النص المفهرس

صفحات 101-120

الجزء السادس
٩٧
باب المصرف
ولو مُبانةً، وقالا: تَدفَعُ هي لزوجها (و) لا إلى (مملوكِ المزكّي) ولو مكاتباً أو مُدَبَّراً
(و) لا إلى (عبدٍ أعتَقَ المزكِّي بعضَهُ) سواءً كان كلُّهُ له، أو بينه وبين ابنه فأُعتَقَ
الأبُ حظّهُ.
[٨٥٥٤] (قولُهُ: ولو مُبانةٌ) أي: في العدَّة ولو بثلاثٍ، "نهر"(١) عن "معراج الدِّراية".
[٨٥٥٥] (قولُهُ: ولا إلى مملوكِ المزكّي) وكذا مملوكُ مَن بينه وبينه قرابةُ ولادٍ أو زوجَيَّةٍ لِما
قال في "البحر"(٢) و"الفتح"(٣): ((إنَّ الدَّفْع لمكاتبِ الولد غيرُ جائزٍ كالدَّفع لابنه))، "شرنبلالَيَّة"(٤).
[٨٥٥٦] (قولُهُ: ولو مكاتباً أو مدَّراً) لعدمٍ التمليك في العبد والمدبّر، ولأنَّ له في كسب
مكاتبه حقّاً، "زيلعي" (٥). واعترَضَ "الشرنبلاليُ)) (٦) جعلَهُ المملوكَ شاملاً للمكاتب: ((بأنّهم
صرَّحُوا بأَنَّه لو قال: كلُّ مملوكٍ لي حرٌّ لا يتناولُ المكاتبَ؛ لأَنَّه ليس بمملوكٍ مطلقاً؛
لأَنّه مالكٌ يداً)).
قلت: وقد يجابُ بأنّه لم يتناوله هناك لشبهةِ انصراف المطلق إلى الكامل، فلم يَعْتِقْ
لأنَّ الشُّبهةَ تصلحُ للدَّفِعِ لا للإِثبات، ولا مُقْتَضِيَ هنا لمراعاةٍ هذه الشُّبُهةِ.
[٨٥٥٧] (قولُهُ: أعتَقَ المزكِّي بعضَهُ) اعلم أنَّ حكم مُعتَقِ البعض عند "الإِمام" أنَّ العبد
إنْ كان كلُّهُ للمعتِقِ عتَقَ بقدْرِ ما أعتَقَ، وله استسعاؤُه في قيمةِ الباقي أو تحريرُهُ، وإنْ كانَ مشتركاً
فإنْ كان المعتِقُ موسراً فلشريكه استسعاءُ العبد في قيمةِ حصَّته، أو تضمينُ المعتِقِ ويرجعُ بما ضَمِنَ
على العبدِ أو يُعْتِقُ باقيَهُ، وإنْ كان معسراً استسعى العبدَ لا غير، وعندهما إنْ أعْتَقَ بعضَ عبدِهِ
عتَقَ كُلُّهُ ولا يسعى، وإِنْ أعتَقَ بعضَ المشترك فليس للآخر إلاَّ الضَّمانُ مع اليسار والسِّعايةُ
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٢/ب.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٣/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١١/٢.
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب المصارف ١٨٩/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٣٠١/١ بتصرف.
(٦) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب المصارف ١٨٩/١ بتصرف (هامش "الدرر والغرر").

قسم العبادات
٩٨
حاشية ابن عابدين
311
مُعسِراً لا يَدِفَعُ له؛ لأَنَّه مكاتبُهُ أو مكاتبُ ابنِهِ، وأمَّا المشترك بينه وبين أجنبي
فحكمُهُ عُلِمَ مما مرَّ؛ لأَنَّه إمَّا مُكاتَبُ نفسِهِ أو غيرِهِ، وقالا: يجوز.
مع الإعسار، ولا يرجعُ المعتِقُ على العبد، وسيأتي(١) تمامُ الأحكام في بابه.
[٨٥٥٨] (قولُهُ: مُعسيراً) حالٌ من الأبِ، وليس بقیدٍ احترازي.
[٨٥٥٩] (قولُهُ: لا يَدِفَعُ له) ذكَرَهُ لْيُعلِّلَ له، وإلاَّ فُيُغني عنه قول "المصنّف": ((ولا إلى
عبدِهِ))، "ط" (٢).
[٨٥٦٠] (قولُهُ: لأَنّ مكاتبُهُ أو مكاتبُ اينِهِ) لأَنَّ على تقديرِ أنْ يكون كلُّهُ له، أو يكونَ بينه
وبين ابنه وكان موسراً، واختار الابنُ تضمينَهُ، [٢/ق٢٦٣/أ] ورجَعَ الأَبُ على العبد بما يضمنُ
فهو مكاتبُهُ، وإنْ كان معسراً أو كان موسراً واختارَ الابنُ الاستسعاءَ فهو مكاتبُ ابنِهِ، ومكاتبُ
الابن لا يجوزُ دفع الزَّكاة إليه كما لا يجوزُ دفعها إلى الابن، فافهم.
وبما قرَّرنا ظهَرَ أنَّ قوله: ((مُعسِراً)) ليس بقيدٍ احترازيٍّ كما قلنا، ولعلَّ فائدته رجوعُ شِقِّي
التعليل إلى المسألتين على سبيل اللفِّ والنشرِ المرتّب، ثمَّ إِنَّه سَمَّاه مكاتباً لأَنَّه يشبهُهُ في السِّعاية
وإِنْ خالفَهُ من بعضِ الأوجه كعدم الردِّ إلى الرِّقِّ.
(٨٥٦١] (قولُهُ: وأمَّا المشتركُ إلخ) قال في "البحر"(٣): ((ولو كان بين اثنين أجنبيّين، فأعتَقَ
أحدُهما حصَّنَّهُ وهو معسرٌ، واختارَ السَّاكتُ الاستسعاءَ فللمعتِقِ الدَّفعُ؛ لأنَّه مكاتبٌ لشريكه،
وليس للسَّاكتِ الدَّفعُ؛ لأَنَّه مكاتبُهُ، وإنْ كان المعتِقُ موسراً واختارَ السَّاكتُ تضمينَهُ فللسَّاكتِ
الدَّفْعُ إلى العبد؛ لأنّه أجنبيٌّ عنه، وليس للمعتِقِ الدَّفْعُ إذا اختار بعدَ تضمينه استسعاءَهُ)) اهـ.
[٨٥٦٢] (قولُهُ: لأَنَّه إمّ مكاتبُ نفسِهِ) أي: فيما إذا كان المزكِّي هو السَّاكتَ المستسعِي
وكان المعتقُ معسراً، أو كان المزكِّي هو المعتِقَ الموسر واستسعى العبدَ بعد أنْ ضمَّنَهُ السَّاكتُ،
(١) المقولة [١٦٦٤٧] قوله: ((وتلزمه السعاية للحال)) وما بعدها.
(٢) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٦/١.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٣/٢ بتصرف يسير.

الجزء السادس
٩٩
باب المصرف
مطلقاً؛ لأنَّه حرِّ كلُّهُ أو حرِّ مديونٌ، فافهم.
وقوله: ((أو غيرِهِ)) أي: فيما إذا كان المزكّي هو المعتِقَ في الصُّورة الأُولى، أو السَّاكتَ في الثانية
كما عُلِمَ مما ذكرناه(١) آنفاً عن "البحر"، ففي المسألتين الأُوليتين لا يجوزُ الدَّفْع إليه؛ لأَنَّه مكاتبُ
نفسه كما عُلِمَ من قوله: ((ولا إلى مملوكِ المزكّي ولو مكاتباً))، وفي الأخيرتين يجوزُ؛ لأنَّه مكاتبُ
غيره كما عُلِمَ من قول المتن سابقاً: ((ومُكَتَبٌ))، فقوله: ((لأَنَّه إلخ)) تعليلٌ لقولِهِ: ((فحكمُهُ
عُلِمَ مما مرَّ)، وهو ظاهرٌ، فافهم. قال في "النهر"(٢): ((فإنْ قلت: كيف يُتصوَّرُ دفعُ الزَّكاة من
المعسر؟! قلت: يُتصوَّرُ بأنْ يكونَ زكاةَ مالٍ مُستهلَكٍ قبل الإعتاق، ويكونَ وقتَ الإعتاق فقيراً)).
[٨٥٦٣] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان المعتقُ موسراً أو معسراً، والعبدُ كُلُّهُ له أو مشتركٌ بينه
وبين اينِهِ أو أجنبيّ.
[٨٥٦٤] (قولُهُ: لأَنّه حرّ كُلُّهُ) أي: غيرُ مديونٍ، وهو فيما إذا كان كلُّ العبد للمعتِقِ،
أو بعضُهُ وهو موسرٌ وضمَّنَهُ السَّاكتُ.
[٨٥٦٥] (قولُهُ: أو حرِّ مديونٌ) أي: فيما إذا كان المعتِقُ معسراً فإنَّ العبد يسعى للسَّاكت
وهو حرٌّ(٣).
[٨٥٦٦] (قولُهُ: فافهم) أشارَ [٢/ق٢٦٣/ب] به إلى أنَّه حرَّرَ المرادَ على وجهٍ لا يَرِدُ عليه
(قولُهُ: قلت: يُتصوَّرُ إلخ) وقال "الرَّحمتيُّ": ((ويمكن أنَّه أيسَرَ بعد ذلك وحالَ الحولُ على المال،
ولم يفرغ العبد من السِّعاية في نصيبِ ابنه، وقد علمتَ أنَّ الإعسار ليس بشرطٍ كما يأتي في باب عتق
البعض)) إهـ.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٢/ب.
(٣) في "د" زيادة: ((واعلم أن الساكت مخير بين أن يُعتِقَ نصيبَهُ أو يُدبِّره أو يُكاتِبَه أو يستسعيه إن كان المعتَّقُ معسراً،
وله التضمين أيضاً إن كان موسراً، هذا عنده، أما عندهما فليس له إلا الاستسعاءُ في الإعسار والتضمينُ في اليسار
كما يأتي في كتاب العتاق، "حاشية الحلبي")).

قسم العبادات
١٠٠
حاشية ابن عابدين
(و) لا إلى (غنيٌّ) يَملِكُ قَدْرَ نصابٍ فارغٍ عن حاجته الأصليَّة مِن أيِّ مالٍ كان
كمَن له نصابُ سائمةٍ لا تساوي مائتي درهٍ ..
ما أوردَهُ في "الدُّرر"(١) على عبارة "الهداية"(٢) وإِنْ تكلَّفَ شَرَّاحُها (٣) إلى تأويلها كما يُعلَمُ بمراجعة
ذلك.
[٨٥٦٧] (قولُهُ: ولا إلى غنيٌّ) استثنى منه "القُهُستانِيُّ"(٤) المكاتبَ وابنَ السَّبيل والعاملَ،
ومقتضاه جوازُ الدَّفع إلى المكاتب وإنْ حصَّلَ نصاباً زائداً على بدلِ الكتابة، وقدَّمنا (٥) نحوَهُ عن
"شرح ابن الشلبيّ"، وأمَّا دفعُها إلى السلطان فتقدَّمَ(٦) الكلام عليه أوَّل الزَّكاة، وكذا لو جمَعَ رجلٌ
الفقيرِ زكاةً من جماعةٍ.
[٨٥٦٨] (قولُهُ: فارغِ عن حاجتِهِ) قال في "البدائع"(٧): ((قدرُ الحاجة هو ما ذكرَهُ "الكرخيُّ"
في "مختصره" فقال: لا بأس أنْ يُعطَى من الزَّكاة مَن له مسكنٌ، وما يتأَنَّثُ به في منزله، وخادمٌ،
وفرسٌّ، وسلاحٌ، وثيابُ البدن، وكتبُ العلم وإنْ كان من أهله، فإنْ كان له فضلٌ عن ذلك تبلُغُ
قيمتُهُ مائتي درهمٍ حرُمَ عليه أخذُ الصدقة؛ لِما رُوي عن "الحسن البصريِّ) قال: ((كانوا - يعني
الصحابةَ - يعطون من الزَّكاة لمن يملكُ عشرة آلافٍ درهمٍ من السِّلاح والفرس والدَّار
والخدم(٨)، وهذا لأنَّ هذه الأشياءَ من الحوائج اللازمة التي لا بدَّ للإنسان منها،
٦٤/٢
(١) "الدرر": كتاب الزكاة - باب المصارف ١٨٩/١ - ١٩٠.
(٢) "الهداية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١١٣/١.
(٣) انظر "العناية" و"الكفاية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٠/٢ (هامش "فتح القدير")،
و"البناية": ٥٥٢/٣.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل: مصرف الزكاة ٢٠٨/١.
(٥) المقولة [٨٥١٤] قوله: ((ومكاتب)).
(٦) المقولة [٧٧٦٧] قوله: ((وشرعاً تمليك إلخ)).
(٧) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في الذي يرجع إلى المؤدى إليه ٤٨/٢.
(٨) لم نجده فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية.

الجزء السادس
١٠١
باب المصرف
وذكَرَ في "الفتاوى" فيمن له حوانيتُ ودورٌ للغلّة لكنَّ غَلَّتَها لا تكفيه ولعياله: أَنَّه فقيرٌ، ويحلُّ له
أخذُ الصدقة عند "محمَّدٍ"، وعند "أبي يوسف" لا يحلُّ، وكذا لو له كرمٌ لا تكفيه علُّهُ، ولو عنده
طعامٌ للقُوتِ يساوي مائتي درهمٍ فإنْ كان كفايةَ شهرٍ يحلُّ، أو كفايةَ سنةٍ قيل: لا يحلُّ، وقيل:
يحلُّ؛ لأَنَّه مستحقُّ الصَّرفِ إلى الكفاية، فُلحَقُ بالعدم، وقد ادَّخَرَ عليه الصلاة والسلام لنسائه
قوتَ سنةٍ(١)، ولو له كسوةُ الشتاء وهو لا يحتاجُ إليها في الصيف يحلُّ، ذكَرَ هذه الجملةَ
في "الفتاوى")) اهـ. وظاهرُ تعليله للقول الثاني في مسألةِ الطعام اعتمادُهُ.
وفي "التتار خانَّةً"(٢) عن "التهذيب": ((أَنَّه الصحيحُ))، وفيها (٣) عن "الصُّغرى": ((له دارٌ
يسكُها، لكنْ تزيدُ على حاجته - بأنْ لا يسكنَ الكلَّ - يحلُّ له أخذُ الصدقة في الصحيح))،
وفيها(٤): ((سُئل "محمَّدٌ" عمَّن له أرضٌ يزرعُها، أو حانوتٌ يستغلُّها، أو دارٌ غلّتُها ثلاثةُ آلافٍ
[٢ /ق٢٦٤/أ] ولا تكفي لنفقتِهِ ونفقة عياله سنةً يحلُّ له أخذُ الزَّكاة وإنْ كانت قيمتها تبلغ ألوفاً،
وعليه الفتوى، وعندهما لا يحلُّ)) اهـ ملخّصاً.
قلت: وسُئِلتُ عن المرأةِ هل تصيرُ غنيَّةً بالجهاز الذي تُزَفُّ به إلى بيتِ زوجها؟ والذي
يظهرُ مما مرَّ(٥) أنَّ ما كان من أثاثِ المنزل وثيابِ البدن وأواني الاستعمال مما لا بدَّ لأمثالها منه
(١) أخرجه أحمد ٤٨،٢٥/١، وعبد الرزاق في "مصنفه" (٩٧٧٢) باب خصومة علي والعباس، والبخاري (٢٩٠٤)
كتاب الجهاد - باب المِحَنّ ومن يتّرس بترس صاحب، ومسلم (١٧٥٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) كتاب الجهاد والسير -
باب حكم الفيء، وأبو داود(٢٩٦٣) و(٢٩٦٤) و(٢٩٦٥) كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب في صفايا
رسول الله ﴿ من الأموال، والترمذي (١٧١٩) كتاب الجهاد - باب ما جاء في الفيء، وقال: هذا حديث حسن
صحيح، والنسائي ١٣٢/٧ كتاب قسْم الفيء - باب (١).
(٢) "التاتر خانية": كتاب الزكاة - الفصل الثامن في المسائل المتعلقة بمن توضع فيه الزكاة ٢٧٨/٢.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الزكاة - الفصل الثامن في المسائل المتعلقة بمن توضع فيه الزكاة ٢٧٦/٢ بتصرف نقلاً عن "الخانية".
(٤) "التاترخانية": كتاب الزكاة - الفصل الثامن في المسائل المتعلقة بمن توضع فيه الزكاة ٢٧٧/٢ معزياً
إلى "المحيط". وأما ترجيح الفتوى فمنقول عن "الفتاوى العتابية".
(٥) في هذه المقولة.

قسم العبادات
١٠٢
حاشية ابن عابدين
كما جزَمَ به في "البحر" و"النهر"(١)، وأقرَّهُ "المصنّف"(٢) قائلاً: ((وبهم يظهرُ
ضعفُ ما في "الوهبانيَّة" و"شرحها": من أَنَّه تحلُّ له الزَّكاةُ وتلزمُهُ الزَّكاة )) اهـ
لكن اعتمَدَ في "الشرنبلاليَّة" ما في "الوهبانيَّة"، وحرَّرَ وجزَمَ: ((بأنَّ ما في "البحر"
وَهْمٌ )) (و) لا إلى (مملو کِهِ).
فهو من الحاجةِ الأصليّة، وما زاد على ذلك من الحُلِيِّ والأواني والأمتعة التي يُقصَدُ بها الزِّينة إذا بلَغَ
نصاباً تصيرُ به غنيّةً، ثمَّ رأيتُ في "التاتر خانَّةً"(٣) في باب صدقة الفطر: ((سُئل "الحسن بن عليٍّ).
عمَّن لها جواهرُ ولآلي تلبسُها في الأعياد، وتزيَّنُ بها للزَّوج وليست للتجارة هل عليها صدقةُ الفطر؟
قال: نعم إذا بلَغَتْ نصابً(٤)، وسئل عنها "عمرُ الحافظ "(٥) فقال: لا يجبُ عليها شيءٌ)) اهـ. وحاصلُهُ
ثبوت الخلافِ في أنَّ الحُلِيَّ غيرَ النقدين من الحوائج الأصليّة، والله تعالى أعلم.
[٨٥٦٩] (قولُهُ: كما جزَمَ به في "البحر"(٦)) حيث قال: ((ودخل تحتَ النّصابِ النامي
الْخَمْسُ من الإِبلِ، فإنْ ملَكَها أو نصاباً من السَّوائمِ من أيِّ مالٍ كان لا يجوزُ دفع الزَّكاة له سواءٌ
كان يساوي مائتي درهمٍ أوْ لا، وقد صرَّحَ به شُرَّاح "الهداية" عند قوله: من أيِّ مالٍ كان)) اهـ.
[٨٥٧٠] (قولُهُ: ما في "الوهبائيّة"(٧) أي: في آخرِها عند ذكرِ الألغاز.
[٨٥٧١] (قولُهُ: لكن اعتمَدَ في "الشرنبلالَّةَ"(٨) إلخ) حيث قال: ((وما وقَعَ في "البحر " (٩)
(١) "النھر": کتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٢/ب.
(٢) "منح الغفار": كتاب الزكاة - باب في بيان أحكام المصرف ١/ق٨٧/أ.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الصوم - الفصل الثالث عشر: في صدقة الفطر ٤١٨/٢ نقلاً عن "اليتيمة".
(٤) لم نعثر على هذا الخبر فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية.
(٥) لعله الإمام عمر بن محمد بن سعيد الموصلي الحافظ، صاحب "الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح مذهب
أبي حنيفة". ("الجواهر المضية" ٦٦٤/٢، "تاج التراجم" صـ ١٦٨-، "كشف الظنون" ١٧٣/١).
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٤/٢.
(٧) "الوهبانية": فصل في المعاياة صـ١١٥ - (هامش "المنظومة المحبية").
(٨) "الشرنيلالية": كتاب الزكاة - باب المصارف ١٩٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٩) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٤/٢.

الجزء السادس
١٠٣
باب المصرف
خلافَ هذا فهو وهمٌّ، فليتَبَّه له، وقد ذكَرَ خلافَهُ في ألغاز "الأشباه والنظائر"(١)، فقد ناقَدَ نفسَهُ،
ولم أر أحداً من شُرَّاح "الهداية" صرَّحَ بما ادَّعاه، بل عبارتُهم تفيدُ خلافَهُ، غيرَ أنّه قال في "العناية"(٢):
ولا يجوزُ دفعُ الزَّكاة إلى مَن مَلَكَ نصاباً سواءٌ كان من النقود أو السَّوائم أو العروض اهـ. فأوهَمَ
ما في "البحر"، وهو مدفوعٌ؛ لأنَّ قول "العناية": سواءٌ كان إلخ مفيدٌ تقديرَ النّصاب بالقيمةِ سواءٌ
كان من العُروض أو السَّوائم؛ لِما أنَّ العُرُوض ليس نصأبُها إلاَّ ما يبلغُ قيمتُهُ مائتي درهمٍ، وقد
صرَّحَ بأنَّ المعتبر مقدارُ النّصاب في "التبيين"(٣) وغيره، واستدلَّ له في "الكافي"(٤) بقوله ◌َ لَّ:
(قولُهُ: لِما أنَّ العُرُوض ليس نصابُها إلخ) مجرَّدُ كون العُرُوض ليس نصابها إلاَّ ما يبلغ قيمةَ مائتي
درهمٍ غيرُ مفيدٍ تقديرَ النّصاب من السَّوائم بالقيمة أيضاً لظهور الفرق بينهما، فإنَّ العروض تعتبر ماليُّها
لا أعيانها، والسوائمُ المراعى فيها أعيانُها لا ماليّتها. وقال العلاَّمة "السنديُّ": ((ما ذكرَهُ من عدم ذكر
شُرَّاحِ "الهداية" غيرُ مسلَّمٍ؛ لأَنَّهم الَّفقوا على ذكر قولهم: لا تُدفَعُ الزَّكاة لمن يملكُ نصاباً من أيٍّ مال
كان، وعدلوا عن قولهم: الغنيُّ مَن لا يملك مائتي درهمٍ أو قيمتها، وإنما تعتبرُ في السوائم إن لم تبلغ
نصاباً من حيث أعدادُها كثلاثٍ من الإبل سائمةٍ يُنظَرُ إلى قيمتها، إنْ ساوت مائتي درهمٍ منَعَتْ
صاحبَها عن أخذ الزكاة، لا أَنَّه يلتفت إلى القيمة مع وجود أصل النصاب من ذلك المال))، وقال: ((قال
"الرَّحمتيُّ": ولصاحب "البحر" أن يقول لمن خالفه: مَن ملَكَ نصاباً غيرَ النقدين هل هو غنيٌّ أم فقيرٌ؟ فإن قيل
فقيرٌ يقول: كيف وجَبَتْ عليه الزَّكاة ولا زكاةَ إلاَّ عن ظهرِ غِنى؟! وإن قيل غنيٌّ يقول: كيف يحلُّ للغنيِّ
أخذ الزكاة؟!)) اهـ. فالحاصلُ أنَّ نظر المتأمِّل إلى ظواهر الحديث يقوِّي ما مالَ إليه "الشرنبلاليُّ"، وإن التّفَتَ
إلى قول الفقهاء: الغنيُّ مَن مَلَكَ نصاباً من أيِّ مالٍ كان ترجَّحَ ما قاله في "البحر".
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الرابع - كتاب الزكاة صـ ٤٦٨ -.
(٢) "العناية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٥/٢ (هامش "فتح القدير").
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٣٢٠/١.
(٤) "كافي النسفي": كتاب الزكاة - باب المصرف ١/ق ٧١/أ.

قسم العبادات
١٠٤
حاشية ابن عابدين
(( مَن سألَ وله ما يُغنيه فقد سألَ الناس إلحافاً))، قيل: وما الذي يُغنيه؟ قال: ((مائتا درهمٍ
أو عَدْلُها))(١) اهـ. فقد شملَ الحديثُ اعتبار السَّائمة [٢/ق ٢٦٤/ب] بالقيمةِ لإطلاقه، وقد نصّ
على اعتبارِ قيمة السَّوائم في عدَّةِ كتبٍ من غيرِ خلافٍ في "الأشباه"(٢) و"السِّراج"(٢)
و "الوهبانَّة"(٤) وشرحيها(٥) و"الذَّخائر الأشرفية"(٦)، وفي "الجوهرة"(٧): قال "المرغينانيُّ(1):
إذا كان له خمسٌ من الإِبل قيمتُها أقلُّ من مائتي درهمٍ تحلُّ له الزَّكاةُ وتجبُ عليه، وبهذا ظهَرَ أنَّ
المعتبر نصابُ النَّقد من أيِّ مالٍ كان، بلَغَ نصاباً من جنسه أو لم يبلغ اهـ ما نقَلَهُ عن "المرغينانيّ"))
اهـ ما في "الشرنبلاليَّة" ملخصاً.
ووفَّقَ "ط"(٩): ((بأَنَّ رُوِي عن "محمَّدٍ" روايتان في النّصابِ المحرِّم للزَّكاة هل المعتبرُ فيه
(قولُهُ: إلحافاً) أي: إلحاحاً.
(١) أخرجه أحمد ٧/٣ - ٩ بنحوه، وأبو داود (١٦٢٧) و(١٦٢٨) كتاب الزكاة - باب من يعطي من الصدقة، وحدّ
الغنى، والنسائي ٩٨/٥ كتاب الزكاة - باب من الملحف، والدار قطني في "السنن" ١١٨/٢ كتاب الزكاة - باب
لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٤٤٧) كتاب الزكاة - باب التغليظ في مسألة
الغني من الصدقة، والطحاوي في "معاني الآثار" ٢٠/٢ كتاب الزكاة - باب ذي المرة السوي الفقير هل يحل له
الصدقة أم لا؟ وانظر "فتح الباري" ٢٠٣/٨، وابن حبان (٣٣٩٠) كتاب الزكاة - باب المسألة والأخذ وما يتعلق به
من المكافأة والثناء والشكر.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الرابع - كتاب الزكاة صـ ٤٦٨ -.
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١/ق ٤٦١/ب.
(٤) "الوهبانية": فصل في المعاياة صـ ١١٥- (هامش "المنظومة المحبية").
(٥) انظر "تفصيل عقد الفرائد": فصل في المعاياة ق ٣٥٤/أ.
(٦) "الذخائر الأشرفية": كتاب الزكاة صـ٧٧ -.
(٧) "الجوهرة النيرة": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١٦٠/١.
(٨) لم نعثر على هذا النقل في "الهداية".
(٩) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٧/١ بتصرف.

الجزء السادس
١٠٥
باب المصرف
أي: الغنيِّ ولو مُدَّراً أو زَمِناً ليس في عيال مولاه، أو كان مولاه غائباً.
القيمةُ أو الوزن؟ ففي "المحيط" عنه الأوَّلُ، وفي "الظهيريَّةِ"(١) عنه الثاني، وتظهرُ الثَّمرة فيمن له
تسعةَ عشرَ ديناراً قيمتُها ثلثمائةِ درهم مثلاً، فيحرُمُ أخذُ الزَّكاة على الأوَّلِ لا على الثاني، والظاهرُ
أنَّ اعتبار الوزن في الموزون لتأْتِيه فيه، أمَّ المعدودُ كالسَّائمة فُيُعتبرُ فيها العددُ على الرِّواية الثانية،
وعليها يُحمَلُ ما في "البحر"، وعلى رواية "المحيط" من اعتبارِ القيمة يُحمَلُ ما في "الشرنبلالَيَّةً"
وغيرها، وبه يندفعُ التنافي بين كلامهم)) اهـ.
أقول: وفيه نظرٌ، فإنَّ قوله: ((أمَّ المعدودُ كالسَّائمة فُعتبَرُ فيها العددُ)) هو مسلَّمٌ في حقِّ
وجوبِ الزّكاة، أمَّا في حقِّ حرمةِ أخذها فهو محلُّ النزاع، فقد يقال: إذا كان اختلافُ الرِّواية في
الموزونِ يكونُ المعدودُ معتبراً بالقيمة بلا اختلافٍ كما تُعتبرُ القيمة اتّفاقاً في العُرُوض، وقد علمتَ
أنَّ ما ذكرَهُ في "البحر" لم يُصرِّح به شُرَّاح "الهداية"، وإنما صرَّحُوا بما مرَّ(٢) عن "العناية"، وقد
علمتَ تأويلَهُ مع تصريحِ "المرغينانيّ" بما يزيلُ الشُّبهة من أصلها، فلم يحصل التنافي بين كلامهم
حتّى يُقتحَمَ التوفيقُ البعيد، وإنما حصَلَ التنافي بين ما فَهِمَهُ في "البحر" وبين ما صرَّحَ بِه غيرُهُ،
والواجبُ الرُّجوعُ إلى ما صرَّحُوا به حتَّى يُرى تصريحٌ آخرُ منهم بخلافه يحصلُ به التنافي، فحينئذٍ
يُطَلَبُ منه التوفيقُ، فافهم.
[٨٥٧٢] (قولُهُ: أي: الغنيِّ) احترَزَ به عن مملوكِ الفقير، فيجوزُ دفعُها إليه كما في "منية
المفتي"، "ط" (٣).
[٨٥٧٣] (قولُهُ: ولو مدبّراً) مثلُهُ أُّ الولد كما في "البحر)(٤).
[٨٥٧٤] (قولُهُ: أو زَمِناً إلخ) أي: ولا يجدُ ما يُنفِقُهُ كما في "الذَّخيرة".
٦٥/٢
(١) "الظهيرية": كتاب الزكاة - المقطعات ١/ق ٥٤/أ - ب.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٨/١.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٤/٢.

قسم العبادات
١٠٦
حاشية ابن عابدين
على المذهب؛ لأنَّ المانع وقوعُ الملك لمولاه (غيرِ المكاتبِ) والمأذون والمديون
بمُحيطٍ فيجوزُ.
[٨٥٧٥] (قولُهُ: على المذهبِ) أي: حيث أطلَقَ فيه العبدَ، [٢/ق٢٦٥/أ] وهذا راجعٌ
إلى قوله: ((أو زَمِناً))، قال في "الذَّخيرة": ((ورُوي عن "أبي يوسف" جوازُ الدَّفْع إليه)) اهـ.
قال في "الفتح"(١): ((وفيه نظرٌ؛ لأَنَّه لا ينتفي وقوعُ الملك لمولاه بهذا العارضِ وهو المانعُ،
وغاية ما فيه وجوبُ كفايته على السيِّد وتأثيمُهُ بتركه، واستحبابُ الصَّدقة النافلةِ عليه، وقد يجابُ
بأنَّه عند غَيةِ مولاه الغنيِّ وعدمٍ قدرته على الكسب لا يَنْزِلُ عن حالِ ابن السَّبيل)) اهـ.
قال في "البحر"(٢): ((وقد يقال: إنَّ الملك هنا يقعُ للمولى وليس بمصرفٍ، وأمَّا ابنُ السَّبيل
فمصرفٌ، فالأَولى الإطلاقُ كما هو المذهب)) اهـ
قلت: مرادُ صاحب "الفتح" إلحاقُهُ بابنِ السَّبِيل في جوازِ الدَّفع إليه للعجز مع قيامِ المانع كما
أُلحِقَ به مَن له مالٌ لا يقدرُ عليه كما مرَّ(٣)، فإذا جاز فيه مع تحقَّقِ غِناه ففي العبدِ العاجز من كلِّ
وجهٍ أَولى، لكنْ قد يُنازَعُ في صحَّةِ الإِلحاق بأنَّ الزَّكاة لا بدَّ فيها من التمليك والعبدُ لا يَمِلِكُ،
وإِنْ مَلَكَ ففي ابن السَّبيل ونحوه وقَعَ الملكُ في محلِّ العجز فجازَ الدَّفعُ، وفي العبد وقَعَ في غير محلٌّ
العجز؛ لأنَّ الملك يقعُ للمولى، إلاَّ أنْ يُدَّعى وقوعُهُ للعبد هنا إحياءً لِمُهجته حيث لم يَجِد متبرِّعاً.
[٨٥٧٦] (قولُهُ: غيرِ المكاتبِ) أي: مكاتبِ الغنيِّ.
[٨٥٧٧] (قولُهُ: بمحيطٍ) أي: بدينٍ محيطٍ، أي: مُستغرِقٍ لرقبته ولِما في يده.
[٨٥٧٨] (قولُهُ: فيجوزُ) جوابٌ لشرطٍ مقدَّرٍ، أي: أمَّا المكاتبُ والمأذونُ المذكور فيجوزُ دفعُ
الزَّكاة إليهما، أمَّا المكاتبُ فقد مرَّ(٤)، وأمَّا المأذونُ فلعدمِ ملك المولى أكسابَهُ في هذه الحالةِ عند
(١) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١١/٢.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٤/٢ - ٢٦٥.
(٣) المقولة [٨٥٣١] قوله: ((من له مال لا معه)).
(٤) المقولة [٨٥١٤] قوله: ((ومكاتب)).

الجزء السادس
١٠٧
باب المصرف
(و) لا إلى (طفلِهِ) بخلاف ولدِهِ الكبيرِ وأبيه وامرأتِهِ الفقراءِ وطفلِ الغنيّة، فيجوزُ
لانتفاءِ المانع (و) لا إلى (بني هاشمٍ) إلاّ مَن أبطَلَ النصُّ قرابتَهُ.
"الإِمام" خلافاً لهما كما في "البحر"(١).
[٨٥٧٩] (قولُهُ: ولا إلى طفلِهِ) أي: الغنيِّ، فُيُصرَفُ إلى البالغ ولو ذكراً صحيحاً،
"قُهُستاني"(٢). فأفادَ أنَّ المراد بالطفل غيرُ البالغ ذكراً كان أو أنثى، في عيالِ أبيه أوْ لا على الأصحِّ
لِمَا أَنَّه يُعَدُّ غنّاً بغناه، "نهر "(٣).
[٨٥٨٠] (قولُهُ: بخلافٍ ولدِهِ الكبيرِ) أي: البالغ كما مرَّ(٤) ولو زَمِناً قبل فرضِ نفقتِهِ إجماعاً،
وبعده عند "محمَّدٍ" خلافاً لـ "الثاني"، وعلى هذا بقيَّةُ الأقارب، وفي بنت الغنيِّ ذاتِ الزَّوجِ
خلافٌ، والأصحُّ الجوازُ، وهو قولُهما وروايةٌ عن "الثاني"، "نهر " (٥).
[٨٥٨١] (قولُهُ: وطفلِ الغنيّةِ) أي: ولو لم يكن له أبٌ، "بحر "(٦) عن "القنية(٧).
[٨٥٨٢] (قولُهُ: لانتفاءِ المانع) علَّةٌ للجميع، والمانعُ أنَّ الطّفل يُعَدُّ غنيّاً بغنى أبيه بخلاف
[٢/ق٢٦٥/ب] الكبير، فإنَّه لا يُعَدُّ غنياً بغنى أبيه، ولا الأبُ بغنى ابنه، ولا الزَّوجةُ بغنى زوجها،
ولا الطّفلُ بغنى أمِّه)، "ح"(٨) عن "البحر "(٩).
(٨٥٨٣] (قولُهُ: وبني "هاشم)" إلخ) اعلم أنَّ "عبد مناف" - وهو الأبُ الرَّابع للنبيِّ صلَّى
الله تعالى عليه وسلَّم - أعقَبَ(١٠) أربعةً، وهم "هاشمٌ" و"الطَّلِبُ" و"نوفلٌ" و"عبدُ شمسٍ"،
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٤/٢.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل: مصرف الزكاة ٢٠٨/١.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٣/أ بتصرف يسير.
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٣/أ.
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٥/٢.
(٧) لم نعثر على هذا النقل في "القنية".
(٨) "ح": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١٢٢/أ.
(٩) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٥/٢.
(١٠) في "آ" : ((أبقى)).

قسم العبادات
١٠٨
حاشية ابن عابدين
وهم بنو لهبٍ، فتحلُّ لمن أسلَمَ منهم كما تحلُّ
ثُمَّ "هاشمٌ " أعقَبَ أربعةً انقطَعَ نسلُ الكلِّ إلاَّ "عبدَ المطّلب"، فإنّه أعقَبَ اثني عشرَ تُصرَفُ الزَّكَاةُ
إلى أولادٍ كلِّ إذا كانوا مسلمين فقراءَ إلاَّ أولادَ "عَّاسِ" و"حارثٍ" وأولادَ "أبي طالبٍ" من "عليّ"
و"جعفرِ" و"عقيلِ"، "قُهُستاني"(١). وبه عُلِمَ أنَّ إطلاق بني هاشمٍ مما لا ينبغي؛ إذ لا تحرُمُ عليهم
كلِّهم بل على بعضهم، ولهذا قال في "الحواشي السعديَّة"(٢): ((إنَّ آل أبي لهبٍ يُنسَبون أيضاً
إلى هاشمٍ، وتحلُّ لهم الصدقة)) اهـ.
وأجاب في "النهر"(٣) بقوله: ((وأقولُ: قال في "النافع" بعد ذكرٍ بني هاشمٍ: إلاَّ مَن أبطَلَ
النصُّ قرابتهُ، يعني به قولَهُ مَّ: (( لا قرابةَ بيني وبين "أبي لهبٍ"، فإنَّه أثَّرَ علينا الأفحرَيْنِ)) (٤)،
وهذا صريحٌ في انقطاعٍ نسبته عن "هاشم)"، وبه ظهَرَ أنَّ في اقتصار "المصنّف" على بني "هاشمٍ"
كفايةً، فإنَّ مَن أسلَمَ من أولادِ "أبي لهبٍ" غيرُ داخلٍ لعدم قرابته، وهذا حسنٌ جدًّاً لم أرمَن نحا
نحوَهُ، فتدَبَّره)) اهـ.
[٨٥٨٤] (قولُهُ: بنو لهبٍ) في بعضِ النسخ: ((بنو "أبي لهبٍ"))، وهي أصوبُ.
: [٨٥٨٥] (قولُهُ: فتحلُّ لهم(٥)) هذا ما جَرَى عليه جمهورُ الشارحين خلافاً لما في "غاية البيان"
(قولُهُ: فإنَّه آثَرَ علينا الأفحرَيْنِ) لعلَّهما أبو جهلٍ والوليد بن المغيرة، فإنَّهما آذياه عليه الصلاة
والسلام غايةَ الإيذاء، وهذا إذا كان بلفظِ التثنية، وإن كانت الرِّواية بلفظ الجمع فالمرادُ مطلقُ فاجٍ
حصَلَ منه الإيذاء، تأمَّل.
(١) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل: مصرف الزكاة ٢٠٨/١.
(٢) "الحواشي السعدية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٣/٢ (هامش "فتح القدير").
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٣/أ باختصار.
(٤) لم نجده فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية.
(٥) قوله: ((فتحل لهم)) هكذا بخطه، ولعلها نسخة، وإلاّ فالذي في نسخ الشارح: ((فتحل لمن أسلم منهم))، وهو
أصرح بالمراد. اهـ مصححه.

الجزء السادس
١٠٩
باب المصرف
لبني المطّلِبِ. ثمَّ ظاهرُ المذهب إطلاقُ المنع، وقولُ "العينيِّ"(١): ((والهاشميُّ يجوزُ
له دفعُ زكاتِهِ لمثلِهِ)) صوابُهُ: لا يَجوزُ، "نهر" (و) لا إلى (مَوَاليهم) أي: عُتقائِهم،
كما في "البحر"(٢) و"النهر"(٣).
(٨٥٨٦] (قولُهُ: لبني "المطّلبِ") أي: لِمَن أسلم منهم، وهو أخو "هاشمٍ" كما مرَّ(٤).
[٨٥٨٧] (قولُهُ: إطلاقُ المنع إلخ) يعني: سواءٌ في ذلك كلُّ الأزمان، وسواءٌ في ذلك دفعُ
بعضهم لبعضٍ ودفعُ غيرهم لهم، ورَوَى "أبو عصمة" عن "الإِمام": ((أَنَّه يجوزُ الدَّفْعُ إلى بني
"هاشٍ" في زمانه؛ لأنَّ عوضها - وهو خمسُ الخمس - لم يصلْ إليهم لإهمالِ الناس أمرَ الغنائمِ
وإيصالِها إلى مستحقّيها، وإذا لم يَصِلْ إليهم العوضُ عادوا إلى المعوَّض))، كذا في "البحر"(٥)،
وقال في "النهر"(٦): ((وجوَّزَ "أبو يوسف" دفعَ بعضهم إلى بعضٍ، وهو روايةٌ عن "الإِمام"، وقول
"العينيِّ"(٧): والهاشميُّ يجوزُ له أنْ يدفع زكاتَهُ إلى هاشميِّ مثلِهِ عند "أبي حنيفة" خلافاً
لـ "أبي يوسف" صوابُهُ: لا يُحزي ، ولا يصحُّ حَملُهُ على اختيارِ الرِّواية السابقة عن "الإمام" لمن
تأمَّلَ)) [٢/ق ٢٦٦/أ] اهـ.
ووجهُهُ أَنَّه لو اختارَ تلك الرِّوايةَ ما صحَّ قولُهُ: ((خلافاً لـ "أبي يوسف"))؛ لِما علمتَ
من أَنَّه موافقٌ لها، وفي اختصارِ "الشارح" بعضُ إيهام. أهـ "ح"(٨).
(١) "رمز الحقائق": ٥٩/١.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٥/٢.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٣/أ.
(٤) المقولة [٨٥٨٣] قوله:((وبني هاشم)).
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٦/٢ مشيراً إلى رد رواية أبي عصمة.
(٦) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٣/أ.
(٧) "رمز الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٩٥/١.
(٨) "ح": كتاب الزكاة - باب- المصرف ق١٢٢/ب.

قسم العبادات
١١٠
حاشية ابن عابدين
٠
فَأَرِقّاؤُهم أَولى لحديث: ((مَولى القومِ منهم))، وهل كانت تُحِلُّ لسائر الأنبياء؟
خلافٌ).
[٨٥٨٨] (قولُهُ: فأرِقًّاؤُهم أَولى) أي: بالمنع؛ لأنَّ تمليك الرَّقيق يقعُ لمولاه بخلاف العتيق، قال
في "النهر"(١): ((قَيِّد بمواليهم لأنَّ مولى الغنيِّ يجوزُ الدَّفع إليه)).
[٨٥٨٩] (قولُهُ: لحديثِ: مَولى القومِ منهم) رواه "أبو دواد" و"الترمذيُّ" و"النسائيُّ" بلفظِ:
(( مولى القومٍ من أنفسهم، وإنَّا لا تحلُّ لنا الصدقة))، قال "الترمذيُّ": ((حسنٌ صحيحٌ))، وكذا
صحَّحَهُ "الحاكم"(٢)، "فتح "(٣). وهذا في حقِّ حلِّ الصدقة وحرمتها لا في جميعِ الوجوه (٤)،
٦٦/٢ ألا ترى أنَّه ليس بكفء لهم، وأنَّ مولى المسلم إذا كان كافراً تُؤَخَذُ منه الجزيةُ، ومولى التغلبيِّ
لا تُؤخَذُ منه المضاعفة بل الجزيةُ؟ "نهر" (٥).
قلت: سيأتي(٦) في باب الكفاءة في النكاح أنَّ مُعتَقَ الوضيع ليس بكفءٍ لِمُعتَقَةِ الشَّريف.
[٨٥٩٠] (قولُهُ: لسائرِ الأنبياء؟) أي: لباقيهم.
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٣/ب.
(٢) أخرجه أحمد ٨/٦ - ١٠، وأبو داود (١٦٥٠) كتاب الزكاة - باب الصدقة على بني هاشم، والترمذي (٦٥٧)
كتاب الزكاة - باب (٢٥)، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي ١٠٧/٥ كتاب الزكاة - باب مولى القوم منهم،
والحاكم ٤٠٤/١ كتاب الزكاة - باب تحريم الصدقة على بني هاشم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه، ووافقه الذهبي، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٨/٢، وابن خزيمة (٢٣٤٤) كتاب الزكاة - باب الزجر
عن استعمال موالي رسول الله لي على الصدقة، وابن حبان (٣٢٩٣) كتاب الزكاة - باب مصارف الزكاة،
والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٢/٧ كتاب الصلاة - باب من زعم أن موالي رسول الله صلّ يدخلون في هذه
الجملة، والبغوي في "شرح السنة" (١٦٠٧)، كلهم من حديث أبي رافع له مرفوعاً، وفي الباب عن ابن عباس،
وأنس بن مالك، ومهران مولى رسول الله صل®، وعطاء بن السائب، وأبي هريرة ﴾.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٣/٢.
(٤) من ((صحيح)) إلى ((الوجوه)) ساقط من "آ".
(٥) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٣/ب.
(٦) المقولة [١١٧٧٣] قوله: ((وأمّا معتق الوضيع إلخ)).

الجزء السادس
١١١
باب المصرف
واعتمَدَ في "النهر" حِلَّها لأقربائهم لا لهم.
(وجازت التَّطوُّعاتُ من الصَّدقاتِ و) عَلَّةِ (الأوقافِ لهم) أي: لبني هاشمٍ، سواءٌ
سَمَّاهم الواقفُ أوْ لا على ما هو الحقُّ كما حقَّقَهُ في "الفتح"،.
(١ ٨٥٩] (قولُهُ: واعتمَدَ في "النهر"(١) إلخ) هو اعتمادٌ لثاني القولين الآتي(٢) نقلُهُما عن
"المبسوط"(٣)، وفي "حواشي مسكين"(٤) عن "الحمويّ" عن "شرح البخاريّ" لـ "ابن بطَّالِ":
((الْفَقَ الفقهاءُ على أنَّ أزواجه ﴿ لا يدخلن في الذين حُرِّمت عليهم الصدقة))، ثمَّ قَال
"الحمويُّ": ((وفي "المغني"(٥) عن "عائشة" رضي الله عنها: «إِنَّا - آل محمَّدٍ - لا تَحَلُّ لنَا
الصدقة))(٦)))، قال: ((فهذا يدلُّ على تحريمها عليهنَّ)) اهـ، تأمَّل.
(٨٥٩٢] (قولُهُ: وجازَت التطوُّعاتُ إلخ) قَّدَ بها ليُخرِجَ بقَيَّةَ الواجبات كالنَّذر والعشر
والكفَّارات وجزاء الصيد إلاَّ خُمسَ الرِّكاز، فإِنَّه يجوزُ صرفه إليهم كما في "النهر)(٧)
عن "السِّراج"(٨).
[٨٥٩٣] (قولُهُ: كما حقَّقَهُ في "الفتح"(٩) أقول: نقل في "البحر"(١٠) عن عدَّةٍ كتبٍ: ((أنَّ النفل
جائزٌ لهم إجماعاً))، وذكَرَ: ((أَنَّه المذهبُ، وأَنَّه لا فرقَ بين التطوُّعِ والوقف كما في "المحيط"
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٣/ب.
(٢) صـ ١١٣ - "در".
(٣) "المبسوط": كتاب الكسب ٢٧٥/٣ بتصرف.
(٤) "فتح المعين": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤١١/١.
(٥) "المغني" لابن قدامة: كتاب الزكاة - امتناع الزكاة على آل الرسول وَل= ٤٩٠/٣.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠٤/٣ كتاب الزكاة - باب من قال: لاتحل الصدقة على بني هاشم، وانظر الحديث المتقدم
صـ ١١٠ -.
(٧) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٣/أ.
(٨) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١/ق ٤٥٩/ب بتصرف.
(٩) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٢/٢. وفي "د" زيادة: ((قال في "الهداية":
ولا يدفع إلى بني هاشم، لقوله﴾: يا بني هاشم، إن الله حرَّمَ عليكم غسالة الناس وأوساخهم، وعوَّضكم منها بخمس
الخمس، بخلاف التطوع؛ لأن المال هنا كالماء يتدنّس بإسقاط الفرض، أما التطوع فبمنزلة التبرد بالماء انتهى)).
(١٠) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٥/٢.

قسم العبادات
١١٢
حاشية ابن عابدين
لكنْ في "السِّراج" وغيره: ((إِنْ سَمَّاهم جازَ، وإلاَّ لا)).
قلت: وجعَلَهُ "محشِّي الأشباه".
.
و"كافي النسفيِّ"(١)، وأنَّ "الزيلعيَّ)) (٢) أثْبَتَ الخلافَ على وجهٍ يُشعِرُ بحرمةِ التطوُّعِ عليهم، وقوَّاهُ
في "الفتح"(٣) من جهة الدليل)) اهـ.
قلت: وذكَرَ في "الفتح"(٤): ((أنَّ الحقَّ إجراءُ الوقف مُجرى النافلة؛ لأنَّ الواقف متبرِّعٌ،
ووجوبُ الدَّفع على الناظر لوجوبِ اتّباعِهِ لشرطِ الواقف لا يصيرُ به واجباً على الواقف))، ونقَلَ
"ح"(٥) عبارتَهُ بطولِها، وحاصلها ترجيحُ منع الوقف عليهم كالنافلة، [٢/ق٢٦٦/ب] وبه يظهرُ
ما في كلام "الشارح"، فإنَّ مُفاده أنَّ كلام "الفتح" في الوقفِ فقط، وأَنَّه يحلُّ لهم، لكنْ وقَعَ
في نسخةٍ كَتَبَ عليها "ح" بزيادةٍ: ((وقيل: لا مطلقاً)) قبل قوله: ((على ما هو الحقُّ))، وبها يصحُّ
الكلامُ، وسقطت هذه الزِّيادةُ وما بعدها في بعض النسخ إلى قوله: ((ولا تُدفَعُ إلى ذمِّيِّ)).
[٨٥٩٤] (قولُهُ: لكنْ في "السِّراج"(٦) وغيره) عزاه في "البحر "(٧) إلى "شرح الطحاويِ"
وغيره.
[٨٥٩٥] (قولُهُ: وجعَلَهُ محشِّي "الأشباه") أي: الشيخُ "صالح الغزِّيُّ" ابنُ "المصنّف"، وكذا
"البيري" شارح "الأشباه"، والضميرُ إلى ما في "السِّراج" وغيره، "ط " (٨).
(١) "كافي النسفي": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ٧١/أ.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٣٠٣/١.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٢/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٢/٢.
(٥) "ح": کتاب الز کاة ۔ باب المصرف ق١٢٢/ب.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١/ق ٤٥٩/ب - ٤٦٠/أ، نقلاً
عن الكرخي.
(٧) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٥/٢.
(٨) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٩/١.

الجزء السادس
١١٣
باب المصرف
محملَ القولين، ثمَّ نقَلَ عن صاحب "البحر" عن "المبسوط"(١): ((وهل تحلُّ الصَّدقةُ
لسائر الأنبياء؟ قيل: نعم، وهذه خصوصيَّةٌ لنبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، وقيل: لا، بل
تحلُّ لقرايتهم، فهي خصوصيّةٌ لقرابةِ نبيِّنا إكراماً وإظهاراً لفضيلته بَلَيْ))، فليحفظ.
(و) لا تُدفَعُ إلى (ذَمِّيٌّ) لِحديثِ "معاذٍ" (وجازَ) دفعُ (غيرِها ..
[٨٥٩٦] (قولُهُ: محملَ القولين) أي: محملَ القول بالجواز على ما إذا سَمَّاهم، وبعدمه على
ما إذا لم يُسَمِّهم كما إذا وقَفَ على الفقراءِ، ولعلَّ وجهَهُ أَنَّه حينئذٍ يكونُ صدقةً من كلِّ وجهٍ،
فلا يجوزُ الدَّفْعُ إلى فقرائهم بخلاف ما إذا سَمَّاهم؛ لأَنَّه يكونُ تبرُّعاً وصِلةً لا صدقةً، فهو كما
لو وقَفَ على جماعةٍ أغنياءَ ثمَّ على الفقراءِ، ويؤيِّدُهُ ما في "خزانة المفتين"(٢): ((لو قال: مالي لأهلِ
بيت النبيِّ ﴿ وهم يُحصَون جاز؛ لأنَّ هذه وظيفةٌ وليست بصدقةٍ، ويُصرَفُ إلى أولادٍ "فاطمةً"
رضي الله عنها)) اهـ.
[٨٥٩٧] (قولُهُ: ثُمَّ نقَلَ عن صاحب "البحر"(٣) إلخ) هذا موجودٌ في بعضِ النسخ، والأصوبُ
إسقاطُهُ لتكوُّرِهِ بقوله المارّ(٤): ((وهل كانت تحلُّ إلخ)).
[٨٥٩٨] (قولُهُ: لحديثِ "معاذٍ"(٥)) أي: المارّ(٦) عند قوله: ((ومكاتبٌ))؛ إذ لا خلافَ أنَّ
الضمير في (( أغنيائهم)) يرجعُ للمسلمين، فكذا في فقرائهم، "معراج".
(١) "المبسوط": كتاب الكسب: ٢٧٥/٣٠ بتصرف.
(٢) "خزانة المفتين": للحسين بن محمد بن حسين السَّمَنْقاني الحنفي (ت ٧٤٦هـ). ("كشف الظنون" ٧٠٣/١، وجاء
فيه: السميقاني، فرجَّحَ الواقفُ على طبعه أن يكون السَّمَنْقاني، ولم يتعرض لسنة وفاته، "هدية العارفين" ٣١٤/١،
ونسبته فيها: السمعاني، "الأعلام" ٢٥٦/٢).
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٦/٢.
(٤) صـ ١١٠ - "در".
(٥) في "د" زيادة: ((واعترض بأن فيه زيادة على الكتاب، وأجيب بأنه مشهور، وبفرض أن لا يكون، فَعَدَّ منه الفقير
الحربي بالقطعي وأصله وفروعه بالإجماع، فجاز تخصيصه حينئذ بخبر الواحد كما تقرر في محله. انتهى)).
(٦) صـ ٨٣ - "در".

قسم العبادات
١١٤
حاشية ابن عابدين
وغيرِ العُشرِ) والخراجِ (إليه) أي: الذمِّيِّ ولو واجباً كَنَذْرٍ وكفَّارٍ وفطرةٍ خلافاً
ے
لـ "الثاني"، وبقوله يُفتَى، "حاوي القدسيِّ". وأمَّا الحربيُّ - ولو مُستأمِناً ـ فجميعُ
الصَّدقات لا تجوزُ له اتّفاقاً، "بحر "(١).
[٨٥٩٩] (قولُهُ: غيرِ العشرِ(٢)) فإِنَّه مُلحَقٌ بالزَّكاة، ولذا سَمَّوه زكاةَ الزَّرع، وأمَّا الخراجُ
فليس من الصدقاتِ التي الكلامُ فيها، ومصرفُهُ مصالِحُ المسلمين كما مرَّ(٣)، ولذا لم يَستثنِ
في "الكنز"(٤) و "الهداية" (٥) إلاَّ الزّكاةَ.
[٨٦٠٠] (قولُهُ: خلافاً لـ "الثاني") حيث قال: إنَّ دَفْعَ سائرِ الصدقاتِ الواجبةِ إليه لا يجوز
اعتباراً بالزَّكاة، وصرَّحَ في "الهداية"(٦) وغيرها: ((بأنَّ هذه روايةٌ عن "الثاني"))، وظاهرُهُ أنَّ قوله
المشهورَ كقولهما.
[٨٦٠١] (قولُهُ: وبقولِهِ يُفتَى) الذي في "حاشية الخير الرَّمليِّ" عن "الحاوي"(٧): ((وبقوله
نأخذُ)).
قلت: لكنَّ كلام "الهداية"(٨) وغيرها يفيدُ ترجيح قولهما، وعليه المتون.
[٨٦٠٢] (قولُهُ: وأمَّ الحربيُّ) محترزُ الذِّيِّ.
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦١/٢.
(٢) قوله: ((غير العشر)) هكذا بخطه، بدون واو، والذي في نسخ الشارح: ((وغير العشر)) بالواو، والمآل واحد،
تأمل اهـ مصححه.
(٣) المقولة [٨٤٨٩] قوله: ((وثالثها حواه مقاتلون)).
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الزكاة - باب المصرف ٩٤/١.
(٥) "الهداية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١١٣/١.
(٦) "الهداية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١١٣/١.
(٧) "الحاوي القدسي": كتاب الزكاة - فصل: ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصاباً إلخ ق ٥٩/ب، وفيه:
((وهو الفتوى)).
(٨) "الهداية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١١٣/١.

الجزء السادس
١١٥
باب المصرف
عن "الغاية" وغيرها، لكنْ حزَمَ "الزيلعيُّ" بجوازِ التطوُّع له.
(دفَعَ بَتَحَرِّ لِمَن يظُنُّهُ مَصرِفاً.
[٨٦٠٣] (قولُهُ: عن "الغاية") أي: "غاية البيان"، وقولُهُ: ((وغيرِها)) أي: "النهاية"، فافهم.
[٨٦٠٤] (قولُهُ: لكنْ جزَمَ [٢/ق٢٦٧ / أ] "الزيلعيُّ" بجوازِ التطوُّعٍ له) أي: للمستأمن كما
تفيدُهُ عبارة "النهر"(١). ثمَّ إنَّ هذا لم أره في "الزيلعيّ"، وكذا قال "أبو السُّعود"(٢) وغيره مع أنّه
مخالفٌ لدعوى الاتّفاق، لكنْ رأيتُ في "المحيط" من كتاب الكسب: ((ذَكَرَ "محمَّدٌ" في
"السِّير الكبير "(٢): لا بأس للمسلم أنْ يعطيَ كافراً حريّاً أو ذمّاً، وأنْ يقبلَ الهديَّة منه؛ لِما
رُوِي أَنَّ النبيَّ ◌َّ بعث خمسمائة دينارٍ إلى مكَّة حين قُحِطوا، وأمَرَ بدفعِها إلى "أبي سفيان بن
حرب" و"صفوان بن أمَّة" ليُفرِّقا على فقراءِ أهل مكَّةً(٤)، ولأنَّ صلة الرَّحِم محمودةٌ في كلِّ
دِينٍ، والإهداءَ إلى الغير من مكارمِ الأخلاق إلخ))، وسنذكرُ(٥) تمام الكلام على ذلك في أوَّل
کتاب الوصايا.
[٨٦٠٥] (قولُهُ: دَفَعَ بَتَحَرِّ) أي: اجتهادٍ، وهو لغةً: الطلبُ والابتغاءُ، ويرادفُهُ التوخّي، إلاَّ أنَّ
الأوَّل يُستعمَلُ في المعاملات والثانيَ في العبادات، وعُرفاً: طلبُ الشَّيء بغالبِ الظنِّ عند عدم
الوقوفِ على حقيقته، "نهر "(٦).
(٨٦٠٦] (قولُهُ: لِمَن يظُنُّه مَصرِفاً) أمّا لو تحرَّى فدفَعَ لِمَن ظَنَّهُ غيرَ مَصرِفٍ، أو شَكَّ
ولم يتَحَرَّ لم يُحْزِ حتّى يظهرَ أنَّه مَصرِفٌ، فُيُجزيه في الصحيح خلافاً لِمَنْ ظَنَّ عدمَهُ،
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٤/أ.
(٢) "فتح المعين": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٠٨/١ بتصرف.
(٣) انظر شرح "السير الكبير": باب صلة المشرك ٩٦/١.
(٤) ذكره بنحوه المتقي الهندي في "كنز العمال" (٢٥٥٨٠) وعزاه للحافظ ابن عساكر.
(٥) المقولة [٢٦١٦٤] قوله: ((لا حربي في داره)).
(٦) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٣/ب.

قسم العبادات
١١٦
حاشية ابن عابدين
(فبانَ أَنَّه عبدُهُ أو مكاتبُهُ أو حربيٌّ - ولو مُستأمِناً - أعادَها).
وتمامُهُ في "النهر"(١)، وفيه: ((واعلم أنَّ المدفوع إليه لو كان جالساً في صفِّ الفقراء يَصنَعُ
صنعهم، أو كان عليه زيُّهم، أو سأله فأعطاه كانت هذه الأسبابُ بمنزلةِ التحرِّي، كذا في
"المبسوط"(٢)، حتّى لو ظهَرَ غِناه لم يُعِدْ)).
٦٧/٢
[٨٦٠٧] (قولُهُ: فبانَ أَنَّه عبدُهُ) أي: ولو مُدَّراً أو أمَّ ولدٍ، "نهر"(٣) و"جوهرة"(٤). وهو مُفادٌ
مِن مقابلته بالمكاتب، وإنما لم يُحْزِ لأَنَّه لم يَخرُج المدفوعُ عن مِلكه والتمليكُ ركزٌ.
[٨٦٠٨] (قولُهُ: أو مكاتبُهُ) لأنَّ له في كسبه حقّاً، فلم يَتِمَّ التمليكُ، "زيلعي"(٥). والمستسعَى
كالمكاتبِ عنده، وعندهما حرٌّ مديونٌ، "بحر"(٦) عن "البدائع"(٧).
[٨٦٠٩] (قولُهُ: أو حربيٌّ) قال في "البحر "(٨): ((وأطلَقَ - أي: في "الكنز" - الكافرَ فشمِلَ
الذمِّيَّ والحربيَّ، وقد صرَّحَ بهما في "المبتغى"، وفي "المحيط" في الحربيِّ روايتان، والفرقُ على
إحداهما أنّه لم توجد صفةُ القربة أصلاً، والحقُّ المنعُ، ففي "غاية البيان" عن "التّحفة"(٩): أجمعوا أنَّه
إذا ظهَرَ أَنَّه حربيٌّ ولو مستأمناً لا يجوزُ، وكذا في "المعراج" معلّلاً بأنَّ صلَتَهُ لا تكونُ بِرَّاً شرعاً،
ولذا لم يَجُزُ التطوُّعُ [٢/ق٢٦٧/ب] إليه، فلم يقع قربةً)) اهـ.
أقول: ينافيه ما قدَّمناه (١٠) قريباً عن "المحيط" عن "السِّير الكبير": ((من أنّه لا بأس أنْ يُعطِيَ
(١) انظر "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٣/ب.
(٢) "المبسوط": كتاب التحري ١٨٧/١٠.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٤/أ.
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١٦٠/١.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٣٠١/١.
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٧/٢.
(٧) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في الذي يرجع إلى المؤدى إليه ٥٠/٢ بتصرف.
(٨) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٧/٢.
(٩) "تحفة الفقهاء": كتاب الزكاة - باب من يوضع فيه الصدقة ٣٠٥/١.
(١٠) المقولة [٨٦٠٤] قوله: ((لكن جزم الزيلعي بجواز التطوع له)).
5