النص المفهرس

صفحات 401-420

الجزء الخامس
٣٩٧
باب الشهید
أو تكلّمَ بكلامٍ كثيرٍ) وإلاَّ فلا، وهذا كلُّهُ إذا كان (بعد انقضاء الحرب، ولو فيها)
أي: في الحربِ (لا) يصيرُ مُرتثاً بشيءٍ مما ذُكِرَ، وكلُّ ذلك.
مكروهٌ وفيكم عينٌ تَطرِفُ، ثمَّ لم يبرح أنْ مات(١)).
[٧٧٣٢] (قولُهُ: أو تكلَّمَ بكلامٍ كثيرٍ) يمكنُ حملُهُ على كلامٍ ليس بوصيّةٍ توفيقاً بينهما، لكنْ
ذكَرَ "أبو بكر الرازيُّ": ((أَنَّه لو أكثرُ كَلامِهِ فِي الوصيَّةِ غُسِلَ؛ لأَنَّها إذا طالَتْ أَشبَهَتْ أمورَ
الدنيا))، "بحر"(٢) عن "غاية البيان".
قلت: يمكنُ حملُ ما ذكَّرَهُ "الرازيُّ" على الوصَيَّةِ بأمورِ الدنيا بدليلٍ ما مرَّ(٣) من وصِيَّةٍ
"سعدٍ"، فإنَّ فيها كلاماً طويلاً.
(٧٧٣٣) (قولُهُ: وإلاّ فلا) أي: وإنْ لم يكن كثيراً ككلمةٍ أو كلمتين فلا يكونُ مُرتثً.
[٧٧٣٤) (قولُهُ: وهذا كلُّهُ) أي: كونُ ما ذُكِرَ في بيان الارتناثِ مُوجِباً للغَسل، "درر"(٤).
[٧٧٣٥) (قولُهُ: إذا كان إلخ) هذا الشرطُ يظهرُ فيمَن قُتِلَ بمحاربةٍ، أمَّ مَن قُتِلَ بغيرها كمن
قُتِلَ ظلماً فلا يظهرُ فيه، بل إن ارتُثَّ غُسِلَ، وإلاَّ لا، ولذا لم يُقَّدْ به هناك.
[٧٧٣٦] (قولُهُ: وكلُّ ذلك) أي: ما تقدَّمَ (٥) من الشروط، وهي ستٍّ كما في "البدائع"(٦):
(قولُهُ: قلت: يمكنُ حملُ ما ذكرَهُ "الرازي" إلخ) هذا الحملُ بعيدٌ، فإنَّ ظاهر قوله: ((أَشبَهَتْ أمورَ
الدنيا)) يدلُّ على أنَّ الكلام في الوصيّة بأمور الآخرة، وأيضاً ظاهرُ إطلاقهم الوصيَّةَ بأمور الدنيا العمومُ،
ولذا قال "الرَّحمتيُّ": ((الفرقُ بين القلّة والكثرة في غيرِ العقود، أمَّا الوصيّة بأمور الدنيا والبيع فلا فرق
بين القليل والكثير)) كما نقلَهُ عنه "السنديُّ".
(١) أخرجه الحاكم ٢٠١/٣ كتاب معرفة الصحابة: باب ذكر مناقب سعد بن الربيع، والبيهقي في "دلائل النبوة"
٢٨٥/٣ في غزوة أحد: باب ما جرى بعد انقضاء الحرب عن زيد بن ثابت قال: بعثني رسول الله ◌ُ﴿ يوم أحد
لطلب سعد بن الربيع، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وانظر "الإصابة" ٢٦/٢، و"البداية والنهاية" ٣٩/٤.
(٢) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٤/٢ بتصرف.
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) "الدرر": كتاب الصلاة - باب الشهيد ١٧٠/١.
(٥) صـ٣٨٢ - وما بعدها "در".
(٦) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام على الشهيد ٣٢٠/١ بتصرف، إلا أنه زاد شرطاً سابعاً وهو ((الإسلام)).

قسم العبادات
٣٩٨
حاشية ابن عابدين
في الشهيدِ الكامل، وإلاّ فالمرتَثُّ شهيدُ الآخرة، وكذا الجُنُبُ ونحوُهُ، ومَن قصَدَ العدوّ
فأصابَ نفسَهُ، والغريقُ، والحريقُ، والغريبُ، والمهدومُ عليه، والمبطونُ، والمطعونُ، .....
((العقلُ، والبلوغُ، والقتلُ ظلماً، وأنْ لا يجبَ به عِوَضٌ ماليٌّ، والطهارةُ عن الحدثِ الأكبر، وعدمُ
الارتثاث))، "ط"(١).
مطلبٌ في تعدادِ الشهداء
[٧٧٣٧) (قولُهُ: في الشَّهِيدِ الكاملِ) وهو شهيدُ الدنيا والآخرة، وشهادةُ الدنيا بعدمِ الغَسل
إلّ لنجاسةٍ أصابته غيرِ دمِهِ كما في "أبي السُّعود"(٢)، وشهادةُ [٢/ق١٨٤ /أ] الآخرة بنّيْلِ الثوابِ
الموعود للشهيد، أفادَهُ في "البحر"(٣)، "ط"(٤). والمرادُ بشهيدِ الآخرة مَن قُتِلَ مظلوماً، أو قاتَلَ
لإعلاء كلمة الله تعالى حتَّى قُتِلَ، فلو قاتَلَ لغرضٍ دنيويٌّ فهو شهيدُ دنيا فقط، تجري عليه أحكامُ
الشهيد في الدنيا، وعليه فالشهداءُ ثلاثةٌ.
[٧٧٣٨) (قولُهُ: ونحوُهُ) أي: كالمجنونِ والصبيِّ والمقتولِ ظلماً إذا وجَبَ بقتله مالٌ.
[٧٧٣٩) (قولُهُ: والمطعونُ) وكذا مَن مات في زمنِ الطاعون بغيره إذا أقامَ في بلده صابراً
محتسباً فإنَّ له أجرَ الشهيد كما حديث "البخاريِ" (٥)، وذكَرَ الحافظ "ابن حجرٍ"(١): ((أَنَّه لا يُسألُ
(قولُ "الشارح": وكلُّ ذلك في الشَّهيد الكامل) فيه أنَّ ما ذكرَهُ من الشروط إنما هو في شهيد
الدنيا أعمَّ من كونه شهيدَ الآخرة أيضاً أوْ لا، فالأظهرُ تغييرُ هذه العبارة كأن يقول: وهذا كلُّهُ في شهيد
الدنيا أعمَّ من كونه شهيدَ الآخرة أيضاً أوْ لا، تأمَّل.
(١) "ط": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٣٨٦/١ -٣٨٧ بتصرف.
(٢) "فتح المعين": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٣٦٦/١ نقلاًعن الحموي معزياً إلى البرجندي.
(٣) "البحر": كتاب الجنائز - باب الشهيد ٢١٣/٢.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٣٨٧/١ بتصرف.
(٥) برقم (٥٧٣٤) كتاب الطب - باب أجر الصابر على الطاعون، و(٢٨٢٩) كتاب الجهاد - باب الشهادة سبع سوى
القتل، ووأخرجه مالك ١٣١/١، ومسلم (١٩١٤) كتاب الإمارة: باب بيان الشهداء، والترمذي (١٠٦٣) كتاب
الجنائز - باب ما جاء في الشهداء مَنْ هم؟، عن أبي هريرة ◌َ﴾ مرفوعاً.
(٦) لم نعثر على النقل ولعله في كتابه "بذل الماعون في فضل الماعون".

الجزء الخامس
٣٩٩
باب الشهید
والنُّفَسَاءُ، والميتُ ليلةَ الجمعة، وصاحبُ ذاتِ الجَنْبِ، ومَن ماتَ وهو يطلُبُ العلمَ،
وقد عَدَّهم "السيوطيُّ" نحوَ الثلاثين.
في قبرِهِ))، ◌ُجْهُوريّ"(١).
[٧٧٤٠] (قولُهُ: والنُّفَساءُ) ظاهرُهُ سواءٌ مَتَتْ وقتَ الوضع أو بعده قبل انقضاءِ مدَّةِ النّفاس،
"ط" (٢).
[٧٧٤١) (قولُهُ: والميتُ ليلةَ الجمعةِ) أخرَجَ "حميدُ بن زنجويه "(٣) في "فضائلِ الأعمال" عن
مُرْسَلٍ "إياس بن بكيرِ": أنَّ رسول الله ﴿ه قال: ((مَن مات يومَ الجمعة كُتِبَ له أجرُ شهيدٍ»،
◌ُجْهُوريّ".
[٧٧٤٢] (قولُهُ: وهو يطُبُ العلمَ) بأنْ كان له اشتغالٌ به تأليفاً أو تدريساً أو حضوراً فيما
يظهرُ ولو كلَّ يومٍ درساً، وليس المرادُ الانهماكَ، "ط "(٤).
[٧٧٤٣) (قولُهُ: وقد عَدَّهم "السيوطيُّ" إلخ) أي: في "التثبيت"(٥) نحوَ الثلاثين، فقال: ((مَن
مات بالبَطَنٍ، واختُلِفَ فيه: هل المرادُ به الاستسقاءُ أو الإسهال؟ قولان، ولا مانعَ من الشُّمول،
أو الغَرَقِ، أو الهدمِ، أو بالجَنْبِ، وهي قروحٌ تَحدُثُ في داخلِ الجنب بوجعٍ شديدٍ، ثُمَّ تنفتحُ
(١) أبو الإرشاد علي بن محمد بن عبد الرحمن، نور الدين الأُجْهُوريّ ("خلاصة الأثر "١٥٧/٣، "الأعلام"١٣/٥).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٣٧٨/١.
(٣) نقل تخريجه السيوطي في "أبواب السعادة": صـ٦٥-، ولم نَرَ مَنْ تكلم على إسناد ابن زنجويه
هذا إلا أنه مرسل كما ترى.
وأخرجه عبد الرزاق (٥٥٩٥) كتاب الجمعة - باب من مات يوم الجمعة عن ابن جريج، عن رجل، عن ابن شهاب
أنَّ النبي ﴿ قال: ((من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة برئ من فتنة القبر، أو قال: وقي فتنة القبر وكتب شهيداً))، وفيه
من العلل جهالة الراوي عن ابن شهاب ، والإرسال، والشك في ذكر الشهادة، وللحديث طرق أخرى ضعيفة.
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب الشهيد ٣٨٧/١.
(٥) "التثبيت عند التبييت": أرجوزة للسيوطي، انظر "كشف الظنون" ٣٤٤/١، و"المعجم الشامل للتراث العربي
المطبوع"٢٩١/٣.

قسم العبادات
٤٠٠
حاشية ابن عابدين
في الجَنْبِ، أو بالجُمْعِ بالضمِّ بمعنى المجموع كالذُّخْرِ بمعنى المذخور، وكسَرَ "الكسائيُّ" الجيمَ،
والمعنى أنّها ماتَتْ من شيءٍ مجموعٍ فيها غيرِ منفصلٍ عنها من حَمْلٍ أو بكارةٍ، وقد تُفْتَحُ الجيمُ
أيضاً على قلَّةٍ، قال : ﴿: ((أُما امرأةٍ مَتَتْ بُجُمْعٍ فهي شهيدةٌ))(١)، أو بالسِّلِّ، وهو داءٌ يصيبُ
الرَِّةَ ويأخذ البدنُ منه في النقصانِ والاصفرارِ، أو في الغُربةِ، أو بالصَّرَعِ، أو بالحمَّى، أو دونَ أُهِلِهِ،
أو مالِهِ، أو دمِهِ، أو مظلمةٍ، أو بالعشقِ مع العفافِ والكْمِ وإنْ كان سيِّةً(٢) حراماً، أو بالشَّرَقِ،
أو بافتراسِ السَّع، أو بحبسٍ سلطانٍ ظلماً، أو بالضربِ، أو متوارياً، أو لَدَغَتْهُ هامَّةٌ، أو ماتَ على
طلب العلمِ الشرعيِّ، أو مُؤذّناً محتسباً، أو تاجراً صدوقاً ، ومن سعى على امرأتِهِ وولده
[٢/ق١٨٤/ب] وما ملكت يمينُهُ يقيمُ فيهم أمرَ الله تعالى ويُطعِمُهم من حلالٍ كان حقّاً على الله
تعالى أن يجعلَهُ مع الشهداء في درجاتهم يوم القيامة(٣)، والمائدُ في البحر، أي: الذي حصَلَ
له غثيانٌ، والذي يصيبُهُ القيُ له أجرُ شهيدٍ(٤)، ومن ماتَتْ صابرةً على الغَيرةِ لها أجرُ شهيدٍ (٥)،
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" ٢٣٣/١ - ٢٣٤ كتاب الجنائز: باب النهي عن البكاء على الميت، وأحمد ٤٤٦/٥،
وأبو داود (٣١١١) كتاب الجنائز: باب فضل من مات في الطاعون، والنسائي ١٣/٤ - ١٤ كتاب الجنائز: باب النهي
عن البكاء على الميت، وابن ماجه (٢٨٠٣) كتاب الجهاد - باب ما يرجى فيه الشهادة عن جابر بن عَتِيك ◌َّه مرفوعاً.
(٢) عبارة الطحطاوي: ((سببُهُ))، ولعله الصواب.
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" ٣٦١/١٨ - ٣٦٢، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" ٤٥٠/٣ - ٤٥١، وابن الجوزي
في "الموضوعات" ١٦٢/٣ - ١٦٣ عن أبي كاهل مرفوعاً ضمن حديث طويل، قال الذهبي في "الميزان" ٣٥٤/٣
في ترجمة الفضل بن عطاء: ((سند مظلم، والمتن باطل )) اهـ وساق طرفاً من الحديث.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٤٩٣) كتاب الجهاد باب فضل الغزو في البحر، والبيهقي في "السنن الكبرى"٣٣٥/٤ كتاب الحج
باب ركوب البحر لحج أو عمرة أو غزو عن أم حرام مرفوعاً: ((المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد))
وإسناده حسن.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" (٩٤٠)، والطبراني في "المعجم الكبير"(١٠٠٤٠)، والبزار"في البحر الزخار"
(١٤٩٠)، وابن عَدِيّ في "الكامل" ٢١٠٢/٦ عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً بلفظ: ((إن الله كتب الغيرة على
النساء والجهاد على الرجال فمن صبر منهن كان لها أجر شهيد)) وفي إسناده عبيد بن الصباح قال البزار: هذا
الحديث لا نعلمه يروى عن النبي # إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وعبيد بن الصباح ليس به بأس، وضعفه
أبو حاتم وساق له الذهبي هذا الحديث وجعله من مناكيره. انظر "الميزان" ٢٠/٣ .

الجزء الخامس
٤٠١
باب الشهید
ومَن قال كلَّ يومٍ خمساً وعشرين مرَّةً: اللهمَّ بارِكْ لي في الموت وفيما بعد الموت ثمَّ مات على
فراشِهِ أعطاه الله أجرَ شهيدٍ (١)، ومن صلّى الصُّحى، وصامَ ثلاثةَ أَيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، ولم يَتْرُكُ الوترَ
سفراً ولا حضراً كُتِبَ له أجرُ شهيدٍ(٢)، والمتمسِّكُ بسنِّي عند فسادٍ أمَّتَي له أجرُ شهيدٍ (٢)، و(٤) مَن
قال في مرضه أربعين مرَّةً: لا إله إلاَّ أنت سبحانك إنّي كنتُ من الظالمين فعات أُعطِيَ أجرَ شهيدٍ،
وإِنْ بَرِئَ بَرِئَ مغفوراً له(٥)، وحذفتُ أدلّةَ ذلك طلباً للاختصار)) اهـ ملخّصاً، "ط) (١).
أقول: وقد نظَمَها العلاَّمة الشيخُ "عليُّ الأجهوريُّ" المالكيُّ وشَرَحها شرحاً لطيفاً، وذكَّرَ
نحوَ الثلاثين أيضاً، لكنّه زاد على ما هنا: ((مَن ماتَ بالطَّاعون كما مرَّ(٧)، أو بالحَرَقِ، أو
مُرابِطاً، أو يقرأُ كلَّ ليلةٍ سورةَ يس، ومَن صُرِعَ عن داَبَّةٍ فمات - وَيُحتمَلُ أنْ يكون هو المرادَ
بقوله فيما مرَّ(٨): أو بالصَّرَعِ - ومَن باتَ على طهارةٍ فماتَ، و ((مَن عاشَ مُدارِياً مات شهيداً »،
(١) أخرجه الطبراني في " الأوسط " ٨ / ٧٦٧٢ عن عائشة مرفوعاً، وأورده الهيثمي في " المجمع" ٣٠١/٥
وقال: ((رواه الطبراني وفيه: من لم أعرفهم)).
(٢) أخرجه الطبراني في "الكبير" كما في" المجمع" ٢٤١/٢، وأبو نعيم في "الحلية" ٣٣٢/٤، وقال: غريب من حديث
الشعبي تفرد به أيوب، وقال الهيثمي في "المجمع": وفيه أيوب بن نهيك، ضعفه أبو حاتم وغيره، ووثقه ابن حبان،
وقال: يخطئ.
(٣) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥٤١٠)، وأبو نعيم في "الحلية" ٢٠٠/٨ من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وقال
أبو نعيم: غريب من حديث عبد العزيز عن عطاء عن أبي هريرة #. وأورده الهيثمي في "المجمع"١٧٢/١ وقال:
رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه محمد بن صالح العَدَويّ ولم أرَ مَن ترجمه، وبقيَّةٌ رجاله ثقات.
(٤) الواو ليست في "ب" و"م".
(٥) أخرجه الحاكم ٥٠٦/١ كتاب الدعاء، عن سعد بن مالك ظي مرفوعاً، وسكت عليه الحاكم والذهبي، وفي إسناده
عمرو بن بكر السكسكي وهو متروك، انظر "الميزان" للذهبي ٢٤٧/٣ -٢٤٨ و"تلخيص المستدرك" ٢٠١/٤ و٣١٠.
(٦) "ط": كتاب الصلاة باب الشهيد ٣٨٧/١.
(٧) المقولة [٧٧٣٩] قوله: ((والمطعون)).
(٨) في هذه المقولة.

قسم العبادات
٤٠٢
حاشية ابن عابدين
٦١١/١ أخرجَهُ "الديلميُّ)"(١)، و«مَن صلَّى على النبيِّ ◌َّ مائَةَ مرَّةٍ))، أخرجَهُ "الطبرانيُّ"(٢)، و(«مَن سأل
القتلَ في سبيل الله صادقاً ثمَّ ماتَ أعطاه الله أجرَ شهيدٍ)، رواه "الحاكم"(٢) وغيره، و((مَن جلَبَ
طعاماً إلى مصرٍ من أمصارِ المسلمين كان له أجرُ شهيدٍ))، رواه "الديلميُّ) (٤)، ومَن مات يوم
الجمعة كما مرَّ(٥)، وسُئِلَ "الحسن" عن رجلٍ اغتسَلَ بالثلج فأصابَهُ البردُ فمات فقال: يا لها من
شهادةٍ(٦)، وأخرَجَ "الترمذيُ)(٧) عن "معقل بن يسارٍ" قال: قال رسولُ الله ◌ُ لّ: ((من قال حين
يُصِحُ ثلاثَ مرَّاتٍ: أعوذُ بالله السَّمِيعِ العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاثَ آياتٍ من آخرٍ
سورة الحشر وكَّلَ اللَّهُ به سبعين ألفَ مَلَكٍ يصلُّون عليه حتَّى يُمسيَ، فإنْ مات في ذلك اليومِ
مات شهيداً، ومن قالَها حين يُمسي كان بتلك المنزلةِ حتّى يُصْبِحَ)))) اهـ.
(١) أخرجه الديلميّ كما في "الكنز" رقم (٧١٧٣) من حديث جابرت مرفوعاً، ولم أقف على سنده. وروي من قول
مكحول، أخرجه أبو نُعَيم في "الحلية"١٨٤/٥ بلفظ: ((من مات مدارياً مات شهيداً)).
(٢) في "الأوسط" (٧٢٣٥)، وفي "الصغير" ٤٧/٢ - ٤٨، وأورده الهيثمي في "المجمع" ١٦٣/١٠ وفيه إبراهيم بن سالم
الهجيمي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٣) بهذا اللفظ ٧٧/٢ كتاب الجهاد من حديث أنس به مرفوعاً، وصحَّحه ووافقه الذهبي.
وأخرجه مسلم (١٩٠٨) كتاب الإمارة - باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله ولفظه: ((من طلب الشهادة
صادقاً أعطيها ولو لم تصبه)).
(٤) أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في "معجمه" رقم (١٧١)، والسهمي في "تاريخ جرجان" صـ ٨٤ -٨٥ -، وصـ ٣٩٨-،
والديلمي كما في "الجامع الكبير" للسيوطي ٧٧٠/١ عن ابن مسعود مرفوعاً، وإسناده لا بأس به. إلا أن فيه الأعمش
ثقة لكنه مدلس وقد عنعنه، وأخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" ٤٤٢/١٣ عن ابن مسعود أيضاً بإسناد ضعيف، وعزاه
الحافظ العراقي في تخريج "الإحياء" ٧٤/٢ إلى ابن مردويه في التفسير من حديث ابن مسعودته وضعفه.
(٥) المقولة [٧٧٤١] قوله: ((والميت ليلة الجمعة)).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٠٢/١ كتاب الطهارات - باب في الوضوء بالثلج.
(٧) برقم (٢٩٢٢) كتاب فضائل القرآن - باب (٢٢) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قلت:
وفي إسناده خالد بن طهمان وهو ضعيف، وأخرجه أحمد ٢٦/٥، والدارمي (٣٣٠١) كتاب فضائل القرآن - باب
في فضل ((حم الدخان))، والطبراني في "الكبير" ٢٢٩/٢٠ (٥٣٧)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٨)،
کلهم من طریق خالد بن طهمان به.

الجزء الخامس
٤٠٣
باب الشهید
وبذلك زادَتْ على [٢/ق١٨٥/أ] الأربعين، وقد عدَّها بعضُهم أكثرَ من خمسين، وذكَرَها
"الرحمتيٌُّ" منظومةً، فراجعه.
مطلبٌ: المعصيةُ هل تُنافي الشهادةَ؟
( خاتمةٌ )
ذكَرَ "الأجهوريُّ": ((قال في "العارضة "(١): مَنْ غَرِقَ في قطعِ الطريق فهو شهيدٌ وعليه إثمُ
معصيتِهِ، وكل مَن مات بسببِ معصيةٍ فليس بشهيدٍ، وإنْ ماتَ في معصيةٍ بسببٍ من أسبابِ
الشهادة فله أجرُ شهادتِهِ وعليه إثمُ معصيته، وكذلك لو قاتَلَ على فَرَسٍ مغصوبٍ، أو كان قومٌ في
معصيةٍ فوقَعَ عليهم البيتُ فلهم الشهادةُ وعليهم إثمُ المعصية)) انتهى.
ثمَّ نقَلَ عن بعض شيوخه: ((أَنّه يُؤخَذُ منه أنَّ مَن شَرِقَ بالخمرِ فمات فهو شهيدٌ؛ لأَنَّه ماتَ
في معصيةٍ لا بسبِها))، ثمَّ نظَرَ فيه: ((بأَنَّ ماتَ بسببها؛ لأنَّ الشَّرْقَةَ بالخمر معصيةٌ؛ لأنَّها شربٌ
خاصٌّ))، قال: ((ويتردَّدُ النظرُ فيمَن مَتَتْ بالولادة من الزِّنى في أنَّ سبب السبب هل يكونُ بمنزلة
السبب فلا تكونُ شهيدةً أم لا؟ والظاهرُ الأوَّلُ)) اهـ.
وجزَمَ "الرمليُّ" الشافعيُّ(٢) بالثاني وقال: ((أَيُّ فرق بينها وبين مَن رَكِبَ البحرَ لمعصيةٍ،
أو سافَرَ آبقاً أو ناشرةً؟ بخلاف ما إذا رَكِبَ البحرَ في وقتٍ لا تسيرُ فيه السفن، أو تسبَّبَت امرأةٌ
في إلقاء حملِها للعصيان بالسبب)) اهـ ملخَّصاً.
قلت: الذي يظهرُ تقييدُ ركوبِ البحر أو السَّرِ بما إذا كان لغيرِ معصيةٍ، وإلاّ كان معصيةً
لكونه سبباً للمعصيةِ، فهو كمن قاتَلَ عصبيَّةً فجُرِحَ ثُمَّ مات، فالمناسبُ ما نقَلَهُ عن بعضِهم من
تقييدِهِ(٣) السَّفَرَ بالإِباحة، والله أعلم.
(١) "عارضة الأحوذي": ٢٥٥/٤ لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي الإشبيليّ المالكي (ت٥٤٣هـ)
شرح "سنن الترمذي". ("كشف الظنون" ٥٥٩/١، "وفيات الأعيان" ٢٩٦/٤،"الأعلام" ٢٣٠/٦).
(٢) "نهاية المحتاج": كتاب الجنائز - فصل في الصلاة على الميت المسلم غير الشهيد ٤٩٧/٢.
(٣) في "م": ((تقييد)).

قسم العبادات
٤٠٤
حاشية ابن عابدين
﴿بابُ الصلاة في الكعبة﴾
في البابِ زيادةٌ على الترجمة، وهو حسنٌ.
(يصحُّ فرضٌ ونفلٌ فيها وفوقَها) ولو بلا سترةٍ؛ لأنَّ القِبلةُ(١) عندنا
﴿بابُ الصَّلاة في الكعبة﴾
لَمَّا بَيَّنَ حكمَ الصلاة خارجَها شرَعَ في بيانها داخلَها، وقدَّمَ الأوَّلَ لكثرةٍ وقوعه.
[٧٧٤٤) (قولُهُ: في البابِ زيادةٌ) وهي الصلاةُ عليها وحولَها، "ط)"(٢).
[٧٧٤٥) (قولُهُ: وهو حسنٌ) بخلافٍ ما لو نقَصَ عنها، ومثلُهُ الزيادةُ على ما في السُّؤَالِ كقوله
عليه الصلاة والسلام لَمَّ سُئِلَ عن التطهُّرِ بماءِ البحر: ((هو الطهورُ ماؤه الحلُّ ميتته))(٣).
[٧٧٤٦)] (قولُهُ: يصحُّ فرضٌ ونفلٌ فيها) أي: في جوفِها، وعند "مالكٍ": لا يصحُّ الفرضُ
فيها؛ لأَنَّه إنْ كان استقبَلَ جهةٌ كان مُستدبِراً جهةً أخرى، ولنا أنَّ الواجب استقبالُ جزءٍ منها غير
عين، وإنما يتعيّنُ الجزءُ قِبلةً له بالشُّروع في الصلاة والتوُّهِ إليه، ومتى صار قبلةً فاستدبارُ
[٢/ق١٨٥ /ب] غيرِهِ لا يكون مُفسِداً، وعلى هذا ينبغي أنَّه لو صلَّى ركعةً إلى جهةٍ أخرى
لم يصحَّ؛ لأَنّ صار مُستدِراً الجهةَ التي صارت قِبلةٌ في حقِّ بيقينٍ بلا ضرورةٍ بخلاف المتحرِّي؛
لأنَّ ما تحوَّلَ عنها لم تَصِرْ قِبلةً له بيقينٍ بل باجتهادٍ، ولم يَطُل ما أدَّى بالاجتهاد الأوَّلِ؛ لأنَّ ما
مضى باجتهادٍ لا يُنقَضُ باجتهادٍ مثلِهِ، "بدائع"(٤) ملخِّصاً.
(١) في "د" زيادة: ((قوله: ((لأن القبلة)): لم يقل الكعبة كما قال بعضهم، لما في "البحر" عن "الغاية": الكعبة البناء
المرتفع، مأخوذٌ من الارتفاع والنتوء، ومنه الكاعب، فكيف يقال الكعبة هي العرصة؟ والصواب: القبلة هي
العرصة، كما ذكره في "المحيط" وغيره)).
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب الصلاة في الكعبة ٣٨٧/١.
(٣) أخرجه مالك ٢٢/١ كتاب الطهارة - باب الوضوء من ماء البحر، وأحمد ٢٣٧/٢، وأبو داود (٨١) كتاب الطهارة -
باب الوضوء من ماء البحر، والترمذي (٦٩) كتاب أبواب الطهارة - باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، وقال
حديث حسن صحيح، والنسائي ١٧٦/١ كتاب الطهارة - باب الوضوء من ماء البحر، وابن ماجه (٣٨٦) كتاب
الطهارة وسننها - باب الوضوء بماء البحر، وابن خزيمة (١١١) كتاب الطهارة - باب الرخصة في الغسل والوضوء من
ماء البحر، والدارمي ١٨٦/١ كتاب الصلاة والطهارة - باب الوضوء من ماء البحر. كلهم من حديث أبي هريرة﴾.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شروط أركان الصلاة ١٢١/١.

الجزء الخامس
٤٠٥
باب الصلاة في الكعبة
هي العَرْصةُ والهواءُ إلى عَنانِ السماء (وإنْ كُرِهَ الثاني) للنهي وتركِ التعظيم (منفرداً
أو بجماعةٍ وإنْ) وصليَّةٌ (اختلَفَتْ وجوهُهم).
[٧٧٤٧) (قولُهُ: هي العَرْصةُ والهواءُ) أي: لا البناءُ بدليلٍ أَنَّه لو نُقِلَ إلى عَرْصةٍ أخرى وصلَّى
إليه لم يَحُزْ، ولأنّه لو صلَّى على أبي قُبُيَسٍ جازت بالإجماع مع أنّه لم يُصَلِّ إلى البناءِ، "بدائع)"(١).
والعَرْصةُ بالسكون: كلُّ بقعةٍ من الدُّورِ ليس فيها بناءً، "قاموس" (٢).
[٧٧٤٨] (قولُهُ: إلى عَنانِ السماءِ) بفتح العين المهملة: نواحيها، وبكسرها: ما بدا لك منها
إذا نظرتَها، "قاموس"(٣).
[٧٧٤٩)] (قولُهُ: وإِنْ كُرِهَ "الثاني") أي: الصلاةُ فوقها.
[٧٧٥٠) (قولُهُ: للنهي) لأنّها من السَّبْعِ التي نَهَى عنها رسول الله مَ(٤)، وجَمَعَها
"الطرسوسيُّ" في قوله:
عن الصَّلاةِ في بقاع تُعتبَرْ
نهى الرَّسولُ أحمدٌ خيرُ البَشَرْ
مَزْبلةٍ طريقِهم ومَحزرةٌ
مَعَاطِن الجمال ثمَّ المقبرةُ
والحمدُ للَّهِ على النَّمامِ
وفوقَ بيتِ اللَّهِ والحمَّام
[٧٧٥١] (قولُهُ: وإن اختلَفَتْ وجوهُهم) شاملٌ لستَّ عشرةَ صورةٌ حاصلةٍ من ضربِ أربعٍ:
وجهِ المؤتَمِّ وقفاه ويمينِهِ ويسارِهِ في مثلها من الإِمام، "ح"(٥).
(١) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شروط أركان الصلاة ١٢١/١.
(٢) "القاموس": مادة (عرص) بتصرف.
(٣) "القاموس": مادة (عنن).
(٤) أخرجه الترمذي (٣٤٦) كتاب أبواب الصلاة - باب ماجاء في كراهية ما يصلي إليه وفيه، وابن ماجه (٧٤٦)
كتاب المساجد والجماعات - باب المواضع التي تكره فيها الصلاة، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣٨٣/١
باب الصلاة في أعطان الإبل، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٣٠/٢ كتاب الصلاة - باب النهي عن الصلاة
على ظهر الكعبة، كلُّهم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً، وقال الترمذي: وحديث ابن عمر إسنادُهُ
ليس بذاك القويّ، وفي الباب عن أبي مرتد كنّاز بن حصين، وجابر، وأنس ح﴾.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب الصلاة في الكعبة ق ١١٣/أ.

قسم العبادات
٤٠٦
حاشية ابن عابدين
في التوجُّهِ إلى الكعبة (إلاَّ إذا جعَلَ قفاه إلى وجهِ إمامِهِ) فلا يصحُّ اقتداؤُهُ (التقدُّمِهِ
عليه) ويكرهُ جعلُ وجهِهِ لوجهه بلا حائلٍ، ولو لجَنْبِهِ لم يكره، ..
قلت: ويشملُ ستَّ عشرةَ صورةً أيضاً حاصلةٍ من ذلك بالنظرِ إلى المقتدين بعضِهم مع
بعضٍ كما أشارَ إليه في "البدائع"(١) حيث قال: ((وكذا إذا كان وجهُ بعضِهم إلى ظَهْرِ بعضهم،
وظَهْرُ بعضِهم إلى ظَهْرِ بعضٍ لوجودِ استقبال القبلة)).
[٧٧٥٢] (قولُهُ: في التوجُّهِ إلى الكعبةِ) زادَهُ للإشارة إلى أَنَّه ليس المرادُ اختلَفَتْ وجوهُهم
بعضُها عن بعضٍ؛ لأنّه على هذا التقديرِ لا يشملُ صورة المواجهة، "ط"(٢)، تأمَّل.
[٧٧٥٣] (قولُهُ: إلى وجهِ إمامِهِ) أي: بأنْ يتوجَّهَ إلى الجهةِ التي توجَّهَ إليها إمامُهُ، ويكونَ
مُتَقدِّماً عليه فيها سواءٌ كان ظَهْرُهُ مُسامِتاً لوجهِ إمامه أو منحرفاً عنه يميناً أو يساراً؛ لأنَّ العلَّة التقدُّمُ
عند اتحادِ الجهة.
٦١٢/١
[٧٧٥٤) (قولُهُ: ويكرهُ إلخ) قال في "شرح [٢/ق ١٨٦/أ] الملتقى"(٢): ((لأَنَّه يُشبهُ عبادةَ
الصُّورة))، وفي "القُهُستانِيِّ"(٤) عن "الجلاّبيِّ": ((وينبغي أنْ يَجعَلَ بينه وبين الإِمام سترةً، بأنْ يُعلِّقَ
نِطْعاً أو ثوباً))، "ط" (٥). أي: ليَمنعَ عن المواجهة.
﴿باب الصلاة في الكعبة﴾
(قولُهُ: تأمَّل) لعلَّه إشارةٌ إلى أنَّ الوصليّة تفيدُ شمول صورةِ المواجهة كما هو ظاهرٌ.
(١) عبارة "البدائع": ((وإن صلّوا مصطفين خلف الإمام إلى جهة الإمام فلا شكَّ أنَّ صلاتهم جائزة، وكذا إذا كان
وجه بعضهم إلى ظهر الإمام، وظهرُ بعضهم إلى ظهره لوجود استقبال القبلة))، وهي تستلزم المعنى الذي ذكره
ابن عابدين رحمه الله. انظر "البدائع" كتاب الصلاة - فصل في شرائط أركان الصلاة ١٢١/١.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب الصلاة على الكعبة ٣٨٨/١.
(٣) "الدر المنتقى": كتاب الصلاة - باب الصلاة داخل الكعبة ١٩١/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) "جامع الرموز": كتاب الصلاة - فصل في الصلاة في الكعبة ١٨٣/١.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب الصلاة في الكعبة ٣٨٨/١.

الجزء الخامس
٤٠٧
باب الصلاة في الكعبة
فهي أربعٌ (ويصحُّ لو تَحَلِّقوا حولَها ولو كان بعضُهم أقربَ إليها من إمامه إنْ لم
يكن في جانبه) لتأخُرِهِ حكماً، ولو وقَفَ مُسامِتاً لركنٍ في جانبِ الإِمام وكان
أقربَ لم أره، وينبغي الفسادُ احتياطاً لترجيحِ جهة الإمام، وهذه صورتُهُ:
م
[٧٧٥٥] (قولُهُ: فهي أربعٌ) يعني الجوانبَ من كلٍّ من المؤتَمِّ والإمام، فلا ينافي ما مرَّ(١) من
أنّها ستّةَ عشر، فافهم.
[٧٧٥٦)] (قولُهُ: ويصحُّ لو تَحلَّقُوا حولَها) شروعٌ في حكمِ الصلاة خارجَها، والتحلُّقُ جائزٌ؛
لأنَّ الصلاة بمكّةَ تُؤدَّى هكذا من لَدُنْ رسولِ الله ◌ِ﴾ إلى يومنا.
هذا، والأفضلُ للإمام أنْ يقفَ في مقامٍ إبراهيم عليه الصلاة والسلام، "بدائع"(٢).
[٧٧٥٧] (قولُهُ: إنْ لم يكن في جانبِهِ) أمَّا إذا كان أقربَ إليها من الإمام في الجهة التي يصلّي
إليها الإِمامُ - بأنْ كان مُتقدِّماً على الإِمام بحذائه فيكونَ ظهرُهُ إلى وجهِ الإِمام، أو كان على يمينٍ
الإِمام أو يساره مُتقدِّماً عليه من تلك الجهةِ ويكونَ ظهرُهُ إلى الصفِّ الذي مع الإِمام ووجهُهُ
إلى الكعبة - فلا يصحُّ اقتداؤه؛ لأَنّه إذا كان مُتُقدِّمً عليه لا يكونُ تابعاً له، "بدائع"( ٢).
[٧٧٥٨] (قولُهُ: لتأخُّرِهِ حكماً) علَّةٌ لصحَّةٍ صلاةِ الأقرب إليها من إمامِهِ إنْ لم يكن في جانب
الإِمام؛ لأنَّ التقدُّمَ إنما يَظهَرُ عند اتّحادِ الجهة، فإذا لم تَتَّحِدْ لم يتحقَّقْ تقدُّمُه على إمامه، والمانعُ
من صحَّةِ الاقتداءِ هو التقدُّمُ ولم يوجد.
وبما قرَّرناه ظهَرَ أنَّ الأَولى في التعليل أنْ يقول: لعدمٍ تقدُّمِهِ؛ لأنَّ صحَّةَ الاقتداءِ لا تتوقّفُ
على التأخُّرِ، بل تكونُ مع المساواةِ كما مرَّ(٤) في محلّه.
[٧٧٥٩] (قولُهُ: وينبغي الفسادُ احتياطاً إلخ) البحثُ لـ "الشرنبلاليّ" في "حاشية الدُّرر"(٥)،
وكذا لـ "الرمليِّ" في "حاشية البحر"، وبيانه: أنَّ المقتديَ إذا استقبَلَ ركنَ الحَجَرِ مثلاً يكونُ كلِّ
(١) المقولة [٧٧٥١] قوله: ((وإن اختلفت وجوههم)).
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط أركان الصلاة ١٢٠/١.
(٣) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في شرائط أركان الصلاة ١٢٠/١ بتصرف.
(٤) المقولة [٤٦٤٥] قوله: ((وعدم تقدمه عليه بعقبه)).
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الصلاة - باب الصلاة في الكعبة ١٤٩/١ (هامش "الدرر والغرر").

قسم العبادات
٤٠٨
حاشية ابن عابدين
(وكذا لو اقتدوا مِن خارجِها بإمامٍ فيها والبابُ مفتوحٌ صحَّ) لأنّه كقيامِهِ في المحراب
من جانبيه جهةً له ، فإذا كان الإِمامُ مُستقبلاً لبابِ الكعبة ، وكان المقتدي أقربَ إليها من الإِمام
لا يصحُّ؛ لأنَّ المقتديَ وإنْ كان جانبُ يساره جهةً له لكنَّ جهة يمينه لَمَّا كانت جهةَ إمامه
ترجَّحَتْ احتياطاً تقديماً لمقتضي الفسادِ على مقتضِي الصحَّة، ومثلُ ذلك لو استقبَلَ الإِمامُ الركنَ
وكان أحدُ المقتدين من جانبيه أقربَ إلى الكعبة، وعبارةُ "الخير الرمليِّ": ((أقول: رأيتُ في كتبٍ
الشافعيّةِ: لو توجَّةَ الإِمامُ أو المأموم إلى الركنِ فكلٌّ من جانبيه جهتُهُ، وأقول: [٢/ق١٨٦/ب]
ولا شيءَ من قواعدنا يأباه، فلو صلَّى الإِمامُ إلى الركن فكلٌّ من جانبيه جانبُهُ، فُيُنظَرُ إلى مَن عن
يمينه وشماله من المقتدين، فمَن كان الإِمامُ أقربَ منه إلى الحائط أو مساواته له فُيُحكَمُ بصحَّةِ
صلاته، وأمَّا الذي هو أقربُ من الإِمام إلى الحائطِ فصلاُهُ فاسدةٌ، وبه يَتَّضِحُ الحالُ في التحلُّقِ
حول الكعبة المشرَّفة مع الإِمام في سائرِ الأحوال)) اهـ.
[٧٧٦٠] (قولُهُ: وكذا لو اقتَدَوا من خارجِها بإمامٍ فيها إلخ) أي: سواءٌ كان معه بعضُ القوم
أو لا، قال في "الإمداد"(١): ((ولعلَّ اشتراطَ فتحِ الباب ليُعَلَمَ انتقالُ الإِمام بالنظر إليه، فلو سَمِعَ
انتقالاتِهِ بالتبليغ والباب مُغلَقٌ لا مانعَ من صحَّةِ الاقتداء لعدم المانع منه كما قدَّمناه في شروطِ صحَّةٍ
الاقتداء)) اهـ. ولكنّه يكرهُ ذلك لارتفاعٍ مكان الإمام قدْرَ القامةِ كانفراده على الدُّكَّان إنْ لم يكن
معه أحدٌ، "ط"(٢).
أقول: ولم أر مَن ذكَرَ عكسَ المسألة، وهو ما لو كان المقتدي فيها والإِمامُ خارجَها،
والظاهرُ الصحَّةُ إِنْ لم يَمَنَعْ منها مانعٌ من التقدُّمِ على الإمام عند اتّحادِ الجهة، ثمَّ رأيتُ رسالةٌ
السِّدي "عبدِ الغنيِّ" سَمَّاها "نفض الجعبة في الاقتداء من جوف الكعبة"(٣)، ذكَرَ فيها: ((أَنَّه سُئِلَ
(قولُهُ: مِن التقدُّمِ على الإمام عند اتّحادِ الجهة) لم يظهر عدمُ صحَّة الاقتداء في صورةٍ ما إذا
قام المقتدي داخل الكعبة أمامَ الإِمام وهو خارجَها وجهُهُ لظَهْر المقتدي؛ إذ الجهةَ مختلفة، فإنَّ الإِمام
(١) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب الصلاة في الكعبة ق٢٢٩/أ.
(٢) "ط": كتاب الصلاة - باب الصلاة في الكعبة ٣٨٨/١ بتصرف نقلاً عن الحلبي".
(٣) انظر "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٢٥٧/٢، و"سلك الدرر"٣٥/٣.

الجزء الخامس
٤٠٩
باب الصلاة في الكعبة
عن هذه المسألةِ، وأَنَّه وقَعَ فيها اختلافٌ بين أهلِ عصره في مكّة، وأنه أجابَ بعضُهم بالجواز
وبعضُهم بالمنع، ولم توجد منصوصةٌ))، وأجابَ هو بالجواز، ورَدَّ ما استنَدَ إليه المانعُ، وذكر: ((أَنَّه
ذكَرَها "الزركشيُّ" من الشافعيَّة في كتابه "إعلام السَّاجد بأحكام المساجد"(١)))، وذكَرَ: ((أنَّ
قواعدنا لا تأبى ما ذكَّرَهُ من الجوازِ(٣)) اهـ.
قلت: ولَمَّا حججتُ سنةَ ثلاثٍ وثلاثين ومائتين وألفٍ اجتمعتُ في منىِّ سَقَى الله عهدَها
مع بعضِ أفاضل الرُّوم من قُضاةِ المدينة المنوّرة، فسألني عن هذه المسألةِ، فقلت له ما تقدَّمَ(٣) فقال:
لا يصحُّ الاقتداءُ؛ لأنَّ المقتديَ يكونُ أقوى حالاً من الإِمام لكونه داخلَها والإِمامُ خارجها، وبَنَّى
على ذلك أنّه لا يصحُّ اقتداءُ مَن يصلِّي في الحِجْرِ إذا كان الإِمامُ في جهةٍ أخرى؛ لأنَّ الحِجْرَ من
الكعبة وقال: إذا وُلّيتُ قضاءَ مكَّةً أمنعُ الناسَ من ذلك، فعارضتُهُ بأنَّ ما ذكرتَهُ من القوَّةِ لا يُؤْثِّرُ فِي
المنعِ للتساوي في الواجب وهو استقبالُ جزءٍ من الكعبة، وبأنَّ التحُّقَ حول الكعبة عادةٌ قديمةٌ من
عهدِ النبيِّ ﴿ وإنْ كان الإِمامُ خارجَ الحِجْرِ، ولم نسمع عن أحدٍ من المجتهدين أو ممن بعدهم أنَّه
مَنَعَ من وَصْلِ الصفوفِ في الحِجْرِ، فكان [٢/ق١٨٧ /أ] ذلك إجماعاً على الصحَّة، وبأنَّ
الحِجْرَ - أي: بعضَهُ - ليس من الكعبة على سبيلِ القطع، ولذا لا تصحُّ الصلاةُ مُستقبلاً إليه، وإنما هو
ظَنِيٌّ، فإذا وُجِدَتْ شروطُ الصحَّةِ القطعيَّةُ لا يُحكَمُ بالفسادِ لأمرٍ ظَنّي بعد تسليمٍ أصلِ المسألة،
٦١٣/١
إذا استقبَلَ باب الكعبة مثلاً يكون مستقبلاً جهةَ الباب، والمقتدي مستدبرٌ لها مستقبلٌ لِما قابَلَها،
والله سبحانه وتعالى أعلم (٤).
(١) "إعلام الساجد بأحكام المساجد": الباب الأول فيما يتعلق بمكة والمسجد الحرام، حكم تقدم المأموم على الإمام
في الكعبة وغيرها صـ٨٥ -، وهو لأبي عبد الله محمد بن بَهادُر بن عبد الله، بدر الدين التركيّ الأصل المصريّ
الزَّرْكَشِيّ الشافعيّ(ت٧٩٤هـ). ("كشف الظنون" ١٢٥/١، "الدرر الكامنة" ٣٩٧/٣، "الأعلام" ٦٠/٦).
(٢) من ((ثم رأيت)) إلى ((الجواز)) ساقط من "الأصل".
(٣) في هذه المقولة.
(٤) في هامش مطبوعة "التقريرات": ((هذا آخر باب من تجزئة المؤلف رحمه الله)).

قسم العبادات
٤١٠
حاشية ابن عابدين
وإلاَّ فهو غيرُ مُسلِّمٍ لِما علمتَ، والله تعالى أعلم (١).
(١) في "ب" : ((وقد تَمَّ طبعُ الجزءِ الأوَّلِ من حاشيةِ العلاَّمة السيِّدِ "محمَّد أمين بن عمرَ" الشهيرِ بـ "عابدين"
المسمَّةِ"ردَّ المحتارِ على الدُّرِّ المختار" مُقَابَلاً جميعُهُ على نسخةِ المؤلّف التي بخطّهِ، مع غايةِ التحرِّي في
تصحيحِهِ وضبطِهِ، ما عدا الملازمَ الستّالأُوَلَ، فإنَّ تصحيحَها لم يكن على خطّ المؤلّف
حَصَل، وكان تصحيحُ طبعِهِ، وتنسيقُ تمثِلِهِ ووضعه، على يدِ أفقر العبيد إلى سيِّدِهِ، المفوّض
أمرَهُ في جميع الأحوال إلى مَن كلُّ الأمورِ بيدِهِ، المتوسِّلِ إليه بالجاهِ النبويِّ، "محمَّدٍ" ابنٍ
المرحوم الشيخ "عبدِ الرَّحمن" قَطَّةَ العَدَويِّ، مُصحِّحِ دارِ الطباعة المصرِيَّةِ، حَرَسَها
الله تعالى من كلِّ آفةٍ وبِيَّة، وقد وافى طبعُهُ حدَّ الَّمام، وعَبِقَتْ منه روائحُ
مِسْكِ الختام، في أواخرٍ ربيعٍ الثاني، سنة ١٢٧٢ ألفٍ ومائتين واثنتين
وسبعين من هجرةٍ مَن أُوتِيَ السبعَ المثاني، عليه وعلى آله وأصحابهِ
الكرام أفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام، ويليه الجزءُ الثاني أوَّلُهُ:
کتابُ الزّكاة
تَمَّ)).

الجزء الخامس
٤١١
کتاب الزكاة
﴿كتاب الزكاة﴾
قَرْنُها بالصَّلاة في اثنين وثمانين موضعاً في التّنزيل دليلٌ على كمالِ الاتّصال بينهما،
وفُرِضَتْ فِي السَّنة الثانية.
﴿كتابُ الزّكاة﴾
إنما ترَكَ في العنوان العشرَ وغيره لأَنَّه داخلٌ فيه تغليباً أو تبعاً، "قُهُستاني)"(١).
[٧٧٦١] (قولُهُ: قرنُها) بصيغةِ المصدر مبتدأٌ، وقولُهُ: ((دليلٌ إلخ)) خبرٌ، "ط) (٢). وحاصلُهُ: أنَّ
القياس ذكرُ الصَّوم عقبَ الصَّلاة كما فعَلَ "قاضي خان"(٣)؛ لأَنَّه بدنيّ محضرٌ مثلُها، إلاَّ أنَّ أكثرهم
قدَّموا الزّكاةَ عليه اقتداءً بكتابِ الله تعالى، "نوح". ولأنَّها أفضلُ العبادات بعد الصَّلاة، "قُهُستاني (٤).
قلتُ: وهو موافقٌ لِما في "التحرير" و"شرحه"(٥) أوائلَ الفصل الثاني من الباب الأوَّلِ: ((من
أنَّ ترتيبها في "الأشرفَّة" بعد الإيمان هكذا: الصَّلاةُ، ثمَّ الزّكاة، ثمَّ الصيام، ثمَّ الحجّ، ثمَّ العمرة
والجهاد والاعتكاف))، وتمامُ الكلام عليه هناك.
[٧٧٦٢) (قولُهُ: في اثنين وثمانين موضعاً) كذا عزاه في "البحر"(٦) إلى "المناقب البزَازَّة"(٧)،
وتبعَهُ في "النهر "(٨) و"المنح" (٩)، قال "ح"(١٠): ((وصوابُهُ: اثنين وثلاثين كما عدَّهُ شيخنا
﴿كتابُ الزَّكاة﴾
(قولُهُ: وصوابُهُ: اثنين وثلاثين إلخ) قال "الرَّحمتيُّ" : ((المثبتُ مقدَّمٌ على النافي، وفهومُ الناس متباينةٌ
في الكتاب العزيز)) اهـ "سندي".
(١) "جامع الرموز": كتاب الزكاة ١٨٣/١.
(٢) "ط": كتاب الزكاة ٣٨٨/١.
(٣) في "الخانية" ٦٩/١ و١٩٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "جامع الرموز": كتاب الزكاة ١٨٣/١.
(٥) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية - الفصل الثاني: الحاكم لا خلاف في أنه الله إلخ ١٠٤/٢.
(٦) "البحر": كتاب الزكاة ٢١٦/٢.
(٧) "مناقب أبي حنيفة": لمحمد بن محمد الكردريّ المعروف بالبزازيّ(ت٨٢٧هـ) ولم نجد المسألة فيه.
(٨) "النهر": كتاب الزكاة ق ٩٨/ب.
(٩) "المنح": كتاب الزكاة ١/ق ٧٩/أ.
(١٠) "ح": كتاب الزكاة ق ١١٣/أ.

قسم العبادات
٤١٢
حاشية ابن عابدين
قبل فَرْضِ رمضان، ولا تجب على الأنبياء إجماعاً.
(هي) لغةً: الطَّهارةُ.
"السيِّدُ" رحمه الله تعالى)).
(٧٧٦٣) (قولُهُ: قبلَ فرضِ رمضان) هذا مما يُحسِّنُ تقديمَها على الصوم، "ط)" (١).
[٧٧٦٤) (قولُهُ: ولا زكاةً على الأنبياء) لأنَّ الزَّكاة طهرةٌ لِمَن عساه أنْ يتدِّسَ، والأنبياءُ
مبرَّؤُون منه، وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿وَأَوْصَِ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَادُمْتُ حَيًّا﴾ [ مريم - ٣١] فالمرادُ بها
زكاةُ النفس من الرَّذائل(٢) التي لا تليقُ بمقامات الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام، أو أوصاني بتبليغ
الزَّكاة وليس المرادُ زكاة الفطر؛ لأنَّ مقتضى جَعْلِ عدمِ الزَّكاة من خصوصيَّاتهم أنَّه لا فرقَ بين
زكاةٍ المال والبدن، كذا أفادَهُ "الشَّبرامَلِّسيُ))(٣).
[٧٧٦٥] (قولُهُ: الطهارةُ) هذا أنسبُ مما في بعض النسخ من إبدالِهِ بالنظافة.
(قولُهُ: لأنَّ الزَّكاة طهرةٌ إلخ) وإذا قلنا: إنَّها طهرةٌ للمال يقال: حاشاهم أن يكونوا خدماً لأموالهم
حتّى يُطهِّروها ، فهم أكرمُ الخلق على الله تعالى، أو لأنّهم لا ملكَ لهم مع الله تعالى ، وإنما يشهدون
ما في أيديهم من ودائعِ الله في أيديهم، يَبْذُلونه في أوانٍ بذله ويمنعونه عن غير محلّه.
(قولُهُ: هذا أنسبُ إلخ) الظاهرُ أنَّ المراد بالطهارة النظافةُ عن سِمَةِ البخل وشحِّ النفس في المزكّي،
وفي المال أيضاً عن فنائه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (حَصِّنوا أموالكم بالزَّكاة)، وقوله: ((ما تَلِفَ مالٌ
في برِّ ولا بحرٍ إلاَّ لمنعِ الزَّكاة، فحرِّزُوا أموالكم بالزَّكاة)) اهـ "سندي". ولعلَّ وجهَ الأنسبيّة هو موافقةُ
تعبير أهل اللغة في تفسيرهم بالطهارة اهـ. لكنْ تقدَّمَ أنَّ الطهارة بمعنى النظافة عن الأدناس حسِّيَّةٌ
كالأنجاس أو معنويَّةٌ كالعيوب، فلم يظهر وجهُ الأنسبيَّة.
(١) "ط": كتاب الزكاة ٣٨٨/١.
(٢) في "ب": ((الرزائل)) وفي هامش "ب": قوله: ((الرزائل)) هكذا بخطه بالزاي، وصوابُهُ الرذائل بالذال المعجمة، جمعُ
رذيلة ضدُّ الفضيلة كما في "القاموس"، ولا وجود لمادّة ((رزل)) في "القاموس"، ولا في "المصباح" اهـ مصححه.
(٣) في حاشيته على "نهاية المحتاج": كتاب الزكاة - باب من تلزمه الزكاة ١٢٥/٣.

الجزء الخامس
٤١٣
کتاب الزكاة
والنَّمَاءُ(١)،.
[٧٧٦٦) (قولُهُ: والَّماءُ) أي: الزِّيادةُ، ولها معانٍ أُخَرُ: البركةُ، يقالُ: زكَتِ البقعةُ إذا بُورِكَ
فيها، والمدح، يقال: زَكَّى نفسَهُ إذا مدَحَها، والثناءُ الجميل، يقال: زَكَّى الشاهدَ إذا أثنى عليه،
"بحر "(٢). وكلُّها توجدُ في المعنى الشرعيِّ؛ لأنّها تطهِّرُ مُؤدِّيَها من الذنوبِ [٢/ق١٨٧ /ب]
ومن صفةِ البخل، والمالَ بإنفاق بعضه، ولذا كان المدفوعُ مُستقذَراً فحُرِّمَ على آلِ البيت
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُ هُمْ وَتُزَكْبِهِمْ بَ﴾ [ التوبة - ١٠٣]، وتنمِّيه بالخلَفَ ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ
شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفٌُ﴾ [ سبأ - ٣٩] ﴿وَيُرْبِ الضَّدَقَتِ﴾ [البقرة - ٢٧٦ ]، وبها تحصلُ البركةُ
(( لا ينقصُ مالٌ من صدقةٍ))(٣)، ويُمدَحُ بها الدافعُ، ويُثَنَى عليه بالجميل ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلرَّكَوْوِ
فَعِلُونَ﴾ [ المؤمنون - ٤] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّى﴾ [الأعلى - ١٤].
(قولُهُ: والنّماءُ، أي: الزِّيادةُ إلخ) في "السنديّ": ((لكنْ أشار في "الفتح" أنَّ مصدر زَكَا الزَّرِعُ إنما
جاء بلفظ زكاءً بالهمز وزَكْواً، ولم يذكر علماءُ اللغة زكاةً في مصدره، قال في "النهر" بعدما نقّلَهُ عنه:
إلاَّ أنَّه في "ضياء الحلوم" قيل: سُمِّيت زكاةُ المال زكاةً لأنَّ المال يزكو بها، أي: ينمو ويكثر اهـ. قال
"أبو الحسن السنديُّ": كأنَّه أراد الردَّ لكلام المحقّق، لكنَّه ليس بموجَّهٍ، أمَّا أوَّلاً فلأَنَّه ذكَرَ في "الضياء"
(١) عبارة "د": ((الطهارة: النظافة والنماء)).
(٢) "البحر": كتاب الزكاة ٢١٦/٢ بتصرف يسير.
(٣) أخرجه أحمد ٢٣٥/٢، ومسلم (٢٥٨٨) كتاب البرّ والصلة والآداب - باب استحباب العفو والتواضع، والترمذي
(٢٠٢٩) كتاب البرّ والصلة - باب ما جاء في التواضع، وقال: حديث حسن صحيح، والدارمي (١٦٢٨) كتاب
الزكاة - باب في فضل الصدقة، وأبو يعلى (٦٤٥٨)، وابن خزيمة (٢٤٣٨) كتاب الزكاة - باب ذكر نماء المال
بالصدقة، وابن حبان (٣٢٤٨) كتاب الزكاة - باب فضل الزكاة، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٨٧/٤ كتاب
الزكاة - باب كراهية البخل والشح والإقتار، و٢٣٥/١٠ كتاب الشهادات - باب شهادة أهل المعصية، وفي"شعب
الإيمان" (٣٤١١) كتاب الزكاة - فصل في كراهية ردِّ السائل، و(٨٠٧١) باب في حسن الخلق - فصل في التجاوز
والعفو وترك المكافأة، و(٨٣٢٨) فصل في ترك المعصية، كلُّهم من حديث أبي هريرة ◌َتُه مرفوعاً، وفي الباب
عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي كبشة، وأبي سلمة له.

قسم العبادات
٤١٤
حاشية ابن عابدين
وشرعاً (تمليكُ)
[٧٧٦٧) (قولُهُ: وشرعاً تمليكُ إلخ) أي: أنّها اسمٌ للمعنى المصدريِّ لوصفها بالوجوبِ الذي
هو مِن صفات الأفعال، ولأنَّ موضوع علم الفقه فعلُ المكلَّف، ونقَلَ "القُهُستانيُ)(١): ((أَنّها
شرعاً: القَدْرُ الذي يُخرِجُه إلى الفقير))، ثُمَّ قال: ((وفي "الكرمانيّ": أَنَّها في القَدْرِ مجازٌ شرعاً،
فإنّها إيتاءُ ذلك القَدْرِ، وعليه المحقّقُون كما في "المضمرات"، وهو القابلُ للعنوان، وبالاشتراكِ قال
"الزمخشريُّ) (٢) و"ابن الأثير"(٣)) اهـ.
٢١٢
وقولُهُ تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة - ٤٣ ] ظاهرُهُ القَدْرُ الواجبُ، وَيُحتمَلُ تأويلُ الإِيتاءِ
بإخراجِ الفعل من العدم إلى الوجود كما في ﴿أَقِيمُواْالصَّلَوَةَ﴾ [البقرة - ٤٣ ].
هذا التعريفُ لا يدخلُ فيه زكاةُ السَّوائم؛ لأَنْه يأخذُها العاملُ ولو جبراً، فلم يوجد التمليكُ
من المزكّي إلاَّ أنْ يقال: إنَّ السلطان أو عامله بمنزلةِ الوكيل عنه في صرفها مصارفَها وتمليكِها
( تنبيةٌ )
هذا الكلامَ بصيغة التمريض، فلعلَّ وجه تمريضه هو ما ذكرَهُ المحقّق من أنَّ استعمال يزكو بمعنى ينمو
لا يَستلزِمُ استعمالَ الزَّكاة بمعنى النماء، وأمَّا ثانياً فلأنَّ تسليم لغويٍّ شيئاً لا يَستلزِمُ صحَّتَهُ في نفس
٦
الأمر، فيكون الزَّكاةَ بمعنى النماء لا بدَّ في إثباته من النقل الصريح فيه، ولم يوجد)) اهـ.
(قولُهُ: إلاَّ أنْ يقال: إنَّ السلطان أو عامله إلخ) فيه أَنَّه إذا أخَذَها العاملُ جَبْراً لم يوجد التمليكُ من
المزكّي مع أنَّها سقطت عنه بمجرَّدٍ الأخذ، حتَّى لو هلكت في يده لا يُطالَبُ المالك بها ثانياً، ولو كان
وكيلاً عنه ما سقطت بالهلاك، وإذا اعتُبِرَ أَنَّه وكيلٌ عن الفقراء فإنما هو وكيلٌ في الأخذ، فلم يوجد
تمليكٌ من المزكّي في مسألة الأخذ جبراً، وسيأتي في باب زكاة الغنم قبيل قوله: ولو خلَطَ السلطانُ المالَ
إلخ : ((لو أخَذَها السَّاعي جبراً لم تقع زكاةً، وفي "مختصر الكرخيّ": إذا أخَذَها الإِمام كَرْهاً فوضَعَها
موضعَها أجزاً؛ لأنَّ له ولايةَ أخذ الصدقات، فقام أخذُهُ مَقام دفع المالك، وفي "القنية": فيه إشكالٌ؛ لأنَّ
النَّة فيه شرطٌ ولم توجد اهـ. قلت: قولُ "الكرخيِّ": فقام أخذُهُ إلخ يصلُحُ للجواب، وفي "البحر":
(١) "جامع الرموز": كتاب الزكاة ١٨٣/١.
(٢) "الفائق في غريب الحديث": مادة ((زكا)) ١١٩/٢.
(٣) "النهاية في غريب الحديث والأثر": مادة ((زكا)) ٣٠٧/٢.

الجزء الخامس
٤١٥
کتاب الزكاة
خرَجَ الإِباحةُ، فلو أطعَمَ يتيماً ناوياً الزّكاة لا يُجزيه إلاَّ إذا دفع إليه المطعومَ كما لو
كَسَاهُ بِشَرْطِ أن يَعْقِلَ القبضَ، إلا إذا حُكِمَ عليه بنفقِهم (جُزْءٍ مالٍ) خرَجَ المنفعةُ، .....
أو عن الفقراء، فتأمَّل.
[٧٧٦٨] (قولُهُ: خرَجَ الإِباحةُ) فلا تكفي فيها، وأمَّا الكفَّارة فلم تخرج بقيدِ التمليك؛ لأنَّ
الشرط فيها التمكينُ، وهو صادقٌ بالتمليك وإِنْ صدَقَ بالإِباحةِ أيضاً، نعم تخرُجُ بقوله: ((جزءٍ
مالٍ إلخ))، فافهم.
[٧٧٦٩) (قولُهُ: إلاَّ إذا دَفَعَ إليه المطعومَ) لأَنَّه بالدفع إليه بنيَّةِ الزَّكاة يملكُهُ، فيصيرُ آكلاً من
ملكه بخلاف ما إذا أطعَمَهُ معه، ولا يخفى أنَّه يُشترَطُ كونه فقيراً، ولا حاجةً إلى اشتراطِ فقرٍ أبيه
أيضاً؛ لأنَّ الكلام في اليتيم ولا أبا له، فافهم.
[٧٧٧٠) (قولُهُ: كما لو كساء) أي: كما يُجزِئُه لو كساه، "ح"(١).
[٧٧٧١) (قولُهُ: بشرطِ أنْ يعقلَ القبضَ) قيدٌ في الدفعِ والكسوة كليهما، "ح"(٢). وفَسَّرَهُ في
"الفتح"(٣) وغيره بالذي لا يَرمِي به ولا يُخدَعُ عنه، فإنْ لم يكن عاقلاً فقبَضَ عنه أبوه أو وصيُّهُ
أو مَن يعولُهُ قريباً أو أجنبيّاً أو مُلتقِطُهُ صحَّ كما في "البحر"(٤) و"النهر " (*)، وعبَّرَ بالقبض لأنَّ
التمليك في التبرُّعات [٢/ق١٨٨ / أ] لا يحصلُ إلاّ به، فهو جزءٌ من مفهومِهِ، فلذا لم يقيِّدْ به أوَّلاً
كما أشارَ إليه في "البحر"، تأمَّل.
[٧٧٧٢)] (قولُهُ: إلَّ إذا حُكِمَ عليه بنفقتِهم) أي: نفقةِ الأيتام، والأَّولى إفرادُ الضمير؛
المفتى به التفصيلُ: إنْ كان في الأموالِ الظاهرة يسقط الفرضُ؛ لأنَّ للسلطان أو نائبه ولايةَ أخذها، وإن
لم يَضَعْها موضعَها لا يبطل أخذه، وإن في الباطنة فلا)) اهـ. وعلى هذا يدخلُ في التعريف زكاةٌ
السَّوائم؛ إذ أخذُ الإِمام قائمٌ مَقام دفع المزّي.
(١) "ح": كتاب الزكاة ق/١١٣/أ.
(٢) "ح": كتاب الزكاة ق/١١٣/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة - باب من يجوز الصدقة إليه ومن لا يجوز ٢١٠/٢.
(٤) "البحر": كتاب الزكاة ٢١٧/٢.
(٥) "النھر": کتاب الزكاة ق/٩٨/ب.

قسم العبادات
٤١٦
حاشية ابن عابدين
لأنَّ مرجعه في كلامِهِ مفردٌ، أي: إلاَّ إذا كان اليتيمُ ممن تلزمُ نفقتُهُ وقُضِيَ عليه بها، أي: فلا تُجزيه
عن الزَّكاة؛ لأَنّه استثناءٌ من المستثنى الذي هو إثباتٌ، وهذا إذا كان يُحتسَبُ المؤدّى إليه من
النفقة، أمّا إذا احتسَبَهُ من الزَّكاة فُيُجزيه كما في "البحر"(١) عن "الولوالحيَّة"(٢)، ومثلُهُ
في "التتار خانَّة"(٣) عن "العيون"، فكان على "الشارح" أنْ يقول: واحتسبَهُ منها كما أفادَهُ "ح(٤).
قلتُ: والظاهرُ أَنَّه إذا احتسبَهُ من الزَّكاة تسقطُ عنه النفقةُ المفروضة لاكتفاءِ اليتيم بها؛ لِما
صرَّحُوا به من أنَّ نفقة الأقاربِ تجبُ باعتبارِ الحاجة، ولذا تسقطُ بمضيِّ المدَّة ولو بعدَ القضاء
لوقوعِ الاستغناء عمَّا مضى، وهنا كذلك، فتأمَّل.
[٧٧٧٣) (قولُهُ: خلافاً لـ "الثاني"(٥) أي: "أبي يوسف"، فعنده يصحُّ، وعبارةُ "البزَّازِيَّةِ"(٦):
(قولُهُ: فلا تُجِزِئُهُ عن الزَّكاة إلخ) لأَنَّه أداءُ واجبٍ عن واجبٍ آخر، لكن لو فرَضَ القاضي نفقةً
قريبِهِ غيرَ أصوله وفروعه مثلاً في أوَّلِ محرَّمٍ، ثمَّ مضى ودفَعَ إليه المأمورُ بالإنفاق في أوَّلِ صَفَرٍ أو آخره
نفقةً ما مضى من وقت الفرض ناوياً به الزَّكاة عند الدفعِ والتمليكِ يُجزيه عنها؛ لأنَّ نفقة الأقارب
تسقطُ بمضيِّ المدَّة ولو بعد القضاء؛ لوقوع الاستغناء عمَّ مضى كما في باب النفقة. اهـ "سندي".
(قولُهُ: أمَّا إذا احتسَبَهُ من الزَّكاة فُيُجزيه) هكذا المنصوصُ، لكن إذا احتَسَبَ ما دفعَهُ من الزَّكاة وقلنا
بالإِجزاء يقال: إنَّ المنفعة لم تنقطع عن المزكّي من كلِّ وجهٍ؛ إذ قد سقَطَ عنه النفقةُ المفروضة، تأمَّل.
(قولُهُ: خلافاً لـ "الثاني"، وقولُ المصحِّح: لا وجود لذلك في نسخ "الشارح") أقول: يوجدُ ببعضِ
النسخ هكذا: ((إلاَّ إنْ حَكَمَ عليه بنفقتهم، "مضمرات" خلافاً لـ "الثاني"، "بزَّازِيَّة")).
(١) "البحر": كتاب الزكاة ٢١٧/٢.
(٢) "الولوالجية": كتاب الزكاة - الفصل الأول فيمن تحلُّ له الزكاة وفيمن لا تحلُّ ق ٢٥/أ.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الزكاة ٢٧٩/٢.
(٤) "ح": كتاب الزكاة ق ١١٣/أ.
(٥) قوله: خلافاً للثاني هکذا بخطه، ولا وجود لذلك في نسخ الشارح التي بيدي، ولیحرر اهـ مصححه.
(٦) "البزازية": كتاب الزكاة - الباب الثاني في المصرف ٨٥/٤ (هامش " الفتاوى الهندية").