النص المفهرس

صفحات 121-140

الجزء السادس
١١٧
باب المصرف
لِما مرَّ (وإنْ بانَ غِناهُ أو كونُهُ ذمِّياً أو أَنَّه أبوه أو ابْتُهُ أو امرأتُهُ أو هاشميٌّ لا) يعيدُ؛ ..
حربّاً))، إلاَّ أنْ يقال: إنَّ معناه لا يحرُمُ بل تركُهُ أَولِى، فلا يكونُ قربةً، فتأمَّل. وفي "شرح الكنز"
لـ "بن الشلبيّ": ((قال في "كفاية البيهقيّ"(١): دفَعَ إلى حربيٍّ خطأً، ثمَّ تَبَيَّنَ جاز على روايةٍ
"الأصل)(٢)، ورَوَى "أبو يوسف" عن "أبي حنيفة" أنّه لا يجوزُ، وهو قولُهُ اهـ قال "الأقطع":
وقال "أبو يوسف": لا يجوزُ، وهو أحدُ قولي "الشافعيّ"، وقولُهُ الآخرُ مثلُ قول "أبي حنيفة"، قال
في "مشكلات خواهر زاده"(٣): الإجماعُ منعقدٌ أنّه لو كان مستأمناً أو حربيّاً تجبُ الإعادة اهـ.
ونَصَّ في "المختار "(٤) على الجوازِ، وإطلاقُ "الكنز" يدلُّ عليه)) اهـ كلامُ "ابن الشلبيّ".
قلت: وكذا إطلاقُ "الهداية"(٥) و"الملتقى"(٦) الكافرَ يدلُّ على الجوازِ، وما نقَلَهُ عن "الأقطع)"
يدلُّ على أنَّه قولُ إمامِ المذهب، فحكايةُ الإجماع على خلافه في غيرِ محلِّها.
[٨٦١٠] (قولُهُ: لِما مرَّ(٧) أي: في قولِهِ: ((فجميعُ الصدقاتِ لا تجوزُ له اتفاقاً)).
[٨٦١١] (قولُهُ: أو كونُهُ ذهِّيَّاً) عدَلَ عن تعبيرِ "الهداية" وغيرها بالكافرِ بناءً على ما مرَّ(1).
[٨٦١٢] (قولُهُ: لا يعيدُ) أي: خلافاً لـ "أبي يوسف".
(١) المسمّى "كفاية الفقهاء" لأبي القاسم إسماعيل بن الحسين بن عبد الله، شمس الدين البيهقي (ت ٤٠٢ هـ)، وهو
مختصر "شرح أبي الحسين القدوري" (ت ٤٢٨ هـ) لـ "مختصر أبي الحسن الكرخي" (ت ٣٤٠ هـ). ("كشف
الظنون" ١٤٩٨/٢، ١٦٣٢، "الجواهر المضية" ٣٩٨/١، "الطبقات السنية" ١٨٢/٢).
(٢) "الأصل": كتاب الزكاة - باب الذهب والفضة والركاز والمعدن والرصاص والنحاس والحديد والجوهر وغير ذلك
٠١٣٠/٢
(٣) لم نهتد إلى معرفته.
(٤) انظر "الاختيار": كتاب الزكاة - باب مصارف الزكاة ١٢٢/١.
(٥) "الهداية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١١٤/١.
(٦) "ملتقى الأبحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ١٩٢/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٧) ص ١١٤ - "در".
(٨) المقولة [٨٦٠٩] قوله: ((أو حربي)).

قسم العبادات
١١٨
حاشية ابن عابدين
لأَنَّه أتى بما في وُسعِهِ، حتّى لو دفَعَ بلا تَحَرِّ لم يَحُزْ إِنْ أخطأ.
(وكُرِهَ إعطاءُ فقيرِ نِصاباً) أو أكثرَ (إِلَّ إذا كان) المدفوعُ إليه (مديوناً أو) كان
(صاحبَ عيالٍ)
[٨٦١٣] (قولُهُ: لأَنَّه أتى بما في وُسعِهِ) أي: أتى بالتمليكِ الذي هو الرُّكنُ على قَدْرِ وُسعه؛
إذ ليس مُكلَّفاً إذا دفَعَ في ظُلمةٍ مثلاً بأنْ يسأل عن القابض مَن أنت؟ وبقولنا: أتى بالتمليك
يندفعُ ما قد يقال: إنَّه لو دفَعَ إلى عبده أو مكاتبه يكونُ آتياً بما في وُسعِهِ، لكنْ يَرِدُ عليه الحربيُّ
لحصولِ التمليك، وهذا يؤيِّدُ ما مرَّ(١) من عدمٍ وجوب الإعادة فيه، والتعليلُ بعدم وجود صفة
القربة محلُّ نظرٍ، فتدبَّر.
[٨٦١٤] (قولُهُ: ولو دفَعَ بلا تَحَرِّ(٢) أي: ولا شكِّ كما في "الفتح"(٣)، وفي
"الْقُهُستانيِ) (٤): ((بأنْ لم يخطر بباله أَنَّه مصرفٌ أَوْ لا))، وقولُهُ: ((لم يَحُزْ إنْ أخطَأَ)) أي: إِنْ
تَبَّنَ له أَنَّه غيرُ مَصرِفٍ، فلو لم يظهر له شيءٌ فهو على الجوازِ، وقدَّمنا(٥) ما لو شكَّ فلم يتحرَّ،
أو تحرَّى وغلَبَ على ظنّهِ أَنَّه غيرُ مصرفٍ.
( تنبيةٌ )
في "القُهُستانيِّ"(٦) عن "الزاهديِّ": ((ولا يَسترِدُّ منه لو ظهَرَ أَنَّه عبدٌ أو حربيٍّ، وفي
الهاشميِّ روايتان، ولا يَسترِدُّ في الولدِ والغنيِّ، وهل يطيبُ له؟ فيه خلافٌ، وإذا لم يَطِبْ قيل:
[٢/ق٢٦٨/أ] يتصدَّقُ، وقيل: يَرُدُّ على المعطي)) اهـ.
[٨٦١٥] (قولُهُ: وكُرِهَ إعطاءُ فقيرٍ نصاباً أو أكثرَ) وعن "أبي يوسف": لا بأس بإعطاءِ قدْرِ
(قولُهُ: وفي الهاشميِّ روايتان إلخ) بناءً على حلِّ النافلة لهم وعدمِهِ، فإذا قيل بعدم الحلِّ لا يصحُّ
التمليك فُسترَدُّ.
(١) المقولة [٨٦٠٩] قوله: ((أو حربي)).
(٢) قوله: ((ولو دفع بلا تحر)) هکذا بخطه، والذي في نسخ الشارح: حتی لو دفع الخ اه مصححه.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٥/٢.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل: مصرف الزكاة ٢٠٩/١.
(٥) المقولة [٨٦٠٦] قوله: ((لمن يظنه مصرفاً)).
(٦) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل: مصرف الزكاة ٢٠٩/١.

الجزء السادس
١١٩
باب المصرف
بحيث (لو فرَّقَهُ عليهم لا يَخُصُّ كلاً أوْ لا يفضُلُ بعدَ دَيْنِه (نصابٌ) فلا يكره،
"فتح"(١).
(و) كُرِهَ (تَقْلُها إلاَّ إلى قرابةٍ).
النّصاب وكُرِهَ الأكثرُ؛ لأنَّ جزءاً من النّصاب مُستحَقٌ لحاجته للحال، والباقي دونَهُ، "معراج". وبه
ظهَرَ وجهُ ما في "الظهيرِيَّةِ"(٢) وغيرها: ((عن "هشام)" قال: سألتُ "أبا يوسف" عن رجلٍ له مائةٌ
وتسعةٌ وتسعون درهماً، فُتُصُدِّقَ عليه بدرهمين قال: يأخذ واحداً ويَرُدُّ واحداً)) اهـ.
فما في "البحر"(٣) و"النهر"(٤) هنا غيرُ محرَّرِ، فتدبّر.
وبه ظهَرَ أيضاً أنَّ دفع ما يُكمِّلُ النّصابَ كدفع النّصاب، قال في "النهر"(٥): ((والظاهرُ أَنَّه
لا فرقَ بين كون النّصابِ نامياً أَوْ لا، حتّى لو أعطاه عُرُوضاً تبلغُ نصاباً فكذلك، ولا بين كونه
من النقود أو من الحيوانات، حتَّى لو أعطاه خَمساً من الإِبل لم تبلغ قيمتها نصاباً كره لِما مرَّ))
اهـ. وفي بعض النسخ: ((تبلغُ)) بدون ((لَمْ))، والأنسبُ الأوَّل.
[٨٦١٦] (قولُهُ: بحيث لو فرَّقَهُ عليهم) أي: على العيالِ، فهو راجعٌ إلى قوله: ((أو كان
صاحبَ عيالٍ))، قال في "المعراج": ((لأنَّ التصدُّقَ عليه في المعنى تصدُّقْ على عياله))، وقولُهُ:
((أَوْ لا يفضُلُ)) معطوفٌ على قوله: ((لو فرَّقَهُ))، وهو راجعٌ إلى قوله: ((مديوناً))، ففيه لفّ
ونشرٌ غيرُ مرَتَّبٍ، وقولُهُ: ((نصابٌ)) تنازَعَ فيه (َيَخُصُّ)) و((يفضُلُ))، فافهم.
[٨٦١٧] (قولُهُ: وكُرِهَ نقلُها(٦)) أي: من بلدٍ إلى بلدٍ آخر؛ لأنَّ فيه رعايةَ حقِّ الجوار،
(١) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٧/٢.
(٢) "الظهيرية": كتاب الزكاة - المقطعات ق ٥٤/أ.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٨/٢.
(٤) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٤/أ.
(٥) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٤/أ.
(٦) وفي "د" زيادة: ((قال الزيلعي: فأما كراهة النقل لغير هذين الغرضين، فلقوله التعليم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:
أُعَلِمْهم أنَّ عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم)).

قسم العبادات
١٢٠
حاشية ابن عابدين
بل في "الظهيريَّة": ((لا تُقبَلُ صدقةُ الرَّجُل وقرابتُهُ مَحَاوِيجُ حتَّى يبدأَ بهم فَيَسُدَّ
حاجتهم )) (أو أحوجَ) أو أصلحَ أو أورعَ أو أنفعَ للمسلمين.
فكان أولى، "زيلعي"(١). والمتبادرُ منه أنَّ الكراهة تنزيهيَّةٌ، تأمَّل. فلو نقَلَها جاز؛ لأنَّ
المصرف مطلقُ الفقراء، "درر"(٢). ويُعتبرُ في الزَّكاة مكانُ المال في الرِّوايات كلِّها، واختُلِفَ
في صدقة الفطر كما يأتي(٣).
. [٨٦١٨] (قولُهُ: بل في "الظهيريَّة"(٤) إلخ) إضرابٌ انتقاليٌّ عن عدمٍ كراهة نقلها إلى القرابةِ
إلى تعيين النَّقل إليهم، وهذا نقّلَهُ في "مجمع الفوائد" (٥) معزيًّاً لـ "الأوسط" عن "أبي هريرة"
مرفوعاً إلى النبيَِّ﴿ أَنَّه قال: (( يا أمَّةَ محمَّدٍ، والذي بعَثَني بالحقِّ لا يقبلُ اللَّهُ صدقةٌ من رجلٍ
وله قرابةٌ محتاجون إلى صلتِهِ ويصرفُها إلى غيرهم، والذي نفسي بيده لا ينظرُ اللَّهُ إليه يومَ
القيامة)) اهـ "رحمتي" ..
والمرادُ بعدم القبول عدمُ الإثابة [٢/ق٢٦٨/ب] عليها وإِنْ سقَطَ بها الفرضُ؛ لأنَّ المقصود
منها سدُّ خَلَّةِ المحتاج، وفي القريب جمعٌ بين الصِّلة والصَّدقة، وفي "القُهُستانِيِّ"(٦): ((والأفضلُ
إخوتُهُ وأخواتُهُ، ثمَّ أولادُهم، ثمّ أعمامُهُ وعمَّاتُهُ، ثمَّ أخوالُهُ وحالاتُهُ، ثمَّ ذوو أرحامه، ثمَّ جيرانُهُ،
ثمَّ أهلُ سكَّته، ثمَّ أهلُ بلده كما في "النظم")) اهـ.
٦٨/٢
قلت: ونظَمَ ذلك "المقدسيُّ" في "شرحه".
٠
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٣٠٥/١.
(٢) "الدرر": كتاب الزكاة - باب المصارف ١٩٢/١ بتصرف يسير.
(٣) المقولة [٨٦٤٢] قوله: ((وهو الأصح)).
(٤) "الظهيرية": كتاب الزكاة - المقطعات ق ٥٣/ب.
(٥) "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد": ١١٧/٣ كتاب الزكاة - باب الصدقة على الأقارب وصدقة المرأة على زوجها،
وقال: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه: عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالمتروك،
وبقية رجاله ثقات. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨٨٢٨).
(٦) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل: مصرف الزكاة ٢٠٩/١.

الجزء السادس
١٢١
باب المصرف
(أو مِن دارِ الحرب إلى دارِ الإسلام أو إلى طالب علمٍ) وفي "المعراج": ((التصدُّقُ
على العالِمِ الفقير أفضلُ)) (أو إلى الزُّهَّادِ أو كانت معجَّلةً) قبلَ تمام الحول، فلا
يكره، "خلاصة".
(ولا يجوزُ صَرْفُها لأهلِ البِدَعِ) كالكرَّامِيَّة؛ لأنّهم مُشبِّهةٌ في ذاتِ الله».
...
[٨٦١٩] (قولُهُ: أو مِن دارِ الحرب إلخ) لأنَّ فقراء المسلمين الذين في دارِ الإسلام أفضلُ
من فقراءِ دار الحرب، "بحر"(١).
قلت: ينبغي استثناءُ أَسارى المسلمين إذا كان في دفعِها إعانةٌ على فكِّ رقابهم
من الأَسْر، تأمَّل.
[٨٦٢٠] (قولُهُ: وفي "المعراج" إلخ) تمامُ عبارته: ((وكذا على المديونِ المحتاجِ)).
[٨٦٢١] (قولُهُ: أفضلُ) أي: من الجاهلِ الفقير، "قُهُستاني)"(٢).
(٨٦٢٢] (قولُهُ: "خلاصة"(٣)) عبارتُها - كما في "البحر "(٤) -: ((لا يكرهُ أنْ يَنْقُلَ زكاةَ
ماله المعجَّةَ قبل الحولِ لفقيرٍ غيرِ أحوجَ ومديونٍ)).
[٨٦٢٣] (قولُهُ: ولا يجوزُ صرفُها لأهلِ البدع) عبارةُ "البزَّازِيَّة"(٥): ((ولا يجوزُ صرفُها
للكرَّامَّة إلخ))، فالمرادُ هنا بالبدع المكفّرةُ، تأمَّل.
[٨٦٢٤] (قولُهُ: كالكرَّامِيَّة) بالفتحِ والتشديد، وقيل بالتخفيف، والأوَّلُ الصحيحُ المشهور:
فرقةٌ من المشبّهة نسبةً(٦) إلى "عبد الله محمَّدٍ(٧) بن كرَّام"، وهو الذي نَصَّ على أنَّ معبوده
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٩/٢.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل: مصرف الزكاة ٢٠٩/١.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الزكاة - الفصل الثامن في أداء الزكاة ق٦٢/ب بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٩/٢.
(٥) "البزازية": كتاب الزكاة - الباب الثاني في المصرف ٨٩/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) في "ب" و"م": ((نسبت)).
(٧) قوله: ((نسبت إلى عبد الله محمد إلخ)) هكذا بخطه، ولعله سقط من قلمه لفظ ((أبي))، ففي "المصباح": وكرّام بفتح
الكاف مثقّل: والد أبي عبد الله محمد بن كرام المشبّه الذي أطلق اسم الجوهر على الله تعالى، إلخ ما قال، فليحرر
اه مصححه.

قسم العبادات
١٢٢
حاشية ابن عابدين
وكذا المشبِّهة في الصِّفات في المختار؛ لأنَّ مُفوِّتَ المعرفة من جهةِ الذَّات يُلحَقُ
بمفوِّتِ المعرفة من جهةِ الصفات، "مجمع الفتاوى" (كما لا يجوزُ دفعُ زكاةِ الزَّاني
لولدِهِ منه) أي: من الزِّنى، وكذا الذي نَفَاه ..
على العرش استقراراً، وأطلَقَ اسم الجوهرِ عليه تعالى الله عمَّا يقول المبطلون عُلوّاً كبيراً،
"مغرب" (١).
[٨٦٢٥] (قولُهُ: وكذا المشبِّهَةُ في الصِّفاتِ) هم الذين يُحوِّزون قيامَ الحوادث به تعالى(٢)،
فيجعلون بعضَ صفاته حادثةٌ كصفاتِ الحوادث، "ط"(٣).
[٨٦٢٦] (قولُهُ: لأنَّ مُقَوِّتَ المعرفة إلخ) العبارةُ مقلوبةٌ، وعبارة "البزَّازِيَّةِ"(٤): ((وغيرهم - أي:
غيرُ الكَرَّامَّة - من المشبِّهة في الصِّفات أقلُّ حالاً منهم؛ لأنّهم مشبِّهةٌ في الصِّفات، والمختارُ أَنَّه
لا يجوزُ الصَّرفُ إليهم أيضاً؛ لأنَّ مُفوِّتَ المعرفة من جهةِ الصفة مُلحَقٌ بمفوِّت المعرفة من جهة
الذَّات)).
[٨٦٢٧] (قولُهُ: كما لا يجوزُ دفعُ زكاةٍ إلخ) مثلُ الزَّكَاةُ كلُّ صدقةٍ واجبةٍ إلاَّ خمسَ الرِّكاز،
"ط"(٥) عن "حاشية الأشباه" لـ "أبي السُّعود"(٦).
[٨٦٢٨] (قولُهُ: وكذا الذي نفاه) كولدِ أمِّ الولد إذا نفاه، كذا في "البحر"(٧)، ومثلُهُ المنفيُّ
(١) "المغرب": مادة ((كرم)).
(٢) هذه العبارة نقلها "ط" عن "ح" و"أبي السعود".
(٣) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٣١/١.
(٤) "البزازية": كتاب الزكاة - الباب الثاني في المصرف ٨٩/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٣١/١.
(٦) المسماة "عمدة الناظر على الأشباه والنظائر": للسيد أبي السعود محمد بن علي الحنفي المصري(ت١١٧٢ هـ) على
"الأشباه والنظائر" لابن نجيم المصري (ت ٩٧٠ هـ). ("الأعلام" ٢٩٦/٦، مقدمة الأستاذ محمد مطيع الحافظ على
"الأشباه والنظائر" صـ١٢-، وفيه: محمد بن أبي السعود).
(٧) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٢/٢.

الجزء السادس
١٢٣
باب المصرف
احتياطاً (إلاَّ إذا كان) الولدُ (مِن ذاتِ زوجٍ معروفٍ) "فصولين" (١).
باللّعان كما يأتي(٢) في بابه، وهل مثُلُهُ ولدُ قَّتِهِ إذا سكَتَ عنه أو نفاه؟ فليراجع، "ح"(١).
[٢/ق٢٦٩/أ]
[٨٦٢٩] (قولُهُ: احتياطاً) علّةٌ لقوله: ((لا يجوزُ)).
[٨٦٣٠) (قولُهُ: إلَّ إذا كان الولدُ إلخ) علَّهُ في "العماديَّة": ((بأنَّ النسب يثبتُ من الناكح))،
وقد ذكَرَ في "الصيرفيَّة": ((جاءت بولدٍ من الزِّنى يثبتُ النسبُ من الزَّوج لا من الزَّاني
في الصحيح، فلو دفَعَ صاحبُ الفراش زكاتَهُ إلى هذا الولدِ يجوزُ(٤)، ولو دَفَعَ الزَّاني لا يجوزُ عندنا
خلافاً لـ "الشافعيّ")) اهـ.
فقد صرَّحَ بعدم جواز الدَّفع إلى ولده من الزِّنى وإنْ كان لها زوجٌ معروفٌ، "رحمتي" عن
"الحمويِّ". وهذا مخالفٌ لِما ذكرَهُ "المصنّف"، وتصويرُ المسألة بالزِّنى مع العلم بأنّها ذاتُ زوجٍ
لَيَخرُجَ ما إذا لم يعلم ذلك لكونِ الوطءِ حينئذٍ وطءَ شبهةٍ لا زنا، ولذا قال في "البحر "(٥):
(قولُهُ: فقد صرَّحَ بعدمٍ إلخ) قال "أبو السُّعود" في "حاشية الأشباه": ((مبنى هذه المخالفةِ تعبيرٌ
"الصيرفيِّ" بالجواز في جانب صاحبِ الفراش، وبعدمه في جانب الزاني، وهذا تحريفٌ من الناسخ،
والصوابُ العكس، فلا يصحُّ كونُ جوازِ الدفع في جانب صاحب الفراش وعدمِهِ في جانب الزاني
مفرَّعاً على ما قبله، فتعيَّنَ ما ذكرنا)) اهـ. وقال "هبة الله" عن شيخه: ((الصوابُ في عبارة "الصيرفيّة"
العكسُ؛ إذ لا معنى للتفريع المذكور)) اهـ. لكنْ نقَلَ "الحمويُّ" عن "الناطفيِّ": ((تزوَّجَت امرأة الغائب
فولدت فالأولادُ للأوَّل عنده، ومع هذا يجوزُ له دفع الزَّكاة إليهم وشهادتُهم له)) اهـ. فهو موافقٌ لِما
في "الصيرفيَّة" فلا حاجة للتصويب.
(١) "جامع الفصولين": الفصل العشرون في دعوى النكاح والمهر والنفقة، ودعوى الجهاز وما يتعلق به ٢٦٩/١.
(٢) انظر المقولة [١٤٩٨٠] قوله: ((أو من نفي نسب الولد)).
(٣) "ح": كتاب الزكاة - باب المصرف ١/ق ١٢٣/أ - ب.
(٤) في "الأصل": ((لا يجوز)).
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٢/٢ بتصرف يسير.

قسم العبادات
١٢٤
حاشية ابن عابدين
والكلُّ في "الأشباه"(١).
(ولا) يَحِلُّ أنْ (يسألَ) شيئاً من القُوْتِ (مَن له قُوْتُ يومِهِ) بالفعلِ أو بالقوَّةِ
كالصَّحيح المكتسِبِ، ويأثمُ مُعطِه إِنْ عَلِمَ بحالِهِ لإعانِهِ على المحرَّم (ولو سأَلَ ....
((وخرَجَ ولدُ المنعِيِّ إليها زوجُها إذا تزوَّجَتْ ثمَّ ولدت، ثمَّ جاء الأوَّل حيّاً فإنَّ على قول "الإِمام"
المرجوعِ عنه الأولادُ للأوَّل، ومع هذا يجوزُ دفعُ زكاته إليهم وشهادتُهم له، كذا في "المعراج" لعدم
الفرعيَّة ظاهراً، وعليه فينبغي أنْ لا يجوز ذلك للثاني لوجودِ الفرعيَّة حقيقةً وإنْ لم يثبت النسبُ
منه، لكنَّ المنقول في "الولوالحيَّة"(٢) جوازُ ذلك له على قول "الإمام"، ورُوِي رجوعُهُ، وعليه
الفتوى، وعليه فللأوَّلِ الدَّفْعُ إليهم دون الثاني)) اهـ.
[٨٦٣١] (قولُهُ: والكلُّ) أي: كلُّ الفروعِ المذكورة من قوله: ((ولا يجوزُ دفعُها لأهل
البدع)) إلى هنا.
(٨٦٣٢] (قولُهُ: ولا يحلُّ أنْ يَسألَ إلخ) قَّدَ بالسُّؤَالِ لأنَّ الأخذ بدونه لا يحرُمُ، "بحر "(٣).
وقَّدَ بقوله: ((شيئاً من القُوت)) لأنَّ له سؤالَ ما هو محتاجٌ إليه غيرَ القوت كثوبٍ،
"شرنبلاليَّة"(٤). وإذا كان له دارٌ يسكنُها ولا يقدرُ على الكسب قال "ظهير الدِّين": ((لا يحلُّ
له السُّؤَالُ إذا كان يكفيه ما دونها))، "معراج". ثمَّ نقل ما يدلُّ على الجواز وقال: ((وهو
أوسئُ، وبه يُفتی)).
(٨٦٣٣] (قولُهُ: كالصَّحِيحِ المكتسبِ) لأنّه قادرٌ بصحَّتِهِ واكتسابِهِ على قوت اليوم، "بحر "(٥).
[٨٦٣٤] (قولُهُ: ويأثمُ مُعطِيه إلخ) قال "الأكملُ" في "شرح المشارق": ((وأمَّا الدَّفْعُ إلى مثلٍ
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني - كتاب الزكاة صـ١٩٩ -.
(٢) لم نعثر على هذا النقل في "الولوالجية".
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٩/٢ بتصرف.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب المصارف ١٩٣/١ بتصرف (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٩/٢.

الجزء السادس
١٢٥
باب المصرف
للكسوة) أو لاشتغاله عن الكسب بالجهاد أو طلب العلم (جاز) لو محتاجاً.
( فروعٌ) يُندَبُ دفعُ ما يُغنيه يومَهُ عن السُّؤَال واعتبارُ حالِهِ مِن حاجةٍ وعيال، ...
هذا السائلِ عالمً بحاله فحكمُهُ في القياس الإِثْمُ به؛ لأَنَّه إعانةٌ على الحرام، لكنَّه يُجعَلُ هبةً،
وبالهبةِ للغنيِّ أو لمن لا يكونُ محتاجاً إليه لا يكون آئماً)) اهـ. أي: لأنَّ الصَّقة على الغنيِّ هبةٌ
كما أنَّ الهبة للفقير صدقةٌ، لكنْ فيه: ((أنَّ المراد [٢/ق٢٦٩/ب] بالغنيِّ مَن يملكُ نصاباً،
أمَّا الغنيُّ بقوتِ يومه فلا تكونُ الصدقة عليه هبةً بل صدقةً))، فما فَرَّ منه وقَعَ فيه، أفاده
في "النهر"(١)، وقال في "البحر"(٢): ((لكنْ يمكنُ دفع القياس المذكور بأنَّ الدَّفع ليس إعانةً
على المحرَّم؛ لأنَّ الحرمة في الابتداءِ إنما هي بالسؤال، وهو متقدِّمٌ على الدفعِ، ولا يكونُ الدفعُ
إعانةً إلاَّ لو كان الأخذُ هو المحرَّمَ فقط، فليتأمَّل)) اهـ.
قال "المقدسيُّ" في "شرحه": ((وأنت خبيرٌ بأنَّ الظاهر أنَّ مرادهم أنَّ الدفع إلى مثلِ هذا
يدعو إلى السؤال على الوجهِ المذكور، وبالمنع ربَّما يتوبُ(٣) عن مثلِ ذلك، فليتأمَّل)) اهـ.
[٨٦٣٥] (قولُهُ: للكسوةِ) ومثلُها أجرةُ المسكن ومَرَمَّةُ البيت الضروريَّةُ، لا ما يشتري به بيتاً
فیما یظھرُ.
[٨٦٣٦] (قولُهُ: أو لاشتغالِهِ عن الكسبِ بالجهاد) أشار إلى أنَّ له السؤالَ وإنْ كان قويّاً
مكتسباً كما صرَّحَ به في "البحر "(٤) عن "غاية البيان".
[٨٦٣٧] (قولُهُ: أو طلبِ العلم) ذكرَهُ في "البحر"(٥) بحثاً بقوله: ((وينبغي أنْ يُلحَقَ به - أي:
٦٩/٢ بالغازي - طالبُ العلم لاشتغاله عن الكسب بالعلم، ولهذا قالوا: إنَّ نفقته على أبيه وإنْ كان
صحيحاً مكتسباً كما لو كان زَمِناً)).
[٨٦٣٨] (قولُهُ: واعتبارُ حالِهِ إلخ) أشارَ إلى أنَّه ليس المرادُ دفعَ ما يُغنيه في ذلك اليومِ
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٤/أ.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٧٠/٢.
(٣) من ((أن الدفع)) إلى ((يتوب)) ساقط من "آ".
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٩/٢.
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٩/٢.

قسم العبادات
١٢٦
حاشية ابن عابدين
والمعتبرُ في الزَّكاة فقراءُ مكان المال، وفي الوصيّة مكانُ الموصي، وفي الفِطرةِ.
....
عن سؤال القوت فقط، بل عن سؤالٍ جميعِ ما يحتاجُهُ فيه لنفسه وعياله، وأصلُ العبارة
لـ "الشرنبلاليّ))(١) حيث قال: ((قولُهُ: ونُدِبَ دفعُ ما يُغنيه عن سؤالِ يومٍ ظاهرُهُ تعلُّقُ الإغناءِ
بسؤالِ القوت، والأوجهُ أنْ يُنظَرَ إلى ما يقتضيه الحالُ في كلِّ فقيرٍ من عيالٍ وحاجةٍ أخرى كدُهنٍ
وثوبٍ وكراءِ منزلٍ وغيرِ ذلك كما في "الفتح"(٢))) اهـ، وتمامُهُ فيها، فافهم.
[٨٦٣٩] (قولُهُ: والمعتبرُ في الزَّكَاةِ فقراءُ مكانِ المال) أي: لا مكانِ المزكِّي، حتّى لو كان هو
في بلدٍ ومالُهُ في آخرَ يُفرَّقُ في موضعِ المال، "ابن كمال". أي: في جميع الرِّوايات، "بحر "(٣).
وظاهرُهُ أَنَّه لو فُرِّقَ في مكانه نفسِهِ يكره كما في مسألةِ نقلها إلى مكان آخر.
بقي هنا شيءٌ لم أره، وهو أنَّ لو كان له مالٌ مع مُضارِبٍ مثلاً في بلدةٍ، وحالَ عليه الحولُ
هناك، ثمَّ جاءَ المضاربُ بالمال إلى بلدةِ ربِّ المال وكان لم يُخرِجْ زكاتَهُ فهل يُخرِجُها إلى فقراءِ
بلدته أو إلى فقراء البلدة التى كان فيها المالُ؟ فليراجع.
[٨٦٤٠] (قولُهُ: وفي الوصيَّةِ مكانُ الموصي) [٢/ق ٢٧٠/أ] أقول: كذا في "الجوهرة"(٤)
(قولُهُ: ظاهرُهُ تعلُّقُ الإغناء إلخ) عبارة "الدرر" المذكورة ليست ظاهرةً فيما قاله، بل المتبادرُ منها
ندبُ الإِغناء عن سؤالِ القُوت وغيره إلاَّ بانضمام ما بعدها وهو: ولا يسألُ مَن له قُوتُ يومه، فإنَّه ربما
أَفَهَمَ أنَّ المراد ندبُ الإغناء عن سؤال القُوت.
(قولُهُ: فليراجع) المتبادرُ من اعتبار فقراءِ مكانٍ المال مكانُهُ وقتَ وجوب الزّكاة، ثمَّ رأيت
في "الفتح" ما يدلُّ عليه حيث قال: ((والمعتبرُ في الزَّكاة مكانُ المال، وفي زكاة الفطر مكانُ الرأسِ
المخرَجِ عنه في الصحيح مراعاةً لإِيجاب الحكم محلَّ وجود سببه)) اهـ، تأمَّل.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب المصارف ١٩٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٧/٢.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٩/٢.
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١٦١/١.
:

الجزء السادس
١٢٧
باب المصرف
مكانُ المؤدِّي عند "محمَّدٍ"، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ رؤوسهم تَبَعٌ لرأسِهِ.
عن "الفتاوى"، لكنْ ذكَرَ في وصايا "شرح الوهبانيَّة"(١) عن "الخلاصة"(٢): ((أوصى بأنْ يُتصدَّقَ
بثلثِ ماله في فقراءِ بلخِ الأفضلُ أنْ يُصرَفَ إليهم، وإنْ أعطى غيرَهم جاز، وهذا قول
"أبي يوسف"، وبه يُفتى، وقال "محمَّدٌ": لا يجوزُ)) اهـ.
[٨٦٤١] (قولُهُ: مكانُ المؤدِّي) أي: لا مكانُ الرأسِ الذي يؤدِّي عنه.
[٨٦٤٢] (قولُهُ: وهو الأصحُّ) بل صرَّحَ في "النهاية" و"العناية(٢): ((بأنَّه ظاهرُ الرِّواية كما
في "الشرنبلاليَّة"(٤)))، وهو المذهبُ كما في "البحر"(٥)، فكان أولى مما في "الفتح"(٦) من تصحيحِ
قولهما باعتبارِ مكان المؤدّى عنه، قال "الرَّحمتيُّ": ((وقال في "المنح"(٧) في آخرِ باب صدقة الفطر:
الأفضلُ أنْ يؤدِّيَ عن عبيده وأولاده وحشمه حيث هم عند "أبي يوسف"، وعليه الفتوى، وعند
"محمَّدٍ" حيث هو)) اهـ، تأمَّل.
قلت: لكنْ في "التتار خانيَّة"(٨): ((يؤدِّي عنهم حيث هو، وعليه الفتوى، وهو قول "محمَّدٍ"،
ومثلُهُ قول "أبي حنيفة"، وهو الصحيح)).
(قولُهُ: عن "الخلاصة": أوصى إلخ) ما في "الخلاصة" غيرُ واردٍ لوجودِ التعيين من الموصي، فالأفضلُ
التعيين اتّباعاً له، ويُحمَلُ ما في "الجوهرة" على غيره.
(قولُهُ: قلت: لكن إلخ) فقد اختلَفَ التصحيحُ، فُيُرجَعُ إلى ظاهر الرِّواية.
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الوصايا ق ٣٤٢/أ.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوصايا - الفصل الثاني في الوصية بالكفارة ق٢٧٧/أ نقلاً عن "العيون".
(٣) "العناية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٧/٢ (هامش "فتح القدير").
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب المصارف ١٩٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٩/٢.
(٦) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٧/٢.
(٧) "المنح": كتاب الزكاة ق٨٨/ب بتصرف.
(٨) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث عشر في صدقة الفطر ٤٢٤/٢ نقلاً عن "الفتاوى الكبرى" و"الينابيع".

قسم العبادات
١٢٨
حاشية ابن عابدين
دَفْعُ الزَّكاة إلى صبيانِ أقاربه برسمٍ عيدٍ أو إلى مُبشِّّرٍ أو مُهْدِي الباكورةِ جاز إلاَّ إذا
نَصَّ على التَّعويض،.
(٨٦٤٣] (قولُهُ: إلى صبيانٍ أقاربِهِ) أي: العقلاءِ، وإلاَّ فلا يصحُّ إلاَّ بالدَّفع إلى وليِّ الصغير.
[٨٦٤٤] (قولُهُ: بِرَسْمٍ عيدٍ) أي: عادةِ عيدٍ، "ح"(١).
[٨٦٤٥] (قولُهُ: أو مُهدِي الباكورة) هي الثمرةُ التي تُدرِكُ أوَّلاً، "قاموس"(٢). وقَيَّدَهُ
في "التتار خانيّة"(٣) بالتي لا تساوي شيئاً، ومفهومُهُ أَنَّها لو لها قيمةٌ لم يصحَّ عن الزَّكاة؛ لأنَّ
المهديَ لم يدفعها إلاَّ للعِوَض، فلا يجوزُ أخذها إلاَّ بدفعِ ما يرضى به المهدي، والرَّائدُ عليه يصحُّ
عن الزَّكاة، ثمَّ رأيتُ "ط "(٤) ذكَرَ مثلَهُ وزاد: ((إلاَّ أنْ يُنْزَّلَ المهدي منزلةَ الواهب)) اهـ. أي: لأَنَّه
لم يقصد بها أخذَ العِوَض، وإنما جعَلَها وسيلةً للصدقة، فهو متبرِّعٌ بما دفَعَ، ولذا لا يُعَدُّ ما يأخذه
عوضاً عنها بل صدقةً، لكنَّ الآخذ لو لم يُعطِهِ شيئاً لا يرضى بتركها له، فلا يحلُّ له أخذها،
والذي يظهرُ أَنَّه لو نوى بما دفَعَهُ الزَّكَاةَ صحَّتْ نَيُّهُ، ولا تبقى ذمَّتُهُ مشغولةً بقدْرِ قيمتها أو أكثرَ
إذا كان لها قيمةٌ؛ لأنَّ المهديَ وصَلَ إلى غرضه من الهديَّة سواءٌ كان ما أخذَهُ زكاةً أو صدقةً
نافلةً، ويكونُ حينئذٍ راضياً بتركِ الهديَّة، فليتأمَّل.
[٨٦٤٦] (قولُهُ: إلاَّ إذا نَصَّ على التعويضِ) ينبغي أنْ يكون مبنيًّاً على القول بأنّه
[٢/ق٢٧٠/ب] إذا سَمَّى الزَّكاةَ قرضاً لا تصحُّ، وتقدَّمَ(٥) أنَّ المعتمد خلاقُهُ، وعليه فينبغي أنّه إذا
نواها صحَّتْ وإِنْ نصَّ على التعويضِ، إلاَّ أنْ يقال: إذا نصَّ على التعويضِ يصيرُ عقد معاوضةٍ،
والملحوظُ إليه في العقود هو الألفاظُ دون النيّةِ المحرَّدة، والصدقة تُسمَّى قرضاً مجازاً مشهوراً
(١) "ح": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١٢٣/ب.
(٢) "القاموس": مادة ((بكر)) بتصرف.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الزكاة - الفصل الثامن في المسائل المتعلقة بمن توضع فيه الزكاة ٢٧٨/٢ نقلاً عن "الظهيرية".
(٤) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٣١/١.
(٥) المقولة [٧٨٨٢] قوله: ((نية)).

الجزء السادس
١٢٩
باب المصرف
ولو دفَعَها لأخته ولها على زوجها مهرٌ يبلُغُ نصاباً وهو مَلِيءٌ مُقِرٍّ ولو طَلَبَتْ
لا يَمتِنِعُ عن الأداء لا تجوزُ، وإلاَّ جاز، ولو دفَعَها المعلِّم لخليفتِهِ إنْ كان بحيث
....
يَعْمَلُ له لو لم يُعطِهِ صحَّ وإلاّ لا. ولو وضَعَها على كفِّهِ فانتَهَبَها الفقراءُ ..
في القرآن العظيم، فيصحُّ إطلاقُهُ عليها بخلاف لفظِ العِوَض؛ إذ لا عملَ النَّةِ المحرَّدة مع اللَّفظِ
الغيرِ الصَّالح لها، ولذا فصَّلَ بعضهم فقال: إنْ تأوَّلَ القرضَ بالزَّكاة جاز، وإلاَّ فلا، تأمَّل.
[٨٦٤٧] (قولُهُ: ولو دفَعَها لأخته(١) إلخ) قدَّمنا (٢) الكلامَ عليها عند قوله: ((وابنُ السَّبِيل)).
[٨٦٤٨] (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: لأنَّ المدفوع يكونُ بمنزلة العِوَض، "ط"(٣). وفيه أنَّ المدفوع
إلى مُهدي الباكورةِ كذلك، فينبغي اعتبارُ النَّةِ، ونظيرُهُ ما مرَّ(٤) في أوَّلِ كتاب الزَّكاة فيما لو دفَعَ
إلى مَن قُضِي عليه بنفقته من أنّه لا يُجزيه عن الزَّكاة إن احتسبَهُ من النفقة، وإن احتسبَهُ من الزّكاة
يُجزيه، وقيل: لا كما في "التتار خانيّة"(٥)، لكنْ فيها (٦) أيضاً: ((قال "محمَّدٌ": إذا هلكت الوديعةُ
في يدِ المودَع، وأدَّى إلى صاحبها ضمانَها ونوى عن زكاةِ ماله قال: إنْ أدَّى لدفعِ الخصومة
لا تُجزيه عن الزّكاة)) اهـ، فتأمَّل.
(قولُهُ: وفيه أنَّ المدفوع إلى مُهدِي الباكورة إلخ) يُفرَّقُ بين المسألتين بأنَّ مسألةَ الباكورة لم يَقصِد
المزكِّي سوى الزكاة وتوهَّمَ المهدَى أَنَّ أخَذَها عوضاً، ومسألةَ المعلّم قد قصد المزكّي مع الزكاة الانتفاعَ بمنافع
الخليفة في المستقبل بما دفعه له، فلم تتمخَّض زكاةً، والخليفةُ أَخَذَهُ لذلك بخلاف مسألة الباكورة، فإنَّ المزكِّي
إنما قصَدَ مجرَّد الزكاةَ فُيُعتبرُ قصدُهُ، ولا عبرةَ بتوهُّمِ المهدَى أَنَّه أخذَهُ عوضاً كما في مسألة الاستقراض.
(١) في "د" زيادة: قوله: ((في "الأشباه": المريض مرض الموت إذا دفع زكاته إلى أخته ثم مات وهي وارثة أجزأه، ووقعت
موقعها، فإن كان له وارثٌ آخر رُدَّت؛ لأنه لا وصية للوارث انتهى. وفي "القنية": دفع زكاته إلى أخيه وهو وارثه
وقعت موقعها، ثم رقم: بأنه لا يصحّ كمن أوصى بالحج ليس للوصيِّ أن يدفعه إلى قريب الميت؛ لأنه وصيُّه، كذا
هذا، ثم بأنه يصحُّ لكن للورثة الرد باعتبار أنه وصُّهُ انتهى. قال في "البحر": والذي يظهر ترجيح الأول. انتهى)).
(٢) المقولة [٨٥٣٤] قوله: ((أو معسر)).
(٣) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٣٢/١.
(٤) المقولة [٧٧٧٢] قوله: ((إلا إذا حكم عليه بنفقتهم)).
(٥) "التاتر خانية": كتاب الزكاة - الفصل الثامن في المسائل المتعلقة بمن توضع فيه الزكاة ٢٧٩/٢ نقلاً عن "العيون".
(٦) "التاتر خانية": كتاب الزكاة - الفصل التاسع في المسائل المتعلقة بمعطي الزكاة ٢٨٦/٢ بتصرف نقلاً عن "العيون".

قسم العبادات
١٣٠
حاشية ابن عابدين
جاز، ولو سقَطَ مالٌ فرفَعَهُ فقيرٌ فَرَضِيَ به جاز إنْ كان يعرفُهُ والمالُ قائمٌ، "خلاصة".
وفيها(١) من صدقة الفطر: ((لو دفَعَها إلى الطَّالِ الذي يُوقِظُهم في السَّحر يجوز؛ لأنَّ ذلك
غيرُ واجبٍ عليه، وقد قال مشايخنا: الأحوطُ والأبعدُ عن الشُّبهة أنْ يُقدِّمَ إليه أوَّلاً ما يكونُ هديَّةً
ثُمَّ يدفعَ إليه الحنطة)).
[٨٦٤٩] (قولُهُ: جازَ) ويكونُ تمليكاً لهم، والنَّةُ سابقةٌ عند العزلِ، وكذا إذا لم يَنْوِ ثمَّ نوى
بعد انتهابه وهو قائمٌ في يدِ الفقراء كما تقدَّمَ(٢) نظيرُهُ.
قلت: وينبغي تقييدُهُ بما إذا كان الانتهابُ برضاه لاشتراطِ اختيار الدَّفع في الأموال الباطنة
كما مرَّ(٣) في مسألة البغاة، ويدلُّ عليه المسألةُ الآتية (٤).
[٨٦٥٠] (قولُهُ: إنْ كان يَعرِفُهُ) أي: يَعرِفُ شخصَهُ لئلا يكونَ تمليكاً لمجهول؛ لأنّه
إذا لم يَعرِفْه - بأنْ جاء إلى موضعِ المال فلم يجده، وأخبَرَه أحدٌ بأنَّه رفَعَهُ فقيرٌ لا يعرفُهُ، ورضي
المالكُ بذلك - لم يصحَّ؛ لأَنَّه يكونُ إباحةً، والشَّرطُ فِي الرَّكاة التمليكُ، تأمَّل.
٧٠/٢
[٨٦٥١] (قولُهُ: والمالُ قائمٌ) لأَنَّه لو رضيَ بذلك بعدما استهلَكَ الفقيرُ المال [٢/ق٢٧١/أ]
لم تصحَّ فَيُّهُ كما مرَّ(٥).
( خاتمةٌ )
اعلم أنَّ الصدقة تُستحَبُّ بفاضلٍ عن كفايتِهِ وكفايةِ مَن يمونُهُ، وإنْ تصدَّقَ بما ينقصُ مؤنةً
مَن يمونُهُ أَثِّمَ، ومَن أراد التصدُّقَ بماله كلِهِ وهو يعلمُ من نفسه حسنَ التوكُّلِ والصبرِ عن المسألة فله
ذلك، وإلاَّ فلا يجوزُ، ويكره لمن لا صَبْرَ له على الصِّيقِ أنْ ينقص نفقةَ نفسه عن الكفايةِ التَامَّةِ،
كذا في "شرح درر البحار"(٦).
(١) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث عشر في صدقة الفطر ٤٢٤/٢ معزياً إلى "النسفية".
(٢) ٤٥٣/٥ "در".
(٣) المقولة [٨١٠٢] قوله: ((واختلف في الأموال الباطنة)).
(٤) في المقولة الآتية.
(٥) المقولة [٧٨٨٤] قوله: ((والمال قائم في يد الفقير)).
(٦) "غرر الأذكار": كتاب الزكاة ق١٤٨ /ب.

الجزء السادس
١٣١
باب صدقة الفطر
﴿بابُ صدقة الفطر﴾
مِن إضافة الحكم لشرطه
مطلبٌ: الأفضلُ أن ينوي بالصدقة جميعَ المؤمنين والمؤمنات
وفي "التتار خانَّةً"(١) عن "المحيط"(٢): ((الأفضلُ لمن يتصدَّقُ نفلاً أنْ ينويَ لجميع المؤمنين
والمؤمنات؛ لأَنَّها تصلُ إليهم، ولا ينقُصُ من أجره شيءٌ)) اهـ، والله تعالى أعلم.
﴿بابُ صدقة الفطر﴾
وجهُ مناسبِها بالزَّكاة أنَّ كلاً منهما من الوظائفِ المالِيَّة، وأورَدَها في "المبسوط"(٣) بعد
الصوم باعتبار ترتيب الوجود، وأورَدَها "المصنّفُ" هنا رعايةً لجانبِ الصدقة، ورجَّحَهُ لأنَّ المقصود
من الكلام المضافُ لا المضافُ إليه، خصوصاً إذا كان المضافُ إليه شرطاً.
وحقُّها أنْ تُقدَّمَ على العشر؛ لأَنَّه مؤنةٌ فيها معنى العبادة، وهذه بالعكس، إلاَّ أَنَّه ثبَتَ
بالكتاب وهي بخبرِ الواحد مع أنّه من أنواعِ الزَّكاة، والمرادُ بالفطر يومُهُ لا الفطرُ اللغويُّ؛
لأَنّه يكونُ في كلِّ ليلةٍ من رمضانَ، وسُمِّيت صدقةً - وهي العطيّةُ التي يرادُ بها المثوبةُ من الله
تعالى - لأَنّها تُظهِرُ صِدْقَ الرَّجُل كالصَّداقِ يُظهِرُ صدقَ الرَّجل في المرأة، "معراج".
[٨٦٥٢] (قولُهُ: من إضافةِ الحكم لشرطِهِ) المرادُ بالحكم وجوبُ الصَّدقة؛ لأَنَّه الحكمُ
﴿باب صدقة الفطر﴾
(قولُهُ: المرادُ بالحكمِ إلخ) لك أن تريدَ بالحكم الأثرَ المترتّبَ على الشيء، ولا شكَّ أنَّ هذه الصدقة
. مترتّبةٌ على الفطر، فهي حكمٌ له كما تقدَّمَ مثل هذا.
(١) "التاتر خانية": كتاب الزكاة - الفصل السادس عشر في إيجاب الصدقة وما يتصل به من الهدي ٣١٩/٢ نقلاً
عن "جامع الجوامع" لا عن "المحيط".
(٢) لم نعثر على النقل في "المحيط البرهاني".
(٣) "المبسوط": كتاب الصوم - باب صدقة الفطر ١٠١/٣.

قسم العبادات
١٣٢
حاشية ابن عابدين
والفِطْرُ: لفظٌ إسلاميٌّ، والفِطرةُ مُولَّدٌ، بل قيل: لحنٌّ،.
الشرعيُّ، فيكونُ على حذفِ مضافٍ، والمرادُ بالوجوب وجوبُ الأداء - لأَنَّه الذي شرطُهُ الفطر -
لا نفسُ الوجوب الذي مناطُهُ وجودُ السَّبب وهو الرأس، "ح"(١). وفي "البحر"(٢): ((والإضافةُ
فيها من إضافةِ الشيء إلى شرطه، وهو مجازٌ؛ لأنَّ الحقيقة إضافةُ الحكم إلى سببه وهو الرأس)) اهـ.
أي: لأنّها على الأوَّلِ لأدنى مناسبةٍ مثل: كوكبِ الخرقاء، وعلى الثاني بمعنى اللامِ الاختصاصيَّة.
[٨٦٥٣] (قولُهُ: والفطرُ لفظٌ إسلاميٌّ) اصطلَحَ عليه الفقهاءُ، كأنَّه من الفطرةِ بمعنى الخلقة،
كذا في "البحر"(٣) تبعاً لـ "الزيلعيّ)" (٤).
والظاهرُ: أنَّ مراده أنَّ الفطر المضافَ إليه الصدقةُ الذي هو اسمٌ لليوم المخصوصِ لفظٌ
شرعيٌّ، أي: إطلاقُهُ على ذلك اليومِ بخصوصِهِ اصطلاحٌ شرعيٌّ ؛ إذ لا شكَّ أنَّ الفطر الذي
هو ضدُّ [٢/ق ٢٧١/ب] الصوم لغويٌّ مستعملٌ قبل الشَّرع(٥)، أو مرادُهُ لفظُ الفطرةِ بالتاء
(قولُ "الشارح": قيل: لحنٌّ) قال "السنديُّ": ((يَنْفي كونَهُ لحناً وقوعُهُ في حديثِ "ابن مسعودٍ" عنه
عليه السلام بلفظ: قال: ((الفطرةُ على كلِّ مسلمٍ)) كما أخرجه "الخطيب" بسندٍ صحيحٍ )) اهـ.
(قولُهُ: كوكبِ الخرقاءِ) في "القاموس": ((والخَرْقُ: القَفْرُ، والأرضُ الواسعة تَتَخَرَّقُ فيها الرِّياح
كالخرقاء))، وفيه أيضاً: ((الكوكبُ: النَّجم)) اهـ.
(قولُهُ: أو مرادُهُ لفظُ الفطرة إلخ) في كونِ ذلك مرادَهُ تأمُّلٌ، فإنّه لم يتقدَّم في كلام "الزيلعيِّ" لفظُ
فطرةٍ، بل قال عقب قول "الكنز": باب صدقة الفطر: ((وهو لفظٌ إسلاميّ اصطَلَحَ عليه إلخ))،
والظاهرُ رجوع الضمير للفطر، وكونُ عبارة "النهر" وما بعدها في الفطرة لا يدلُّ على أنَّ الفطر ليس
كذلك، تأمَّل. وعبارة "البحر" دلّةٌ على أنَّ لفظ فطرِ إسلاميٌّ، وبالجملة فكلامُ "الشارح" تبعاً لـ "النهر"
لاشيء فيه، ولا يخالفُ كلامَ غيره.
(١) "ح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ق١٢٣/ب.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧١/٢.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٠/٢.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٣٠٦/١.
(٥) في "م": ((المشرِّع))، وهو خطأ.

الجزء السادس
١٣٣
باب صدقة الفطر
بقرينةِ التعليل، ففي "النهر"(١) عن "شرح الوقاية"(٢): ((أنَّ لفظ الفطرة الواقعَ في كلام الفقهاء
وغيرِهِم مولَّدٌ، حتّى عدَّهُ بعضهم من لحنِ العامَّة)) اهـ. أي: أنَّ الفطرة المرادَ بها الصدقةُ غيرُ
لغويَّةٍ؛ لأَنّها لم تأتِ بهذا المعنى، وأمَّا ما في "القاموس"(٣): ((من أنَّ الفِطرة بالكسرِ صدقةُ الفطرِ
والخلقةُ)) فاعترضَةُ بعض المحقّقين: بأنَّ الأوَّلَ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ ذلك المخرَجَ لم يُعلَمْ إِلاَّ من
الشارع، وقد عُدَّ من غلطِ "القاموس" ما يقعُ كثيراً فيه من خلطِ الحقائق الشرعيَّةِ باللغويَّة اهـ.
لكنْ في "المغرب"(٤): ((وأمَّا قولُهُ في "المختصر"(٥): الفطرةُ نصفُ صاعٍ من بُرِّ فمعناها
صدقةُ الفطر، وقد جاءت في عباراتِ "الشافعيِّ" وغيره، وهي صحيحةٌ من طريقِ اللغة
وإنْ لم أجدها فيما عندي من الأصول)) اهـ.
وفي "تحرير النوويّ"(٦): ((هي اسمٌ مُولَّدٌ، ولعلَّها من الفطرةِ التي هي الخِلقةُ))، قال
"أبو محمَّد الأبهريُّ)(٧): ((معناها زكاةُ الخلقة، كأنّها زكاةُ البدن)) اهـ.
(قولُهُ: بقرينةِ التعليل) أي: الذي ذكروه في وجهِ نقلِ لفظٍ فطرةٍ للمعنى الشرعيِّ.
(قولُهُ: ففي "النهر" إلخ) عبارة "النهر" مساويةٌ لِما في "الشارح" لم يقتصر فيها على لفظِ الفطرة،
بل ذكَرَ اللَّفظين كما في "الشارح".
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ق١١٤/ب.
(٢) لم نعثر على النقل في "شرح الوقاية" لصدر الشريعة.
(٣) "القاموس": مادة ((فطر)).
(٤) "المغرب": مادة ((فطر)).
(٥) أي: " مختصر القدوري"، انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ١٦٠/١.
(٦) "التحرير": كتاب الزكاة - باب زكاة المعدن والركاز صـ١٣٥ -. و"التحرير" للإمام يحيى بن شرف النووي
(ت ٦٧٦هـ)، وهو شرح "التنبيه" في فروع الشافعي لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي(ت٤٧٦ هـ). ("كشف
الظنون" ٤٩٠/١، "وفيات الأعيان" ٢٩/١، "مفتاح السعادة" ٥٣/٢).
(٧) أبو محمد عبد الواسع بن عبد الكافي بن عبد الواسع، شمس الدين الأبهري الشافعي (ت ٦٩٠هـ). ("طبقات الشافعية
الكبرى" ٣١٦/٨، "شذرات الذهب" ٧٢٣/٧).

قسم العبادات
١٣٤
حاشية ابن عابدين
وأُمِرَ بها في السَّنة التي فُرِضَ فيها رمضانُ قبلَ الزَّكاة، وكان عليه السلام يخطب
قبلَ الفِطْر بيومين يأمُرُ بإخراجها، ذكَرَهُ "الشمنيُّ".
وفي "المصباح"(١): ((وقولُهم: تجبُ الفطرةُ الأَصلُ: تجبُ زكاةُ الفطرة وهي البدنُ، فحُذِفَ
المضافُ وأقيم المضاف إليه مُقامه، واستُغنِيَ به في الاستعمال لفهمِ المعنى)) اهـ. ومشى عليه
"الْقُهُستانيُ)(٢)، ولهذا نقَلَ بعضهم أنّها تُسمَّى صدقةَ الرأس وزكاةً البدن.
والحاصلُ: أنَّ لفظ الفطرة بالتاء لا شكَّ في لغويَتِهِ، ومعناه الخلقةُ، وإنما الكلامُ في إطلاقه
مراداً به الْمُخرَجُ، فإِنْ أُطلِقَ عليه بدون تقديرٍ فهو اصطلاحٌ شرعيِّ مُولَّدٌ، وأمَّا مع تقديرِ المضاف
فالمرادُ بهذا المعنى اللغويُّ، ولعلَّ هذا وجهُ الصحَّةِ الذي أرادَهُ صاحب "المغرب"، وأمَّا لفظُ الفطر
بدون تاء فلا كلام في أنَّه معنىًّ لغويٌّ، وبهذا تَعلَمُ ما في كلام "الشارح" تبعاً لـ "النهر "(٣)، فافهم.
[٨٦٥٤] (قولُهُ: وأُمِرَ بها) أي: بإخراجها، وفي "حاشية نوح": ((والحاصلُ أنَّ فرض صيامٍ
رمضان في شعبانَ بعدما حُوَِّت القبلةُ إلى الكعبة، وأَمَرَ النبيُّ ◌َ﴿وَ بزكاة الفطر قبل العيدِ بيومين(٤)،
وذلك قبل أنْ تُعرَضَ زكاةُ الأموال، هذا هو الصحيحُ، ولهذا قيل: إنَّها منسوخةٌ بالزَّكاة وإنْ كان
الصحيحُ [٢/ق٢٧٢/ أ] خلافَهُ)) اهـ.
[٨٦٥٥] (قولُهُ: وكان عليه السلامُ إلخ) أخرجَهُ "عبدُ الرزَّاق"(٥) بسندٍ صحيحٍ عن
"عبد الله بن ثعلبة" قال: خطَبَ رسول الله ﴿ قبل يوم الفطر بيومٍ أو يومين فقال: ((أَدُّوا صاعاً
مِن بُرِّ أو قمحٍ بين اثنين، أو صاعاً من تمرٍ أو شعيرٍ عن كلِّ حرِّ أو عبدٍ صغيرٍ أو كبيرٍ))، "فتح"(٦).
(١) "المصباح": مادة ((خطر)) باختصار يسير.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل في الفطرة ٢٠٩/١.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ق ١١٤/ب.
(٤) تقدم تخريجه ١٣٣/٥.
(٥) تقدم تخريجه ١٣٣/٥.
(٦) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢١٨/٢.

الجزء السادس
١٣٥
باب صدقة الفطر
(تَجِبُ) وحديثُ: ((فرَضَ رسولُ الله عليه السَّلام زكاةَ الفطر)) معناه: قدَّرَ؛
للإجماع على أنَّ مُنكِرَها لا يُكفَرُ (مُوسَّعاً في العُمُر) عند أصحابنا،.
قال "ط"(١): ((وبهذا يتقوَّى ما بحَثَهُ صاحبُ "البحر" سابقاً في بابِ صلاة العيدين(٢) من أنّه ينبغي
٧١/٢ أن يُقدِّمَ أحكامَ صدقة الفطر في خطبةٍ قبل يومِ العيد لأجلِ أنْ يتمكّنوا من إخراجها قبل الذَّهابِ
إلى المصلَّى)).
[٨٦٥٦] (قولُهُ: وحديثُ: فرَضَ إلخ) جوابٌ عمَّا استدلَّ به "الشافعيُّ" رحمه الله على
فرضيّتها من حديثِ "ابن عمر"(٢) في "الصحيحين"(٤): ((أنَّ رسول اللـه ◌َ﴿ فرَضَ زكاةَ الفطر
من رمضانَ على الناس صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ على كل ◌ِّحرِّ وعبدٍ ذكرٍ أو أنثى
من المسلمين ))، "فتح"(٥).
[٨٦٥٧] (قولُهُ: معناه قدَّرَ إلخ) أي: فإِنَّه أحدُ معاني الفرضِ كقوله تعالى:
﴿فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ [البقرة - ٢٣٧]، ويقال: فرَضَ القاضي النفقةَ، وهذا الجوابُ ذكرَهُ
(١) "ط": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٤٣٢/١.
(٢) ١٣٣/٥ "در".
(٣) في النسخ جميعها: ((عمر)) والصواب ما أثبتناه، وهو الموافق لما في "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢١٨/٢.
(٤) أخرجه البخاري (١٥٠٣) كتاب الزكاة - باب فرض صدقة الفطر، ومسلم (٩٨٤)(١٣،١٢، ١٤، ١٦،١٥) كتاب
الزكاة - باب زكاة الفطر على المسلمين من التمور والشعير، وأخرجه مالك ٢٣٧/١ كتاب الزكاة - باب من تجب
عليه زكاة الفطر، وأحمد ٥/٢ و٥٥ و٦٦ و١٠٢، وأبو داود (١٦١١) و(١٦١٢) و(١٦١٣) كتاب الزكاة - باب
متى تؤدى؟ والترمذي(٦٧٥) و(٦٧٦) كتاب الزكاة - باب ما جاء في صدقة الفطر، وقال: حديث ابن عمر
حديث حسن صحيح، والنسائي ٤٧/٥ كتاب الزكاة - باب فرض زكاة رمضان على الصغير، و٤٨/٥ باب فرض
زكاة رمضان على المسلمين دون المعاهدين، و٤٩/٥ باب كم فُرض؟ وابن ماجه (١٨٢٥) و(١٨٢٦) كتاب
الزكاة - باب صدقة الفطر، والدارمي ٤٢٠/١ كتاب الزكاة - باب في زكاة الفطر، كلُّهم من حديث ابن عمر
مرفوعاً، وفي الباب عن أبي سعيد الخدريّ، وابن عباس، وجدِّ الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، وثعلبة بن
أبي صُعَير، وعبد الله بن عمرو ◌ُه.
(٥) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢١٨/٢.

قسم العبادات
١٣٦
حاشية ابن عابدين
وهو الصَّحيح، "بحر"(١) عن "البدائع" معلِّلاً بأنَّ الأمر بأدائها مطلقٌ.
في "البدائع"(٢)، وأجاب في "الفتح"(٣): ((بأنَّ الثابت بظنّيٌّ يفيدُ الوجوب، وأَنَّه لا خلافَ في
المعنى؛ لأنَّ الافتراض الذي يثبتُهُ الشافعيَّةُ ليس على وجهٍ يُكَفَرُ جاحدُهُ، فهو معنى الوجوبِ عندنا،
غايةُ الأمرِ أنَّ الفرض في اصطلاحهم أعمُّ من الواجب في عُرفنا، فأطلقوه على أحدٍ جزءيه،
والإجماعُ على الوجوبِ لا يدلُّ على أنَّ المراد بالفرضِ هو ما عَرَفنا، أي: ما يُكَفَرُ جاحده؛ لأنَّ
ذاك إذا نُقِلَ الإجماعُ تواتراً ليكونَ قطعيًّ، أو كان من ضروريًّات الدِّين كالخمس لا إذا كان ظنّياً،
وقد صرَّحُوا بأنَّ منكر وجوبِها لا يُكَفَرُ، فكان المتيقّنُ الوجوبَ بالمعنى العُرفيِّ عندنا)) اهـ ملخَّصاً.
قلت: وقد يجابُ بأنَّ قول الصحابي: ((فرَضَ)) يرادُ به المعنى المصطلحُ عندنا للقطع به
بالنسبة إلى مَن سَمِعَهُ من النبيِّ ◌َ﴿ بخلاف غيره ما لم يَصِلْ إليه بطريقٍ قطعيٌّ فيكونُ مثلَهُ، ولهذا
قالوا: إنَّ الواجب لم يكن في عصرِهِ ﴿ كما أوضحناه في "حواشي شرح المنار"(٤).
[٢/ق٢٧٢/ب]
[٨٦٥٨] (قولُهُ: وهو الصحيحُ) هو ما عليه المتوثُ بقولهم: وصحَّ لو قدَّمَ أو أخَّرَ.
[٨٦٥٩] (قولُهُ: مطلقٌ) أي: عن الوقتِ، فتجبُ في مطلقِ الوقت، وإنما يتعيَّنُ بتعيينه فعلاً
(قولُهُ: والإجماعُ على الوجوبِ لا يدلُّ إلخ) عبارة "الفتح" بعد قوله: فأطلقوه على أحد جزءيه :
((فإن قلت: ينبغي أن يُرادَ بالفرض ما هو عرفُنا للإجماع على الوجوب فالجواب أنَّ ذلك إذا نُقِلَ الإجماع
تواتراً ليكونَ إجماعاً قطعيًّاً، أو أن يكونَ من ضرورات الدِّين كالخمس، فأمَّا إذا كان إنما يظنُّ الإجماع ظنّاً
فلا، ولذا صرَّحُوا بأنَّ مُنكِرَ وجوبها لا يُكفَرُ، فكان المتيقِّنُ الوجوبَ بالمعنى العربيّ عندنا)) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢٧٠/٢.
(٢) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في الزكاة الواجبة ٦٩/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢١٩/٢.
(٤) "نسمات الأسحار": فصل المشروعات صـ١١٣ -.