النص المفهرس
صفحات 21-40
الجزء الخامس
١٧
باب الجمعة
قال في "البحر"(١): ((لا دليلَ عليه، والظاهرُ من عباراتهم الإطلاقُ)) اهـ.
قلت: وما ذكَرَهُ "الزيلعيُّ" تَبِعَهُ عليه "منلا خسرو" و"صاحب الدرر" كما قدَّمناه(٢) عنه،
لكنّه ناقَضَ نفسَهُ، حيث قال بعده: ((ولا ينبغي أنْ يُصلِّيَ غيرُ الخطيب؛ لأنَّ الجمعة مع الخطبة
كشيءٍ واحدٍ، فلا ينبغي أنْ يُقِيمَها اثنان، وإِنْ فُعِلَ جاز)) اهـ. وهذا يكونُ باستخلاف الخطيب،
ثمَّ قال أيضاً: ((خطَبَ صبِيٌّ بإذنِ السلطان وصلَّى بالغٌ جاز، كذا في "الخلاصة"(٣)) اهـ.
قال "الشرنبلاليُّ" في "رسالته"(٤): ((فهذا نصٌّ منه على جواز الاستخلاف للصلاة قبل
الشروع فيها من غيرِ سَبْقِ الحدث كما قدَّمنا من النصوص بمثلِهِ)) اهـ.
وفيه نظرٌ سنذكرُهُ(٥) آخرَ الباب.
( تنبيةٌ )
أجابَ بعضهم عن "الزيلعيِّ": بأنَّ كلامه مبنيٌّ على القول بالاستنابة عند الضرورة، وهذا
عجيبٌ، فإنَّ هذا القولَ لـ "ابن كمال باشا" كما علمتَ، والأقوالُ الثلاثة المذكورة في المتن ليست
منقولةً في المذهب، بل هي اختلافٌ من المتأخّرين بعد "الزيلعيِّ"، فكيف يبني كلامَهُ على أحدِها؟!
على أنَّ اشتراط الاستنابةِ بالضرورة إنما هو للخطبة لا للصلاة كما قدَّمناه(٦) في عبارة "ابن كمالٍ"،
والكلامُ هنا في الصلاة؛ لأنَّ سبق الحدث لا يَستوجبُ الاستنابةَ في الخطبة لصحَّتِها معه، فافهم.
(قولُهُ: وفيه نظرٌ) إذ ليس هذا الفرعُ صريحاً في أنَّ البالغ صلَّى بدون إذنِ السلطان، بل الظاهرُ أَنَّه
بإذنه صريحاً أو دلالةً كما قرَّرناه. اهـ "محشِّي".
(١) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٧/٢.
(٢) المقولة [٦٧٠٦] قوله: ((فقيل: لا مطلقاً)).
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث والعشرون في صلاة الجمعة ق ٥٢/أ معزياً إلى "الملتقى".
(٤) صـ ١٣-، وقد تقدمت ترجمتها صـ١٣ -.
(٥) المقولة [٦٩٢١] قوله: ((وصلى بالغ)).
(٦) المقولة [٦٧٠٧] قوله: ((وقيل إن لضرورة جاز الخ)).
قسم العبادات
١٨
حاشية ابن عابدين
وما ذكَرَهُ "منلا خسرو" وغيرُهُ ردَّهُ "ابن الكمال" في رسالةٍ خاصَّةٍ بَرْهَنَ فيها على
الجوازِ بلا شرطٍ، وأطَنَبَ فيها وأبدَعَ، ولكثيرٍ من الفوائد أودَعَ، وفي "مجمع الأنهر"(١):
[٦٧١٧) (قولُهُ: وما ذكَرَهُ "منلا خسرو"(٢) أي: ((من أَنَّه ليس له الاستنابةُ إلاّ إذا فُوِّضَ إليه
ذلك))، "ح"(٣).
قلت: وهو القولُ الأوَّلُ في المتن.
[٦٧١٨) (قولُهُ: ردَّهُ "ابن الكمال") وكذا ردَّهُ في "شرح المنية"(٤) و"البحر"(٥) و"النهر "(٦)
و"المنح"(٧) و"الإمداد"(٨) وغيرها.
[٦٧١٩) (قولُهُ: بلا شرطٍ) أي: بلا شرطِ الإذنِ من السلطان، واستنَّدَ في ذلك إلى أشياءً،
منها ما في "الخلاصة"(٩): ((أنَّ له أنْ يَستخلِفَ وإن لم يكن في منشورِ الإمامة الاستخلافُ)) اهـ.
قال في "شرح المنية"(١٠): ((وعلى هذا عملُ الأمَّةِ من غيرِ نكيرٍ)) اهـ.
نعم اشترَطَ "ابنُ كمالٍ" في هذه الرسالةِ لجوازِ الاستخلاف أنْ يكون لضرورةٍ، وهو القولُ
الثاني في المتن كما قدَّمناه(١١)، وبنى على ذلك فسادَ ما يُفعَلُ في زماننا، حيث يحضرون - أي:
السَّلاطينُ - في الجامع بلا عذرٍ، ويستخلفون الغيرَ في إقامةِ الجمعة اهـ.
(١) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - باب الجمعة - شروط صحة الجمعة ١٦٦/١.
(٢) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٤١/١.
(٣) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق١٠٨/ب.
(٤) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة ص٤ ٥٥ ..
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٦/٢.
(٦) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٨٤ /ب.
(٧) "المنح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق ٦٧ /ب.
(٨) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٢٨٢/ب.
(٩) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث والعشرون في صلاة الجمعة ق٥٢/ب.
(١٠) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة ص٥٥٤۔.
(١١) المقولة [٦٧٠٧] قوله: ((إن لضرورة جاز)).
الجزء الخامس
١٩
باب الجمعة
وقد رَدَّ عليه "الشرنبلاليُّ" في رسالةٍ بما في "التتار خانَّة"(١) عن "المحيط "(٢): ((إمامٌ خطَبَ
فتولَّى غيرُهُ وشَهِدَ الخطبةَ ولم يَعزِلِ الأَوَّلَ، ولكنْ أمَرَ رجلاً أنْ يصلّيَ الجمعةَ بالناس فصلَّى جاز؛
لأَنَّه لَمَّ شَهِدَ الخطبةَ فكأنما خطَبَ بنفسه، ولو أنَّ القادم الذي تولَّى شَهِدَ خطبةَ الأوَّلِ وسكَتَ
عنه حتّى صَلَّى بالناس وهو يعلمُ بقدومه فصلاته جائزةٌ؛ لأَنَّه على ولايته ما لم يظهر العزلُ)) اهـ.
قال(٣): ((فهذا نصٌّ في صحَّةِ صلاةِ الأصيل بحضرة نائبه لعلمه بعزله)) اهـ.
أقولُ: وفيه نظرً؛ لأنَّ الأوَّلَ ليس نائباً عنه، بل هو باقٍ على ولايته؛ لأنَّ قوله: ((ما لم يظهرِ
العزلُ)) معناه: ما لم يَعزِلْهُ بالفعل، وليس المرادُ به علمَهُ بالعزل، وإلاّ ناقَضَ قوله قبله: ((وهو يعلمُ
بقدومه))، والأوضحُ في الردِّ ما في "البدائع"(٤) عن "النوادر": ((أَنَّه يصيرُ معزولاً إذا عَلِمَ
(قولُهُ: إمامٌ خطَبَ) أي: سلطانٌ أو أميرٌ. اهـ منه.
(قولُهُ: أقول: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الأوَّل إلخ) يصحُّ الاستدلالُ على دعوى "الشرنبلاليِّ" بعبارة
"التتار خانيَّة" من حيث التعليلُ المذكورُ فيها بقوله: ((لأَنَّه لَمَّا شَهِدَ إلخ))، فإنَّه وإن كان موضوعُ
المسألتين مختلفاً يفيدُ أنَّ حضوره الخطبةَ لا يمنعُ الصحّة؛ لأنّه كخطبته بنفسه، ومقتضى الإطلاقِ عدمُ
التقييد بحالةِ العذر، وهي قد صدرت ممن له ولايتها؛ لأنّها صادرةٌ منه بالاستخلاف. ثمَّ إنَّ التعليل ليس
هو العلّة الحقيقيَّة لصحَّة الخطبة - لأنَّ صحَّتها إنما هو لصدورها ممن له ولايتُها، حتَّى لو لم يشهدها
الثاني تكونُ صحيحةً أيضاً - ولا لصحَّةٍ صلاة مأموره لصحَّة أمره بإقامتها مع عدم حضوره خطبةً
الأوَّل. ثمَّ الظاهرُ إبقاءُ قوله: ((ما لم يظهر العزل)) على ظاهره، أي: ما لم يتبَّنْ له العزلُ، ولا يناقضُهُ
ما قبله، وهو قوله: ((وهو يعلمُ بقدومه))، فإنَّ المراد به أنَّه يعلم بقدومه بدون علمه بعزله بدليل التعليل
بأنّه على ولايته، ويراد بقوله في "البدائع": ((أَنَّه يصيرُ معزولاً إذا علم بحضور الثاني)) أنّه علم بقدومه
متولّياً لا أَنَّه علم مجرَّد قدومه.
(١) "التاتر خانية": كتاب الصلاة - الفصل الخامس والعشرون في صلاة الجمعة ٦٤/٢.
(٢) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق ١٠٣/ب بتصرف.
(٣) أي: الشُّرُ نْبلاليّ في رسالته.
(٤) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان شرائط الجمعة ٢٦١/١ بتصرف.
قسم العبادات
٢٠
حاشية ابن عابدين
((أَنَّه جائزٌ مطلقاً في زماننا؛ لأنَّه وقَعَ في تاريخِ خمسٍ وأربعين وتسعِمائةٍ إذنٌ عامٌّ،
وعليه الفتوى))، وفي "السِّراجية"(١) :.
بحضور الثاني، وأنَّ الثانيَ إذا أمَرَ الأَوَّلَ بإتمام الخطبة يجوزُ، وإلاَّ بل سكَتَ حتَّى أَتَمَّها أو حضَرَ
بعد فراغ الأوَّلِ من الخطبة لا تجوزُ الجمعة؛ لأَنَّها خطبةُ سلطان معزولٍ، بخلاف ما إذا لم يعلم
بحضور الثاني حتّى خطَبَ وصلَّى والأوَّلُ ساكتٌ؛ لأَنّه لا يُعزَلُ إلَّ بالعلمِ كالوكيل)) اهـ.
فهذا صريحٌ في صحَّةِ الخطبةِ والصلاةِ من النائب بحضرةِ الأصيل، وذكَرَ في "منية المفتي":
((صلَّى أحدٌ بغيرِ إذن الخطيب لم يَحُرْ إلَّ إذا اقتدى به مَن له ولايةُ الجمعة)) اهـ. ومثلُهُ ما يذكرُهُ
"الشارح"(٢) عن "السِّراجيّة"، فتأمَّل.
[٦٧٢٠) (قولُهُ: أَنَّه) أي: الاستخلافَ ((جائزٌ مطلقاً)) أي: سواءٌ كان لضرورةٍ أوْ لا كما
يُعَلَمُ من عبارة "مجمع الأنهر "(٣)، "ح"(٤).
[٦٧٢١) (قولُهُ: إذنٌ عامٌ) أي: لكلِّ خطيبٍ أنْ يستنيبَ لا لكلِّ شخصٍ أن يخطبَ في أيِّ
مسجدٍ أراد، "ح" (٥).
أقولُ: لكنْ لا يبقى إلى اليوم الإذنُ بعد موت السلطان الآذِنِ بذلك، إلاّ إذا أَذِنَ به أيضاً
سلطانُ زماننا نصَرَهُ الله تعالى كما بَّنْتُهُ في "تنقيح الحامديَّة"(٦)، وسنذكرُ(٧) في باب العيد عن
"شرح المنية" ما يدلُّ عليه أيضاً، فتنبّه.
[٦٧٢٢] (قولُهُ: وعليه الفتوى) لعلَّ المراد فتوى أهلٍ زمانه، فليس ذلك تصحيحاً مُعتبَراً؛
إذ ليسوا من أهلِ التصحيح.
(١) "السراجية": كتاب الصلاة - باب الجمعة ٩٩/١. (هامش "فتاوى قاضي خان").
(٢) في "الدر" في هذه الصحيفة والتي بعدها.
(٣) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - باب الجمعة ١٦٦/١.
(٤) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ١٠٨/ب.
(٥) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق١٠٨/ب.
(٦) المسمّى بـ"العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية": كتاب القضاء ٣٠٣/١.
(٧) المقولة [٧٠١٣] قوله: ((وهي ثلاث تكبيرات)).
الجزء الخامس
٢١
باب الجمعة
((لو صلَّى أحدٌ بغير إذن الخطيب لا يجوزُ إلاّ إذا اقتَدَى به مَن له ولايةُ الجمعة))،
ويؤيِّدُ ذلك أنَّه يلزمُ أداءُ النفل بجماعةٍ، وأقرَّهُ "شيخ الإسلام".
(ماتَ والي مصرٍ.
[٦٧٢٣] (قولُهُ: لو صلَّى أحدٌ بغيرِ إذن الخطيب لا يجوزُ) ظاهرُهُ أنَّ الخطيب خطَبَ بنفسه
والآخرَ صلَّى بلا إذنه، ومثلُهُ ما لو خطَبَ بلا إذنه؛ لِما في "الخانَّةِ"(١) وغيرها: ((خطَبَ بلا إذن
الإمامِ والإِمامُ حاضرٌ لم يَحُزْ)) اهـ.
ولا ينافيه ما قدَّمناه (٢) عن "التاتر خانَّةً": ((من أنّه لَمَّ شَهِدَ الخطبةَ فكأنما خطَبَ بنفسه))؛
لأنَّ الخطبة هناك كانت ممن له ولايتُها كما قدَّمناه(٣).
[٦٧٢٤) (قولُهُ: إلاّ إذا اقتدى به مَن له ولايةُ الجمعة) شَمِلَ الخطيبَ المأذون، وذلك لأنَّ
٥٣٩/١ الاقتداء به إذنٌ دلالةً بخلاف ما لو حضَرَ ولم يَقتَدِ، وعليه تُحمَلُ عبارة "الخانَيَّةِ" السابقة، ثُمَّ إذا
كان حضورُهُ بدون اقتداءٍ لم يُعتَرْ إذناً يُفهَمُ منه أَنَّه لا تجوزُ خطبةُ غيرِهِ بلا إذنٍ بالأولى خلافاً لمن
فَهِمَ منه الجوازَ، أفاده "ط (٤).
[٦٧٢٥] (قولُهُ: ويؤيِّدُ ذلك إلخ) أي: يؤيِّدُ الجوازَ إذا اقتدى به بناءً على أنَّ اقتداءه به دليلُ
الإذن؛ لأَنَّهم وإِنْ نَوَوها جمعةٌ لكنْ بدون شرطها تنعقدُ نفلاً، فلو لم يكن اقتداؤه إذناً يلزمُ أن
يكون مؤدِّياً معهم النفلَ بجماعةٍ، وهو غيرُ جائزٍ، وفعلُ المسلِمِ إنما يُحمَلُ على الكمال، فيكونُ
اقتداؤه إجازةً لفعله؛ لأنَّ الإِجازةَ اللاحقة كالإِذن السابق، ونظيرُهُ إذا أجازَ نكاحَ الفضوليِّ بالفعل
يجوزُ، ومجرَّدُ حضوره وسكوته وقتَ العقد لا يدلُّ على الرِّضى، فافهم.
(٦٧٢٦) (قولُهُ: ماتَ والي مصرٍ) وكذا لو لم يَحضُر بسببِ الفتنة، "بدائع"(٥).
(١) "الخانية": كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين ١٨٣/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) المقولة [٦٧١٩] قوله: ((بلا شرط)).
(٣) المقولة [٦٧١٩] قوله: ((بلا شرط)).
(٤) "ط": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٤٠/١ وعبارته تنتهي عند قوله: ((السابقة)).
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان شرائط الجمعة ٢٦١/١.
قسم العبادات
٢٢
حاشية ابن عابدين
فحَمَّعَ خليفتُهُ أو صاحبُ الشَّرَط) بفتحتين: حاكمُ السِّياسة (أو القاضي المأذونُ له
في ذلك جازَ) لأنَّ تفويض أمرِ العامَّة إليهم إذنٌ بذلك دلالةً» ..
[٦٧٢٧] (قولُهُ: فجمَّعَ) بتشديدِ الميم، أي: صلَّى الجمعةَ ((خليفْتُهُ)) أي: من عَهدَ إليه قبل
موته، أو المرادُ مَن كان يخلُفُه ويقومُ مَقَامَهُ إذا غابَ، أو مَن أقامَهُ أهلُ البلد خليفةً بعده إلى أنْ
يأتيهم وال آخرُ.
[٦٧٢٨) (قولُهُ: أو صاحبُ الشَّرَطِ) جمعُ شُرْطِيٌّ كُرْكِيٌّ وَجُهَنِيٍّ، "قاموس"(١). وفي
"المغرب"(٢): ((الشُّرْطةُ بالسكون والحركة: خيارُ الجند، وأَوَّلُ كتيبةٍ تحضرُ الحربَ، والجمعُ شُرَطٌ،
وصاحبُ الشُّرْطةِ في باب الجمعة يُرادُ به أميرُ البلدة كأميرٍ بخارى، وقيل: هذا على عادتهم؛ لأنَّ
أمور الدِّين والدنيا كانت حينئذٍ إلى صاحب الشُّرْطة، فأمَّا الآن فلا)) اهـ
[٦٧٢٩) (قولُهُ: أو القاضي المأذونُ له في ذلك) قَّدَ به لِما في "الخلاصة"(٣): ((ليس للقاضي
إقامتُها إذا لم يُؤْمَرْ، ولصاحب الشُّرَطِ وإنْ لم يُؤْمَر، وهذا في عُرفهم))، قال في "الظهيريَّة"(٤):
((أمَّا اليومَ فالقاضي يقيمُها؛ لأنَّ الخلفاء يأمرون بذلك، قيل: أراد(٥) به قاضي القضاة الذي يقالُ
له: قاضي الشرق والغرب، فأمَّا في زماننا فالقاضي وصاحبُ الشُّرَط لا يُولَّيان ذلك)) اهـ.
قال في "البحر"(١): ((وعلى هذا فلقاضي القضاةِ بمصرَ أنْ يُولِّيَ الخطباءَ، ولا يتوقّفُ على إذنٍ،
(قولُهُ: جمعُ شُرْطِيٍّ) منسوبٌ إلى الشُّرطة لا إلى الشُّرَطِ لأَنّه جمعٌ. اهـ "سندي". وفيه عن "الدرر":
((الشَّرط بفتح الشين بمعنى العلامة، وهو الذي يقال له شحنةٌ، سُمِّيَ به لأَنَّهم جعلوا لأنفسهم علامةً
يُعرَفون بها)) اهـ.
(١) "القاموس": مادة ((شرط)).
(٢) "المغرب": مادة ((شرط)).
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث والعشرون في صلاة الجمعة ق ٥٢ /ب.
(٤) "الظهيرية": كتاب الصلاة - الباب السادس - الفصل الأول في الجمعة ق٣٧/أ. وعبارتها: وعن أبي يوسف رحمه الله
أنه قال: أما اليوم فالقاضي يقيمها .... إلخ.
(٥) أي: أبو يوسف، كما يظهر من عبارة "الظهيرية". انظر التعليق السابق.
(٦) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٧/٢.
الجزء الخامس
٢٣
باب الجمعة
فلقاضي القضاةِ بالشام أنْ يقيمَها، وأنْ يولّيَ الخطباءَ بلا إذنٍ صريحٍ ولا تقريرِ الباشا، ..
كما أنَّ له أنْ يستخلفَ للقضاء وإنْ لم يُؤْذَنْ له مع أنَّ القاضيَ ليس له الاستخلافُ إلاَّ بإذنِ
السلطان؛ لأنَّ تولية قاضي القضاة إذنٌ بذلك دلالةً كما صرَّحَ به في "الفتح"(١)، ولا يتوقّفُ ذلك
على تقريرِ الحاكم المسمَّى بالباشاه (٢)، لكنْ في "التجنيس": أنَّ في إقامة القاضي روايتين، وبروايةٍ
المنعِ يُفْتَى في ديارنا إذا لم يُؤمَرْ به ولم يُكَتَبْ في منشوره))، ويمكنُ حملُ ما في "التجنيس" على ما
إذا لم يُوَلَّ قاضي القضاة، أمَّا إنْ وُّلِّيَ أغنى هذا اللفظُ عن التنصيص عليه، "نهر "(٢).
[٦٧٣٠) (قولُهُ: فلقاضي القضاةِ بالشام إلخ) أخَذَهُ من كلام "البحر"(٤) كما علمتَ، لكنْ
فيه(٥) أنَّ قاضي القضاة الذي له ذلك هو قاضي المشرق والمغرب كما مرَّ(٦) عن "الظهيرِيَّة"، وأمَّا
قاضي الشام ومصرَ فإنَّ ولايته مُستمَدَّةٌ من ذلك القاضي العامٌّ، وكونُهُ مأذوناً بالاستخلاف - أي:
استخلافٍ نُوَّابٍ عنه في بلده وتوابعها - لا يَزَمُ منه إذنُهُ بإقامة الجمعة بخلاف ذاك القاضي العامِّ
الذي أَزِنَ له السلطانُ بإقامة مصالحِ الدِّين ونصب القضاة في سائرِ البلدان، ولذا يُسمَّى قاضيَ
القضاة، ويدلُّ على ذلك أنَّه جرت العادةُ في هذه الدولة العثمانيّة أنَّ كلَّ مَن تولَّى خطابٌ لا بدَّ أن
يُرسِلَ إلى جهة السلطان - حفظه الله تعالى - لِيُقرِّرَهُ فيها، فلو كان القاضي أو الباشاه مأذوناً
بإقامتها لصَحَّ أَنْ يُولِّيَ الخطيبَ.
(قولُهُ: فإنَّ ولايته مستمدَّةٌ من ذلك القاضي العامِّ) كونُها مستمدَّةٌ لا يُنافي كونَهُ قاضي قضاةٍ
بالنسبة لمن هو دونه من القضاة الذين يَستمِدُون الولاية منه، وأَنَّه مأذونٌ له بإقامةِ مصالح الدِّين ونَصْب
القضاة في بلاد إقليم مصرَ مثلاً كما هو ظاهرٌ، تأمَّل.
(١) "الفتح": كتاب أدب القاضي - باب كتاب القاضي إلى القاضي ٣٩٢/٦.
(٢) في "م": ((بالباشا)).
(٣) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٨٤/ب.
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٧/٢.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٧/٢ معزياً إلى "الظهيرية".
(٦) في المقولة السابقة.
قسم العبادات
٢٤
حاشية ابن عابدين
وقالوا: يقيمُها أميرُ البلد، ثمَّ الشُّرْطِيُّ، ثمَّ القاضي، ثمَّ مَن ولاَّهُ قاضي القضاة
(ونصبُ العامَّةِ) الخطيبَ (غيرُ معتبَرِ ..
والحاصلُ: أنَّ المدار على الإذن، وإنما يُعلَمُ ذلك من جهته، فإِنْ قال: إنّي مأذونٌ بذلك صُدِّقَ؛
لأنَّ مجرَّدَ تولية القضاء أو الإمارةِ مثلاً لا يكون إذناً بإقامتها على المفتى به كما مرَّ(١) عن "التجنيس"
إلاَّ إذا فوَّضَ السلطانُ إليه أمورَ الدنيا والدِّين كما كان في زمانهم كما مرَّ(٢) عن "المغربِ"
و "الظهيريَّةِ"(٣)، ثمَّ رأيتُ في "نهج النجاة" معزيًّاً إلى رسالةٍ لـ "المصنّف": ((لا يخفى أنَّ هذا إنما
يستقيمُ في قاضٍ فُوِّضَ له الأمورُ العامَّة، أمَّا مَن فَوَّضَ له السلطانُ قضاءَ بلدةٍ لَيَحكُمَ فيها بما صحَّ
من مذهب إمامه فلا لعدم الإذن له صريحاً أو دلالةً)) اهـ. وهذا صريحٌ فيما قلناه، والله أعلم.
[٦٧٣١) (قولُهُ: وقالوا: يقيمُها إلخ) تقييدٌ لعبارة المتن، فإنّه لم يُبِّنْ فيها ترتيبَهم،
والمعنى أنَّهم مرتَّبون كترتيب العصبات في ولاية التزويج، فيقيمُها الأبعدُ عند غيبة الأقربِ
أو موته، لا بحضرته إلاَّ بإذنه، هذا ما ظهَرَ لي، وهو مُفادُ ما في "البحر"(٤) عن "النُّجْعة"
فراجعه، لكنَّ تقديم الشُّرْطيِّ على القاضي مُخالِفٌ لِما صرَّحوا به في صلاة الجنازة
من تقديمِ القاضي على الشُّرْطِيِّ، فتأمَّل.
(قولُهُ: تقييدٌ لعبارة المتن إلخ) الظاهرُ أنَّ هذا الترتيبَ على سبيل الأولويَّة مراعاةً لتقديم الشَّخص
على مَن دونه رتبةً، لا أنَّ هذا الترتيب لازمٌ كما تفيدُهُ عبارة "المحشِّي"، فإنَّ ذلك يتوقّفُ على التفويض من
قِبَلِ السُّلطان على سبيل الترتيب، وهو غيرُ موجودٍ، بل ثبَتَ لكلِّ بدونه، فلا ترتيبَ كما قال "ط"، تأمَّل.
(قولُهُ: لكنَّ تقديمَ الشُّرطيِّ على القاضي إلخ) الظاهرُ أنَّ المسألة ذاتُ خلافٍ.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) المقولة [٦٧٢٨] قوله: ((أو صاحب الشرط)).
(٣) المقولة [٦٧٢٩] قوله: ((أو القاضي المأذون له في ذلك)).
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٦/٢.
الجزء الخامس
٢٥
باب الجمعة
مع وجودِ مَن ذُكِرَ) أمَّا مع عدمِهم فيجوزُ للضرورة.
(وجازَتٍ) الجمعةُ (بِمِنى في الموسم)
[٦٧٣٢) (قولُهُ: مع وجودٍ مَن ذُكِرَ) أي: إذا كانوا مأذونين كما مرَّ(١) من أنَّ مَن ذُكِرَ له
إقامتها بالإِذن العامٌّ، أمَّا في زماننا فغيرُ مأذونين.
[٦٧٣٣] (قولُهُ: فيجوزُ للضَّرورة) ومثلُهُ ما لو منَعَ السلطانُ أهلَ مصرٍ أنْ يُحَمِّعوا إضراراً
وتعتُّناً فلهم أنْ يُحْمِعوا على رجلٍ يصلِّي بهم الجمعةَ، أمَّا إذا أراد أن يُخرِجَ ذلك المصرَ من أن
يكون مصراً لسببٍ من الأسباب فلا كما في "البحر"(٢) ملخّصاً عن "الخلاصة"(٣).
( تتمَّةٌ )
في "معراج الدِّراية" عن "المبسوط"(٤): ((البلادُ التي في أيدي الكفّارِ بلادُ الإِسلام لا بلادُ
الحرب؛ لأَنّهم لم يُظهروا فيها حكمَ الكفر، بل القضاةُ والولاة مسلمون يطيعونهم عن ضرورةٍ
أو بدونها، وكلُّ مصرٍ فيه والٍ من جهتهم يجوزُ له إقامةُ الجمعِ والأعيادِ والحدِّ، وتقليدُ القضاة
٥٤٠/١ لاستيلاء المسلم عليهم، فلو الولاةُ كفَّاراً يجوزُ للمسلمين إقامةُ الجمعة، ويصيرُ القاضي قاضياً
بتراضي المسلمين، ويجب عليهم أن يلتمسوا والياً مسلماً)) اهـ.
[٦٧٣٤) (قولُهُ: في الموسمِ) أي: موسمِ الحاجٌّ، وهو سوقُهم ومُجتمَعُهم، من الوَسْمِ
(قولُهُ: ومثلُهُ ما لو مَنَعَ السلطانُ أهلَ مصرٍ إلخ) نقَلَ "محمَّد حسين" الأنصاريُّ عن "حاشية شرح
الوقاية" لـ "شيخ الإسلام": ((أَنَّه لو اجتمعت العامَّة عند الضَّرورة وفقدانِ السلطان أو نائبه على تقديم
رجلٍ للخطبة والصلاة جاز)) اهـ. وفي "عقد اللآلي": ((لو تعذَّرَ الاستئذانُ من الإمام فاجتمَعَ الناس
على رجلٍ يصلّي بهم الجمعةَ جاز)) انتهى. اهـ "سندي".
(قولُهُ: أي: موسمِ الحاجِّ) فإِنَّها تتمصَّرُ أَيَّامَ الموسم؛ لأنَّ لها بناءً، وتُنقَلُ إليها الأسواقُ، ويَحضُرُها
والٍ وقاضٍ. اهـ "منح".
(١) المقولة [٦٧٣٠] قوله: ((فلقاضي القضاة بالشام إلخ)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٧/٢.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث والعشرون في صلاة الجمعة ق ٥٣/أ.
(٤) لم نعثر عليها في مظانّها من "مبسوط السرخسي".
قسم العبادات
٢٦
حاشية ابن عابدين
فقط (لِ) وجودِ (الخليفةِ أو أميرِ الحجاز) أو العراقِ أو مكّةَ، ووجودِ الأسواق
والسِّكَكِ، وكذا كلُّ أبنيةٍ نزَلَ بها الخليفةُ،.
وهو العلامةُ، "مغرب" (١).
[٦٧٣٥) (قولُهُ: فقط) أي: فلا تصحُّ في منى في غيرِ أَيَّام اجتماعِ الحاجِّ فيها لفقدٍ بعض
الشروط.
[٦٧٣٦) (قولُهُ: لوجودِ الخليفةِ) أي: السلطانِ الأعظمِ، "قاموس"(٢).
[٦٧٣٧) (قولُهُ: أو أميرِ الحجازِ) وهو السلطانُ بمكَّة، كذا في "الدرر"(٣)، أي: شريفِ مكّةً
الحاكمِ في مكّةَ والمدينةِ والطائفِ وما يلي ذلك من أرض الحجاز.
[٦٧٣٨] (قولُهُ: أو العراقِ) كأميرٍ بغداد بناءً على أنَّه مأذونٌ بذلك.
[٦٧٣٩) (قولُهُ: أو مكَّةَ) مكرَّرٌ مع ((أميرِ الحجاز))، إلاَّ أنْ يُرادَ به أخصُّ منه.
[٦٧٤٠) (قولُهُ: وكذا كلُّ أبنيةٍ إلخ) قال في "العناية"(٤): ((وفي كلام "الهداية" إشارةٌ إلى أنَّ
الخليفة والسلطان إذا طاف في ولايته كان عليه الجمعةُ في كلِّ مصرٍ يكونُ فيه يومَ الجمعة؛ لأنَّ
إمامة غيره إنما تجوزُ بأمره، فإمامتُهُ أَولى وإنْ كان مسافراً)) اهـ.
أقولُ: مقتضاه أنَّ الجواز في قول "المصنف": ((وجازَتْ بمنى)) في معنى الوجوب مع أنَّ من
شروطٍ وجوبها الإقامةَ، ولا يلزمُ من جواز إمامة الخليفة فيها وجوبُها عليه إذا كان مسافراً، ولا أنْ
يَأْمُرَ مقيماً بإقامتها، ولا يلزمُ أيضاً من كون المصر من جملةٍ ولايته أنْ يصيرَ مقيماً بوصوله إليه
(قولُهُ: ولا أن يأمُرَ مقيماً بإقامتها) فيه أنَّه حيث تمصَّرَتْ أَيّامَ الموسم والخليفةُ مسافرٌ تجبُ على
المقيمين، ولا يتأَتَّى لهم فعلُها إلاَّ بالإِمام أو نائبه، فيجبُ عليه أن يأمرَ غيره بإقامتها إنْ لم يفعلها بنفسه،
(١) "المغرب": مادة ((وسم)).
(٢) "القاموس": مادة ((خلف)).
(٣) "الدرر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٣٧/١.
(٤) "العناية": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٤/٢ (هامش "فتح القدير").
الجزء الخامس
٢٧
باب الجمعة
وعدمُ التعیید بمِنی للتخفيف.
إلاَّ على قولٍ ضعيفٍ كما قدَّمناه(١) في الباب السابق، تأمَّل. ثمَّ رأيتُ "صاحب الحواشي
السعديَّة"(٢) اعترضَهُ بقوله: ((دلالةُ ما ذَكَرَهُ على ما ادَّعاه من وجوب الجمعة على الخليفة
إذا طافَ ولايَتَهُ غيرُ ظاهرةٍ)) اهـ.
وبه ظهَرَ أنَّ الجواز في كلام "المصنّف" على معناه، ويدلُّ عليه ما في "فتح القدير"(٣) من
قوله: ((والخليفةُ وإنْ كان قصَدَ السفرَ للحجِّ فالسفرُ إنما يُرخّصُ في الترك، لا أَنَّه يمنعُ صحَّتَها))
اهـ، فافهم.
[٦٧٤١] (قولُهُ: وعدمُ التعبيدِ بمنى) أي: عدمُ إقامةِ العيد بها لا لكونها ليست بمصرٍ بل
للتخفيف على الحاجِّ لاشتغالهم بأمورِ الحجِّ من الرمي والحلق والذبح في ذلك اليوم بخلاف الجمعة؛
لأَنّه لا يَتْفِقُ في كلِّ سنةٍ هجومُ الجمعة في أَيَّامِ الرمي، أمَّ العيدُ فإِنَّه في كلِّ سنةٍ، "سراج"(٤). وأيضاً
فإنَّ الجمعة تبقى إلى آخرِ وقت الظهر، والغالبُ فراغ الحاجِّ من أعمالِ الحجِّ قبل ذلك بخلاف
وقت العيد، ومقتضى هذا أنَّ الجمعة إذا أُقِيمَتْ بمنى أنْ تجبَ على المقيمين من أهل مكَّة
إذا خرجوا للحجِّ خلافاً لِما بحَثَّهُ في "شرح المنية"(٥)، بل الظاهرُ وجوب إقامتها عليهم، تأمَّل.
ويظهرُ أنَّ المراد بوجوبها عليه في عبارة "العناية" وجوبُ إقامتها كما هو عبارة "النهاية"، أي: وجوبُ
تحصيلها في هذا المكان، لا بمعنى أنَّه يجب عليه أن يفعلها بنفسه؛ إذ قد تحقَّقَ أنَّها مصرٌ ووجبت على
المقيمين، ولا يمكن إسقاط هذا الواجب إلاَّ بواسطته، فعليه أن يقوم بإسقاطه عنهم بأحدٍ شيئين: إقامتِها
بنفسه أو إذنِهِ لغيره، ثمَّ ذكَرَ علََّ صحَّةٍ إقامتها بنفسه بقوله: ((لأنَّ إمامة إلخ))؛ لأنّه المحتاجُ للتعليل
لكونه محلَّ خفاءٍ.
(١) المقولة [٦٦٧١] قوله: ((سافر السلطان قصر)).
(٢) "الحواشي السعدية": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٤/٢ (هامش "فتح القدير").
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٦/٢.
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق ٣٠٧/أ بتصرف.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة صـ٥٥١ ..
قسم العبادات
٢٨
حاشية ابن عابدين
(لا) تجوزُ (لأميرِ الموسم) لقصورٍ ولايته على أمورِ الحجِّ، حتّى لو أُذِنَ له جازَ
(ولا بعرفاتٍ) لأَنَّها مَفَازَةٌ.
(وتُؤْذَّى في مصرٍ واحدٍ بمواضعَ كثيرةٍ) مطلقاً
( تنبيةٌ )
ظاهرُ التعليل وجوبُ العيد في مكَّةً، وقد ذكَرَ "البيري" في كتاب الأضحية: ((أَنَّه هو ومَن
أدرَكَهُ من المشايخ لم يصلُّوها فيها))، قال: ((والله أعلمُ ما السببُ في ذلك؟)) اهـ.
قلت: لعلَّ السبب أنَّ مَن له ولايةُ إقامتها يكونُ حاجًّاً في منى.
[٦٧٤٢) (قولُهُ: لا تجوزُ لأمير الموسم) هو المسمَّى أميرَ الحاجِّ كما في "مجمع الأنهر " (١).
أقولُ: كانت عادةُ سلاطينِ بني عثمان - أَيَدَهم الله تعالى - أنَّهم يُرسِلون أميراً يُؤَلُّونه أمورَ
الحاجِّ فقط غيرَ أميرِ الشام، والآن جعلوا أميرَ الشامِ والحاجِّ واحداً، فعلى هذا لا فرقَ بين أمير
الموسم وأمير العراق؛ لأنَّ كلاً منهما له ولايةٌ عامَّةٌ، فإذا كان من عموم ولايته إقامةُ الجمعة
في بلده يقيمُها في منى أيضاً بخلاف مَن كان أميراً على الحاجِّ فقط، ويُوضِحُ ما ذكرناه قولُ
"الشارح" تبعاً لغيره: ((لقُصُورِ ولايته إلخ))، فافهم.
(٦٧٤٣)] (قولُهُ: لأَنّها مفازةٌ) أي: برِّيَّةٌ لا أبنيةَ فيها بخلاف منى.
[٦٧٤٤] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان المصرُ كبيراً أوْ لا، وسواءٌ فصَلَ بين جانبيه نهرٌ كبيرٌ
كبغدادَ أوْ لا، وسواءٌ قُطِعَ الجسرُ أو بقي متَّصلاً، وسواءٌ كان التعدُّدُ في مسجدين أو أكثرَ، هكذا
يُفادُ من "الفتح"(٢)، ومقتضاه أَنَّه لا يلزمُ أن يكون التعدُّدُ بقدْرِ الحاجة كما يدلُّ عليه كلامُ
"السرخسيِّ" الآتي(٣).
(قولُهُ: قلت: لعلَّ السَّبب أنَّ مَن له إلخ) فيه أنَّ عند عدم وجود مَن له ولايةُ الإقامة يكونُ للعامَّة
نصبُ خطيبٍ كما تقدَّمَ في الشَّرح.
(١) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - باب الجمعة ١٦٨/١.
(٢) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٥/٢.
(٣) في المقولة الآتية.
الجزء الخامس
٢٩
باب الجمعة
على المذهب، وعليه الفتوى، "شرح المجمع" لـ "العيني" وإمامة "فتح القدير" دفعاً
للحرج، وعلى المرجوحِ فالجمعةُ لِمَن سَبَقَ تحريمةً، وتفسُدُ بالمعيَّة والاشتباه، ......
[٦٧٤٥] (قولُهُ: على المذهب) فقد ذكَرَ الإِمام "السرخسيُ)(١): ((أَنَّ الصحيح من مذهب
"أبي حنيفة" جوازُ إقامتها في مصرٍ واحدٍ في مسجدين وأكثر))، وبه نأخذُ لإطلاقِ: ((لا جمعةَ
إلاّ في مصرٍ))، شرَّطَ المصرَ فقط، وبما ذكرنا اندفَعَ ما في "البدائع"(٢): ((من أنَّ ظاهر الرواية
جوازُها في موضعين لا في أكثرَ، وعليه الاعتمادُ)) اهـ. فإِنَّ المذهب الجوازُ مطلقاً، "بحر"(٣).
[٦٧٤٦) (قولُهُ: دفعاً للحرج) لأنَّ في إلزام اتّحادِ الموضع حَرَجاً بيِّناً لاستدعائه تطويلَ المسافة
على أكثرِ الحاضرين، ولم يوجد دليلُ عدمِ جواز التعدُّدِ، بل قضيّةُ الضَّرورة عدمُ اشتراطه لا سيَّما
إذا كان مصراً كبيراً كمصرِنا كما قالَهُ "الكمال"(٤)، "ط "(٥).
[٦٧٤٧) (قولُهُ: وعلى المرجوحِ) هو ما مرَّ(١) عن "البدائع" من عدم الجوازِ في أكثرَ من
موضعین.
[٦٧٤٨] (قولُهُ: لِمَنْ سَبَقَ تحريمةً) وقيل: يُعتبَرُ السبقُ بالفراغ، وقيل: بهما، والأوَّلُ أصحُّ،
"بحر"(٧) عن "القنية"(٨). أي: أصحُّ عند صاحب القول المرجوح، قال في "الحلبة"(٩): ((وكنتُ قد
راجعتُ شيخَنا - يعني: "الكمال" - في هذا كتابةً فكتَبَ إليَّ: وأمَّا السَّبْقُ فلا شكَّ عندي
في اعتباره بالخروج، وهل يُعتبرُ معه الدخولُ؟ محلُّ تردُّدٍ في خاطري؛ لأنَّ سَبْقَ كذا هو بتقدُّمِ
دخولِ تمامِهِ في الوجود، أو بتقدُّمِ انقضائه؟ كلٌّ محتملٌ)) اهـ.
(١) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الجمعة ١٢٠/٢.
(٢) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في بيان شرائط الجمعة ٢٦١/٢ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٤/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٥/٢.
(٥) "ط": كتاب الصلاة - باب في صلاة الجمعة ٣٤١/١.
(٦) المقولة [٦٧٤٥] قوله: ((على المذهب)).
(٧) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٤/٢.
(٨) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجمعة ق٢٢/ب.
(٩) "الحلبة": التكملة - الفصل الخامس في صلاة الجمعة ٢/ق ٢٧٨/ب.
قسم العبادات
٣٠
حاشية ابن عابدين
فيصلِّي بعدها آخرَ ظهرِ، وكلُّ ذلك خلافُ المذهب، فلا يُعوَّلُ عليه كما حرَّرَهُ في
"البحر"، وفي "مجمع الأنهر"(١) معزّاً لـ "المطلب" (٢): ((والأحوطُ نَّةُ آخرِ ظهرٍ
أدركتُ وقتَهُ؛.
مطلبٌ فِي نَّةِ آخرِ ظهرِ بعد صلاة الجمعة
[٦٧٤٩] (قولُهُ: فيصلِّي بعدَها آخرَ ظهرٍ) تفريعُهُ على المرجوح يفيدُ أنَّه على الراجح من جواز
التعدُّدِ لا يصلِيها بناءً على ما قدَّمَهُ(٣) عن "البحر": ((من أنَّ أفتى بذلك مراراً خوفَ اعتقاد عدم
فرضيَّةِ الجمعة))، وقال في "البحر"(٤): ((إنّه لا احتياطَ في فعلها؛ لأَنَّه العملُ بأقوى الدليلين)) اهـ.
٥٤١/١
أقولُ: وفيه نظرٌ، بل هو الاحتياطُ بمعنى الخروجِ عن العُهدة بيقينٍ؛ لأنَّ جواز التعدُّدِ وإِنْ
كان أرجحَ وأقوى دليلاً لكنْ فيه شبهةٌ قويَّةٌ؛ لأنَّ خلافه مرويٌّ عن "أبي حنيفة" أيضاً، واختارَهُ
"الطحاويُّ" و"التمرتاشيُّ" و"صاحبُ المختار"(٥)، وجعَلَهُ "العتابيُّ" الأظهرَ، وهو مذهبُ
"الشافعيّ"، والمشهورُ عن "مالكٍ"، وإحدى الروايتين عن "أحمد" كما ذكَرَهُ "المقدسيُّ" في رسالته
"نور الشمعة في ظهر الجمعة"(٦)، بل قال "السبكيُّ" من الشافعيّة: ((إِنَّه قولُ أكثرِ العلماء،
ولا يُحفَظُ عن صحابيِّ ولا تابعيِّ تجويزُ تعدُّدِها)) اهـ.
(قولُهُ: أقول: وفيه نظرٌ بل هو إلخ) قد يقال: مرادُ "الشارح" بقوله: ((فيصلّي إلخ)) أنَّه يُفترَضُ
عليه ذلك، وهذا إنما يتفرَّعُ على خلاف المذهب، وأمَّا عليه فلا يُفترَضُ عليه، بل يكره على ما
في "البحر"، أو يندبُ أو يجبُ على غيرِ ما في "البحر".
(١) "مجمع الأنهر": كتاب الصلاة - باب الجمعة ١٦٨/١ بتصرف.
(٢) لعله "المطلب الفائق شرح كنز الدقائق"، وستأتي ترجمته ٤٩٩/٦.
(٣) ص٤ - "در".
(٤) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٤/٢.
(٥) "الاختيار": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٨٣/١.
(٦) "نور الشمعة في أحكام ظهر الجمعة": لعليّ بن محمد، نور الدين المعروف بابن غانم المقدسيّ(ت١٠٠٤هـ).
("كشف الظنون" ١٩٨٢/٢، "خلاصة الأثر" ١٨٠/٣، "الأعلام" ١٢/٥).
الجزء الخامس
٣١
باب الجمعة
وقد علمتَ قولَ "البدائع": ((إِنَّه ظاهرُ الرواية))، وفي "شرح المنية"(١) عن "جوامع الفقه":
((أَنَّه أظهرُ الروايتين عن "الإِمام"))، قال في "النهر"(٢): ((وفي "الحاوي القدسيِّ"(٣): وعليه الفتوى،
وفي "التكملة" لـ "الرازي"(٤): وبه نأخذُ)) اهـ.
فهو حينئذٍ قولٌ معتمدٌ في المذهب لا قولٌ ضعيفٌ، ولذا قال في "شرح المنية"(*): ((الأولى
هو الاحتياطُ؛ لأنَّ الخلاف في جوازِ التعدُّدِ وعدمِهِ قويٌّ، وكونُ الصحيح الجوازَ للضرورة للفتوى
لا يَمنَعُ شرعيَّةً الاحتياط للتقوى)) اهـ.
قلت: على أنَّه لو سُلَّمَ ضعفُهُ فالخروجُ عن خلافه أولى، فكيف مع خلافِ هؤلاء الأئمّة؟
وفي الحديث المتّفقِ عليه(٦): ((فمَن ◌َّقى الشبهاتِ استبرأ لدينه وعِرضه)، ولذا قال بعضُهم فيمن
يقضي صلاةً عمره مع أَنَّه لم يَفْتُهُ منها شيءٌ: لا يكرهُ؛ لأَنَّه أخذٌ بالاحتياط، وذكَرَ في "القنية"(٧):
((أَنَّه أحسنُ إنْ كان في صلاته خلافُ المجتهدين))، ويكفينا خلافُ مَن مرَّ(٨).
(١) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة صـ ٥٥١ ..
(٢) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٨٤/أ باختصار.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٥٠/ب، لكن عبارة: ((وعليه الفتوى)) ليست فيه.
(٤) "تكملة مختصر القُدُوريّ": لحسام الدين المكِّيّ الرّازيّ(ت٥٩٨هـ)، وتقدّم التعريف بها ٢٢٠/٣.
(٥) "شرح المنية الكبير": فصل في صلاة الجمعة صـ٥٠٢۔ باختصار.
(٦) أخرجه البخاريّ (٥٢) كتاب الإيمان - باب فضل من استبرأ لدينه، ومسلم (١٥٩٩) كتاب المساقاة - باب أخذ
الحلال وترك الشبهات، وأخرجه أحمد ٢٦٩/٤، وأبو داود (٣٣٣٠) كتاب البيوع - باب في اجتناب الشبهات،
والترمذيّ (١٢٠٥) كتاب البيوع - باب ما جاء في ترك الشبهات، وقال: حسن صحيح. والنسائيّ بنحوه ٢٤٢/٧
كتاب البيوع - باب اجتناب الشبهات في الكسب، وابن ماجه (٣٩٨٤) كتاب الفتن - باب الوقوف عند الشبهات
من حديث النُّعْمان بن بشير عظته مرفوعاً.
(٧) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجمعة ق٢٢/ب.
(٨) في هذه المقولة.
قسم العبادات
٣٢
حاشية ابن عابدين
ونقَلَ "المقدسيُّ" عن "المحيط "(١): ((كلُّ موضعٍ وقَعَ الشكُّ في كونه مصراً ينبغي لهم أنْ يصلُّوا
بعد الجمعة أربعاً بنيّةِ الظهر احتياطاً، حتَّى إِنَّه لو لم تقع الجمعةُ موقعَها يخرجون عن عُهدة فرض
الوقت بأداء الظهر))، ومثلُهُ في "الكافي"(٢)، وفي "القنية "(٣): ((لَمَّ ابتُلِيَ أهلُ مرو بإقامةِ الجمعتين
فيها مع اختلاف العلماء في جوازهما أمَرَ أئمَّتُهم بالأربع بعدها حتماً احتياطاً)) اهـ. ونقَلَهُ كثيرٌ
من شُرَّاح "الهداية"(٤) وغيرها وتداولوه.
وفي "الظهيريَّةُ"(٥): ((وأكثرُ مشايخ بخارى عليه لُيُخرَجَ عن العهدة بيقينٍ))، ثمَّ نقَلَ "المقدسيُّ"
عن "الفتح"(١): ((أَنّ ينبغي أنْ يصلّيَ أربعاً ينوي بها آخرَ فرضٍ أدركتُ وقَتَهُ ولم أؤدِّهِ إِنْ تردَّدَ في
كونه مصراً، أو تعدَّدت الجمعةُ))، وذكَرَ مثلَهُ عن المحقّق "ابن جُرُباش"، قال: ((مَّ قال: وفائدتُهُ
الخروج عن الخلاف المتوهَّمِ أو المحقّقِ وإنْ كان الصحيحُ صحَّةَ التعداد، فهي نفعٌ بلا ضررٍ))،
ثُمَّ ذكَرَ ما يُوهِمُ عدم فعلها، ودفَعَهُ بأحسنِ وجهٍ، وذكَرَ في "النهر (٧): ((أَنّه لا ينبغي التردُّدُ في ندبها
على القول بجوازِ التعدُّدِ خروجاً عن الخلاف)) اهـ. وفي "شرح الباقائيّ)(1): ((هو الصحيحٌ)).
وبالجملة فقد ثبَتَ أَنَّه ينبغي الإتيانُ بهذه الأربعِ بعد الجمعة، لكنْ بقي الكلامُ في تحقيق أَنَّه
واجبٌ أو مندوبٌ، قال "المقدسيُّ": ((ذَكَرَ "ابن الشحنة"(٩) عن جدِّهِ التصريحَ بالندب، وبَحَثَ فيه:
(١) "المحيط البرهاني": كتاب الصلاة - الفصل الخامس والعشرون في الجمعة ١/ق ١٠١/ب.
(٢) "كافي النسفيّ": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١/ق ٥١/ب.
(٣) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجمعة ق٢٢/ب.
(٤) انظر "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٥/٢.
(٥) لم نعثر عليها في مظانّها من "الظهيرية".
(٦) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٥/٢.
(٧) "النهر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٨٤/ب.
(٨) له شرح على "ملتقى الأبحر" وشرح على "النقاية"، ولم يتبين لنا المراد منه هنا. انظر "فهرس مخطوطات
الظاهرية" - الفقه الحنفي ٩١/١ ، ٤٩٥.
(٩) لم نعثر على النقل في شرحه على "الوهبانية"، ولا في ألغازه.
الجزء الخامس
٣٣
باب الجمعة
لأنَّ وجوبه عليه بآخر الوقت))
بأنَّه ينبغي أنْ يكون عند مجرَّدِ التوهُّمِ، أمّا عند قيام الشكِّ والاشتباهِ في صحَّةِ الجمعة فالظاهرُ
الوجوب، ونقَلَ عن شيخه "ابن الهمام"(١) ما يفيدُهُ، وبه يُعلَمُ أَنَّها هل تُجزِي عن السنَّةِ أم لا؟
فعند قيام الشكِّ لا، وعند عدمه نعم، ويؤيِّدُ التفصيلَ تعبيرُ "التمرتاشيّ" بـ: لا بدَّ، وكلامُ "القنية"
المذكورُ)) اهـ. وتمامُ تحقيق المقام في "رسالة المقدسيّ"، وقد ذكَرَ شذرةً منها في "إمداد الفتّاح"(٢).
وإنما أطلنا في ذلك لدفعِ ما يُوهِمُهُ كلامُ "الشارح" تبعاً لـ "البحر"(٣) من عدمٍ فعلها مطلقاً،
نعم إنْ أدَّى إلى مفسدةٍ لا تُفعَلُ جهاراً، والكلامُ عند عدمها، ولذا قال "المقدسيُّ": ((نحن لا نأمرُ
بذلك أمثالَ هذه العوامِّ، بل ندلُّ عليه الخواصَّ ولو بالنسبة إليهم)) اهـ، والله تعالى أعلم.
[٦٧٥٠] (قولُهُ: لأنَّ وجوبه عليه بآخرِ الوقت) قال في "الحلبة"(٤): ((في هذا التعليل نظرٌ، فإنَّ
المذهب أنَّ الظهر يجبُ بزوال الشمس وجوباً موسَّعاً إلى وقتِ العصر، غيرَ أنَّ السبب هو الجزءُ
الذي يَتَّصلُ به الأداءُ، فإنْ لم يُؤَدَّ إلى آخرِ الوقت تعَيَّنَ الجزءُ (٥) الأخير للسبيّة)) اهـ.
أقولُ: يمكنُ أنْ يجاب بأنَّ قوله: ((والأحوطُ نيَّةُ آخرِ ظهرِ أدركتُ وقَتَهُ)) هو أحوطُ بالنسبة
إلى ما إذا نوى آخرَ ظهرِ وجَبَ عليَّ أداؤه أو ثبَتَ في ذمَّتي، فإنَّ ذلك لا يفيدُهُ لو ظهَرَ عدُ صحَّةٍ
الجمعة؛ لأنَّ وجوبَ أدائِهِ أو ثبوتَهُ في ذمَّتِهِ لا يكونُ إلاّ في آخرِ الوقت أو بعده، نعم لو قال:
(قولُهُ: أقول: يمكنُ أن يُجابَ إلخ) لم يظهر كونُهُ جواباً عمَّا في "الحلبة"، بل كونُهُ توجيهاً لاختيارٍ
ما في "الشارح" عن الصُّور المذكورة على ما قاله.
(١) "الفتح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٥/٢.
(٢) "الإمداد": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق ٢٨١/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٤/٢.
(٤) "الحلبة": التكملة - الفصل الخامس في صلاة الجمعة ٢/ق ٢٧٨/أ.
(٥) من ((الذي)) إلى ((تعين الجزء)) ساقط من "آ".
قسم العبادات
٣٤
حاشية ابن عابدين
وجَبَ عليَّ يفيدُهُ؛ لأنَّ الوجوب بدخول الوقت بخلاف وجوب الأداء على ما حقّقَهُ في
"التوضيح" (١) من الفرق بين الوجوبِ ووجوبِ الأداء، لكنَّ الأَولى أنْ يزيدَ: ولم أُصلِّهِ، أو
ولم أُؤدِّهِ كما مرَّ(٢) عن "الفتح"؛ لأَنَّه إذا كان عليه ظهرٌ فائتٌ، وكانت هذه الجمعةُ صحیحةً في
نفس الأمرِ ينصرفُ ما نوى إلى ما عليه، وبدون هذه الزيادةِ لا ينصرفُ ما نوى إليه، بل يقعُ نفلاً؛
لأنَّ آخرَ ظهرٍ أدركَهُ هو ظهرُ يومٍ الجمعة؛ لِما مرَّ(٣) من أنَّ الوقت عندنا للظهر أصالةً في يوم
الجمعة خلافاً لـ "زفر"، وكذا إذا قلنا: إنَّ ظهر الجمعة سقَطَ عنه بصلاة الجمعة؛ لأَنَّه يصيرُ آخرُ
ظهرِ أدرَكَهُ ظهرَ يوم الخميس، فلا ينصرفُ إلى ظهرٍ فائتٍ عليه قبله إلاَّ إذا زاد قوله: ولم أصلِّهِ،
ء
ولعلَّ "الشارح" أشارَ إلى هذا بقوله: ((فتَبَّهْ))، فافهم.
( تتمَّةٌ )
قال في "شرح المنية الصغير"(٤): ((والأَولى أنْ يصلِّيَ بعد الجمعة سنّتها ثمَّ الأربعَ بهذه النَّةِ،
أي: نَّةِ آخرِ ظهرٍ أدركتُهُ ولم أصلِهِ، ثمَّ ركعتين سنَّةَ الوقت، فإنْ صحَّت الجمعةُ يكون
٥٤٢/١ قد أدَّى سنّتُها على وجهها، وإلاَّ فقد صلَّى الظهرَ مع سنَّتِهِ، وينبغي أنْ يقرأ السورةَ مع الفاتحة
(قولُهُ: ينصرفُ ما نوى إلى ما عليه) فيه تأمُّلٌ، وذلك أنَّه إذا كانت الجمعةُ صحيحةٌ في نفسِ الأمر
يصدقُ على ظهر هذا اليوم أنَّه آخرُ ظهرٍ أدرَكَ وقته ولم يصلّه، فلم ينصرف ما نوى إلى ما عليه بل يقعُ
نفلاً، نعم ينصرفُ إلى ما عليه لو قال: آخر ظُهرٍ وَجَبَ عليَّ ولم أصلّه بدل: أدركتُ وقَهُ ولم أصلّه.
(قولُهُ: إنَّ ظُهر الجمعةِ سقَطَ عنه) أي: لم يفترض عليه بسبب افتراض صلاة الجمعة كما هو قول
"زفر" القائلِ: إِنَّها فرضٌ مستقلٌّ وليست بدلاً عنه.
(١) "التوضيح": الفرق بين نفس الوجوب ووجوب الأداء ٢٠٣/١ (هامش "التلويح").
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) المقولة [٦٦٨٥] قوله: ((وليست بدلاً عنه إلخ)).
(٤) "شرح المنية الصغير": فصل في صلاة الجمعة صـ ٢٦٩-٢٧٠ - بتصرف.
الجزء الخامس
٣٥
باب الجمعة
فتنبّه.
(و) الثالثُ (وقتُ الظهرِ فتبطُلُ) الجمعةُ (بخروجهِ).
في هذه الأربع إنْ لم يكن عليه قضاءٌ، فإنْ وقَعَتْ فرضاً فالسورةُ لا تضرُّ، وإنْ وقَعَتْ نفلاً فقراءةُ
السورة واجبةٌ)) اهـ
أي: وأمَّا إذا كان عليه قضاءٌ فلا يضمُّ السورةَ؛ لأنَّ هذه الأربعَ فرضٌ على كلِّ حالٍ.
قلت: وحاصلُهُ أَنَّه يصلّي بعد الجمعة عشرَ ركعاتٍ: أربعاً سنّتها، وأربعاً آخِرَ ظهرٍ،
وركعتين سنَّةَ الوقت، أي: لاحتمالِ أنَّ الفرض هو الظهرُ، فتقعُ الركعتان سنَّهُ البعديَّةَ.
والظاهرُ: أَنَّه يكفي فيَّةُ آخرِ ظهرٍ عن الأربع سنَّةِ الجمعة إذا صحَّت الجمعةُ؛ لأنَّ المعتمد
عدمُ اشتراط التعيين في السنن، وإنْ لم تصحَّ فالفرضُ هو الظهرُ، وتقعُ الأربعُ التي صلاّها قبل
الجمعة عن سنّةِ الظهر القبليّةِ، لكنْ لطول الفصل بصلاةٍ الجمعة وسماعِ الخطبة يصلّي أربعاً
أخرى، فالأَولى صلاةُ العشرة.
(٦٧٥١] (قولُهُ: فتنبُّ) في بعض النسخ: (("قنية"))، وهي صحيحةٌ؛ لأنَّ ما ذكَرَهُ هو نصُّ
عبارةِ "القنية" (١).
[٦٧٥٢] (قولُهُ: وقتُ الظهر) فيه أنَّ الوقت سببٌ لا شرطٌ، وأَنَّه لا بدَّ منه في سائر
الصلوات، والجوابُ أنَّه سببٌ للوجوب وشرطٌ لصحَّةِ المؤدَّى، وشرطَّتُهُ للجمعةِ ليست كشرطِّتِهِ
لغيرها، فإِنَّه بخروجِ الوقت لا تبقى صحَّةٌ للجمعة لا أداءً ولا قضاءً بخلاف غيرها، "سعديَّةً"(٢).
(قولُهُ: إذا صحَّتِ الجمعة) ولم يكن عليه ظهرٌ فائتةٌ.
(قولُهُ: لكنْ لطولِ الفصلِ بصلاة الجمعة إلخ) لا حاجةً للإتيان ثانياً بسنَّة الظهر القبليَّة؛ لأنَّ الأربع
عقب الجمعة هي سنّتُهُ القبليّةُ على فرضٍ صحَّته وعدمٍ صحَّة الجمعة، وعلى تقدير أنَّ الجمعة هي
الصحيحةُ تكونُ الأربع بعدها سنَّتَها، وليس هناك ظهرٌ حَتَّى يأتي بسنّته القبليَّة، نعم يحتاجُ لِما ذكرَهُ
لو نوى بالأربعِ عقب الجمعة آخرَ ظهرٍ عليه ثمَّ أتى بأربع سنَّةِ الجمعة.
(١) "القنية": كتاب الصلاة - باب في الجمعة ق ٢٢/ب.
(٢) "الحواشي السعدية": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٢٢/٢ بتصرف (هامش "فتح القدير").
قسم العبادات
٣٦
حاشية ابن عابدين
مطلقاً ولو لاحقاً بعذرِ نومٍ أو زحمةٍ على المذهب؛ لأنَّ الوقت شرطُ الأداء لا شرطُ
الافتتاح.
(و) الرابعُ (الخطبةُ فيه) فلو خطَبَ قبله وصلَّى فيه لم تصحَّ.
[٦٧٥٣] (قولُهُ: مطلقاً) أي: ولو بعد القعود قدْرَ التشهُّدِ كما في طلوع الشمس في صلاة
الفجر كما مرَّ(١) بيانُهُ في المسائل الاثني عشريَّةً.
[٦٧٥٤] (قولُهُ: على المذهبِ) ردٌّ لِما في "النوادر": ((من أنَّ المقتديَ إذا زحَمَهُ الناسُ فلم
يستطع الركوعَ والسجودَ حتّى فرغ الإِمامُ ودخَلَ وقتُ العصر فإِنَّه يُتِمُّ الجمعةَ بغيرِ قراءةٍ))،
"ح"(٢) عن "البحر"(٣).
[٦٧٥٥) (قولُهُ: الخطبةُ فيه) أي: في الوقت، وهذا أحسنُ من قول "الكنز"(٤): ((والخطبةُ
قبلَها))؛ إذ لا تنصيصَ فيه على اشتراطِ كونها في الوقت.
( تنبيهٌ )
في "البحر"(٥) عن "المجتبى": ((يُشترَطُ في الخطيب أنْ يتأهَّلَ للإمامة)) اهـ.
لكنْ ذكَرَ قبله ما يخالفُهُ حيث قال: ((وقد عُلِمَ من تفاريعهم أَنَّه لا يُشترَطُ في الإمام أنْ
يكون هو الخطيبَ، وقد صرَّحَ في "الخلاصة"(٦): بأنّه لو خطَبَ صبيٌّ بإذنِ السلطان، وصلَّى
الجمعةَ رجلٌ بالغٌ يجوزُ)) اهـ. وسيذكرُ(٧) "الشارح": ((أنَّ هذا هو المختارُ)).
(١) ٣٤/٤ "در".
(٢) "ح": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ق١٠٨/ب.
(٣) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٨/٢.
(٤) انظر "شرح العينيّ على الكنز": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٧٠/١.
(٥) "البحر": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١٥٩/٢.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الثالث والعشرون في صلاة الجمعة ق٥٢/أ معزياً إلى "المنتقى" وقد مرت
هذه المسألة صـ ١٨ -.
(٧) صـ ٨٥ - ٨٦ - "در".