤيةُ، ولا يُؤخَذُ فيه بقولهم))، ثمَّ نقَلَ عن مجد الأئمَّة "الترجمانيّ": ((أَنَّه
اتّفَقَ أصحابُ "أبي حنيفة" إلاَّ النادرَ و"الشافعيِّ" أَنَّه لا اعتمادَ على قولهم)).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٩٧/٢ - ٤٩٨ كتاب الصيام - باب ما قالوا في الشهر كم يوماً هو، وأحمد ٤٣/٢ -٥٢ -
١٢٢- ١٢٩، والبخاري(١٩١٣)، كتاب الصوم - باب قول النبيمح ﴿ ((لا نكتب ولا نحسب))، ومسلم
(١٠٨٠)(١٥) كتاب الصيام - باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، وأبوداود (٢٣١٩) كتاب الصوم: باب
الشهر يكون تسعاً وعشرين، والنسائي ١٣٩/٤- ١٤٠ كتاب الصيام - باب ذكر الاختلاف على يحيى بن
أبي كثير في خبر أبي سلمة فيه، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٥٠/٤، كتاب الصيام - باب الشهر يخرج تسعاً
وعشرين فيكمل صيامهم، و٤٢/٧ كتاب النكاح - باب لم يكن له أن يتعلم شعراً ولا يكتب، كلُّهم من حديث
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .
(٢) تتمة: ((يعني مرةً تسعة وعشرين، ومرةً ثلاثين)) قال ابن حجر: هكذا ذكره آدم شيخ البخاري مختصراً. انظر "فتح
الباري" ١٢٦/٤ - ١٢٧.
(٣) "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام": كتاب الصيام صـ٣٩٢ -. وفيه: ((الصوم)) بدل ((الصلاة))، وهو الصواب.
(٤) "القنية": كتاب الصوم - باب فيما يتعلق بهلال رمضان ق ٣٠/ب.
(٥) "جمع العلوم" في فروع الحنفية. ("كشف الظنون"٥٩٩/١).
(٦) "المبسوط": كتاب الصوم ٧٨/٢.

قسم العبادات
٢٣٨
حاشية ابن عابدين
(و) قُبِلَ (بلا علَّةٍ جمعٌ عظيمٌ يقعُ العلمُ) الشَّرعيُّ - وهو غَلَبةُ الظَّنِّ - (بخَبَرِهم، .....
[٨٩٤٠] (قولُهُ: وقُبُلَ بلا علَّةٍ) أي: أنَّ شرط القبول - عند عدم علَّةٍ في السَّماءِ لهلالٍ
الصوم أو الفطر أو غيرهما كما في "الإمداد"(١)، وسيأتي(٢) تمامُ الكلام عليه - إخبارُ جمعٍ عظيمٍ،
فلا يُقبَلُ خبرُ الواحد؛ لأنَّ التفرُّدَ من بين الجمِّ الغفير بالرُّؤية مع توجهُّهِم طالبِين لِما توجَّهَ هو
إليه مع فرضِ عدم المانع وسلامةِ الأبصار وإِنْ تفاوتَتْ في الحدَّةِ ظاهرٌ في غلطه، "بحر "(٣). قال
"ح "(٤): ((ولا يُشترَطُ فيهم الإسلامُ ولا العدالةُ كما في "إمداد الفتّاح"، ولا الحرِّيَّة ولا الدَّعوى
كما في "القُهُستانِّ"(٥))) اهـ.
قلت: ما عزاه إلى "الإمداد" لم أره فيه (٦)، وفي عدمٍ اشتراط الإسلام نظرٌ؛ لأَنَّه ليس المرادُ
هنا بالجمع العظيم ما يبلغُ مبلغَ التواترِ الموجِبِ للعلم القطعيِّ حتّى لا يُشترَطَ له ذلك، بل ما
يُوجِبُ غلبة الظنِّ كما يأتي(٧)، وعدمُ اشتراط الإسلام له لا بدَّله من نقلٍ صريحٍ.
(٤١ ٨٩] (قولُهُ: يقعُ العِلْمُ الشرعيُّ) أي: المصطلحُ عليه في الأصول، فيشملُ غالبَ الظنِّ،
وإِلاَّ فالعلمُ في فنِّ التوحيد أيضاً شرعيٌّ ولا عبرةَ بالظنِّ هناك، "ح"(٨).
[٨٩٤٢] (قولُهُ: وهو غلبةُ الظنِّ) لأَنَّه العلمُ الموجِبُ للعمل لا العلمُ بمعنى اليقين، نَصَّ عليه في
"المنافع" و"غاية البيان"، "ابن كمال". ومثلُهُ في "البحر"(٩) عن "الفتح"(١٠)، وكذا في "المعراج"،
(١) "الإمداد": كتاب الصوم ق٣٤٦/ب.
(٢) المقولة [٨٩٦٥] قوله: ((وبقية الأشهر التسعة)).
(٣) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٨/٢ - ٢٩٠.
(٤) "ح": كتاب الصوم ق١٢٦/ب.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصوم ٢١٧/١.
(٦) بل هو فيه، انظر "الإمداد": كتاب الصوم ق ٣٤٩/أ.
(٧) في هذه الصحيفة، المقولة [٨٩٤٢] قوله: ((وهو غلبة الظن)).
(٨) "ح": كتاب الصوم ق١٢٦/ب بتصرف.
(٩) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٨/٢.
(١٠) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥٢/٢.

الجزء السادس
٢٣٩
کتاب الصوم
وهو مُفوَّضٌ إلى رأى الإمام من غيرِ تقديرِ بعددٍ) على المذهب(١)، وعن "الإمام":
أنَّه يُكتَفَی بشاهدین،.
وقال "القُهُستانيُ) (٢): ((فلا يُشترَطُ خبرُ اليقين الناشئُ من التواترِ كما أُشِيرَ إليه في "المضمرات"،
لكنَّ كلام "الشَّرح" مشيرٌ إليه)) اهـ.
ومرادُهُ "شرح صدر الشريعة"(٣)، فإنَّه قال: ((الجمعُ العظيم جمعٌ يقعُ العلم بخبرهم، ويَحكُمُ
العقلُ بعدم تواطئهم على الكذب)) اهـ وتبعَهُ في "الدرر " (٤).
وردّهُ "ابن كمالٍ"، حيث ذكَرَ في "منهوَّاته": ((أخطَأَ "صدر الشريعة" حيث زعَمَ أنَّ المعتبر
ههنا العلمُ بمعنى اليقينِ)).
[٨٩٤٣] (قولُهُ: وهو مُفوَّضٌ إلخ) قال في "السِّراج"(٥): ((لم يُقَدَّرْ لهذا الجمعِ تقديرٌ في ظاهر
الرِّواية، وعن "أبي يوسف" خمسون رجلاً كالقَسامة، وقيل: أكثرُ أهل المحلَّة، وقيل: مِن كلِّ
مسجدٍ واحدٌ أو اثنان، وقال "خلفُ بن أُوب": خمسمائةٍ بَبَلْخِ قليلٌ، والصحيحُ من هذا كلِّهِ أَنَّه
مُفوَّضٌ إلى رأيِ الإِمام، إنْ وقَعَ في [٢/ق٢٩٦/ب] قلبه صحَّةُ ما شهدوا به وكُثُرت الشهودُ أمَرَ
بالصوم)) اهـ. وكذا صحَّحَهُ في "المواهب"، وتبعَهُ "الشرنبلاليُ))(٦).
وفي "البحر "(٧) عن "الفتح"(٨): ((والحقُّ ما رُوِي عن "محمَّدٍ" و "أبي يوسف" أيضاً
أنَّ العبرة لمجيءِ الخبر وتواتره من كلِّ جانبٍ)) اهـ. وفي "النهر"(٩): ((أَنَّه موافقٌ لِما صحَّحَهُ
في "السِّراج"))، تأمَّل.
(١) من ((بخبرهم)) إلى ((المذهب)) ساقط من "د".
(٢) "جامع الرموز": كتاب الصوم ٢١٧/١.
(٣) "شرح الوقاية": كتاب الصوم ١١٦/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٤) "الدرر": كتاب الصوم ٢٠٠/١.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨/ب - ق٤٨٥/أ بتصرف.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الصوم ٢٠١/١ معزياً إلى "البرهان" (هامشُ "الدرر والغرر").
(٧) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٩/٢.
(٨) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥٢/٢.
(٩) "النهر": كتاب الصوم ق١١٩/ب.

قسم العبادات
٢٤٠
حاشية ابن عابدين
واختارَهُ في "البحر"، وصحَّحَ في الأقضية الاكتفاءَ بواحدٍ إِنْ جاءَ مِن خارجِ البلد،
أو كان على مكانٍ مرتفعٍ، واختارَهُ "ظهير الدين"، قالوا: وطريقُ إثباتِ رمضانَ والعيدِ
٩٢/٢
[٨٩٤٤] (قولُهُ: واختارَهُ في "البحر"(١)) حيث قال: ((وينبغي العملُ على هذه الرِّواية في
زماننا؛ لأنَّ الناس تكاسَلَتْ عن ترائي الأهلَّة، فانتَفَى قولُهم مع توجُّهِهِم طالبِين لِما توجَّهَ هو إليه،
فكان التفرُّدُ غيرَ ظاهرٍ في الغلط))، ثمَّ أَيَّدَ ذلك: ((بأنَّ ظاهر "الولوالحَيَّةُ"(٢) و"الظهيريَّةِ"(٣) يدلُّ
على أنَّ ظاهر الرِّواية هو اشتراطُ العددِ لا الجمعِ العظيم، والعددُ يصدُقُ باثنين)) اهـ. وأقرَّهُ
في "النهر"(٤) و"المنح"(٥).
ونازعَهُ محشِّيه "الرَّمليُّ": ((بأنَّ ظاهر المذهب اشتراطُ الجمع العظيم، فيتعيّنُ العملُ به لغلبةٍ
الفسق والافتراء على الشَّهر إلخ)).
أقول: أنت خبيرٌ بأن كثيراً من الأحكام تغيّرَتْ لتغُّرِ الأزمان، ولو اشتُرِطَ في زماننا الجمعُ
العظيمُ لزم أنْ لا يصومَ الناس إلاّ بعد ليلتين أو ثلاثٍ؛ لِما هو مشاهدٌ من تكاسُلِ الناس، بل كثيراً
.. ما رأيناهم يشْتُمُون مَن يشهدُ بالشهر ويُؤْذُونه، وحينئذٍ فليس في شهادةِ الاثنين تفرُّدٌ من بين الجمِّ
الغفيرِ حتّى يظهرَ غلطُ الشاهد، فانْتَفَتْ علَّهُ ظاهر الرِّواية، فتعَيَّنَ الإِفتاءُ بالرِّواية الأخرى.
[٨٩٤٥] (قولُهُ: وصحَّحَ في "الأقضيةِ"(٦) إلخ) هو اسمُ كتابٍ، واعتمدَهُ في "الفتاوى
الصغرى" أيضاً، وهو قولُ "الطحاويِّ"(٧)، وأشار إليه الإمام "محمَّدٌ" في كتاب الاستحسان
(١) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٩/٢ - ٢٩٠ ملخصاً.
(٢) "الولوالجية": كتاب الصوم - الفصل الثالث في رؤية الهلال والنية ق ٣٤/ب.
(٣) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ق٥٤/ب.
(٤) "النهر": كتاب الصوم ق١١٩ /ب.
(٥) "المنح": کتاب الصوم ق ٩٠/ب.
(٦) المراد به "أقضية الرسول عليه الصلاة والسلام": لأبي الحسين علي بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، ظهير الدين المرغيناني
(ت ٥٠٦ هـ ) كما نص عليه صاحب "خلاصة الفتاوى" ق٦٥/ب. ("كشف الظنون" ١٣٧/١، "الجواهر المضية"
٥٧٦/٢، "الفوائد البهية" ص ١٢١-١٢٢-).
(٧) "مختصر الطحاوي": كتاب الصيام صـ٥٦ -.

الجزء السادس
٢٤١
کتاب الصوم
من "الأصل"(١)، لكنْ في "الخلاصة"(٢): ((ظاهرُ الرِّواية أنّه لا فرقَ بين المصرِ وخارجه))،
"معراج" وغيره.
قلت: لكنْ قال في "النهاية" عند قوله: ((ومَن رأى هلالَ رمضان وحدَهُ صامَ إلخ)):
((وفي "المبسوط"(٢): وإنما يَرُدُّ الإِمامُ شهادتَهُ إذا كانت السماءِ مصحيَّةً وهو من أهلِ
المصر، فأمَّا إذا كانت متغيِّمةً، أو جاء مِن خارجِ المصرِ، أو كان في موضعٍ مرتفعٍ فإنّه
يُقبَلُ عندنا)) اهـ
فقوله: ((عندنا)) يدلُّ على أنَّه قول "أئمَّتنا الثلاثة"، وقد حزَمَ به في "المحيط"، وعبَّرَ
عن مقابله بـ ((قيل))، ثمَّ قال: ((وجهُ ظاهرِ الرِّواية أنَّ الرُّؤية تختلفُ باختلاف صَفْوِ الهواء
وكُدرته، وباختلاف انهباط المكان وارتفاعه، فإنَّ هواء الصحراء أصفى من هواءِ المصر، وقد
يُرى الهلالُ [٢/ق٢٩٧/أ] من أعلى الأماكنِ ما لا يُرى من الأسفل، فلا يكونُ تفرُّدُه بالرُّؤية
خلافَ الظاهر، بل على موافقةِ الظاهر)) اهـ. ففيه التصريحُ بأنَّه ظاهرُ الرِّواية، وهو كذلك؛
لأنَّ "المبسوط" من كتبٍ ظاهر الرِّواية أيضاً.
فقد ثبَتَ أنَّ كلاً من الرِّوايتين ظاهرُ الرِّواية، ثمَّ رأيتُهُ أيضاً في "كافي الحاكم"(٤) الذي
هو جمعُ كلام "محمَّدٍ" في كتبه ظاهرِ الرِّواية، ونصُّهُ: ((وَيَقبَلُ شهادةً المسلم والمسلمة عدلاً
كان الشاهدُ أو غيرَ عدلٍ بعد أنْ يشهدَ أنَّه رأى خارج المصر، أو أنَّه رآه في المصرِ وفي المصرِ
علّةٌ تمنعُ العامَّةَ من التساوي في رؤيته، وإنْ كان ذلك في مصرٍ ولا علَّةَ في السماء لم يَقبَلْ
في ذلك إلاَّ الجماعةَ)) اهـ.
(١) "الأصل": باب الشهادة في أمر الدين ٨٤/٣.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الأول في الشهادة على الهلال وما يتعلق بها ق ٦٥/ب.
(٣) "المبسوط": كتاب الصوم ٦٤/٣ بتصرف يسير.
(٤) انظر "المبسوط": كتاب الصوم ٦٤/٣.
1

قسم العبادات
٢٤٢
حاشية ابن عابدين
أنْ يدَّعِيَ وكالةً مُعلَّقةً بدخوله بقَبْضِ دَيْنٍ على الحاضرِ، فُقِرَّ بالدَّيْنِ والوكالةِ
ويُنكِرَ الدُّخولَ، فَيَشهَدَ الشُّهودُ برؤية الهلال، فيُقضَى عليه به.
ويظهرُ لي أَنَّه لا منافاةَ بينهما؛ لأنَّ رواية اشتراطِ الجمع العظيم التي عليها أصحابُ المتون
محمولةٌ على ما إذا كان الشاهدُ من المصر في غيرِ مكانٍ مرتفعٍ، فتكونُ الرِّوايةُ الثانية مقيِّدةً لإطلاق
الرِّواية الأُولى، بدليل أنَّ الرِّواية الأُولى عُلِّلَ فيها ردُّ الشهادةِ بأنَّ التفرُّدَ ظاهرٌ في الغلطِ، وعلى ما في
الرِّواية الثانية لم تُوجَدْ عَلَّهُ الرَّدِّ، ولهذا قال في "المحيط": ((فلا يكونُ تفرُّدُه بالرُّؤية خلافَ الظاهر
إلخ))، وعلى هذا فما في "الخلاصة"(١) وغيرها: ((من أَنَّه لا فرقَ بين المصرِ وخارجِهِ)) مبنيٌّ على
ما هو المتبادرُ من إطلاقِ الرِّواية الأُولى، والله تعالى أعلم.
[٨٩٤٦] (قولُهُ: أنْ يَدَّعِيَ) بالبناء للمجهول أو للمعلوم، وفاعلُهُ ضميرُ المدَّعي
المفهومُ من فعله، أي: بأنْ يَدَّعيَ مُدَّعٍ على شخصٍ حاضرٍ بأنَّ فلاناً الغائب له عليك كذا من
الدَّين، وقد قال لي: إذا دخلَ رمضانُ فأنت وكيلي بقبضِ هذا الدَّين، ومثلُ ذلك ما لو ادَّعى
على آخرَ بدينٍ له عليه مؤخَّلٍ إلى دخولِ رمضان فُيُقِرُّ بالدَّين وينكرُ الدخول.
[٨٩٤٧] (قولُهُ: فُيُقِرَّ أي: الحاضرُ ((بالدَّين والوكالة))، واستشكلَهُ "الخيرُ الرمليُّ": ((بأنَّ
هذا إقرارٌ على الغائبِ بقبضِ المدَّعِي دينَهُ، فلا ينفذُ)).
وأقول: لا إشكالَ؛ لأنَّ الدُّون تُقضَى بأمثالها، فقد أقرَّ بثبوتِ حقِّ القبض له في ملكِ
نفسه، بخلاف ما لو كانت الدَّعوى بعينِ كوديعةٍ؛ لأنَّ إقراره بها إقرارٌ بثبوتِ حقِّ القبض للوكيل
في ملك المؤكِّل فلا يصحُّ، وبخلاف ما لو أقرَّ بالوكالة وححَدَ الدَّين فإنَّه لا يصيرُ خصماً بإقراره
حتّى يقيمَ الوكيلُ البِّنةَ على وكالته كما في "شرح [٢/ق٢٩٧/ب] أدب القضاء"
لـ "الخصَّاف" (٢).
[٨٩٤٨] (قولُهُ: فَيُقضَى عليه به) أي: بثبوتِ حقِّ القبض.
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الأول في الشهادة على الهلال وما يتعلق بها ق ٦٥/ب.
(٢) "شرح أدب القاضي": الباب الثامن والستون في إثبات الوكالة ٤١٥/٣.

الجزء السادس
٢٤٣
کتاب الصوم
ويَثُبُتُ دخولُ الشَّهر ضِمْناً لعدم دخوله تحت الحكم.
(شهدوا (١) أنّه شَهِدَ عند قاضي مصرٍ كذا ..
[٨٩٤٩] (قولُهُ: ويثُبُتُ دخولُ الشَّهر ضمناً) لأَنّه من ضروريَّات صحَّةِ الحكم بقبضِ الدَّين،
فقد ثبَتَ في ضمنٍ إثبات حقِّ العبد لا قصداً، ولهذا قال في "البحر "(٢) عن "الخلاصة"(٣) بعد ما
ذكرَهُ "الشارح" هنا: ((لأنَّ إثبات مجيءٍ رمضان لا يدخلُ تحت الحكم، حتّى لو أخبَرَ رجلٌ عدلٌ
القاضيَ بمجيءٍ رمضان يَقبَلُ ويأمرُ الناسَ بالصوم، يعني: في يوم الغيم، ولا يُشترَطُ لفظُ الشهادة
وشرائطُ القضاء، أمَّ في العيد فُيُشترَطُ لفظُ الشهادة، وهو يدخلُ تحت الحكم؛ لأنّه من حقوقِ
العباد)) اهـ.
قلت: والحاصلُ أنَّ رمضان يجبُ صومه بلا ثبوتٍ، بل بمجرَّدِ الإخبار؛ لأنّه من الدِّيانات،
ولا يلزمُ من وجوب صومه ثبوتُهُ كما مرَّ(٤)، وحينئذٍ ففائدةُ إثباته على الطريق المذكور عدمُ توقُّفِهِ
على الجمع العظيم لو كانت السماءُ مصحيّةً؛ لأنَّ الشهادة هنا على حلولِ الوكالة بدخولِ الشهر
لا على رؤيةِ الهلال، ولا شكَّ أنَّ حلول الوكالة يُكتفى فيها بشاهدين؛ لأنَّها مجرَّدُ حقِّ عبدٍ،
ولا تثبتُ إلاَّ بثبوتِ الدخول، وإذا ثبَتَ دخولُهُ ضمناً وحَبَ صومه، ونظيرُهُ ما سنذكرُه(٥) فيما
لو تَمَّ عددُ رمضان ولم يُرَ هلالُ الفطر للعلّة يحلُّ الفطرُ وإِنْ ثبَتَ رمضان بشهادة واحدٍ لثبوتٍ
الفطر تبعاً وإنْ كان لا يثبتُ قصداً إلاَّ بالعدد والعدالة، هذا ما ظهَرَ لي.
[٨٩٥٠] (قولُهُ: شهدوا) من إطلاقِ الجمع على ما فوقَ الواحد، وفي بعض النسخ: ((شهدا))
بضميرِ التثنية، وهو أولى.
٩٣/٢
(قولُ "الشارح": لعدم دخولِهِ تحتَ الحكم) قال "الرحمتيُّ": (( يُنظَرُ وجهُ ذلك مع أنَّه يتعلَّقُ به حقُّه
تعالى وتُقبَلُ فيه الشَّهادة من غيرِ تقدُّمٍ دعوى )) اهـ.
(١) في "و": ((شهدا)).
(٢) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٣/٢ - ٢٨٤.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الأول ق٦٥/أ - ب.
(٤) المقولة [٨٩١٣] قوله: ((وقبل إلخ)).
(٥) المقولة [٨٩٥٨] قوله: ((حل الفطر)).

قسم العبادات
٢٤٤
حاشية ابن عابدين
شاهدان برؤية الهلال) في ليلةٍ كذا (وَقَضَى) القاضي (به ووُجِدَ استجماعُ شَرَائطٍ
الدَّعوى قَضَى).
[٨٩٥١] (قولُهُ: شاهدان) أي: بناءً على أَنَّه كان بالسَّماءِ علَّةٌ، أو كان القاضي يَرى ذلك،
فارتفَعَ بحكمه الخلافُ، أو على الرِّواية التي اختارَها في "البحر" كما مرَّ(١).
[٨٩٥٢] (قولُهُ: في ليلةٍ كذا) لا بدَّ منه ليتأتّى الإلزامُ بصوم يومها، "ط"(٢).
[٨٩٥٣] (قولُهُ: وقضى) أي: وأَنَّه قَضَى، فهو عطفٌ على ((شَهِدَ)).
[٨٩٥٤] (قولُهُ: ووُجِدَ استجماعُ شرائطِ الدَّعوى) هكذا في "الذَّخيرة" عن المجموع
النوازل"، وكأنَّه مبنيٌّ على ما قدَّمناه(٣) عن "الخانيَّة" من بحثِ اشتراط الدَّعوى على قياس قول
"الإمام"، أو ليكونَ شهادةً على القضاء بدليلِ التعليل بقوله: ((لأنَّ قضاء القاضي حجَّةٌ))؛
لأَنَّه لا يكونُ قضاءً إلاَّ عند ذلك.
والظاهرُ: أنَّ المراد من القضاء به القضاءُ ضمناً كما تقدَّمَ (٤) طريقُهُ، وإلاّ فقد علمتَ
أنَّ [٢/ق٢٩٨/أ] الشهر لا يدخلُ تحت الحكم.
(قولُهُ: أو ليكونَ شهادةً على القضاءِ إلخ) المنصوصُ عليه في "الأشباه" وغيرها: ((أنَّ أمر القاضي
كفعله حكمٌ، فحيث أمَرَ الناسَ بالصَّومِ بعد الشَّهادة كان حجَّةً مُلزِمةً))، ويدلُّ لذلك ما قدَّمَهُ من أنّه
لو أَفِطَرَ الرَّائي بعد قبوله تجبُ الكفارة، فقد ألزَمَهُ بها بمجرَّدٍ القبول، فلو لم يكن أمرُهُ مُلزِمَاً لَمَا لَزِمَتْ،
فإذا شَهِدَ اثنان به لدى قاضٍ آخرَ ساغ له أن يَحكُمَ بشهادتهما، ويكونُ قولُهُ: ووُجِدَ استجماعُ مبنيّاً
على اشتراط الدَّعوى أو لا مفهومَ له، تأمَّل، وانظر ما يأتي في كتاب القضاء عند قوله: ((وإذا رُفِعَ إليه
حكمُ قاضٍ نفَّذَهُ)).
(١) المقولة [٨٩٤٤] قوله: ((واختاره في "البحر")).
(٢) "ط": كتاب الصوم ٤٤٨/١.
(٣) المقولة [٨٩٢٨] قوله: ((لكن لا تشترط الدعوى إلخ)).
(٤) المقولة [٨٩٤٩] قوله: ((ويثبت دخول الشهر ضمنا)).

الجزء السادس
٢٤٥
کتاب الصوم
أي: جازَ لهذا (القاضي) أن يحكمَ (بشهادتهما) لأنَّ قضاء القاضي حجَّةٌ وقد
شهدوا به، لا لو شهدوا برؤيةٍ غيرهم؛ لأنَّه حكايةٌ، نعم لو استفاضَ الخَبَرُ
في البلدةِ الأخرى لَزِمَهم على الصَّحيح من المذهب، "مجتبى" وغيره.
(وبعدَ صومٍ ثلاثين بقولِ عَدْلين.
[٨٩٥٥] (قولُهُ: أي: جازَ) الظاهرُ أنَّ المراد بالجواز الصحَّةُ، فلا يُنافي الوجوبَ، تأمَّل.
[٨٩٥٦] (قولُهُ: لأَنَّه حكايةٌ) فإِنَّهم لم يشهدوا بالرُّؤية، ولا على شهادةِ غيرهم، وإنما حَكُوا
رؤيةً غيرهم، كذا في "فتح القدير)"(١).
قلت: وكذا لو شهدوا برؤية غيرهم، وأنَّ قاضيَ تلك المصرِ أمَرَ الناس بصومٍ رمضان؛ لأنّه
حكايةٌ لفعلِ القاضي أيضاً، وليس بحجَّةٍ بخلاف قضائه، ولذا فقَّدَ بقوله: ((ووجَدَ استجماعٌ
شرائطِ الدَّعوى)) كما قلنا(٢)، تأمَّل.
[٨٩٥٧] (قولُهُ: نعم إلخ) في "الذخيرة": ((قال شمس الأئمّة "الحلوانيُّ": الصحيحُ من مذهبٍ
أصحابنا أنَّ الخبر إذا استفاضَ وتحقّقَ فيما بين أهل البلدةِ الأخرى يلزمُهم حكمُ هذه البلدة)) اهـ.
ومثلُهُ في "الشرنبلاليّة"(٣) عن "المغني"(٤).
قلت: ووجهُ الاستدراك أنَّ هذه الاستفاضةَ ليس فيها شهادةٌ على قضاءٍ قاضٍ ولا على
شهادةٍ، لكنْ لَمَّا كانت بمنزلةِ الخبر المتواتر وقد ثبَتَ بها أنَّ أهل تلك البلدة صاموا يومَ كذا لَزِمَ
العملُ بها؛ لأنَّ البلدة لا تخلو عن حاكمٍ شرعيِّ عادةً، فلا بدَّ من أنْ يكون صومُهم مبنيًّاً
على حكمٍ حاكمهم الشرعيِّ، فكانت تلك الاستفاضةُ بمعنى نقلِ الحكم المذكور، وهي أقوى
(١) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٣/٢.
(٢) المقولة [٨٩٢٨] قوله: ((لكن لا تشترط الدعوى إلخ)).
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الصوم ٢٠١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "المغني" في أصول الفقه: لأبي محمد عمر بن محمد بن عمر، جلال الدين الخباري الخَجَندي (ت ٦٩١هـ). ("كشف
الظنون" ١٧٤٩/٢ - وفيه: وفاته ٦٧١ هـ ـ، "الجواهر المضية" ٦٦٨/٢، "الأعلام" ٦٣/٥).

قسم العبادات
٢٤٦
حاشية ابن عابدين
حَلَّ الفطرُ) الباء متعلِّقةٌ بـ ((صومٍ))، و((بعدَ)) متعلِّقةٌ بــ ((حَلَّ)) لوجودِ نِصابٍ
الشَّهادة (و) لو صاموا (بقولِ عَدْلٍ).
من الشهادة بأنَّ أهلَ تلك البلدة رأوا الهلال وصاموا؛ لأنّها لا تفيدُ اليقين، فلذا لم تُقْبَلْ إلاَّ إذا
كانت على الحكمٍ أو على شهادةِ غيرهم لتكونَ شهادةً معتبرةً، وإلاَّ فهي محرَّدُ إخبارٍ بخلافٍ
الاستفاضة، فإنّها تفيدُ اليقين، فلا يُنافي ما قبلَهُ، هذا ما ظهَرَ لي، تأمَّل.
( تنبيةٌ )
قال "الرَّحمتيُّ": ((معنى الاستفاضةِ: أنْ تأتيَ من تلك البلدة جماعاتٌ متعدِّدون، كلٌّ منهم
يُخِرُ عن أهلِ تلك البلدة أَنَّهم صاموا عن رؤيةٍ لا مجرَّدُ الشُّيوع من غيرِ علمٍ بمن أشاعَهُ، كما قد
تشيعُ أخبارٌ يَتحدَّثُ بها سائرُ أهل البلدة ولا يُعلَمُ من أشاعها كما ورَدَ: (( أنَّ في آخرِ الزمان يجلسُ
الشيطان بين الجماعةِ، فيتكلَّمُ بالكلمة، فيتحدَّثُون بها ويقولون: لا ندري مَن قالها)) (١)، فمثلُ
هذا لا ينبغي أنْ يُسمَعَ فضلاً من أنْ يَتْبُتَ به حكمٌ)) اهـ
قلت: وهو كلامٌ حسنٌ، ويشيرُ إليه قول "الذخيرة": ((إذا استفاضَ وتحقَّقَ))، فإنَّ التحقُّقَ
لا يوجدُ بمجرَّدِ الشُّموع.
[٨٩٥٨] (قولُهُ: حَلَّ الفطرُ) أي: اتفاقاً إنْ كانت ليلةُ الحادي والثلاثين متغيِّمةً، وكذا لو
[٢/ق٢٩٨ /ب] مصحيَّةً على ما صحَّحَهُ في "الدِّراية" و"الخلاصة"(٢) و"البزَّازِيَّة"(٣)، وصحَّحَ
(قولُهُ: وكذا لو مصحيَّةً إلخ) وجهُهُ أنَّ شهادة الشَّاهدين إذا قُبِلَتْ كانت بمنزلةِ العِيان، ولو عاينوا
هلالَ رمضان يُفطِرون بعد إكمالِ ثلاثين وإن لم يَرَوا الهلال، فكذا هنا، ووجهُ الثاني أنَّ السَّماء
لو كانت مصحيَّةً وثبَتَ هلالُ رمضان كان عدمُ رؤيةٍ غيرهما دليلاً على غلطهما، حتَّى لا تقبلُ
شهادتهما فكذلك عدمُ الرُّؤية بعد الثلاثين يوماً من وقت رؤيتهما إذا كانت السَّماء مصحيَّةً دليلٌ على
الغلط، فتبطلُ بذلك شهادتهما. اهـ "إمداد".
(١) لم نعثر عليه بهذا اللفظ، وله شاهد بمعناه أخرجه مسلم (٧) في المقدمة - باب النهي عن الرواية عن الضعفاء
والاحتياط في تحملها.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الأول في الشهادة على الهلال وما يتعلق بها ق ٦٥/ب.
(٣) "البزازية": كتاب الصوم - فصل في الشهادة على الهلال ٩٤/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
... ....

الجزء السادس
٢٤٧
کتاب الصوم
۔ حيث يجوزُ.
عدمَهُ في "مجموع النوازل"، والسِّدُ الإِمام الأجلُّ " ناصرُ الدِّين" كما في "الإمداد"(١)، ونقَلَ العلاَّمة
"نوح" الاتّفاق على حِلِّ الفطر في الثانية أيضاً عن "البدائع"(٢) و"السِّراج"(٣) و"الجوهرة"(٤)، قال:
((والمرادُ اتّفاقُ "أتمَّتنا الثلاثة"، وما حُكِي فيها من الخلاف إنما هو لبعض المشايخ)).
قلت: وفي "الفيض": ((الفتوى على حِلِّ الفطرِ))، ووفّقَ المحقّق "ابن الهمام"(٥) - كما نقَلَهُ
عنه في "الإِمداد"(٦) - ((بأَنَّه لا يبعُدُ لو قال قائلٌ: إِنْ قَبِلَهما في الصَّحْو - أي: في هلالِ رمضان -
وتَمَّالعددُ لا يُفطِرون، وإِنْ قَبِلَهما في غيمٍ أفطروا لتحقُّقِ زيادةِ القوَّةِ في الثبوت في الثاني
والاشتراكِ في عدم الثبوت أصلاً في الأوَّلِ، فصار کشهادةِ الواحد)) اهـ.
قال "ح"(٧): ((والحاصل أنَّه إذا غُمَّ شوَّال أفطروا اتفاقاً إذا ثبَتَ رمضانُ بشهادة عدلين في
الغيمِ أو الصَّحوِ، وإنْ لم يُغَمَّ فقيل: يُفطِرون مطلقاً، وقيل: لا مطلقاً، وقيل: يُفطِرون إنْ غُمَّ
رمضانُ أيضاً، وإلاّ لا)).
[٨٩٥٩] (قولُهُ: حيث يجوزُ) حيثيَّةُ تقييدٍ، أي: بأنْ قَبِلَهُ القاضي في الغيم أو في الصَّحو وهو
(قولُهُ: والاشتراكُ في عدمِ النُّبوت أصلاً في الأوَّلِ) أي: بين الهلالين في عدم الثُّبوت بسببٍ قيام
دليلِ الغلط، وهو التفرُّدُ مع الصَّحْوِ فيهما.
(قولُهُ: إِنْ غُمَّ رمضانُ أيضاً وإلاّ لا) لعلَّ المناسب حذفُ لفظ ((أيضاً))، فإنَّه لم يظهر له معنى.
(١) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل فيما يثبت به الهلال في صوم يوم الشك ق٣٤٧/ب.
(٢) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: أما شرائطها فنوعان ٨١/٢ - ٨٢.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨٤/ب.
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الصوم ٣٦٨/١.
(٥) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥١/٢.
(٦) "الإمداد": کتاب الصوم - فصل فیما يثبت به الهلال في صوم يوم الشك ق٣٤٧/ب.
(٧) "ح": كتاب الصوم ق١٢٧/أ بتصرف.

قسم العبادات
٢٤٨
حاشية ابن عابدين
وغُمَّ هلالُ الفطر (لا) يَحِلُّ على المذهب خلافاً لـ "محمَّدٍ"، كذا ذكَرَهُ "المصنّف"(١)،
لكنْ نقَلَ "ابنُ الكمال" عن "الذَّخيرة": ((أَنَّه إنْ غُمَّ هلالُ الفطر حَلَّ اتفاقاً))،.
ممن يرى ذلك، "فتح"(٢). أي: بأنْ كان شافعيّاً أو يَرَى قولَ "الطحاويِّ" بقبول شهادته في الصَّحو
إذا جاء من الصحراء، أو كان على مكانٍ مرتفعٍ في المصر، وقدَّمنا(٣) ترجيحَهُ، وما هنا يُرجِّحُهُ
أيضاً، فقد قال في "الفتح "(٤) في قول "الهداية": ((إذا قَبِلَ الإمامُ شهادة الواحد وصاموا إلخ)):
((هكذا الرِّوايةُ على الإطلاق)).
. [٨٩٦٠] (قولُهُ: وغُمَّ هلالُ الفطر) الجملةُ حاليّةٌ فَيَّدَ بها لأنَّها محلُّ الخلاف على ما ذكرَهُ
"المصنّف".
[٨٩٦١] (قولُهُ: لا يَحِلُّ) أي: الفطرُ إذا لم يُرَ الهلال، قال في "الدرر"(*): ((ويُعزَّرُ ذلك
الشاهدُ))، أي: لظهورِ كذبه.
[٨٩٦٢] (قولُهُ: لكنْ إلخ) استدراكٌ على ما ذكرَهُ "المصنّف" من أنَّ خلاف "محمَّدٍ" فيما إذا
٩٤/٢ غُمَّ هلالُ الفطر بأنَّ المصرَّحَ به في "الذَّخيرة" - وكذا في "المعراج" عن "المجتبى"- ((أَنَّ حِلَّ الفطرِ
هنا محلُّ وفاقٍ))، وإنما الخلافُ فيما إذا لم يُغَمَّ ولم يُرَ الهلالُ فعندهما لا يَحِلُّ الفطر، وعند
"محمَّدٍ" يَحِلُّ كما قالَهُ شمس الأئمَّة "الحلوانيُّ"، وحرَّرَهُ "الشرنبلاليُّ" في "الإمداد"(٦)، قال في
"غاية البيان": ((وجهُ قولِ "محمَّدٍ" - وهو الأصحُّ - أنَّ الفطر ما ثبَتَ بقولِ الواحد ابتداءً بل بناءً
وتبعاً، فكم من شيءٍ يثُبُتُ ضمناً ولا يثبتُ قصداً، وسئل عنه "محمَّدٌ" فقال: ثبَتَ الفطرُ بحكم
(١) "المنح": كتاب الصوم ١/ق ٩١/أ.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥٢/٢ بتصرف.
(٣) المقولة [٨٩٤٥] قوله: ((صحح في الأقضية إلخ)).
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥١/٢.
(٥) "الدرر": كتاب الشهادات - باب الشهادة على الشهادة ٣٩١/٢ بتصرف.
(٦) "الإمداد": كتاب الصوم ق ٣٤٨/أ.

الجزء السادس
٢٤٩
کتاب الصوم
وفي "الزيلعيّ"(١): ((الأشبهُ إِنْ غُمَّ حَلَّ، وإلاَّ لا))
القاضي لا بقولِ الواحد، يعني: لَمَّا حكَمَ في هلالِ رمضان [٢/ق٢٩٩/أ] بقول الواحد ثبَتَ
الفطرُ بناءً على ذلك بعد تمام الثلاثين، قال "شمس الأئمَّة" في "شرح الكافي"(٢): وهو نظيرُ شهادةِ
القابلة على النَّسَب، فإِنَّها تُقبَلُ، ثمَّ يُفضي ذلك إلى استحقاقِ الميراث، والميراثُ لا يثُبُتُ بشهادةٍ
القابلة ابتداءً)) اهـ.
(٨٩٦٣] (قولُهُ: وفي "الزيلعيِّ)(٣) إلخ) نقلَهُ لبيانٍ فائدةٍ لم تُعلَمْ من كلام "الذَّخيرة"، وهي
ترجيحُ عدم حلِّ الفطر إنْ لم يُغَمَّ شوَّالٌ لظهورِ غلط الشاهد؛ لأنَّ الأشبهَ من ألفاظ الترجيح، لكنّه
مخالفٌ لِما علمتَهُ من تصحيح "غاية البيان" لقول "محمَّدٍ" بالحلِّ، نعم حَمَلَ في "الإمداد(٤) ما في
"غاية البيان" على قول "محمَّدٍ" بالحلِّ إذا ثُمَّ شوَّالٌ بناءً على تحقَّقِ الخلاف الذي نقلَهُ "المصنّف"،
(قولُهُ: وهي ترجيحُ عدمٍ حِلِّ الفطر إنْ لم يُغَمَّ إلخ) هو - وإنْ أشعَرَ بالترجيح - يُشعِرُ بالخلاف
في المسألةِ على خلاف عبارة "الذخيرة"، وعبارةُ "مجمع الرِّوايات" المنقولة في "السنديِّ" تشهدُ بالخلاف
أيضاً حيث قال: ((وفي "الإمداد" عن "مجمع الرِّوايات" عن "الزاهديِّ": لو قَبِلَ الإِمامُ شهادةَ الواحد
وأَتَمُّوا ثلاثين ثمَّ غُمَّ عليهم هلالُ شوَّال قال "الإمام" و"الثاني": يصومون من الغد، وقال "محمَّدٌ":
يفطرون، وقال شمس الأئمَّة "الحلوانيُّ": الخلافُ فيما إذا لم يُرَ هلالُ شؤَّال والسماءُ مصحيَّةٌ،
فإنْ كانت متغيِّمةً يُفطِرون بلا خلافٍ)) اهـ.
والأظهرُ أنَّ ما نقلَهُ عن "الزيلعيِّ" إنما ذكرَهُ لبيانٍ أنَّ ما ذكرَهُ عن "المصنّف" من تصحيح عدم الحلِّ
صحَّحَ "الزيلعيُّ" خلافَهُ، وأنَّ ما حكاه "ابن الكمال" من الاتّفاق حَكَى "الزيلعيُّ" ما يدلُّ على الخلاف.
(قولُهُ: إذا غُمَّ شوَّالٌ إلخ) الأَولى أن يقول: على ما إذا غُمَّ شوَّالْ إلخ، وعبارةُ "الإمداد": ((وقوله
في "غاية البيان": قول "محمَّدٍ" هو الأصحُّ يُحمَلُ على ما قالَهُ "الكمال")) اهـ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم ٣٢٠/١.
(٢) انظر "المبسوط": كتاب نوادر الصوم - باب ما يجب القضاء والكفارة إلخ ١٤٠/٣.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم ٣٢٠/١ بتصرف.
(٤) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل فيما يثبت به الهلال وفي صوم الشك وغيره ق ٣٤٠/أ.

قسم العبادات
٢٥٠
حاشية ابن عابدين
(و) هلالُ (الأضحى) وبقيَّةِ الأشهرِ التّسعة (كالفِطْرِ) على المذهب،.
.......
وقد علمتَ عدمَهُ، وحينئذٍ فما في "غاية البيان" في غيرِ محلّهِ؛ لأَنَّه ترجيحٌ لِما هو متَّفقٌ عليه، تأمَّل.
[٨٩٦٤] (قولُهُ: والأضحى كالفطرِ) أي: ذو الحخَّةِ كشوَّالٍ، فلا يثبتُ بالغيم إلاَّ برجلين
أو رجلٍ وامرأتين، وفي الصَّحو لا بدَّ من زيادة العدد على ما قدَّمناه(١)، وفي "النوادر" عن
"الإِمام": ((أَنَّه كرمضانَ))، وصحَّحَهُ في "التحفة"(٢)، والأوَّلُ ظاهرُ المذهب، وصحَّحَهُ
في "الهداية"(٣) وشروحها(٤) و"التبين" (٥)، فاختلَفَ التصحيحُ، وتَأَيَدَ الأوَّلُ بأنَّه المذهبُ، "بحر "(٦).
[٨٩٦٥] (قولُهُ: وبقيَّةِ الأشهرِ التسعةِ) فلا يُقبَلُ فيها إلاَّ شهادةُ رجلين أو رجلٍ وامرأتين
عدول أحرارٍ غيرِ محدودين كما في سائر الأحكام، "بحر"(٧) عن "شرح مختصر الطحاويِّ" للإمام
"الإسبيجابيّ"، وذكَرَ في "الإمداد"(1): ((أَنَّها في الصَّحوِ كرمضانَ والفطرٍ))، أي: فلا بدَّ من
الجمع العظيم، ولم يَعزُهُ لأحدٍ، لكنْ قال "الخيرُ الرمليُّ": ((الظاهرُ أَنَّه في الأهلَّةِ التسعة لا فرقَ بين
الغيم والصَّحو في قبول الرَّجُلين لفَقْدِ العلّة الموجبة لاشتراط الجمع الكثير، وهي توجُّهُ الكلِّ
طالبين، ويؤيِّدُهُ قوله: كما في سائرِ الأحكام، فلو شهدا في الصَّحو بهلال شعبان، وثبَتَ بشروط
الثبوت الشرعيِّ يثُبُتُ رمضانُ بعد ثلاثين يوماً من شعبان، وإنْ كان رمضانُ في الصَّحو لا يُتُبُتُ
بخبرهما؛ لأنَّ ثبوتَهُ حينئذٍ ضمنيٌّ، ويُغتَفَرُ في الضِّمِنَّات ما لا يُغْتَفَرُ في القصدِيَّات)) اهـ.
(قولُهُ: وحينئذٍ فما في "غاية البيان" في غيرِ محلِّهِ) لكنْ على ما علمتَ من عبارة "الزيلعيِّ" و"مجمع
الروايات" تكونُ عبارةُ "غاية البيان" خلافيَّةً على ما حَمَلَها عليه في "الإمداد"، تأمَّل.
(١) المقولة [٨٩٤٠] قوله: ((وقُبل بلا علة)).
(٢) "تحفة الفقهاء": كتاب الصوم ٣٤٧/١.
(٣) "الهداية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ١٢١/١ - ١٢٢.
(٤) انظر "الفتح" و"الكفاية" و"العناية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥٢/٢ - ٢٥٣، و"البناية": ٦٣٢/٣.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم ٣٢١/١.
(٦) "البحر": كتاب الصوم ٢٩٠/٢ باختصار.
(٧) "البحر": كتاب الصوم ٢٩٠/٢.
(٨) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل فيما يثبت به الهلال في صوم الشك ق٣٤٧/ب.

الجزء السادس
٢٥١
كتاب الصوم
ورؤيتُهُ بِالنَّهارِ اللَّيلةِ الآتية مطلقاً على المذهب، ذكَرَهُ "الحدَّادِيُّ"(١)
مطلبٌ في رؤية الهلال نهاراً
[٨٩٦٦] (قولُهُ: ورؤيتُهُ بالنهارِ لَّيلةِ الآتية مطلقاً) أي: سواءٌ رُؤِيَ قبل الزَّوال أو بعده، وقولُهُ:
((على المذهب))، أي: الذي هو قولُ "أبي حنيفة" و"محمَّدٍ"، قال في "البدائع"(٢): ((فلا يكونُ
ذلك اليومُ من رمضان عندهما، وقال "أبو يوسف": إنْ كان بعد الزَّوال [٢/ق٢٩٩/ب]
فكذلك، وإنْ كان قبله فهو للَّيلةِ الماضية، ويكونُ اليومُ من رمضان، وعلى هذا الخلافِ هلالُ
شوَّالِ، فعندهما يكونُ للمستقبَلة مطلقاً ويكونُ اليومُ من رمضان، وعنده لو قَبْلَ الزَّوالِ يكون
الماضية ويكون اليومُ يومَ الفطر؛ لأَنّه لا يُرى قبل الزَّوال عادةً، إلاَّ أنْ يكون لِليلتين فيحبُ في
هلال رمضان كونُ اليوم من رمضان، وفي هلال شوَّالِ كونُهُ يومَ الفطر، والأصل عندهما أَنَّه
لا تُعتبرُ رؤيته نهاراً، وإنما العبرةُ لرؤيته بعد غروبِ الشمس لقوله وَلّ: ((صومُوا لرؤيته وأَفْطِروا
لرؤيته))(٣)، أمَرَ بالصوم والفطر بعد الرُّؤية، ففيما قالَهُ "أبو يوسف" مخالفةُ النصِ)) اهـ ملخّصاً.
وفي "الفتح"(٤): ((أو جَبَ الحديثُ سبقَ الرُّؤية على الصومِ والفطر، والمفهومُ المتبادرُ منه
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصوم ١/ق٤٨٤/أ.
(٢) "البدائع": كتاب الصوم - أما هلال ذي الحجة ٨٢/٢.
(٣) أخرجه الطيالسي (٢٤٨١)، وعبد الرزاق (٧٣٠٥) كتاب الصيام، وأحمد ٤١٥/٢ - ٤٣٨-٤٥٤-٤٥٦-٤٦٩)،
والبخاري (١٩٠٩) كتاب الصوم - باب قول النبي ◌ُ : ((إذا رأيتم الهلال))، ومسلم (١٠٨١)(١٧)(١٨)
(١٩)(٢٠) كتاب الصيام - باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والترمذي (٦٨٤) كتاب الصوم - باب ما
جاء: (( لا تقدموا الشهر بصوم)) وقال: حديثُ أبي هريرة حديثٌ حسن صحيح، والنسائي ١٣٣/٤ كتاب
الصيام - باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، وابن ماجه(١٦٥٥)، كتاب الصيام - باب ما جاء في ((صوموا
لرؤيته وأفطروا لرؤيته))، والدارمي ٤٢٨/١ كتاب الصوم - باب الصوم لرؤية الهلال، والبيهقي في "السنن
الكبرى" ٢٠٥/٤-٢٠٦ كتاب الصيام - باب الصوم لرؤية الهلال أو استكمال العدد ثلاثين، وابن خزيمة (١٩٠٨)
كتاب الصيام - باب ذكر الدليل على أن الأمر بالتقدير للشهر إذا غم، وابن حبان (٣٤٤٢)(٣٤٤٣)(٣٤٥٧)
(٣٤٥٩) كتاب الصوم - باب رؤية الهلال، كلُّهم من حديث أبي هريرة له مرفوعاً.
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٣/٢.

قسم العبادات
٢٥٢
حاشية ابن عابدين
الرُّؤية عند عشيّةِ آخرِ كلِّ شهرِ عند الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، بخلاف ما قبلَ الزَّوال من
الثلاثين، والمختارُ قولهما)) اهـ.
قلت: والحاصلُ إذا رُؤِيَ الهلالُ يوم الجمعة مثلاً قبل الزَّوال فعند "أبي يوسف" هو لِلَّيلةِ.
الماضية، بمعنى أنَّه يُعتبرُ أنَّ الهلال قد وُجدَ في الأفق ليلة الجمعة، فغاب ثُمَّ ظهَرَ نهاراً، فظهورُهُ في
النهار في حكم ظهوره في ليلةٍ ثانيةٍ من ابتداءِ الشهر؛ لأَنَّه لو لم يكن قبل ليلةٍ لم يمكن رؤيتُهُ نهاراً؛
لأَنّه لا يُرى قبل الزَّوال إلاَّ أنْ يكون لليلتين، فلا منافاةً بين كونه لِلَّيلةِ الماضية وكونِهِ لِليلتين؛ لأنَّ
النهارَ صار بمنزلةٍ ليلةٍ ثانيةٍ، وإذا كان لِلَيلةِ الماضية يكونُ يومُ الجمعة المذكور أوَّلَ الشهر، فيجبُ
صومُهُ إنْ كان رمضانَ، ويجبُ فطره إنْ كان شوَّالاً، وأمَّا عندهما فلا يكونُ للماضية مطلقاً، بل
هو للمستقبلة، وليس كونه للمستقبلة ثابتاً برؤيته نهاراً؛ لأنَّه لا عبرةَ عندهما برؤيته نهاراً، وإنما
ثَبَتَ بإكمال العدَّة؛ لأنَّ الخلاف - على ما صرَّحَ به في "البدائع"(١) و"الفتح"(٢) -: ((إنما هو في
رؤيته يوم الشكِّ، وهو يومُ الثلاثين من شعبانَ أو من رمضان))، فإذا كان يومُ الجمعة المذكورُ يومَ
الثلاثين من الشهر، ورُؤِيَ فيه الهلالُ نهاراً فعند "أبي يوسف" ذلك اليومُ أوَّلُ الشهر، وعندهما
لا عبرةَ لهذه الرُّؤية، ويكونُ أوَّلُ الشهر يومَ السبت سواءٌ وُجِدَتْ هذه الرُّؤية أمْ لا؛ لأنَّ الشهر
لا يزيدُ على الثلاثين، فلم تُقِدْ هذه الرُّؤية شيئاً، وحينئذٍ فقولهم: هو للَّلةِ المستقبلة [٢/ق ٣٠٠/أ]
عندهما بيانٌ للواقع وتصريحٌ بمخالفةِ القول بأنَّه للماضية، فلا منافاة حينئذٍ بين قولهم: هو
للمستقبلة عندهما وقولهم: لا عبرةً برؤيته نهاراً عندهما، وإنما كان الخلافُ في رؤيته يوم الشكِّ
وهو يومُ الثلاثين؛ لأنَّ رؤيته يوم التاسع والعشرين لم يَقُلْ أحدٌ فيها: إنَّه للماضيةِ لئلاَّ يلزمَ
٩٥/٢ أنْ يكون الشهرُ ثمانيةً وعشرين كما نَصَّ عليه بعض المحقّقين.
(١) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: أما هلال ذي الحجة ٨٢/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٤/٢.

الجزء السادس
٢٥٣
کتاب الصوم
(واختلافُ المطالِعِ)
وشمل قولهم: لا عبرةَ برؤيته نهاراً ما إذا رُؤِيَ يوم التاسع والعشرين قبل الشمس، ثمَّ رُؤِيَ
ليلةَ الثلاثين بعد الغروب، وشهدت بيِّنّةٌ شرعيَّةٌ بذلك، فإنَّ الحاكم يَحكُمُ برؤيته ليلاً كما هو نصُّ
الحديث، ولا يُلتَفَتُ إلى قول المنجِّمين: إنَّه لا تمكنُ رؤيته صباحاً ثمَّ مساءً في يومٍ واحدٍ كما
قدَّمناه (١) عن "فتاوى الشمس الرَّمليّ" الشافعيِّ، وكذا لو ثبتَتْ رؤيته ليلاً، ثُمَّ زعَمَ زاعمٌ أَنّه رآه
صبيحتها فإنَّ القاضيَ لا يَلتَفِتُ إلى كلامه، كيف وقد صرَّحَتْ أئمَّة المذاهب الأربعة بأنَّ الصحيح
أَنَّه لا عبرةَ برؤية الهلال نهاراً، وإنما المعتبرُ رؤيته ليلاً، وأَنَّه لا عبرةَ بقول المنجِّمين؟! ومن عجائبِ
الدَّهر ما وقَعَ في زماننا سنة أربعين بعد المائتين والألفِ، وهو أنَّه ثبَتَ رمضانُ تلك السنّةَ ليلةً
الإثنين التاليةَ لتسعِ وعشرين من شعبان بشهادةِ جماعةٍ رَأَوه من منارةٍ جامع دمشق وكانت السماءُ
متغَيِّمَةٌ، فَأَثْبَتَ القاضي الشهرَ بشهادتهم بعد الدَّعوى الشرعيَّة، فزعَمَ بعضُ الشافعَّة أنَّ هذا
الإِثباتَ مخالفٌ للعقل، وأَنَّه غيرُ صحيحٍ؛ لأَنَّه أخبرَهُ بعضُ الناس بأنَّه رأى الهلالَ نهار الإثنين
المذكور، ثمَّ تعاهَدَ مع جماعةٍ من أهل مذهبه على نقضِ هذا الحكم فلم يقدروا، وأوقعوا التشكيكَ
في قلوب العوامِّ، ثمَّ صاموا يومَ عيد الناس وعيَّدوا في اليوم الثاني، حتّى خطَّأهم بعضُ علمائهم
وأظهَرَ لهم النقولَ الصريحة من مذهبهم، فاعتذر بعضُهم بأنّهم فعلوا كذلك مراعاةً لمذهب الحنفيَّة،
وأنَّ الحنفيّة لم يفهموا مذهبهم، ولا يخفى أنَّ هذا العذر أقبحُ من الذنب، فإِنَّ فيه الافتراءَ على أئمّة
الدِّين لترويجِ الخطأ الصريح، فعند ذلك بادَرْتُ إلى كتابةِ رسالةٍ حافلةٍ سَمَّتُها "تنبيه الغافل
والوسنان على أحكام هلال رمضان"(٢)، جمعتُ فيها نصوصَ المذاهب الأربعة الدالّةَ على
[٢/ ق ٣٠٠/ب] أنَّ الخطأ الصريح هو الذي ارتكبوه، وأنَّ الحقَّ الصحيح هو الذي اجتنبوه.
[٨٩٦٧] (قولُهُ: واختلافُ المطالع) جمعُ مَطلِعٍ بكسر اللام: موضعُ الطَّوع، "بحر"(٣) عن
"ضياء الحلوم".
(١) المقولة [٨٩٣٨] قوله: ((ولا عبرة بقول المؤقتين)).
(٢) انظر رسالته المذكورة، ضمن مجموعة "رسائل ابن عابدين": ٢٣٢/١.
(٣) "البحر": كتاب الصوم ٢٩١/٢.

قسم العبادات
٢٥٤
حاشية ابن عابدين
ورؤيتُهُ نهاراً قبلَ الزَّوال وبعدَهُ (غيرُ مُعتبَرٍ على) ظاهر (المذهب) وعليه أكثرُ
المشايخ، وعليه الفتوى، "بحر"(١) عن "الخلاصة" (٢).
[٨٩٦٨] (قولُهُ: ورؤيتُهُ نهاراً إلخ) مرفوعٌ عطفاً على ((اختلافُ))، ومعنى عدمٍ اعتبارها أنّه
لا يثبتُ بها حكمٌ من وجوبِ صومٍ أو فطرِ، فلذا قال في "الخانَيَّة"(٣): ((فلا يُصامُ له ولا يُقطَرُ)).
وأعادَهُ وإِنْ عُلِمَ مما قبله ليفيدَ أنَّ قوله: ((لَّلةِ الآتيةِ)) لم يثبت بهذه الرُّؤية، بل ثْبَتَ ضرورةً
إكمال العدَّة كما قرَّرناه، فافهم.
مطلبٌ في اختلاف المطالع
.[٨٩٦٩] (قولُهُ: على ظاهرِ المذهب) اعلم أنَّ نفس اختلافِ المطالع لا نزاعَ فيه بمعنى أنَّه قد
يكونُ بين البلدتين بُعْدٌ بحيث يطلُعُ الهلالُ ليلةَ كذا في إحدى البلدتين دون الأخرى، وكذا مطالعُ
الشمس؛ لأنَّ انفصال الهلال عن شعاع الشمس يَختِلِفُ باختلافِ الأقطار، حَتَّى إذا زالت
الشمسُ في المشرق لا يلزمُ أنْ تزولَ في المغرب، وكذا طلوعُ الفجر وغروبُ الشمس، بل كلَّما
تحرَّكت الشمسُ درجةً فتلك طلوعُ فجرٍ لقومٍ وطلوعُ شمسٍ لآخرين وغروبٌ لبعضٍ ونصفُ ليلِ
لغيرهم كما في "الزيلعيّ" (٤)، وقَدْرُ الْبُعد الذي تَخْتِلِفُ فيه المطالعُ مسيرةُ شهرٍ فأكثرَ على ما
في "الْقُهُستانيِّ" (٥) عن "الجواهر" اعتباراً بقصَّةِ سليمان عليه السلام، فإِنَّه قد انتقَلَ كلَّ غُدُوِّ ورواحٍ
من إقليمٍ إلى إقليمٍ وبينهما شهرٌ اهـ. ولا يخفى ما في هذا الاستدلال.
وفي "شرح المنهاج" لـ "الرَّملِيِّ"(٦): ((وقد نَبَّهَ "التاجُ التبريزيُّ"(٧) على أنَّ اختلاف المطالع
(١) "البحر": كتاب الصوم ٢٩٠/٢.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصوم - الفصل الأول في الشهادة على الهلال ١/ق ٦٥/ب.
(٣) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الأول في رؤية الهلال ومن يجب عليه الصوم ومن لا يجب ١٩٨/١ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم ٣٢١/١.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الصوم ٢١٧/١.
(٦) "نهاية المحتاج": كتاب الصيام ١٥٦/٣.
(٧) أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي الحسن بن أبي بكر الأردبيلي، تاج الدين التبريزي الشافعي (ت٧٤٦هـ).
("الدرر الكامنة" ٧٢/٣، "الأعلام" ٣٠٦/٤، وهو فيه: علي بن عبد الله بن الحسين).

الجزء السادس
٢٥٥
كتاب الصوم
لا يمكنُ في أقلَّ من أربعةٍ وعشرين فرسخاً، وأفتى به الوالدُ(١)، والأوجهُ أَنَّها تحديديَّةٌ كما أفتى به
أيضاً)) اهـ، فليُحفظ.
وإنما الخلافُ في اعتبارِ اختلاف المطالع بمعنى أنَّه هل يجبُ على كلِّ قَومٍ اعتبارُ مَطلِعِهم
ولا يلزمُ أحداً العملُ بمطلِعٍ غيره، أو لا يُعتبرُ اختلافُها بل يجبُ العملُ بالأسبق رؤيةً، حتَّى لو رُؤِيَ
في المشرق ليلة الجمعة وفي المغرب ليلة السبت وجَبَ على أهل المغرب العمل بما رآه أهلُ المشرق؟
فقيل بالأوَّلِ، واعتمَدَهُ "الزيلعيُّ(٢) و"صاحب الفيض"، وهو الصحيحُ عند الشافعيَّة؛ لأنَّ كلَّ قومٍ
مخاطبون بما عندهم كما في أوقاتِ الصلاة، وأَيَدَهُ في "الدرر"(٣) بما مرَّ(٤) من عدم وجوبِ العشاء
والوتر على فاقدٍ وقتهما، وظاهرُ الرِّواية الثاني، وهو المعتمدُ عندنا وعند المالكَّة والحنابلة لتعلُّقِ
الخطاب [٢/ق٣٠١/أ] عامَّاً بمطلق الرُّؤية في حديث: ((صوموا لرؤيته)) بخلاف أوقات
الصلوات، وتمامُ تقريره في رسالتنا المذكورة(٥).
( تنبيةٌ )
يُفْهَمُ من كلامهم في كتاب الحجِّ أنَّ اختلاف المطالع فيه معتبرٌ، فلا يلزمُهم شيءٌ لو ظهَرَ
(قولُهُ: في حديثٍ: صومُوا لرؤيتِهِ بخلاف أوقاتِ الصَّلوات) فيه أنَّ الخطاب عامّ أيضاً في أوقاتٍ
الصَّلوات مع أَنَّه اعتُِّرَ فيها كلُّ قومٍ بحسبها، مثلاً: الدُّلوكُ جعَلَهُ الله تعالى سبباً للظُّهر، وعلَّقَ وجوبَهُ به،
ومع ذلك إنما خُوطِبَ كلُّ قومٍ بِالدُّلوكِ الواقعِ عندهم لا بما عند غيرهم.
(١) أي: والد محمد بن أحمد بن حمزة (ت١٠٠٤هـ)، صاحب كتاب "نهاية المحتاج"، واسم والده: أحمد بن حمزة
الرملي (ت٩٥٧هـ). ("الكواكب السائرة" ١١٩/٢).
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم ٣٢١/١.
(٣) "الدرر": كتاب الصلاة ٥٢/١.
(٤) ٤٩٨/٢ - ٤٩٩ "در".
(٥) "تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان": ٢٣٢/١ وما بعدها ضمن مجموعة "رسائل ابن عابدين".

قسم العبادات
٢٥٦
حاشية ابن عابدين
(فيلزمُ أهلَ المشرقِ برؤيةِ أهلِ المغرب) إذا ثبَتَ عندهم رؤيةُ أولئك بطريقِ مُوجِبٍ
كما مرَّ، وقال "الزيلعيُّ"(١): ((الأشبهُ أنّه يُعتبَرُ))(٢)، لكنْ قال
"الكمال"(٣): ((الأخذُ بظاهرِ الرِّوايةِ أحوطُ)).
أنَّه رُؤِيَ في بلدةٍ أخرى قبلهم بيومٍ، وهل يقال كذلك في حقِّ الأضحية لغير الحجَّاج؟ لم أره،
والظاهرُ نعم؛ لأنَّ اختلاف المطالع إنما لم يُعتبَرْ في الصوم لتعلَّقِهِ بمطلق الرُّؤية، وهذا بخلاف
الأضحية، فالظاهرُ أَنّها كأوقاتِ الصلوات يلزمُ كلَّ قومِ العملُ بما عندهم، فتُحزِئُ الأضحية
في اليوم الثالث عشرٌ وإنْ كان على رؤيا غيرهم هو الرابعَ عشر، والله أعلم.
[٨٩٧٠] (قولُهُ: فَيَلْزَمُ) فاعلُهُ ضميرٌ يعودُ إلى ثبوتِ الهلال، أي: هلالِ الصوم أو الفطرِ،
و((أهلَ المشرق)) مفعولُهُ، "ح"(٤). أو (ُلزَم)) بضمِّ الياء من الإلزام مبنيٌّ للمجهول، و((أهلُ
المشرق)) نائبُ الفاعل و((برؤيةٍ)) متعلِّقٌ بـ (يُزَمُ)).
(٨٩٧١) (قولُهُ: بطريقٍ مُوجِبٍ) كأنْ يتحمَّلَ اثنان الشهادةَ، أو يشهدا على حكم القاضي،
٩٦/٢ أو يستفيضَ الخبر، بخلاف ما إذا أخبرا أنَّ أهل بلدةِ كذا رأوه؛ لأَنَّه حكايةٌ، "ح"(٥).
(٨٩٧٢] (قولُهُ: كما مرَّ(٦) أي: عند قوله: ((شهدا أَنَّه شَهِدَ))، "ح"(٧).
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم ٣٢١/١.
(٢) في "د" زيادة: ((وقال الزيلعي الأشبهُ أن يعتبر، أقول: وعليه اقتصر في "الولوالجية"، قال في "الفيض": والصحيحُ
اعتبار المطالع، ذكرهُ الشيخ خير الدين الرملي في "الحاشية" على "البحر" انتهى. قال القهستاني: على هذا فحدُّه
مسيرةُ شهرٍ فصاعداً، ذكره في "الجواهر" اعتباراً بقصة سليمان التلّلا، فإنه قد انتقل كلَّ غُدُوِّ ورواحٍ
من إقليم إلى إقليم وبين كلٍّ منهما مسيرةُ شهر. انتهى)).
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٣/٢.
: قوله: ((الثالث عشر)) صوابه: ((الثاني عشر))، وقوله: ((هو الرابع عشر)) صوابه: ((الثالث عشر))؛ لأن اليوم
الثالث عشر من ذي الحجة هو اليوم الرابع من عيد الأضحى، والأضحية في ذلك اليوم لا تصح عندنا، ولعل جناب
سيدي الوالد المؤلف أراد أن يكتب في اليوم الثالث، فسها قلمه فكتب الثالث عشر، تأمل . حرَّره أفقر الورى
محمد علاء الدين ابن المؤلف عفا الله عنهما آمين. من هامش "ب" و"م".
(٤) "ح": كتاب الصوم ق١٢٧/ب.
(٥) "ح": کتاب الصوم ق١٢٧ /ب.
(٦) صـ٢٤٣- وما بعدها "در".
(٧) "ح": كتاب الصوم - باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده ق١٢٧/ب.