النص المفهرس

صفحات 81-100

الجزء السادس
٧٧
باب المصرف
لعجزِهِ عن الكسبِ والحاجةُ داعيةٌ إلى ما لا بدَّ منه))، كذا ذكَرَهُ "المصنّف"(١)
(بقَدْرِ عَمَله) ما يكفيه وأعوانَهُ.
[٨٥٠٩] (قولُهُ: لعجزِهِ) علَّةٌ لجوازِ الأخذ، "ط)) (٢).
[٨٥١٠] (قولُهُ: والحاجةُ داعيةٌ إلخ) الواوُ للحال، والمعنى أنَّ الإنسان يحتاجُ إلى أشياءَ لا غنى
له عنها، فحينئذٍ إذا لم يَحُزْ له قبولُ الزَّكاة مع عدم اكتسابِهِ أنفَقَ ما عنده ومكَثَ محتاجاً، فينقطعُ
عن الإفادة والاستفادة، فيضعُفُ الدِّينُ لعدم مَن يتحمَّلُهُ، وهذا الفرعُ مخالفٌ لإطلاقهم الحرمةَ
في الغنيِّ، ولم يعتمده أحدٌ، "ط" (٣).
قلت: وهو كذلك، والأوجهُ تقييدُهُ بالفقير، ويكونُ طلب العلم مُرحّصاً لجوازِ سؤاله
من الزَّكاة وغيرها وإنْ كان قادراً على الكسب؛ إذ بدونه لا يحلُّ له السُّؤالُ كما سيأتي(٤)،
٥٩/٢ ومذهبُ الشافعيَّة والحنابلة أنَّ القدرة على الاكتساب تمنعُ الفقرَ، فلا يحلُّ له الأخذُ فضلاً
عن السؤال إلاَّ إذا اشتغَلَ عنه بالعلم الشرعيِّ.
[٨٥١١] (قولُهُ: ما يكفيه وأعوانَهُ) بيانٌ لقوله: ((بقدْرِ عمِلِهِ))، وقدَّمنا(٥) أَنَّه يُعطَى ما
لم يَهلِك المالُ، وإلاَّ بطلت [٢/ ق٢٥٧/ب] عِمالته، ولا يُعطَى من بيتِ المال شيئاً كما
في "البحر"(٦)، وفي "البزَّازِيَّةِ"(٧): ((أَخَذَ عِمالَهُ قبل الوجوبِ، أو القاضي رزَقَهُ قبل المدَّةِ جاز،
والأفضلُ عدمُ التعجيل لاحتمال أنْ لا يعيشَ إلى المدَّة)) اهـ.
(١) "منخ الغفار": كتاب الزكاة - باب المصرف ١/ق٨٦/أ.
(٢) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٤/١.
(٣) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٤/١.
٠
. (٤) صـ ١٢٤ - "در".
(٥) المقولة [٨٥٠٤] قوله: ((فيحتاج إلى الكفاية)) ..
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٥٩/٢.
(٧) "البزازية": كتاب الزكاة - الباب الثاني في المصرف ٨٨/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم العبادات
٧٨
حاشية ابن عابدين
بالوَسَط، لكنْ لا يُزادُ على نصفِ ما يَقبضُهُ (ومُكاتَبٌ)
قال في "النهر"(١): ((ولم أر ما لو هلَكَ المالُ في يده وقد تعجَّلَ عِمالتَهُ، والظاهرُ أَنَّه
لا يُسترَدُّ)).
[٨٥١٢] (قولُهُ: بالوسطِ) فيحرُمُ أنْ يَتَبِعَ شهوتَهُ في المأكلِ والمشرب؛ لأَنَّه إسرافٌ محضرٌ،
وعلى الإِمام أنْ يبعثَ مَن يرضى بالوسط، "بحر"(٢).
[٨٥١٣] (قولُهُ: لكنْ إلخ) أي: لو استغرَقَتْ كفايْتُهُ الزَّكاةَ لا يُزادُ على النصف؛
لأَنَّ الَّنصيف عين الإنصاف، "بحر "(٣).
[٨٥١٤] (قولُهُ: ومُكاتَبٌ) هذا هو المعنيُّ بقوله تعالى: ﴿وَفِىِ الْرِقَابِ﴾ [ التوبة - ٦٠ ]
في قولِ أكثرِ أهل العلم، وهو المرويُّ عن "الحسن البصريّ"، أطلَقَهُ فعَمَّ مكاتبَ الغنيِّ أيضاً، وقَّدَهُ
"الحدَّادِيُّ" (٤) بالكبير، أمَّا الصغيرُ فلا يجوزُ، وفيه نظرٌ؛ إذ صرَّحُوا بأنَّ المكاتب يَملِكُ المدفوعَ إليه،
وهذا بإطلاقِهِ يُعُمُّ الصغير أيضاً، "نهر "(٥).
قلت: قد يجابُ بأنَّ مراد "الحدَّاديِّ" بالصغيرِ مَن لا يعقلُ؛ لأنَّ كتابته استقلالاً غيرُ
(قولُهُ: في قول أكثر أهل العلم) وقال "أبو يوسف" في فصل النقصان والزِّيادة من "كتاب الخراج"
ما نصُّهُ: ((وفي الرِّقاب سهمٌ في الرَّجل يكونُ له أبٌ مملوكٌ، أو أخٌ، أو أختٌ، أو أمٌّ، أو ابنةٌ، أو زوجةٌ،
أو جدٌّ، أو حدَّةٌ، أو عمٌّ، أو عمَّةٌ، أو خالٌ، أو خالةٌ وما أشبهَ هؤلاء، يعانُ هذا في شراءِ هذا، ويعان منه
المكاتبون)) اهـ.
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١١/ب.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٥٩/٢ باختصار.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٥٩/٢.
(٤) "الجوهرة النيرة": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١٥٧/١.
(٥) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١١/ب.

الجزء السادس
٧٩
باب المصرف
صحيحةٍ، أو لأَنَّه لا يصحُّ قبضُهُ، تأمَّل. ثمَّ قال في "النهر"(١): ((وعلى هذا فالعدولُ فيه وفيما بعده
عن اللام إلى في للدِّلالة على أنَّ الاستحقاق للجهةِ لا للرَّقبةِ، أو للإيذان بأنَّهم أرسخُ في استحقاق
التصدُّقِ عليهم من غيرهم، لا لأَنَّهم لا يملكون شيئاً كما ظنَّ، إلاَّ أنْ يُرادَ لا يملكونه مِلكاً
مستقرًّاً، وهل يجوزُ للمكاتب صرفُ المدفوع إليه في غيرِ ذلك الوجه؟ لم أره لهم)) اهـ.
والضميرُ في ((لهم)) لأثمَّتنا، وأصلُ التوقُّفِ لصاحب "البحر"(٢)، فإنَّه نقَلَ عن
"الطيبيِّ" (٣) من الشافعيَّة ما يفيدُ أنَّ المكاتب ومَن بعده ليس لهم صرفُ المال في غيرِ الجهة
التي أَخَذوا لأجلِها، لأَنَّهم لا يملكونه، ثمَّ قال: ((وفي "البدائع"(٤): إنما جازَ دفعُ الزَّكاة إلى
المكاتب لأَنَّه تمليكٌ، وهو ظاهرٌ في أنَّ الملك يقعُ للمكاتب، فبقيَّةُ الأربعةِ بالطريق الأَولِى، لكنْ
بقي هل لهم على هذا الصَّرفُ إلى غير الجهة؟)) اهـ قال "الخيرُ الرمليُّ": ((والذي يقتضيه
نظرُ الفقيهِ [٢/ق٢٥٨/أ] الجوازُ)) اهـ.
قلت: وبه جزَمَ العلاَّمة "المقدسيُّ" في "شرح نظم الكنز".
(قولُهُ: لا يصحُّ قبضُهُ) أي: فيما إذا كُوتِبَ تبعاً.
(قولُهُ: ثمّ قال في "النهر" إلخ) بعد قوله: (( يعمُّ الصغير أيضاً )) بدون زيادةٍ.
(قولُهُ: للجهةِ) أي: المصلحة، فمالُ المكاتب يأخذُهُ سيِّده، والغارمِ ربُّ الدَّين، وأمَّا سبيلُ الله
فواضحٌ، وابنُ السَّبِيل مندرجٌ في سبيل الله. اهـ "بحر".
(قولُهُ: بأَنَّهم أرسخُ في الاستحقاق إلخ) لأنَّ ((في)) للوعاء، فجُعِلَ هؤلاء محلاًّ له.
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١١/ب.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٥٩/٢ بتصرف. وفيه: ((عن الطيبي في "حاشية الكشاف")).
(٣) هو الحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين الطيبي (ت٧٤٣هـ). ("الدرر الكامنة" ٦٨/٢-٦٩، "البدر الطالع"
٢٢٩/١-٢٣٠).
(٤) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في الذي يرجع إلى المؤدى إليه ٤٥/٢ بتصرف.

قسم العبادات
٨٠
حاشية ابن عابدين
لغيرِ هاشميٌّ، ولو عجَزَ.
( فرعٌ)
ذكَرَ "الزيلعيُّ))(١) في كتاب المكاتب عند قوله: ((ولو اشترى أباه أو ابنَهُ تكاَتَبَ عليه)):
((أَنَّ للمكاتب كسباً، وليس له ملكٌ حقيقةً لوجودٍ ما ينافيه وهو الرِّقُّ، ولهذا لو اشترى زوجَتَهُ
لا يفسُدُ نكاحُهُ، ويجوز دفعُ الزَّكاة إليه ولو وجَدَ كنزاً)) اهـ. كذا في "شرح الكنز" للعلاّمة
"ابن الشلبيّ" شيخ صاحب "البحر "(٢).
قلت: وهو صريحٌ في جوازِ دفع الزَّكاة إليه وإنْ مَلَكَ نصاباً زائداً على بدلِ الكتابة،
وسنذكرُ(٣) عن "القُهُستانِيِّ" ما يفيدُهُ.
[٨٥١٥] (قولُهُ: لغيرِ هاشميٌّ) لأَنَّه إذا لم يَجُزْ دفعُها لمعتَقِ الهاشميِّ الذي صار حرّاً يداً ورقبةً
فمكاتبُهُ الذي بقي مملوكاً له رقبةً بالأولى، وفي "البحر"(٤) عن "المحيط": ((وقد قالوا: إنَّه لا يجوزُ
المكاتبِ هاشميٍّ؛ لأنَّ الملك يقعُ للمولى من وجهٍ، والشُّبهةُ ملحقةٌ بالحقيقة في حقِّهم)) اهـ.
أي: أنَّ المكاتب وإِنْ صار حرَّاً يداً - حَتَّى يَملِكُ ما يُدفَعُ إليه - لكنَّه مملوكٌ رقبةً، ففيه شبهةُ
وقوعِ الملك لمولاه الهاشميِّ، والشُّبهةُ معتبرةٌ في حقِّهِ لكرامته بخلاف الغنيِّ كما مرَّ(٥) في العامل،
فلذا فَيَّدَ بقوله: ((في حقّهم)) أي: حقِّ بني هاشمٍ، وأنت خبيرٌ بأنَّ ما ذكر من التعليل مَسُوقٌ
(١) "تبيين الحقائق": باب ما يجوز للمكاتب أن يفعله ١٥٨/٥ - ١٥٩.
(٢) نقول: شيخ صاحب "البحر" هو أحمد بن يونس، المعروف بابن الشِّلْبيّ المصري (ت ٩٤٧ هـ)، وليس له شرح
على "الكنز"، بل له "حاشية" عليه بشرح الزيلعي، ولم نعثر على المسألة فيها، ولعلها في شرح الكنز المسمى "تجريد
الفوائد الرقائق" لحفيد شيخ صاحب "البحر"، المعروف بابن الشلبي أيضاً، واسمه أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس
(ت ١٠٢١ هـ). ("الكواكب السائرة" ١١٥/٢، "خلاصة الأثر" ٢٨٢/١، "هدية العارفين" ١٥٣/١، "الأعلام"
٢٣٦/١ -٢٧٦، "معجم المؤلفين" ٢٥٠/١).
(٣) المقولة [٨٥٦٧] قوله: ((ولا إلى غني)).
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٠/٢.
(٥) المقولة [٨٥٠٣] قوله: ((لأنه فرغ نفسه)).

الجزء السادس
٨١
باب المصرف
حَلَّ لمولاه ولو غنّاً كفقيرٍ اسْتَغْنَى وابنِ سبيلٍ وصَلَ لماله، وسكَتَ عن المؤلِّفة قلوبُهم ...
في كلام "البحر" لعدم الجواز لمكاتبِ الهاشميِّ لا لمنع تصرُّفِ المكاتب في المسألة التي توقّفَ
في حكَمِها أوَّلاً، بل لا يفيدُ التعليلُ المذكور ذلك أصلاً، فافهم.
[٨٥١٦] (قولُهُ: حلَّ لمولاه) لأَنّ انتقَلَ إليه بملكٍ حادثٍ بعدما ملَكَهُ المكاتبُ؛ لأَنَّه حرِّ يداً،
وتبدُّلُ الملكِ بمنزلةِ تبدُّلِ العين، وفي الحديث الصحيح: ((هو لها صدقةٌ ولنا هديَّةٍ)) (١).
[٨٥١٧] (قولُهُ: كفقيرٍ استغنى) أي: وفضَلَ معه شيءٌ مما أخَذَهُ حالةَ الفقر؛ لأنَّ المعتبر
في كونِهِ مَصرِفاً هو وقتُ الدفع، وكذا يقالُ في ابن السبيل.
[٨٥١٨] (قولُهُ: وسكَتَ عن المؤلّفةِ قلوبُهم) كانوا ثلاثةَ أقسامٍ: قسمٌ كفَّارٌ كان عليه الصلاة
والسلام يُعطيهم ليتألّفَهم على الإسلام، وقسمٌ كان يُعطيهم ليدفعَ شرَّهم، وقسمٌ أسلموا وفيهم
ضعفٌ في الإسلام، فكان يتألّفُهم [٢/ق٢٥٨/ب] ليثبتوا، وكان ذلك حكماً مشروعاً ثابتاً
بالنصِّ، فلا حاجةَ إلى الجواب عمَّ يقال: كيف يجوزُ صرفُها إلى الكفّارِ بأنّه كان من جهادِ الفقراء
في ذلك الوقت أو من الجهاد؛ لأَنَّ تارةً بالسِّنان وتارةً بالإحسان، أفادَهُ في "الفتح"(٢).
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" ٤٦١/٢ كتاب الطلاق - باب ما جاء في الخيار، وأحمد ٤٦/٦، ١١٥، ١٢٣، ١٥٠،
١٧٢، ١٧٥، ١٨٠، ١٩١، ٢٠٧، والبخاري (٢٥٧٨) كتاب الهبة - باب قبول الهدية، و(٥٠٩٧) كتاب
النكاح - باب الحرة تحت العبد، و(٥٢٧٩) كتاب الطلاق - باب لا يكون بيع الأمة طلاقاً، ومسلم (١٠٧٥)
(١٧١)(١٧٢) كتاب الزكاة - باب إباحة الهبة للنبي ﴿ ولبني هاشم، و(١٥٠٤)(١٠)(١١) (١٢)(١٤) كتاب
العتق - إنما الولاء لمن أعتق، والنسائي ١٠٧/٥ - ١٠٨ كتاب الزكاة - باب إذا تحوّلت الصدقة، و١٦٢/٦ كتاب
الطلاق - باب خيار الأمة، و١٦٣/٦ باب خيار الأمة تعتق وزوجها حر، و٣٠٠/٧ كتاب البيوع - باب البيع
يكون فيه الشرط الفاسد فيصح البيع ويبطل الشرط، وابن ماجه (٢٠٧٦) كتاب الطلاق - باب خيار الأمة إذا
أعتقت، والدارمي ٦١٠/٢ - ٦١١ كتاب الطلاق - باب في تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق، كلهم من حديث
عائشة مرفوعاً، وفي الباب عن ابن عباس، وأنس بن مالك ظ
(٢) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٠/٢. وفي "د" زيادة: ((وفي روايةٍ هم
قسمان: مسلمون وكفار، والمسلمون قسمان: قسم أسلموا - وفي إسلامهم ضعف، فكان يعطيهم تأليفاً، وكانوا شرفاء =

قسم العبادات
٨٢
حاشية ابن عابدين
لسقوطِهِم إمَّا بزوالِ العلّة،.
[٨٥١٩] (قولُهُ: لسقوطِهم) أي: في خلافة "الصدِّيق" لَمَّا منَعَهم "عمر" رضي الله تعالى
عنهما (١)، وانعقَدَ عليه إجماعُ الصحابة، نعم على القولِ بأَنَّه لا إجماعَ إلاَّ عن مُستَدٍ يجبُ علمُهم
بدليلٍ أفادَ نسخَ ذلك قبل وفاتهٍ﴿، أو تقييدَ الحكم بحياتِهِ، أو كونَهُ حكماً مُغيّاً بانتهاءِ علَّتِهِ، وقد
أَنَّفَقَ انتهاؤها بعد وفاته، وتمامُهُ في "الفتح"(٢)، لكنْ لا يجبُ علمُنا نحن بدليلِ الإجماع كما هو
مقرَّرٌ في محلّه(٣).
[٨٥٢٠] (قولُهُ: إمَّا بزوالِ العَلَّةِ) هي إعزازُ الدِّين، فهو من قَبِيلِ انتهاء الحكم لانتهاءِ علَّته
الغائَّةِ التي كان لأجلها الدَّفْعُ، فإنَّ الدَّفع كان للإعزاز وقد أعزَّ الله الإسلام وأغنى عنهم،
٦٠/٢ "بحر "(٤). لكنَّ مجرَّدَ التعليل بكونه معلَّلاً بعلَّةٍ انتهت لا يصلحُ دليلاً على نفي الحكم المعلَّلِ؛
لأنَّ الحكم لا يحتاجُ في بقائه إلى بقاءِ علَّتِهِ لاستغنائه في البقاء عنها لِما عُلِمَ في الرِّقِّ
والاضطباع والرَّمَل، فلا بدَّ من دليلٍ يدلُّ على أنَّ هذا الحكمَ مما شُرِعَ مقيَّداً بقاؤه ببقائها،
لكنْ لا يلزمُنا تعيينُهُ في محلِّ الإجماع، فنحكمُ بثبوتِ الدليل وإنْ لم يظهر لنا، على أنَّ
الآية التي ذكَرَها "عمرُ " تصلُحُ لذلك، وهي قوله تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّيَّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن
= قومهم، فكان يعطيهم ترغيباً لأمثالهم، لكن من خمس الخمس دون الصدقات - وقسم بإزاء الكفار، أبعدَهم عن
الجهاد الضعفُ، فكان يعطيهم من سهم الغزاة، وقيل: من سهم المؤلفة، وبإزاء منعه الزكاة يأخذون منهم الزكاة،
ويحملونها إليه فيعطيهم منها، وقيل: من الغنيمة، وأما الكفار فممن يخشى شره أو يرجى إسلامه انتهى)).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ١١١/٣ كتاب الزكاة - باب في المؤلفة قلوبهم يوجدون اليوم أو ذهبوا، عن
الشعبي مرسلاً، وفي إسناده جابر الجعفي وقد ضعفوه، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ١١٢/١٠ عن الشعبي،
وأخرج نحوه عن الحسن البصري ١١٢/١٠.
وانظر "شرح الإحياء" ١٤٦/٤، و"نصب الراية" ٣٩٥/٢، و"إعلاء السنن" ٧١/٩.
(٢) انظر "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠١/٢.
(٣) أي: في كتب أصول الفقه.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٥٩/٢ باختصار.

الجزء السادس
٨٣
باب المصرف
أو نُسِخَ بقولهَِ ﴿هلـ "معاذٍ" في آخرِ الأمر: ((خُذْها من أغنيائهم ورُدَّها في فقرائهم)) ..
شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ﴾ [الكهف - ٢٩]، وتمامُهُ في "الفتح"(١).
[٨٥٢١] (قولُهُ: أو نُسِخَ بقوله: ﴿ إلخ) أي: هو مُستَدُ الإجماع، فالنسخُ في حياته ◌َّ
بالحديث المذكور الذي سَمِعَهُ أهلُ الإجماع من النبيِّ ﴿، فكان قطعيًّاً بالنسبة إليهم، فيصحُّ نسخُهُ
للكتاب، وجعَلَ في "البحر"(٢) مُستندَ الإجماع الآيةَ التي ذكَّرَها "عمرُ" رضي الله تعالى عنه، وإنما
لم يُحعَل الإجماعُ ناسخاً لأَنّه خلافُ الصحيح؛ لأنَّ النسخ لا يكونُ إِلَّ في حياتهِ﴿، والإجماعُ
لا يكون إلاَّ بعده كما أوضَحَهُ "المصنّف" في "المنح"(٣).
[٨٥٢٢] (قولُهُ: وَرُدَّها في فقرائِهم) في نسخةٍ: ((على [٢/ق٢٥٩/أ] فقرائهم))، ولفظُ
الحديث - على ما في "الفتح"(٤) من رواية أصحاب "الكتب السنَّة" - : ((إِنَّكَ ستأتي قوماً أهلَ
كتابٍ، فادعُهم إلى شهادةٍ أنْ لا إله إلاَّ الله وأَنّي رسولُ الله، فإنْ هم أطاعوك لذلك فَأَعِلِمْهم
أنَّ الله افترَضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ ، فإنْ هم أطاعوك لذلك فأَعلِمْهم
أنَّ الله افترَضَ عليهم صدقةً تُؤخَذُ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم إلخ)) (٥) اهـ.
وأمَّا باللفظ الذي ذكرَهُ "الشارح" تبعاً لـ "الهداية"(٦) ففي "حاشية نوح" عن الحافظ
"ابن حجرٍ"(٧): ((أَنَّه لم يره في شيءٍ من المسانيد )) اهـ.
(١) انظر "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠١/٢.
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٥٨/٢.
(٣) "المنح": كتاب الزكاة - باب في بيان أحكام المصرف ١/ق ٨٥/ب.
(٤) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٧/٢.
(٥) تقدم تخريجه ٥١١/٥.
(٦) "الهداية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١١٣/١.
(٧) ذكره ابن حجر في "الفتح" ٣٥٨/٣ حيث قال: ((اللفظ - والله أعلم - هو أنه في جميع الطرق قال رسول الله لهلمعاذ
ابن جبل حين بعثه إلى اليمن، إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم
عن وكيع فقال فيه: عن ابن عباس عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله﴿، فعلى هذا فهو مسند معاذ، =

قسم العبادات
٨٤
حاشية ابن عابدين
(ومديونٌ.
وضميرُ ((فقرائهم) للمسلمين، فلا تُدفَعُ إلى مَن كان من المؤلَّةِ كافراً أو غنيّاً، وتُدفَعُ
إلى مَن كان منهم مسلماً فقيراً بوصفِ الفقر لا لكونه من المؤلّفة، فالنسخُ للعموم أو لخصوصِ
الجهة، تأمّل.
[٨٥٢٣] (قولُهُ: ومديونٌ) هو المرادُ بالغارم في الآية، وذكَرَ في "الفتح"(١) ما يقتضي أنّه يُطلَقُ
على ربِّ الدَّين أيضاً، فإنّه قال: ((والغارمُ مَن لَزِمَهُ دَينٌ أو له دَينٌ على الناس لا يَقدِرُ على أخذه
وليس عنده نصابٌ))، وفيه نظرٌ لِما قال "القتبيُّ)(٢): ((الغارمُ مَن عليه دَينٌ ولا يجدُ وفاءً))،
وأمَّا ما في "الصحاح"(٣): ((من أنَّ الغريم قد يُطلَقُ على ربِّ الدَّين)) فليس مما الكلامُ فيه؛ لأنَّ
الكلام في الغارم الأخصِّ لا في الغريم، وأمَّا ما زادَهُ في "الفتح" فإنما جازَ الدَّفِعُ إليه لأَنَّه فقيرٌ يداً
كابنِ السبيل كما علَّلَ به في "المحيط"، لا لأَنَّه غارٌ، وأمَّا قولُ "الزيلعيِّ"(٤): ((والغارمُ مَنْ لَزِمَهُ
دَينٌ ولا يملكُ نصاباً فاضلاً عن دَينه، أو كان له مالٌ على الناس ولا يمكنُهُ أخذه)) اهـ فليس فيه
إطلاقُ الغارم على ربِّ الدَّين كما لا يخفى؛ لأنَّ قوله: ((أو كان له مالٌ)) معطوفٌ على قوله:
(قولُهُ: وفيه نظرٌ لِما قاله "القتبيُّ" إلخ) ما قاله "القتبيُّ" لا ينفي أنَّه قيل بإطلاقه على مَن له دَينٌ
إلخ، فقد قال "القهستانيُّ": ((وقيل: المصرفُ للدَّائن الذي لا تصلُ يده إلى مديونه، فإنَّه الغارمُ كما
في "الذَّخيرة")) اهـ.
= وظاهر سياق مسلم أن اللفظ مدرج، لكن لم أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وسائر الروايات أنه من
مسند ابن عباس. ثم ساق الروايات مع الذين أخرجوها، ثم قال: فإن ثبتت رواية أبي بكر فهو من مرسل ابن
عباس، لكن ليس حضور ابن عباس لذلك ببعيد؛ لأنه كان في أواخر حياة النبي ® وهو إذ ذاك مع أبويه في المدينة،
وكان بعث معاذاً إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي 3 /3 كما ذكره المصنف - البخاري - في أواخر المغازي.
(١) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٤/٢.
(٢) أي: ابن قتيبة في كتابه "تفسير غريب القرآن" سورة التوبة - الآية ١٨٩.
(٣) "الصحاح": مادة ((غرم)).
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٩٨/١.

الجزء السادس
٨٥
باب المصرف
لا يَملِكُ نِصاباً فاضلاً عن دَيْنِهِ) وفي "الظهيريَّة"(١): ((الدَّفعُ للمديون أَولى منه
للفقير)) (وفي سبيل الله، وهو مُنقَطِعُ الغَزَاة) وقيل: الحاجِّ، وقيل: طَلَبةُ العلم،
وفسَّرَهُ في "البدائع" بجميع القُرَب، ...
((ولا يَملِكُ نصاباً))، فافهم. وكلامُ "النهر "(٢) هنا غيرُ محرَّرِ، فتدَبّر.
[٨٥٢٤] (قولُهُ: لا يَملِكُ نصاباً) قَّدَ به لأنَّ الفقر شرطٌّ في الأصناف كلِّها إلاَّ العاملَ وابنَ
السَّبِيل إذا كان له في وطنِهِ مالٌ بمنزلةِ الفقير، "بحر "(٣). ونقَلَ "ط"(٤) عن "الحمويِّ": ((أَنَّه يُشترَطُ
أنْ لا يكون هاشمیّاً)).
[٨٥٢٥] (قولُهُ: أَولى منه للفقيرِ) أي: أَولى من الدَّفع للفقير الغيرِ المديون لزيادةِ احتياجه.
[٨٥٢٦] (قولُهُ: وهو مُنقطِعُ الغَزاةِ) [٢/ق٢٥٩/ب] أي: الذين عجزوا عن اللُّحوق بحيش
الإسلام لفَقْرِهِم بهلاك النفقةِ أو الدأَبَّة أو غيرهما، فتحلُّ لهم الصدقةُ وإنْ كانوا كاسبِين؛
إذ الكسبُ يُقعِدُهم عن الجهاد، "قُهُستاني" (٥).
[٨٥٢٧] (قولُهُ: وقيل: الحاجٌّ) أي: منقطعُ الحاجِّ، قال في "المغرب"(٦): ((الحاجُّ بمعنى الحُجَّاج
كالسَّامر بمعنى السُمَّر في قوله تعالى: ﴿سَمِرًّا تَهْجُرُونَ﴾ [ المؤمنون - ٦٧]))، وهذا قول
"محمَّدٍ"، والأوَّلُ قولُ "أبي يوسف" اختارَهُ "المصنّف" تبعاً لـ "الكنز)"(٧)، قال في "النهر"(٨): ((وفي
"غاية البيان": أَنَّه الأظهرُ، وفي "الإسبيجابيّ": أَنَّه الصحيح)).
[٨٥٢٨] (قولُهُ: وقيل: طلبةُ العلم) كذا في "الظهيريَّة"(٩) و"المرغينانيّ"، واستبعَدَهُ "السروجيُّ":
(١) "الظهيرية": كتاب الزكاة - الفصل الثاني في مصارف الزكاة والعشر والخراج ق ٥٠/ب.
(٢) "النھر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١١ /ب.
(٣) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٠/٢.
(٤) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٥/١.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل: مصرف الزكاة ٢٠٧/١.
(٦) "المغرب": مادة ((حجج)).
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الزكاة - باب المصرف ٩٤/١.
(٨) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٢/أ.
(٩) "الظهيرية": كتاب الزكاة - فصل في مصارف الزكاة والعشر والخراج ق٥٠/أ.

حاشية ابن عابدين
٨٦
قسم العبادات
وثمرةُ الاختلاف في نحوِ الأوقاف (وابنُ السَّبيل، وهو) كلُّ (مَن له مالٌ لا معه) ...
((بأنَّ الآية نزلت وليس هناك قومٌ يقال لهم: طلبةُ علمٍ))، قال في "الشرنبلاليَّةِ"(١): ((واستبعادُهُ
بعيدٌ؛ لأنَّ طلب العلم ليس إلاَّ استفادةَ الأحكام، وهل يبلغُ طالبٌ رتبةً مَن لازَمَ صحبة النبيِّ ◌َّ
لتلقِّي الأحكامِ عنه كأصحاب الصُّفّة؟ فالتفسيرُ بطالب العلم وجية، خصوصاً وقد قال
في "البدائع"(٢): في سبيل اللَّهِ جميعُ القرب، فيدخلُ فيه كلُّ مَن سعى في طاعةِ الله وسبيلِ الخيرات
إذا كان محتاجاً)) اهـ.
[٨٥٢٩] (قولُهُ: وثمرةُ الاختلاف إلخ) يشيرُ إلى أنَّ هذا الاختلاف إنما هو في تفسيرِ المراد
بالآية لا في الحكم، ولذا قال في "النهر "(٢): ((والخُلْفُ لفظيٌّ للأّفاق على أنَّ الأصناف كلَّهم
سوى العاملِ يُعطَون بشرطِ الفقر، فمنقطعُ الحاجِّ - أي: وكذا مَن ذُكِرَ بعده - يُعطَى اتّفاقاً، وعن
هذا قال في "السِّرَاجِ"(٤) وغيره: فائدةُ الخلاف تظهرُ في الوصيّةِ، يعني: ونحوِها كالأوقافِ والنّذورِ
على ما مرَّ) اهـ. أي: تظهرُ فيما لو قال الموصي ونحوُه: في سبيل الله.
وفي "البحر"(٥) عن "النهاية": ((فإنْ قلت: منقطعُ الغَزاةِ أو الحجِّ إنْ لم يكن في وطنه مالٌ
فهو فقيرٌ، وإلاَّ فهو ابنُ السبيل، فكيف تكونُ الأقسام سبعةً؟! قلت: هو فقيرٌ، إلاَّ أَنَّه زاد عليه
بالانقطاع في عبادة الله تعالى، فكان مُغايراً للفقير المطلق الخالي عن هذا القيد)).
[٨٥٣٠] (قولُهُ: وابنُ السَّبيل) هو المسافرُ، سُمِّيَ به للزومِهِ الطريقَ، "زيلعي"(٦).
[٨٥٣١] (قولُهُ: مَن له مالٌ لا معه) أي: سواءٌ كان هو في غيرِ وطنه أو في وطنِهِ وله ديونٌ
(١) "الشرنبلالية": كتاب الزكاة - باب المصارف ١٨٩/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل في الذي يرجع إلى المؤدى إليه ٤٥/٢.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٢/أ.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١/ق ٤٥٢/أ.
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٠/٢.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٩٨/١.

الجزء السادس
٨٧
باب المصرف
ومنه ما لو كان مالُهُ مُؤجَّلاً.
٦١/٢
لا يقدرُ على أخذها كما في "النهر"(١) عن "النقاية"(٢)، لكنَّ "الزيلعيَّ"(٣) جعَلَ الثانيَ مُلحَقاً به
[٢/ق ٢٦٠/أ] حيث قال: ((وأُلحِقَ به كلُّ من هو غائبٌ عن ماله وإنْ كان في بلده؛ لأنَّ الحاجة
هي المعتبرةُ وقد وُجِدَتْ؛ لأَنَّه فقيرٌ يداً وإنْ كان غنيّاً ظاهراً)) اهــ وتَبَعَهُ في "الدُّرر"(٤)
و"الفتح"(٥)، وهو ظاهرُ كلام "الشارح".
وقال في "الفتح"(٦) أيضاً: ((ولا يحلُّ له - أي: لابنِ السَّبيل - أنْ يأخذَ أكثر من حاجته،
والأَولى له أنْ يستقرضَ إِنْ قَدَرَ، ولا يلزمُهُ ذلك لجوازِ عجزه عن الأداء، ولا يلزمُهُ التصدُّقُ بما
فضَلَ في يده عند قدرته على ماله كالفقير إذا استغنى والمكاتبِ إذا عجَزَ وعندهما مِن مال الزّكاة
لا يلزمُهما التصدُّقُ)) اهـ
قلت: وهذا بخلافِ الفقير، فإنَّه يحلُّ له أنْ يأخذَ أكثر من حاجته، وبهذا فارَقَ ابنَ السبيل
كما أفادَهُ في "الذَّخيرة".
[٨٥٣٢] (قولُهُ: ومنه ما لو كان مالُهُ مُؤخَّلاً) أي: إذا احتاجَ إلى النفقة يجوزُ له أخذُ الزَّكاة
قَدْرَ كفايته إلى حُلولِ الأجل، "نهر "(٧) عن "الخانيَّةِ"(٨).
(قولُهُ: وهو ظاهرُ كلام "الشارح" إلخ) بل المتبادرُ من قوله: ((ومنه إلخ )) أنَّه من أفرادِ ابن السبيل
لا أَنَّه ملحقٌ به كما جرى عليه "الزيلعيّ".
(١) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٢/أ.
(٢) انظر "شرح النقاية" للقاري: كتاب الزكاة - باب في مصارف الزكاة وغيرها ٣٨٨/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٩٨/١.
(٤) "الدرر": كتاب الزكاة - باب المصرف ١٨٩/١.
(٥) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٥/٢.
(٦) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٥/٢.
(٧) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١١/ب.
(٨) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل فيمن توضع فيه الزكاة ٢٦٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم العبادات
٨٨
حاشية ابن عابدين
أو على غائبٍ أو مُعْسرٍ أو جاحدٍ ولو له بيِّنةٌ في الأصحِّ.
(ُيُصرَفُ) المزكَّى (إلى كلِّهم) أو إلى (بعضِهم) ولو واحدً مِن أيِّ صنفٍ كان؛.
[٨٥٣٣] (قولُهُ: أو على غائبٍ) أي: ولو كان حالاً لعدم تمكُّنْهِ من أخذه، "ط" (١).
[٨٥٣٤] (قولُهُ: أو مُعسِرٍ) فيجوزُ له الأخذُ في أصحِّ الأقاويل؛ لأَنّه بمنزلةٍ ابن السَّبيل،
ولو موسراً معترفاً لا يجوز كما في "الخانيّة"(٢)، وفي "الفتح"(٣): ((دفَعَ إلى فقيرةٍ لها مهرٌ دينٌ على
زوجها يبلغُ نصاباً وهو مُوسِرٌ بحيث لو طلَبَتْ أعطاها لا يجوزُ، وإنْ كان لا يعطي لو طلبت
جاز))، قال في "البحر "(٤): ((المرادُ من المهرِ ما تُعُورِفَ تعجيلُ، وإلاَّ فهو دينٌ مؤجَّلٌ لا يمنعُ، وهذا
مقيِّدٌ لعموم ما في "الخالنَّة"، ويكونُ عدم إعطائه بمنزلةِ إعساره، ويُفرَّقُ بينه وبين سائر الدُّيون بأنَّ
رفع الرَّجَ للقاضي مما لا ينبغي للمرأة بخلاف غيره، لكنْ في "البزَّازِيَّة"(٥): إنْ مُوسِراً والمعجَّلُ قَدْرُ
النّصاب لا يجوز عندهما، وبه يُفْتَى احتياطً، وعند "الإِمام" يجوزُ مطلقاً)) اهـ.
قال في "السِّراج "(٦): ((والخلافُ مبنيٌّ على أنَّ المهر في الذمَّة ليس بنصابٍ عنده، وعندهما
" (٧) .
نصابٌ)) اهـ "نهر"
قلت: ولعلَّ وجهَ الأوَّلِ كونُ دَين المهر ديناً ضعيفاً؛ لأَنَّه ليس بدلَ مال، ولهذا لا تجبُ
زكاتُهُ حَتَّى يُقبَضَ ويحولَ عليه حولٌ جديدٌ، فهو قبل القبض لم ينعقد نصاباً في حقِّ الوجوب،
فكذا في حقِّ جواز الأخذ، لكنْ يلزمُ من هذا عدمُ الفرق بين مُعجَّلِهِ ومُؤْجَلِهِ، فتأمَّل.
[٨٥٣٥] (قولُهُ: ولو له بيِّنَةٌ في الأصحِ) [٢/ق٢٦٠/ب] نقَلَ في "النهر "(٨) عن "الخانَيَّة"(٩).
(١) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٥/١.
(٢) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل فيمن توضع فيه الزكاة ٢٦٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٥/٢.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٥٩/٢ بتصرف يسير.
(٥) "البزازية": كتاب الزكاة - الباب الثاني في المصرف ٨٩/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١/ق ٤٥٧/ب بتصرف.
(٧) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٢/أ.
(٨) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٢/أ باختصار.
(٩) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل فيمن توضع فيه الزكاة ٢٦٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء السادس
٨٩
باب المصرف
لأنَّ أل الجنسيّة تُبطِلَ الجمعيَّةَ، وشرَطَ "الشافعيُّ" ثلاثةً مِن كلِّ صنفٍ، ويُشترَطُ أن
يكون الصَّرفُ (تمليكاً) لا إباحةً.
((أَنّه لو كان جاحداً وللدَّائنِ بِّةٌ عادلةٌ لا يحلُّ له أخذُ الرَّكاة، وكذا إنْ لم تكن البِّنَةُ عادلةً ما
لم يُحلّفْه القاضي))، ثمَّ قال: ((ولم يَجعَل في "الأصل "(١) الدَّينَ المجحود نصاباً، ولم يُفصِّل بين
ما إذا كان له بِّنَةٌ عادلةٌ أوْ لا))، قال "السرخسيُّ) (٢): ((والصحيحُ جوابُ "الكتاب"، أي:
الأصلِ؛ إذ ليس كلُّ قاضٍ يَعدِلُ، ولا كلُّ بِّنَةٍ تُقبَلُ، والجنوُ بين يدي القاضي ذلٌّ، وكلُّ أحدٍ
لا يختارُ ذلك، وينبغي أنْ يُعوَّلَ على هذا كما في "عقد الفرائد"(٣)) اهـ.
قلت: وقدَّمنا(٤) أوَّلَ الزَّكاة اختلافَ التصحيح فيه، ومالَ "الرَّحمتيُّ" إلى هذا وقال: ((بل
في زماننا يُقِرُّ المديونُ بالدَّين وبِمَلأته، ولا يقدرُ الدَّائن على تخليصِهِ منه، فهو بمنزلةِ العدم)).
[٨٥٣٦] (قولُهُ: لأنَّ أل الجنسيَّةَ) أي: الدالّةَ على الجنسِ أي: الحقيقةِ، قال "ح"(٥): ((وهذا
تعليلٌ لجوازِ الاقتصار على فردٍ من كلِّ صنفٍ من الأصناف السَّبعة، وأمَّا جوازُ الاقتصار على
بعضِ الأصناف فعلّتُه أنَّ المراد بالآية بيانُ الأصناف التي يجوزُ الدَّفع إليهم لا تعيينُ الدَّفع لهم،
"بحر"(٦))) اهـ "طٌ"(٧). وبيانُ الاستدلال على ذلك مبسوطٌ في "الفتح"(٨) وغيره.
[٨٥٣٧] (قولُهُ: تمليكاً) فلا يكفي فيها الإطعامُ إلاَّ بطريقِ التمليك، ولو أطعَمَهُ عنده ناوياً
الزَّكَاةَ لا تكفي، "ط" (٩). وفي التمليكِ إشارةٌ إلى أَنَّه لا يُصرَفُ إلى مجنونٍ وصبيَّ غيرِ مراهقٍ
(١) "الأصل": كتاب الزكاة - باب العاشر ١٠٥/٢.
(٢) "المبسوط": كتاب الزكاة - الفصل الرابع ١٧١/٢.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الزكاة ق٤٩/أ - ب بتصرف.
(٤) المقولة [٧٨٦١] قوله: ((وهو الصحيح)).
(٥) "ح": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١٢١/ب.
(٦) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٠/٢.
(٧) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٥/١.
(٨) انظر "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٤/٢.
(٩) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٥/١.

قسم العبادات
٩٠
حاشية ابن عابدين
کما مرَّ.
(لا) يُصرَفُ (إلى بناءِ) نحوِ (مسجدٍ و) لا إلى (كَفَنِ ميتٍ وقضاءِ دينِهِ) أمَّا دَيْنُ
الحيِّ الفقيرِ.
إلاَّ إذا قبَضَ لهما مَن يجوز له قبضُهُ كالأبِ والوصيِّ وغيرهما، ويُصرَفُ إلى مراهقٍ يَعقِلُ الأخذَ
كما في "المحيط"(١)، "قُهُستاني"(٢). وتقدَّمَ (٣) تمام الكلام على ذلك أوَّلَ الزَّكاة.
[٨٥٣٨] (قولُهُ: كما مرَّ(٤)) أي: في أوَّلِ كتابِ الزَّكاة، "ط "(٥) ..
[٨٥٣٩] (قولُهُ: نحوِ مسجدٍ) كبناءِ القناطر، والسِّقايات، وإصلاحِ الطرقات، وكري الأنهار،
والحجِّ، والجهاد وكلِّ ما لا تمليكَ فيه، "زيلعي"(٦).
[٨٥٤٠] (قولُهُ: ولا إلى كفنِ ميتٍ) لعدمٍ صحَّةِ التمليك منه، ألا ترى أنَّه لو افترَسَهُ سَبْعٌ كان
الكفنُ للمتبرِّع لا للورثة؟ "نهر "(٧).
[٨٥٤١] (قولُهُ: وقضاءِ دَينِهِ) لأنَّ قضاء دَين الحِيِّ لا يقتضي التمليكَ من المديون، بدليلٍ أَنَّهما
لو تصادَقًا - أي: الدَّائِنُ والمديون - أنْ(٨) لا دينَ عليه يَسترِدُّهُ الدافعُ، وليس للمديون [٢/ق ٢٦١/أ]
أنْ يأخذه، "زيلعي"(٩). أي: وقضاءُ دَينِ الميت بالأَولى، وإنما يَسترِدُّ الدَّافعُ ما دفَعَهُ في مسألة
(١) "المحيط البرهاني": كتاب الزكاة - الفصل الثامن في المسائل المتعلقة بمن يوضع الزكاة فيه ١/ق ١٣٩/ب نقلاً عن
"الجامع الأصغر".
(٢) "جامع الرموز": كتاب الزكاة - فصل: مصرف الزكاة ٢٠٧/١.
(٣) المقولة [٧٧٧١] قوله: ((بشرط أن يعقل القبض)).
(٤) ٤١٥/٥ "در".
(٥) "ط": كتاب الزكاة - باب المصرف ٤٢٥/١.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٣٠٠/١.
(٧) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٢/أ.
(٨) في "م": ((على أن)).
(٩) "تبيين الحقائق": كتاب الزكاة - باب المصرف ٣٠٠/١.

الجزء السادس
٩١
باب المصرف
فيجوزُ لو بأمره، ولو أَذِنَ فماتَ فإطلاقُ "الكتاب" يفيدُ عدمَ الجواز، ............
التصادق لأَنَّه ظهَرَ به أنْ لا دين للدَّائن، فقد قبَضَ ما لا حقَّ له به؛ لأَنَّه قَبَضَهُ عن ذمَّةِ مديونه،
وقولُهُ: ((وليس للمديون أنْ يأخذَهُ)) أي: لأَنّه لم يملكه أيضاً، وقَّدَهُ في "البحر"(١) بـ: ((ما إذا
كان الدَّفْعُ بغيرِ أمر المديون، فلو بأمرِهِ فهو تمليكٌ من المديونِ، فيرجعُ عليه لا على الدَّائن)) اهـ.
أي: لأنَّ مَن قضى دينَ غيره بأمرِهِ له أنْ يرجعَ عليه بلا شرطِ الرُّجوع في الصحيح، فيكونُ تمليكاً
من المديونِ على سبيل القرض، ثمَّ هذا إذا لم يَّنْوِ بالدَّفع الزّكاةَ على المديون، وإلاَّ فلا رجوعَ
له على أحدٍ كما نذكرُهُ(٢) قريباً، فافهم.
[٨٥٤٢] (قولُهُ: فيجوزُ لو بأمرِهِ) أي: يجوزُ عن الزَّكاة على أَنَّه تمليكٌ منه، والدَّائنُ يقبضُهُ
بحكمٍ النيابة عنه، ثمَّ يصيرُ قابضاً لنفسه، "فتح"(٣).
[٨٥٤٣] (قولُهُ: فإطلاقُ "الكتاب") يعني "الهدايةَ"(٤) أو "القدوريّ"(٥)، حيث أطلقا دينَ
الميت عن التقييدِ بالأمر، وأصلُ البحث لـ "ابن الهمام" في "شرح الهداية"(٦) حيث قال: ((وفي
"الغاية" عن "المحيط" و"المفيد": لو قضى بها دينَ حيٌّ أو ميتٍ بأمره جازَ، وظاهرُ "الخانَيَّة"(٧)
٦٢/٢
(قولُهُ: وَقَّدَهُ في "البحر" إلخ) أي: قَّدَ رجوعَ المتبرِّع على الدَّائن في مسألة التصادق، لكنَّ هذا
التقييد إنما يظهرُ على قولٍ غيرِ "أبي يوسف"، وذلك أنَّه وإن كان تمليكاً من المديون على جهةِ القرض
إلاَّ أَنَّه ما دام باقياً بعينه يكونُ الملكُ باقياً فيه للمقرض على قوله، فله استردادُهُ من الدَّائن، وليس له
الرُّجوع على المديون لعدم صيرورته دَيْناً عليه.
(١) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦١/٢.
(٢) المقولة [٨٥٤٤] قوله: ((وهو الوجه)).
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٨/٢.
(٤) "الهداية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١١٣/١.
(٥) لم نعثر على إطلاق القدوري هذا في "الكتاب".
(٦) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٨/٢ بتصرف.
(٧) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل فيمن توضع فيه الزكاة ٢٦٨/١ (هامش "الفتاوى الهندية").

قسم العبادات
٩٢
حاشية ابن عابدين
١١٤
وهو الوجهُ، "نهر" (و) لا إلى (ثَّمَنِ ما) أي: قِنَّ.
يوافقُهُ، لكنَّ ظاهر إطلاق "الكتاب" يفيدُ عدم الجوازِ في الميت مطلقاً، وهو ظاهرُ "الخلاصة"(١)
أيضاً حيث قال: لو قضى دينَ حيٍّ أو ميتٍ بغيرِ إذن الحيِّ لا يجوزُ، فَقَّدَ الحَيَّ وأطلَقَ الميتَ)) اهـ.
[٨٥٤٤] (قولُهُ: وهو الوجهُ) لأَنَّه لا بدَّ من كونه تمليكً، وهو لا يقعُ عند أمرِهِ بل عند أداءِ
المأمور وقبضِ النائب، وحينئذٍ لم يكن المديونُ أهلاً للتملُّك لموته، وعلى هذا فإطلاقُ مسألة
التصادُقِ السابقةِ محمولٌ على ما إذا كان الوفاءُ بغيرِ أمر المديون، أمَّا لو كان بأمرِهِ فينبغي أنْ يُرجِعَ
على المديون؛ إذ غايةُ الأمر أَنَّ ملَّكَ فقيراً على ظنِّ أَنَّه مديونٌ، وظهورُ عدمه لا يُؤثِّرُ عدمَ التمليك
بعد وقوعه لله تعالى، كذا في "النهر"(٢)، وهو ملخَّصٌ من كلام "الفتح"(٣)، لكنَّ قولَهُ: ((فينبغي أنْ
يَرجِعَ على المديون)) ليس في عبارة "الفتح"، وهو سبقُ قلمٍ؛ لأنَّ هذا فيما إذا لم ينو بالدفعِ
[٢/ق ٢٦١/ب] الزَّكاةَ كما قدَّمناه(٤)، والكلامُ الآن فيما إذا نواها بدليلِ التعليل، وحينئذٍ
(قولُهُ: أهلاً للتملُكِ) عبارة "النهر": ((أهلاً للتمليك بموته)) اهـ.
(قولُهُ: على المديونِ) ليس في عبارة "النهر" زيادةُ ((على)) كما رأيته في عدَّةِ نسخٍ، وحينئذٍ يكون
صاحب "النهر" متعرِّضاً لرجوع المديون على دائنه لا للرُّجوع عليه، فليس في كلامه سبقُ قلمٍ، ولعلَّه
وقَعَ لـ "المحشِّي" نسخةٌ فيها زيادةُ ((على)).
(قولُهُ: وهو ملخّصٌ من كلام "الفتح") عبارة "الفتح" بعد قوله: وحينئذٍ لم يكن المديونُ أهلاً
للتملُّك: ((وعمَّا قلنا يُشكِلُ استردادُ المزكِّي عند التصادُق إذا وقع بأمرِ المديون؛ لأنَّ بالدفع وقع الملكُ
للفقير بالتمليكِ وقبضِ النائب أعني الفقير، وعدمُ الدَّين في الواقع إنما يَبطُلُ به صيرورتُهُ قابضاً لنفسه
بعد القبض نيابةً لا التمليكُ الأوَّلُ؛ لأنَّ غاية الأمر أن يكون ملَّكَ فقيراً على ظِنِّ أَنَّه مديونٌ، وظهورُ
عدمه لا يُؤْثِّرُ عدمَهُ بعد وقوعه لله تعالى)) اهـ.
(١) لم نعثر على هذا النقل في "خلاصة الفتاوى".
(٢) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٢/ب.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢٠٨/٢.
(٤) المقولة [٨٥٤١] قوله: ((وقضاء دينه)).

الجزء السادس
٩٣
باب المصرف
(يُعْتَقُ) لعدم التَّمليك وهو الرُّكن،
.
لا رجوعَ له على أحدٍ لوقوعه زكاةً، نعم ينبغي أنْ يَرجِعَ به المديونُ على دائنه؛ لأنَّ الدَّائن قِبَضَهُ
نيابةً عنه ثمَّ لنفسه، وقد تبيَّنَ بالتصادُقِ عدمُ صحَّةٍ قبضِهِ لنفسه، فبقي على ملك المديون، ثمَّ رأيتُ
العلاَّمة "المقدسيّ" اعترَضَ ما بَثَهُ في "الفتح": ((بأنَّ الدَّعِ وقَعَ نيابةً عن المديون لوفاءِ دينه،
وإذا لم يكن دَينٌ لم يُعتبرْ ذلك التوكيلُ الضمنيُّ في القبض؛ لأَنّه ثبَتَ ضرورةً للدَّين ولا دينَ،
فلا قبضَ، فلا ملكَ للفقير)) اهـ.
قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ أمرَهُ بالدَّفع إلى دائِهِ لم يَبطُل بظهورِ عدم الدَّين كما لو أمرَهُ بالدَّفع
إلى أجنبيٍّ، فيكونُ وكيلاً بالقبض قصداً لا ضمناً، تأمَّل.
[٨٥٤٥] (قولُهُ: يُعْتَقُ) أي: يُعْتِقُهُ الذي اشتراه بزكاةٍ ماله، أو يُعتَقُ عليه بأنْ اشترى بها أباه
مثلاً.
[٨٥٤٦] (قولُهُ: لعدمِ التمليك) علّةٌ للجميع.
[٨٥٤٧] (قولُهُ: وهو الرُّكنُ) أي: ركنُ الزَّكاة بالمعنى المصدريِّ؛ لأَنّها - كما مرَّ (١)- تمليكُ
المال من فقيرٍ مسلمٍ إلخ ، وتسميتُهُ ركناً - تبعاً لـ "الهداية"(٢) وغيرها - ظاهرٌ بخلافِ ما في
"الدُّرر"(٣) من تسميتهِ شرطاً.
(قولُهُ: قلت: وفيه نظرٌ إلخ) ما قاله فيه نظرٌ، وذلك لأنَّ مراد "المقدسيِّ" أنَّ الموجود من المديون
توكيلٌ قصديٌّ للمتبرِّع بقضاء الدَّين، وضمنيٌّ للدائن بقبضه الثابتِ ضرورة الدين، ثمَّلَمَّا تَبَّنَ عدمُ
الدَّين ظهر عدمُ صحَّة التوكيل القصديِّ يدفع الدين، فيبطلُ التوكيلُ بالقبض الثابتُ ضمناً ضرورةً
للدين، وحينئذٍ لا شكَّ أنَّه يكون وكيلاً بالقبض ضمناً لا قصداً، هذا مرادُ "المقدسيِّ"، ولا يَرِدُ عليه
تنظيرُ "المحشِّي".
(١) المقولة [٧٧٦٧] قوله: ((وشرعاً تمليك إلخ)).
(٢) "الهداية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١١٣/١.
(٣) "الدرر": كتاب الزكاة - باب المصرف ١٨٩/١.

قسم العبادات
٩٤
حاشية ابن عابدين
وقدَّمنا أنَّ الحيلة أنْ يتصدَّقَ على الفقير ثمَّ يأمرَهُ بفعلٍ هذه الأشياء، وهل له أن
يُخالِفَ أمرَهُ؟ لم أره، والظاهرُ نعم (و) لا إلى (مَن بينهما ولادٌ)
[٨٥٤٨] (قولُهُ: وقدَّمنا (١) أي: قبيل قوله: ((وافتراضُها عمريٌّ)).
[٨٥٤٩] (قولُهُ: أنَّ الحيلةَ) أي: في الدَّعَ إلى هذه الأشياءِ مع صحَّةِ الزَّكاة.
[٨٥٥٠] (قولُهُ: ثُمَّ يأمرَهُ إلخ) ويكونُ له ثوابُ الزَّكاة، وللفقيرِ ثوابُ هذه القُرَب، "بحر"(٢).
وفي التعبير بـ ((ثُمَّ)) إشارةٌ إلى أنَّه لو أمَرَهُ أوَّلاً لا يُحزِئُّ؛ لأَنَّه يكون وكيلاً عنه في ذلك، وفيه
نظرّ؛ لأنَّ المعتبر نيَّةُ الدَّفع، ولذا جازتْ وإِنْ سَمَّها قرضاً أو هبةً في الأصحِّ كما قدَّمناه(٣)، فافهم.
[٨٥٥١] (قولُهُ: والظاهرُ نعم) البحثُ لصاحب "النهر"(٤)، وقال: ((لأَنَّه مقتضى صحَّةٍ
التمليك))، قال "الرَّحمتيُّ": ((والظاهرُ أَنَّه لا شبهةَ فيه؛ لأَنَّه مَلَّكَهُ إِيَّه عن زكاةٍ مالِهِ وشرَطَ عليه
شرطاً فاسداً، والهبةُ والصدقةُ لا يَفْسُدان بالشَّرطِ الفاسد)).
[٨٥٥٢] (قولُهُ: وإلى مَن بينهما وِلادٌ) أي: بينَهُ وبين المدفوع إليه؛ لأنَّ منافعَ الأملاك بينهم
متّصلةٌ، فلا يتحقَّقُ التمليكُ على الكمالِ، "هداية"(٥). والولادُ بالكسر: مصدرُ وَلَدت المرأةُ ولادةً
(قولُهُ: وفيه نظرٌ إلخ) بل الظاهرُ عدم الإجزاء بمجرَّدِ نَّةِ المزكّي بعد الأمر؛ لأنَّ المدفوع إليه
لم يوجد منه التملُّك، بل أخذ المالَ على أنَّه لللآمر، فلم يوجد ركنها وهو التمليك والتملُّك، نعم
لو صرَّحَ له بها بعد الأمر وقَبِلَ منه تصحُّ.
(قولُهُ: وشرَطَ عليه شرطاً فاسداً) بل ليس فيه شرطٌ فاسدٌ ، بل موضوعُ المسألة أنَّه تصدَّقَ
على الفقير ثمَّ بعدها أمرَهُ بفعل هذه الأشياء.
(١) ٤٦٠/٥ "در".
(٢) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦١/٢.
(٣) المقولة [٧٨٨٢] قوله: ((نية)).
(٤) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق ١١٢/ب.
(٥) "الهداية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ١١٣/١.

الجزء السادس
٩٥
باب المصرف
ووِلاداً، "مغرب"(١). أي: أصلُهُ وإنْ علا [٢/ق ٢٦٢/أ] كأبويه وأجداده وجدَّاته من قِبَلِهما،
وفرعُهُ وإِنْ سفَلَ - بفتح الفاء من باب طلَبَ، والضمُّ خطأً؛ لأَنّه من السَّفالة وهي الخساسةُ،
"مغرب"(٢)- كأولادِ الأولادِ، وشمل الوِلادِ بالنّكاح والسِّفاح، فلا يَدفَعُ إلى ولدِهِ من الزِّنى
ولا إلى مَن نفاه كما سيأتي(٣)، وكذا كلُّ صدقةٍ واجبةٍ كالفطرةِ والنُّذورِ والكُفَّارات،
أمَّا التطوُّعُ فيجوزُ، بل هو أَولى كما في "اليدائع"(٤)، وكذا يجوزُ خمسُ المعادن؛ لأنَّ له حبسَهُ
لنفسه إذا لم تُغْنِهِ الأربعةُ الأخماسِ كما في "البحر"(٥) عن "الإسبيجابيّ"، وقَّدَ بالولادٍ لجوازه
لبقَيَّةِ الأقارب كالأخوة والأعمام والأخوال الفقراء، بل هم أولى؛ لأَنَّه صِلَةً وصدقةٌ،
وفي "الظهيريَّة"(٦): ((ويبدأ في الصَّدقات بالأقارب ثمَّ الموالي ثمَّ الجيران، ولو دفَعَ زكاتَهُ
إلى مَن نفقتُهُ واجبةٌ عليه من الأقارب جاز إذا لم يَحسِبْها من النفقة))، "بحر"، وقدَّمناه(٧)
موضحاً أوَّلَ الزَّكاة. ويجوز دفعُها لزوجةٍ أبيه وابنه وزوجٍ ابنته، "تاتر خانَّة"(٨). وفي
"القنية"(٩): ((اخْتُلِفَ في المريضِ إذا دفَعَ زكاتَهُ إلى أخيه وهو وارثُهُ، قيل: يصحُّ، وقيل:
لا كمن أوصى بالحجِّ ليس للوصيِّ أنْ يدفعَهُ إلى قريبِ الميت؛ لأَنَّه وصيّةٌ، وقيل: للورثةِ الرَّدُّ
باعتبارها)) اهـ. وظاهرُ كلامهم يشهدُ للأوَّل، "نهر"(١٠). وكذا استظهرَهُ في "البحر"(١١).
(١) "المغرب": مادة((ولد)).
(٢) "المغرب": مادة ((سفل)).
(٣) صـ١٢٢ - "در".
(٤) "البدائع": كتاب الزكاة - فصل: في الذي يرجع إلى المؤدى إليه ٥٠/٢ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٢/٢.
(٦) "الظهيرية": كتاب الزكاة - فصل: مصارف الزكاة والخراج والعشر ق ٥٠/أ.
(٧) المقولة [٧٧٧٢] قوله: ((إلا إذا حكم عليه بنفقته)).
(٨) "التاتر خانية": كتاب الزكاة - الفصل الثامن في المسائل المتعلقة بمن توضع فيه الزكاة ٢٧٣/٢ نقلاً عن "التجنيس"
خواهر زاده.
(٩) "القنية": كتاب الزكاة - باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز ق ٢٩/ب - ٣٠/أ بتصرف.
(١٠) "النهر": كتاب الزكاة - باب المصرف ق١١٢/ب.
(١١) "البحر": كتاب الزكاة - باب المصرف ٢٦٢/٢.

قسم العبادات
٩٦
حاشية ابن عابدين
ولو مملوكاً لفقيرٍ (أو) بينهما (زوجيَّةٌ)
قلت: ويظهرُ لي الأخيرُ، وهو أنَّه يقعُ زكاةً فيما بينه وبين الله تعالى، وللورثةِ إنْ علموا به
الرَّدُّ باعتبارِ أَنَّها في حكم الوصيّة للوارث، ويشهدُ له ما قدَّمناه(١) قبيل باب زكاة المالِ عن
"المختارات" وغيرها: ((من أنّها لو زادت على الثلثِ، وأرادَ أنْ يُؤدِّيَها في مرضِهِ يؤدِّيها سرّاً
من الورثة))، وقدَّمنا(٢) أنَّ ظاهر قولهم: سرًّاً أنَّ الورثة لو علموا بذلك لهم أخذُ ما زادَ على
الثلث، وقد يُفرَّقُ بين المسألتين بأنَّ المريض هناك مضطرٌّ إلى أداءِ الزَّائد على الثلث للخروج
عن عُهدتها بخلاف أدائه إلى وارثه، تأمَّل.
( فرعٌ )
يكرهُ أنْ يحتال في صرفِ الزَّكاة إلى والديه المُعسِرِين، بأنْ تصدَّقَ بها على فقيرٍ، ثمَّ صرَفَها
الفقيرُ [٢/ق٢٦٢/ب] إليهما كما في "القنية"(٣)، قال في "شرح الوهبائِيَّة"(٤): ((وهي شهيرةٌ
مذكورةٌ في غالبِ الكتب)).
[٨٥٥٣] (قولُهُ: ولو مملوكاً لفقيرٍ) قد راجعتُ كثيراً فلم أرَ مَن ذكَرَ ذلك، وهو مشكلٌ، فإنَّ
الملك يقعُ للمولى الفقير، ثمَّ رأيتُ "الرَّحمتيَّ" قال: ((حكاه "الشلبيُّ" في "حاشية التبيين"(٥) بقيل
فقال: وقيل في الولدِ الرَّقيق والزَّوجةِ كذلك اهـ. أي: لا تُدفَعُ لهم الزَّكاة)) اهـ.
ثمَّ رأيتُ عبارة "الشلبيِّ" بعينها في "المعراج"، ومقتضى التعبيرِ بـ ((قيل)) ضعفُهُ لِما قلنا،
والله أعلم.
٦٣/٢
(١) المقولة [٨١٣٨] قوله: ((إلا أن يجيز الورثة)).
(٢) المقولة [٨١٣٨] قوله: ((إلا أن يجيز الورثة)).
(٣) "القنية": كتاب الزكاة - باب أداء الزكاة والنية ق٢٩/ب.
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الزكاة ق٥٢/أ.
(٥) "حاشية الشلبي": كتاب الزكاة - باب المصرف ٣٠١/١ (هامش "تبيين الحقائق")، وتقدمت ترجمته ٥٩٧/٤.