النص المفهرس

صفحات 221-240

الجزء السادس
٢١٧
كتاب الصوم
الواجبٍ آخرَ كُرِهَ) تنزيهاً، ولو جزَمَ أنْ يكون عن رمضانَ كُرِهَ تحريماً (ويقعُ عنه
في الأصحِّ إنْ لم تَظْهَر رمضانيّتُهُ وإِلاَّ) بأنْ ظَهَرَتْ.
[٨٨٧٤] (قولُهُ: لواجبٍ آخرَ) كنذرٍ وكفَّارةٍ وقضاءِ، "سراج(١).
[٨٨٧٥] (قولُهُ: كُرِهَ تنزيهاً) سنذكرُ وجهَهُ(٢).
[٨٨٧٦] (قولُهُ: كُرِهَ تحريماً) للتشبُّهِ بأهل الكتاب؛ لأَنَّهم زادوا في صومِهم، وعليه حُمِلَ
حديثُ النهي عن التقدُّمِ بصومٍ يومٍ أو يومين(١)، "بحر "(٤).
[٨٨٧٧] (قولُهُ: ويقعُ عنه) [٢/ق ٢٩١/أ] أي: عن الواجبِ، وقيل: يكونُ تطوُّعاً،
"هداية"(٥).
[٨٨٧٨] (قولُهُ: إنْ لم تَظهَرْ رمضانَّتُهُ) في "السِّراج)"(٦): ((إذا صامَهُ بنَّةِ واجبٍ آخرَ لا يسقطُ
(قولُهُ: في "السِّراج": إذا صامَهُ إلخ) يظهرُ أنَّ في ما "السِّراج" مقابلٌ للأصحِّ الذي جَرَى عليه
"المصنّف"، فلا یَرِدُ علیه به.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصوم ١/ق ٤٧٨/أ.
(٢) المقولة [٨٨٨٢] قوله: ((لحديث إلخ)).
(٣) أخرجه البخاري (١٩١٤) كتاب الصوم - باب لا يُتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين، ومسلم (١٠٨٢) كتاب
الصيام - باب لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، وأبو داود (٢٣٣٥) كتاب الصوم - باب فيمن يصل شعبان
برمضان، والترمذي (٦٨٤) و(٦٨٥) كتاب الصوم - باب ما جاء: لا تقدموا الشهر بصوم، وقال: حديث
أبي هريرة حديث حسن صحيح. والنسائي ١٤٩/٤ كتاب الصيام - باب التقدم قبل شهر رمضان، و١٥٤/٤ باب
التسهيل في صيام يوم الشك، وابن ماجه (١٦٥٠) كتاب الصيام - باب ما جاء في النهي أن يتَقدَّم رمضانَ بصوم
إلا من صام صوماً فوافقه، وأخرجه أحمد ٢٣٤/٢، ٣٤٧، ٤٠٨، والدارمي ٤٢٩/١ كتاب الصوم - باب النهي
عن التقدم في الصيام قبل الرؤية، وابن حبان(٣٥٨٦) و(٣٥٩٢) كتاب الصوم - باب صوم يوم الشك.
٠
(٤) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٥/٢.
(٥) "الهداية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ١٢٠/١.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الصوم ١/ق ٤٨٠/ب.

قسم العبادات
٢١٨
حاشية ابن عابدين
(فعنه) لو مقيماً.
(والتنفُّلُ فيه أحبُّ) أي: أفضلُ اتّفاقاً (إِنْ وافَقَ صوماً يعتادُهُ) أو صامَ من آخرِ
شعبان ثلاثةً فأكثرَ لا أقلَّ؛
عنه(١)؛ لجوازِ أنْ يكون من رمضانَ، فلا يكونُ قضاءً بالشكِّ)) اهـ.
فأفاد أنَّه لو لم يَظهَر الحالُ لا يكفي عمَّ نوى، فكان على "المصنّف" أنْ يقول كما قال
في "الهداية"(٢): ((إِنْ ظهَرَ أَنَّه من شعبانَ أجزأَهُ عمَّا نوى في الأصحِّ، وإنْ ظهَرَ أَنَّه من رمضانَ
يُجزيه لوجودِ أصل النّة)) اهـ.
[٨٨٧٩] (قولُهُ: فعنه) أي: عن رمضان.
[٨٨٨٠] (قولُهُ: لو مقيماً) قيدٌ لقوله: ((كُرِهَ تنزيهاً)) ولقوله: ((فعنه))، قال في "السِّراج"(٣):
((ولو كان مسافراً فنوى فيه واجباً آخر لم يكره؛ لأنَّ أداء رمضانَ غيرُ واجبٍ عليه، فلم يُشبِهْ
صومُهُ الزِّيادةَ، ويقعُ عمَّا نوى وإنْ بانَ أَنَّه من رمضان، وعندهما يكرهُ كالمقيم، ويُجزي
عن رمضانَ إنْ بانَ أَنَّه منه)).
[٨٨٨١] (قولُهُ: إِنْ وافَقَ صوماً يعتادُهُ) كما لو كان عادتُهُ أنْ يصوم يومَ الخميس أو الإثنين،
فوافَقَ ذلك يومَ الشكِّ، "سراج"(٤). وهل تثبتُ العادةُ بمرَّةٍ كما في الحيض؟ تردّدَ فيه بعضُ
الشافعيَّة.
قلت: الظاهرُ نعم إذا فعَلَ ذلك مرَّةً، وعزَمَ على فعلٍ مثلِهِ بعدها فوافَقَ يومَ الشكِّ؛
لأنَّ الاعتيادَ يُشعِرُ بالتكرار؛ لأَنَّه من العَوْدِ مرَّةٌ بعد أخرى، وبالعزمِ المذكورِ يحصلُ العود حكماً،
أمَّا بدونه فلا، تأمَّل.
(١) ((عنه)) ساقطة من "م".
(٢) "الهداية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ١٢٠/١ بتصرف.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨٢/ب بتصرف.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨١/ب.

الجزء السادس
٢١٩
كتاب الصوم
لحديثٍ: ((لا تُقدِّموا رمضانَ بصومٍ يومٍ أو يومين))، وأمَّا حديثُ: ((مَن صامَ يومَ
الشَّكِّ فقد عَصَى "أبا القاسم" )).
[٨٨٨٢] (قولُهُ: لحديثِ إلخ) هو ما في "الكتب السنّة" عن "أبي هريرة" رضي الله تعالى عنه
عن النبيِّ ◌َ ﴿ أَنَّه قال: (( لا تُقدِّموا رمضانَ بصومٍ يومٍ أو يومين إلاَّ رجلٌ كان يصومُ صوماً
فليصمْهُ))(١)، والمرادُ به غيرُ التطوُّعِ حَتَّى لا يزادَ على صوم رمضان كما زادَ أهل الكتاب على
صومهم توفيقاً بينه وبين ما أخرجَهُ "الشيخان"(٢) عن "عمَّارِ بن ياسرٍ" رضي الله تعالى عنه أَنَّه
قال: قال رسول الله وَ ◌ّلرجلٍ: ((هل صُمْتَ من سَرَرِ شعبان؟)) قال: لا، قال: ((إذا أفطرتَ فصُمْ
يوماً مكانَهُ)). سَرَرُ الشَّهرِ بفتحِ السِّين المهملة وكسرِها: آخرُهُ، كذا قال "أبو عبيدٍ" وجمهورُ أهل
اللغة لاسترارِ القمر فيه، أي: اختفائه، وربَّما كان ليلةً أو ليلتين، كذا أفادَهُ "نوح" في "حاشية
الدُّرر"، واستدلَّ "أحمدُ"(٣) بحديث السَّرَرِ على [٢/ق ٢٩١/ب] وجوب صوم يومِ الشكِّ، وهو
عندنا محمولٌ على الاستحبابِ؛ لأَنّه مُعارَضٌ بحديث التقدُّمِ توفيقاً بين الأدلَّةِ ما أمكنَ كما أوضَحَهُ
في "الفتح" (٤).
هذا، وقد صرَّحَ في "الهداية"(٥) وشروحها(٦) وغيرها: ((بأنَّ المنهيَّ عنه هو التقدُّمُ
(١) تقدم تخريجه ص٢١٧ -.
(٢) لم نجد هذا الحديث في "الصحيحين" معزياً إلى عمار بن ياسرظلّته، وإنّما الذي فيهما عن عمران بن الحصين نظُّته.
والحديث أخرجه أحمد ٤٢٨/٤-٤٣٤، والبخاري تعليقاً (١٩٨٣) كتاب الصوم - باب الصوم في آخر الشهر،
ومسلم(١١٦١) و(١٩٩) و(٢٠٠) و(٢٠١) كتاب الصيام - باب صوم سرر شعبان، وأبو داود (٢٣٢٨) كتاب
الصوم - باب في التقدم، والدارمي ٤٤٣/١-٤٤٤ كتاب الصوم - باب الصوم من سرر الشهر، والطبراني
في "الكبير" ١١٤/١٨ (٢٢٠) و(٢٢١) و(٢٢٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٨٤/٢ كتاب الصيام -
باب الصوم بعد النصف من شعبان إلى رمضان.
(٣) انظر "المغني والشرح الكبير": كتاب الصيام - أحكام رؤية هلال رمضان وشوال ١٣٤/٤ وما بعدها.
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٥/٢.
(٥) "الهداية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ١٢٠/١.
(٦) انظر "الكفاية" و"العناية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٦/٢ (هامش "فتح القدير").

قسم العبادات
٢٢٠
حاشية ابن عابدين
على رمضان بصومٍ رمضان))، ووجهُ تخصيصه بيومٍ أو يومين أنَّ صومه عن رمضان إنما يكونُ
غالباً عند توهُّمِ النقصانِ في شهرٍ أو شهرين، فيصومُ يوماً أو يومين عن رمضانَ على ظنِّ أنَّ ذلك
احتياطٌ كما أفادَهُ في "الإمداد"(١) و"السَّعَديَّةَ"(٢)، وقال في "الفتح"(٣): ((وعليه فلا يكره صومُ
واجبٍ آخر في يومِ الشكِّ))، قال(٤): ((وهو ظاهرُ كلام "التحفة"(٥) حيث قال: وقد قامَ الدَّليلُ
على أنَّ الصوم فيه عن واجبٍ آخرَ وعن التطوُّعِ مطلقاً لا يكرهُ، فثبتَ أنَّ المكروه ما قلنا، يعني
صومَ رمضان، وهو غيرُ بعيدٍ من كلام الشارحين و"الكافي"(٦) وغيرهم، حيث ذكروا أنَّ المراد من
حديثِ التقدُّمِ هو التقدُّم بصومٍ رمضان، قالوا: ومقتضاه أنْ لا يكره واجبٌ آخرُ أصلاً، وإنما كُرِهَ
الصورة النهي في حديث العصيان الآتي (٢)، وتصحيحُ هذا الكلامِ أنْ يكون معناه: يترُكُ صومَهُ عن
واجبٍ آخرَ تورُّعاً، وإلاّ فبعدَ وجوبِ كونِ المراد من النهي عن التقدُّمِ صومَ رمضان كيف يُوجِبُ
حديثُ العصيان منعَ غيره مع أَنَّه يجبُ أنْ يُحمَلَ على ما حُمِلَ عليه حديثُ التقدُّمِ إذ لا فرقَ
بينهما؟!)) اهـ ما في "الفتح" ملخِّصاً.
وفي "الناتر خانَّةً"(٨) تصحيحُ عدم الكراهة، أي: التحريميَّةِ، فلا ينافي أنَّ التورُّعَ تركُهُ تنزيهاً،
وفي "المحيط "(٩): ((كان ينبغي أنْ لا يُكرَّهَ بنَّةِ واجبٍ آخر، إلاَّ أنَّه وُصِفَ بنوعِ كراهةٍ احتياطاً،
فلا يُؤثِّرُ في نقصانِ الثواب كالصلاة في الأرض المغصوبة)) اهـ.
(١) "الإمداد": كتاب الصوم ق ٣٤٤/أ.
(٢) "الحواشي السعدية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٦/٢ (هامش "فتح القدير").
(٣) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٥/٢.
(٤) أي: صاحب "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٥/٢ - ٢٤٦.
(٥) "تحفة الفقهاء": كتاب الصوم ٣٤٣/١.
(٦) "کافي النسفي": كتاب الصوم ١/ق ٧٣/ب.
(٧) في المقولة التالية.
(٨) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثامن في بيان الأوقات التي يكره فيها الصوم ٣٩٠/٢ معزياً إلى "المحيط"
و "الخلاصة" و"الخانية".
(٩) لم نعثر على النقل في مخطوطة "المحيط البرهاني" التي بين أيدينا.

الجزء السادس
٢٢١
کتاب الصوم
فلا أصلَ له.
٨٨/٢
[٨٨٨٣] (قولُهُ: فلا أصلَ له) كذا قال "الزيلعيُ)(١)، ثمَّ قال: ((ويُروى موقوفاً على
"عمَّارِ بن ياسرٍ"، وهو في مثلِهِ كالمرفوع)) اهـ.
قلت: وينبغي حملُ نفي الأصلَّةِ على الرَّفعِ كما حَمَلَ بعضُهم قول "النوويِ)(٢) في
حديثٍ: ((صلاةُ النَّهار عجماءُ)): ((إنَّه لا أصلَ له)) على أنَّ [٢/ق٢٩٢/أ] المراد: لا أصلَ لرفعِهِ،
وإلاَّ فقد ورَدَ موقوفاً على "مجاهدٍ" و"أبي عبيدة"، وكذا هذا أورَدَهُ "البخاريُّ"(٣) مُعلَّقاً بقوله:
((وقال "صلةُ" عن "عمَّارِ": من صامَ إلخ))، قال في "الفتح"(٤): ((وأخرجَهُ أصحابُ "السنن
الأربعة " وغيرُهم، وصحَّحَهُ "الترمذيُّ"(٥) عن "صلةَ بن زفر" قال: كنَّا عند "عمَّارِ" في اليوم الذي
يُشَكُّ فيه، فأتى بشاةٍ مصليّةٍ، فتنحَّى بعضُ القوم، فقال "عمَّارٌ": (( مَن صام هذا اليومَ فقد عصى
أبا القاسم))))، قال في "الفتح"(٦): ((وكأنّه فَهِمَ من الرَّجُل المتنخِّي أَنَّه قصَدَ صومَهُ عن
رمضان، فلا يُعارِضُ ما مرَّ(٧)، وهذا بعد حملِهِ على السَّمَاعِ من النبيِّ ◌ِ﴿))، والله سبحانه أعلم.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الصوم ٣١٨/١.
(٢) في "المجموع" ٣٥٥/٣.
(٣) برقم (١٩٠٦) كتاب الصوم - باب قول النبي مح طلّ: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا)).
(٤) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٥/٢ بتصرف.
(٥) في "سننه" (٦٨٦) كتاب الصوم - باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، وقال: حديث عمار حديث حسن
صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٤٨٦/٢ كتاب الصيام - باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه بصيام،
وعبد الرزاق(٧٣١٨) كتاب الصيام - باب فضل ما بين رمضان وشعبان، وأبو داود (٢٣٣٤) كتاب الصوم - باب
كراهية صوم يوم الشك، والنسائي ١٥٣/٤ كتاب الصيام - باب صيام يوم الشك، وابن ماجه (١٦٤٥) كتاب
الصيام - باب ما جاء في صيام يوم الشك، والدارمي ٤٢٧/١ كتاب الصيام - باب في النهي عن صيام يوم الشك،
وابن خزيمة (١٩١٤) كتاب الصيام - باب الزجر عن صوم اليوم الذي يشك فيه أمن رمضان أم من شعبان؟ وابن
حبان(٣٥٨٥) و(٣٥٩٥) و(٣٥٩٦) کتاب الصوم - باب صوم يوم الشك، کلهم من حديث عمار بن ياسر
مرفوعاً، وفي الباب عن أبي هريرة، وأنس بن مالك رضي الله عنهما.
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٥/٢ بتصرف.
(٧) في المقولة السابقة.

قسم العبادات
٢٢٢
حاشية ابن عابدين
(وإلاَّ يصومُهُ الخواصُّ وَيُفطِرُ غيرُهم بعدَ الزَّوالِ) به يُفتَى.
[٨٨٨٤] (قولُهُ: وإلاَّ يصومُهُ الخواصُّ) أي: وإنْ لم يوافق صوماً يعتادُهُ، ولا صامَ من آخرِ
شعبان ثلاثةً فأكثرَ اسْتُحِبَّ صومُهُ للخواصِّ، قال في "الفتح"(١): ((وقَّدَهُ في "التحفة"(٢) بكونه
على وجهٍ لا يَعلَمُ العوامُّ ذلك كيلا يعتادوا صومَهُ فَيَظُنَّهُ الجَهَّالُ زيادةً على رمضان))، ويدلُّ
عليه قصَّةُ "أبي يوسف" المذكورةُ في "الإِمداد"(٣) وغيره، حاصلها: ((أنَّ "أسد بن عمرٍو" سألَهُ
هل أنت مفطرٌ؟ فقال له في أذنه: أنا صائمٌ)).
وفي قوله: ((يصومُ الخواصُّ)) إشارةٌ إلى أنَّهم يُصبِحون صائمين لا متلوِّمين بخلافٍ
العوامِّ، لكنْ في "الظهيريَّة"(٤): ((الأفضلُ أنْ يتلوَّمَ غيرَ آكلٍ ولا شاربٍ ما لم يتقارب انتصافُ
النهار، فإنْ تقارَبَ فعامَّةُ المشايخ على أنَّه ينبغي للقضاةِ والمفتين أنْ يصوموا تطوُّعاً ويُفتوا
بذلك خاصَّتَهم، ويُفتوا العامَّة بالإفطار))، وهذا يفيدُ أنَّ التلوُّمَ أفضلُ في حقِّ الكلِّ كما في
"النهر"(٥)، لكنْ في "الهداية"(٦) و"المحيط"(٧) و"الخانَيَّةَ"(٨) وغيرها: ((أنَّ المختار أنْ يصومَ
المفتي بنفسه أخذاً بالاحتياط، ويفتيَ العامَّة بالتلوُّمِ إلى وقتِ الزَّوال ثمَّ بالإفطارِ))، والتلوُّمُ:
الانتظارُ كما في "المغرب" (٩).
[٨٨٨٥] (قولُهُ: بعدَ الزَّوالِ) في "العزمِيَّة" عن خطِّ بعضِ العلماء في هامش "الهداية": ((إنما
(١) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٤/٢.
(٢) "تحفة الفقهاء": كتاب الصوم ٣٤٣/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل فيما يثبت به الهلال وفي صوم الشك وغيره ق ٣٤٤/ب - ٣٤٥/أ.
(٤) "الظهيرية": كتاب الصوم - نوع آخر في الأوقات التي يكره فيها الصوم ق ٥٥/ب.
(٥) "النهر": كتاب الصوم ق١١٨/ب.
(٦) "الهداية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ١٢٠/١.
(٧) "المحيط البرهاني": كتاب الصوم - الفصل الثامن في بيان الأوقات التي يكره فيها الصوم ١/ق ١٦٣/ب.
(٨) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الرابع فيما يكره للصائم وما لا يكره ٢٠٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) "المغرب": مادة ((لوم)).

الجزء السادس
٢٢٣
كتاب الصوم
نفياً لْتُهَمَةِ الَّهي.
(وكلُّ مَن عَلِمَ كيفيَّةً صومِ الشكِّ فهو من الخواصِّ، وإلاَّ فمِن العوامِّ، والنَّةُ)
المعتبرةُ هنا (أن ينويَ التطوُّعَ) على سبيلِ الجزم (مَن لا يعتادُ صومَ ذلك اليومِ) أمَّا
المعتادُ فحكمُهُ مَرَّ (ولا يُخطِرَ ببالِهِ أَنَّه إنْ كان من رمضانَ فعنه).
لم يقل: بعد الضَّحوة الكبرى مع أنَّه مختارُهُ سابقاً لأنَّ الاحتياط هنا التوسعةُ)).
[٨٨٨٦] (قولُهُ: نفياً لتُهَمَةِ النهى) أي: حديثٍ: (( لا تُقدِّمُوا رمضانَ))(١)، كذا في "شرحه"
على "الملتقى"(٢)، فهو علَّةٌ لقوله: ((ويُفطِرُ غيرُهم)).
[٨٨٨٧] (قولُهُ: والنّةُ إلخ) بيانٌ للكيفيَّة.
[٨٨٨٨] (قولُهُ: فحكمُهُ مَرَّ(٣) أي: في قوله: [٢/ق٢٩٢/ب] ((والصومُ أحبُّ إنْ وافَقَ
صوماً يعتادُهُ)).
[٨٨٨٩] (قولُهُ: ولا يُخطِرَ ببالِهِ إلخ) معطوفٌ على قوله: ((ينوي))، وهو تفسيرٌ لقوله:
((على سبيل الجزمٍ))، والمرادُ أنْ لا يُردِّدَ في النَّةِ بين كونه نقلاً إن كان من شعبان، وفرضاً إنْ
كان من رمضان، بل يجزمَ بنَّتَه نفلاً محضاً، ولا يضرُّهُ خطورُ احتمال كونِهِ من رمضان بعد جزمِهِ
بنيّةِ النفل؛ لأَنَّه يصومُ احتياطاً لذلك الاحتمال، قال في "غاية البيان": ((وإنما فُرِّقَ بين المفتي والعامَّة
لأنَّ المفتيَ يَعلَمُ أنَّ الزِّيادة على رمضان لا تجوزُ، فلذا يصومُ احتياطاً احترازاً عن وقوعِ الفطر
في رمضان بخلاف العامَّة، فإنّه قد يقعُ في وهمِهِم الزِّيادةُ، فلذا كان فطرُهم أفضلَ بعد التلوُّمْ)).
(قولُهُ: لأنَّ الاحتياط هنا إلخ) لم يظهر بمجرَّدِ التَّوسعة وجة لتأخيرِ فطرهم لِما بعد الزَّوال مع
خروجِ الوقت عن كونه قابلاً للنيّة، فتأمَّل. كذا يُفادُ من "السنديّ".
(١) تقدم تخريجه ص ٢١٧ -.
(٢) "الدر المنتقى": كتاب الصوم ٢٣٤/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) صـ ٢١٨ - "در".

قسم العبادات
٢٢٤
حاشية ابن عابدين
ذكَرَهُ "أخي زاده".
(وليس بصائٍ لو) ردَّدَ في أصلِ النَّةِ بأن (نوى أن يصومَ غداً إنْ كان مِن رمضان،
وإلاَّ فلا) أصومُ؛ لعدم الجزم (كما) أنَّه ليس بصائمٍ (لو نوى أنَّه إنْ لم يَجِد غداءً
فهو صائمٌ وإلاَّ فمُفطِرٌ،.
[٨٨٩٠] (قولُهُ: ذكَرَهُ "أخي زاده") أي: في "حاشيته" على "صدر الشَّريعة" (١)، وذكرَهُ أيضاً
"المحقّق" في "فتح القدير"(٢)، وكذا في "المعراج" وغيره.
(٨٨٩١] (قولُهُ: وليس بصائمٍ إلخ) تكميلٌ لأقسامِ المسألة المذكورة في "الهداية"(٣)، وهي
خمسةٌ، تقدَّمَ منها ثلاثةٌ، وهي: الجزمُ بنَّةِ النفل، أو بنِيَّةِ واجبٍ، أو بنيّةِ رمضان، وعلمتَ
أحكامَها، والرابعُ الإضجاع في أصل النّة، والخامسُ الإضجاعُ في وصفها، قال في "المغرب"(٤).
((التضحيعُ في النّةِ هو التردُّدُ فيها، وأنْ لا بَيْتَّها، مِن ضحَّعَ في الأمرِ إذا وهَنَ فيه وقصَّرَ، وأصلُهُ
من الضُّحوع)).
[٨٨٩٢] (قولُهُ: لعدمِ الجزمِ) في العزم، فقد فاتَ ركنُ النَّة، لكن هذا إذا لم يُحدِّد النَّةَ قبل
نصف النَّهار، فإنْ جدَّدَها عازماً على الصَّوم جازَ كما رأيتُهُ بخطّ بعض العلماء على هامش
"الهداية"، وهو ظاهرٌ.
[٨٨٩٣] (قولُهُ: كما أنَّه إلخ) تنظيرٌ لتلك المسألةِ بهذه، وعبارة "الهداية"(٥): ((فصار كما إذا
نوی إلخ)).
[٨٨٩٤] (قولُهُ: غَداءً) بالغين المعجمة والدَّال المهملة ممدوداً.
(١) ذكر الزركلي في "الأعلام" ٢٨٤/٣: أن نسخة مخطوطة منه في أوقاف بغداد.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٤٣/٢ وما بعدها.
(٣) "الهداية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ١٢٠/١.
(٤) "المغرب": مادة ((ضجع)).
(٥) "الهداية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ١٢٠/١.

الجزء السادس
٢٢٥
کتاب الصوم
ويصيرُ صائماً مع الكراهةِ لو) ردَّدَ في وصفها بأنْ (نوى إنْ كان مِن رمضانَ فعنه
وإلاَّ فعن واجبٍ آخرَ، وكذا) يكرهُ (لو قال: أنا صائمٌ إن كان من رمضانَ وإلاّ
فعن نفلٍ) للترُّدِ بين مكروهين أو مكروهٍ وغيرِ مكروهٍ (فإِنْ ظهَرَ رمضانيَّتُهُ فعنه،
وإلاّ فنفلٌ فيهما) أي: الواجبِ والنّلِ (غيرَ مضمونٍ بالقضاء) لعدمِ التنفُّلِ قصداً ..
[٨٨٩٥] (قولُهُ: ويصيرُ صائماً) أي: لجزمِهِ بنَّةِ الصوم وإِنْ ردَّدَ في وصفِهِ بين فرضٍ وواجبٍ
آخر، أو فرضٍ ونفلٍ.
[٨٨٩٦] (قولُهُ: مع الكراهةِ)(١) أي: التنزيهَّةِ؛ لأنَّ كراهة التحريم لا تُبُتُ إلَّ إذا جزَمَ أَنَّه
عن رمضان كما أفادَهُ "الشارح" سابقاً، "ط"(٢).
[٨٨٩٧] (قولُهُ: للتردُّدِ إلخ) علّةٌ للكراهةِ في المسألتين على طريق اللفِّ والنشرِ المرتّب، ففي
الأُولى الترديدُ بين مكروهين وهما الفرضُ والواجب، وفي الثانية بين مكروهٍ وغيره وهما الفرض
والنّقل.
[٨٨٩٨] (قولُهُ: فعنه) أي: فيقعُ عن رمضان لوجودِ أصل النَّةِ، وهو كافٍ في رمضانَ لعدم
لزوم التعيين فيه بخلاف الواجبِ الآخرِ كما مرَّ( ٣).
[٨٨٩٩] (قولُهُ: غيرَ مضمونٍ بالقضاءِ) [٢/ق٢٩٣/ أ] بنصبِ ((غيرَ)) على الحاليّة، أي:
لا يلزمُهُ قضاؤه لو أفسدَهُ.
[٨٩٠٠] (قولُهُ: لعدمِ التَّقُّلِ قصداً) لأَنَّه قاصدٌ للإسقاط من وجهٍ وهو نيَّةُ الفرض، فصار
(قولُ "المصنّف": وإلاَّ فنفلٌ فيهما) ولم يكن عن الواجب لعدم الجزم به للتردُّد فيها، قال
"القهستانيُّ": ((لكنَّ عامَّة المشايخ على أنَّه إذا ظهَرَ أَنَّه من شعبانَ فهو عمَّا نوى من ذلك الواجبِ كما
في "المحيط" )) اهـ، نقَلَهُ "السنديُّ".
(١) هذه المقولة مقدمة في "الأصل" و"آ" و"ب" على قوله: ((ويصير صائماً))، وما أثبتناه من "م" هو الموافق لعبارة "الدر".
(٢) "ط": كتاب الصوم ٤٤٥/١.
(٣) المقولة [٨٨٧٨] قوله: ((إن لم تظهر رمضانيته)).

قسم العبادات
٢٢٦
حاشية ابن عابدين
أَكْلُ المتلوِّمِ ناسياً قبل النَّةِ كأكلِهِ بعدها، وهو الصحيح، "شرح وهبائيَّة"(١).
(رأى) مكلّفٌ (هلالَ رمضانَ أو الفطرِ ورُدَّ قولُهُ) بدليلٍ شرعي ..
كالمظنون بجامعٍ أَنَّه شرَعَ فيه مُسقِطاً لا مُلتزِماً كما مرَّ(٢).
[٨٩٠١] (قولُهُ: أكلُ المتلوِّم) أي: المنتظرِ إلى نصفِ النَّهار في يوم الشكّ.
[٨٩٠٢] (قولُهُ: كأكلِهِ بعدَها) فلو ظهَرَتْ رمضانيّتُهُ ونوى الصَّوم بعد الأكل جاز؛ لأنَّ أكل
الناسي لا يُفْطِرُهُ، وقيل: لا(٣) يجوزُ كما في "القنية (٤)، وبه جزَمَ في "السِّراج"(٥) و"الشرنبلاليَّة"(٦)،
وَسيأتي(٧) تمامُ الكلام عليه في أوَّلِ الباب الآتي.
٨٩/٢
[٨٩٠٣] (قولُهُ: رأى مكلّفٌ) أي: مسلمٌ بالغ عاقلٌ ولو فاسقاً كما في "البحر "(1) عن
"الظهيرِيَّة"(٩)، فلا يجبُ عليه لو صبيّاً أو مجنوناً، وشملَ ما لو كان الرَّائي إماماً، فلا يأمُرُ الناسَ
بالصوم ولا بالفطر إذا رآه وحدَهُ، ويصوم هو كما في "الإمداد"(١٠)، وأفاد "الخيرُ الرَّمليُّ": ((أَنّه
لو كانوا جماعةً ورُدَّتْ شهادتُهم لعدم تكامُلِ الجمع العظيم فالحكمُ فيهم كذلك)).
[٨٩٠٤] (قولُ: بدليلٍ شرعيِّ) هو إمَّا فسقُهُ أو غلطُهُ، "نهر"(١١). وفي "القُهُستانيِ) (١٢).
((بفسقِهِ لو السَّماءُ متغيِّمةً، أو تفرُّدِهِ لو كانت مصحيَّةً)).
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصوم ق١٦/أ.
(٢) المقولة [٨٨٦٥] قوله: ((فلم يكن كالمظنون)).
(٣) ((لا)) ساقطة من "آ".
(٤) "القنية": كتاب الصوم - باب في نية الصوم ق ٣٠/ب.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨١ /أ.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الصوم - باب موجب الإفساد ٢٠٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٧) المقولة [٨٩٧٩] قوله: ((على الصحيح)).
(٨) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٦/٢.
(٩) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ق٥٤ /ب.
(١٠) "الإمداد": كتاب الصوم - فصل فيما يثبت به الهلال وفي صوم الشك وغيره ق ٣٤٥/أ نقلاً عن "الفتح".
(١١) "النهر": كتاب الصوم ق ١١٩/أ.
(١٢) "جامع الرموز": كتاب الصوم ٢١٦/١.

الجزء السادس
٢٢٧
كتاب الصوم
(صامَ) مطلقاً وجوباً، وقيل: ندباً (فإِنْ أفطَرَ.
[٨٩٠٥] (قولُهُ: صامَ) أي: صوماً شرعيًّاً؛ لأنّه المرادُ حيث أُطلِقَ شرعاً، ويدلُّ عليه ما بعده،
وفيه إشارةٌ إلى ردِّ قول الفقيه "أبي جعفرٍ": إنَّ معناه في هلالِ الفطر: لا يأكلُ ولا يشربُ، ولكنْ
ينبغي أن يُفسِدَه؛ لأنَّه يومُ عيدٍ عنده، وإلى ردِّ قول بعض مشايخنا من أنَّه يُفطِرُ فيه سرّاً كما في
"البحر"(١)، وإليه أشار "الشارحُ" بقوله: ((مطلقاً))، أي: في هلالِ رمضان والفطرِ.
( تنبيةٌ )
لو صامَ رائي هلالِ رمضان وأكمَلَ العدَّة لم يُفطِر إلاَّ مع الإمام؛ لقوله عليه الصَّلاة
والسَّلام: ((صومُكم يومَ تصومون، وفطرُكم يومَ تُفطِرون)) رواه "الترمذيُّ" وغيره(٢)، والناسُ
لم يُفطِرِوا في مثل هذا اليوم، فوجَبَ أنْ لا يُفطِرَ، "نهر "(٣).
[٨٩٠٦] (قولُهُ: وجوباً، وقيل: ندباً) قال في "البدائع"(٤): ((المحقّقُون قالوا: لا روايةً
في وجوب الصَّوم عليه، وإنما الرِّوايةُ أَنَّ يصومُ، وهو محمولٌ على النَّدبِ احتياطاً)) اهـ
قال في "التحفة"(٥): ((يجبُ عليه الصَّومُ))، وفي "المبسوط" (٦): ((عليه صومُ ذلك اليوم،
وهو ظاهرُ استدلالهم في هلال رمضان بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾
[ البقرة - ١٨٥]، وفي العيدِ بالاحتياط))، "نهر"(٧). وما في "البدائع" مخالفٌ لِما في [٢/ق٢٩٣/ب]
(١) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٦/٢.
(٢) أخرجه الترمذي (٦٩٧) كتاب الصوم - باب: ما جاء الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم
تُضَحُّون، وقال: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه عبد الرزاق (٧٣٠٤) كتاب الصيام، وأبو داود (٢٣٢٤)
كتاب الصوم - باب إذا أخطأ القوم الهلال بنحوه، وابن ماجه (١٦٦٠) كتاب الصيام - باب ما جاء في شهري
العيد بنحوه، والدارقطني ١٦٤/٢ كتاب الصيام، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٥٢/٤ كتاب الصيام - باب القوم
يخطئون في رؤية الهلال، كلُّهم من حديث أبي هريرة ◌ُبه مرفوعاً، وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها.
(٣) "النهر": كتاب الصوم ق ١١٩/أ.
(٤) "البدائع": كتاب الصوم - فصل: أما شرائطها فنوعان ٨١/٢.
(٥) "تحفة الفقهاء": كتاب الصوم ٣٤٦/١.
(٦) "المبسوط": كتاب الصوم ٦٤/٣.
(٧) "النهر": كتاب الصوم ق١١٩/أ.

قسم العبادات
٢٢٨
حاشية ابن عابدين
قَضَى فقط) فيهما لشُبهةِ الرَّدِّ (واختلَفَ) المشايخُ لعدمِ الرِّواية عن المتقدِّمين (فيما
إذا أفطَرَ قبل الرَّدِّ) لشهادته (والرَّاجحُ عدمُ وجوبِ الكفّارةِ) وصحَّحَهُ غيرُ واحدٍ؛
لأنَّ ما رآه يحتملُ أن يكون خيالاً لا هلالاً،.
أكثرِ المعتبرات من التصريح بالوجوب، "نوح".
قلت: والظاهرُ أنَّ المراد بالوجوبِ المصطلحُ لا الفرضُ؛ لأنَّ كونَهُ من رمضان ليس
قطعيًّاً، ولذا ساغَ القولُ بندبِ صومه، وسقطت الكفَّارةُ بفطرِهِ، ولو كان قطعيَّاً لَلَزِمَ الناسَ
صومُهُ، على أنَّ "الحسنَ" و"ابنَ سيرين" و"عطاءً" قالوا: (( لا يصومُ إلاَّ مع الإمام)(١) كما
نقّلَهُ في "البحر"(٢)، فافهم.
[٨٩٠٧] (قولُهُ: قَضَى فقط) أي: بلا كفَّارةٍ.
[٨٩٠٨] (قولُهُ: لشبهةِ الرَِّّ) علَّةٌ لِما تضمَّنَهُ قوله: ((فقط)) من عدمٍ لزوم الكفّارة، أي:
أنَّ القاضيَ لَمَّا رَدَّ قوله بدليلٍ شرعيٍّ أورَتَ شبهةً، وهذه الكفَّارةُ تندرئُ بالشُّبهات، "هداية(٢).
ولا يخفى أنَّ هذه علَّةٌ لسقوطِ الكفّارة في هلالِ رمضان، أمَّا في هلالِ الفطرِ فلكونه يومَ عيدٍ عنده
كما في "النهر "(٤) وغيره، وكأنّه ترَكَهُ لظهوره.
[٨٩٠٩] (قولُهُ: قبلَ الرَّدِّ لشهادِهِ) وكذا لو لم يَشهَدْ عند الإمام وصام ثمَّ أفطَرَ كما
في "السراج"
"(٥)
[٨٩١٠] (قولُهُ: لأنَّ ما رآه إلخ) يُروَى أنَّ "عمر"الظَّهِ أَمَرَ الذي قال: رأيتُ الهلال أنْ يمسحَ
حاجبيه بالماء، ثمَّ قال له: (( أين الهلال؟)) فقال: فقدتُهُ، فقال: ((شعرةٌ قامَتْ بين حاجبيك
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٨٥/٢ كتاب الصيام - باب ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه الصيام من كلام مطرف بن
عمار والشعبيّ .
(٢) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٦/٢.
(٣) "الهداية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ١٢١/١ بتصرف.
(٤) "النهر": كتاب الصوم ق ١١٩/أ.
(٥) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨٣/أ.

الجزء السادس
٢٢٩
کتاب الصوم
وأمَّا بعد قبولِهِ فتحبُ الكفَّارة ولو فاسقاً في الأصحِّ.
(وَقُبُلَ بلا دعوى و) بلا (لفظِ أَشْهَدُ) وبلا حكمٍ ومجلسِ قضاءٍ؛
فحَسِبتَها هلالاً))(١)، "سراج"(٢). قال "ح"(٣): ((وهذا إنما يصلحُ تعليلاً لعدم الكفَّارة في هلال
رمضان، أمَّ في هلال شوَّالِ فإنما لا يجبُ لأَنْه يومُ عيدٍ عنده على نسقِ ما تقدَّمَ)).
[٨٩١١] (قولُهُ: وأمَّا بعدَ قبولِهِ) أي: في هلالِ رمضان، "ط)"(٤).
[٨٩١٢] (قولُهُ: في الأصحِّ) لأَنَّه يومُ صومِ الناس، فلو كان عدلاً ينبغي أنْ لا يكون
في وجوبِ الكفَّارة خلافٌ؛ لأنَّ وجهَ نفيها كونُهُ ممن لا يجوزُ القضاء بشهادته، وهو منتفٍ،
"بحر"(٥) عن "الفتح"(٦). وقوله: ((ممن لا يجوزُ)) أي: لا يحلُّ؛ لأنَّ القضاء بشهادةِ الفاسق صحيحٌ
وإِنْ أَثِمَ القاضي.
(٨٩١٣] (قولُهُ: وَقُبِلَ إلخ) هذا أَولى من قول "الكنز)"(٧): ((ويثبُتُ رمضانُ))، لِما
في "البحر"(٨): ((من أنَّ الصوم لا يتوقّفُ على الثبوتِ، وليس يلزمُ من رؤيته ثبوتُهُ؛ لأنَّ مجيئه
لا يدخلُ تحت الحكم))، وفي "الجوهرة"(٩): ((لو شَهِدَ عند الحاكم رجلٌ ظاهرُهُ العدالةُ، وَسَمِعَهُ
رجلٌ وجَبَ عليه الصوم؛ لأَنَّه قد وجَدَ الخبرَ الصحيح)).
(١) ذكره سبط ابن الجوزي في "إيثار الإنصاف" صـ٨٣ -.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨٣/أ.
(٣) "ح": كتاب الصوم ق١٢٦/أ.
(٤) "ط": كتاب الصوم ٤٤٦/١.
(٥) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٦/٢.
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥٠/٢.
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الصوم ٩٨/١.
(٨) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٤/٢ بتصرف يسير.
(٩) "الجوهرة النيرة": كتاب الصوم ١٦٨/١.

قسم العبادات
٢٣٠
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه خبرٌ لا شهادةٌ (للصَّومِ مع علَّةٍ كغيمٍ) وغبارٍ (خَبَرُ عَدْلٍ) أو مستورٍ - على ما
صحَّحَهُ "البزَّازيُّ"(١) على خلافٍ ظاهر الرِّواية -.
قلت: وأمَّا قوله فيما سيأتي(٢): ((وطريقُ إثبات رمضان إلخ)) فالمرادُ إثباته ضمناً لأجلِ
أنْ يُثبتَ ما علَّقَ عليه من الوكالة، ولذا يلزمُ فيه [٢/ق٢٩٤/أ] الدَّعوى والحكمُ، والمنفيُّ دخولُهُ
تحت الحكم قصداً، وكم من شيءٍ يثبتُ ضمناً لا قصداً كما في بيع الشِّربِ والطريق، فليس إثباتُهُ
لأجلٍ صومه كما وَهِمَ.
[٨٩١٤] (قولُهُ: لأَنَّه خبرٌ لا شهادةٌ) قال في "الهداية"(٣): ((لأَنَّه أمرٌ دينيٌّ، فأشبَهَ روايةً
الأخبار)).
[٨٩١٥] (قولُهُ: خبرُ عدلِ (٤) العدالةُ: مَلَكَةٌ تَحمِلُ على ملازمةِ التقوى والمروءة، والشَّرطُ
أدناها، وهو تركُ الكبائرِ والإصرارِ على الصَّغائر، وما يُخِلُّ بالمروءة، ويلزمُ أنْ يكون مسلماً عاقلاً
بالغاً، "بحر "(٥).
[٨٩١٦] (قولُهُ: على ما صحَّحَهُ "البزَّازيُّ"(٦)) وكذا صحَّحَهُ في "المعراج" و"التجنيس"، وقال
في "الفتح"(٧): ((وهو روايةُ "الحسن"، وبه أخَذَ "الحلوانيُّ"، ومشى عليه في "نور الإيضاح "(٨)،
(قولُهُ: العدالةُ: ملكةٌ تَحمِلُ على ملازمةِ النَّقوى إلخ) النَّقوى: تركُ ما يُذَمُّ شرعاً، والمروءة: تركُ ما
يُذَمُّ عُرْفاً.
(١) "البزازية": كتاب الصوم - الفصل الأول في الشهادة على الهلال ٩٣/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) صـ٢٤٠- وما بعدها "در".
(٣) "الهداية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ١٢١/١.
(٤) في "د" زيادة: ((قال في "الذخيرة": أحسن ما قيل في تفسير العدل: أن يكون مجتنباً الكبائر، ولا يكون مُصِرَّاً على
الصغائر، ويكون صلاحه أكثر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه. وفي "الينابيع": العدل مَن لم يُطعن
في بطنٍ ولا فرج، أي: لا يقال: إنه أكل الربا، "منح")).
(٥) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٧/٢.
(٦) "البزازية": كتاب الصوم - الفصل الأول في الشهادة على الهلال ٩٣/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥٠/٢ بتصرف.
(٨) "نور الإيضاح": كتاب الصوم - فصل فيما يثبت فيه الهلال ويوم الشك وغيره صـ٢٩٤ -.

الجزء السادس
٢٣١
كتاب الصوم
لا فاسقِ اتّفاقاً، وهل له أن يشهدَ مع علمِهِ بفسقه؟ قال "البزَّازيُّ"(١): ((نعم؛ لأنَّ
القاضيَ ربما قَبِلَهُ)) (ولو) كان العدلُ (قًِّ أو أنثى أو محدوداً في قذفٍ تابَ) بَيَّنَ
كيفيَّةَ الرُّؤيةِ أوَّلاً.
وأقولُ: إنَّه ظاهرُ الرِّواية أيضاً، فقد قال "الحاكم الشَّهيد" في "الكافي"(٢) الذي هو جمعُ كلام
"محمَّدٍ" في كتبه التي هي ظاهرُ الرِّواية(٣) ما نصُّهُ: وَتُقبَلُ شهادةُ المسلم والمسلمة عدلاً كان الشَّاهدُ
أو غيرَ عدلٍ)) اهـ. والمرادُ بغير العدل المستورُ كما سيأتي(٤) قريباً.
٩٠/٢
[٨٩١٧] (قولُهُ: لا فاسقِ اتّفاقاً) لأنَّ قوله في الدِّيانات غيرُ مقبولٍ، أي: في التي يتيسَّرُ تلقّها
من العُدُول كرواية الأخبار، بخلاف الإخبار بطهارة الماء ونجاسته ونحوه، حيث يتحرَّى في خبره
فيه؛ إذ قد لا يَقدِرُ على تلقِّيها من جهةِ العُدُول، وقولُ "الطحاويِّ(٥): ((أو غيرِ عدلٍ)) محمولٌ
على المستورِ كما هو روايةُ "الحسن"؛ لأنَّ المراد بالعدل من تبتُتُ عدالته، ولا ثبوتَ في المستور،
أمَّا مع تَبُّنِ الفسق فلا قائلَ به عندنا، وعليه تفرَّعَ ما لو شهدوا في آخرِ رمضانَ برؤية هلاله قبل
صومهم بيومٍ، إِنْ كانوا في المصرِ رُدَّتْ لتركهم الحِسْبةَ، وإنْ جاؤوا من خارجٍ قُلَتْ،
من "الفتح"(٦) ملخّصاً.
[٨٩١٨] (قولُهُ: وهل له أنْ يَشْهَدَ إلخ) قال "الحلوانيُّ": ((يلزمُ العدلَ - ولو أَمةً أو مُخدَّرَةً -
أنْ يشهدَ في ليلته كيلا يُصبحوا مُفطرين، وهي من فروضِ العَين، وأمَّا الفاسقُ إنْ عَلِمَ أنَّ الحاكم
يميلُ إلى قول "الطحاويِّ" ويقبلُ قوله يجبُ عليه، وأمَّ المستورُ ففيه شبهةُ الرِّوايتين))، "معراج".
(١) "البزازية": كتاب الصوم - الفصل الأول في الشهادة على الهلال ٩٤/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) انظر "المبسوط": كتاب الاستحسان ١٦٨/١٠ بتصرف يسير.
(٣) من ((أيضاً)) إلى ((الرواية)) ساقط من "الأصل" .
(٤) في المقولة التالية.
(٥) "مختصر الطحاوي": كتاب الصيام صـ٥٦ -.
(٦) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥٠/٢.

قسم العبادات
٢٣٢
حاشية ابن عابدين
على المذهب، وتُقبَلُ شهادةُ واحدٍ على آخرَ كعبدٍ وأنثى ولو على مثلِهما، ويجبُ على
الجاريةِ المخدَّرةِ أنْ تخرجَ في ليلتها بلا إذنِ مولاها وتشهدَ كما في "الحافظيَّةِ"(١).
قلت: وقولُهُ: ((إِنْ عَلِمَ إلخ)) مبنيٌّ على ظاهرِ قول "الطحاويِّ" من قبولٍ ظاهر الفسق، فإذا
كان اعتقادُ القاضي ذلك يجبُ أنْ يشهدَ، وقولُ "الشارح": ((وهل له)) يفيدُ عدمَ الوجوب بناءً
على عدمٍ علمه باعتقاد القاضي كما هو مُفادُ التعليل بقوله: ((لأنَّ [٢/ق٢٩٤/ب] القاضيَ ربَّما
قَبَلَهُ))، تأمَّل.
[٨٩١٩] (قولُهُ: على المذهبِ) خلافاً للإمام "الفضليّ" حيث قال: ((إنما يُقبَلُ الواحدُ العدلُ
إذا فسَّرُ وقال: رأيتُهُ خارجَ البلدِ في الصحراء، أو يقول: رأيتُهُ في البلدةِ من بين خَلَلِ السَّحاب، أمَّا
بدون هذا التفسيرِ فلا يُقبَلُ))، كذا في "الظهيرِيَّةِ"(٢)، "بحر"(٣).
[٨٩٢٠] (قولُهُ: وتُقُبَلُ شهادةُ واحدٍ على آخرَ) بخلافِ الشَّهادة على الشَّهادة في سائرِ
الأحكام، حيث لا تُقبَلُ ما لم يشهدْ على شهادةِ كلِّ رجلٍ رجلان أو رجلٌ وامرأتان، "ح(٤).
[٨٩٢١] (قولُهُ: كعبدٍ وأنثى) أي: كما تُقبَلُ شهادةُ عبدٍ وأنتى.
[٨٩٢٢] (قولُهُ: ولو على مثلهما) أفاد بهذا التعميمٍ قبولَ شهادتهما على شهادةِ حرِّ أو ذكرِ،
وهو بحثٌ لصاحب "النهر"(٥)، وقال: ((ولم أره)).
[٨٩٢٣] (قولُهُ: ويجبُ على الجاريةِ المخدَّرةِ) أي: التي لا تخالطُ الرِّجال، وكذا يجبُ على
الحَرَّة أنْ تخرج بلا إِذْنِ زوجها، وكذا غيرُ المخدَّرةِ والمزوَّجةِ بالأَولى، قال "طـ" (٦): ((والظاهرُ أنَّ
محلَّ ذلك عند توقُّفِ إثباتِ الرُّؤية عليها، وإلاَّ فلا)).
[٨٩٢٤] (قولُهُ: في ليلتِها) أي: ليلةِ الرُّؤية.
(١) "الفتاوى الحافظية": ذكرها حاجي خليفة في "كشف الظنون" ١٢٢٢/٢، ولم يذكر عنها شيئاً.
(٢) "الظهيرية": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ق٥٤/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصوم ٢٨٧/٢.
(٤) "ح": كتاب الصوم ق١٢٦/أ بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب الصوم ق ١١٩/أ.
(٦) "ط": كتاب الصوم ٤٤٦/١.

الجزء السادس
٢٣٣
کتاب الصوم
(وشُرِطَ لِلفِطْر) مع العلَّةِ والعدالةِ (نِصابُ الشَّهادةِ ولفظُ أَشْهَدُ) وعدمُ الحدِّ في
قذفٍ لتعلَّقِ نفعِ العبد، لكنْ (لا) تُشترَطُ (الدَّعوى) كما لا تُشترَطُ في عتق الأمة
وطلاق الحرّة.
[٨٩٢٥] (قولُهُ: مع العلَّةِ) أي: من غيمٍ وغبارٍ ودخانٍ.
[٨٩٢٦] (قولُهُ: نصابُ الشَّهادة) أي: على الأموال، وهو رجلان أو رجلٌ وامر أتان.
[٨٩٢٧] (قولُهُ: لتعلُّقِ نفعِ العبد) علَّةٌ لاشتراطِ ما ذكَرَ في الشَّهادة على هلال الفطر بخلاف
هلالِ الصوم؛ لأنَّ الصوم أمرٌ دينيٌّ، فلم يُشترَط فيه ذلك، أمَّا الفطرُ فهو نفعٌ دنيويٌّ للعبادِ، فأشْبَهَ
سائرَ حقوقهم، فيُشترَطُ فيه ما يُشترَطُ فيها.
[٨٩٢٨] (قولُهُ: لكنْ لا تُشترَطُ الدَّعوى إلخ) قال في "الفتح"(١) عن "الخانَيَّةَ"(٢): ((وأمَّا
الدَّعوى فينبغي أنْ لا تُشترَطَ كما في عتقِ الأمة وطلاقِ الحرَّةِ عند الكلِّ، وعتقِ العبد في قولهما،
وأمَّا على قياس قوله فينبغي أنْ تُشترَطَ الدَّعوى في الهلالين)) اهـ. أي: قياسُ قول "الإِمام" باشتراطِ
الدَّعوى في عتق العبد اشتراطُها أيضاً في الهلالين، لكنْ حزَمَ في "الخالنَّة"(٣) بعدم اشتراطها في
هلالِ رمضان، ثمَّ ذكر هذا البحثَ، وفيه نظرً؛ لأنَّ اشتراط الدَّعوى عنده في عتق العبد؛ لأَنَّه حقُّ
عبدٍ بخلاف الأمة، فإنَّ فيه مع حقِّ العبد حقَّ الله تعالى، وهو صيانةُ فَرْجِها، والفطرُ وإنْ كان فيه
حقُّ عبدٍ لكنْ فيه حقُّ الله تعالى لحرمةِ [٢/ق ٢٩٥/ أ] صومه ووجوبِ صلاة العيد، فهو بعتقِ الأمة
أشبهُ، فلا تُشترَطُ فيه الدَّعوى، ولذا جزَمَ به "الشارح" تبعاً لغيره، أفادَهُ "الرَّحْمَتَيُّ".
[٨٩٢٩] (قولُهُ: وطلاقِ الحرَّةِ) مفهومُهُ أنَّ الزَّوجة الرَّقيقة يُشترَطُ فيها الدَّعوى، والذي
في "جامع الفصولين"(٤) الإطلاقُ، لكنَّه هنا يُشترَطُ حضورُ الزَّوج والسِّد في العتق، "ط "(٥).
(١) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥٢/٢.
(٢) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الأول في رؤية الهلال ومن يجب عليه الصوم ومن لا يجب ١٩٦/١ بتصرف يسير
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الخانية": كتاب الصوم - الفصل الأول في رؤية الهلال ومن يجب عليه الصوم ومن لا يجب ١٩٦/١ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٤) "جامع الفصولين": الفصل الثاني عشر فيما تسمع فيه الشهادة بلا دعوى وفي الشهادة بالتسامع ١٦٨/١.
(٥) "ط": كتاب الصوم ٤٤٦/١.

قسم العبادات
٢٣٤
حاشية ابن عابدين
(ولو كانوا ببلدةٍ لا حاكمَ فيها صاموا بقولِ ثِقَةٍ وأفطروا بإخبارِ عَدْلين) مع العلّة
(للضَّرورة) ولو رآه الحاكمُ وحدَهُ خُيِّرَ في الصوم بين نَصْبِ شاهدٍ وبين أَمْرِهم بالصوم
[٨٩٣٠] (قولُهُ: ببلدةٍ) أي: أو قريةٍ، قال في "السِّراج"(١): ((ولو تفرَّدَ واحدٌ برؤيته في قريةٍ
ليس فيها وال، ولم يأتِ مصراً ليشهدَ وهو ثقةٌ يصومون بقوله)) اهـ.
قلت: والظاهرُ أَنَّه يلزمُ أهلَ القرى الصومُ بسماع المدافع أو رؤية القناديل من المصر؛
لأَنّه علامةٌ ظاهرٌ تفيدُ غلبة الظنِّ، وغلبةُ الظنِّ حجَّةٌ مُوجِبةٌ للعمل كما صرَّحُوا به، واحتمالُ
كون ذلك لغير رمضان بعيدٌ؛ إذ لا يُفْعَلُ مثلُ ذلك عادةً في ليلة الشكِّ إلاَّ لثبوتِ رمضان.
[٨٩٣١] (قولُهُ: لا حاكمَ فيها) أي: لا قاضيَ ولا واليَ كما في "الفتح"(٢).
[٨٩٣٢) (قولُهُ: صامُوا بقولِ ثقةٍ) أي: افتراضاً؛ لقول "المصنّف" في "شرحه"(٣): ((وعليهم
أنْ يصوموا بقوله إذا كان عدلاً)) اهـ "ط" (٤).
(٨٩٣٣] (قولُهُ: وَأَفطَرُوا إلخ) عبارةُ غيره: ((لا بأس أن يُفطِروا))، والظاهرُ أنَّ المراد به
الوجوبُ أيضاً، والتعبيرُ بنفي البأس لأَنَّه مظِنّةُ الحرمة كما في نفي الجناح في قوله تعالى:
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النّساءِ - ١٠١]، ومثلُهُ كثيرٌ في كلامهم، فافهم.
[٨٩٣٤] (قولُهُ: مع العلَّةِ) قيدٌ لقوله: ((صاموا)) و ((أفطَروا)).
[٨٩٣٥] (قولُهُ: الضَّرورةِ) أي: ضرورةٍ عدم وجود حاكمٍ يشهدُ عنده.
[٨٩٣٦] (قولُهُ: بين نَصْبِ شاهدٍ) أي: يُحمِّلُهُ شهادتَهُ، أفاده "ح"(٥)، لكنَّ عبارة
"الجوهرة"(٦): ((بين أنْ يَنصُبَ مَن يشهدُ عنده إلخ))، والظاهرُ أنَّ المعنى أنَّ الحاكم يَنصُبُ رجلاً
(١) "السراج الوهاج": كتاب الصوم - فروع ١/ق ٤٨٤/أ.
(٢) "الفتح": كتاب الصوم - فصل في رؤية الهلال ٢٥٢/٢.
(٣) "المنح": کتاب في بيان أحكام الصوم ق ٩٠/ب.
(٤) "ط": كتاب الصوم ٤٤٦/١.
(٥) "ح": كتاب الصوم ق١٢٦/أ.
(٦) "الجوهرة النيرة": كتاب الصوم ١٦٨/١.

الجزء السادس
٢٣٥
كتاب الصوم
بخلاف العيد كما في "الجوهرة".
ولا عبرةَ بقول الموقّتين ولو عُدُولاً على المذهب، قال في "الوهبانيَّة"(١): [طويل]
وقولُ أُولِي التَّوقيتِ ليس بِمُوجِبٍ
نائباً عنه ليشهدَ عند ذلك النائب كما قالوا فيما لو وقعت للحاكم خصومةٌ مع آخرَ: يَنصُبُ نائباً
ليتحاكما عنده؛ إذ لا يصحُّ حكمُهُ لنفسه، ويدلُّ على ذلك أنّه وقَعَ في بعض النسخ: ((نائبٍ))
بدل ((شاهدٍ)).
[٨٩٣٧] (قولُهُ: بخلافِ العيد(٢)) أي: هلال العيد؛ إذ لا يكفي فيه الواحدُ.
٩١/٢
مطلبٌ: لا عبرةَ بقول الموقّتين في الصوم
[٨٩٣٨] (قولُهُ: ولا عبرةَ بقول الموقّتين) أي: في وجوبِ الصوم على الناس، بل في "المعراج":
((لا يُعتبرُ قولهم بالإجماع، ولا يجوزُ للمنجِّم أنْ يعملَ بحساب نفسه))، وفي "النهر"(٣): ((فلا يلزمُ
يقولِ الموقّتين: إنَّه - أي: الهلالَ - يكونُ في السَّماءِ [٢/ق٢٩٥/ب] ليلةً كذا وإِنْ كانوا عُدُولاً
في الصحيح كما في "الإيضاح"، وللإمام "السُّبكيِّ" الشافعيِّ تأليفٌ(٤) مالَ فيه إلى اعتمادِ قولهم؛
لأنَّ الحساب قطعيٌّ)) اهـ. ومثلُهُ في "شرح الوهبانيَّة"(٥).
(١) "الوهبانية": فصل من كتاب الصوم ق١٦/أ (هامش "المنظومة المحبية").
(٢) في "د" زيادة: ((أي: إذا رأى الإمامُ وحده أو القاضي وحده هلال شوال فإنه لا يخرج إلى المصلى ولا يأمر الناس
بالخروج، ولا يفطر لا سراً ولا جهراً. وقال بعضهم: إنْ تيقُّن أفطر سراً، وكذا غير القاضي إذا رأى هلال شوال
فهو على هذا؛ فإن أفطر كان عليه القضاء دون الكفارة. وإن لم يثبت أنَّ شهادة الواحد مقبولة في هلال رمضان
مع الغيم وصاموا بتمام ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال هل يفطرون؟ فعندهما لا يفطرون ويصومون يوماً آخر، وقال
محمد: يفطرون. قال ابن سماعة: قلت لمحمد: إذا أفطروا بشهادة واحد؟ قال: إني لا أتهم المسلم،
ولو صاموا بشهادة شاهدين أفطروا عند كمال العدد بالإجماع، انتهى. والله أعلم، "جوهرة")).
(٣) "النهر": كتاب الصوم ق١١٨/أ باختصار.
(٤) هو "الأدلة في إثبات الأهلة"، لتقي الدين السبكي (ت٧٥٦هـ). ("الأعلام" ٣٠٢/٤).
(٥) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الصيام ق ٦٠/ب.
..

قسم العبادات
٢٣٦
حاشية ابن عابدين
مطلبٌ: ما قاله "السبكيُّ" من الاعتماد على قول الحُسَّاب مردودٌ
قلت: ما قاله "السُّبكيُّ" ردَّهُ متأخّرُوا أهلِ مذهبه، ومنهم "ابن حجرٍ"(١) و"الرمليُّ)(٢) في
شرحي "المنهاج"، وفي "فتاوى الشِّهاب الرمليِّ" الكبير الشافعيّ(٣) سُئِلَ عن قول "السُّبكيِّ" لو
شَهِدتْ بِيِّنّةٌ برؤية الهلال ليلةَ الثلاثين من الشهر، وقال: ((الحسابُ بعدم إمكانِ الرُّؤية تلك الليلةَ
عملٌ بقول أهل الحساب؛ لأنَّ الحساب قطعيٌّ والشهادةَ ظنّةٌ))، وأطال في ذلك، فهل يُعمَلُ بما
قاله أم لا؟ وفيما إذا رُؤِيَ الهلالُ نهاراً قبل طلوع الشمس يوم التاسع والعشرين من الشهر،
وشَهِدَتْ بَيِّةٌ برؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان، فهل تُقبَلُ الشَّهادة أم لا؟ لأنَّ الهلال إذا
كان الشهرُ كاملاً يغيبُ ليلتين، أو ناقصاً يغيبُ ليلةً أو غابَ الهلالُ الليلةَ الثالثة قبل دخول وقت
العشاء؛ لأَنَّه ◌َ﴿ كان يصلّي العشاءَ لسقوط القمر(٤) الثالثةَ هل يُعمَلُ بالشَّهادة أم لا؟ فأجاب:
((بأنَّ المعمول به في المسائلِ الثلاث ما شَهِدتْ به البَِّةُ؛ لأنَّ الشَّهادة نزَّلَها الشارع(٥) منزلةً اليقين،
(١) "تحفة المحتاج": كتاب الصيام ٣٨٢/٣.
(٢) "نهاية المحتاج": كتاب الصوم ١٥٠/٣.
(٣) "فتاوى الرملي"٥٨/١ (هامش " الفتاوى الكبرى الفقهية")، وهي لأبي العباس أحمد بن حمزة ، شهاب الدين
الرملي الكبير (ت ٩٥٧هـ)، جمعها ابنه محمد شمس الدين المعروف بالشافعي الصغير (ت١٠٠٤هـ). ("إيضاح
المكنون" ١٥٦/٢، "خلاصة الأثر" ٣٤٢/٣، " الكواكب السائرة " ١١٩/٢، " الأعلام " ١٢٠/١ - ٧/٦).
(٤) أخرجه الطاليسي (٧٩٧)، وابن أبي شيبة ٣٦٤/١ كتاب الصلاة - باب في العشاء الآخرة تُعجل أو تُؤخر، وأحمد
٢٧٤،٢٧٠/٤، وأبو داود (٤١٩) كتاب الصلاة - باب في وقت العشاء الآخرة، والترمذي (١٦٥) و(١٦٦) كتاب
الصلاة - باب ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخرة، والنسائي ٢٦٤/١ -٢٦٥ كتاب المواقيت - باب الشفق،
والدارمي ٢٩٢/١ كتاب الصلاة - باب وقت العشاء، والدار قطني ٢٦٩/١ - ٢٧٠ كتاب الصلاة - باب في صفة
صلاة العشاء الآخرة، و الحاكم ١٩٤/١ - ١٩٥ كتاب الصلاة - باب وقت صلاة العشاء، وصححه ووافقه الذهبيُّ،
والبيهقي في "السنن الكبرى" ٤٤٨/٤ -٤٤٩، كتاب الصلاة - باب من قال بتعجيل العشاء، وابن حبان (١٥٢٦)،
كتاب الصلاة - باب مواقيت الصلاة، كلُّهم من طريق النعمان بن بشير
(٥) في "الأصل": ((الشارح))، وهو تحريف.